Полный текст (1 346 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
٤٧٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ.
٤٧٣ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَإِلَى اسْتِحْبَابِهَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا خُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْقَلْ.
وَتَعَقَّبَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْخُطْبَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخُطْبَةَ بَلْ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكُسُوفَ بِسَبَبِ مَوْتِ أَحَدٍ مُتَعَقِّبٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ " فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ ذَكَرَ أَحْوَالَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرَ ذَلِكَ "، وَهَذِهِ مَقَاصِدُ الْخُطْبَةِ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْته إلَّا قَدْ رَأَيْته فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُك بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُقَالُ: نَمْ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تُؤْمِنُ بِهِ فَنَمْ صَالِحًا» وَفِي مُسْلِمٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْخُطْبَةِ بِأَلْفَاظٍ فِيهَا زِيَادَةٌ.
(وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَلَّى أَيْ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» أَيْ رُكُوعَاتٍ (فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) فِي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ لَهَا سَجْدَتَانِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ فَيَحْصُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ثَمَانِ رُكُوعَاتٍ، وَإِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇) أَيْ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «صَلَّى أَيْ النَّبِيُّ ﷺ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَسَجْدَتَانِ.
стр. 422
٤٧٤ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: «صَلَّى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ»
٤٧٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَا هَبَّتْ الرِّيحُ قَطُّ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ صَلَّى) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ) أَيْ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) رَكَعَ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ إذَا عَرَفْت هَذِهِ الْأَحَادِيثَ.
فَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ اتِّفَاقًا إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ الرُّكُوعَاتِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ أَرْبَعُ صُوَرٍ.
(الْأُولَى): رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَعَلَيْهَا دَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ.
(الثَّانِيَةُ:) رَكْعَتَانِ أَيْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي أَفَادَتْهَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ ﵇.
(وَالثَّالِثَةُ): رَكْعَتَانِ أَيْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَعَلَيْهَا دَلَّ حَدِيثُ جَابِرٍ.
(وَالرَّابِعَةُ:) رَكْعَتَانِ أَيْضًا يَرْكَعُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَالْجُمْهُورُ أَخَذُوا بِالْأُولَى لِمَا عَرَفْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إنَّهُ أَخَذَ بِكُلِّ نَوْعٍ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ فَأَيُّهَا فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعَدَّدَ الْكُسُوفُ، وَأَنَّهُ فَعَلَ هَذِهِ تَارَةً، وَهَذَا أُخْرَى وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ كُلَّ الرِّوَايَاتِ حِكَايَةٌ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ صَلَاتُهُ ﷺ يَوْمَ وَفَاةِ إبْرَاهِيمَ، وَلِهَذَا عَوَّلَ الْآخَرُونَ عَلَى إعْلَالِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَكَتْ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كِبَارُ الْأَئِمَّةِ لَا يُصَحِّحُونَ التَّعَدُّدَ لِذَلِكَ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَيَرَوْنَهُ غَلَطًا.
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهَا تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إلَّا جَثَا) بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ (النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أَيْ بَرَكَ عَلَيْهِمَا، وَهِيَ قَعْدَةُ الْمَخَافَةِ لَا يَفْعَلُهَا فِي الْأَغْلَبِ إلَّا الْخَائِفُ «، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ الرِّيحُ اسْمُ
стр. 423
٤٧٦ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ
جِنْسٍ صَادِقٌ عَلَى مَا يَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَيَأْتِي بِالْعَذَابِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا»، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَمَامِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»، وَهُوَ يَدُلُّ أَنَّ الْمُفْرَدَ يَخْتَصُّ بِالْعَذَابِ وَالْجَمْعَ بِالرَّحْمَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّهَا جَاءَتْ مَجْمُوعَةً فِي الرَّحْمَةِ وَمُفْرَدَةً فِي الْعَذَابِ فَاسْتُشْكِلَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ طَلَبِ أَنْ تَكُونَ رَحْمَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تُهْلِكْنَا بِهَذِهِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ هَلَكُوا بِهَذِهِ الرِّيحِ لَمْ تَهُبَّ عَلَيْهِمْ رِيحٌ أُخْرَى فَتَكُونُ رِيحًا لَا رِيَاحًا.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ (صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) أَيْ رُكُوعَاتٍ (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ (وَقَالَ هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ)، وَهُوَ قَوْلُهُ: " هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي زَلْزَلَةٍ فِي الْبَصْرَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِهِمْ فِي زَلْزَلَةٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ رَكَعَ فِيهَا سِتًّا " وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاسِمُ مِنْ الْآلِ، وَقَالَ: يُصَلِّي لِلْأَفْزَاعِ مِثْلَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَكِنْ قَالَ: كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (قُلْت): لَكِنْ فِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي الْكُسُوفَ رَكْعَتَيْنِ إذَا شَاءَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ التَّجْمِيعُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فَحَسَنٌ قَالَ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالتَّجْمِيعِ إلَّا فِي الْكُسُوفَيْنِ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
أَيْ سِقَايَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَ حُدُوثِ الْجَدْبِ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ».
стр. 424
٤٧٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ،، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ") أَيْ مِنْ الْمَدِينَةِ (مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَنَّهُ لَابِسٌ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَالْمُرَادُ تَرْكُ الزِّينَةِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ تَوَاضُعًا، وَإِظْهَارًا لِلْحَاجَةِ (مُتَخَشِّعًا) الْخُشُوعُ فِي الصَّوْتِ وَالْبَصَرِ كَالْخُضُوعِ فِي الْبَدَنِ (مُتَرَسِّلًا) مِنْ التَّرْسِيلِ فِي الْمَشْيِ، وَهُوَ التَّأَنِّي وَعَدَمُ الْعَجَلَةِ (مُتَضَرِّعًا) لَفْظُ أَبِي دَاوُد " مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا " وَالتَّضَرُّعُ التَّذَلُّلُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي السُّؤَالِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ» لَفْظُ أَبِي دَاوُد «وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» فَأَفَادَ لَفْظُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ بَعْدَ الدُّعَاءِ وَاللَّفْظُ الَّذِي أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْآلُ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْآلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الدُّعَاءُ فَقَطْ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي تَكْبِيرِهَا وَقِرَاءَتِهَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِظَاهِرِ لَفْظِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا صِفَةَ لَهُمَا زَائِدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» وَكَمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي قَرِيبًا وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ لَا فِي الصِّفَةِ وَيُبْعِدُهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا سَبْعًا وَخَمْسًا كَالْعِيدَيْنِ وَيَقْرَأُ بِسَبِّحْ، وَهَلْ أَتَاك»، وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبَابِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بِالدُّعَاءِ»، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّهُ شَكَا إلَيْهِ ﷺ قَوْمٌ الْقَحْطَ فَقَالَ: اُجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقُولُوا: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَثَبَتَ تَرْكُهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَدْ عَدَّ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ أَنْوَاعَ اسْتِسْقَائِهِ.
ﷺ (فَالْأَوَّلُ): خُرُوجُهُ ﷺ إلَى
стр. 425
٤٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ: أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ. أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً
الْمُصَلَّى، وَصَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ.
(وَالثَّانِي): يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ.
(الثَّالِثُ): اسْتِسْقَاؤُهُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ اسْتَسْقَى مُجَرَّدًا فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ فِيهِ صَلَاةٌ.
(الرَّابِعُ): أَنَّهُ اسْتَسْقَى، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَرَفَعَ يَدَهُ وَدَعَا اللَّهَ .
(الْخَامِسُ) أَنَّهُ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنْ الزَّوْرَاءِ، وَهِيَ خَارِجُ بَابِ الْمَسْجِدِ.
(السَّادِسُ): أَنَّهُ اسْتَسْقَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا سَبَقَهُ الْمُشْرِكُونَ إلَى الْمَاءِ وَأُغِيثَ ﷺ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتَسْقَى فِيهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْخُطْبَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَذَهَبَ الْهَادِي إلَى أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ فِيهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَمْ يَخْطُبْ " إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَنْفِي الْخُطْبَةَ الْمُشَابِهَةَ لِخُطْبَتِهِمْ وَذَكَرَ مَا قَالَهُ ﷺ ، وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " أَنَّهُ ﷺ رَقَى الْمِنْبَرَ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْقَاهُ إلَّا لِلْخُطْبَةِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَخْطُبُ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فَذَهَبَ النَّاصِرُ وَجَمَاعَةٌ إلَى الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى الثَّانِي مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ».
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا لَفْظَهُ: وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي بَدَأَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ فَعَبَّرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ الدُّعَاءِ بِالْخُطْبَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْوِ الْخُطْبَةَ بَعْدَهَا وَالرَّاوِي لِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْوِ الدُّعَاءَ قَبْلَهَا، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
، وَأَمَّا مَا يَدْعُو بِهِ فَيَتَحَرَّى مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَبَانَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي دَعَا بِهَا ﷺ بِقَوْلِهِ.
стр. 426
فَرَعَدَتْ، وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ) هُوَ مَصْدَرٌ كَالْقَحْطِ (فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ) عَيَّنَهُ لَهُمْ (فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ إنْ صَحَّ، وَإِلَّا فَفِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ «فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ فَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ» قَالَ تَعَالَى ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ) كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ افْتِتَاحِ الْخُطْبَةِ بِالْبَسْمَلَةِ بَلْ بِالْحَمْدِ لَهُ وَلَمْ تَأْتِ رِوَايَةٌ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ افْتَتَحَ الْخُطْبَةَ بِغَيْرِ التَّحْمِيدِ «مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ» فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد " فِي الرَّفْعِ " (حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ) فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ (وَقَلَبَ) فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد " وَحَوَّلَ " (رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ بَعْدَ تَحْوِيلِ ظَهْرِهِ عَنْهُمْ (وَنَزَلَ) أَيْ عَنْ الْمِنْبَرِ (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ) تَمَامُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِذْنِ اللَّهِ «فَلَمْ يَأْتِ بَابَ مَسْجِدِهِ حَتَّى سَالَتْ السُّيُولُ فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إلَى الْكِنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ) هُوَ مِنْ تَمَامِ قَوْلِ أَبِي دَاوُد ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد " أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقْرَءُونَ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَهُمْ وَفِي قَوْلِهِ " وَعَدَ النَّاسَ " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ تَقْدِيمُ تَبْيِينِ الْيَوْمِ لِلنَّاسِ لِيَتَأَهَّبُوا وَيَتَخَلَّصُوا مِنْ الْمَظَالِمِ وَنَحْوِهَا وَيُقَدِّمُوا التَّوْبَةَ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَاجِبَةٌ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّهُ مَعَ حُصُولِ الشِّدَّةِ وَطَلَبِ تَفْرِيجِهَا مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّات " إنَّ اللَّهَ حَرَمَ قَوْمًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل السُّقْيَا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ عَاصٍ وَاحِدٌ " وَلَفْظُ النَّاسِ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ قَبْلُ فَيُشْرَعُ إخْرَاجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَيَعْتَزِلُونَ الْمُصَلَّى.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَلَكِنَّهُ يُبَالِغُ فِي رَفْعِهِمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُسَاوِيَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَلَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ.
وَقَدْ ثَبَتَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَصَنَّفَ الْمُنْذِرِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ جَمَعْت فِيهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ حَدِيثًا مِنْ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا وَذَكَرَهَا فِي أَوَاخِرِ بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي
стр. 427
٤٧٩ - وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَفِيهِ: «فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ»
٤٨٠ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ»
نَفْيِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي غَيْرِ الِاسْتِسْقَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْمُبَالَغَةِ لَا نَفْيَ أَصْلِ الرَّفْعِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ قَلْبِ الرِّدَاءِ فَيَأْتِي عَنْ الْبُخَارِيِّ جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ " وَجَعَلَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ " وَفِي رِوَايَةٍ؛ لِأَبِي دَاوُد «جَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَعِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» وَفِي رِوَايَةٍ؛ لِأَبِي دَاوُد «أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا وَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» وَيُشْرَعُ لِلنَّاسِ أَنْ يُحَوِّلُوا مَعَهُ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ " وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ "، وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو يُوسُفَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ التَّحْوِيلُ بِالْإِمَامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُحَوِّلُ النِّسَاءُ.
وَأَمَّا وَقْتُ التَّحْوِيلِ فَعِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ الْقِبْلَةَ.
وَلِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» وَمِثْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْهَادِي أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَتَيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِهِ بِأَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى فِي الْجُمُعَةِ كَمَا فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ وَالْجُمُعَةُ بِالْخُطْبَتَيْنِ بِمَنْزِلَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ الرَّكْعَتَانِ كَمَا عَرَفْتَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَلَمَّا ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ التَّحْوِيلُ، وَقَدْ أَفَادَهُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمَاضِي زَادَ الْمُصَنِّفُ تَقْوِيَةَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ثُبُوتِ التَّحْوِيلِ بِقَوْلِهِ.
(وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي الصَّحِيحِ) أَيْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ (مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْ الْمَازِنِيِّ وَلَيْسَ هُوَ رَاوِي الْأَذَانِ كَمَا وَهَمَ فِيهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ وَلَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ «فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ» (وَفِيهِ) أَيْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ (فَتَوَجَّهَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو) فِي الْبُخَارِيِّ بَعْدَ يَدْعُو " وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ " وَفِي لَفْظٍ " قَلَبَ رِدَاءَهُ «ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ سُفْيَانُ، وَأَخْبَرَنِي الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ " جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ " انْتَهَى. زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " وَالشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ "
، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ التَّحْوِيلِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ بِإِيرَادِ الْحَدِيثِ.
стр. 428
٤٨١ - وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَمِعَ أَبَاهُ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ وَغَيْرُهُ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَمَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي دُفِنَ فِيهَا أَبُوهُ وَعَمُّ أَبِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَسُمِّيَ الْبَاقِرُ؛ لِأَنَّهُ تَبَقَّرَ فِي الْعِلْمِ أَيْ تَوَسَّعَ فِيهِ
انْتَهَى مِنْ جَامِعِ الْأُصُولِ.
«وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ»، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ أَمَارَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ قِيلَ لَهُ حَوِّلْ رِدَاءَك لِيَتَحَوَّلَ حَالُك وَتَعَقَّبَ قَوْلُهُ هَذَا بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ، وَاعْتِرَاضُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْقَوْلَ بِأَنَّ التَّحَوُّلَ لِلتَّفَاؤُلِ قَالَ: لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفَأْلِ أَنْ لَا يَقْصِدَ إلَيْهِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ وَرَدَ فِي التَّفَاؤُلِ حَدِيثٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ إنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ فَوَصَلَهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ لَقِيَ جَابِرًا وَرَوَى عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُ رَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِالظَّنِّ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: (جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ " يَجْهَرُ " وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْجَهْرِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُصَلَّى إلَّا فِي النَّهَارِ وَلَوْ كَانَتْ تُصَلَّى فِي اللَّيْلِ لَأَسَرَّ فِيهَا نَهَارًا وَلَجَهَرَ فِيهَا لَيْلًا وَفِي هَذَا الْأَخْذِ بُعْدٌ لَا يَخْفَى.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ» زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ " وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ " ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا) وَفِي الْبُخَارِيِّ أَسْقِنَا (اللَّهُمَّ أَغِثْنَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا) أَيْ السَّحَابِ عَنْ الْإِمْطَارِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) تَمَامُهُ مِنْ مُسْلِمٍ «قَالَ أَنَسٌ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلَا قَزَعَةٍ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ
стр. 429
٤٨٢ - وَعَنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ إذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلَا دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ قَالَ: فَلَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتًا ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكُهَا عَنَّا قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ: فَانْقَلَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَهُوَ الرَّجُلُ الْأَوَّلُ قَالَ: لَا أَدْرِي» انْتَهَى. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ. وَهَلَاكُ الْأَمْوَالِ يَعُمُّ الْمَوَاشِيَ وَالْأَطْيَانَ، وَانْقِطَاعُ السُّبُلِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ السَّفَرِ لِضَعْفِ الْإِبِلِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْمَرْعَى وَالْأَقْوَاتِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَذَ مَا عِنْدَ النَّاسِ مِنْ الطَّعَامِ لَمْ يَجِدُوا مَا يَحْمِلُونَهُ إلَى الْأَسْوَاقِ. وَقَوْلُهُ: (يُغِيثُنَا) يَحْتَمِلُ فَتْحُ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَاثَ إمَّا مِنْ الْغَيْثِ أَوْ الْغَوْثِ، وَيَحْتَمِلُ ضَمُّهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْإِغَاثَةِ وَيُرَجِّحُ هَذَا قَوْلُهُ: " اللَّهُمَّ أَغِثْنَا " وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَدْعُو إذَا كَثُرَ الْمَطَرُ، وَقَدْ بَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ (بَابُ الدُّعَاءِ إذَا كَثُرَ الْمَطَرُ) وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، وَهُوَ مُرْسَلٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا».
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا قُحِطُوا) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَصَابَهُمْ الْقَحْطُ - (اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ) أَيْ عُمَرُ (اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا نَسْتَسْقِي إلَيْك بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِيَنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيّنَا فَاسْقِنَا فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: " اللَّهُمَّ إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ مِنْ السَّمَاءِ إلَّا بِذَنْبٍ وَلَمْ
стр. 430
٤٨٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: «أَصَابَنَا - وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ قَالَ: فَحَسَرَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ، وَقَالَ: إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٤٨٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» أَخْرَجَاهُ
يَنْكَشِفْ إلَّا بِتَوْبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَتْ بِي الْقَوْمُ إلَيْك لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّك، وَهَذِهِ أَيْدِينَا إلَيْك بِالذُّنُوبِ وَنَوَاصِينَا إلَيْك بِالتَّوْبَةِ فَاسْقِنَا الْغَيْثَ فَأَرَخَّتْ السَّمَاءُ مِثْلَ الْجِبَالِ حَتَّى أَخْصَبَتْ الْأَرْضُ " أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الْأَنْسَابِ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ عَامَ الرَّمَادَةِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَذَكَرَ الْبَارِزِيُّ أَنَّ عَامَ الرَّمَادَةِ كَانَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، وَالرَّمَادَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ سُمِّيَ الْعَامُ بِهَا لِمَا حَصَلَ مِنْ شِدَّةِ الْجَدْبِ فَاغْبَرَّتْ الْأَرْضُ جِدًّا مِنْ عَدَمِ الْمَطَرِ، وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِشْفَاعِ بِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ وَبَيْتِ النُّبُوَّةِ وَفِيهِ فَضِيلَةُ الْعَبَّاسِ وَتَوَاضُعُ عُمَرَ، وَمَعْرِفَتُهُ لِحَقِّ أَهْلِ الْبَيْتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَطَرٌ فَحَسَرَ ثَوْبَهُ) أَيْ كَشَفَ بَعْضَهُ عَنْ بَدَنِهِ (حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ، وَقَالَ: " إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَبَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: بَابُ مَنْ يُمْطَرُ حَتَّى يَتَحَادَرَ عَنْ لِحْيَتِهِ وَسَاقَ حَدِيثَ أَنَسٍ بِطُولِهِ، وَقَوْلُهُ: " حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ " أَيْ بِإِيجَادِ رَبِّهِ إيَّاهُ: يَعْنِي أَنَّ الْمَطَرَ رَحْمَةٌ، وَهِيَ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَهَا فَيَتَبَرَّكُ بِهَا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ.
. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» أَخْرَجَاهُ) أَيْ الشَّيْخَانِ، وَهَذَا خِلَافُ عَادَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيمَا أَخْرَجَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالصَّيِّبُ مِنْ صَابَ الْمَطَرُ إذَا وَقَعَ، وَنَافِعًا صِفَةٌ مُقَيَّدَةٌ احْتِرَازًا عَنْ الصَّيِّبِ الضَّارِّ.
стр. 431
٤٨٥ - وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ: اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَابًا، كَثِيفًا، قَصِيفًا، دَلُوقًا، ضَحُوكًا، تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا، قِطْقِطًا، سَجْلًا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ
٤٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إلَى السَّمَاءِ تَقُول: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك، لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاك، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
وَعَنْ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ: اللَّهُمَّ جَلِّلْنَا» بِالْجِيمِ مِنْ التَّجْلِيلِ وَالْمُرَادُ تَعْمِيمُ الْأَرْضِ (سَحَابًا كَثِيفًا) بِفَتْحِ الْكَافِ فَمُثَلَّثَةٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَفَاءٌ أَيْ مُتَكَاثِفًا مُتَرَاكِمًا (قَصِيفًا) بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَفَاءٌ، وَهُوَ مَا كَانَ رَعْدُهُ شَدِيدَ الصَّوْتِ، وَهُوَ مِنْ أَمَارَاتِ قُوَّةِ الْمَطَرِ (دَلُوقًا) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَقَافٌ يُقَالُ: خَيْلٌ دَلُوقٌ أَيْ مُنْدَفِعَةٌ شَدِيدَةُ الدَّفْعَةِ وَيُقَالُ: دَلَقَ السَّيْلُ عَلَى الْقَوْمِ هَجَمَ (ضَحُوكًا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ بِزِنَةِ فَعُولٍ أَيْ ذَاتُ بَرْقٍ (تُمْطِرُنَا مِنْهُ رَذَاذًا) بِضَمِّ الرَّاءِ فَذَالٌ مُعْجَمَةٌ فَأُخْرَى مِثْلُهَا هُوَ مَا كَانَ مَطَرُهُ دُونَ الطَّشِّ (قِطْقِطًا) بِكَسْرِ الْقَافَيْنِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْأُولَى قَالَ أَبُو زَيْدٍ: الْقِطْقِطُ أَصْغَرُ الْمَطَرِ ثُمَّ الرَّذَاذُ، وَهُوَ فَوْقَ الْقِطْقِطِ ثُمَّ الطَّشُّ، وَهُوَ فَوْقَ الرَّذَاذِ (سَجْلًا) مَصْدَرُ سَجَلْتُ الْمَاءَ سَجْلًا إذَا صَبَبْته صَبًّا وُصِفَ بِهِ السَّحَابُ مُبَالَغَةً فِي كَثْرَةِ مَا يُصَبُّ مِنْهَا مِنْ الْمَاءِ حَتَّى كَأَنَّهَا نَفْسُ الْمَصْدَرِ (يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ)، وَهَذَانِ الْوَصْفَانِ نَطَقَ بِهِمَا الْقُرْآنُ وَفِي التَّفْسِيرِ أَيْ: الِاسْتِغْنَاءُ الْمُطْلَقُ وَالْفَضْلُ التَّامُّ وَقِيلَ: الَّذِي عِنْدَ الْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ لِلْمُخْلِصِينَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُمَا مِنْ عَظَائِمِ صِفَاتِهِ - تَعَالَى - وَلِذَا قَالَ ﷺ «أَلِظُّوا بِيَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ، وَهُوَ يُصَلِّي وَيَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: قَدْ اُسْتُجِيبَ لَك»
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «خَرَجَ سُلَيْمَانُ يَسْتَسْقِي
стр. 432
٤٨٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
بَابُ اللِّبَاسِ
٤٨٨ - عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ.
فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً عَلَى ظَهْرِهَا رَافِعَةً قَوَائِمَهَا إلَى السَّمَاءِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ سُقْيَاك فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ شَرْعٌ قَدِيمٌ وَالْخُرُوجُ لَهُ كَذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّهُ يَحْسُنُ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، وَأَنَّ لَهَا إدْرَاكًا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةً بِذِكْرِهِ، وَتَطْلُبُ الْحَاجَاتِ مِنْهُ وَفِي ذَلِكَ قَصَصٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَآيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، وَتَأْوِيلُ الْمُتَأَوِّلِينَ لَهَا لَا مَلْجَأَ لَهُ
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفِّهِ إلَى السَّمَاءِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالدُّعَاءِ رَفْعُ الْبَلَاءِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَجْعَلُ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَإِذَا دَعَا بِسُؤَالِ شَيْءٍ وَتَحْصِيلِهِ جَعَلَ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا سَأَلَ جَعَلَ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ، وَإِذَا اسْتَعَاذَ جَعَلَ ظَهْرَهُمَا إلَيْهَا»، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَلُوا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظَهْرِهَا»، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَخْتَصُّ بِمَا إذَا كَانَ السُّؤَالُ بِحُصُولِ شَيْءٍ لَا لِدَفْعِ بَلَاءٍ، وَقَدْ فَسَّرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ أَنَّ الرَّغَبَ بِالْبُطُونِ وَالرَّهَبَ بِالظُّهُورِ.
(بَابُ اللِّبَاسِ) أَيْ مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ
(عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَشْعَرِيِّ) قَالَ فِي الْأَطْرَافِ: اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ هَانِئٍ
стр. 433
٤٨٩ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَقِيلَ: عُبَيْدُ بْنُ وَهْبٍ وَبَقِيَ إلَى خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ مَرْوَان سَكَنَ الشَّامَ وَلَيْسَ بِعَمِّ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. ذَلِكَ قُتِلَ أَيَّامَ حُنَيْنٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ» بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ اسْتِحْلَالُ الزِّنَى وَبِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (وَالْحَرِيرَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ)، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ الْحَرِيرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَسْتَحِلُّونَ بِمَعْنَى يَجْعَلُونَ الْحَرَامَ حَلَالًا وَيَأْتِي الْحَدِيثُ الثَّانِي وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّ اسْتِحْلَالَ الْمُحَرَّمِ لَا يُخْرِجُ فَاعِلَهُ مِنْ مُسَمَّى الْأُمَّةِ كَذَا قَالَ (قُلْت): وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ مَنْ اسْتَحَلَّ مُحَرَّمًا أَيْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ فَإِنَّهُ قَدْ كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ حَرَامٌ فَقَوْلُهُ بِحِلِّهِ رَدٌّ لِكَلَامِهِ وَتَكْذِيبٌ، وَتَكْذِيبُهُ كُفْرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ الْأُمَّةِ قَبْلَ الِاسْتِحْلَالِ فَإِذَا اسْتَحَلَّ خَرَجَ عَنْ مُسَمَّى الْأُمَّةِ.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْأُمَّةِ هُنَا أُمَّةُ الدَّعْوَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَحِلُّونَ لِكُلِّ مَا حَرَّمَهُ لَا لِهَذَا بِخُصُوصِهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْحَدِيثِ فَظَاهِرُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ لَهُ فِي اللِّبَاسِ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَنَّهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ ثِيَابِ الْإِبْرَيْسَمِ مَعْرُوفٌ وَضَبَطَهُ أَبُو مُوسَى بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: وَالْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِ طُرُقِهِ هُوَ الْأَوَّلُ.
وَإِذَا كَانَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ الْخَالِصُ مِنْ الْحَرِيرِ وَعُطِفَ الْحَرِيرُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْخَزَّ ضَرْبٌ مِنْ الْحَرِيرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ الْخَزُّ عَلَى ثِيَابٍ تُنْسَجُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ هُنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الدَّشْتَكِيِّ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ: «رَأَيْت بِبُخَارَى رَجُلًا عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةُ خَزٍّ سَوْدَاءُ قَالَ: كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ، وَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بَيَانُ مَا يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ الْخَالِصِ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ
стр. 434
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَالْفِضَّةِ وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا» تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْ حُذَيْفَةَ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» الْحَدِيثَ. فَقَوْلُهُ هُنَا نَهْيُ إخْبَارٍ عَنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ «وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
أَيْ وَنَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ، وَالنَّهْيُ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ قَوْمٍ إبَاحَتَهُ وَنَسَبَ فِي الْبَحْرِ إبَاحَتَهُ إلَى ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَالَ: إنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَهُ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: قَدْ ثَبَتَ لُبْسُ الْحَرِيرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ أَبُو دَاوُد: لَبِسَهُ عِشْرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَأَكْثَرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمْعٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ " قَالَ: أَتَتْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ مَطَارِفُ خَزٍّ فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " قَالَ: وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ الْخَزِّ أَنَّهُ ثِيَابٌ سُدَاهَا مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهَا مِنْ غَيْرِهِ وَقِيلَ: تُنْسَجُ مَخْلُوطَةً مِنْ حَرِيرٍ وَصُوفٍ أَوْ نَحْوِهِ وَقِيلَ: أَصْلُهُ اسْمُ دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا الْخَزُّ فَسُمِّيَ الثَّوْبُ الْمُتَّخَذُ مِنْ وَبَرِهِ خَزًّا لِنُعُومَتِهِ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَا خُلِطَ بِحَرِيرٍ لِنُعُومَةِ الْحَرِيرِ إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الَّذِي لَبِسَهُ الصَّحَابَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد كَانَ مِنْ الْخَزِّ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ يَأْبَى ذَلِكَ.
، وَأَمَّا الْقَزُّ بِالْقَافِ بَدَلِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ مِنْ الْحَرِيرِ فَحَرَّمُوهُ عَلَى الرِّجَالِ أَيْضًا وَالْقَوْلُ بِحِلِّهِ وَحِلِّ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ إلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ " أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: لَا تُلْبِسُوا نِسَاءَكُمْ الْحَرِيرَ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ» فَأَخَذَ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى حِلِّ الْحَرِيرِ لِلنِّسَاءِ فَأَمَّا الصِّبْيَانُ مِنْ الذُّكُورِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي "، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَجُوزُ لِبَاسُهُمْ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: يَجُوزُ لِبَاسُهُمْ الْحُلِيَّ وَالْحَرِيرَ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْعِيدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا جَوَازُهُ.
وَأَمَّا الدِّيبَاجُ فَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ ثِيَابِ الْحَرِيرِ وَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
، وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَلَى الْحَرِيرِ فَقَدْ أَفَادَ الْحَدِيثُ النَّهْيَ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: إنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ " قَالَ: "، وَهِيَ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْكُوفِيِّينَ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَرِيرِ إنَّ قَوْلَهُ نَهَى لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ وَرَدَ عَنْ مَجْمُوعِ اللُّبْسِ وَالْجُلُوسِ لَا الْجُلُوسَ وَحْدَهُ قُلْت: وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُ هَذَا الْقَائِلِ، وَالْإِخْرَاجُ عَنْ الظَّاهِرِ بِلَا حَاجَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يُدَارُ الْجَوَازُ وَالتَّحْرِيمُ عَلَى اللُّبْسِ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ فِيهِ وَالْجُلُوسُ
стр. 435
٤٩٠ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
٤٩١ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
لَيْسَ بِلُبْسٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى الْجُلُوسُ لُبْسًا بِحَدِيثِ أَنَسٍ الصَّحِيحِ " فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ " وَلِأَنَّ لُبْسَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
، وَأَمَّا افْتِرَاشُ النِّسَاءِ لِلْحَرِيرِ فَالْأَصْلُ جَوَازُهُ، وَقَدْ أُحِلَّ لَهُنَّ لُبْسُهُ وَمِنْهُ الِافْتِرَاشُ، وَمَنْ قَالَ بِمَنْعِهِنَّ عَنْ افْتِرَاشِهِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ: الْخُيَلَاءُ وَالثَّانِي: كَوْنُهُ لِبَاسَ رَفَاهِيَةٍ وَزِينَةٍ تَلِيقُ بِالنِّسَاءِ دُونَ شَهَامَةِ الرِّجَالِ.
(وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)
قَالَ الْمُصَنِّفُ: أَوْ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ وَالتَّنْوِيعِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ «إنَّ الْحَرِيرَ لَا يَصْلُحُ إلَّا هَكَذَا أَوْ هَكَذَا» يَعْنِي إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، وَمَنْ قَالَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ كُمٍّ إصْبَعَانِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ «لَمْ يُرَخِّصْ فِي الدِّيبَاجِ إلَّا فِي مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ»، وَهَذَا أَيْ التَّرْخِيصُ فِي الْأَرْبَعِ الْأَصَابِعِ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ مَنْعُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْسُوجًا أَوْ مُلْصَقًا وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْجُلُوسُ، وَقَدَّرَتْ الْهَادَوِيَّةُ الرُّخْصَةَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي الْأَرْبَعِ.
وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ» بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ نَوْعٌ مِنْ الْجَرَبِ وَذِكْرُ الْحِكَّةِ مَثَلًا لَا قَيْدًا أَيْ مِنْ أَجْلِ حِكَّةٍ فَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ (كَانَتْ بِهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمَا «شَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا قَمِيصَ الْحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا» قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ الْحِكَّةَ حَصَلَتْ مِنْ الْقَمْلِ فَنُسِبَتْ الْعِلَّةُ تَارَةً إلَى السَّبَبِ، وَتَارَةً إلَى سَبَبِ السَّبَبِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِهِ لِلْحِكَّةِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ
стр. 436
٤٩٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتهَا بَيْنَ نِسَائِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ
الطَّبَرِيُّ: دَلَّتْ الرُّخْصَةُ فِي لُبْسِهِ لِلْحِكَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ قَصَدَ بِلُبْسِهِ دَفْعَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَذَى الْحِكَّةِ كَدَفْعِ السِّلَاحِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَالْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ لَا يَخُصُّونَهُ بِالسَّفَرِ، وَقَالَ الْبَعْضُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ بِهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْخُصُوصِيَّةَ بِالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَا تَصِحُّ تِلْكَ الدَّعْوَى، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِالْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلْحِكَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبُرُودَةِ وَتَعَقَّبَ بِأَنَّ الْحَرِيرَ حَادٌّ فَالصَّوَابُ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ بِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ تَدْفَعُ مَا تَنْشَأُ عَنْ الْحِكَّةِ مِنْ الْقَمْلِ.
وَعَنْ «عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: كَسَانِي النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً سِيَرَاءَ» بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ ثُمَّ أَلِفٌ مَمْدُودَةٌ قَالَ الْخَلِيلُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعْلَاءُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَعَ الْمَدِّ سِوَى سِيَرَاءَ - وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ - وَحِوَلَاءَ وَعِنَبَاءَ لُغَةٌ فِي الْعِنَبِ، وَضَبْطُ حُلَّةٍ بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّ سِيَرَاءَ صِفَةٌ لَهَا وَبِغَيْرِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ، وَهُوَ الْأَجْوَدُ كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ «فَخَرَجْتُ فِيهَا فَرَأَيْت الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْحُلَّةُ إزَارٌ وَرِدَاءٌ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: إذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقِيلَ: هِيَ بُرُودٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْقَزِّ، وَقِيلَ: حَرِيرٌ خَالِصٌ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَوْلُهُ: " فَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ " زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: «إنِّي لَمْ أَبْعَثْهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا إنَّمَا بَعَثْتُهَا إلَيْك لِتَشْقُقْهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِك، وَلِذَا شَقَقْتُهَا خُمُرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ»، وَقَوْلُهُ: فَشَقَقْتهَا أَيْ قَطَعْتهَا فَفَرَّقْتهَا خُمُرًا، وَهِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَضْمُومَةً وَضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ خِمَارٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفُ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا.
وَالْمُرَادُ بِالْفَوَاطِمِ فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ أُمُّ عَلِيٍّ ﵇، وَالثَّالِثَةُ قِيلَ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ حَمْزَةَ وَذُكِرَتْ لَهُنَّ رَابِعَةٌ، وَهِيَ فَاطِمَةُ امْرَأَةُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَرْسَلَهَا لِعَلِيٍّ ﵇ فَبَنَى عَلَى ظَاهِرِ الْإِرْسَالِ وَانْتَفَعَ بِهَا فِي أَشْهُرِ مَا صُنِعَتْ لَهُ، وَهُوَ اللُّبْسُ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُبَحْ لَهُ لُبْسُهَا.
стр. 437
٤٩٣ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ)
٤٩٤ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ
وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ) أَيْ لُبْسُهُمَا (لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ) أَيْ لُبْسُهُمَا وَفِرَاشُ الْحَرِيرِ كَمَا سَلَفَ (عَلَى ذُكُورِهَا " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ) إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ وَكَذَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَعْلُولٌ لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا ابْنُ خُزَيْمَةَ فَصَحَّحَهُ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ ثَمَانِ طُرُقٍ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ عَنْ ثَمَانِيَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَكُلُّهَا لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ وَلَكِنَّهُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الرِّجَالِ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ، وَجَوَازِ لُبْسِهِمَا لِلنِّسَاءِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ حِلَّ الذَّهَبِ لِلنِّسَاءِ مَنْسُوخٌ.
(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ)، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ»، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِ «إذَا آتَاك اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ» فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ مِنْ الْعَبْدِ إظْهَارَ نِعْمَتِهِ فِي مَأْكَلِهِ، وَمَلْبَسِهِ فَإِنَّهُ شُكْرٌ لِلنِّعْمَةِ فِعْلِيٌّ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا رَآهُ الْمُحْتَاجُ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ قَصَدَهُ؛ لِيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَبَذَاذَةُ الْهَيْئَةِ سُؤَالٌ، وَإِظْهَارٌ لِلْفَقْرِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَلِذَا قِيلَ وَلِسَانُ حَالِي بِالشِّكَايَةِ أَنْطَقُ وَقِيلَ وَكَفَاك شَاهِدُ مَنْظَرِي عَنْ مَخْبَرِي.
стр. 438
٤٩٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٤٩٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: «رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ بِضَمِّ اللَّامِ الْقَسِّيِّ» بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءُ النِّسْبَةِ، وَقِيلَ: إنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَكْسِرُونَ الْقَافَ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَفْتَحُونَهَا، وَهِيَ نِسْبَةٌ إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهَا الْقَسُّ، وَقَدْ فُسِّرَ الْقَسِّيُّ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ هَكَذَا فِي مُسْلِمٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ فِيهَا حَرِيرٌ أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ (وَالْمُعَصْفَرُ:) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. هُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ فَالنَّهْيُ فِي الْأَوَّلِ لِلتَّحْرِيمِ إنْ كَانَ حَرِيرُهُ أَكْثَرَ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ وَالْكَرَاهَةِ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَالْأَصْلُ فِي النَّهْيِ أَيْضًا التَّحْرِيمُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إلَى جَوَازِ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ غَيْرُ أَحْمَدَ وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا قَالُوا:؛ لِأَنَّهُ لَبِسَ ﷺ حُلَّةً حَمْرَاءَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ»، وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْقَيِّمِ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بَحْتًا، وَقَالَ: إنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَّانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهَا مِنْ الْخُطُوطِ، وَأَمَّا الْأَحْمَرُ الْبَحْتُ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ» وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ.
٤٩٦ - وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵁ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ، فَقَالَ: أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَنْ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُعَصْفَرِ مُعَضِّدٌ لِلنَّهْيِ الْأَوَّلِ وَيَزِيدُهُ قُوَّةً فِي الدَّلَالَةِ تَمَامُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ " قُلْت: أَغْسِلُهُمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: بَلْ احْرَقْهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ «إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهُمَا»، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي قَوْلِهِ: " أُمُّك أَمَرَتْك " إعْلَامٌ بِأَنَّهُ مِنْ لِبَاسِ النِّسَاءِ وَزِينَتِهِنَّ، وَأَخْلَاقِهِنَّ.
وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ، وَهُوَ أَيْ أَمْرُ ابْنِ عَمْرٍو بِتَحْرِيقِهَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَلِيٍّ ﵇ وَأَمْرَهُ بِأَنْ يَشُقَّهَا بَيْنَ نِسَائِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ قَدَّمْنَاهَا فَيُنْظَرُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ إلَّا أَنَّ فِي
стр. 439
٤٩٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: «أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَكْفُوفَةَ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ وَزَادَ: «كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ، فَقَبَضْتهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا» وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ: «وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ»
سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّهُ ﷺ رَأَى عَلَيْهِ رَيْطَةً مُضَرَّجَةً بِالْعُصْفُرِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الرَّيْطَةُ الَّتِي عَلَيْك؟ قَالَ: فَعَرَفْت مَا كَرِهَ فَأَتَيْت أَهْلِي، وَهُمْ يَسْجُرُونَ تَنُّورًا لَهُمْ فَقَذَفْتهَا فِيهَا ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا فَعَلَتْ الرَّيْطَةُ فَأَخْبَرْته فَقَالَ: هَلَّا كَسَوْتهَا بَعْضَ أَهْلِك فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِلنِّسَاءِ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَحْرَقَهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَزَالَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ لَكِنَّهُ يَبْقَى التَّعَارُضُ بَيْنَ رِوَايَتَيْ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ ﷺ أَمَرَ أَوَّلًا بِإِحْرَاقِهَا نَدْبًا ثُمَّ لَمَّا أَحْرَقَهَا قَالَ لَهُ ﷺ : لَوْ كَسَوْتهَا بَعْضَ أَهْلِك إعْلَامًا لَهُ بِأَنَّ هَذَا كَانَ كَافِيًا عَنْ إحْرَاقِهَا لَوْ فَعَلَهُ، وَأَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَمَرَهُ ﷺ بِإِحْرَاقِهَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ أَوْ الْعُقُوبَةِ.
(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْفُوفَةَ) الْمَكْفُوفُ مِنْ الْحَرِيرِ مَا اُتُّخِذَ جَيْبُهُ مِنْ حَرِيرٍ وَكَانَ لِذَيْلِهِ، وَأَكْمَامِهِ كِفَافٌ مِنْهُ (الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ) هُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْحَرِيرِ كَمَا سَلَفَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ وَزَادَ) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ (كَانَتْ) أَيْ الْجُبَّةُ (عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ أَيْ مَاتَتْ (فَقَبَضْتهَا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا) الْحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ لَهُ سَبَبٌ، وَهُوَ " أَنَّ أَسْمَاءَ أَرْسَلَتْ إلَى ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ بَلَغَهَا أَنَّهُ يُحَرِّمُ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَخِفْت أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ فَأَخْرَجَتْ أَسْمَاءُ الْجُبَّةَ» (وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ) فِي رِوَايَةِ أَسْمَاءَ «وَكَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَة» قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ عَلَى قَوْلِهِ مَكْفُوفَةً، وَمَعْنَى الْمَكْفُوفَةِ أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ كُفَّةً بِضَمِّ الْكَافِ، وَهُوَ مَا يُكَفُّ بِهِ جَوَانِبُهَا وَيُعْطَفُ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الذَّيْلِ وَفِي الْفَرْجَيْنِ وَفِي الْكُمَّيْنِ انْتَهَى.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ أَوْ دُونَهَا
стр. 440
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
٤٩٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
أَوْ فَوْقَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُصْمَتًا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَفِيهِ جَوَازُ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْحَرِيرِ وَجَوَازُ لُبْسِ الْجُبَّةِ، وَمَا لَهُ فَرْجَانِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَفِيهِ اسْتِشْفَاءٌ بِآثَارِهِ ﷺ وَبِمَا لَامَسَ جَسَدَهُ الشَّرِيفَ، وَفِي قَوْلِهَا: «كَانَ يَلْبَسُهَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمُعَةِ» دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّجَمُّلِ بِالزِّينَةِ لِلْوَافِدِ وَنَحْوِهِ كَذَا قِيلَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيَّةٍ لَا دَلِيلَ فِيهِ، وَأَمَّا خِيَاطَةُ الثَّوْبِ بِالْخَيْطِ الْحَرِيرِ، وَلُبْسُهُ وَجَعْلُ خَيْطِ السُّبْحَةِ مِنْ الْحَرِيرِ، وَلِيقَةِ الدَّوَاةِ وَكِيسِ الْمُصْحَفِ، وَغِشَايَةِ الْكُتُبِ فَلَا يَنْبَغِي الْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لِعَدَمِ شُمُولِ النَّهْيِ لَهُ وَفِي اللِّبَاسِ آدَابٌ مِنْهَا فِي الْعِمَامَةِ تَقْصِيرُ الْعَذْبَةِ فَلَا تَطُولُ طُولًا فَاحِشًا، وَإِرْسَالُهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهَا بِالْأَصَالَةِ، وَفِي الْقَمِيصِ الْكُمُّ؛ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَسْمَاءَ «كَانَ كُمُّ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الرُّسْغِ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إفْرَاطُ تَوْسِعَةِ الثِّيَابِ وَالْأَكْمَامِ بِدْعَةٌ وَسَرَفٌ، وَفِي الْمِئْزَرِ وَمِثْلُهُ اللِّبَاسُ وَالْقَمِيصُ أَنْ لَا يُسْبِلَهُ زِيَادَةً عَلَى نِصْفِ السَّاقِ وَيَحْرُمُ إنْ جَاوَزَ الْكَعْبَيْنِ.
(كِتَابُ الْجَنَائِزِ) الْجَنَائِزُ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا فِي الْقَامُوسِ الْجِنَازَةُ الْمَيِّتُ وَتُفْتَحُ أَوْ بِالْكَسْرِ الْمَيِّتُ وَبِالْفَتْحِ السَّرِيرُ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِالْكَسْرِ السَّرِيرُ مَعَ الْمَيِّتِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ» بِالْكَسْرِ بَدَلٌ مِنْ هَاذِمٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَالْحَاكِمُ وَابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ طَاهِرٍ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْإِرْسَالِ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَنَسٍ، وَمَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ نَقْلًا عَنْ السُّهَيْلِيِّ إنَّ الرِّوَايَةَ فِي هَاذِمٍ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ مَعْنَاهُ الْقَاطِعُ، وَأَمَّا بِالْمُهْمَلَةِ فَمَعْنَاهُ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَفِي هَذَا النَّفْيِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.
(قُلْت) يُرِيدُ أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الذَّالِ الْمُهْمَلَةِ صَحِيحٌ فَإِنَّ الْمَوْتَ يُزِيلُ اللَّذَّاتِ كَمَا يَقْطَعُهَا وَلَكِنَّ الْعُمْدَةَ الرِّوَايَةُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَغْفُلَ عَنْ ذِكْرِ أَعْظَمِ الْمَوَاعِظِ
стр. 441
٤٩٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَهُوَ الْمَوْتُ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَائِدَةَ الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّكُمْ لَا تَذْكُرُونَهُ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ وَلَا قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ فَمَا مِنْ عَبْدٍ أَكْثَرَ ذِكْرَهُ إلَّا أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ، وَهَوَّنَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ» وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ عَبْدٌ قَطُّ فِي ضِيقٍ إلَّا وَسَّعَهُ وَلَا فِي سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ لَالٍ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَمْحِيصٌ لِلذُّنُوبِ وَتَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا» وَعِنْدَ الْبَزَّارِ «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ مِنْ الْعَيْشِ إلَّا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ وَلَا فِي سَعَةٍ إلَّا ضَيَّقَهَا» وَعَنْ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَمْحَقُ الذُّنُوبَ وَيُزْهِدُ فِي الدُّنْيَا فَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْغِنَى هَدَمَهُ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْفَقْرِ أَرْضَاكُمْ بِعَيْشِكُمْ».
. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ» أَيْ لَا فِرَاقَ وَلَا مَحَالَةَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ) بَدَلًا عَنْ لَفْظِ التَّمَنِّي الدُّعَاءُ وَتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي مَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِلْوُقُوعِ فِي بَلَاءٍ وَمِحْنَةٍ أَوْ خَشْيَةِ ذَلِكَ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ فَاقَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْجَزَعِ وَعَدَمِ الصَّبْرِ عَلَى الْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا وَفِي قَوْلِهِ: " لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ " مَا يُرْشِدُ إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَوْفٍ أَوْ فِتْنَةٍ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ دَلَّ لَهُ حَدِيثُ الدُّعَاءِ «إذَا أَرَدْت بِعِبَادِك فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ» أَوْ كَانَ تَمَنِّيًا لِلشَّهَادَةِ كَمَا وَقَعَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ السَّلَفِ وَكَمَا فِي قَوْلِ مَرْيَمَ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ فَإِنَّهَا إنْ تَمَنَّتْ ذَلِكَ لِمِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْمَخُوفِ مِنْ كُفْرِ وَشَقَاوَةِ مَنْ شَقِيَ بِسَبَبِهَا وَفِي قَوْلِهِ: " فَإِنْ كَانَ مُتَمَنِّيًا " يَعْنِي إذَا ضَاقَ صَدْرُهُ وَفَقَدَ صَبْرَهُ عَدَلَ إلَى هَذَا الدُّعَاءِ، وَإِلَّا فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
стр. 442
٥٠٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
٥٠١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ
وَعَنْ بُرَيْدَةَ هُوَ ابْنُ الْحُصَيْبِ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْجَبِينِ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَجَمَاعَةٌ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُكَابِدُهُ مِنْ شِدَّةِ السِّيَاقِ (النَّزْعُ) الَّذِي يَعْرَقُ دُونَهُ جَبِينُهُ أَيْ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ تَمْحِيصًا لِبَقِيَّةِ ذُنُوبِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَدِّ الْمُؤْمِنِ فِي طَلَبِ الْحَلَالِ وَتَضْيِيقِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ فَيَكُونُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ حَالَ الْمَوْتِ وَنُزُوعَ الرُّوحِ شَدِيدٌ عَلَيْهِ فَهُوَ صِفَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الْمَوْتِ وَشِدَّتِهِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَالْمَعْنَى عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ فِي حَالِ كَوْنِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي يَعْرَقُ مِنْهَا الْجَبِينُ فَهُوَ صِفَةٌ لِلْحَالِ الَّتِي يُفَاجِئُهُ الْمَوْتُ عَلَيْهَا.
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ) أَيْ الَّذِينَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ فَهُوَ مَجَازٌ (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِهِ وَزِيَادَةٍ «فَمَنْ كَانَ آخِرُ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ وَإِنْ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ»، وَقَدْ غَلِطَ مَنْ نَسَبَهُ إلَى الشَّيْخَيْنِ أَوْ إلَى الْبُخَارِيِّ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ حُذَيْفَةَ بِلَفْظِ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنْ الْخَطَايَا» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَقَوْلُهُ: " لَقِّنُوا " الْمُرَادُ تَذْكِيرُ الَّذِي فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ هَذَا اللَّفْظَ الْجَلِيلَ وَذَلِكَ لِيَقُولَهَا فَتَكُونُ آخِرَ كَلَامِهِ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ كَمَا سَبَقَ.
فَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ بِالتَّلْقِينِ عَامٌّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَحْضُرُ مَنْ هُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ، وَهُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْإِكْثَارَ
стр. 443
٥٠٢ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
عَلَيْهِ وَالْمُوَالَاةَ لِئَلَّا يَضْجَرَ، وَيَضِيقَ حَالُهُ وَيَشْتَدَّ كَرْبُهُ فَيَكْرَهَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ وَيَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَلِيقُ قَالُوا: وَإِذَا تَكَلَّمَ مَرَّةً فَيُعَادُ عَلَيْهِ الْعَرْضُ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَيْ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ إحْدَاهُمَا إلَّا بِالْأُخْرَى كَمَا عُلِمَ.
وَالْمُرَادُ بِمَوْتَاكُمْ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا مَوْتَى غَيْرِهِمْ فَيُعْرَضُ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامُ كَمَا «عَرَضَهُ ﷺ عَلَى عَمِّهِ عِنْدَ السِّيَاقِ وَعَلَى الذِّمِّيِّ الَّذِي كَانَ يَخْدُمُهُ فَعَادَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ» وَكَأَنَّهُ خَصَّ فِي الْحَدِيثِ مَوْتَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَقْبَلُونَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ حُضُورَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ هُوَ الْأَغْلَبُ بِخِلَافِ الْكُفَّارِ فَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ مَوْتَاهُمْ إلَّا الْكُفَّارُ
(فَائِدَةٌ) يَحْسُنُ أَنْ يُذَكَّرَ الْمَرِيضُ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلُطْفِهِ وَبِرِّهِ فَيَحْسُنُ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ لِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ اللَّهُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ إبْرَاهِيمَ " قَالَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُلَقِّنُوا الْعَبْدَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِكَيْ يُحْسِنَ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ ".
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إنَّهُ يَحْسُنُ جَمْعُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي الرَّجَاءِ تُقْرَأُ عَلَى الْمَرِيضِ فَيَشْتَدُّ حُسْنُ ظَنِّهِ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ، وَإِذَا امْتَزَجَ خَوْفُ الْعَبْدِ بِرَجَائِهِ عِنْدَ سِيَاقِ الْمَوْتِ فَهُوَ مَحْمُودٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقِيلَ كَيْفَ تَجِدُك قَالَ: أَرْجُو اللَّهَ وَأَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ ﷺ : لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُوهُ، وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ.»
(فَائِدَةٌ) أُخْرَى: يَنْبَغِي أَنْ يُوَجَّهَ مَنْ هُوَ فِي السِّيَاقِ إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ قَالُوا: تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ الْقِبْلَةَ إذَا اُحْتُضِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَابَ الْفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَك وَقَدْ فَعَلْت»، وَقَالَ الْحَاكِمُ: لَا أَعْلَمُ فِي تَوْجِيهِ الْمُحْتَضَرِ لِلْقِبْلَةِ غَيْرَهُ.
стр. 444
٥٠٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ؛ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: أَرَادَ بِهِ مَنْ حَضَرَتْهُ الْمَنِيَّةُ لَا أَنَّ الْمَيِّتَ يُقْرَأُ عَلَيْهِ (يس " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَلَمْ يَقُلْ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِيهِ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِالِاضْطِرَابِ وَالْوَقْفِ وَبِجَهَالَةِ حَالِ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَبِيهِ وَنُقِلَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ هَذَا: حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ مَجْهُولُ الْمَتْنِ وَلَا يَصِحُّ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ قَالَ: كَانَتْ الْمَشْيَخَةُ يَقُولُونَ إذَا قُرِئَتْ يس عِنْدَ الْمَوْتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِهَا، وَأَسْنَدَهُ صَاحِبُ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يس إلَّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، وَهَذَانِ يُؤَيِّدَانِ مَا قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُحْتَضَرُ، وَهُمَا أَصْرَحُ فِي ذَلِكَ مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَأَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ
عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ صَاحِبِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الرَّعْدِ وَزَادَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنْ الْمَيِّتِ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ كَانَتْ الْأَنْصَارُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ تُقْرَأَ عِنْدَ الْمَيِّتِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ» فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَرُفِعَ بَصَرُهُ، وَهُوَ فَاعِلُ شَقَّ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَضَبَطَ بَعْضُهُمْ بَصَرَهُ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا فَالشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ الرُّوحَ إذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ» أَيْ مِنْ الدُّعَاءِ (ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) يُقَالُ: شَقَّ الْمَيِّتَ بَصَرُهُ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَصَارَ يَنْظُرُ إلَى الشَّيْءِ لَا يَرْتَدُّ عَنْهُ
стр. 445
٥٠٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ - سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٥٠٥ - وَعَنْهَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
٥٠٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ
طَرْفُهُ. وَفِي إغْمَاضِهِ ﷺ طَرْفَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ عُلِّلَ فِي الْحَدِيثِ ذَلِكَ بِأَنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ أَيْ يَنْظُرُ أَيْنَ تَذْهَبُ.
وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْأَرْوَاحَ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ مُتَحَلِّلَةٌ فِي الْبَدَنِ، وَتَذْهَبُ الْحَيَاةُ مِنْ الْجَسَدِ بِذَهَابِهَا، وَلَيْسَ عَرَضًا كَمَا يَقُولُهُ آخَرُونَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُدْعَى لِلْمَيِّتِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَلِأَهْلِهِ وَعَقِبِهِ بِأُمُورِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يُنَعَّمُ فِي قَبْرِهِ أَوْ يُعَذَّبُ.
وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ» بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٌ فِرَاءٌ فَتَاءُ تَأْنِيثٍ بِزِنَةِ عِنَبَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) التَّسْجِيَةُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ التَّغْطِيَةُ أَيْ غُطِّيَ، وَالْبُرْدُ يَجُوزُ إضَافَتُهُ إلَى الْحِبَرَةِ وَوَصْفُهُ بِهَا وَالْحِبَرَةُ مَا كَانَ لَهَا أَعْلَامٌ، وَهِيَ مِنْ أَحَبِّ اللِّبَاسِ إلَيْهِ ﷺ ، وَهَذِهِ التَّغْطِيَةُ قَبْلَ الْغُسْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَحِكْمَتُهُ صِيَانَةُ الْمَيِّتِ عَنْ الِانْكِشَافِ وَسَتْرِ صُورَتِهِ الْمُتَغَيِّرَةِ عَنْ الْأَعْيُنِ قَالُوا: وَتَكُونُ التَّسْجِيَةُ بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ بَدَنُهُ بِسَبَبِهَا.
(وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَعَلَى أَنَّهَا تُنْدَبُ تَسْجِيَتُهُ، وَهَذِهِ أَفْعَالُ صَحَابَةٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَا دَلِيلَ فِيهَا لِانْحِصَارِ الْأَدِلَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ نَعَمْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ جَائِزَةٌ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي أَوْ قَالَ: وَعَيْنَاهُ تَهْرَقَانِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
стр. 446
بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
٥٠٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ - فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ)، وَقَدْ وَرَدَ التَّشْدِيدُ فِي الدَّيْنِ حَتَّى تَرَكَ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَتَّى تَحَمَّلَهُ عَنْهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ.
، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ الْمَيِّتُ مَشْغُولًا بِدَيْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَفِيهِ حَثٌّ عَلَى التَّخَلُّصِ عَنْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَأَنَّهُ أَهَمُّ الْحُقُوقِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الدَّيْنِ الْمَأْخُوذِ بِرِضَا صَاحِبِهِ فَكَيْفَ بِمَا أُخِذَ غَصْبًا وَنَهْبًا وَسَلْبًا.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ) فَمَاتَ وَذَلِكَ، وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ تَمَامُهُ " وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ " وَبَعْدَهُ فِي الْبُخَارِيِّ «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ نَقْلِهِ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ حَتَّى إنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى وُجُوبِهِ، وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ تَوَارَدَ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ وَغُسِّلَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُ، وَيَأْتِي كَمِّيَّةُ الْغَسَلَاتِ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ قَرِيبًا، وَقَوْلُهُ " بِمَاءٍ وَسِدْرٍ " ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُخْلَطُ السِّدْرُ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ قِيلَ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ قِيلَ: وَقَدْ يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنَّ السِّدْرَ لَا يُغَيِّرُ وَصْفَ الْمَاءِ فَلَا يَصِيرُ مُضَافًا وَذَلِكَ بِأَنْ يُمَعَّكَ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُغَسَّلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ ثُمَّ يُخَضْخَضُ إلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ وَيُدَلَّكَ بِهِ جَسَدُ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ هَذِهِ غَسْلَةٌ وَقِيلَ: لَا يُطْرَحُ السِّدْرُ فِي الْمَاءِ أَيْ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ فَيُغَيِّرَ وَصْفَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ
стр. 447
٥٠٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي نُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ لَا؟. الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد
فَقَالَ: غُسْلُ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْظِيفِ فَيُجْزِئُ الْمَاءُ الْمُضَافُ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ، وَقَالُوا: إنَّمَا يُكْرَهُ؛ لِأَجْلِ السَّرَفِ.
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ غُسْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الِاغْتِسَالَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ تَحْنِيطِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا عَرَفْت وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ كَوْنُهُ مَاتَ مُحْرِمًا فَإِذَا انْتَفَتْ الْعِلَّةُ انْتَفَى النَّهْيُ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَنُوطَ لِلْمَيِّتِ كَانَ أَمْرًا مُتَقَرِّرًا عِنْدَهُمْ.
وَفِيهِ أَيْضًا النَّهْيُ عَنْ تَخْمِيرِهِ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ؛ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ فَمَنْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ يُحَنَّطُ وَيُخَمَّرُ رَأْسُهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِالْمَوْتِ كَمَا تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ خِلَافَهُمْ، وَأَدِلَّتَهُمْ وَلَيْسَتْ بِنَاهِضَةٍ عَلَى مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَلَا حَاجَةَ إلَى سَرْدِهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ " يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّكْفِينِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِيهِمَا، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ الْفَاضِلَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا، وَأَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهِ، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَمْ لَا وَوَرَدَ الثَّوْبَانِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُطْلَقَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ فِي ثَوْبَيْهِ وَلِلنَّسَائِيِّ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمَيِّتِ فِي ثِيَابِ إحْرَامِهِ، وَأَنَّ إحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ وَفِي قَوْلِهِ: " يُبْعَثُ مُلَبِّيًا " مَا يَدُلُّ لِمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ طَاعَةٍ ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَمَامِهَا بِالْمَوْتِ أَنَّهُ يُرْجَى لَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي نُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ لَا - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد) وَتَمَامُهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُد " فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ اغْسِلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ " وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ " لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا غَسَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا
стр. 448
٥٠٩ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ. فَقَالَ: " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ " فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: " أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا»
نِسَاؤُهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ " وَكَانَ الَّذِي أَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵇ " وَرَوَى الْحَاكِمُ قَالَ: " غَسَّلَ النَّبِيَّ ﷺ عَلِيٌّ ﵇ وَعَلَى يَدِ عَلِيٍّ خِرْقَةٌ فَغَسَّلَهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْقَمِيصِ فَغَسَّلَهُ وَالْقَمِيصُ عَلَيْهِ " وَرَوَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوْتَى.
وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) تَقَدَّمَ اسْمُهَا، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَهِيَ أَنْصَارِيَّةٌ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ» لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ مُسَمَّاةٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصِ كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَاتٍ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ " لَا أَدْرِي أَيَّ بَنَاتِهِ " فَقَالَ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» هُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي: أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ (فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ) فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُنَّ: فَإِذَا فَرَغْتُنَّ آذِنَّنِي» وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ " فَلَمَّا فَرَغْنَ " عِوَضًا عَنْ فَرَغْنَا (فَأَلْقَى إلَيْنَا حِقْوَهُ) فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ " فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ "، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَبَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِزَارُ وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا إذْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ مَعْقِدُ الْإِزَارِ فَهُوَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْحَالِ بِاسْمِ الْمَحَلِّ (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إيَّاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا أَيْ الثَّوْبَ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ أَيْ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ «فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا» دَلَّ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا " عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ ذَلِكَ الْعَدَدُ، وَالظَّاهِرُ الْإِجْمَاعُ عَلَى إجْزَاءِ الْوَاحِدَةِ فَالْأَمْرُ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْغُسْلِ فَقَدْ عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ وَقِيلَ: تَجِبُ الثَّلَاثُ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ خَمْسًا " أَوْ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّرْتِيبِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَوْله: " أَوْ
стр. 449
٥١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
أَكْثَرَ " قَدْ فُسِّرَ فِي رِوَايَةٍ أَوْ سَبْعًا بَدَلُ قَوْلِهِ: أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَكَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى سَبْعٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ إلَّا أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَظَاهِرُهَا شَرْعِيَّةُ الزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعِ.
وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي كَيْفِيَّةِ غَسْلَةِ السِّدْرِ قَالُوا: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُلَيِّنُ جَسَدَ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا غَسْلَةُ الْكَافُورِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَضُرُّ الْمَاءَ تَغَيُّرُهُ بِهِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُطَيِّبُ رَائِحَةَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَجْلِ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّةَ نُفُوذٍ وَخَاصِّيَّةً فِي تَصْلِيبِ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَصَرْفِ الْهَوَامِّ عَنْهُ، وَمَنْعِ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْفَضَلَاتِ، وَمَنْعِ إسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ، وَهُوَ أَقْوَى الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي جَعْلِهِ فِي الْآخِرَةِ إذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاءُ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْبُدَاءَةِ فِي الْغُسْلِ بِالْمَيَامِنِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَلِي الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا " لَيْسَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَنَافٍ لِإِمْكَانِ الْبُدَاءَةِ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَبِالْمَيَامِنِ مَعًا وَقِيلَ: الْمُرَادُ ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا فِي الْغَسَلَاتِ الَّتِي لَا وُضُوءَ فِيهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا فِي الْغَسْلَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْوُضُوءِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ تَجْدِيدُ سِمَةِ الْمُؤْمِنِ فِي ظُهُورِ أَثَرِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ.
وَظَاهِرُ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ دُخُولُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَقَوْلُهَا: " ضَفَّرْنَا شَعْرَهَا " اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ضَفْرِ شَعْرِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُرْسَلُ شَعْرُ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا، وَعَلَى وَجْهِهَا مُفَرَّقًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: كَأَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ قَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ذَلِكَ بِلَفْظِ " قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَاجْعَلْنَ شَعْرَهَا ضَفَائِرَ» وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ» وَالْقَرْنُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِ الضَّفَائِرُ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ: " نَاصِيَتَهَا، وَقَرْنَيْهَا " فَفِي لَفْظِ ثَلَاثَةِ قُرُونٍ تَغْلِيبٌ، وَالْكُلُّ حُجَّةٌ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَالضَّفْرُ يَكُونُ بَعْدَ نَقْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَغَسْلِهِ، وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ صَرِيحًا.
وَفِيهِ دَلَائِلُ عَلَى إلْقَاءِ الشَّعْرِ خَلْفَهَا وَذَهِلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَنْ كَوْنِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الْبُخَارِيِّ فَنَسَبَ الْقَوْلَ بِهِ إلَى بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إلَى حَدِيثٍ غَرِيبٍ.
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ) بِضَمِّ
стр. 450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (مِنْ كُرْسُفٍ) بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٌ أَيْ قُطْنٍ (لَيْسَ فِيهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ (قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) بَلْ إزَارٌ وَرِدَاءٌ وَلِفَافَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
) فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّكْفِينُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَكُنْ يَخْتَارُ لِنَبِيِّهِ ﷺ إلَّا الْأَفْضَلَ، وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْبَسُوا ثِيَابَ الْبَيَاضِ فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ أَخْرَجُوهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّهُ ﷺ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ "، وَهِيَ بُرْدٌ يَمَانِيٌّ مُخَطَّطٌ غَالِي الثَّمَنِ فَإِنَّهُ لَا يُعَارِضُ مَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُكَفَّنْ فِي ذَلِكَ الْبُرْدِ بَلْ سَجَّوْهُ بِهِ لِيَتَجَفَّفَ فِيهِ ثُمَّ نَزَعُوهُ عَنْهُ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّسْجِيَةَ كَانَتْ قَبْلَ الْغُسْلِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: تَكْفِينُهُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فِي كَفَنِهِ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵇ " أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ " فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَهُوَ سَيِّئُ الْحِفْظِ يَصْلُحُ حَدِيثُهُ فِي الْمُتَابَعَاتِ إلَّا إذَا انْفَرَدَ فَلَا يَحْسُنُ فَكَيْفَ إذَا خَالَفَ كَمَا هُنَا فَلَا يُقْبَلُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَا يَعْضُدُ رِوَايَةَ ابْنِ عَقِيلٍ فَإِنْ ثَبَتَ جُمِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا رَوَتْ مَا اطَّلَعَتْ عَلَيْهِ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ، وَغَيْرُهَا رَوَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ سِيَّمَا إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ كَانَ الْمُبَاشِرُ لِلْغُسْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ الْكَفَنِ مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَيِّتِ فَإِنْ قَصُرَ عَنْ سَتْرِ الْجَمِيعِ قُدِّمَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَمَا زَادَ عَلَيْهَا سُتِرَ بِهِ مِنْ جَانِبِ الرَّأْسِ وَجُعِلَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ حَشِيشٌ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَمِّهِ حَمْزَةَ وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَإِنْ أُرِيدَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْوَاحِدِ فَالْمَنْدُوبُ أَنْ يَكُونَ وِتْرًا وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا مَرَّ فِي حَدِيثِ الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ، وَقَدْ عَرَفْت مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ كَيْفِيَّةَ الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّهَا إزَارٌ وَرِدَاءٌ وَلِفَافَةٌ وَقِيلَ: مِئْزَرٌ وَدُرْجَانِ وَقِيلَ: يَكُونُ مِنْهَا قَمِيصٌ غَيْرُ مَخِيطٍ، وَإِزَارٌ يَبْلُغُ مِنْ سُرَّتِهِ إلَى رُكْبَتِهِ وَلِفَافَةٌ يُلَفُّ بِهَا مِنْ قَرْنِهِ إلَى قَدَمِهِ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْقَائِلُ قَوْلَ عَائِشَةَ: " لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ " بِأَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ وُجُوبِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَا الْقَمِيصَ وَحْدَهُ أَوْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ خَارِجَةٌ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ مِمَّا عَدَاهُمَا، وَإِنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا.
قِيلَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّكْفِينَ بِالْقَمِيصِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ يُسْتَحَبَّانِ فَإِنَّهُ ﷺ كَفَّنَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فِي قَمِيصِهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا يَفْعَلُ ﷺ إلَّا مَا هُوَ الْأَحْسَنُ، وَفِيهِ أَنَّ قَمِيصَ الْمَيِّتِ مِثْلُ قَمِيصِ الْحَيِّ مَكْفُوفًا مَزْرُورًا، وَقَدْ اسْتَحَبَّ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْقَمِيصُ إلَّا إذَا كَانَتْ أَطْرَافُهُ غَيْرَ
стр. 451
٥١١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنُهُ فِيهِ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
٥١٢ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
مَكْفُوفَةٍ. قُلْت: وَهَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ كَفَّ أَطْرَافِ الْقَمِيصِ كَانَ عُرْفَ ذَلِكَ الْعَصْرِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنُهُ فِيهِ فَأَعْطَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.)
هُوَ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ التَّكْفِينِ فِي الْقَمِيصِ كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ طَلَبَ الْقَمِيصَ مِنْهُ ﷺ قَبْلَ التَّكْفِينِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهَا مَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّهُ ﷺ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بَعْدَمَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» فَإِنَّهُ صَرِيحٌ أَنَّهُ كَانَ الْإِعْطَاءُ وَالْإِلْبَاسُ بَعْدَ الدَّفْنِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يُخَالِفُهُ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: فَأَعْطَاهُ أَيْ أَنْعَمَ لَهُ بِذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلَى الْعِدَّةِ اسْمُ الْعَطِيَّةِ مَجَازًا لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: " بَعْدَمَا دُفِنَ " أَيْ دُلِّيَ فِي حُفْرَتِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَدِيث جَابِرٍ أَنَّ الْوَاقِعَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ حُفْرَتِهِ هُوَ النَّفْثُ، وَأَمَّا الْقَمِيصُ فَقَدْ كَانَ أُلْبِسَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِمَا مَعًا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَا الْمَعِيَّةَ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ مَا، وَقَعَ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ إكْرَامِهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ التَّرْتِيبِ وَقِيلَ: إنَّهُ ﷺ أَعْطَاهُ أَحَدَ قَمِيصَيْهِ أَوَّلًا، وَلَمَّا دُفِنَ أَعْطَاهُ الثَّانِي بِسُؤَالِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَفِي الْإِكْلِيلِ لِلْحَاكِمِ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا؛ وَلِأَنَّهُ سَأَلَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، وَإِلَّا فَإِنَّ أَبَاهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ ﷺ وَكُفِّنَ فِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَاتَ عَلَى نِفَاقِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ وَقِيلَ: إنَّمَا كَسَاهُ ﷺ قَمِيصَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَسَا الْعَبَّاسَ لَمَّا أُسِرَ بِبَدْرٍ فَأَرَادَ ﷺ أَنْ يُكَافِئَهُ.
стр. 452
٥١٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) تَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثِ أَثْوَابٍ بِيضٍ " وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ وَيَجِبُ لُبْسُهَا إلَّا أَنَّهُ صَرَفَ الْأَمْرَ عَنْهُ فِي اللُّبْسِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ لَبِسَ غَيْرَ الْأَبْيَضِ، وَأَمَّا التَّكْفِينُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا صَارِفَ عَنْهُ إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ الْأَبْيَضُ كَمَا، وَقَعَ فِي تَكْفِينِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَإِنَّهُ ﷺ كَفَّنَ جَمَاعَةً فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَأْتِي فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّهُ ﷺ كُفِّنَ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ " فَفِيهِ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ " أَنَّهُ جُعِلَ فِي قَبْرِهِ قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ " وَكَذَلِكَ مَا قِيلَ إنَّهُ كُفِّنَ فِي بُرْدِ حِبَرَةٍ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَنَّهُ إنَّمَا سُجِّيَ بِهَا ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ سَلَامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ قَوْلُهُ: " وَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ " قَالَ: هُوَ الضَّفَاءُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ الْوَاسِعُ الْفَائِضُ وَفِي الْأَمْرِ بِإِحْسَانِ الْكَفَنِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِ مَا كَانَ أَحْسَنَ فِي الذَّاتِ، وَفِي صِفَةِ الثَّوْبِ وَفِي كَيْفِيَّةِ وَضْعِ الثِّيَابِ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَمَّا حُسْنُ الذَّاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمُغَالَاةِ كَمَا سَيَأْتِي النَّهْيُ عَنْهُ وَأَمَّا صِفَةُ الثَّوْبِ فَقَدْ بَيَّنَهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وَضْعِ الثِّيَابِ عَلَى الْمَيِّتِ فَقَدْ بُيِّنَتْ فِيمَا سَلَفَ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْسَانِ الْكَفَنِ وَذُكِرَتْ فِيهَا عِلَّةُ ذَلِكَ.
أَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «أَحْسِنُوا كَفَنَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ وَيَتَزَاوَرُونَ بِهَا فِي قُبُورِهِمْ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَحْسِنُوا الْكَفَنَ وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُمْ بِعَوِيلٍ وَلَا بِتَزْكِيَةٍ وَلَا بِتَأْخِيرِ وَصِيَّةٍ وَلَا بِقَطِيعَةٍ وَعَجِّلُوا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ وَاعْدِلُوا عَنْ جِيرَانِ السُّوءِ وَأَعْمِقُوا إذَا حَفَرْتُمْ وَوَسِّعُوا» وَمِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْمَيِّتِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْهُ ﷺ «وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ مَا يَكُونُ مِنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ
стр. 453
٥١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَقَالَ ﷺ : «لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «إنَّ آدَمَ ﵇ قَبَضَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَحَنَّطُوهُ وَحَفَرُوا لَهُ وَأَلْحَدُوهُ وَصَلَّوْا عَلَيْهِ وَدَخَلُوا قَبْرَهُ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ الْقَبْرِ ثُمَّ حَثَوْا عَلَيْهِ التُّرَابَ ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ هَذَا سُنَّتُكُمْ».
(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ» سُمِّيَ لَحْدًا؛ لِأَنَّهُ شِقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِهِ، وَالْإِلْحَادُ لُغَةً الْمَيْلُ (وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)
دَلَّ عَلَى أَحْكَامٍ:
(الْأَوَّلُ): أَنَّهُ يَجُوزُ جَمْعُ الْمَيِّتَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ. (وَالثَّانِي): أَنَّ الْمُرَادَ يَقْطَعُهُ بَيْنَهُمَا وَيُكَفَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِيَالِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ بَلْ قِيلَ: إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ فَإِنَّهُ فِيهِ الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الْمَيِّتَيْنِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَ جَابِرٍ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ «فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ» دَلِيلٌ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الشَّارِحُ ﵀ فَقَالَ: الظَّاهِرُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ فِي حَمْزَةَ ﵁ (قُلْت): حَدِيثُ جَابِرٍ أَوْضَحُ فِي عَدَمِ تَقْطِيعِ الثَّوْبِ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ أَحَدُ الْجَائِزَيْنِ وَالتَّقْطِيعُ جَائِزٌ عَلَى الْأَصْلِ
(الْحُكْمُ الثَّانِي): أَنَّهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِهِ لِفَضِيلَةِ الْقُرْآنِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ جِهَاتِ الْفَضْلِ إذَا جُمِعُوا فِي اللَّحْدِ
(الْحُكْمُ الثَّالِثُ): جَمْعُ جَمَاعَةٍ فِي قَبْرٍ وَكَأَنَّهُ لِلضَّرُورَةِ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابَ (دَفْنُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ) وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ جَابِرٍ فِي الرَّجُلَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ ذِكْرُ الثَّلَاثَةِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ
стр. 454
٥١٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «جَاءَتْ الْأَنْصَارُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالُوا: أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ فَقَالَ: احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمِثْلُهُ الْمَرْأَتَانِ وَالثَّلَاثُ.
وَأَمَّا دَفْنُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَنَّهُ «كَانَ يَدْفِنُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ فَيُقَدَّمُ الرَّجُلُ وَتُجْعَلُ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ» وَكَأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُمَا حَائِلًا مِنْ تُرَابٍ
(الْحُكْمُ الرَّابِعُ): أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَلِأَهْلِ الْمَذْهَبِ تَفَاصِيلُ فِي ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجِبُ غُسْلُهُ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ دَمٍ يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ
(الْحُكْمُ الْخَامِسُ): عَدَمُ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مَعْرُوفٌ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلِّي عَلَيْهِ عَمَلًا بِعُمُومِ أَدِلَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَبِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً، وَبِأَنَّهُ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ» وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ عَمَلًا بِرِوَايَةِ جَابِرٍ هَذِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: جَاءَتْ الْأَخْبَارُ كَأَنَّهَا عِيَانٌ مِنْ وُجُوهٍ مُتَوَاتِرَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ» وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَيْهِمْ وَكَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً» لَا يَصِحُّ وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَارَضَ بِذَلِكَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْ نَفْسِهِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ يَعْنِي وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ فَلَا يَتِمُّ لَهُ الِاسْتِدْلَال وَكَأَنَّهُ ﷺ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ حِينَ عَلِمَ قُرْبَ أَجَلِهِ مُوَدِّعًا بِذَلِكَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ دَعَا لَهُمْ عَدَمُ الْجَمْعِيَّةِ بِأَصْحَابِهِ إذْ لَوْ كَانَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَأَشْعَرَ أَصْحَابَهُ وَصَلَّاهَا جَمَاعَةً كَمَا فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَإِنَّ الْجَمَاعَةَ أَفْضَلُ قَطْعًا وَأَهْلُ أُحُدٍ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَفْضَلِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ فُرَادَى وَحَدِيثُ عُقْبَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» زَادَ ابْنُ حِبَّانَ " وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى ".
стр. 455
٥١٦ - «وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: لَوْ مِتّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُك» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٥١٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَفِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ الْجَنْبِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَنُونٌ سَاكِنَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ الشَّعْبِيِّ وَعَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ وَهِيَ زِيَادَةُ الثَّمَنِ.
وَقَوْلُهُ: " فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا " كَأَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ سَرِيعُ الْبِلَى وَالذَّهَابِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَظَرَ إلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهَا قُلْت: إنَّ هَذَا خَلَقٌ قَالَ: إنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ إنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ " ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا.
«وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: لَوْ مِتّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُك» الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ زَوْجَتَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُغَسِّلُهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ وَلَا عُدَّةَ عَلَيْهِ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُ هَذَا فِي الزَّوْجَيْنِ.
وَأَمَّا فِي الْأَجَانِبِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ فِيهِمْ امْرَأَةٌ غَيْرُهَا وَالرَّجُلُ مَعَ النِّسَاءِ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُمَا يُيَمَّمَانِ وَيُدْفَنَانِ» وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يَجِدُ الْمَاءَ انْتَهَى.
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُبْرِزْ فَخِذَك وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي إسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ.
стр. 456
أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ ﵁. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
٥١٨ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - «فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا - قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٥١٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ
(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ ﵁. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ)
هَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ.
وَأَمَّا غُسْلُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ «عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ نِسَائِهِ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَإِنْ كَانَ قَوْلَ صَحَابِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ فَاطِمَةَ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا فِي حَيَاتِهِ ﷺ وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ " مِنْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى امْرَأَتَهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ وَاسْتَعَانَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِضَعْفِهَا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ " وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَالْخِلَافُ فِيهِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: لِارْتِفَاعِ النِّكَاحِ كَذَا فِي الشَّرْحِ وَاَلَّذِي فِي دَلِيلِ الْمَطَالِبِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ مَا لَفْظُهُ: وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُغَسِّلَ زَوْجَتَهُ وَأَمَتَهُ وَبِنْتًا دُونَ سَبْعٍ وَلِلْمَرْأَةِ غُسْلُ زَوْجِهَا وَسَيِّدِهَا وَابْنٍ دُونَ سَبْعٍ.
(وَعَنْ بُرَيْدَةَ فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْمِيمِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ نِسْبَةٌ إلَى غَامِدٍ وَتَأْتِي قِصَّتُهَا فِي الْحُدُودِ «الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَى قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَى مَنْ قُتِلَ بِحَدٍّ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﷺ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى مَقْتُولٍ فِي حَدٍّ؛ لِأَنَّ الْفُضَلَاءَ لَا يُصَلُّونَ عَلَى الْفُسَّاقِ زَجْرًا لَهُمْ (قُلْت): كَذَا فِي الشَّرْحِ لَكِنْ قَدْ «قَالَ ﷺ فِي الْغَامِدِيَّةِ: إنَّهَا تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ» أَوْ نَحْوُ هَذَا اللَّفْظِ وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفُسَّاقِ وَعَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ وَعَلَى الْمُحَارِبِ وَعَلَى وَلَدِ الزِّنَى وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَأَنَّهُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمَحْدُودٍ وَمَرْجُومٍ وَقَاتِلٍ نَفْسَهُ وَوَلَدِ الزِّنَى وَقَدْ وَرَدَ فِي قَاتِلِ نَفْسِهِ الْحَدِيثُ:
стр. 457
بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٥٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ».
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
الْمَشَاقِصُ جَمْعُ مِشْقَصٍ وَهُوَ نَصْلٌ عَرِيضٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَتَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ الْعُقُوبَةُ لَهُ وَرَدْعٌ لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَرَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: يُصَلِّي عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَقَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ: إنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ.
قَالُوا: وَهَذَا كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَوَّلَ الْأَمْرِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى صَاحِبِهِمْ (قُلْت): إنْ ثَبَتَ نَقْلٌ إنَّهُ أَمَرَ ﵌ أَصْحَابَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ ثُمَّ هَذَا الْقَوْلُ وَإِلَّا فَرَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْفَقُ بِالْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ " أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ " فَرُبَّمَا أَخَذَ مِنْهَا أَنَّ غَيْرَهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ أَيْ تُخْرِجُ الْقُمَامَةَ مِنْهُ وَهِيَ الْكُنَاسَةُ (فَسَأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ فِي جَوَابِ سُؤَالِهِ: إنَّهَا مَاتَتْ (فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ)
أَيْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ يُخَرِّجْهَا الْبُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهَا مُدْرَجَةٌ مِنْ مَرَاسِيلِ ثَابِتٍ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا وَالْمُصَنِّفُ جَزَمَ أَنَّ الْقِصَّةَ كَانَتْ مَعَ امْرَأَةٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ أَوْ امْرَأَةً سَوْدَاءَ بِالشَّكِّ مِنْ ثَابِتٍ الرَّاوِي لَكِنَّهُ صَرَّحَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: " وَلَا أَرَاهُ إلَّا امْرَأَةً " وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: " امْرَأَةٌ
стр. 458
٥٢١ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ.» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
سَوْدَاءُ " وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَسَمَّاهَا أُمَّ مِحْجَنٍ وَأَفَادَ أَنَّ الَّذِي أَجَابَهُ ﷺ عَنْ سُؤَالِهِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ وَفِي الْبُخَارِيِّ عِوَضٌ " فَسَأَلَ عَنْهَا " فَقَالَ: " مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ " الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ صَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الدَّفْنِ أَمْ لَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ.
وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا «صَلَاتُهُ ﷺ عَلَى الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَإِنَّهُ مَاتَ وَالنَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ وَفَاتِهِ».
وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا «صَلَاتُهُ ﷺ عَلَى الْغُلَامِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي دُفِنَ لَيْلًا وَلَمْ يَشْعُرْ ﷺ بِمَوْتِهِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا أَحَادِيثُ وَرَدَتْ فِي الْبَابِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَشَارَ إلَيْهَا فِي الشَّرْحِ وَذَهَبَ أَبُو طَالِبٍ تَحْصِيلًا لِمَذْهَبِ الْهَادِي إلَى أَنَّهُ لَا صَلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ فِي الْبَحْرِ بِحَدِيثٍ لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ أَحَادِيثِ الْمُثْبِتِينَ لِمَا عَرَفْت مِنْ صِحَّتِهَا وَكَثْرَتِهَا.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تُشْرَعُ فِيهَا الصَّلَاةُ فَقِيلَ: إلَى شَهْرٍ بَعْدَ دَفْنِهِ وَقِيلَ: إلَى أَنْ يَبْلَى الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ إذَا بَلِيَ لَمْ يَبْقَ مَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقِيلَ: أَبَدًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ الدُّعَاءُ وَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ (قُلْت): هَذَا هُوَ الْحَقُّ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى التَّحْدِيدِ بِمُدَّةٍ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ فَلَا تَنْهَضُ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ». فِي الْقَامُوسِ نَعَاهُ لَهُ نَعْيًا أَوْ نُعْيَانًا أَخْبَرَهُ بِمَوْتِهِ
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) وَكَأَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ هِيَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ﷺ : «إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» فَإِنَّ صِيغَةَ التَّحْذِيرِ فِي مَعْنَى النَّهْيِ.
وَأَخْرَجَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ وَفِيهِ قِصَّةٌ فَإِنَّهُ سَاقَ سَنَدَهُ إلَى حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: «إذَا مِتّ فَلَا يُؤَذِّنْ أَحَدٌ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْيًا، إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ» هَذَا لَفْظُهُ وَلَمْ يُحَسِّنْهُ ثُمَّ فَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ النَّعْيَ بِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُنَادَى فِي النَّاسِ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ:
стр. 459
٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى. فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
لَا بَأْسَ أَنْ يُعْلِمَ الرَّجُلُ قَرَابَتَهُ وَإِخْوَانَهُ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْلِمَ الرَّجُلُ قَرَابَتَهُ انْتَهَى.
وَقِيلَ: الْمُحَرَّمُ مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ كَانُوا يُرْسِلُونَ مَنْ يُعْلِمُ بِخَبَرِ مَوْتِ الْمَيِّتِ عَلَى أَبْوَابِ الدُّورِ وَالْأَسْوَاقِ.
وَفِي النِّهَايَةِ: وَالْمَشْهُورُ فِي الْعَرَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا مَاتَ فِيهِمْ شَرِيفٌ أَوْ قُتِلَ بَعَثُوا رَاكِبًا إلَى الْقَبَائِلِ يَنْعَاهُ إلَيْهِمْ يَقُولُ نُعَاءُ فُلَانًا أَوْ يَا نُعَاءَ الْعَرَبِ هَلَكَ فُلَانٌ أَوْ هَلَكَتْ الْعَرَبُ بِمَوْتِ فُلَانٍ انْتَهَى.
وَيَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (قُلْت) وَمِنْهُ النَّعْيُ مِنْ أَعْلَى الْمَنَارَاتِ كَمَا يُعْرَفُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ فِي مَوْتِ الْعُظَمَاءِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: (الْأُولَى): إعْلَامُ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ فَهَذِهِ سُنَّةٌ.
الثَّانِيَةُ: دَعْوَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ لِلْمُفَاخَرَةِ فَهَذِهِ تُكْرَهُ.
(الثَّالِثَةُ): إعْلَامٌ بِنَوْعٍ آخَرَ كَالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا يَحْرُمُ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ أَخَذَ سُنِّيَّةَ الْأُولَى مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ جَمَاعَةٍ يُخَاطَبُونَ بِالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالدَّفْنِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ ﷺ : " أَلَا آذَنْتُمُونِي وَنَحْوُهُ " وَمِنْهُ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ» بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ بَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ وَقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةِ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ (فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مُصَلَّى الْعِيدِ أَوْ مَحَلٌّ اُتُّخِذَ لِصَلَاةِ الْجَنَائِزِ (فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)
فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّعْيَ اسْمٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ وَأَنَّهُ لِمُجَرَّدِ الْإِعْلَامِ جَائِزٌ.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْغَائِبِ وَفِيهِ أَقْوَالٌ.
الْأَوَّلُ: تُشْرَعُ مُطْلَقًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ خِلَافُهُ.
وَالثَّانِي: مَنْعُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ لِلْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَمَالِكٍ وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمَيِّتُ أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ إلَّا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ.
الرَّابِعُ: يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَوَجْهُ التَّفْصِيلِ فِي الْقَوْلَيْنِ مَعًا الْجُمُودُ عَلَى قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ.
وَقَالَ الْمَانِعُ مُطْلَقًا: إنَّ صَلَاتَهُ ﷺ عَلَى النَّجَاشِيِّ خَاصَّةٌ بِهِ وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاعْتَذَرُوا بِمَا قَالَهُ أَهْلُ الْقَوْلِ الْخَامِسِ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْغَائِبِ إذَا مَاتَ
стр. 460
٥٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
بِأَرْضٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهَا كَالنَّجَاشِيِّ فَإِنْ مَاتَ بِأَرْضٍ لَمْ يُسْلِمْ أَهْلُهَا.
وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَنَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ الْخَطَّابِيِّ وَأَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إلَّا أَنَّنِي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أَحَدٌ.
وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِخُرُوجِهِ ﷺ وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرَدَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ نَهْيٌ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ وَبِأَنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الْقَائِلُ بِالْكَرَاهَةِ إنَّمَا هُوَ إدْخَالُ الْمَيِّتِ الْمَسْجِدَ وَإِنَّمَا خَرَجَ ﷺ تَعْظِيمًا لِشَأْنِ النَّجَاشِيِّ وَلِتَكْثُرَ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَفِيهِ شَرْعِيَّةُ الصُّفُوفِ عَلَى الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حَدِيثَ جَابِرٍ وَأَنَّهُ كَانَ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ وَبَوَّبَ لَهُ الْبُخَارِيُّ (بَابُ مَنْ صَفَّ صَفَّيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً عَلَى الْجِنَازَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ) وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ إعْلَامُهُمْ بِمَوْتِهِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْحَبَشَةِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا إلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ تَكْثِيرِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَأَنَّ شَفَاعَةَ الْمُؤْمِنِ نَافِعَةٌ مَقْبُولَةٌ عِنْدَهُ تَعَالَى وَفِي رِوَايَةٍ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ كُلُّهُمْ مِائَةً يَشْفَعُونَ فِيهِ إلَّا شُفِّعُوا فِيهِ» وَفِي رِوَايَةٍ " ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ " رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ خَرَّجَتْ أَجْوِبَةً لِسَائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ سُؤَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ أَخْبَرَ بِقَبُولِ شَفَاعَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا إذْ مَفْهُومُ الْعَدَدِ يُطْرَحُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَجَمِيعُ الْأَحَادِيثِ مَعْمُولٌ بِهَا وَتُقْبَلُ الشَّفَاعَةُ بِأَدْنَاهَا.
следующие страницы →