← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بَابُ قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ ٦٠١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ (بَابُ قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ) أَيْ قِسْمَةُ اللَّهِ لِلصَّدَقَاتِ بَيْنَ مَصَارِفِهَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ غَارِمٍ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى لِغَنِيٍّ مِنْهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ) ظَاهِرُهُ إعْلَالُ مَا أَخْرَجَهُ الْمَذْكُورُونَ جَمِيعًا. وَفِي الشَّرْحِ أَنَّ الَّتِي أُعِلَّتْ بِالْإِرْسَالِ رِوَايَةُ الْحَاكِمِ الَّتِي حَكَمَ بِصِحَّتِهَا. وَقَوْلُهُ: " لِغَنِيٍّ " قَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَقْوَالُ فِي حَدِّ الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ قَبْضُ الصَّدَقَةِ عَلَى أَقْوَالٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا مَا تَسْكُنُ لَهُ النَّفْسُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ؛ لِأَنَّ الْمَبْحَثَ لَيْسَ لُغَوِيًّا حَتَّى يُرْجَعَ فِيهِ إلَى تَفْسِيرِ لُغَةٍ وَلِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ لَا يَتَعَيَّنُ فِي قَدْرٍ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُعَيَّنَةٌ لِقَدْرِ الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ السُّؤَالُ كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ فَقَدْ أَلْحَفَ» وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد «مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إلْحَافًا» وَأَخْرَجَ أَيْضًا «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ النَّارِ قَالُوا: وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يُعَشِّيهِ وَيُغَدِّيهِ» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَهَذَا قَدْرُ الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ السُّؤَالُ. وَأَمَّا الْغِنَى الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ قَبْضُ الزَّكَاةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَهُوَ مَنْ يَمْلِكُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْت أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ» فَقَابَلَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَأَفَادَ أَنَّهُ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَبَيْنَ الْفَقِيرِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ تَرِدُ فِيهِ الصَّدَقَةُ هَذَا أَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي رِسَالَةِ جَوَابِ سُؤَالٍ وَأَفَادَ حَدِيثُ الْبَابِ حِلَّهَا لِلْعَامِلِ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ أَجْرَهُ عَلَى عَمَلِهِ لَا لِفَقْرِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ فَإِنَّهَا قَدْ وَافَقَتْ مَصْرِفَهَا وَصَارَتْ مِلْكًا لَهُ فَإِذَا بَاعَهَا فَقَدْ بَاعَ مَا لَيْسَ بِزَكَاةٍ حِينَ الْبَيْعِ بَلْ

стр. 527

٦٠٢ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ﵁ «أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ. فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مَا هُوَ مِلْكٌ لَهُ وَكَذَلِكَ الْغَارِمُ تَحِلُّ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَكَذَلِكَ الْغَازِي يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَجَهَّزَ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ الشَّارِحُ وَيَلْحَقُ بِهِ مَنْ كَانَ قَائِمًا بِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. وَأَدْخَلَ أَبُو عُبَيْدٍ مَنْ كَانَ فِي مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فِي الْعَامِلِينَ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ حَيْثُ قَالَ (بَابُ رِزْقِ الْحَاكِمِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا) وَأَرَادَ بِالرِّزْقِ مَا يَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ يَقُومُ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَالْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَالتَّدْرِيسِ فَلَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ فِيمَا يَقُومُ بِهِ مُدَّةَ الْقِيَامِ بِالْمَصْلَحَةِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا. قَالَ الطَّبَرِيُّ إنَّهُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقَاضِي الْأُجْرَةَ عَلَى الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ الْحُكْمُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ غَيْرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ السَّلَفِ كَرِهُوا ذَلِكَ وَلَمْ يُحَرِّمُوهُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ إنْ كَانَتْ جِهَةُ الْأَخْذِ مِنْ الْحَلَالِ كَانَ جَائِزًا إجْمَاعًا وَمَنْ تَرَكَهُ فَإِنَّمَا تَرَكَهُ تَوَرُّعًا وَأَمَّا إذَا كَانَتْ هُنَاكَ شُبْهَةٌ فَالْأَوْلَى التَّرْكُ وَيَحْرُمُ إذَا كَانَ الْمَالُ يُؤْخَذُ لِبَيْتِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهِ وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْغَالِبُ حَرَامًا. وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ الْمُتَحَاكِمَيْنِ فَفِي جَوَازِهِ خِلَافٌ وَمَنْ جَوَّزَهُ فَقَدْ شَرَطَ لَهُ شَرَائِطَ وَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا لَمَّا تَعَرَّضَ لَهُ الشَّارِحُ هُنَا تَعَرَّضْنَا لَهُ (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ آخِرُهُ رَاءٌ وَعَبْدُ اللَّهِ يُقَالُ: إنَّهُ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعَدُّ فِي التَّابِعِينَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا «أَنَّ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ» فَسَّرَتْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى بِلَفْظِ فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ وَخَفَضَهُ «فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوَّاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا أَجْوَدُهُ مِنْ حَدِيثٍ وَقَوْلُهُ إنْ شِئْتُمَا أَيْ أَنَّ أَخْذَ الصَّدَقَةِ ذِلَّةٌ فَإِنْ رَضِيتُمَا بِهَا أَعْطَيْتُكُمَا أَوْ أَنَّهَا حَرَامٌ عَلَى الْجَلْدِ فَإِنْ شِئْتُمَا تَنَاوُلَ الْحَرَامِ أَعْطَيْتُكُمَا قَالَهُ تَوْبِيخًا وَتَغْلِيظًا. وَالْحَدِيثُ مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ وَإِنْ اُخْتُلِفَ

стр. 528

٦٠٣ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ، لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. فِي تَحْقِيقِ الْغَنِيِّ كَمَا سَلَفَ وَعَلَى الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ؛ لِأَنَّ حِرْفَتَهُ صَيَّرَتْهُ فِي حُكْمِ الْغَنِيِّ وَمَنْ أَجَازَ لَهُ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ بِمَا لَا يُقْبَلُ. (وَعَنْ قَبِيصَةَ) بِفَتْحِ الْقَافِ فَمُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ (ابْنِ مُخَارِقٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْأَلِفِ فَقَافٍ (الْهِلَالِيِّ) وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ عِدَادَهُ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ قَطَنٌ وَغَيْرُهُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ» بِالْكَسْرِ بَدَلًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَيَصِحُّ رَفْعُهُ بِتَقْدِيرِ أَحَدُهُمْ (تَحَمَّلَ حَمَالَةً) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمَالُ يَتَحَمَّلُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ (فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أَيْ آفَةٌ (اجْتَاحَتْ) أَيْ أَهْلَكَتْ (مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا) بِكَسْرِ الْقَافِ مَا يَقُومُ بِحَاجَتِهِ وَسَدِّ خُلَّتِهِ (مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ) أَيْ حَاجَةٌ (حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مَقْصُورُ الْعَقْلِ (مِنْ قَوْمِهِ)؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ يَقُولُونَ أَوْ قَائِلِينَ (لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا) بِكَسْرِ الْقَافِ (مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (يَأْكُلُهَا) أَيْ الصَّدَقَةَ أَنَّثَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ السُّحْتَ عِبَارَةً عَنْهَا وَإِلَّا فَالضَّمِيرُ لَهُ (سُحْتًا) السُّحْتُ الْحَرَامُ الَّذِي لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْحِتُ الْبَرَكَةَ أَيْ يُذْهِبُهَا (رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَحْرُمُ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: (الْأَوَّلُ) لِمَنْ تَحَمَّلَ حَمَالَةً وَذَلِكَ أَنْ يَتَحَمَّلَ الْإِنْسَانُ عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا أَوْ دِيَةً أَوْ يُصَالِحَ بِمَالٍ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا

стр. 529

٦٠٤ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ مِنْ مَالِهِ وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ يَحِلُّ لَهُمْ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ كَمَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. (وَالثَّانِي) مَنْ أَصَابَ مَالَهُ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ أَوْ أَرْضِيَّةٌ كَالْبَرْدِ وَالْغَرَقِ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مَا يَقُومُ بِعَيْشِهِ حَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مَا يَقُومُ بِحَالِهِ وَيَسُدَّ خُلَّتَهُ. (وَالثَّالِثُ) مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُ بِحَالِهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ لَا مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَبَاوَةُ وَالتَّغْفِيلُ وَإِلَى كَوْنِهِمْ ثَلَاثَةً ذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ لِلنَّصِّ فَقَالُوا: لَا يُقْبَلُ فِي الْإِعْسَارِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى كِفَايَةِ الِاثْنَيْنِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الشَّهَادَاتِ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى النَّدْبِ. ثُمَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْغِنَى ثُمَّ افْتَقَرَ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا لَهُ بِالْفَاقَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ السُّؤَالِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَأَنَّهَا تَسْقُطُ بِهِ الْعَدَالَةُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ السُّؤَالِ إلَّا لِلثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ أَوْ أَنْ يَكُونَ الْمَسْئُولُ السُّلْطَانَ كَمَا سَلَفَ. (وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ سَكَنَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهَا إلَى دِمَشْقَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَكَانَ قَدْ أَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَامِلًا عَلَى بَعْضِ الزَّكَاةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قِصَّةٌ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» هُوَ بَيَانٌ لِعِلَّةِ التَّحْرِيمِ (وَفِي رِوَايَةٍ) أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فَأَفَادَ أَنَّ لَفْظَ لَا تَنْبَغِي أَرَادَ بِهِ لَا تَحِلُّ فَيُفِيدُ التَّحْرِيمَ أَيْضًا وَلَيْسَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمَذْكُورِ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، فَأَمَّا عَلَيْهِ ﷺ فَإِنَّهُ إجْمَاعٌ وَكَذَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى حُرْمَتِهَا عَلَى آلِهِ أَبُو طَالِبٍ وَابْنُ قُدَامَةَ وَنُقِلَ جَوَازٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ: إنْ مُنِعُوا خُمُسَ الْخُمُسِ وَالتَّحْرِيمُ هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَمَنْ قَالَ بِخِلَافِهَا قَالَ مُتَأَوِّلًا لَهَا وَلَا حَاجَةَ لِلتَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّأْوِيلُ إذَا قَامَ عَلَى الْحَاجَةِ إلَيْهِ دَلِيلٌ وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ قَاضٍ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ

стр. 530

٦٠٥ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْت بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ لَا النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يَطْهُرُ بِهَا مَنْ يُخْرِجُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إلَّا أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ النَّفْلِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى تَحْرِيمِ صَدَقَةِ النَّفْلِ أَيْضًا عَلَى الْآلِ وَاخْتَرْنَاهُ فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ كَرَّمَ آلَهُ عَنْ أَنْ يَكُونُوا مَحَلًّا لِلْغُسَالَةِ وَشَرَّفَهُمْ عَنْهَا وَهَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ وَقَدْ وَرَدَ التَّعْلِيلُ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ مَرْفُوعًا بِأَنَّ لَهُمْ فِي خُمُسِ الْخُمُسِ مَا يَكْفِيهِمْ وَيُغْنِيهِمْ فَهُمَا عِلَّتَانِ مَنْصُوصَتَانِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَنْعِهِمْ عَنْ الْخُمُسِ أَنْ تَحِلَّ لَهُمْ فَإِنَّ مَنْ مَنَعَ الْإِنْسَانَ عَنْ مَالِهِ وَحَقِّهِ لَا يَكُونُ مَنْعُهُ لَهُ مُحَلِّلًا مَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وَفِي الْمُرَادِ بِالْآلِ خِلَافٌ وَالْأَقْرَبُ مَا فَسَرَّهُمْ بِهِ الرَّاوِي وَهُوَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ بِأَنَّهُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ الْعَبَّاسِ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ. انْتَهَى. (قُلْت) وَيُرِيدُ وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَهَذَا تَفْسِيرُ الرَّاوِي وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى تَفْسِيرِ غَيْرِهِ فَالرُّجُوعُ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ آلِ مُحَمَّدٍ هُنَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْآلِ مُشْتَرَكٌ وَتَفْسِيرُ رَاوِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ مَعَانِيهِ؛ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ فَسَرَّهُمْ بِهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَإِنَّمَا تَفْسِيرُهُمْ هُنَا بِبَنِي هَاشِمٍ اللَّازِمُ مِنْهُ دُخُولُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَوْلَادِ أَبِي لَهَبٍ وَنَحْوِهِمْ فَهُوَ تَفْسِيرُ الرَّاوِي وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ كَمَا يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ فِي قِسْمَةِ الْخُمُسِ كَمَا يُفِيدُهُ. وَهُوَ قَوْلُهُ (وَعَنْ جُبَيْرٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ (بْنِ مُطْعِمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ابْنِ نَوْفَلٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيِّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ (قَالَ: مَشَيْت أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْت بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتنَا وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ) الْمُرَادُ بِبَنِي هَاشِمٍ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ الْعَبَّاسِ وَآلُ الْحَارِثِ وَلَمْ

стр. 531

٦٠٦ - وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي، فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَسْأَلَهُ. فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ يُدْخِلْ آلَ أَبِي لَهَبٍ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهَا فِي عَصْرِهِ ﷺ أَحَدٌ وَقِيلَ: بَلْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ عُتْبَةُ وَمُعْتَبٌ ابْنَا أَبِي لَهَبٍ وَثَبَتَا مَعَهُ ﷺ فِي خَيْبَرَ (شَيْءٌ وَاحِدٌ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ يُشَارِكُونَ بَنِي هَاشِمٍ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ أَيْضًا دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِي النَّسَبِ سَوَاءً، وَعَلَّلَهُ ﷺ بِاسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الْمُوَالَاةِ كَمَا فِي لَفْظٍ آخَرَ تَعْلِيلُهُ «بِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» فَصَارُوا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ فِي ذَلِكَ وَذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: إنَّهُ ﷺ أَعْطَاهُمْ عَلَى جِهَةِ التَّفَضُّلِ لَا الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ، بَلْ قَوْلُهُ: " شَيْءٌ وَاحِدٌ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ يُشَارِكُونَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْخُمُسِ وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ هُمْ أَوْلَادُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مِنْ أَوْلَادِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَعُثْمَانَ مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنُو نَوْفَلٍ أَوْلَادُ عَمٍّ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فَلِذَا قَالَ عُثْمَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّهُمْ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ أَبْنَاءُ عَمٍّ. (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ) هُوَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ: اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ، وَقِيلَ: هُرْمُزُ، وَقِيلَ: كَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا أَسْلَمَ الْعَبَّاسُ بَشَّرَ أَبُو رَافِعٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِهِ فَأَعْتَقَهُ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ) أَيْ عَلَى قَبْضِهَا (مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ) اسْمُهُ الْأَرْقَمُ (فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي فَإِنَّك تُصِيبُ مِنْهَا فَقَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَسْأَلَهُ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ). الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَوْلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ حُكْمُهُمْ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَدَمِ حِلِّ الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِبَنِي هَاشِمٍ وَلِمَوَالِيهِمْ انْتَهَى. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إلَى عَدَمِ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ فِي النَّسَبِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ

стр. 532

٦٠٧ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي، فَيَقُولُ،: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَك مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فِي الْخُمُسِ سَهْمٌ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّصَّ لَا تُقَدَّمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْعِلَلُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ فَإِنَّهَا تَرْفَعُ النَّصَّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا خِلَافُ الثَّابِتِ مِنْ النَّصِّ ثُمَّ هَذَا نَصٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الْعِمَالَةِ عَلَى الْمَوَالِي وَبِالْأَوْلَى عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الرَّجُلَ الَّذِي عَرَضَ عَلَى أَبِي رَافِعٍ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَلَى بَعْضِ عَمَلِهِ الَّذِي وَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنَالَ عِمَالَةً لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ أُجْرَتِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِأَبِي رَافِعٍ أَخْذُهُ إذْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخُمُسِ الَّذِينَ تَحِلُّ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَّكَ ذَلِكَ الرَّجُلَ أُجْرَتَهُ فَيُعْطِيهِ مِنْ مِلْكِهِ فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَبِي رَافِعٍ فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِيمَا سَلَفَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا. . وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ الْعَطَاءَ فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِنِّي؛ فَيَقُولُ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ وَمَا جَاءَك مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ» بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالْفَاءِ مِنْ الْإِشْرَافِ وَهُوَ التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ وَالْحِرْصُ عَلَيْهِ (وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ") أَيْ لَا تُعَلِّقْهَا بِطَلَبِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ أَفَادَ أَنَّ الْعَامِلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِمَالَةَ وَلَا يَرُدَّهَا فَإِنَّ الْحَدِيثَ فِي الْعِمَالَةِ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ. وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ: " فَخُذْهُ " لِلنَّدَبِ وَقِيلَ: لِلْوُجُوبِ قِيلَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ عَطِيَّةٍ يُعْطَاهَا الْإِنْسَانُ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ قَبُولُهَا بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْحَدِيثِ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَالُ الَّذِي يُعْطِيهِ مِنْهُ حَلَالًا. وَأَمَّا عَطِيَّةُ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ مَالُهُ حَلَالٌ وَحَرَامٌ. فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنَّ أَخْذَهَا جَائِزٌ مُرَخَّصٌ فِيهِ قَالَ: وَحُجَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْيَهُودِ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وَقَدْ «رَهَنَ ﷺ دِرْعَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ وَكَذَا أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ». وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثَمَنِ الْخِنْزِيرِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْبَاطِلَةِ. انْتَهَى. وَفِي الْجَامِعِ الْكَافِي أَنَّ عَطِيَّةَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ مَالِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَى مَالِكِهِ وَإِنْ كَانَ

стр. 533

كتاب الصيام ٦٠٨ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. مُلْتَبَسًا فَهُوَ مَظْلِمَةٌ يَصْرِفُهَا عَلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْنَ مَالِ الْجَائِرِ فَفِيهِ تَقْلِيلٌ لِبَاطِلِهِ وَأَخْذُ مَا يَسْتَعِينُ بِإِنْفَاقِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ جَارٍ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمَنَ الْقَابِضُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَحَبَّةِ الْمُحْسِنِ الَّذِي جُبِلَتْ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهَا وَأَنْ لَا يُوهَمَ الْغَيْرُ أَنَّ السُّلْطَانَ عَلَى الْحَقِّ حَيْثُ قَبَضَ مَا أَعْطَاهُ وَقَدْ بَسَطْنَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا. (كتاب الصيام) الصِّيَامُ لُغَةً الْإِمْسَاكُ وَفِي الشَّرْعِ إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي النَّهَارِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ الْإِمْسَاكُ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِوُرُودِ الْأَحَادِيثِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ زِيَادَةً عَلَى غَيْرِهِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ تُفَصِّلُهَا الْأَحَادِيثُ الْآتِيَةُ. وَكَانَ مَبْدَأُ فَرْضِهِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى شَهْرِ رَمَضَانَ: وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا «لَا تَقُولُوا: جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَلَكِنْ قُولُوا: جَاءَ شَهْرُ رَمَضَانَ» حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُقَاوِمُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ) كَذَا فِي نُسَخِ بُلُوغِ الْمَرَامِ وَلَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ " إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ " قَالَ الْمُصَنِّفُ يَكُونُ تَامَّةٌ أَيْ يُوجَدُ رَجُلٌ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ " إلَّا رَجُلًا "، قُلْت: وَهُوَ قِيَاسُ الْعَرَبِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ مِنْ مَذْكُورٍ (كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ رَمَضَانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ الصِّيَامَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: " لِمَعْنَى رَمَضَانَ " تَقْيِيدٌ لِلنَّهْيِ بِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الصَّوْمِ احْتِيَاطًا لَا لَوْ كَانَ الصَّوْمُ صَوْمًا مُطْلَقًا

стр. 534

٦٠٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. كَالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَالنَّذْرِ وَنَحْوِهِ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا التَّقْيِيدِ يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ بِأَيِّ صَوْمٍ كَانَ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ النَّهْيِ فَإِنَّهُ عَامٌّ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ إلَّا الصَّوْمَ مَنْ اعْتَادَ صَوْمَ أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، وَوَافَقَ ذَلِكَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ وَلَوْ أَرَادَ ﷺ الصَّوْمَ الْمُقَيَّدَ بِمَا ذَكَرَ لَقَالَ: إلَّا مُتَنَفِّلًا أَوْ نَحْوَ هَذَا اللَّفْظِ. وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ تَقَدُّمِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ عَلَّقَ الدُّخُولَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ فَالْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ أَمْرًا وَنَهْيًا. وَفِيهِ إبْطَالٌ لِمَا يَفْعَلُهُ الْبَاطِنِيَّةُ مِنْ تَقَدُّمِ الصَّوْمِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ». فِي مَعْنَى مُسْتَقْبِلِينَ لَهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُفِيدُ أَنَّ اللَّامَ لَا يَصِحُّ حَمْلُهَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ وَرَدَتْ لَهُ فِي مَوَاضِعَ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّوْمِ مِنْ بَعْدِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ يَوْمِ سَادِسَ عَشَرَ مِنْ شَعْبَانَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ وَقِيلَ: إنَّهُ يُكْرَهُ بَعْدَ الِانْتِصَافِ وَيَحْرُمُ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ مِنْ بَعْدِ انْتِصَافِهِ وَيَحْرُمُ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَمَّا جَوَازُ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ضَعِيفٌ، قَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ: إنَّهُ مُنْكَرٌ وَأَمَّا تَحْرِيمُ الثَّانِي فَلِحَدِيثِ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ. (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ مُسْنَدٌ إلَى (فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ) إلَى عَمَّارٍ وَزَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ الْحَاكِمَ وَأَنَّهُمْ وَصَلُوهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَفْظُهُ عِنْدَهُمْ «كُنَّا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَأُتِيَ بِشَاةٍ مَصْلِيَّةٍ فَقَالَ: كُلُوا فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ إلَخْ» (الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ مُسْنَدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ. انْتَهَى وَهُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا

стр. 535

٦١٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» وَمَعْنَاهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ اسْتِقْبَالِ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ وَأَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ لِرُؤْيَتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يُرَ الْهِلَالُ فِي لَيْلِهِ بِغَيْمٍ سَاتِرٍ أَوْ نَحْوِهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ وَكَوْنُهُ مِنْ شَعْبَانَ وَالْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ صَوْمِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ وَعَدَّهُ عِصْيَانًا؛ لِأَبِي الْقَاسِمِ وَالْأَدِلَّةُ مَعَ الْمُحَرِّمِينَ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ قَالَ ": لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ " فَهُوَ أَثَرٌ مُنْقَطِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَوْمِ شَكٍّ مُجَرَّدٍ بَلْ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ رَجُلٌ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ وَقَالَ: لَأَنْ أَصُومَ إلَخْ وَمِمَّا هُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو يَعْلَى وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ بِلَفْظِ «وَلَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِيَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ» وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَيْ هِلَالِ رَمَضَانَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ» وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ وَاسِعَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: . (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ أَيْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَإِفْطَارِهِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ لِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ وَظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ رُؤْيَةِ الْجَمِيعِ لَهُ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ لَكِنْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ

стр. 536

٦١١ - وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» الشَّرْعِيُّ مِنْ إخْبَارِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ أَوْ الِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ فَمَعْنَى إذَا رَأَيْتُمُوهُ أَيْ إذَا وُجِدَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ الرُّؤْيَةُ، فَيَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ رُؤْيَةَ بَلَدٍ رُؤْيَةٌ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبِلَادِ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ. وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " إذَا رَأَيْتُمُوهُ " خِطَابٌ لِأُنَاسٍ مَخْصُوصِينَ بِهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ لَيْسَ عَلَى أَحَدِهَا دَلِيلٌ نَاهِضٌ وَالْأَقْرَبُ لُزُومُ أَهْلِ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْجِهَاتِ الَّتِي عَلَى سَمْتِهَا وَفِي قَوْلِهِ: (لِرُؤْيَتِهِ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الْآلِ وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الصَّوْمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِفْطَارِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْطِرُ وَيُخْفِيه، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَسْتَمِرُّ صَائِمًا احْتِيَاطًا كَذَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَلَكِنَّهُ تَقَدَّمَ لَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ يَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ وَيُتَابِعُ حُكْمَ النَّاسِ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيَّ وَأَنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حُكْمُ نَفْسِهِ فِيمَا يَتَيَقَّنُهُ فَنَاقَضَ هُنَا مَا سَلَفَ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِكُرَيْبٍ إنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَهُوَ بِالشَّامِ بَلْ يُوَافِقُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَيَصُومُ الْحَادِيَ وَالثَّلَاثِينَ بِاعْتِبَارِ رُؤْيَةِ الشَّامِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ. وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ وَلَيْسَ بِنَصٍّ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ لِاحْتِمَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالْحَقُّ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِيَقِينِ نَفْسِهِ صَوْمًا وَإِفْطَارًا وَيَحْسُنُ التَّكَتُّمُ بِهَا صَوْنًا لِلْعِبَادِ عَنْ إثْمِهِمْ بِإِسَاءَةِ الظَّنِّ بِهِ (وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ». وَلِلْبُخَارِيِّ أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ (فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ) قَوْلُهُ: " فَاقْدُرُوا لَهُ " هُوَ أَمْرٌ هَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ وَتُكْسَرُ الدَّالُ وَتُضَمُّ، وَقِيلَ: الضَّمُّ خَطَأٌ، وَفَسَّرَ الْمُرَادَ بِهِ قَوْلُهُ: " فَاقْدُرُوا لَهُ " ثَلَاثِينَ وَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، وَالْمَعْنَى أَفْطِرُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ وَاحْسِبُوا تَمَامَ الشَّهْرِ وَهَذَا أَحْسَنُ تَفَاسِيرِهِ وَفِيهِ تَفَاسِيرُ أُخَرُ نَقَلَهَا الشَّارِحُ خَارِجَةً عَنْ ظَاهِرِ الْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي الْحَدِيثِ دَفْعٌ لِمُرَاعَاةِ الْمُنَجِّمِينَ، وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ رُؤْيَةُ الْأَهِلَّةِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ، وَقَدْ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ وَغَيْرِهِمَا الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ اعْتِمَادًا عَلَى النُّجُومِ: إنَّ إجْمَاعَ السَّلَفِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ قَدْ نَهَتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْخَوْضِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ؛ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ لَيْسَ فِيهَا قَطْعٌ. قَالَ الشَّارِحُ: قُلْت: وَالْجَوَابُ الْوَاضِحُ عَلَيْهِمْ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تِسْعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً».

стр. 537

٦١٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. ٦١٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (وَلَهُ) أَيْ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» هُوَ تَصْرِيحٌ بِمُفَادِ الْأَمْرِ بِالصَّوْمِ لِرُؤْيَتِهِ فِي رِوَايَةٍ فَإِنْ غُمَّ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ أَيْ عِدَّةَ شَعْبَانَ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ نُصُوصٌ فِي أَنَّهُ لَا صَوْمَ وَلَا إفْطَارَ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ لِلْهِلَالِ أَوْ إكْمَالِ الْعِدَّةِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ ﷺ أَنَّى رَأَيْته فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ دُخُولًا فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: " جَالَسْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَأَلْتهمْ وَحَدَّثُونِي: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ» فَدَلَّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْوَاحِدُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ وَالْمَنْطُوقُ الَّذِي أَفَادَهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْآتِي أَقْوَى مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَيُقْبَلُ بِخَبَرِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ. وَأَمَّا الْخُرُوجُ مِنْهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالْإِفْطَارَ مُسْتَوِيَانِ فِي كِفَايَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ أَجَازَ خَبَرَ وَاحِدٍ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ وَكَانَ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ الْإِفْطَارِ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ» فَإِنَّهُ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْأَيْلِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيَدُلُّ لِقَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ دُخُولًا أَيْضًا قَوْلُهُ. ٦١٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَشْهَدُ

стр. 538

٦١٤ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ - وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنْ اللَّيْلِ» أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَرَجَّحَ النَّسَائِيّ إرْسَالَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ وَدَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ إذْ لَمْ يَطْلُبْ ﷺ مِنْ الْأَعْرَابِيِّ إلَّا الشَّهَادَةَ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْهِلَالِ جَارٍ مَجْرَى الْإِخْبَارِ لَا الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يَلْزَمُ التَّبَرِّي مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ. (وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ) عَلَى حَفْصَةَ (وَصَحَّحَهُ مَرْفُوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ) أَيْ عَنْ حَفْصَةَ «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنْ اللَّيْلِ» الْحَدِيثُ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: الِاخْتِلَافُ فِيهِ يُزِيدُ الْخِبْرَةَ قُوَّةً؛ لِأَنَّ مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا قَدْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَقَالَ: رِجَالُهَا ثِقَاتٌ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الصِّيَامُ إلَّا بِتَبْيِيتِ النِّيَّةِ وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ وَأَوَّلُ وَقْتِهَا الْغُرُوبُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ عَمَلٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَأَجْزَاءُ النَّهَارِ غَيْرُ مُنْفَصِلَةٍ مِنْ اللَّيْلِ بِفَاصِلٍ يُتَحَقَّقُ فَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ وَاقِعَةً فِي جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِكُلِّ يَوْمٍ عَلَى انْفِرَادِهِ وَهَذَا مَشْهُورٌ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَلَهُ قَوْلٌ: إنَّهُ إذَا نَوَى مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ تُجْزِئُهُ. وَقَوَّى هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهَذَا قَدْ نَوَى جَمِيعَ الشَّهْرِ، وَلِأَنَّ رَمَضَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَادَةِ

стр. 539

٦١٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا فَأَكَلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٦١٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ فِي لَيَالِيه عِبَادَةٌ أَيْضًا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى صَوْمِ نَهَارِهِ وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ مُعَيَّنًا وَمُطْلَقًا وَفِيهِ خِلَافٌ وَتَفَاصِيلُ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ وُجُوبِ التَّبْيِيتِ بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ إنَّ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ» قَالُوا: وَقَدْ كَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَسْخُ وُجُوبِهِ لَا يَرْفَعُ سَائِرَ الْأَحْكَامِ فَقِيسَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ وَمَا فِي حُكْمِهِ مِنْ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَالتَّطَوُّعِ فَخُصَّ عُمُومُ " فَلَا صِيَامَ لَهُ " بِالْقِيَاسِ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي فَإِنَّهُ دَلَّ عَلَى «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ تَطَوُّعًا مِنْ غَيْرِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ». وَأُجِيبَ: بِأَنَّ صَوْمَ عَاشُورَاءَ غَيْرُ مُسَاوٍ لِصَوْمِ رَمَضَانَ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ﷺ أَلْزَمَ الْإِمْسَاكَ لِمَنْ قَدْ أَكَلَ وَلِمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَجْزَأَ عَاشُورَاءُ بِغَيْرِ تَبْيِيتٍ لِتَعَذُّرِهِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ كَمَنْ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَمَامِ الْإِمْسَاكِ وَوُجُوبِهِ أَنَّهُ صَوْمٌ مُجْزِئٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ وَهُوَ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَإِنِّي إذًا صَائِمٌ ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ» بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَسِينٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ التَّمْرُ مَعَ السَّمْنِ وَالْأَقِطِ «فَقَالَ: أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا فَأَكَلَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَيَّتَ الصَّوْمَ أَوْ لَا فَيُحْمَلُ عَلَى التَّبْيِيتِ؛ لِأَنَّ الْمُحْتَمَلَ يُرَدُّ إلَى الْعَامِّ وَنَحْوِهِ عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِهَا " إنِّي كُنْت أَصْبَحْت صَائِمًا " وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ عُمُومُ حَدِيثِ التَّبْيِيتِ وَعَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَلَمْ يَقُمْ مَا يَرْفَعُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فَتَعَيَّنَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِمَا.

стр. 540

٦١٧ - وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا». ٦١٨ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁) هُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنْصَارِيٌّ خَزْرَجِيٌّ يُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ حُزْنًا؛ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَهْلًا، مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَ سَهْلٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ أَحْمَدُ " وَأَخَّرُوا السُّحُورَ " زَادَ أَبُو دَاوُد «؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ الْإِفْطَارَ إلَى اشْتِبَاكِ النُّجُومِ». قَالَ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ: ثُمَّ صَارَ فِي مِلَّتِنَا شِعَارًا؛ لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ وَسِمَةً لَهُمْ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ إذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْعِلَّةَ وَهِيَ مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى قَالَ الْمُهَلَّبُ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي النَّهَارِ مِنْ اللَّيْلِ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ (قُلْت) فِي إبَاحَتِهِ ﷺ الْمُوَاصَلَةَ إلَى السَّحَرِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ إذَا كَانَ ذَلِكَ سِيَاسَةً لِلنَّفْسِ وَدَفْعًا لِشَهْوَتِهَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا» دَالٌّ عَلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الْإِفْطَارِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَأْخِيرِهِ وَأَنَّ إبَاحَةَ الْمُوَاصَلَةِ إلَى السَّحَرِ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ أَوْ يُرَادُ بِعِبَادِي الَّذِينَ يُفْطِرُونَ وَلَا يُوَاصِلُونَ إلَى السَّحَرِ وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ عُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ لِتَصْرِيحِهِ ﷺ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُمْ كَمَا يَأْتِي فَهُوَ أَحَبُّ الصَّائِمِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَعْجَلَهُمْ فِطْرًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَهُ فِي الْوِصَالِ وَلَوْ أَيَّامًا مُتَّصِلَةً كَمَا يَأْتِي. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ)

стр. 541

٦١٩ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بِهِ وَرُوِيَ بِالضَّمِّ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ (بَرَكَةً " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَتَجَرَّعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» وَظَاهِرُ الْأَمْرِ وُجُوبُ التَّسَحُّرِ وَلَكِنَّهُ صَرَفَهُ عَنْهُ إلَى النَّدْبِ مَا ثَبَتَ مِنْ مُوَاصَلَتِهِ ﷺ وَمُوَاصَلَةِ أَصْحَابِهِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي حُكْمِ الْوِصَالِ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ التَّسَحُّرَ مَنْدُوبٌ وَالْبَرَكَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِيهِ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَزِيَادَةُ النَّشَاطِ وَالتَّسَبُّبُ لِلصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ سَأَلَ وَقْتَ السَّحَرِ. (وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ ﵁) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصَّحَابَةِ ضَبِّيٌّ غَيْرُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الْمَذْكُورِ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَالْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» وَوَرَدَ فِي عَدَدِ التَّمْرِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ وَفِي الْبَابِ رِوَايَاتٌ فِي مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِفْطَارَ بِمَا ذُكِرَ هُوَ السُّنَّةُ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَنُصْحِهِمْ فَإِنَّ إعْطَاءَ الطَّبِيعَةِ الشَّيْءَ الْحُلْوَ مَعَ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِ وَانْتِفَاعِ الْقُوَى بِهِ لَا سِيَّمَا الْقُوَّةُ الْبَاصِرَةُ فَإِنَّهَا تَقْوَى بِهِ وَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنَّ الْكَبِدَ يَحْصُلُ لَهَا بِالصَّوْمِ نَوْعٌ يَبِسٌ فَإِنْ رَطُبَتْ بِالْمَاءِ كَمُلَ انْتِفَاعُهَا بِالْغِذَاءِ بَعْدَهُ هَذَا مَعَ مَا فِي التَّمْرِ وَالْمَاءِ مِنْ الْخَاصِّيَّةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي صَلَاحِ الْقَلْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا أَطِبَّاءُ الْقُلُوبِ.

стр. 542

٦٢٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ، لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ» هُوَ تَرْكُ الْفِطْرِ بِالنَّهَارِ وَفِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِالْقَصْدِ (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ «فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: وَأَيُّكُمْ مِثْلِي إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ: لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَتَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوِصَالِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّهْيِ، وَقَدْ أُبِيحَ الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إمْسَاكَ بَعْضِ اللَّيْلِ مُوَاصَلَةٌ. وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِنِيَّتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَقِيلَ: التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: مُحَرَّمٌ فِي حَقِّ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيُبَاحُ لِمَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ رَأْيُ الْأَكْثَرِ لِلنَّهْيِ وَأَصْلُهُ التَّحْرِيمُ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِأَنَّهُ ﷺ وَاصَلَ بِهِمْ وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ قَرِينَةٌ أَنَّهُ لِلْكَرَاهَةِ رَحْمَةً لَهُمْ وَتَخْفِيفًا عَنْهُمْ، وَلِأَنَّهُ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ» إسْنَادُهُ صَحِيحٌ " وَإِبْقَاءً " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " نَهَى ". وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ وَلَيْسَ بِالْعَزِيمَةِ» وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مُوَاصَلَةُ الصَّحَابَةِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ " أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا " وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ غَيْرُهُ فَلَوْ فَهِمُوا التَّحْرِيمَ لَمَا فَعَلُوهُ، وَيَدُلُّ لِلْجَوَازِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ الصِّيَامَ بِاللَّيْلِ فَمَنْ شَاءَ

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَلْيَتَّبِعْنِي وَلَا أَجْرَ لَهُ» قَالُوا: وَالتَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَاعْتَذَرَ الْجُمْهُورُ عَنْ مُوَاصَلَتِهِ ﷺ بِالصَّحَابَةِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَقْرِيعًا لَهُمْ وَتَنْكِيلًا بِهِمْ وَاحْتَمَلَ جَوَازَ ذَلِكَ؛ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ النَّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا بَاشَرُوهُ ظَهَرَتْ لَهُمْ حِكْمَةُ النَّهْيِ وَكَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَلَلِ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَقْرَبُ مِنْ الْأَقْوَالِ هُوَ التَّفْصِيلُ وَقَوْلُهُ ﷺ " وَأَيُّكُمْ مِثْلِي " اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ أَيْ أَيُّكُمْ عَلَى صِفَتِي وَمَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ (يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي) فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَانَ يُطْعَمُ وَيُسْقَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَعَقَّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ عَلَى جِهَةِ التَّكْرِيمِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ طَعَامِ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمُرَادُ مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ مِنْ مَعَارِفِهِ وَمَا يُفِيضُهُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ وَالشَّوْقِ إلَيْهِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَتَنْعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرَّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النُّفُوسِ، وَلِلْقَلْبِ وَالرُّوحِ بِهَا أَعْظَمُ غِذَاءٍ وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ بُرْهَةً مِنْ الزَّمَانِ كَمَا قِيلَ شِعْرًا. لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاك تَشْغَلُهَا … عَنْ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنْ الزَّادِ لَهَا بِوَجْهِك نُورٌ يُسْتَضَاءُ لَهُ … وَمِنْ حَدِيثِك فِي أَعْقَابِهَا حَادِي وَمَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ أَوْ تَشَوُّقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ وَتَنَعَّمَ بِقُرْبِهِ وَالرِّضَا عَنْهُ، وَسَاقَ هَذَا الْمَعْنَى وَاخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ فِي الْإِطْعَامِ وَالْإِسْقَاءِ. وَأَمَّا الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ فَقَدْ أَذِنَ ﷺ فِيهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ " أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ». وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «إذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِصَالَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِأَفْطَرَ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِفْطَارِ لَا أَنَّهُ صَارَ مُفْطِرًا حَقِيقَةً كَمَا قِيلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَارَ مُفْطِرًا حَقِيقَةً لَمَا وَرَدَ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَلَا النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ وَلَا اسْتَقَامَ الْإِذْنُ بِالْوِصَالِ إلَى السَّحَرِ.

стр. 544

٦٢١ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ ٦٢٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: " فِي رَمَضَانَ " (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ) أَيْ الْكَذِبَ (وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ) أَيْ السَّفَهَ (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ) أَيْ إرَادَةٌ (فِي أَنْ يَدَعَ شَرَابَهُ وَطَعَامَهُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْكَذِبِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَتَحْرِيمِ السَّفَهِ عَلَى الصَّائِمِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى غَيْرِ الصَّائِمِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي حَقِّهِ آكَدُ كَتَأَكُّدِ تَحْرِيمِ الزِّنَا مِنْ الشَّيْخِ وَالْخُيَلَاءِ مِنْ الْفَقِيرِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ (فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ " أَيْ إرَادَةٌ، بَيَانُ عِظَمِ ارْتِكَابِ مَا ذُكِرَ وَأَنَّ صِيَامَهُ كَلَا صِيَامٍ وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ هُنَا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَحَدٍ هُوَ الْغَنِيُّ سُبْحَانَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَقُولُ الْمُغْضِبُ لِمَنْ رَدَّ شَيْئًا عَلَيْهِ لَا حِيلَةَ لِي فِي كَذَا، وَقِيلَ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ ثَوَابَ الصِّيَامِ لَا يُقَاوَمُ فِي حُكْمِ الْمُوَازَنَةِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْعِقَابِ لِمَا ذُكِرَ. هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ سَابَّهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» فَلَا تَشْتُمْ مُبْتَدِئًا وَلَا مُجَاوِبًا. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ» الْمُبَاشَرَةُ الْمُلَامَسَةُ وَقَدْ تَرِدُ بِمَعْنَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ هُنَا (وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنَّهُ أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَمُوَحَّدَةٍ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ مَعْنَاهُ لِعُضْوِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ وَزَادَ) أَيْ مُسْلِمٌ (فِي رِوَايَةٍ فِي رَمَضَانَ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَكُمْ الِاحْتِرَازُ مِنْ الْقُبْلَةِ وَلَا تَتَوَهَّمُوا أَنَّكُمْ مِثْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي اسْتِبَاحَتِهَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَيَأْمَنُ مِنْ وُقُوعِ الْقُبْلَةِ أَنْ يَتَوَلَّدَ عَنْهَا إنْزَالٌ أَوْ شَهْوَةٌ أَوْ هَيَجَانُ نَفْسٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ لَا تَأْمَنُونَ ذَلِكَ فَطَرِيقُكُمْ كَفُّ النَّفْسِ

стр. 545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ «قُلْت لِعَائِشَةَ: أَيُبَاشِرُ الصَّائِمُ؟ قَالَتْ: لَا، قُلْت: أَلَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ؟ قَالَتْ: إنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ اجْتِهَادٌ مِنْهَا وَقِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا تَرَى كَرَاهَةَ الْقُبْلَةِ لِغَيْرِهِ ﷺ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهَا: " أَمْلَكُكُمْ لِإِرْبِهِ " وَفِي كِتَابِ الصِّيَامِ؛ لِأَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ " سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَكَرِهَتْهَا " وَظَاهِرُ حَدِيثِ الْبَابِ جَوَازُ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ لِدَلِيلِ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ وَلِأَنَّهَا ذَكَرَتْ عَائِشَةُ الْحَدِيثَ جَوَابًا عَمَّنْ سَأَلَ عَنْ الْقُبْلَةِ وَهُوَ صَائِمٌ وَجَوَابُهَا قَاضٍ بِالْإِبَاحَةِ مُسْتَدِلَّةً بِمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ﷺ وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ: الْأَوَّلُ - لِلْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ مُطْلَقًا. الثَّانِي - أَنَّهُ مُحَرَّمٌ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فَإِنَّهُ مَنَعَ الْمُبَاشَرَةَ فِي النَّهَارِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا فِي الْآيَةِ الْجِمَاعُ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِعْلُهُ ﷺ كَمَا أَفَادَهُ حَدِيثُ الْبَابِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهَا تُحَرِّمُ الْقُبْلَةَ، وَقَالُوا: إنَّ مَنْ قَبَّلَ بَطَلَ صَوْمُهُ. الثَّالِثُ - أَنَّهُ مُبَاحٌ وَبَالَغَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ فَقَالَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. الرَّابِعُ - التَّفْصِيلُ فَقَالُوا: يُكْرَهُ لِلشَّابِّ وَيُبَاحُ لِلشَّيْخِ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ أَتَاهُ ﷺ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ فَإِذَا الَّذِي رُخِّصَ لَهُ شَيْخٌ وَاَلَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ». (الْخَامِسُ) أَنَّ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ جَازَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ «عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهُ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: إنِّي أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ وَإِلَّا لَبَيَّنَهُ ﷺ لِعُمَرَ لَا سِيَّمَا وَعُمَرُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ تَكْلِيفِهِ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا عَرَفْت أَنَّ الْإِبَاحَةَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ وَيَدُلُّ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: هَشِشْت يَوْمًا فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ، فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْت: صَنَعْت الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفِيمَ». انْتَهَى. قَوْلُهُ هَشِشْت بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ مَعْنَاهُ ارْتَحْت وَخَفَّفْت. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إذَا قَبَّلَ أَوْ نَظَرَ أَوْ بَاشَرَ فَأَنْزَلَ أَوْ أَمْذَى فَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَقْضِي إذَا أَنْزَلَ فِي غَيْرِ النَّظَرِ وَلَا قَضَاءَ فِي الْإِمْذَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ يَقْضِي فِي كُلِّ ذَلِكَ وَيُكَفِّرُ إلَّا فِي الْإِمْذَاءِ فَيَقْضِي فَقَطْ وَثَمَّةُ خِلَافَاتٌ أُخَرُ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا عَلَى مَنْ جَامَعَ وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الْمُجَامِعِ بِهِ بَعِيدٌ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهَا: " وَهُوَ صَائِمٌ " لَا يَدُلُّ أَنَّهُ قَبَّلَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ فِي الْفَرِيضَةِ وَالتَّطَوُّعِ» ثُمَّ سَاقَ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ

стр. 546

٦٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٦٢٤ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يَمَسُّ وَجْهَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ» وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ تَضَادٌّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُ إرْبَهُ وَنُبِّهَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ لِمَنْ هُوَ بِمِثْلِ حَالِهِ وَتَرْكِ اسْتِعْمَالِهِ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ صَائِمَةً عِلْمًا مِنْهُ بِمَا رُكِّبَ فِي النِّسَاءِ مِنْ الضَّعْفِ عِنْدَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهِنَّ. انْتَهَى. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) قِيلَ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ مُفْتَرِقَيْنِ وَأَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فِي إحْرَامِهِ إذَا أُرِيدَ إحْرَامُهُ وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إذْ لَيْسَ فِي رَمَضَانَ وَلَا كَانَ مُحْرِمًا فِي سَفَرِهِ فِي رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ عُمَرِهِ الَّتِي اعْتَمَرَهَا وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنَّهُ صَامَ نَفْلًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُعَرِّفْ ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَصْحَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَذْكُرُونَ صِيَامًا، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ أَخْطَأَ فِيهِ شَرِيكٌ إنَّمَا هُوَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أُجْرَتَهُ وَشَرِيكٌ حَدَّثَ بِهِ مَنْ حَفِظَهُ وَقَدْ سَاءَ حِفْظُهُ فَعَلَى هَذَا الثَّابِتِ إنَّمَا هُوَ الْحِجَامَةُ. وَالْحَدِيثُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ كُلِّ جُمْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَنَّ الْمُرَادَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَقْتٍ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا مَعْرِفَةُ أَنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لَهُ اجْتِمَاعُ الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ، وَأَمَّا تَغْلِيطُ شَرِيكٍ وَانْتِقَالُهُ إلَى ذَلِكَ اللَّفْظِ فَأَمْرٌ بَعِيدٌ وَالْحَمْلُ عَلَى صِحَّةِ لَفْظِ رِوَايَتِهِ مَعَ تَأْوِيلِهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيمَنْ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَالُوا: إنَّ هَذَا نَاسِخٌ لِحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَهُوَ. ٦٢٤ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ فِي رَمَضَانَ

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَقَالَ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ عَنْ سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: إنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ مِنْ حَاجِمٍ وَمَحْجُومٍ لَهُ وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ إلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَتْبَاعُهُ لِحَدِيثِ شَدَّادٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ الْمَحْجُومُ لَهُ وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ هَذَا فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ فَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي أَوْجَبَ الْعَمَلَ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ: إنَّهُ لَا يُفْطِرُ حَاجِمٌ وَلَا مَحْجُومٌ لَهُ فَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ هَذَا بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ حَجِّهِ وَهُوَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَشَدَّادٌ صَحِبَهُ عَامَ الْفَتْحِ كَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَتَوَقِّي الْحِجَامَةِ احْتِيَاطًا أَحَبُّ إلَيَّ. وَيُؤَيِّدُ النَّسْخَ مَا يَأْتِي فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَازِمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: إنَّ حَدِيثَ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ثَابِتٌ بِلَا رَيْبٍ لَكِنْ وَجَدْنَا فِي حَدِيثٍ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَعَنْ الْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ» إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مَا يُؤَيِّدُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» وَالرُّخْصَةُ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْعَزِيمَةِ فَدَلَّ عَلَى النَّسْخِ سَوَاءٌ كَانَ حَاجِمًا أَوْ مَحْجُومًا. وَقِيلَ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَدُلُّ لَهَا حَدِيثُ أَنَسٍ الْآتِي: وَقِيلَ: إنَّمَا قَالَهُ ﷺ فِي خَاصٍّ وَهُوَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَغْتَابَانِ النَّاسَ رَوَاهُ الْوُحَاظِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ " إنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ النَّاسَ» وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ: إنَّهُ أُعْجُوبَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِهِ لَا يَقُولُ: إنَّ الْغِيبَةَ تُفْطِرُ الصَّائِمَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ سَلِمَ مِنْ الْغِيبَةِ؟ لَوْ كَانَتْ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ. وَقَدْ وَجَّهَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْقَوْلَ وَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْطَارَ بِالْغِيبَةِ عَلَى سُقُوطِ أَجْرِ الصَّوْمِ مِثْلُ «قَوْلِهِ ﷺ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ لَا جُمُعَةَ لَهُ» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ سُقُوطَ الْأَجْرِ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِجَعْلِهِ أُعْجُوبَةً كَمَا قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ الْبَغَوِيّ: الْمُرَادُ بِإِفْطَارِهِمَا تَعَرُّضُهُمَا لِلْإِفْطَارِ أَمَّا الْحَاجِمُ فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُصُولَ شَيْءٍ مِنْ الدَّمِ إلَى جَوْفِهِ عِنْدَ الْمَصِّ وَأَمَّا الْمَحْجُومُ فَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ ضَعْفِ قُوَّتِهِ بِخُرُوجِ الدَّمِ فَيَئُولُ إلَى الْإِفْطَارِ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي رَدِّ هَذَا التَّأْوِيلِ: إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ لَهُ» نَصٌّ فِي حُصُولِ الْفِطْرِ لَهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَدَ بَقَاءُ صَوْمِهِمَا وَالنَّبِيُّ ﷺ -

стр. 548

٦٢٥ - «وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ ٦٢٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مُخْبِرٌ عَنْهُمَا بِالْفِطْرِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَطْلَقَ هَذَا الْقَوْلَ إطْلَاقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْرِنَهُ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلَوْ جَازَ أَنْ يُرِيدَ مُقَارَبَةَ الْفِطْرِ دُونَ حَقِيقَةٍ لَكَانَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا لَا تَبْيِينًا لِلْحُكْمِ. انْتَهَى. (قُلْت): وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ: (٦٢٥) - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أَوَّلُ مَا كُرِهَتْ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَفْطَرَ هَذَانِ ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَوَّاهُ) قَالَ: إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ وَلَا تُعْلَمُ لَهُ عِلَّةٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ النَّسْخِ لِحَدِيثِ شَدَّادٍ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اكْتَحَلَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْكُحْلِ لِلصَّائِمِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. انْتَهَى. وَخَالَفَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَا: إنَّهُ يُفْطِرُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» وَإِذَا وَجَدَ طَعْمَهُ فَقَدْ دَخَلَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نَسْلَمُ كَوْنَهُ دَاخِلًا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ بِمَنْفَذٍ وَإِنَّمَا يَصِلُ مِنْ الْمَسَامِّ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُدَلِّكُ قَدَمَيْهِ بِالْحَنْظَلِ فَيَجِدُ طَعْمَهُ فِي فِيهِ لَا يُفْطِرُ وَحَدِيثُ «الْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ» عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَوَصَلَهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ

стр. 549

٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - وَلِلْحَاكِمِ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ» وَهُوَ صَحِيحٌ أَبُو دَاوُد عَنْهُ ﷺ قَالَ فِي الْإِثْمِدِ: " لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ " فَقَالَ أَبُو دَاوُد قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ مُنْكَرٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ " (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِلْحَاكِمِ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ». وَهُوَ صَحِيحٌ وَوُرُودُ لَفْظِ مَنْ أَفْطَرَ يَعُمُّ الْجِمَاعَ وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ لِكَوْنِهِمَا الْغَالِبَ فِي النِّسْيَانِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُهُ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ " فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ " عَلَى أَنَّهُ صَائِمٌ حَقِيقَةً وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَالْبَاقِرِ وَأَحْمَدَ بْنِ عِيسَى وَالْإِمَامِ يَحْيَى وَالْفَرِيقَيْنِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ قَالُوا: لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ رُكْنُ الصَّوْمِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ نَسِيَ رُكْنًا مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ " فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ " بِأَنَّ الْمُرَادَ فَلْيُتِمَّ إمْسَاكَهُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ " فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ " صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ وَعَدَمِ قَضَائِهِ لَهُ وَقَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ إسْقَاطَ الْقَضَاءِ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَالْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَفْتَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ﵇ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَزْمٍ. وَفِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ أَحَادِيثُ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِهَا وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، عَلَى أَنَّهُ مُنَازِعٌ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ مَوْلَاةٍ لِبَعْضِ الصَّحَابِيَّاتِ «أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ثُمَّ تَذَكَّرَتْ أَنَّهَا كَانَتْ صَائِمَةً فَقَالَ لَهَا ذُو الْيَدَيْنِ الْآنَ بَعْدَ مَا شَبِعْت فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : أَتَمِّي صَوْمَك فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْك» وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ " أَنَّ إنْسَانًا جَاءَ إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 550

٦٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ، وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ٦٢٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إلَى مَكَّةَ، فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». فَقَالَ لَهُ: أَصْبَحْت صَائِمًا وَطَعِمْت؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْت عَلَى إنْسَانٍ فَنَسِيت فَطَعِمْت؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنْتَ إنْسَانٌ لَمْ تَتَعَوَّدْ الصِّيَامَ ". (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ سَبَقَهُ وَغَلَبَهُ فِي الْخُرُوجِ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَقَاءَ) أَيْ طَلَبَ الْقَيْءَ بِاخْتِيَارِهِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ " رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ) بِأَنَّهُ غَلَطٌ (وَقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ وَأَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: لَيْسَ مِنْ ذَا بِشَيْءٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُرِيدُ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَقَالَ: يُقَالُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْقَيْءِ الْغَالِبِ لِقَوْلِهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذْ عَدَمُ الْقَضَاءِ فَرْعُ الصِّحَّةِ. وَعَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ مَنْ طَلَبَ الْقَيْءَ وَاسْتَجْلَبَهُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لَهُ قَيْءٌ لَأَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْقَيْءِ يُفْطِرُ (قُلْت) وَلَكِنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَالْهَادِي أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ مُطْلَقًا إلَّا إذَا رَجَعَ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ وَحُجَّتُهُمْ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ: الْقَيْءُ وَالْحِجَامَةُ وَالِاحْتِلَامُ» وَيُجَابُ عَنْهُ بِحَمْلِهِ عَلَى مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَحَمْلًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْخَاصَّ أَرْجَحُ مِنْهُ سَنَدًا فَالْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ عَارَضَتْهُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ.

стр. 551

وَفِي لَفْظٍ «فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْت. فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ. فَشَرِبَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إلَى مَكَّةَ» فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ الْعَاشِرِ مِنْهُ (فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ) بِضَمِّ الْكَافِ فَرَاءٍ آخِرَهُ مُهْمَلَةٍ، وَالْغَمِيمُ بِمُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَهُوَ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ «فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إلَيْهِ فَشَرِبَ» لِيَعْلَمَ النَّاسُ بِإِفْطَارِهِ «ثُمَّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ». وَفِي لَفْظٍ فَقِيلَ: «إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْت فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ لَهُ أَنْ يَصُومَ وَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَأَنَّ لَهُ الْإِفْطَارَ وَإِنْ صَامَ أَكْثَرَ النَّهَارِ وَخَالَفَ فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ دَاوُد وَالْإِمَامِيَّةُ فَقَالُوا: لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَبِقَوْلِهِ " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ " وَقَوْلُهُ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَخَالَفَهُمْ الْجَمَاهِيرُ فَقَالُوا: يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ لِفِعْلِهِ ﷺ وَالْآيَةُ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ وَقَوْلُهُ (أُولَئِكَ الْعُصَاةُ) إنَّمَا هُوَ لِمُخَالَفَتِهِمْ؛ لِأَمْرِهِ بِالْإِفْطَارِ وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ وَإِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَأَمَّا حَدِيثُ " لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ " فَإِنَّمَا قَالَهُ ﵌ فِيمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ نَعَمْ يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ ﵌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُمْ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَاَلَّذِينَ صَامُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ عُصَاةٌ. وَأَمَّا جَوَازُ الْإِفْطَارِ إنْ صَامَ أَكْثَرَ النَّهَارِ فَذَهَبَ أَيْضًا إلَى جَوَازِهِ الْجَمَاهِيرُ وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَهَذَا إذَا نَوَى الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ فَأَمَّا إذَا دَخَلَ فِيهِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمِهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِفْطَارُ وَأَجَازَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ وَالظَّاهِرُ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ. وَأَمَّا الْأَفْضَلُ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِلْمُسَافِرِ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَرَرَ فَإِنْ تَضَرَّرَ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَآخَرُونَ الْفِطْرُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مَنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُ الصَّوْمُ قَالُوا: وَتِلْكَ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى الْمَنْعِ لَكِنَّ حَدِيثَ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْآتِي وَقَوْلُهُ «وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» أَفَادَ بِنَفْيِهِ الْجُنَاحَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَا أَنَّهُ مُحْرِمٌ وَلَا أَفْضَلُ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الصَّوْمَ الْأَفْضَلُ أَنَّهُ كَانَ غَالِبَ فِعْلِهِ ﷺ فِي أَسْفَارِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى الْأَكْثَرِيَّةِ وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ الْمَنْعِ

стр. 552

٦٣٠ - وَعَنْ «حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَجِدُ فِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ. فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَأَصْلُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ ٦٣١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ بِأَنَّهُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الصَّوْمُ وَالْإِفْطَارُ سَوَاءٌ لِتَعَادُلِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» وَظَاهِرُهُ التَّسْوِيَةُ. (وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ) هُوَ أَبُو صَالِحٍ أَوْ مُحَمَّدٌ حَمْزَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَزَايٍ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٍ وَعَائِشَةُ مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَلَهُ ثَمَانُونَ سَنَةً (أَنَّهُ «قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ فِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَصْلُهُ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ) وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ «إنِّي رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ: قَالَ: صُمْ إنْ شِئْت وَأَفْطِرْ إنْ شِئْت» فَفِي هَذَا اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ صَوْمَ الدَّهْرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَأَقَرَّهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي السَّفَرِ فَفِي الْحَضَرِ بِالْأَوْلَى وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يُضْعِفُ بِهِ عَنْ وَاجِبٍ وَلَا يَفُوتُ بِسَبَبِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَيُشْرَطُ فِطْرُهُ الْعِيدَيْنِ وَالتَّشْرِيقَ وَأَمَّا إنْكَارُهُ ﷺ عَلَى ابْنِ عُمَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَلَا يُعَارِضُ هَذَا إلَّا أَنَّهُ عَلِمَ ﷺ أَنَّهُ سَيُضْعِفُ عَنْهُ وَهَكَذَا كَانَ فَإِنَّهُ ضَعُفَ آخِرَ عُمُرِهِ وَكَانَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي قَبِلْت رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ ﷺ يُحِبُّ الْعَمَلَ الدَّائِمَ وَإِنْ قَلَّ وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ. .

стр. 553

٦٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْت يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا أَهْلَكَك؟ قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ. فَقَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ) اعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ فَرْضِ الصِّيَامِ أَنَّ مَنْ شَاءَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَأَفْطَرَ وَمَنْ شَاءَ صَامَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وَقِيلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا هُنَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أَيْ يُكَلَّفُونَهُ وَيَقُولُ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هِيَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْهَرِمَةِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ مَنْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَاحِدٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا قَالَ: زَادَ مِسْكِينًا آخَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ قَالَ: وَلَيْسَتْ مَنْسُوخَةً إلَّا أَنَّهُ رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ " إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ وَفِيهِ أَيْضًا «، لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا إلَّا لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى» قَالَ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَعَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ قَدْرَ الْإِطْعَامِ وَأَنَّهُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ أَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ وَلَا قَضَاءَ " وَأَخْرَجَ مِثْلَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُمَا يُطْعِمَانِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. وَأَخْرَجَ " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ضَعُفَ عَامًا عَنْ الصَّوْمِ فَصَنَعَ جَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ فَدَعَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَشْبَعَهُمْ " وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ السَّلَفِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْإِطْعَامَ لَازِمٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ لِكِبَرٍ مَنْسُوخٌ فِي غَيْرِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ الْإِطْعَامُ مَنْسُوخٌ وَلَيْسَ عَلَى الْكَبِيرِ إذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ إطْعَامٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِطْعَامُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ حَدِيثَهُ مَوْقُوفٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فَغَيَّرَ الصِّيغَةَ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ فَإِنَّ التَّرْخِيصَ إنَّمَا يَكُونُ تَوْقِيفًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَهِمَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ الْآيَةِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ.

стр. 554

جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا فَقَالَ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» رَوَاهُ السَّبْعَةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) هُوَ سَلَمَةُ أَوْ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «هَلَكْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَمَا أَهْلَكَك قَالَ: وَقَعْت عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ قَالَ: هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً بِالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنْ مَا قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» الْجُمْهُورُ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ رُبُعُ صَاعٍ (قَالَ: لَا. ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِيَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مُغَيِّرَ الصِّيغَةِ (النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ثُمَّ قَافٍ (فِيهِ تَمْرٌ) وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَفِي أُخْرَى عِشْرُونَ (فَقَالَ: " تَصَدَّقْ بِهَذَا " فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تَثْنِيَةُ لَابَةٍ وَهُوَ الْحَرَّةُ وَيُقَالُ فِيهَا: لُوبَةٌ وَنُوبَةٌ بِالنُّونِ وَهِيَ غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ «أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» رَوَاهُ السَّبْعَةُ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مُعْسِرًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا فَالْمُعْسِرُ تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ ثَانِيهِمَا لَا تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الرَّقَبَةِ فَإِنَّهَا هُنَا مُطْلَقَةٌ فَالْجُمْهُورُ قَيَّدُوهَا بِالْمُؤْمِنَةِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ قَالُوا: لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِي حُكْمِ الْخِطَابِ الْوَاحِدِ فَيَتَرَتَّبُ فِيهِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ: وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَتُجْزِئُ الرَّقَبَةُ الْكَافِرَةُ: وَقِيلَ: يُفَصَّلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ إذَا اقْتَضَى الْقِيَاسُ التَّقْيِيدَ فَيَكُونُ تَقْيِيدًا بِالْقِيَاسِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ هُنَا هُوَ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ عَنْ ذَنْبٍ مُكَفِّرٍ لِلْخَطِيئَةِ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْأُصُولِ. ثُمَّ الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يُجْزِئُ الْعُدُولُ إلَى الثَّانِي

стр. 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مَعَ إمْكَانِ الْأَوَّلِ وَلَا إلَى الثَّالِثِ مَعَ إمْكَانِ الثَّانِي لِوُقُوعِهِ مُرَتَّبًا فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ التَّرْتِيبَ عَنْ ثَلَاثِينَ نَفْسًا أَوْ أَكْثَرَ وَرِوَايَةُ التَّخْيِيرِ مَرْجُوحَةٌ مَعَ ثُبُوتِ التَّرْتِيبِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَيُؤَيِّدُ رِوَايَةَ التَّرْتِيبِ أَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ شَبِيهَةٌ بِهَا وَقَوْلُهُ: ﴿سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ظَاهِرُ مَفْهُومِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا إطْعَامُ هَذَا الْعَدَدِ فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يُجْزِئُ الصَّرْفُ فِي وَاحِدٍ فَفِي الْقُدُورِيِّ مِنْ كُتُبِهِمْ فَإِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا وَإِنْ أَعْطَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا عَنْ يَوْمِهِ وَقَوْلُهُ: (اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ وَمِنْ قَاعِدَةِ الْكَفَّارَاتِ أَنْ لَا تُصْرَفَ فِي النَّفْسِ لَكِنَّهُ ﷺ خَصَّهُ بِذَلِكَ وَرَدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْكَفَّارَةَ سَاقِطَةٌ عَنْهُ لِإِعْسَارِهِ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵇: «كُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُك فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْك» إلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ وَاَلَّذِي أَعْطَاهُ ﷺ صَدَقَةً عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ لِمَا عَرَفَهُ ﷺ مِنْ حَاجَتِهِمْ. وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ: إنَّ الْكَفَّارَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ أَصْلًا لَا عَلَى مُوسِرٍ وَلَا مُعْسِرٍ قَالُوا: لِأَنَّهُ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا جَازَ ذَلِكَ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ نَاهِضٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ وَإِبَاحَةُ الْأَكْلِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَفَّارَةٌ بَلْ فِيهَا الِاحْتِمَالَاتُ الَّتِي سَلَفَتْ. وَاسْتَدَلَّ الْمَهْدِيُّ فِي الْبَحْرِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ «بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْمُجَامِعِ: اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» وَلَمْ يَذْكُرْهَا. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ رِوَايَةُ الْأَمْرِ بِهَا عِنْدَ السَّبْعَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُنَا. وَاعْلَمْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِقَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي جَامَعَ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «كُلْهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِك وَصُمْ يَوْمًا وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ» وَإِلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (وَفِي) قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: إنَّهُ لَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ لَا غَيْرُ. (وَأُجِيبَ): بِأَنَّهُ اتَّكَلَ ﷺ عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ الْآيَةِ. هَذَا حُكْمٌ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي جَامَعَهَا فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا قَالُوا: وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ وَاعْتِرَافُ الزَّوْجِ لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا الْحُكْمَ أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً بِأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً مِنْ الْحَيْضِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، أَوْ أَنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ أَيْضًا لِمَا عُلِمَ مِنْ تَعْمِيمِ الْأَحْكَامِ أَوْ أَنَّهُ عَرَفَ فَقْرَهَا كَمَا ظَهَرَ مِنْ حَالِ زَوْجِهَا (وَاعْلَمْ) أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: إنَّهُ قَدْ اعْتَنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَ شُيُوخَنَا

стр. 556

٦٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: وَلَا يَقْضِي ٦٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةٍ. انْتَهَى، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ كِفَايَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَقَدْ طَوَّلَ الشَّارِحُ فِيهِ نَاقِلًا مِنْ فَتْحِ الْبَارِي. (وَعَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلَا يَقْضِي) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ صَوْمِ مَنْ أَصْبَحَ أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ إجْمَاعٌ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ - صَلَاةِ الصُّبْحِ - وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ يَوْمَهُ» وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْهُ لَمَّا رُوِيَ لَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَفْتَى بِقَوْلِهِمَا وَيَدُلُّ لِلنَّسْخِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكنِي الصَّلَاةُ أَيْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَأَنَا جُنُبٌ فَقَالَ النَّبِيُّ: وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ. قَالَ: لَسْت مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» وَقَدْ ذَهَبَ إلَى النَّسْخِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِهِ ﷺ وَرَدَّ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَقْوَى سَنَدًا حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّهُ صَحَّ وَتَوَاتَرَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِهِ وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ أَقَلُّ وَمَعَ التَّعَارُضِ يُرَجَّحُ لِقُوَّةِ الطَّرِيقِ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ

стр. 557

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلِيُّهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْمَيِّتَ صِيَامُ وَلِيِّهِ عَنْهُ إذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ وَالْإِخْبَارُ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ أَيْ لِيَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْوُجُوبُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ادَّعَى الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لِلنَّدْبِ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَوْلَى كُلُّ قَرِيبٍ وَقِيلَ: الْوَارِثُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: عَصَبَتُهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَقَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: إنَّهُ يُجْزِئُ صَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْ الْمَيِّتِ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْآلِ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا صِيَامَ عَنْ الْمَيِّتِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الْكَفَّارَةُ لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ أُطْعِمَ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ الْفُتْيَا بِالْإِطْعَامِ وَلِأَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهَا مُكَلَّفٌ وَالْحَجُّ مَخْصُوصٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْآثَارَ الْمَرْوِيَّةَ مِنْ فُتْيَا عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لَا تُقَاوِمُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. وَأَمَّا قِيَامُ مُكَلَّفٍ بِعِبَادَةٍ عَنْ غَيْرِهِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَجِّ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ فَيَثْبُتُ فِي الصَّوْمِ بِهِ فَلَا عُذْرَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ، وَاعْتِذَارُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْهُ بِعَدَمِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُمْ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ حُجَّةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ، وَكَذَلِكَ اعْتِذَارُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الرَّاوِيَ أَفْتَى بِخِلَافِ مَا رَوَى عُذْرٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ إذْ الْعِبْرَةُ بِمَا يَرْوِي لَا بِمَا رَأَى كَمَا عُرِفَ فِيهَا أَيْضًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الصِّيَامِ عَنْ الْمَيِّتِ هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ أَوْ لَا فَقِيلَ: لَا يَخْتَصُّ بِالْوَلِيِّ بَلْ لَوْ صَامَ عَنْهُ الْأَجْنَبِيُّ بِأَمْرِهِ أَجْزَأَ كَمَا فِي الْحَجِّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْوَلِيَّ فِي الْحَدِيثِ لِلْغَالِبِ وَقِيلَ: يَصِحُّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ بِغَيْرِ أَمْرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَبَّهَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالدَّيْنِ حَيْثُ قَالَ: «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» فَكَمَا أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَخْتَصُّ بِقَضَائِهِ الْقَرِيبُ فَالصَّوْمُ مِثْلُهُ وَلِلْقَرِيبِ أَنْ يَسْتَنِيبَ.

стр. 558

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ ٦٣٥ - عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ، وَبُعِثْت فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٦٣٦ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْت فِيهِ أَوْ بُعِثْت فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) قَدْ اُسْتُشْكِلَ تَكْفِيرُ مَا لَمْ يَقَعْ وَهُوَ ذَنْبُ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُوَفِّقَ فِيهَا لِعَدَمِ الْإِتْيَانِ بِذَنْبٍ وَسَمَّاهُ تَكْفِيرًا لِمُنَاسَبَةِ الْمَاضِيَةِ أَوْ أَنَّهُ إنْ أَوْقَعَ فِيهِ ذَنْبًا وَفَّقَ لِلْإِتْيَانِ بِمَا يُكَفِّرُهُ. وَأَمَّا صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ فَإِنَّهُ كَانَ وَاجِبًا قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ ثُمَّ صَارَ بَعْدَهُ مُسْتَحَبًّا. وَأَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَعَلَّلَ ﷺ شَرْعِيَّةَ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ بِأَنَّهُ وُلِدَ فِيهِ أَوْ بُعِثَ فِيهِ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَكَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَقَدْ اُتُّفِقَ أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ فِيهِ وَبُعِثَ فِيهِ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَعْظِيمُ الْيَوْمِ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ فِيهِ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً بِصَوْمِهِ وَالتَّقَرُّبُ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمَامَةَ تَعْلِيلُ «صَوْمِهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ بِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعْرَضُ فِيهِ الْأَعْمَالُ وَأَنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلُهُ وَهُوَ صَائِمٌ» وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ التَّعْلِيلَيْنِ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا» هَكَذَا وَرَدَ مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّ مُمَيَّزَهُ أَيَّامٌ وَهِيَ مُذَكَّرٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْعَدَدِ إذَا لَمْ يُذَكَّرْ مُمَيَّزُهُ جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ النُّحَاةُ (مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ "

стр. 559

٦٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَوَاهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْآلِ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ (وَقَالَ) مَالِكٌ يُكْرَهُ صَوْمُهَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَا رَأَى أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهَا وَلِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهَا (وَالْجَوَابُ) أَنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ النَّصِّ بِذَلِكَ لَا حُكْمَ لِهَذِهِ التَّعْلِيلَاتِ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ يَعْنِي حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَاعْلَمْ أَنَّ أَجْرَ صَوْمِهَا يَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُتَوَالِيَةً وَمَنْ صَامَهَا عَقِيبَ الْعِيدِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ مُتَفَرِّقًا فَهُوَ جَائِزٌ (قُلْت): وَلَا دَلِيلَ عَلَى اخْتِيَارِ كَوْنِهَا مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ إذْ مَنْ أَتَى بِهَا فِي شَوَّالٍ فِي أَيِّ أَيَّامِهِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَتْبَعَ رَمَضَانَ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَرَمَضَانُ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ وَسِتٌّ مِنْ شَوَّالٍ بِشَهْرَيْنِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ الدَّهْرِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ (وَاعْلَمْ): أَنَّهُ قَالَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ: إنَّهُ قَدْ طَعَنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا فَهْمَ لَهُ مُغْتَرًّا بِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ حَسَنٌ يُرِيدُ فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَخِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ (قُلْت): وَوَجْهُ الِاغْتِرَارِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَصِفْهُ بِالصِّحَّةِ بَلْ بِالْحُسْنِ وَكَأَنَّهُ فِي نُسَخِهِ وَاَلَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ سِيَاقِهِ لِلْحَدِيثِ مَا لَفْظُهُ: قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ قَالَ: وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هُوَ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، انْتَهَى (قُلْت): قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: إنَّهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: سَعِيدٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ. انْتَهَى ثُمَّ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ وَقَدْ اعْتَنَى شَيْخُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الدِّمْيَاطِيُّ بِجَمْعِ طُرُقِهِ فَأَسْنَدَهُ عَنْ بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا رَوَوْهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ وَأَكْثَرُهُمْ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ مِنْهُمْ السُّفْيَانَانِ وَتَابَعَ سَعْدًا عَلَى رِوَايَتِهِ أَخُوهُ يَحْيَى وَعَبْدُ رَبِّهِ وَصَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ وَغَيْرُهُمْ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ثَوْبَانُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَعَائِشَةُ وَلَفْظُ ثَوْبَانَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرُهُ بِعَشَرَةٍ وَمَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ صِيَامُ السَّنَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ.

стр. 560

«مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ ٦٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ إذَا أُطْلِقَ يُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ إلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الصَّوْمِ فِي الْجِهَادِ مَا لَمْ يَضْعُفْ بِسَبَبِهِ عَنْ قِتَالِ عَدُوِّهِ وَكَانَ فَضِيلَةً، ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ جِهَادِ عَدُوِّهِ وَجِهَادِ نَفْسِهِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَشَهْوَتِهِ، وَكَنَّى بِقَوْلِهِ: «بَاعَدَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» عَنْ سَلَامَتِهِ مِنْ عَذَابِهَا. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ شَهْرًا قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ»: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَوْمَهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِشَهْرٍ دُونَ شَهْرٍ وَأَنَّهُ كَانَ ﷺ يَسْرُدُ الصِّيَامَ أَحْيَانًا وَيَسْرُدُ الْفِطْرَ أَحْيَانًا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ تَجَرُّدِهِ عَنْ الْأَشْغَالِ فَيُتَابِعُ الصَّوْمَ وَمِنْ عَكْسِ ذَلِكَ فَيُتَابِعُ الْإِفْطَارَ. وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَخُصُّ شَعْبَانَ بِالصَّوْمِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ نَبَّهَتْ عَائِشَةُ عَلَى عِلَّةِ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهَا «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ فَرُبَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعُ صَوْمُ السَّنَةِ فَيَصُومُ شَعْبَانَ» وَفِيهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقِيلَ: كَانَ يَصُومُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ فَقَالَ: شَعْبَانُ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِيهِ صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى وَهُوَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقِيلَ: كَانَ يَصُومُهُ «؛ لِأَنَّهُ شَهْرٌ يَغْفُلُ عَنْهُ النَّاسُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ» كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ

стр. 561

٦٣٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَك تَصُومُ فِي شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ فِي شَعْبَانَ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ فِيهِ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ لِهَذِهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا وَقَدْ عُورِضَ حَدِيثُ «إنَّ صَوْمَ شَعْبَانَ أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ» بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ» وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَحَافَظَ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ صِيَامِهِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرُ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ تَفْضِيلَ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَفَضْلُ شَعْبَانَ مُطْلَقًا وَأَمَّا عَدَمُ إكْثَارِهِ لِصَوْمِ الْمُحَرَّمِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ آخِرَ عُمُرِهِ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «فَإِنْ كُنْت صَائِمًا فَصُمْ الْغُرَّ أَيْ الْبِيضَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عَنْ النَّسَائِيّ «فَإِنْ كُنْت صَائِمًا فَصُمْ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مَلْحَانَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ثَلَاثِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ» الْحَدِيثُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُطْلَقَةً وَمُبَيِّنَةً بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ. وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عِدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا يُبَالِي فِي أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ» وَأَمَّا الْمُبَيِّنَةُ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ فَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مِنْ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا دَالَّةٌ عَلَى نَدْبِيَّةِ صَوْمِ كُلِّ مَا وَرَدَ وَكُلٌّ مِنْ

стр. 562

٦٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُد " غَيْرَ رَمَضَانَ " ٦٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٤٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ الرُّوَاةِ حَكَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَوَصَّى بِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ. وَأَمَّا فِعْلُهُ ﷺ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُشْغِلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ وَقَدْ عَيَّنَ الشَّارِعُ أَيَّامَ الْبِيضِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي يُنْدَبُ صَوْمُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَقْوَالٌ عَشْرَةٌ سَرْدُهَا فِي الشَّرْحِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ الْمُزَوَّجَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ) أَيْ حَاضِرٌ (إلَّا بِإِذْنِهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ زَادَ أَبُو دَاوُد غَيْرَ رَمَضَانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِحَقِّ الزَّوْجِ مِنْ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ وَأَمَّا رَمَضَانُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَوْ صَامَتْ النَّفَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَتْ فَاعِلَةً لِمُحَرَّمٍ. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْم هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ وَقِيلَ: يَصُومُ مَكَانَهَا عَنْهُمَا. (وَعَنْ نُبَيْشَةَ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ

стр. 563

٦٤٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ يُقَالُ لَهُ: نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الْهُذَلِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقِيلَ: يَوْمَانِ بَعْدَ النَّحْرِ «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَصَلَاةٍ فَلَا يَصُومُهَا أَحَدٌ». وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو فِي قِصَّتِهِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَاهُمْ عَنْ صِيَامِهَا» أَيْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» الْبِعَالُ مُوَاقَعَةُ النِّسَاءِ وَالْحَدِيثُ وَمَا سُقْنَاهُ فِي مَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ وَلَا غَيْرُهُ وَجَعَلُوهُ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِيمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَالْحَدِيثُ خَاصٌّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُمُومٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ فَيُرَجَّحُ خُصُوصُهَا لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ وَأَنَّ ذَاتَهَا بِاعْتِبَارِ مَا هِيَ مُؤَهَّلَةٌ لَهُ كَأَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِلصَّوْمِ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ الْفَاقِدُ لِلْهَدْيِ كَمَا يُفِيدُهُ سِيَاقُ الْآيَةِ وَرِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالُوا: وَلَا يَصُومُهَا الْقَارِنُ وَالْمُحْصَرُ إذَا فَقَدَ الْهَدْيَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ وَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَهُوَ الْمُحْصَرُ وَالْقَارِنُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِمَا أَفَادَهُ: (٦٤٣) - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جَائِزٌ رُخْصَةً لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَكَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا أَوْ مُحْصَرًا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَاعِلَ يُرَخَّصُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ. ثَالِثًا أَنَّهُ إنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى عَهْدِهِ ﷺ كَانَ حُجَّةً وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالْفَاعِلِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ إلَّا أَنَّهَا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهَا «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَمَتِّعِ

стр. 564

٦٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ» إلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْمُتَمَتِّعَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ فِعْلِ عَائِشَةَ وَأَبِي بَكْرٍ وَفُتْيَا لِعَلِيٍّ ﵇ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَنْهَضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِالْعِبَادَةِ بِصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ كَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ فَإِنَّهُ وَرَدَ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِرَاءَتِهَا وَسُوَرٍ أُخَرَ وَرَدَتْ بِهَا أَحَادِيثُ فِيهَا مَقَالٌ. وَقَدْ دَلَّ هَذَا بِعُمُومِهِ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُهَا لَكَانَ مُخَصِّصًا لَهَا مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ لَكِنَّ حَدِيثَهَا تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ وَحَكَمُوا بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّفْلِ بِصَوْمِ يَوْمِهَا مُنْفَرِدًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ الْعِيدِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ الْعِيدِ وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ إفْرَادِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ لِلتَّنْزِيهِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ فَكَانَ فِعْلُهُ ﷺ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال. وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ كَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدِكُمْ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنْ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَلَا يَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ " وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَالْعِيدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ تَزُولُ حُرْمَةُ صَوْمِهِ بِصِيَامِ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ:

стр. 565

٦٤٥ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٤٦ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ. ٦٤٧ - وَعَنْ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى زَوَالِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ لِحِكْمَةٍ لَا نَعْلَمُهَا فَلَوْ أَفْرَدَهُ بِالصَّوْمِ وَجَبَ فِطْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ لَهَا: أَصُمْت أَمْسِ قَالَتْ: لَا. قَالَ: تَصُومِينَ غَدًا قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَفْطِرِي» وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا اسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قُلْت: وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ: إنَّهُ صَدُوقٌ وَرُبَّمَا وَهِمَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ انْتِصَافِهِ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ " إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا مُعْتَادًا " كَمَا تَقَدَّمَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَى التَّحْرِيمِ لِهَذَا النَّهْيِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ بِمَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَكَأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كَانَ الْقَوْلُ مُقَدَّمًا
следующие страницы →