Полный текст (1 346 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
٤٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
أَنَّهُ قَالَ عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَجَمَعَهُمَا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ " وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجُمُعَةَ الْأَصْلُ فِي يَوْمِهَا، وَالظُّهْرَ بَدَلٌ فَهُوَ يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ وُجُوبُ الْأَصْلِ مَعَ إمْكَانِ أَدَائِهِ سَقَطَ الْبَدَلُ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَيْضًا حَيْثُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ مَعَ تَقْدِيرِ إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ لِلظُّهْرِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَأَيَّدَ الشَّارِحُ مَذْهَبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
(قُلْت): وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَطَاءً أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَصٍّ قَاطِعٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ فَالْجَزْمُ بِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الزُّبَيْرِ سُقُوطُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَكُونُ عِيدًا عَلَى مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ بَلْ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ إنَّهُمْ صَلَّوْا وُحْدَانًا أَيْ الظُّهْرَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مُرَادَهُ صَلَّوْا الْجُمُعَةَ وُحْدَانًا فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا جَمَاعَةً إجْمَاعًا ثُمَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ بَلْ الظُّهْرُ هُوَ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ الْمَفْرُوضُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَالْجُمُعَةُ مُتَأَخِّرٌ فَرْضُهَا، ثُمَّ إذَا فَاتَتْ وَجَبَ الظُّهْرُ إجْمَاعًا فَهِيَ الْبَدَلُ عَنْهُ.
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، وَالْأَمْرُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهُ مَا، وَقَعَ فِي لَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الصَّبَّاحِ «مَنْ كَانَ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْأَرْبَعُ أَفْضَلُ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ وَكَثْرَةِ فِعْلِهِ لَهَا ﷺ قَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: «وَكَانَ ﷺ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّتَهَا، وَأَمَرَ مَنْ صَلَّاهَا أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا أَرْبَعًا» قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
قُلْت: وَعَلَى هَذَا تَدُلُّ الْأَحَادِيثُ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ «كَانَ إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ « ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ».
стр. 387
٤٢٨ - وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁، أَنَّ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ لَهُ: «إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ: أَنْ لَا نَصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
٤٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ﵁) هُوَ أَبُو يَزِيدَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ فِي الْأَشْهَرِ وُلِدَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَحَضَرَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ أَبِيهِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ «أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا» بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ عَنْ الْوَصْلِ (بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ) أَيْ مِنْ الْمَسْجِدِ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» أَنَّ وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ مِنْ ذَلِكَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ فَصْلِ النَّافِلَةِ عَنْ الْفَرِيضَةِ، وَأَنْ لَا تُوصَلَ بِهَا، وَظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ، وَلَيْسَ خَاصًّا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ الرَّاوِي عَلَى تَخْصِيصِهِ بِذِكْرِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِحَدِيثٍ يَعُمُّهَا وَغَيْرَهَا قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَبِهَ الْفَرْضُ بِالنَّافِلَةِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ هَلَكَةٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّحَوُّلُ لِلنَّافِلَةِ مِنْ مَوْضِعِ الْفَرِيضَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى بَيْتِهِ فَإِنَّ فِعْلَ النَّوَافِلِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَإِلَى مَوْضِعٍ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ تَكْثِيرٌ لِمَوَاضِعِ السُّجُودِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ يَعْنِي السُّبْحَةَ» وَلَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ» وَلَمْ يَصِحَّ النَّهْيُ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ اغْتَسَلَ) أَيْ لِلْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» أَوْ مُطْلَقًا (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أَيْ الْمَوْضِعَ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ (فَصَلَّى) مِنْ النَّوَافِلِ (مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ
стр. 388
٤٣٠ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: «فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ: يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ "
الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ) أَيْ زِيَادَةُ (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. " رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إحْرَازِهِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَجْرِ مِنْ الِاغْتِسَالِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ»، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّافِلَةِ حَسْبَمَا يُمْكِنُهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَدِّرْهَا بِحَدٍّ فَيَتِمُّ لَهُ هَذَا الْأَجْرُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَقَوْلُهُ: " أَنْصَتَ " مِنْ الْإِنْصَاتِ، وَهُوَ السُّكُوتُ، وَهُوَ غَيْرُ الِاسْتِمَاعِ إذْ هُوَ الْإِصْغَاءُ لِسَمَاعِ الشَّيْءِ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ هَلْ الْإِنْصَاتُ يَجِبُ أَوْ لَا.
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَلَوْ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا نَهْيَ عَنْهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ " حَتَّى "، وَقَوْلُهُ: " غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ " أَيْ مَا بَيْنَ صَلَاتِهَا وَخُطْبَتِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَكُونَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ أَيْ غُفِرَتْ لَهُ الْخَطَايَا الْكَائِنَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَغُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ السَّبْعِ حَتَّى تَكُونَ عَشْرَةٌ وَهَلْ الْمَغْفُورُ الْكَبَائِرُ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الْآخَرِ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يَغْفِرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ.
(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ قَائِمٌ» جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَوْ صِفَةُ الْعَبْدِ، وَالْوَاوُ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ (يُصَلِّي) حَالٌ ثَانٍ (يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى) حَالٌ ثَالِثٌ (شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا ") يُحَقِّرُ وَقْتَهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ) هُوَ الَّذِي أَفَادَهُ لَفْظُ يُقَلِّلُهَا فِي الْأُولَى، وَفِيهِ إبْهَامُ السَّاعَةِ وَيَأْتِي تَعْيِينُهَا وَمَعْنَى " قَائِمٌ " أَيْ مُقِيمٌ لَهَا مُتَلَبِّسٌ بِأَرْكَانِهِ لَا بِمَعْنَى حَالِ الْقِيَامِ فَقَطْ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحُفَّاظِ وَأُسْقِطَتْ فِي رِوَايَةِ آخَرِينَ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِحَذْفِهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ اسْتَشْكَلَ الصَّلَاةَ إذْ وَقْتَ تِلْكَ السَّاعَةِ إذَا كَانَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ فَهُوَ وَقْتُ كَرَاهَةٍ لِلصَّلَاةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مِنْ حَالِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى انْصِرَافِهِ، وَقَدْ تَأَوَّلْتُ هَذِهِ
стр. 389
٤٣١ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ
٤٣٢ و ٤٣٣ - وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ.
وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ
الْجُمْلَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ، وَالْمُنْتَظِرُ لِلصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُشِيرَ بِيَدِهِ هُوَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ " فَأَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ " وَقِيلَ: الْمُشِيرُ بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ الْإِشَارَةِ فَهُوَ أَنَّهُ وَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى، وَالْخِنْصَرِ يُبَيِّنُ قِلَّتَهَا، وَقَدْ أُطْلِقَ السُّؤَالُ هُنَا، وَقَيَّدَهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ " مَا لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ إثْمًا " وَعِنْدَ أَحْمَدَ " مَا لَمْ يَسْأَلْ إثْمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ ".
(وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو بُرْدَةَ مِنْ التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ سَمِعَ أَبَاهُ وَعَلِيًّا ﵁ وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ (عَنْ أَبِيهِ) أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول: هِيَ) أَيْ سَاعَةُ الْجُمُعَةِ (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ)
، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي عَنْ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةً، وَأَرْبَعِينَ قَوْلًا وَسَيُشِيرُ إلَيْهَا وَسَرَدَهَا الشَّارِحُ ﵀ فِي الشَّرْحِ، وَهَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَحَدُهَا وَرَجَّحَهُ مُسْلِمٌ عَلَى مَا رَوَى عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: هُوَ أَجْوَدُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَأَصَحُّهُ، وَقَالَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوَابُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْوَقْتِ الَّذِي عُيِّنَ بَلْ تَكُونُ فِي أَثْنَائِهِ لِقَوْلِهِ " يُقَلِّلُهَا "، وَقَوْلُهُ " خَفِيفَةٌ "، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْوَقْتِ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِيهَا فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ مَظِنَّتِهَا ابْتِدَاءَ الْخُطْبَةِ مَثَلًا، وَانْتِهَاؤُهَا انْتِهَاءَ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ رَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مَرْفُوعًا فَإِنَّهُ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَعْيِينِ أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ، وَيَأْتِي مَا أَعَلَّهُ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ قَرِيبًا.
стр. 390
أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ».
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ
أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ: «أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ».
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
(وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هُوَ أَبِي يُوسُفَ بْنُ سَلَامٍ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعِ إسْرَائِيلِيٌّ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ﵇، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحْبَارِ، وَأَحَدُ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْجَنَّةِ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ يُوسُفُ وَمُحَمَّدٌ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعِينَ وَسَلَامٌ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ سَلَامٌ بِالتَّخْفِيفِ غَيْرُهُ (عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ) لَفْظُهُ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: «قُلْت وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ: إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي التَّوْرَاةَ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا قَضَى اللَّهُ لَهُ حَاجَتَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَأَشَارَ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ قُلْت: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ قُلْت: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ قُلْت: إنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ لَا يُجْلِسُهُ إلَّا الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ» انْتَهَى.
(وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهَا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ) قَوْلُهُ أَنَّهَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ إلَى آخِرِهِ وَرَجَّحَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْقَوْلَ رَوَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ نَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ افْتَرَقُوا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» وَرَجَّحَهُ إِسْحَاقُ وَغَيْرُهُ وَحَكَى أَنَّهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا فَإِنَّهُ تَرْجِيحٌ لِغَيْرِ مَا فِي الصَّحِيحِ عَلَى مَا فِيهِ، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ عُلُومِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهَا أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ حَدِيثٌ لَمْ يَكُنْ حَدِيثَ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِمَّا انْتَقَدَهُ الْحُفَّاظُ كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى هَذَا الَّذِي فِي مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ قَدْ أُعِلَّ بِالِانْقِطَاعِ وَالِاضْطِرَابِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مَخْرَمَةَ ابْنِ بُكَيْرٍ، وَقَدْ صَرَّحَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَخْرَجُوهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ كُوفِيٌّ، وَأَهْلُ بَلْدَتِهِ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِ مِنْ بُكَيْرٍ فَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَبِي بُرْدَةَ لَمْ يَقِفُوهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ بِأَنَّ الْمَوْقُوفَ هُوَ الصَّوَابُ.
وَجَمَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ سَلَامٍ بِأَنَّ السَّاعَةَ تَنْحَصِرُ فِي أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَمْلَيْتهَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ فَقِيلَ: قَدْ رُفِعَتْ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَقِيلَ: هِيَ بَاقِيَةٌ وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا ثُمَّ
стр. 391
٤٣٤ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
سَرَدَ الْأَقْوَالَ، وَلَمْ يَبْلُغْ بِهَا مَا بَلَغَ بِهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ الْعَدَدِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ هَاهُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ كَأَنَّهُمَا الْأَرْجَحُ عِنْدَهُ دَلِيلًا، وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ الْجُمُعَةِ لِاخْتِصَاصِهَا بِهَذِهِ السَّاعَةِ.
(وَعَنْ جَابِرٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ «مَضَتْ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ فِيهِ أَحْمَدَ: اضْرِبْ عَلَى أَحَادِيثِهِ فَإِنَّهَا كَذِبٌ أَوْ مَوْضُوعَةٌ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ لَا أَصْلَ لَهَا، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: لَا يَثْبُتُ فِي الْعَدَدِ حَدِيثٌ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النِّصَابِ الَّذِينَ بِهِمْ تَقُومُ الْجُمُعَةُ فَذَهَبَ إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْأَرْبَعِينَ لَا عَلَى مَنْ دُونِهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي كَوْنِ الْإِمَامِ أَحَدَهُمْ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْمُؤَيَّدُ وَأَبُو طَالِبٍ إلَى أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ مَعَ الْإِمَامِ، وَهُوَ أَقَلُّ عَدَدٍ تَنْعَقِدُ بِهِ فَلَا تَجِبُ إذَا لَمْ يَتِمَّ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْعَوْا﴾ قَالُوا: وَالْخِطَابُ لِلْجَمَاعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ لِلْجُمُعَةِ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى الْجَمَاعَةِ لِلْجُمُعَةِ بَعْدَ النِّدَاءِ لَهَا، وَالنِّدَاءُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُنَادٍ فَكَانُوا ثَلَاثَةً مَعَ الْإِمَامِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ خِطَابِ الْجَمَاعَةِ فِعْلُهُمْ لَهَا مُجْتَمِعِينَ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ بِهَذَا وَاعْتَرَضَ بِهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ لَمَّا اسْتَدَلُّوا بِهِ لِلْمَذْهَبِ وَنَقَضَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ﴿وَجَاهِدُوا﴾ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ إيتَاءُ الزَّكَاةِ فِي جَمَاعَةٍ قُلْت: وَالْحَقُّ أَنَّ شَرْطِيَّةَ أَيِّ شَيْءٍ فِي أَيِّ عِبَادَةٍ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ هُنَا عَلَى تَعْيِينِ عَدَدٍ لَا مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ، وَإِذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ صَلَاتُهَا إلَّا جَمَاعَةً كَمَا قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَابْنِ عَدِيٍّ وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالِاثْنَانِ أَقَلُّ مَا تَتِمُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ «الِاثْنَانِ جَمَاعَةٌ» فَتَتِمُّ بِهِمْ فِي الْأَظْهَرِ، وَقَدْ سَرَدَ الشَّارِحُ الْخِلَافَ، وَالْأَقْوَالَ فِي كَمِّيَّةِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَبَلَغَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا وَذَكَرَ مَا تَشَبَّثَ بِهِ كُلُّ قَائِلٍ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ بِمَا لَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى الشَّرْطِيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي نُقِلَ مِنْ حَالِ
стр. 392
٤٣٥ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ
٤٣٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ
النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ غَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَى عَدَدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْجَمْعُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الشِّعَارُ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي كَثْرَةٍ يَغِيظُ بِهَا الْمُنَافِقَ وَيَكِيدُ بِهَا الْجَاحِدَ وَيَسُرُّ بِهَا الْمُصَدِّقَ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَالَّةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْجَمَاعَةِ فَلَوْ وُقِفَ عَلَى أَقَلَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ لَمْ تَنْعَقِدْ.
قُلْت: قَدْ كَتَبْنَا رِسَالَةً فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا وَوَسَّعْنَا الْمَقَالَ وَالِاسْتِدْلَالَ سَمَّيْنَاهَا: اللُّمْعَةُ فِي تَحْقِيقِ شَرَائِطِ الْجُمُعَةِ.
(وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ). قُلْت: قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي إسْنَادِ الْبَزَّارِ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ الْبُسْتِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ إلَّا أَنَّهُ بِزِيَادَةِ "، وَالْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ "
، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ لِلْخَطِيبِ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الدُّعَاءِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى وُجُوبِ دُعَاءِ الْخَطِيبِ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنَاتِ أَبُو طَالِبٍ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ مُوَاظَبَتَهُ ﷺ دَلِيلُ الْوُجُوبِ كَمَا يُفِيدُهُ " كَانَ يَسْتَغْفِرُ "، وَقَالَ غَيْرُهُمْ يُنْدَبُ وَلَا يَجِبُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْوُجُوبِ قَالَ الشَّارِحُ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
(وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ يُذَكِّرُ النَّاسَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ) كَأَنَّهُ يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «أُمِّ هِشَامِ بِنْتِ حَارِثَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا أَخَذْت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلَّا مِنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، وَفِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ مُوَثَّقُونَ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّهُ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ فِي خُطْبَتِهِ آخِرَ الزُّمَرِ فَتَحَرَّكَ الْمِنْبَرُ مَرَّتَيْنِ»، وَفِي رُوَاتِهِ ضَعِيفَانِ.
стр. 393
٤٣٧ - وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ وَامْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ وَمَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى.
٤٣٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَحْمَسِيِّ الْبَجَلِيِّ الْكُوفِيِّ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ وَغَزَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ غَزْوَةً وَسَرِيَّةً وَمَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً مَمْلُوكٌ وَامْرَأَةٌ وَصَبِيٌّ وَمَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَقَالَ لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ) إلَّا أَنَّهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ " عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ " بِلَفْظِ أَوْ وَكَذَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُد: طَارِقٌ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا انْتَهَى (وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ الْمَذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسَى) يُرِيدُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ بِهَذَا صَارَ مَوْصُولًا، وَفِي الْبَابِ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَمَوْلًى لِابْنِ الزُّبَيْرِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيثُ تَمِيمٍ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ ضُعَفَاءَ عَلَى الْوَلَاءِ قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ»، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «خَمْسَةٌ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ الْمَرْأَةُ، وَالْمُسَافِرُ، وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ، وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ».
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَضْعِيفَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَا بَيَّنَ وَجْهَ ضَعْفِهِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَدْ اجْتَمَعَ مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى سِتَّةِ أَنْفُسٍ الصَّبِيُّ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَالْمَمْلُوكُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ دَاوُد فَقَالَ بِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ فَإِنَّهُ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ دُخُولُ الْعَبِيدِ فِي
стр. 394
٤٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ - وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ
الْخِطَابِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ خَصَّصَتْهُ الْأَحَادِيثُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَقَالٌ فَإِنَّهُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَالْمَرْأَةُ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلْعَجَائِزِ حُضُورُهَا بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَرِوَايَةُ الْبَحْرِ عَنْهُ أَنَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِنَّ خِلَافُ مَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَالْمَرِيضُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُهَا إذَا كَانَ يَتَضَرَّرُ بِهِ.
وَالْمُسَافِرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُهَا، وَهُوَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مُبَاشِرُ السَّفَرِ، وَأَمَّا النَّازِلُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ نَزَلَ بِمِقْدَارِ الصَّلَاةِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي لَفْظِ الْمُسَافِرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ أَيْضًا، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ السَّفَرِ بَاقِيَةٌ لَهُ مِنْ الْقَصْرِ وَنَحْوِهِ وَلِذَا لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِعَرَفَاتٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا وَكَذَلِكَ الْعِيدُ تَسْقُطُ صَلَاتُهُ عَنْ الْمُسَافِرِ وَلِذَا لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ فِي حَجَّتِهِ تِلْكَ، وَقَدْ وَهَمَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إنَّهُ صَلَّاهَا فِي حَجَّتِهِ وَغَلَّطَهُ الْعُلَمَاءُ.
السَّادِسُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْبَادِيَةَ تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْعُمُدِ، وَالْخِيَامِ دُونَ أَهْلِ الْقُرَى، وَالْمُدُنِ، وَفِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ حُكْمَ أَهْلِ الْقُرَى حُكْمُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ».
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ)؛ لِأَنَّ فِيهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ بْنَ عَطِيَّةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ وَضَعَّفَهُ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا (وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ) لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ وَلَا رَأَيْته فِي التَّلْخِيصِ
، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْبَالَ النَّاسِ الْخَطِيبَ مُوَاجِهِينَ لَهُ أَمْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِوُجُوبِهِ أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَلِلْهَادَوِيَّةِ احْتِمَالَانِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ بَعْضُ الْمُسْتَمِعِينَ عَلَى الْإِمَامِ، وَلَمْ يُوَاجِهُوهُ يَصِحُّ أَوْ لَا يَصِحُّ وَنَصَّ صَاحِبُ الْأَثْمَارِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ الْمُوَاجِهَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ.
стр. 395
٤٤٠ - وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ ﵁: «شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
باب صلاة الخوف
٤٤١ - عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ ﵁ عَمَّنْ «صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ. فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا
وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ فَنُونٌ، وَالْحَكَمُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَقِيلَ: يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَأَبُوهُ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: «شَهِدْنَا الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) تَمَامُهُ فِي السُّنَنِ «فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ لَنْ تُطِيقُوا أَوْ لَنْ تَفْعَلُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَيَسِّرُوا»، وَفِي رِوَايَةٍ "، وَأَبْشِرُوا "، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَةٍ لَهُ»، وَالْعَنَزَةُ مِثْلُ نِصْفِ الرُّمْحِ أَوْ أَكْبَرُ فِيهَا سِنَانٌ مِثْلُ سِنَانِ الرُّمْحِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْخَطِيبِ الِاعْتِمَادُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ نَحْوِهِ وَقْتَ خُطْبَتِهِ، وَالْحِكْمَةُ أَنَّ فِي ذَلِكَ رَبْطًا لِلْقَلْبِ وَلِبُعْدِ يَدَيْهِ عَنْ الْعَبَثِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَرْسَلَ يَدَيْهِ أَوْ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ عَلَى جَانِبِ الْمِنْبَرِ وَيُكْرَهُ دَقُّ الْمِنْبَرِ بِالسَّيْفِ إذْ لَمْ يُؤْثَرْ فَهُوَ بِدْعَةٌ
стр. 396
لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ
(عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ فَمُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ سَمِعَ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ (عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَصَرَّحَ بِمَنْ حَدَّثَهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبْهَمَهُ كَمَا هُنَا (يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ فَقَافٌ مُخَفَّفَةٌ آخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ مَكَانٌ مِنْ نَجْدٍ بِأَرْضِ غَطَفَانَ سُمِّيَتْ الْغَزَاةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَقْدَامَهُمْ نَقِبَتْ فَلَفُّوا عَلَيْهَا الْخِرَقَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ «صَلَاةُ الْخَوْفِ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ» بِكَسْرِ الْوَاوِ فَجِيمٌ مُوَاجِهَةَ (الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا) فِي مُسْلِمٍ فَصَفُّوا بِالْفَاءِ (وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي الْمَعْرِفَةِ) كِتَابٌ لِابْنِ مَنْدَهْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ إمَامٌ كَبِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ (عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ خَوَّاتٌ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ فَذَكَرَ الْمُبْهَمَ أَنَّهُ أَبُوهُ، وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ مَنْ ذَكَرْنَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْغَزَاةَ كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ، وَالْمَغَازِي وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَبَسُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ فَصَلَّاهُنَّ جَمِيعًا وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَالْخَنْدَقُ بَعْدَ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخَوْفِ بِعُسْفَانَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ عُسْفَانَ كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَعُلِمَ أَنَّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَبَعْدَ عُسْفَانَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ لَنَا وَهْمُ أَهْلِ السِّيَرِ انْتَهَى.
وَمَنْ يَحْتَجُّ بِتَقْدِيمِ شَرْعِيَّتِهَا عَلَى الْخَنْدَقِ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ السِّيَرِ يَقُولُ: إنَّهَا لَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ وَلِذَا لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ.
وَهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاتِهَا وَاضِحَةٌ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَيْهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ الْآلِ مِنْ بَعْدِهِمْ وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا فِي الثُّنَائِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً انْتَظَرَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَتُتِمُّ الطَّائِفَةُ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ وَكَذَلِكَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ إنْ قُلْنَا إنَّهَا تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ وَيَنْتَظِرُ فِي التَّشَهُّدِ أَيْضًا وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ مُطَابِقٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ الْجَلِيلُ لِقَوْلِهِ ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
стр. 397
٤٤٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قِبَلَ نَجْدٍ، فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاءُوا فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ
وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْمُعْتَادِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي تَقْلِيلِ الْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ وَلِمُتَابَعَةِ لِلْإِمَامِ.
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ) بِكَسْرِ الْقَافِ، وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ نَجْدٍ نَجْدٌ كُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ (فَوَازَيْنَا) بِالزَّايِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ قَابَلْنَا (الْعَدُوَّ فَصَافَفْنَاهُمُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِنَا) فِي الْمَغَازِي مِنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ثُمَّ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ " فَصَلَّى لَنَا " بِاللَّامِ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ: أَيْ؛ لِأَجْلِنَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ فِيهِ رِوَايَةً بِالْمُوَحَّدَةِ، وَفِيهِ " يُصَلِّي " بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ «فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ بِمَنْ مَعَهُ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا» أَيْ الَّذِينَ صَلُّوا مَعَهُ، وَلَمْ يَكُونُوا أَتَوْا بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَلَا سَلَّمُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ «مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ». هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ).
قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ تَخْتَلِفْ الطُّرُقُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أَتَمُّوا عَلَى التَّعَاقُبِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ تَضْيِيعَ الْحِرَاسَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَإِفْرَادَ الْإِمَامِ وَحْدَهُ وَيُرَجِّحُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ «ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ أَيْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا وَرَجَعَ أُولَئِكَ إلَى مَقَامِهِمْ فَصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» انْتَهَى. وَالطَّائِفَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ حَتَّى عَلَى الْوَاحِدِ حَتَّى لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِوَاحِدٍ وَالثَّالِثُ يَحْرُسُ ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَهَذَا أَقَلُّ مَا تَحْصُلُ بِهِ جَمَاعَةُ الْخَوْفِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ وَاَلَّتِي بَيَّنَ رَكْعَتَيْهَا ثُمَّ أَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بَعْدَهَا، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ.
стр. 398
٤٤٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ. فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفَّ الْمُؤَخَّرَ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ»، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَوَاخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ. فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ: صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَأَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ»، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِي رِوَايَةٍ: «ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ، فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي، وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَفِي أَوَاخِرِهِ: ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ» أَيْ انْحَدَرَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ مِنْ دُونِ تَأْكِيدٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْفَصْلُ «، وَأَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى السُّجُودَ قَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ) تَمَامُهُ «انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا»، وَقَالَ جَابِرٌ كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ " انْتَهَى لَفْظُ مُسْلِمٍ. قَوْلُهُ (وَفِي رِوَايَةٍ) هِيَ فِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهَا تَعْيِينُ الْقَوْمِ الَّذِينَ حَارَبُوهُمْ وَلَفْظُهَا «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمًا مِنْ جُهَيْنَةَ فَقَاتَلُونَا قِتَالًا شَدِيدًا فَلَمَّا صَلَّيْنَا الظُّهْرَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً لَاقْتَطَعْنَاهُمْ فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَقَالُوا إنَّهَا سَتَأْتِيهِمْ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ الْأُولَى فَلَمَّا حَضَرَتْ الْعَصْرُ إلَى أَنْ قَالَ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي» فَذَكَرَ مِثْلَهُ قَالَ «فَقَامُوا مَقَامَ الْأَوَّلِ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَبَّرْنَا وَرَكَعَ وَرَكَعْنَا ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ
стр. 399
٤٤٤ - وَلِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، وَزَادَ: إنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ
٤٤٥ - وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ»
الصَّفُّ الْأَوَّلُ، وَقَامَ الثَّانِي فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي جَلَسُوا جَمِيعًا» (وَفِي أَوَاخِرِهِ ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ)
الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يُخَالِفُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا تُمْكِنُ الْحِرَاسَةُ مَعَ دُخُولِهِمْ جَمِيعًا فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْحِرَاسَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَالِ السُّجُودِ فَقَطْ فَيُتَابِعُونَ الْإِمَامَ فِي الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَيَحْرُسُ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي حَالِ السَّجْدَتَيْنِ بِأَنْ يَتْرُكُوا الْمُتَابَعَةَ لِلْإِمَامِ ثُمَّ يَسْجُدُونَ عِنْدَ قِيَامِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيَتَقَدَّمُ الْمُؤَخَّرُ إلَى مَحَلِّ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُقَدَّمُ لِيُتَابِعَ الْمُؤَخَّرُ الْإِمَامَ فِي السَّجْدَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَيَصِحُّ مَعَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُتَابَعَةُ فِي سَجْدَتَيْنِ.
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ الْحِرَاسَةُ إلَّا حَالَ السُّجُودِ فَقَطْ دُونَ حَالِ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّ حَالَ الرُّكُوعِ لَا يَمْتَنِعُ مَعَهُ إدْرَاكُ أَحْوَالِ الْعَدُوِّ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَا تُوَافِقُ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَلَا تُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الْأُولَى عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ وَلَا رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إنَّهَا تَخْتَلِفُ الصِّفَاتُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ.
(وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ رِوَايَةِ جَابِرٍ هَذِهِ (وَزَادَ) تَعْيِينُ مَحَلِّ الصَّلَاةِ (أَنَّهَا كَانَتْ بِعُسْفَانَ) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٌ آخِرُهُ نُونٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
(وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ) غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْهُ مُسْلِمٌ (عَنْ جَابِرٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى بِآخَرِينَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ» فَصَلَّى بِإِحْدَاهُمَا فَرْضًا وَبِالْأُخْرَى نَفْلًا لَهُ، وَعَمِلَ بِهَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَادَّعَى الطَّحْطَاوِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُفْتَرِضُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّسْخِ.
стр. 400
٤٤٦ - وَمِثْلُهُ؛ لِأَبِي دَاوُد، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ
٤٤٧ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يَقْضُوا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
٤٤٨ - وَمِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄
(وَمِثْلُهُ؛ لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي بَكْرَةَ)، وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَالْقَوْمُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا.
(وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَمِثْلُهُ).
(عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَهَذِهِ الصَّلَاةُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ صَلَّاهَا حُذَيْفَةُ " بِطَبَرِسْتَانَ " وَكَانَ الْأَمِيرُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ «أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ قَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا فَصَلَّى بِهِمْ هَذِهِ الصَّلَاةَ»، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ " قَالَ زَيْدٌ «فَكَانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَةً رَكْعَةً وَلِلنَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ»، وَأَخْرَجَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " قَالَ «فَرَضَ اللَّهُ - تَعَالَى - الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﵊ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً»، وَأَخَذَ بِهَذَا عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا يُصَلِّي فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ رَكْعَةً يُومِئُ إيمَاءً وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ تُجْزِئُك عِنْدَ الْمُسَايَفَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُومِئُ لَهَا إيمَاءً فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَسَجْدَةٌ فَإِنْ لَمْ فَتَكْبِيرَةٌ؛ لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ.
стр. 401
٤٤٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
٤٥٠ - وَعَنْهُ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ)، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ " أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا بِذِي قَرَدٍ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ "، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ لَا يَثْبُتُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ، وَقَدْ قَالَ بِهِ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَقَالَ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو مُوسَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْكِتَابِ خَمْسَ كَيْفِيَّاتٍ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ثَمَانِي كَيْفِيَّاتٍ مِنْهَا هَذِهِ الْخَمْسُ وَزَادَ ثَلَاثًا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: قَدْ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ كَيْفِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ وَرَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْكَيْفِيَّةَ الْوَارِدَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِقُوَّةِ الْإِسْنَادِ وَمُوَافَقَةِ الْأُصُولِ فِي أَنَّ الْمُؤْتَمَّ لَا تَتِمُّ صَلَاتُهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ صَحَّ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِيهَا رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ أَصَحُّهَا سِتَّ عَشْرَةَ رِوَايَةً مُخْتَلِفَةً، وَقَالَ النَّوَوِيُّ نَحْوُهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا قَالَ الْحَافِظُ، وَقَدْ بَيَّنَهَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَزَادَ وَجْهًا فَصَارَتْ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ تَتَدَاخَلَ، وَقَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ عَشْرَ مَرَّاتٍ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: صَلَّاهَا أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى مَا هُوَ الْأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ، وَالْأَبْلَغُ فِي الْحِرَاسَةِ فَهِيَ عَلَى اخْتِلَافِ صُورَتِهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى انْتَهَى.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عُمَرَ (مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سَهْوٌ» أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ)، وَهُوَ مَعَ هَذَا مَوْقُوفٌ قِيلَ: وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ
стр. 402
باب صلاة العيدين
٤٥١ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
شُرِطَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ شُرُوطٌ مِنْهَا السَّفَرُ فَاشْتَرَطَهُ جَمَاعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾؛ وَلِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَلِّهَا فِي الْحَضَرِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرُ، وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لَا يُشْتَرَطُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي التَّقْيِيدِ بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَلَعَلَّ الْأَوَّلِينَ يَجْعَلُونَهُ مُقَيَّدًا بِالضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ، وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ، وَالْكَلَامُ مُسْتَوْفًى فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ آخَرَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ صَلَاةِ الْأَمْنِ لَا تُجْزِئُ إلَّا عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ الْمُبْدَلِ مِنْهُ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ لِلْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَهُمْ الْهَادَوِيَّةُ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ: تُجْزِئُ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِعُمُومِ أَدِلَّةِ الْأَوْقَاتِ.
وَمِنْهَا حَمْلُ السِّلَاحِ حَالَ الصَّلَاةِ اشْتَرَطَهُ دَاوُد فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِحَمْلِهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، وَأَوْجَبَهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّاصِرُ لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْآيَةِ وَلَهُمْ فِي السِّلَاحِ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْقِتَالُ مُحَرَّمًا سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا عَيْنًا أَوْ كِفَايَةً.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي مَطْلُوبًا لِلْعَدُوِّ لَا طَالِبًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ طَالِبًا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ تَامَّةً أَوْ يَكُونَ خَاشِيًا لِكَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الشَّرَائِطُ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْفُرُوعِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَحْوَالِ شَرْعِيَّتِهَا وَلَيْسَتْ بِظَاهِرَةٍ فِي الشَّرْطِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْعِيَّةَ هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.
(عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ بَعْدَ سِيَاقِهِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَمُعْظَمِ النَّاسِ. انْتَهَى بِلَفْظِهِ. فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي ثُبُوتِ الْعِيدِ الْمُوَافَقَةُ لِلنَّاسِ، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِمَعْرِفَةِ يَوْمِ الْعِيدِ بِالرُّؤْيَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةُ غَيْرِهِ، وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَالْإِفْطَارِ، وَالْأُضْحِيَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِثْلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ حَسَنٌ، وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 403
٤٥٢ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵄ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ، أَنَّ «رَكْبًا جَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ كُرَيْبٌ «إنَّهُ صَامَ أَهْلُ الشَّامِ وَمُعَاوِيَةُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالشَّامِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ آخِرَ الشَّهْرِ وَأُخْبِرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ قَالَ قُلْت أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَالنَّاسِ؟ قَالَ لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ كُرَيْبًا مِمَّنْ رَآهُ، وَأَنَّهُ أَمَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَيَقِّنًا أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ عِنْدَهُ.
وَذَهَبَ إلَى هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَقَالَ يَجِبُ مُوَافَقَةُ النَّاسِ، وَإِنْ خَالَفَ يَقِينَ نَفْسِهِ وَكَذَا فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ " وَعَرَفَتُكُمْ يَوْمَ تَعْرِفُونَ " وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي نَفْسِهِ بِمَا تَيَقَّنَهُ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِمَا يُخَالِفُ النَّاسَ فَإِنَّهُ إذَا انْكَشَفَ بَعْدَ الْخَطَأِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ مَا فَعَلَ.
قَالُوا: وَتَتَأَخَّرُ الْأَيَّامُ فِي حَقِّ مَنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ وَعَمِلَ بِالْأَصْلِ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الشَّامِ لِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ فِي الشَّامِ، وَالْحِجَازِ أَوْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُخْبِرُ وَاحِدًا لَمْ يُعْمَلْ بِشَهَادَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ كُرَيْبًا بِالْعَمَلِ بِخِلَافِ يَقِينِ نَفْسِهِ فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِذَلِكَ؛ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
(وَعَنْ أَبِي عُمَيْرٍ ﵁) هُوَ أَبُو عُمَيْرِ ابْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ يُقَالُ إنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَمَّرَ بَعْدَ أَبِيهِ زَمَانًا طَوِيلًا (عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ «رَكْبًا جَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إلَى مُصَلَّاهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد وَهَذَا لَفْظُهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ)، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ حَزْمٍ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ أَبَا عُمَيْرٍ مَجْهُولٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَهُ مَنْ صَحَّحَ لَهُ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تُصَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حَيْثُ انْكَشَفَ الْعِيدُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ بِالنَّظَرِ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى الْعَمَلِ بِهِ الْهَادِي وَالْقَاسِمُ وَأَبُو حَنِيفَةَ
стр. 404
٤٥٣ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ - وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ -: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا
لَكِنْ شُرِطَ أَنْ لَا يَعْلَمَ إلَّا وَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا فَإِنَّهَا تُقْضَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَطْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُؤَدَّى فِيهِ فِي يَوْمِهَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ: بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَ لِلَّبْسِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ يُعَمَّمُ الْعُذْرُ سَوَاءٌ كَانَ لِلَّبْسِ أَوْ لِمَطَرٍ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ قِيَاسًا لِغَيْرِ اللَّبْسِ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ وَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّهَا لَا تُقْضَى مُطْلَقًا كَمَا لَا تُقْضَى فِي يَوْمِهَا وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفَاصِيلُ أُخْرَى ذَكَرَهَا فِي الشَّرْحِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي عِيدِ الْإِفْطَارِ، وَقَاسُوا عَلَيْهِ الْأَضْحَى، وَفِي التَّرْكِ لِلَّبْسِ، وَقَاسُوا عَلَيْهِ سَائِرَ الْأَعْذَارِ، وَفِي الْقِيَاسِ نَظَرٌ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مَعْرِفَةُ الْجَامِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو) أَيْ يَخْرُجُ وَقْتَ الْغَدَاةِ (يَوْمَ الْفِطْرِ) أَيْ إلَى الْمُصَلَّى (حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ مُعَلَّقَةٍ) أَيْ لِلْبُخَارِيِّ عَلَّقَهَا عَنْ أَنَسٍ (وَوَصَلَهَا أَحْمَدُ وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا)، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ (حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وِتْرًا.)
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ وَقِيلَ: لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِيبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اُسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَبْلَ الصَّلَاةِ خِلَافًا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ:، وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ مَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ أَوْ؛ لِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ، وَيَعْبُرُ بِهِ الْمَنَامُ وَيُرَقِّقُ الْقَلْبَ وَمِنْ ثَمَّةَ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَأَمَّا جَعْلُهُنَّ وِتْرًا فَالْإِشَارَةُ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ ﷺ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ.
стр. 405
٤٥٤ - وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
٤٥٥ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ فِي الْعِيدَيْنِ: يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَعَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ تَقَدَّمَ وَاسْمُ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ أَبُو سَهْلٍ الْمَرْوَزِيِّ قَاضِيهَا ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ (قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ) وَزَادَ فِيهِ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ (وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ زِيَادَةٌ «وَكَانَ إذَا رَجَعَ أَكَلَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَنَسٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهَا ضَعْفٌ.
، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى إلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ هُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ إظْهَارُ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِبَادِ بِشَرْعِيَّةِ نَحْرِ الْأَضَاحِيّ كَانَ الْأَهَمُّ الِابْتِدَاءَ بِأَكْلِهَا شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ مِنْ شَرْعِيَّةِ النُّسُكِيَّةِ الْجَامِعَةِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَثَوَابِ الْآخِرَةِ.
(وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) هِيَ الْأَنْصَارِيَّةُ اسْمُهَا نُسَيْبَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَقِيلَ: بِنْتُ كَعْبٍ كَانَتْ تَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتُمَرِّضُ الْمَرِيضَ تُعَدُّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالْبَصْرَةِ يَأْخُذُونَ عَنْهَا غُسْلَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتْ غُسْلَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَكَتْ ذَلِكَ، وَأَتْقَنَتْ فَحَدِيثُهَا أَصْلٌ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَأْتِي حَدِيثُهَا هَذَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ (قَالَتْ أُمِرْنَا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِالْآمِرِ، وَأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا (أَنْ نُخْرِجَ) أَيْ إلَى الْمُصَلَّى (الْعَوَاتِقَ) الْبَنَاتِ الْأَبْكَارَ
стр. 406
٤٥٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الْبَالِغَاتِ، وَالْمُقَارِبَاتِ لِلْبُلُوغِ (وَالْحُيَّضَ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ (فِي الْعِيدَيْنِ يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ) هُوَ الدُّخُولُ فِي فَضِيلَةِ الصَّلَاةِ لِغَيْرِ الْحُيَّضِ (وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) تَعُمُّ لِلْجَمِيعِ «وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) لَكِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ أَوْ قَالَ: الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَيَعْتَزِلْنَ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُخْرِجَ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ» فَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ لَيْسَ لَفْظَ أَحَدِهِمَا.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إخْرَاجِهِنَّ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ (: الْأَوَّلُ): أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَبِهِ قَالَ الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَيُؤَيِّدُ الْوُجُوبَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُخْرِجُ نِسَاءَهُ وَبَنَاتَهُ فِي الْعِيدَيْنِ»، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اسْتِمْرَارِ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ ، وَهُوَ عَامٌّ لِمَنْ كَانَتْ ذَاتَ هَيْئَةٍ وَغَيْرِهَا وَصَرِيحٌ فِي الثَّوَابِ، وَفِي الْعَجَائِزِ بِالْأَوْلَى.
(وَالثَّانِي): سُنَّةٌ وَحُمِلَ الْأَمْرُ بِخُرُوجِهِنَّ عَلَى النَّدْبِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَوَّاهُ الشَّارِحُ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّهُ عَلَّلَ خُرُوجَهُنَّ بِشُهُودِ الْخَيْرِ وَدَعْوَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا عُلِّلَ بِذَلِكَ وَلَكَانَ خُرُوجُهُنَّ؛ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِنَّ لِامْتِثَالِ الْأَمْرِ (قُلْت)، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَلَّلُ الْوَاجِبُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوَائِدِ وَلَا يُعَلَّلُ بِأَدَائِهِ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ، وَالْعَجَائِزِ فَإِنَّهُ قَالَ: أُحِبُّ شُهُودَ الْعَجَائِزِ، وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ مِنْ النِّسَاءِ الصَّلَاةَ، وَأَنَا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا.
وَ (الثَّالِثُ): أَنَّهُ مَنْسُوخٌ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِلِاحْتِيَاجِ فِي خُرُوجِهِنَّ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ فَيَكُونُ فِيهِ إرْهَابٌ لِلْعَدُوِّ ثُمَّ نُسِخَ وَتَعَقَّبَ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَيَدْفَعُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ خُرُوجَهُنَّ، وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِنَّ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ حِينَئِذٍ وَيَدْفَعُهُ أَنَّهُ عَلَّلَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ حُضُورَهُنَّ لِشَهَادَتِهِنَّ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ وَيَدْفَعُهُ أَنَّهُ أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ بَعْدَ، وَفَاتِهِ ﷺ بِمُدَّةٍ وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
، وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ: «لَوْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ عَنْ الْمَسَاجِدِ» فَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ خُرُوجِهِنَّ وَلَا عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِهِ بَلْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُنَّ لَا يُمْنَعْنَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ ﷺ بَلْ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِنَّ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَمْنَعَ مَا أَمَرَ بِهِ.
стр. 407
٤٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي دَاوَمَ عَلَيْهِ ﷺ وَخَلِيفَتَاهُ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ، وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَمُسْتَنَدُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: «شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: إنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» فَكَانَتْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ فَلَوْ قَدَّمَهَا لَمْ تُشْرَعْ إعَادَتُهَا، وَإِنْ كَانَ فَاعِلًا خِلَافَ السُّنَّةِ.
، وَقَدْ اُخْتُلِفَ مَنْ أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَفِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ مَرْوَانُ وَقِيلَ: سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ عُثْمَانُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عُثْمَانُ أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ ".
وَأَمَّا مَرْوَانُ فَإِنَّهُ إنَّمَا قَدَّمَ الْخُطْبَةَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَبُو سَعِيدٍ إنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ قِيلَ: إنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَمَّدُونَ تَرْكَ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ سَبِّ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ السَّبَّ، وَالْإِفْرَاطِ فِي مَدْحِ بَعْضِ النَّاسِ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ " وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ ﷺ ، وَقَدْ اُعْتُذِرَ لِعُثْمَانَ بِأَنَّهُ كَثُرَ النَّاسُ فِي الْمَدِينَةِ وَتَنَاءَتْ الْبُيُوتُ فَكَانَ يُقَدِّمُ الْخُطْبَةَ لِيُدْرِكَ مَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ رَأْيٌ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ ﷺ .
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ) هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ، وَهُوَ إجْمَاعٌ فِيمَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ فِي الْجَبَّانَةِ، وَأَمَّا إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا»، وَهُوَ إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: إنْ صَلَّاهَا فِي الْجَبَّانَةِ فَرَكْعَتَيْنِ، وَإِلَّا فَأَرْبَعًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قَضَى صَلَاةَ الْعِيدِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ، وَأَرْبَعٍ.
وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَى شَرْعِيَّتِهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
(الْأَوَّلُ): وُجُوبُهَا
стр. 408
٤٥٨ - وَعَنْهُ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ، وَلَا إقَامَةٍ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ
عَيْنًا عِنْدَ الْهَادِي وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ ﷺ ، وَالْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَمْرِهِ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ مَا سَلَفَ مِنْ حَدِيثِ أَمْرِهِمْ بِالْغُدُوِّ إلَى مُصَلَّاهُمْ فَالْأَمْرُ أَصْلُهُ الْوُجُوبُ، وَمِنْ الْأَدِلَّةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ عَلَى مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ بِهِ صَلَاةُ النَّحْرِ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ فَسَّرَهَا الْأَكْثَرُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَصَلَاةِ عِيدِهِ.
(الثَّانِي): أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِأَنَّهَا شِعَارٌ وَتَسْقُطُ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ كَالْجِهَادِ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ وَآخَرُونَ.
(الثَّالِثُ): أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَمُوَاظَبَتُهُ ﷺ عَلَيْهَا دَلِيلُ تَأْكِيدِ سُنِّيَّتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: لِقَوْلِهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ» وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِمَفْهُومِ الْعَدَدِ وَبِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ عَلَى كَتْبِهِنَّ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
، وَفِي قَوْلِهِ " (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا) دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ شَرْعِيَّةِ النَّافِلَةِ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَا أَمَرَ بِهِ ﷺ فَلَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فِي حَقِّهِ فَلَا يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي حَقِّنَا، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنَّ فِيهِ الدَّلَالَةَ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ» وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ هُنَا وَلَا بَعْدَهَا أَيْ فِي الْمُصَلَّى.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ)، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ شَرْعِيَّتِهِمَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فَإِنَّهُمَا بِدْعَةٌ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: " أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ مُعَاوِيَةُ " وَمِثْلُهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الثِّقَةِ وَزَادَ "، وَأَخَذَ بِهِ الْحَجَّاجُ حِينَ أُمِّرَ عَلَى الْمَدِينَةِ " وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ: " أَنْ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَهُ زِيَادٌ بِالْبَصْرَةِ " وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ مَرْوَانُ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَقَامَ أَيْضًا، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ الثِّقَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ فِي الْعِيدِ أَنْ يَقُولَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهَذَا مُرْسَلٌ يُعْتَضَدُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْكُسُوفِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِيهِ قُلْت: وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
стр. 409
٤٥٩ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
٤٦٠ - وَعَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ - وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ - فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ شَيْئًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ)، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَأَحْمَدُ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَصَحَّحَهُ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالْحَاكِمِ وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ لَكِنْ فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ
، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَرَعَ صَلَاةَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِيدِ فِي الْمَنْزِلِ، وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ لَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا»، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا صَلَاةَ فِي الْجَبَّانَةِ
(وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي سَعِيدٍ (قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْخُرُوجُ إلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ مَسْجِدِهِ ﷺ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مُصَلَّاهُ ﷺ مَحَلٌّ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَابِ مَسْجِدِهِ أَلْفُ ذِرَاعٍ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ.
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ وَتَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ لَا نَفْلَ قَبْلَهَا، وَفِي قَوْلِهِ: " يَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مُصَلَّاهُ مِنْبَرٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةٍ «خَطَبَ يَوْمَ عِيدٍ عَلَى رَاحِلَتِهِ»، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَمَامِ رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ " إنَّ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ فِي مُصَلَّى الْعِيدِ مَرْوَانُ "، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ " أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْمُصَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ عُثْمَانُ فَعَلَهُ مَرَّةً ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى أَعَادَهُ مَرْوَانُ " وَكَأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ خُطْبَةِ الْعِيدِ، وَأَنَّهَا كَخُطَبِ الْجُمَعِ أَمْرٌ وَوَعْظٌ، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّهَا خُطْبَتَانِ كَالْجُمُعَةِ، وَأَنَّهُ يَقْعُدُ بَيْنَهُمَا وَلَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا صَنَعَهُ النَّاسُ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ.
стр. 410
٤٦١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵃ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْأُخْرَى وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هُوَ أَبُو إبْرَاهِيمَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَمِعَ أَبَاهُ وَابْنَ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسًا وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ وَلَمْ يُخَرِّجْ الشَّيْخَانِ حَدِيثَهُ وَضَمِيرُ أَبِيهِ وَجَدِّهِ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَبَا شُعَيْبًا رَوَى عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَذَا فَيَكُونُ مُرْسَلًا؛ لِأَنَّ جَدَّهُ مُحَمَّدًا لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِي أَبِيهِ عَائِدًا إلَى شُعَيْبٍ وَالضَّمِيرُ فِي جَدِّهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ فَيُرَادُ أَنَّ شُعَيْبًا رَوَى عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ فَشُعَيْبٌ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ فَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُخَرِّجَا حَدِيثَهُ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: قَدْ ثَبَتَ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ أَرْبَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : " التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ) أَيْ فِي صَلَاةِ عِيدِ الْفِطْرِ (سَبْعٌ فِي الْأُولَى) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَخَمْسٌ فِي الْأَخِيرَةِ) أَيْ الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى (وَالْقِرَاءَةُ) الْحَمْدُ وَسُورَةٌ (بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَقَدْ رَوَوْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَسَعْدٍ الْقُرَظِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَكَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْكُلُّ فِيهِ ضُعَفَاءُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا صَارُوا إلَى الْأَخْذِ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ.
(قُلْتُ): وَرَوَى الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ يُرْوَى فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ هَذَا وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْعِيدِ سَبْعًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بِتَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَأَنَّهَا مِنْ غَيْرِهَا، وَالْأَوْضَحُ أَنَّهَا مِنْ دُونِهَا، وَفِيهَا خِلَافٌ، وَقَالَ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ إنَّ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ مِنْهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ آخَرُونَ فَقَالُوا: خَمْسٌ فِي الْأُولَى، وَأَرْبَعٌ فِي الثَّانِيَةِ وَقِيلَ: ثَلَاثٌ فِي الْأُولَى، وَثَلَاثٌ فِي الثَّانِيَةِ وَقِيلَ: سِتٌّ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ.
(قُلْت): وَالْأَقْرَبُ الْعَمَلُ بِحَدِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ طُرُقِهِ وَاهِيَةً فَإِنَّهُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا؛ وَلِأَنَّ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ لَيْسَ فِيهَا سُنَّةٌ يُعْمَلُ بِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَذَهَبَ الْهَادِي إلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ قَبْلَهَا فِيهِمَا وَاسْتَدَلَّ
стр. 411
٤٦٢ - وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى بِ قِ وَاقْتَرَبَتْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
لَهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا لَا يَتِمُّ دَلِيلًا وَذَهَبَ الْبَاقِرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ التَّكْبِيرَ فِي الْأُولَى وَيُؤَخِّرُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِيُوَالِيَ بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إنَّهُ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ تَصْحِيحَهُ، وَقَالَ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ: إنَّهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ نَقَلَهُ عَنْ التِّرْمِذِيِّ فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يُخَرِّجْ فِي سُنَنِهِ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَصْلًا بَلْ أَخْرَجَ رِوَايَةَ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَقَالَ: حَدِيثُ جَدِّ كَثِيرٍ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْ الْبُخَارِيِّ شَيْئًا، وَقَدْ وَقَعَ لِلْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى هَذَا الْوَهْمُ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ كَثِيرٍ فَقَالَ: قَالَ أَبُو عِيسَى: سَأَلْت مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ أَصَحُّ مِنْهُ قَالَ: وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ. وَلَمْ نَجِدْ فِي التِّرْمِذِيِّ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَهُ، وَقَدْ نَبَّهَ فِي تَنْقِيحِ الْأَنْظَارِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَقَالَ: وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ النَّحْوِيِّ ذَكَرَ فِي خُلَاصَتِهِ عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَالَ: سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْهُ إلَخْ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَلَّدَ فِي النَّقْلِ عَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ الْبُخَارِيِّ الْحَافِظَ الْبَيْهَقِيَّ وَلِهَذَا لَمْ يَنْسُبْ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إلَّا إلَى أَبِي دَاوُد
، وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِحَدِيثِ عَمْرٍو لِمَا عَرَفْت، وَأَنَّهُ أَشْفَى شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَكَانَ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ سَكْتَةً لَطِيفَةً وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ذِكْرٌ مُعَيَّنٌ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ قَدْرَ كَلِمَتَيْنِ»، وَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ضَعِيفٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ تَحَرِّيهِ لِلِاتِّبَاعِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
(وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بِقَافٍ مُهْمَلَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَقَدَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ اللَّيْثِيُّ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ قِيلَ: إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَقِيلَ: إنَّهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ اللَّيْثِيُّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى بِقَافٍ» أَيْ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (وَاقْتَرَبَتْ) أَيْ فِي الثَّانِيَةِ
стр. 412
٤٦٣ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
٤٦٤ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ
٤٦٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ
بَعْدَهَا (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهِمَا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سُنَّةٌ، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِسَبِّحْ، وَالْغَاشِيَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى سُنِّيَّةِ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ.
(وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) يَعْنِي أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنْ مُصَلَّاهُ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا إلَيْهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاسْتَحَبَّهُ لِلْإِمَامِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ انْتَهَى. وَقَالَ بِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيَكُونُ مَشْرُوعًا لِلْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
(؛ وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ) وَلَفْظُهُ فِي السُّنَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ ثُمَّ رَجَعَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى»
فِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: لِيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقِينَ، وَقِيلَ: لِيَنَالَ بَرَكَتَهُ الْفَرِيقَانِ، وَقِيلَ: لِيَقْضِيَ حَاجَةَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فِيهِمَا، وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الْفِجَاجِ، وَالطَّرِيقِ، وَقِيلَ: لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَهْلَهُ وَمَقَامَ شَعَائِرِهِ، وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ الْبِقَاعِ فَإِنَّ الذَّاهِبَ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ الْمُصَلَّى إحْدَى خُطُوَاتِهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً، وَالْأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ: إنَّهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْحِكَمِ الَّتِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ لِلسُّنَّةِ يُكَبِّرُ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الْمُصَلَّى.
стр. 413
يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: قَدْ أَبْدَلَكُمْ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
٤٦٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: قَدْ أَبْدَلَكُمْ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ) الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ ﷺ ذَلِكَ عَقِيبَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ كَمَا تَقْتَضِيهِ الْفَاءُ وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ شُرِعَ فِي الْإِسْلَامِ عِيدُ الْفِطْرِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إظْهَارَ السُّرُورِ فِي الْعِيدَيْنِ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الشَّرِيعَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ إذْ فِي إبْدَالِ عِيدِ الْجَاهِلِيَّةِ بِالْعِيدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُفْعَلُ فِي الْعِيدَيْنِ الْمَشْرُوعَيْنِ مَا تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ فِي أَعْيَادِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفَهُمْ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتَيْنِ.
(قُلْت): هَكَذَا فِي الشَّرْحِ وَمُرَادُهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مَا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ وَلَا شَاغِلٍ عَنْ طَاعَةٍ، وَأَمَّا التَّوْسِعَةُ عَلَى الْعِيَالِ فِي الْأَعْيَادِ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ تَرْوِيحِ الْبَدَنِ وَبَسْطِ النَّفْسِ مِنْ كُلَفِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ.
وَقَدْ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ كَرَاهِيَةَ الْفَرَحِ فِي أَعْيَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ، وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ أَبُو حَفْصٍ الْبُسْتِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَنْ أَهْدَى فِيهِ بَيْضَةً إلَى مُشْرِكٍ تَعْظِيمًا لِلْيَوْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِاَللَّهِ.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) تَمَامُهُ مِنْ التِّرْمِذِيِّ "، وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ " قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَأَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ قَالَ أَبُو عِيسَى: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْكَبَ إلَّا مِنْ عُذْرٍ انْتَهَى.
وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ أَنَّهُ حَسَّنَهُ وَلَا أَظُنُّ أَنَّهُ يُحَسِّنُهُ؛ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَلِلْمُحَدِّثِينَ فِيهِ مَقَالٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ الزُّهْرِيُّ مُرْسَلًا «أَنَّهُ ﷺ مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَيَعُودُ مَاشِيًا. وَتَقْيِيدُ الْأَكْلِ بِقَبْلِ الْخُرُوجِ بَعِيدِ الْفِطْرِ لِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ
стр. 414
٤٦٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ
- ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا» وَلَكِنَّهُ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ الْمُضِيِّ وَالرُّكُوبِ إلَى الْعِيدِ فَقَالَ: (بَابُ الْمُضِيِّ وَالرُّكُوبِ إلَى الْعِيدِ) فَسَوَّى بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَرَجَعَ إلَى الْأَصْلِ فِي التَّوْسِعَةِ.
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ)؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ رَجُلًا مَجْهُولًا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ هَلْ الْأَفْضَلُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ الْخُرُوجُ إلَى الْجَبَّانَةِ أَوْ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ الْبَلَدِ إذَا كَانَ وَاسِعًا؟.
الثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ وَاسِعًا صَلَّوْا فِيهِ وَلَا يَخْرُجُونَ فَكَلَامُهُ يَقْضِي بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْخُرُوجِ طَلَبُ الِاجْتِمَاعِ وَلِذَا أَمَرَ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْعَوَاتِقِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ لَا يَخْرُجُونَ؛ لِسَعَةِ مَسْجِدِهَا وَضِيقِ أَطْرَافِهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ يَحْيَى وَجَمَاعَةٌ قَالُوا: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِلْهَادَوِيَّةِ وَمَالِكٍ أَنَّ الْخُرُوجَ إلَى الْجَبَّانَةِ أَفْضَلُ، وَلَوْ اتَّسَعَ الْمَسْجِدُ لِلنَّاسِ وَحُجَّتُهُمْ مُحَافَظَتُهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا لِعُذْرِ الْمَطَرِ وَلَا يُحَافِظُ ﷺ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ؛ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ ﵇ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى الْجَبَّانَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنَّهُ السُّنَّةُ لَصَلَّيْت فِي الْمَسْجِدِ، وَاسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ» قَالُوا: فَإِنْ كَانَ فِي الْجَبَّانَةِ مَسْجِدٌ مَكْشُوفٌ فَالصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ، وَإِنْ كَانَ مَسْقُوفًا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
(فَائِدَةٌ) التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ فَأَمَّا تَكْبِيرُ عِيدِ الْإِفْطَارِ فَأَوْجَبَهُ النَّاصِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَوَقْتُهُ مَجْهُولٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَعِنْدَ الْأَكْثَرِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلصَّلَاةِ إلَى مُبْتَدَأِ الْخُطْبَةِ، وَذَكَرَ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَيْنِ وَضَعَّفَهُمَا لَكِنْ قَالَ الْحَاكِمُ: هَذِهِ سُنَّةٌ تَدَاوَلَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَقَدْ صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَالثَّانِي لِلنَّاصِرِ أَنَّهُ مِنْ مَغْرِبِ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ إلَى عَصْرِ يَوْمِهَا خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ أَوْ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْخُطْبَةِ أَقْوَالٌ عَنْهُ.
وَأَمَّا صِفَتُهُ فَفِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ إلَى سَلْمَانَ «أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ التَّكْبِيرَ وَيَقُولُ: كَبِّرُوا
стр. 415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَوْ قَالَ كَثِيرًا اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى، وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَك صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَك وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَك شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَك وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا».
وَأَمَّا تَكْبِيرُ عِيدِ النَّحْرِ فَأَوْجَبَهُ أَيْضًا النَّاصِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ وَلِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وَوَافَقَهُ الْمَنْصُورُ بِاَللَّهِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالرِّجَالِ، وَأَمَّا وَقْتُهُ فَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ إلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِعَقِيبِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِعَقِيبِ الْفَرَائِضِ دُونَ النَّوَافِلِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْجَمَاعَةِ دُونَ الْفُرَادَى وَبِالْمُؤَدَّاةِ دُونَ الْمَقْضِيَّةِ وَبِالْمُقِيمِ دُونَ الْمُسَافِرِ وَبِالْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى.
وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهُ وَانْتِهَاؤُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا فَقِيلَ: فِي الْأَوَّلِ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَقِيلَ: مِنْ ظُهْرِهِ، وَقِيلَ: مِنْ عَصْرِهِ، وَفِي الثَّانِي إلَى ظُهْرِ ثَالِثِهِ، وَقِيلَ: إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقِيلَ: إلَى ظُهْرِهِ، وَقِيلَ: إلَى عَصْرِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﵌ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ وَاضِحٌ.
وَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَّهُ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ مِنًى أَخْرَجَهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَأَمَّا صِفَتُهُ فَأَصَحُّ مَا وَرَدَ فِيهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَلْمَانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ: «كَبِّرُوا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا»، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَزَادَ فِيهِ " وَلِلَّهِ الْحَمْدُ "
، وَفِي الشَّرْحِ صِفَاتٌ كَثِيرَةٌ وَاسْتِحْسَانَاتٌ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّوْسِعَةِ فِي الْأَمْرِ، وَإِطْلَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَكْبِيرِ عِيدِ الْإِفْطَارِ وَعِيدِ النَّحْرِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ لِاسْتِوَاءِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ تَكْبِيرُ عِيدِ النَّحْرِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ فِي الْآيَةِ بِالذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، وَالْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَلِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُمَا مُخْتَلِفَانِ فَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْمَعْلُومَاتُ أَيَّامُ الْعَشْرِ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ غَيْرُهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ الَّتِي قَبْلَ أَيَّامِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمُ التَّرْوِيَةُ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَالْمَعْدُودَاتِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ "، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَظَاهِرُهُ إدْخَالُ يَوْمِ الْعِيدِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: " أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ " وَرَجَّحَهُ الطَّحْطَاوِيُّ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ فَإِنَّهَا تُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَيَّامُ النَّحْرِ انْتَهَى.
وَهَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ أَيَّامِ الْعَشْرِ مَعْلُومَاتٍ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ بَلْ تَسْمِيَةُ التَّشْرِيقِ مَعْدُودَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقًا " أَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ إلَى السُّوقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا " وَذَكَرَ الْبَغَوِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ ذَلِكَ قَالَ
стр. 416
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ
٤٦٨ - عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا حَتَّى تَنْكَشِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " حَتَّى تَنْجَلِيَ "
الطَّحْطَاوِيُّ: كَانَ مَشَايِخُنَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ الْعَشْرِ جَمِيعًا.
(فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ) يُنْدَبُ لُبْسُ أَحْسَنِ الثِّيَابِ، وَالتَّطَيُّبُ بِأَجْوَدِ الْأَطْيَابِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَيَزِيدُ فِي الْأَضْحَى الضَّحِيَّةَ بِأَسْمَنِ مَا يَجِدُ لِمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ الْبَسْطِ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعِيدَيْنِ أَنْ نَلْبَسَ أَجْوَدَ مَا نَجِدُ، وَأَنْ نَتَطَيَّبَ بِأَجْوَدَ مَا نَجِدُ، وَأَنْ نُضَحِّيَ بِأَسْمَنَ مَا نَجِدُ الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْجَزُورُ عَنْ عَشْرَةٍ، وَأَنْ نُظْهِرَ التَّكْبِيرَ وَالسَّكِينَةَ وَالْوَقَارَ» قَالَ الْحَاكِمُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ بَرْزَخٍ: لَوْلَا جَهَالَةُ إِسْحَاقَ هَذَا لَحَكَمْت لِلْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ.
(قُلْت): لَيْسَ بِمَجْهُولٍ فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَزْدِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ذَكَرَهُ فِي التَّلْخِيصِ.
عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ» أَيْ ابْنُهُ ﵇ وَمَوْتُهُ فِي الْعَاشِرَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَقِيلَ: فِي الرَّابِعَةِ «فَقَالَ النَّاسُ: انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ رَادًّا عَلَيْهِمْ: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا» هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ " فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ " (حَتَّى تَنْكَشِفَ ") لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْبُخَارِيِّ بَلْ هُوَ فِي مُسْلِمٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُضَمُّ نَادِرًا وَانْكَسَفَتْ وَخَسَفَتْ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَتُضَمُّ نَادِرًا وَانْخَسَفَتْ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اللَّفْظَيْنِ هَلْ يُسْتَعْمَلَانِ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ أَوْ يَخْتَصُّ كُلُّ لَفْظٍ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ نِسْبَةُ الْخُسُوفِ إلَى الْقَمَرِ وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ خَسَفَتْ الشَّمْسُ كَمَا ثَبَتَ فِيهِ نِسْبَةُ الْكُسُوفِ إلَيْهِمَا
стр. 417
٤٦٩ - وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁: «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ»
وَثَبَتَ اسْتِعْمَالُهَا مَنْسُوبَيْنِ إلَيْهِمَا فَيُقَالُ فِيهِمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَنْخَسِفَانِ وَيَنْكَسِفَانِ إنَّمَا الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِي الْأَحَادِيثِ نِسْبَةُ الْكُسُوفِ إلَى الْقَمَرِ عَلَى جِهَةِ الِانْفِرَادِ وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يَخُصُّونَ الْكُسُوفَ بِالشَّمْسِ، وَالْخُسُوفَ بِالْقَمَرِ. وَاخْتَارَهُ ثَعْلَبٌ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: إنَّهُ أَفْصَحُ وَقِيلَ يُقَالُ بِهِمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. وَالْكُسُوفُ لُغَةً: التَّغَيُّرُ إلَى السَّوَادِ وَالْخُسُوفُ النُّقْصَانُ وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ، وَإِنَّمَا قَالُوا: إنَّهَا كَسَفَتْ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّهَا كَسَفَتْ فِي غَيْرِ يَوْمِ كُسُوفِهَا الْمُعْتَادِ فَإِنَّ كُسُوفَهَا فِي الْعَاشِرِ أَوْ الرَّابِعِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ فَلِذَا قَالُوا: إنَّمَا هُوَ؛ لِأَجْلِ هَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ﷺ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمَا عَلَامَتَانِ مِنْ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَخْوِيفِ عِبَادِهِ مِنْ بَأْسِهِ وَسَطْوَتِهِ. وَالْحَدِيثُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ: " لِحَيَاتِهِ " مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ بَيَانُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَكَمَا أَنَّكُمْ لَا تَقُولُونَ بِكُسُوفِهِمَا لِحَيَاةِ أَحَدٍ كَذَلِكَ لَا يَكْسِفَانِ لِمَوْتِهِ. أَوْ كَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَيَاتِهِ صِحَّتُهُ مِنْ مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْقَمَرَ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ خَاصٌّ بِكُسُوفِ الشَّمْسِ زِيَادَةً فِي الْإِفَادَةِ وَالْبَيَانِ أَنَّ حُكْمَ النَّيِّرَيْنِ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ ثُمَّ أَرْشَدَ الْعِبَادَ إلَى مَا يُشْرَعُ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَيَأْتِي صِفَةُ الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرُ دَلِيلُ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِانْحِصَارِ الْوَاجِبَاتِ فِي الْخَمْسِ الصَّلَوَاتِ. وَصَرَّحَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِوُجُوبِهِمَا وَنَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَوْجَبَهَا، وَجَعَلَ ﷺ غَايَةَ وَقْتِ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ انْكِشَافَ الْكُسُوفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِالِانْجِلَاءِ فَإِذَا انْجَلَتْ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُتِمُّهَا بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَا فَعَلَ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَسَلَّمَ، وَقَدْ انْجَلَتْ فَدَلَّ أَنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ الِانْجِلَاءُ وَيُؤَيِّدُهُ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا تُقَيَّدُ بِرَكْعَةٍ كَمَا سَلَفَ فَإِذَا أَتَى بِرَكْعَةٍ أَتَمَّهَا. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهَا يَتَقَيَّدُ بِحُصُولِ السَّبَبِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَعِنْدَ أَحْمَدُ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَا عَدَا أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ عَنْ الْمُغِيرَةِ (حَتَّى تَنْجَلِيَ) عِوَضُ قَوْلِهِ ﴿تَنْكَشِفَ﴾ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» هُوَ أَوَّلُ
стр. 418
٤٧٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَبَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً
حَدِيثٍ سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْكُسُوفِ وَلَفْظُهُ " يُكْشَفَ " وَالْمُرَادُ يَرْتَفِعُ مَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ.
، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» أَيْ رُكُوعَاتٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا: (فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالْمُرَادُ هُنَا كُسُوفُ الشَّمْسِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ " خَسَفَتْ الشَّمْسُ " وَقَالَ: " ثُمَّ قَرَأَ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ " وَقَدْ أَخْرَجَ الْجَهْرَ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ مَرْفُوعًا «الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ.
(الْأَوَّلُ): أَنَّهُ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فَالْقَمَرُ مِثْلُهُ لِجَمْعِهِ ﷺ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ حَيْثُ قَالَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا أَيْ كَاسِفَتَيْنِ فَصَلُّوا وَادْعُوا» وَالْأَصْلُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَآخَرِينَ.
(الثَّانِي): يُسِرُّ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» فَلَوْ جَهَرَ لَمْ يُقَدِّرْهُ بِمَا ذَكَرَهُ وَقَدْ عَلَّقَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ قَامَ بِجَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا» وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ ثَلَاثِ طُرُقٍ أَسَانِيدُهَا وَاهِيَةٌ فَيَضْعُفُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ ﷺ فَلَمْ يَسْمَعْ جَهْرَهُ بِالْقِرَاءَةِ.
(الثَّالِثُ): أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِمَا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ لِثُبُوتِ الْأَمْرَيْنِ عَنْهُ ﷺ كَمَا عَرَفْت مِنْ أَدِلَّةِ الْقَوْلَيْنِ.
(الرَّابِعُ): أَنَّهُ يُسِرُّ فِي الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِي الْقَمَرِ، وَهُوَ لِمَنْ عَدَا الْحَنَفِيَّةِ مِنْ الْأَرْبَعَةِ عَمَلًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ دَلِيلِ أَهْلِ الْجَهْرِ مُطْلَقًا أَنْهَضُ مِمَّا قَالُوهُ، وَقَدْ أَفَادَ حَدِيثُ الْبَابِ أَنَّ صِفَةَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ
стр. 419
٤٧١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «صَلَّى حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ»
سَجْدَتَانِ وَيَأْتِي فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الرَّابِعِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ (فَبَعَثَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (مُنَادِيًا يُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً) بِنَصْبِ الصَّلَاةِ وَجَامِعَةٍ فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ فِعْلُ مَحْذُوفٍ أَيْ اُحْضُرُوا وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَفِيهِ تَقَادِيرُ أُخَرُ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِعْلَامِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِلِاجْتِمَاعِ لَهَا وَلَمْ يَرِدْ الْأَمْرُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْهُ ﷺ إلَّا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: «انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ)
قَوْلُهُ فَصَلَّى ظَاهِرُ الْفَاءِ التَّعْقِيبُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رُوِيَتْ عَلَى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَهَا الشَّيْخَانِ، وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمْ، وَهِيَ سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
стр. 420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِي دَعْوَى الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِوُجُوبِهَا وَحَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجْرَاهَا مَجْرَى الْجُمُعَةِ وَتَقَدَّمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إيجَابُهَا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهَا تُسَنُّ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: فُرَادَى وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ لَهَا جَمَاعَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا.
فَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ وَقِرَاءَتَانِ وَرُكُوعَانِ وَالسُّجُودُ سَجْدَتَانِ كَغَيْرِهِمَا، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ ذَهَبَ إلَيْهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَآخَرُونَ وَفِي قَوْلِهِ: " نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنَ قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ رَكْعَةِ الْفَاتِحَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِيَامِ الثَّانِي، وَمَذْهَبُنَا وَمَالِكٌ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِقِرَاءَتِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ طُولِ الرُّكُوعِ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ بَيَانَ مَا قَالَهُ ﷺ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْمَشْرُوعُ فِيهِ الذِّكْرُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَغَيْرِهِمَا وَفِي قَوْلِهِ: " وَهُوَ دُونَ الْأَوَّلِ " دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ الَّذِي يَعْقُبُهُ السُّجُودُ لَا تَطْوِيلَ فِيهِ، وَأَنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ " أَنَّهُ أَطَالَ ذَلِكَ " لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهَا شَاذَّةٌ فَلَا يُعْمَلُ بِهَا وَنَقَلَ الْقَاضِي إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُطَوِّلُ الِاعْتِدَالَ الَّذِي يَلِي السُّجُودَ وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِطَالَةِ زِيَادَةَ الطُّمَأْنِينَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ طُولَ السُّجُودِ وَلَكِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إطَالَتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ إنَّهُ يُطَوِّلُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ " كَانَ أَطْوَلُ مَا يَسْجُدُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ " وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ " وَسُجُودُهُ نَحْوُ مِنْ رُكُوعِهِ " وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَيَقُولُ عَقِيبَ كُلِّ رُكُوعٍ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ عَقِيبَهُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ إلَى آخِرِهِ وَيُطَوِّلُ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَقَدْ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «إطَالَةُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الطُّرُقِ إلَّا فِي هَذَا وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ إطَالَتِهِ مَرْدُودٌ وَفِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ " دَلِيلٌ عَلَى إطَالَةِ الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَلَكِنَّهُ دُونَ الْقِيَامِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ عُرْوَةَ " أَنَّهُ قَرَأَ آلَ عِمْرَانَ " قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ أَنَّ الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا تَكُونُ أَطْوَلَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقِيَامِهَا وَرُكُوعِهَا وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَرُكُوعِهِ هَلْ هُمَا أَقْصَرُ مِنْ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ وَرُكُوعِهِ أَوْ يَكُونَانِ سَوَاءً قِيلَ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فَهْمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ " هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنْ الثَّانِيَةِ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ فَيَكُونُ كُلُّ قِيَامٍ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ وَفِي قَوْلِهِ: " فَخَطَبَ النَّاسَ "
стр. 421
٤٧٢ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ.
٤٧٣ - وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ: صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَإِلَى اسْتِحْبَابِهَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَعَنْ الْحَنَفِيَّةِ لَا خُطْبَةَ فِي الْكُسُوفِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُنْقَلْ.
وَتَعَقَّبَ بِالْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْخُطْبَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْخُطْبَةَ بَلْ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْكُسُوفَ بِسَبَبِ مَوْتِ أَحَدٍ مُتَعَقِّبٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ " فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ " وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ ذَكَرَ أَحْوَالَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرَ ذَلِكَ "، وَهَذِهِ مَقَاصِدُ الْخُطْبَةِ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: «فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْته إلَّا قَدْ رَأَيْته فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُك بِهَذَا الرَّجُلِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوْ الْمُوقِنُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا، وَأَطَعْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُقَالُ: نَمْ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّك تُؤْمِنُ بِهِ فَنَمْ صَالِحًا» وَفِي مُسْلِمٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْخُطْبَةِ بِأَلْفَاظٍ فِيهَا زِيَادَةٌ.
(وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَلَّى أَيْ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» أَيْ رُكُوعَاتٍ (فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) فِي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَةٍ لَهَا سَجْدَتَانِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ فَيَحْصُلُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ثَمَانِ رُكُوعَاتٍ، وَإِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ.
(وَعَنْ عَلِيٍّ ﵇) أَيْ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْهُ (مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «صَلَّى أَيْ النَّبِيُّ ﷺ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَسَجْدَتَانِ.
стр. 422
٤٧٤ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁: «صَلَّى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ»
٤٧٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَا هَبَّتْ الرِّيحُ قَطُّ إلَّا جَثَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ صَلَّى) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ (فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ) أَيْ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ (وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَفَعَلَ فِي الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) رَكَعَ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ إذَا عَرَفْت هَذِهِ الْأَحَادِيثَ.
فَقَدْ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ رَكْعَتَانِ اتِّفَاقًا إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي كَمِّيَّةِ الرُّكُوعَاتِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ أَرْبَعُ صُوَرٍ.
(الْأُولَى): رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَعَلَيْهَا دَلَّ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ مُعَلَّلَةٌ ضَعِيفَةٌ.
(الثَّانِيَةُ:) رَكْعَتَانِ أَيْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ، وَهِيَ الَّتِي أَفَادَتْهَا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ ﵇.
(وَالثَّالِثَةُ): رَكْعَتَانِ أَيْضًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ وَعَلَيْهَا دَلَّ حَدِيثُ جَابِرٍ.
(وَالرَّابِعَةُ:) رَكْعَتَانِ أَيْضًا يَرْكَعُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فَالْجُمْهُورُ أَخَذُوا بِالْأُولَى لِمَا عَرَفْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إنَّهُ أَخَذَ بِكُلِّ نَوْعٍ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ فَأَيُّهَا فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ تَعَدَّدَ الْكُسُوفُ، وَأَنَّهُ فَعَلَ هَذِهِ تَارَةً، وَهَذَا أُخْرَى وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ كُلَّ الرِّوَايَاتِ حِكَايَةٌ عَنْ وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ صَلَاتُهُ ﷺ يَوْمَ وَفَاةِ إبْرَاهِيمَ، وَلِهَذَا عَوَّلَ الْآخَرُونَ عَلَى إعْلَالِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَكَتْ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: كِبَارُ الْأَئِمَّةِ لَا يُصَحِّحُونَ التَّعَدُّدَ لِذَلِكَ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَيَرَوْنَهُ غَلَطًا.
وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهَا تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَسَائِرِ النَّوَافِلِ.
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إلَّا جَثَا) بِالْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ (النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رُكْبَتَيْهِ) أَيْ بَرَكَ عَلَيْهِمَا، وَهِيَ قَعْدَةُ الْمَخَافَةِ لَا يَفْعَلُهَا فِي الْأَغْلَبِ إلَّا الْخَائِفُ «، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ الرِّيحُ اسْمُ
стр. 423
٤٧٦ - وَعَنْهُ ﵁: أَنَّهُ صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَقَالَ: هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ
جِنْسٍ صَادِقٌ عَلَى مَا يَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَيَأْتِي بِالْعَذَابِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الرِّيحُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ فَلَا تَسُبُّوهَا»، وَقَدْ وَرَدَ فِي تَمَامِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»، وَهُوَ يَدُلُّ أَنَّ الْمُفْرَدَ يَخْتَصُّ بِالْعَذَابِ وَالْجَمْعَ بِالرَّحْمَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ بَيَانُ أَنَّهَا جَاءَتْ مَجْمُوعَةً فِي الرَّحْمَةِ وَمُفْرَدَةً فِي الْعَذَابِ فَاسْتُشْكِلَ مَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ طَلَبِ أَنْ تَكُونَ رَحْمَةً، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تُهْلِكْنَا بِهَذِهِ الرِّيحِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ هَلَكُوا بِهَذِهِ الرِّيحِ لَمْ تَهُبَّ عَلَيْهِمْ رِيحٌ أُخْرَى فَتَكُونُ رِيحًا لَا رِيَاحًا.
(وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ (صَلَّى فِي زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ) أَيْ رُكُوعَاتٍ (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) أَيْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ (وَقَالَ هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ)، وَهُوَ قَوْلُهُ: " هَكَذَا صَلَاةُ الْآيَاتِ " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي زَلْزَلَةٍ فِي الْبَصْرَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُخْتَصَرًا " أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِهِمْ فِي زَلْزَلَةٍ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ رَكَعَ فِيهَا سِتًّا " وَظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاسِمُ مِنْ الْآلِ، وَقَالَ: يُصَلِّي لِلْأَفْزَاعِ مِثْلَ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَلَكِنْ قَالَ: كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (قُلْت): لَكِنْ فِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي الْكُسُوفَ رَكْعَتَيْنِ إذَا شَاءَ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ التَّجْمِيعُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فَحَسَنٌ قَالَ:؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِالتَّجْمِيعِ إلَّا فِي الْكُسُوفَيْنِ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
أَيْ سِقَايَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَ حُدُوثِ الْجَدْبِ أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمُؤْنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ».
стр. 424
٤٧٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلًا، مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ، لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ،، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ
(وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ") أَيْ مِنْ الْمَدِينَةِ (مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ أَنَّهُ لَابِسٌ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَالْمُرَادُ تَرْكُ الزِّينَةِ وَحُسْنِ الْهَيْئَةِ تَوَاضُعًا، وَإِظْهَارًا لِلْحَاجَةِ (مُتَخَشِّعًا) الْخُشُوعُ فِي الصَّوْتِ وَالْبَصَرِ كَالْخُضُوعِ فِي الْبَدَنِ (مُتَرَسِّلًا) مِنْ التَّرْسِيلِ فِي الْمَشْيِ، وَهُوَ التَّأَنِّي وَعَدَمُ الْعَجَلَةِ (مُتَضَرِّعًا) لَفْظُ أَبِي دَاوُد " مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا " وَالتَّضَرُّعُ التَّذَلُّلُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي السُّؤَالِ وَالرَّغْبَةِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ «فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ لَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ» لَفْظُ أَبِي دَاوُد «وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي الْعِيدِ» فَأَفَادَ لَفْظُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ بَعْدَ الدُّعَاءِ وَاللَّفْظُ الَّذِي أَتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ غَيْرُ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ)، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْآلُ وَالدَّارَقُطْنِيّ.
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْآلُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُصَلَّى لِلِاسْتِسْقَاءِ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الدُّعَاءُ فَقَطْ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِشَرْعِيَّةِ الصَّلَاةِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ: إنَّهَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ فِي تَكْبِيرِهَا وَقِرَاءَتِهَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِظَاهِرِ لَفْظِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا صِفَةَ لَهُمَا زَائِدَةً عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵇ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» وَكَمَا يُفِيدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي قَرِيبًا وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ التَّشْبِيهُ فِي الْعَدَدِ لَا فِي الصِّفَةِ وَيُبْعِدُهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِيهِمَا سَبْعًا وَخَمْسًا كَالْعِيدَيْنِ وَيَقْرَأُ بِسَبِّحْ، وَهَلْ أَتَاك»، وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ فَإِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبَابِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ بِالدُّعَاءِ»، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّهُ شَكَا إلَيْهِ ﷺ قَوْمٌ الْقَحْطَ فَقَالَ: اُجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ وَقُولُوا: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، وَثَبَتَ تَرْكُهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَدْ عَدَّ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ أَنْوَاعَ اسْتِسْقَائِهِ.
ﷺ (فَالْأَوَّلُ): خُرُوجُهُ ﷺ إلَى
стр. 425
٤٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «شَكَا النَّاسُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ بِالْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، فَخَرَجَ حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ: أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ. أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْت عَلَيْنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً
الْمُصَلَّى، وَصَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ.
(وَالثَّانِي): يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ.
(الثَّالِثُ): اسْتِسْقَاؤُهُ عَلَى مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ اسْتَسْقَى مُجَرَّدًا فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ فِيهِ صَلَاةٌ.
(الرَّابِعُ): أَنَّهُ اسْتَسْقَى، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَرَفَعَ يَدَهُ وَدَعَا اللَّهَ .
(الْخَامِسُ) أَنَّهُ اسْتَسْقَى عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنْ الزَّوْرَاءِ، وَهِيَ خَارِجُ بَابِ الْمَسْجِدِ.
(السَّادِسُ): أَنَّهُ اسْتَسْقَى فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا سَبَقَهُ الْمُشْرِكُونَ إلَى الْمَاءِ وَأُغِيثَ ﷺ فِي كُلِّ مَرَّةٍ اسْتَسْقَى فِيهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْخُطْبَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ فَذَهَبَ الْهَادِي إلَى أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ فِيهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَمْ يَخْطُبْ " إلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَنْفِي الْخُطْبَةَ الْمُشَابِهَةَ لِخُطْبَتِهِمْ وَذَكَرَ مَا قَالَهُ ﷺ ، وَقَدْ زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " أَنَّهُ ﷺ رَقَى الْمِنْبَرَ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَرْقَاهُ إلَّا لِلْخُطْبَةِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَخْطُبُ فِيهَا كَالْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهَا فَذَهَبَ النَّاصِرُ وَجَمَاعَةٌ إلَى الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى الثَّانِي مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ، وَأَبِي عَوَانَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ».
وَاسْتَدَلَّ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا لَفْظَهُ: وَجُمِعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي بَدَأَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ فَعَبَّرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ الدُّعَاءِ بِالْخُطْبَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَرْوِ الْخُطْبَةَ بَعْدَهَا وَالرَّاوِي لِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْوِ الدُّعَاءَ قَبْلَهَا، وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ.
، وَأَمَّا مَا يَدْعُو بِهِ فَيَتَحَرَّى مَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَبَانَ الْأَلْفَاظَ الَّتِي دَعَا بِهَا ﷺ بِقَوْلِهِ.
следующие страницы →