← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٦٣٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَك تَصُومُ فِي شَهْرٍ مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ فِي شَعْبَانَ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ فِيهِ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» قُلْت: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ لِهَذِهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا وَقَدْ عُورِضَ حَدِيثُ «إنَّ صَوْمَ شَعْبَانَ أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ» بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ» وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَفْضَلَ لَحَافَظَ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ صِيَامِهِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ أَكْثَرُ صِيَامِهِ فِي شَعْبَانَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ تَفْضِيلَ صَوْمِ الْمُحَرَّمِ بِالنَّظَرِ إلَى الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَفَضْلُ شَعْبَانَ مُطْلَقًا وَأَمَّا عَدَمُ إكْثَارِهِ لِصَوْمِ الْمُحَرَّمِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ: لِأَنَّهُ إنَّمَا عَلِمَ ذَلِكَ آخِرَ عُمُرِهِ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ: (ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) الْحَدِيثُ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «فَإِنْ كُنْت صَائِمًا فَصُمْ الْغُرَّ أَيْ الْبِيضَ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عَنْ النَّسَائِيّ «فَإِنْ كُنْت صَائِمًا فَصُمْ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مَلْحَانَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ» وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ثَلَاثِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ» الْحَدِيثُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُطْلَقَةً وَمُبَيِّنَةً بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ. وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَصُومُ عِدَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا يُبَالِي فِي أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ» وَأَمَّا الْمُبَيِّنَةُ بِغَيْرِ الثَّلَاثِ فَهِيَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مِنْ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فَإِنَّهَا كُلَّهَا دَالَّةٌ عَلَى نَدْبِيَّةِ صَوْمِ كُلِّ مَا وَرَدَ وَكُلٌّ مِنْ

стр. 562

٦٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُد " غَيْرَ رَمَضَانَ " ٦٤١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٤٢ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ الرُّوَاةِ حَكَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَوَصَّى بِهِ أَوْلَى وَأَفْضَلُ. وَأَمَّا فِعْلُهُ ﷺ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُشْغِلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ وَقَدْ عَيَّنَ الشَّارِعُ أَيَّامَ الْبِيضِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَعْيِينِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الَّتِي يُنْدَبُ صَوْمُهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَقْوَالٌ عَشْرَةٌ سَرْدُهَا فِي الشَّرْحِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " قَالَ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ الْمُزَوَّجَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ) أَيْ حَاضِرٌ (إلَّا بِإِذْنِهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ زَادَ أَبُو دَاوُد غَيْرَ رَمَضَانَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِحَقِّ الزَّوْجِ مِنْ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ وَأَمَّا رَمَضَانُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَرِهَ الزَّوْجُ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَلَوْ صَامَتْ النَّفَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَتْ فَاعِلَةً لِمُحَرَّمٍ. (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْم هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ فَلَوْ نَذَرَ صَوْمَهُمَا لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ وَقِيلَ: يَصُومُ مَكَانَهَا عَنْهُمَا. (وَعَنْ نُبَيْشَةَ) بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ

стр. 563

٦٤٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ يُقَالُ لَهُ: نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الْهُذَلِيُّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقِيلَ: يَوْمَانِ بَعْدَ النَّحْرِ «أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَصَلَاةٍ فَلَا يَصُومُهَا أَحَدٌ». وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرٍو فِي قِصَّتِهِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَاهُمْ عَنْ صِيَامِهَا» أَيْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» الْبِعَالُ مُوَاقَعَةُ النِّسَاءِ وَالْحَدِيثُ وَمَا سُقْنَاهُ فِي مَعْنَاهُ دَالٌّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ صَوْمِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ وَلَا غَيْرُهُ وَجَعَلُوهُ مُخَصَّصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾؛ لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِيمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَا بَعْدَهُ، وَالْحَدِيثُ خَاصٌّ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ عُمُومٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ فَيُرَجَّحُ خُصُوصُهَا لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ وَأَنَّ ذَاتَهَا بِاعْتِبَارِ مَا هِيَ مُؤَهَّلَةٌ لَهُ كَأَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِلصَّوْمِ، وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ الْفَاقِدُ لِلْهَدْيِ كَمَا يُفِيدُهُ سِيَاقُ الْآيَةِ وَرِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالُوا: وَلَا يَصُومُهَا الْقَارِنُ وَالْمُحْصَرُ إذَا فَقَدَ الْهَدْيَ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ وَمَنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَهُوَ الْمُحْصَرُ وَالْقَارِنُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِمَا أَفَادَهُ: (٦٤٣) - وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ جَائِزٌ رُخْصَةً لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَكَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا أَوْ مُحْصَرًا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فَاعِلَ يُرَخَّصُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ. ثَالِثًا أَنَّهُ إنْ أَضَافَ ذَلِكَ إلَى عَهْدِهِ ﷺ كَانَ حُجَّةً وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالْفَاعِلِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ إلَّا أَنَّهَا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَلَفْظُهَا «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْمُتَمَتِّعِ

стр. 564

٦٤٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ إذَا لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ» إلَّا أَنَّهُ خَصَّ الْمُتَمَتِّعَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ فِعْلِ عَائِشَةَ وَأَبِي بَكْرٍ وَفُتْيَا لِعَلِيٍّ ﵇ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَنْهَضُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ تَخْصِيصِ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِالْعِبَادَةِ بِصَلَاةٍ وَتِلَاوَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ إلَّا مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ كَقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ فَإِنَّهُ وَرَدَ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِرَاءَتِهَا وَسُوَرٍ أُخَرَ وَرَدَتْ بِهَا أَحَادِيثُ فِيهَا مَقَالٌ. وَقَدْ دَلَّ هَذَا بِعُمُومِهِ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الرَّغَائِبِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُهَا لَكَانَ مُخَصِّصًا لَهَا مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ لَكِنَّ حَدِيثَهَا تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ وَحَكَمُوا بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ النَّفْلِ بِصَوْمِ يَوْمِهَا مُنْفَرِدًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ الْعِيدِ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ صَوْمِ الْعِيدِ وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ إفْرَادِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ لِلتَّنْزِيهِ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ فَكَانَ فِعْلُهُ ﷺ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال. وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ حِكْمَةِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ كَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدِكُمْ» وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵇ قَالَ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَطَوِّعًا مِنْ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَلَا يَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَوْمُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَذِكْرٍ " وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَالْعِيدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَإِنَّهُ تَزُولُ حُرْمَةُ صَوْمِهِ بِصِيَامِ يَوْمٍ قَبْلَهُ وَيَوْمٍ بَعْدَهُ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ:

стр. 565

٦٤٥ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٤٦ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ. ٦٤٧ - وَعَنْ الصَّمَّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى زَوَالِ تَحْرِيمِ صَوْمِهِ لِحِكْمَةٍ لَا نَعْلَمُهَا فَلَوْ أَفْرَدَهُ بِالصَّوْمِ وَجَبَ فِطْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ «جُوَيْرِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقَالَ لَهَا: أَصُمْت أَمْسِ قَالَتْ: لَا. قَالَ: تَصُومِينَ غَدًا قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَفْطِرِي» وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ) وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا اسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قُلْت: وَهُوَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ: إنَّهُ صَدُوقٌ وَرُبَّمَا وَهِمَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّوْمِ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ انْتِصَافِهِ وَلَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ " إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا مُعْتَادًا " كَمَا تَقَدَّمَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَى التَّحْرِيمِ لِهَذَا النَّهْيِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ بِمَنْ يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ وَكَأَنَّهُمْ اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ» وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ كَانَ الْقَوْلُ مُقَدَّمًا

стр. 566

تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ عِنَبٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ مَنْسُوخٌ ٦٤٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ. (وَعَنْ الصَّمَّاءِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بِنْتِ بُسْرٍ بِالْمُوَحَّدَةِ مَضْمُومَةٌ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ اسْمُهَا بُهَيَّةُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَقِيلَ: اسْمُهَا بُهَيْمَةُ بِزِيَادَةِ الْمِيمِ هِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَوَى عَنْهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ» بِفَتْحِ اللَّامِ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ (عِنَبٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ فَمُوَحَّدَةٍ الْفَاكِهَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَالْمُرَادُ قِشْرُهُ (أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهَا) أَيْ يَطْعَمْهَا لِلْفِطْرِ بِهَا (رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ وَقَالَ أَبُو دَاوُد: هُوَ مَنْسُوخٌ) أَمَّا الِاضْطِرَابُ فَلِأَنَّهُ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ وَقِيلَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أُخْتِهِ قِيلَ: وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ بُسْرٍ وَقِيلَ عَنْ الصَّمَّاءِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُخْتِهِ وَعِنْدَ أُخْتِهِ بِوَاسِطَةٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ صَحِيحَةٌ وَقَدْ رَجَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ الطَّرِيقَ الْأُولَى وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَكِنَّ هَذَا التَّلَوُّنَ فِي الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ بِإِسْنَادِ الْوَاحِدِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَخْرَجِ يُوهِي الرِّوَايَةَ وَيُنْبِئُ بِقِلَّةِ الضَّبْطِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِجَمْعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى قِلَّةِ الضَّبْطِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ بَلْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الرَّاوِي أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ وَأَمَّا إنْكَارُ مَالِكٍ لَهُ فَإِنَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ مَالِكٍ: إنَّهُ قَالَ: هَذَا كَذِبٌ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي دَاوُد: إنَّهُ مَنْسُوخٌ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ نَاسِخَهُ قَوْلُهُ. ٦٤٨ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهَذَا لَفْظُهُ.

стр. 567

٦٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مَا كَانَ يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ وَكَانَ يَقُولُ: إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَهَذَا لَفْظُهُ فَالنَّهْيُ عَنْ صَوْمِهِ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ حَيْثُ كَانَ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ كَانَ آخِرَ أَمْرِهِ ﷺ مُخَالَفَتَهُمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ، وَقِيلَ: بَلْ النَّهْيُ كَانَ عَنْ إفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ إلَّا إذَا صَامَ مَا قَبْلَهُ أَوْ مَا بَعْدَهُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ وَمِنْ الشَّهْرِ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ» وَحَدِيثُ الْكِتَابِ دَالٌّ عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ مُخَالَفَةً؛ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَظَاهِرُهُ صَوْمُ كُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالِاجْتِمَاعِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَاسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ)؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ مَهْدِيًّا الْهَجَرِيَّ ضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ الرَّاوِي عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قُلْت فِي الْخُلَاصَةِ: إنَّهُ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: لَا أَعْرِفُهُ وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَصَحَّحَ حَدِيثَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ فِي الْمَعْنَى وَأَمَّا الرَّاوِي عَنْهُ فَإِنَّهُ حَوْشَبُ بْنُ عَبْدَلٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّقْرِيبِ: إنَّهُ ثِقَةٌ، وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: يَجِبُ إفْطَارُهُ عَلَى الْحَاجِّ، وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَضْعُفْ عَنْ الدُّعَاءِ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إفْطَارُهُ. وَأَمَّا هُوَ ﷺ فَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ مُفْطِرًا فِي حَجَّتِهِ وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ تَرْكُهُ الصَّوْمَ عَلَى تَحْرِيمِهِ (نَعَمْ) يَدُلُّ؛ لِأَنَّ الْإِفْطَارَ هُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْرِيعِ وَالتَّبْلِيغِ بِالْفِعْلِ وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ التَّحْرِيمُ؛ لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّهْيِ.

стр. 568

٦٥٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٦٥١ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: " لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ " (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ قَالَ شَارِحُ الْمَصَابِيحِ فُسِّرَ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِ زَجْرًا لَهُ عَنْ صَنِيعِهِ وَالْآخَرُ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ بِمُكَابَدَةِ سُورَةِ الْجُوعِ وَحَرِّ الظَّمَأِ لِاعْتِيَادِهِ الصَّوْمَ حَتَّى خَفَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الصَّبْرِ عَلَى الْجَهْدِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَصُمْ وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ فَضِيلَةُ الصَّوْمِ وَيُؤَيِّدُ أَنَّهُ لِلْإِخْبَارِ قَوْلُهُ. ٦٥١ - وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: " لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ " (وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ " لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ ") وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ عَنْهُ بِلَفْظِ " لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ " قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنْ كَانَ دُعَاءً فَيَا وَيْحَ مَنْ دَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْخَبَرَ فَيَا وَيْحَ مَنْ أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَصُمْ وَإِذَا لَمْ يَصُمْ شَرْعًا فَكَيْفَ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابٌ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِيَامِ الْأَبَدِ فَقَالَ بِتَحْرِيمِهِ طَائِفَةٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إلَى جَوَازِهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ صَامَهُ مَعَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ مَرْدُودٌ بِنَهْيِهِ ﷺ لِابْنِ عَمْرٍو عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقًّا وَلِأَهْلِهِ حَقًّا وَلِضَيْفِهِ حَقًّا وَلِقَوْلِهِ «أَمَّا أَنَا فَأَصُومُ وَأُفْطِرُ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» فَالتَّحْرِيمُ هُوَ الْأَوْجُهُ دَلِيلًا وَمِنْ أَدِلَّتِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ وَعُقِدَ بِيَدِهِ» قَالَ الْجُمْهُورُ: يُسْتَحَبُّ صَوْمُ الدَّهْرِ لِمَنْ لَا يُضْعِفُهُ عَنْ حَقِّهِ وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ النَّهْيِ تَأْوِيلًا غَيْرَ رَاجِحٍ وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّهُ ﷺ شَبَهُ صَوْمِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَعَ رَمَضَانَ وَشَبَهُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِصَوْمِ الدَّهْرِ فَلَوْلَا أَنَّ صَاحِبَهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ لَمَّا شُبِّهَ بِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَإِنَّهَا تُغْنِي عَنْهُ كَمَا أَغْنَتْ الْخَمْسُ الصَّلَوَاتُ عَنْ الْخَمْسِينَ الصَّلَاةِ

стр. 569

باب الاعتكاف وقيام رمضان ٦٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الَّتِي قَدْ كَانَتْ فُرِضَتْ مَعَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا أَحَدٌ لِوُجُوبِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَوَابًا بَلْ يَسْتَحِقَّ الْعِقَابَ نَعَمْ أَخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَقَدْ وَهَبَ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ » إلَّا أَنَّا لَا نَدْرِي مَا صِحَّتُهُ. الِاعْتِكَافُ لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ وَشَرْعًا الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (وَقِيَامُ رَمَضَانَ) أَيْ قِيَامُ لَيَالِيِهِ مُصَلِّيًا أَوْ تَالِيًا قَالَ النَّوَوِيُّ قِيَامُ رَمَضَانَ يَحْصُلُ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِغْرَاقُ كُلِّ اللَّيْلِ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ فِيهِ وَيَأْتِي مَا فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا) أَيْ تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ لِلثَّوَابِ (وَاحْتِسَابًا) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ كَاَلَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ أَيْ طَلَبًا لِوَجْهِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ، وَالِاحْتِسَابُ مِنْ الْحَسَبِ كَالِاعْتِدَادِ مِنْ الْعَدَدِ وَإِنَّمَا قِيلَ فِيمَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ احْتَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْتَدَّ عَمَلَهُ فَجَعَلَ فِي حَالِ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُرِيدُ قِيَامَ جَمِيعِ لَيَالِيِهِ وَأَنَّ مَنْ قَامَ بَعْضَهَا لَا يَحْصُلُ لَهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِطْلَاقُ الذَّنْبِ شَامِلٌ لِلْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالصَّغَائِرِ وَبِهِ جَزَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَسَبَهُ عِيَاضٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُغْفَرُ الْكَبَائِرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ وَقَدْ زَادَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ " مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ " وَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ وَأُخْرِجَتْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى مَغْفِرَةِ الذَّنْبِ الْمُتَأَخِّرِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ قِيَامِ رَمَضَانَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ

стр. 570

٦٥٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ - أَيْ الْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٥٤ - وَعَنْهَا ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِصَلَاةِ الْوِتْرِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَمَا كَانَ ﷺ يَفْعَلُهُ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ كَمَا سَلَفَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَمَّا التَّرَاوِيحُ عَلَى مَا اُعْتِيدَ الْآنَ فَلَمْ تَقَعْ فِي عَصْرِهِ ﷺ إنَّمَا كَانَ ابْتَدَعَهَا عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ وَأَمَرَ أُبَيًّا أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ وَاخْتُلِفَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِهِ أُبَيٌّ فَقِيلَ: كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرُوِيَ إحْدَى وَعِشْرُونَ وَرُوِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَيْ الْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ» هَذَا التَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي (شَدَّ مِئْزَرَهُ) أَيْ اعْتَزَلَ النِّسَاءَ (وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ " شَدَّ مِئْزَرَهُ ": إنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ التَّشْمِيرِ لِلْعِبَادَةِ، قِيلَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَدَّ مِئْزَرَهُ جَمَعَهُ فَلَمْ يَحْلِلْهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ وَشَمَّرَ لِلْعِبَادَةِ إلَّا أَنَّهُ يُبْعِدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ بِلَفْظِ " فَشَدَّ مِئْزَرَهُ وَاعْتَزَلَ النِّسَاءَ " فَإِنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ وَإِيقَاعُ الْإِحْيَاءِ عَلَى اللَّيْلِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِكَوْنِهِ زَمَانًا لِلْإِحْيَاءِ نَفْسِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ السَّهَرُ، وَقَوْلُهُ (أَيْقَظَ أَهْلَهُ) أَيْ لِلصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ ﷺ آخِرَ رَمَضَانَ لِقُرْبِ خُرُوجِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَيَجْتَهِدُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ خَاتِمَةُ الْعَمَلِ وَالْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا. ٦٥٤ - وَعَنْهَا ﵂، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ سُنَّةٌ وَاظَبَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ لَا أَعْلَمُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا أَنَّ الِاعْتِكَافَ مَسْنُونٌ وَأَمَّا الْمَقْصُودُ مِنْهُ فَهُوَ جَمْعُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَلْوَةِ مَعَ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ تَعَالَى وَالتَّنَعُّمُ بِذِكْرِهِ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا عَدَاهُ.

стр. 571

٦٥٥ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٥٦ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلَ عَلَيَّ رَأْسَهُ - وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ٦٥٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا نَهَارًا وَقَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا لَيْلًا وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ وَهُوَ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاتِهِ الْفَجْرَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي أَعَدَّهُ لِاعْتِكَافِهِ. (قُلْت) وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ فَإِنَّهَا كَانَتْ عَادَتُهُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ إلَّا عِنْدَ الْإِقَامَةِ. (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ ﵂ (قَالَتْ: «إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُدْخِلَ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ). فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ بِكُلِّ بَدَنِهِ وَأَنَّ خُرُوجَ بَعْضِ بَدَنِهِ لَا يَضُرُّ وَفِيهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمُعْتَكِفِ النَّظَافَةُ وَالْغُسْلُ وَالْحَلْقُ وَالتَّزَيُّنُ وَعَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْخَاصَّةِ بِالْإِنْسَانِ يَجُوزُ فِعْلُهَا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَى جَوَازِ اسْتِخْدَامِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ وَقَوْلُهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِلْأَمْرِ الضَّرُورِيِّ وَالْحَاجَةُ فَسَّرَهَا الزُّهْرِيُّ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى اسْتِثْنَائِهِمَا وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَاجَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأُلْحِقَ بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ جَوَازُ الْخُرُوجِ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَنَحْوِهِمَا. ٦٥٧ - وَعَنْهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً،

стр. 572

وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ ٦٥٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ (وَعَنْهَا) أَيْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرَهَا وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» مِمَّا سَلَفَ وَنَحْوُهُ «وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَا بَأْسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أَنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ مِنْ قَوْلِهَا " وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ " وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَوْلُهَا (لَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ) وَمَا عَدَاهُ مِمَّنْ دُونَهَا. انْتَهَى مِنْ فَتْحِ الْبَارِي وَهُنَا قَالَ: إنَّ آخِرَهُ مَوْقُوفٌ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِشَيْءٍ مِمَّا عَيَّنَتْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَأَنَّهُ أَيْضًا لَا يَخْرُجُ لِشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَأَنَّهُ إنْ فَعَلَ - أَيْ ذَلِكَ - بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ كَبِيرٌ وَلَكِنَّ الدَّلِيلَ قَائِمٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ فِيهِ خِلَافٌ أَيْضًا وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمَوْقُوفُ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَفِيهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا فِي نَفْيِ شَرْطِيَّتِهِ وَمِنْهَا فِي إثْبَاتِهِ وَالْكُلُّ لَا يَنْهَضُ حُجَّةً إلَّا أَنَّ الِاعْتِكَافَ عُرِفَ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَلَمْ يَعْتَكِفْ إلَّا صَائِمًا. وَاعْتِكَافُهُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صَامَهَا وَلَمْ يَعْتَكِفْ إلَّا مِنْ ثَانِي شَوَّالٍ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ يَوْمُ شُغْلِهِ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْجَبَّانَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقُومُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّرْطِيَّةِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْمَسْجِدِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى شَرْطِيَّتِهِ إلَّا عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ جَامِعًا أَنْ تُقَامَ فِيهِ الصَّلَوَاتُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إلَّا لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ فَاسْتَحَبَّ لَهُ الشَّافِعِيُّ الْجَامِعَ وَفِيهِ مِثْلُ مَا فِي الصَّوْمِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَكِفْ إلَّا فِي مَسْجِدِهِ وَهُوَ مَسْجِدٌ جَامِعٌ وَمِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ شَرْطِيَّةِ الصِّيَامِ قَوْلُهُ. ٦٥٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا) عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ

стр. 573

٦٥٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄، «أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٦٦٠ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁، «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَرَفْعُهُ وَهْمٌ. (قُلْت) وَلِلِاجْتِهَادِ فِي هَذَا مُصَرَّحٌ فَلَا يَقُومُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِيَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَالْمُرَادُ أَنْ يَنْذِرَ بِالصَّوْمِ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ وَقَوْلُهُ (أُرُوا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ (لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ) أَيْ قِيلَ لَهُمْ فِي الْمَنَامِ: هِيَ (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّ (رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ) أَيْ تَوَافَقَتْ لَفْظًا وَمَعْنًى (فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي». وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ «رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا». وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا «إنْ غُلِبْتُمْ فَلَا تُغْلَبُوا عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» وَجَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّ الْعَشْرَ لِلِاحْتِيَاطِ مِنْهَا وَكَذَلِكَ السَّبْعُ وَالتِّسْعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَظِنَّةُ وَهُوَ أَقْصَى مَا يُظَنُّ فِيهِ الْإِدْرَاكُ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الرُّؤْيَا وَجَوَازِ الِاسْتِنَادِ إلَيْهَا فِي الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُخَالِفَ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ. (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) مَرْفُوعًا (وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ) عَلَى مُعَاوِيَةَ وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ (وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتهَا فِي فَتْحِ الْبَارِي) وَلَا حَاجَةَ إلَى سَرْدِهَا؛

стр. 574

٦٦١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْت إنْ عَلِمْت أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: قُولِي: اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبِي دَاوُد، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَيْسَ فِي تَعْيِينِهَا كَالْقَوْلِ بِأَنَّهَا رُفِعَتْ وَالْقَوْلِ بِإِنْكَارِهَا مِنْ أَصْلِهَا فَإِنَّ هَذِهِ عَدَّهَا الْمُصَنِّفُ مِنْ الْأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ سَرْدِهِ الْأَقْوَالَ: وَأَرْجَحُهَا كُلِّهَا أَنَّهَا فِي وِتْرِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ هَذَا الْبَابِ وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُ الْوِتْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إحْدَى وَعِشْرُونَ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ عَلَى مَا فِي حَدِيثَيْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَأَرْجَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ عَلِمْت أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ: قُولِي اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ أَبِي دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ) قِيلَ: عَلَامَتُهَا أَنَّ الْمُطَّلِعَ عَلَيْهَا يَرَى كُلَّ شَيْءٍ سَاجِدًا، وَقِيلَ: يَرَى الْأَنْوَارَ فِي كُلِّ مَكَان سَاطِعَةً حَتَّى الْمَوَاضِعِ الْمُظْلِمَةِ، وَقِيلَ: يَسْمَعُ سَلَامًا أَوْ خِطَابًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: عَلَامَتُهَا اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ فَإِنَّهَا قَدْ تَحْصُلُ وَلَا يُرَى شَيْءٌ وَلَا يُسْمَعُ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَقَعُ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ لِمَنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ وَافَقَهَا وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ أَوْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى كَشْفِهَا؟ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَآخَرُونَ، وَإِلَى الثَّانِي ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ " مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا " قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ يُوَافِقُهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ هَذَا الْمُصَنِّفُ قَالَ: وَلَا أُنْكِرُ حُصُولَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ لِمَنْ قَامَ لِابْتِغَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنْ لَمْ يُوَفَّقْ لَهَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي حُصُولِ الثَّوَابِ الْمُعَيَّنِ الْمَوْعُودِ بِهِ وَهُوَ مَغْفِرَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.

стр. 575

٦٦٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَا تُشَدُّ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ وَيُرْوَى بِسُكُونِهَا عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ (الرِّحَالُ) جَمْعُ رَحْلٍ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ وَشَدُّهُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ لَازَمَهُ غَالِبًا (إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) أَيْ الْمُحَرَّمُ (وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) اعْلَمْ أَنَّ إدْخَالَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالنَّفْيِ النَّهْيُ مَجَازًا كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ شَرْعًا أَنْ يُقْصَدَ بِالزِّيَارَةِ إلَّا هَذِهِ الْبِقَاعُ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا اُخْتُصَّتْ بِهِ مِنْ الْمَزِيَّةِ الَّتِي شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهَا. وَالْمُرَادُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُوَ الْحَرَمُ كُلُّهُ لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ «أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذَا الْفَضْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحْدَهُ أَمْ فِي الْحَرَمِ؟ قَالَ: بَلْ فِي الْحَرَمِ كُلِّهِ» وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ ﷺ التَّعْيِينَ لِلْمَسْجِدِ قَالَ " مَسْجِدِي هَذَا " وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى بَيْتُ الْمَقْدِسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَسْجِدٌ كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْمَسَاجِدِ هَذِهِ وَدَلَّ بِمَفْهُومِ الْحَصْرِ أَنَّهُ يُحَرَّمُ شَدُّ الرِّحَالِ لِقَصْدِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ كَزِيَارَةِ الصَّالِحِينَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ وَلِقَصْدِ الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ بِهَا وَالصَّلَاةِ فِيهَا وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَطَائِفَةٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ إنْكَارِ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إلَى الطُّورِ وَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْت. وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا لَا يَنْهَضُ وَتَأَوَّلُوا أَحَادِيثَ الْبَابِ بِتَآوِيلَ بَعِيدَةٍ وَلَا يَنْبَغِي التَّأْوِيلُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَنْهَضَ عَلَى خِلَافِ مَا أَوَّلُوهُ الدَّلِيلُ وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى فَضْلِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّ أَفْضَلَهَا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ؛ لِأَنَّ لِلتَّقْدِيمِ ذِكْرًا يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّةِ الْمُقَدَّمِ ثُمَّ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى. وَقَدْ دَلَّ لِهَذَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَحَسَّنَ إسْنَادَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا

стр. 576

كتاب الحج بَابُ فَضْلُهُ وَبَيَانُ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ ٦٦٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ «الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَالصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَالصَّلَاةُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ أُخَرُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ تَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ أَوْ تَخُصُّ الْأَوَّلَ؟ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهَا تَخُصُّ بِالْفُرُوضِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ الْمَعْرُوفِ فَاللَّامُ الْجِنْسِ عَامٌّ فَيَشْمَلُ النَّافِلَةَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ إذَا أُطْلِقَ لَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ إلَّا الْفَرِيضَةُ فَلَا يَشْمَلُهَا. (كتاب الحج) الْحَجُّ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَأَوَّلُ فَرْضِهِ سَنَةُ سِتٍّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ أَنَّهُ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَفِيهِ خِلَافٌ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ» قِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ الْإِثْمِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقِيلَ: الْمَقْبُولُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَنْ يَكُونَ حَالُهُ بَعْدَهُ خَيْرًا مِنْ حَالِهِ قَبْلَهُ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ» وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَلَوْ ثَبَتَ لَتَعَيَّنَ بِهِ التَّفْسِيرُ (لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْعُمْرَةُ لُغَةً الزِّيَارَةُ وَقِيلَ: الْقَصْدُ. وَفِي الشَّرْعِ إحْرَامٌ وَسَعْيٌ وَطَوَافٌ وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُزَارُ بِهَا الْبَيْتُ وَيُقْصَدُ وَفِي قَوْلِهِ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ» دَلِيلٌ عَلَى تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَحْدِيدَ بِوَقْتٍ (وَقَالَتْ) الْمَالِكِيَّةُ يُكْرَهُ فِي السَّنَةِ أَكْثَرُ مِنْ عُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهَا إلَّا مِنْ سَنَةٍ إلَى سَنَةٍ

стр. 577

٦٦٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ ٦٦٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ. وَأَفْعَالُهُ ﷺ تُحْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ (وَأُجِيبَ) عَنْهُ بِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ أَحْوَالِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يَسْتَحِبُّ فِعْلَهُ لِيَرْفَعَ الْمَشَقَّةَ عَنْ الْأُمَّةِ وَقَدْ نَدَبَ إلَى ذَلِكَ بِالْقَوْلِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُ الْأَوْقَاتِ فِي شَرْعِيَّتِهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ: إلَّا لِلْمُتَلَبِّسِ بِالْحَجِّ وَقِيلَ إلَّا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقِيلَ: وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَقِيلَ: إلَّا أَشْهُرَ الْحَجِّ لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ مُطْلَقًا وَفِعْلُهُ ﷺ لَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَتِهَا فِيهَا فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ عُمْرَةَ الْأَرْبَعِ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَإِنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ الرَّابِعَةُ فِي حَجِّهِ فَإِنَّهُ ﷺ حَجَّ قَارِنًا كَمَا تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَجِلَّةُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ هُوَ إخْبَارٌ يُرَادُ بِهِ الِاسْتِفْهَامُ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ كَأَنَّهَا قَالَتْ مَا هُوَ فَقَالَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» أَطْلَقَ عَلَيْهِمَا لَفْظَ الْجِهَادِ مَجَازًا شَبَّهَهُمَا بِالْجِهَادِ وَأَطْلَقَهُ عَلَيْهِمَا بِجَامِعِ الْمَشَقَّةِ وَقَوْلُهُ (لَا قِتَالَ فِيهِ) إيضَاحٌ لِلْمُرَادِ وَبِذِكْرِهِ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ اسْتِعَارَةً وَالْجَوَابُ مِنْ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لَهُ) أَيْ لِابْنِ مَاجَهْ (وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ أَيْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَأَفَادَتْ عِبَارَتُهُ أَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ الصَّحِيحُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْبُخَارِيُّ أَوْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ «عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَا. لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» وَأَفَادَ تَقْيِيدَ إطْلَاقِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ لِلْحَجِّ وَأَفَادَ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ تَقُومُ مَقَامَ الْجِهَادِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَأَفَادَ أَيْضًا بِظَاهِرِهِ أَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الْآتِي بِخِلَافِهِ وَهُوَ.

стр. 578

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْعُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: " لَا. وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ ٦٦٦ - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ. عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ نِسْبَةً إلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ وَالْكَلَأِ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ مَوَالِيهِمْ وَالْعَرَبِيُّ مَنْ كَانَ نَسَبُهُ إلَى الْعَرَبِ ثَابِتًا وَجَمْعُهُ أَعْرَابٌ وَيُجْمَعُ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى الْأَعْرَابِ وَالْأَعَارِبِ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْعُمْرَةِ أَيْ عَنْ حُكْمِهَا كَمَا أَفَادَهُ أَوَاجِبَةٌ هِيَ قَالَ: لَا» أَيْ لَا تَجِبُ وَهُوَ مِنْ الِاكْتِفَاءِ «وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَك» أَيْ مِنْ تَرْكِهَا وَالْأَخْيَرِيَّةُ فِي الْأَجْرِ تَدُلُّ عَلَى نَدْبِهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ حَتَّى تَكُونَ مِنْ الْمُبَاحِ وَالْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِدَفْعِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَجِبْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ بَلْ كَانَ ظَاهِرًا فِي الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ فَأَبَانَ بِهَا نَدْبَهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) مَرْفُوعًا (وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ) عَلَى جَابِرٍ فَإِنَّهُ الَّذِي سَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ وَأَجَابَ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسْرَحٌ (وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ) وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عِصْمَةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبُو عِصْمَةَ كَذَّبُوهُ (ضَعِيفٌ)؛ لِأَنَّهُ فِي إسْنَادِهِ أَبَا عِصْمَةَ وَفِي إسْنَادِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ أَيْضًا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» سَيَأْتِي بِمَا فِيهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْدُودٌ بِمَا فِي الْإِمَامِ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ حَسَنٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: إنَّهُ مَكْذُوبٌ بَاطِلٌ وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعُمْرَةِ شَيْءٌ ثَابِتٌ، أَنَّهَا تَطَوُّعٌ وَفِي إيجَابِهَا أَحَادِيثُ لَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَاضِي وَكَالْحَدِيثِ. ٦٦٦ - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ. عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ». وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ» وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ نَاهِضًا عَلَى إيجَابِ الْعُمْرَةِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا مَنْ أَخْرَجَهُ وَلَا مَا قِيلَ فِيهِ وَاَلَّذِي فِي التَّلْخِيصِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ

стр. 579

٦٦٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَالرَّاجِحُ إرْسَالُهُ - وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: هُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ عَطَاءٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِزِيَادَةِ " لَا يَضُرُّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت " وَفِي إحْدَى طَرِيقَيْهِ ضَعْفٌ وَانْقِطَاعٌ فِي الْأُخْرَى وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ مَوْقُوفًا وَإِسْنَادُهُ أَصَحُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَدِلَّةُ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ وَعَدَمِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ سَلَفًا وَخَلْفًا فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إلَى وُجُوبِهَا رَوَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ عَنْهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَعَلَّقَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لِقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَوَصَلَهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَرَّحَ الْبُخَارِيُّ بِالْوُجُوبِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بَابُ وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَفَضْلِهَا) وَسَاقَ خَبَرَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ لِلْوُجُوبِ بِحَدِيثِ «حُجَّ عَنْ أَبِيك وَاعْتَمِرْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ فِي إيجَابِ الْعُمْرَةِ أَجْوَدَ مِنْهُ. وَإِلَى الْإِيجَابِ ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا وُجُوبَ الْإِتْمَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَلَوْ تَطَوُّعًا. وَذَهَبَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ فَرْضٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأَدِلَّةُ لَا تَنْهَضُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ عَلَى الْإِيجَابِ الَّذِي الْأَصْلُ عَدَمُهُ. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ أَيْ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) قُلْت وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالرَّاجِحُ إرْسَالُهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الصَّوَابُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ إلَى الْحَسَنِ وَلَا أَرَى الْمَوْصُولَ إلَّا وَهْمًا (وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ) وَإِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ رَاوِيًا مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا ضَعِيفَةٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ:

стр. 580

٦٦٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَى رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: مَنْ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا. فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَك أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ طُرُقُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ مُسْنَدًا وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ الْمُرْسَلَةِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا التَّفْسِيرِ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ فَالزَّادُ شَرْطٌ مُطْلَقًا وَالرَّاحِلَةُ لِمَنْ دَارُهُ عَلَى مَسَافَةٍ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَعْدَ سَرْدِهِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُسْنَدَةٌ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ وَمُرْسَلَةٌ وَمَوْقُوفَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَقْدِرُونَ عَلَى الْمَشْيِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي الْحَجِّ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ إمَّا أَنْ يَعْنِيَ الْقُدْرَةَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْمُكْنَةِ أَوْ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ كَمَا لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ فِي آيَةِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَدْرٌ زَائِدٌ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ إلَّا الْمَالُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ مُفْتَقِرَةٌ إلَى مَسَافَةٍ فَافْتَقَرَ وُجُوبُهَا إلَى مِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ كَالْجِهَادِ، وَدَلِيلُ الْأَصْلِ قَوْلُهُ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الْآيَةَ. انْتَهَى. وَذَهَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ إلَى أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الصِّحَّةُ لَا غَيْرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فَإِنَّهُ فَسَّرَ الزَّادَ بِالتَّقْوَى. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَةِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ سَبَبُ نُزُولِهَا. وَحَدِيثُ الْبَابِ يَدُلُّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالزَّادِ الْحَقِيقَةُ وَهُوَ وَإِنْ ضَعُفَتْ طُرُقُهُ فَكَثْرَتُهَا تَشُدُّ ضَعْفَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ كِفَايَةٌ فَاضِلَةٌ عَنْ كِفَايَةِ مَنْ يَعُولُ حَتَّى يَعُودَ لِقَوْلِهِ ﷺ «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَيُجْزِئُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ حَرَامًا وَيَأْثَمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يُجْزِئُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقَى) قَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَقِيَهُمْ لَيْلًا فَلَمْ يَعْرِفُوهُ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَهَارًا وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلَ ذَلِكَ (رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ) بِرَاءٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ بِزِنَةٍ حَمْرَاءَ مَحَلٌّ قُرْبُ الْمَدِينَةِ «فَقَالَ: مَنْ الْقَوْمُ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ فَرَفَعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» بِسَبَبِ حَمْلِهَا وَحَجِّهَا بِهِ أَوْ بِسَبَبِ سُؤَالِهَا عَنْ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ بِسَبَبِ الْأَمْرَيْنِ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَصِحُّ حَجُّ الصَّبِيِّ وَيَنْعَقِدُ سَوَاءٌ

стр. 581

٦٦٩ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ. فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ. وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ كَانَ مُمَيِّزًا أَمْ لَا حَيْثُ فَعَلَ وَلِيُّهُ عَنْهُ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَلَكِنَّهُ لَا يَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَيُّمَا غُلَامٍ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهِ زِيَادَةٌ قَالَ الْقَاضِي: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إذَا بَلَغَ عَنْ فَرِيضَةِ الْإِسْلَامِ إلَّا فِرْقَةٌ شَذَّتْ فَقَالَتْ: يُجْزِئُهُ لِقَوْلِهِ (نَعَمْ) فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ حَجَّ وَالْحَجُّ إذَا أُطْلِقَ يَتَبَادَرُ مِنْهُ مَا يُسْقِطُ الْوَاجِبَ وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ ذَهَبُوا إلَى خِلَافِ ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْوَلِيُّ الَّذِي يُحْرِمُ عَنْ الصَّبِيِّ إذَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ هُوَ وَلِيُّ مَالِهِ وَهُوَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ أَوْ الْوَصِيُّ أَيْ الْمَنْصُوبُ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهَا عَنْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّةً عَنْهُ أَوْ مَنْصُوبَةً مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إحْرَامُهَا وَإِحْرَامُ الْعُصْبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وِلَايَةُ الْمَالِ. وَصِفَةُ إحْرَامِ الْوَلِيِّ عَنْهُ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ: جَعَلْته مُحْرِمًا. (وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) أَيْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي مِنًى (فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةً فَمُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ (فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) حَالَ كَوْنِهِ (شَيْخًا) مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ وَقَوْلُهُ (كَبِيرًا) يَصِحُّ صِفَةً وَلَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْحَالِ نَكِرَةً إذْ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْهَا (لَا يَثْبُتُ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ (عَلَى الرَّاحِلَةِ) يَصِحُّ صِفَةً أَيْضًا وَيَحْتَمِلُ الْحَالَ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ " وَإِنْ شَدَدْته خَشِيت عَلَيْهِ " (أَفَأَحُجُّ) نِيَابَةً (عَنْهُ قَالَ: " نَعَمْ) أَيْ حُجِّي عَنْهُ (وَذَلِكَ) أَيْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) فِي الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ فَفِي بَعْضِهَا أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ وَأَنَّهُ سَأَلَ " هَلْ يَحُجُّ عَنْ أُمِّهِ " فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ

стр. 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الْقَضِيَّةِ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْحَجُّ عَنْ الْمُكَلَّفِ إذَا كَانَ مَأْيُوسًا مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ مِثْلُ الشَّيْخُوخَةِ فَإِنَّهُ مَأْيُوسٌ زَوَالُهَا وَأَمَّا إذَا كَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ لِأَجْلِ مَرَضٍ أَوْ جُنُونٍ يُرْجَى بُرْؤُهُمَا فَلَا يَصِحُّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَعَ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّحْجِيجِ عَنْهُ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَدَمُ ثَبَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْخَشْيَةُ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةٍ، فَمَنْ لَا يَضُرُّهُ الشَّدُّ كَاَلَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْمِحَفَّةِ لَا يُجْزِئُهُ حَجُّ الْغَيْرِ إلَّا أَنَّهُ ادَّعَى فِي الْبَحْرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الصِّحَّةَ وَهِيَ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ مَعَهَا قَاعِدًا شَرْطٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَالدَّلِيلُ مَعَ مَنْ ذَكَرْنَا. قِيلَ: وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُبَيِّنَ أَنَّ أَبَاهَا مُسْتَطِيعٌ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إلَّا الْإِجْزَاءُ لَا الْوُجُوبُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهَا قَدْ عَرَفَتْ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى أَبِيهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهَا «إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ» فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عِلْمِهَا بِشَرْطِ دَلِيلِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ. وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِإِجْزَاءِ الْحَجِّ عَنْ فَرِيضَةِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا عَنْ مَوْتٍ أَوْ عَدَمِ قُدْرَةِ مَنْ عَجَزَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ عَنْ الْغَيْرِ فِيهِ مُطْلَقًا لِلتَّوْسِيعِ فِي النَّفْلِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْحَجَّ عَنْ فَرْضِ الْغَيْرِ لَا يُجْزِئُ أَحَدًا وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِصَاحِبَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِصَاصُ خِلَافَ الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِزِيَادَةٍ رُوِيَتْ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ «حُجِّي عَنْهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَك» وَرُدَّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ رُوِيَتْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَلَدِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» كَمَا يَأْتِي فَجَعَلَهُ دَيْنًا وَالدَّيْنُ يَصِحُّ أَنْ يَقْضِيَهُ غَيْرُ الْوَلَدِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا يَأْتِي مِنْ حَدِيثِ شُبْرُمَةَ.

стр. 583

٦٧٠ - وَعَنْهُ ﵄، «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةً) قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا اسْمِ أُمِّهَا (مِنْ جُهَيْنَةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَنُونٌ اسْمُ قَبِيلَةٍ «جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ اقْضُوا اللَّهَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاذِرَ بِالْحَجِّ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَجْزَأَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَلَدُهُ وَقَرِيبُهُ، وَيُجْزِئُهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْأَلْهَا حَجَّتْ عَنْ نَفْسِهَا أَمْ لَا وَلِأَنَّهُ ﷺ شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ وَهُوَ يُجَوِّزُ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ دَيْنَ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ شُبْرُمَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ إلَى دَيْنِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِدَيْنِ نَفْسِهِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ، وَضَرَبَ الْمَثَلَ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَتَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ حُكْمُهُ بِالْمَعْلُومِ فَإِنَّهُ دَلَّ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ مُتَقَرِّرًا، وَلِهَذَا حَسُنَ الْإِلْحَاقُ بِهِ. وَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ التَّحْجِيجِ عَنْ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ أَوْصَى أَمْ لَمْ يُوصِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مُطْلَقًا وَكَذَا سَائِرُ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالشَّافِعِيُّ. وَيَجِبُ إخْرَاجُ الْأُجْرَةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَهُمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ الْآيَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَامٌّ خَصَّهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَقِيلَ: اللَّامُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أَيْ عَلَيْهِمْ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ.

стр. 584

٦٧١ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أَعْتَقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ٦٧٢ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اُكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ فَمُثَلَّثَةٍ أَيْ الْإِثْمَ أَيْ بَلَغَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ حِنْثُهُ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، «وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أَعْتَقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ) قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَلِلْمُحَدِّثِينَ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ مَرْفُوعًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجَدِّدَ فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» وَمِثْلُهُ قَالَ فِي الْعَبْدِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالْمُرْسَلُ إذَا عَمِلَ بِهِ الصَّحَابَةُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، قَالَ: وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَاتِ فَيَصِحُّ مِنْهُ الْحَجُّ وَلَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُخَاطَبَ بِهِ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَيْ أَجْنَبِيَّةٍ لِقَوْلِهِ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ

стр. 585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ «فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اُكْتُتِبَتْ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا؛ فَقَالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ إجْمَاعٌ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ " فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ " وَهَلْ يَقُومُ غَيْرُ الْمَحْرَمِ مَقَامَهُ فِي هَذَا بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا مَنْ يُزِيلُ مَعْنَى الْخَلْوَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُومُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ لِلنَّهْيِ إنَّمَا هُوَ خَشْيَةَ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُمَا الشَّيْطَانُ الْفِتْنَةَ. وَقَالَ الْقَفَّالُ لَا بُدَّ مِنْ الْمَحْرَمِ عَمَلًا بِلَفْظِ الْحَدِيثِ. وَدَلَّ أَيْضًا عَلَى تَحْرِيمِ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي قَلِيلِ السَّفَرِ وَكَثِيرِهِ وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُقَيِّدَةٌ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا فَفِي لَفْظٍ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَفِي آخَرَ " فَوْقَ ثَلَاثٍ " وَفِي آخَرَ " مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ " وَفِي آخَرَ " ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ " وَفِي لَفْظٍ " بَرِيدًا " وَفِي آخَرَ " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ " قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ التَّحْدِيدِ ظَاهِرُهُ بَلْ كُلُّ مَا يُسَمَّى سَفَرًا فَالْمَرْأَةُ مَنْهِيَّةٌ عَنْهُ إلَّا بِالْمَحْرَمِ وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْدِيدُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ فَلَا يُعْمَلُ بِمَفْهُومِهِ. وَلِلْعُلَمَاءِ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ قَالُوا: وَيَجُوزُ سَفَرُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا فِي الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ وَالْمَخَافَةِ عَلَى نَفْسِهَا وَلِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالرُّجُوعِ مِنْ النُّشُوزِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفُوا فِي سَفَرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّابَّةِ إلَّا مَعَ مَحْرَمٍ وَنَقَلَ قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُسَافِرُ وَحْدَهَا إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَلَمْ يَنْهَضْ دَلِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ عُمُومٌ شَامِلٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقَوْلَهُ «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» عُمُومٌ لِكُلِّ أَنْوَاعِ السَّفَرِ فَتَعَارَضَ الْعُمُومَانِ وَيُجَابُ بِأَنَّ أَحَادِيثَ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ لِلْحَجِّ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ. ثُمَّ الْحَدِيثُ عَامٌّ لِلشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَجُوزُ لِلْعَجُوزِ السَّفَرُ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ وَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْمَعْنَى فَخَصَّصُوا بِهِ الْعُمُومَ وَقِيلَ: لَا يُخَصَّصُ بَلْ الْعَجُوزُ كَالشَّابَّةِ وَهَلْ تَقُومُ النِّسَاءُ الثِّقَاتُ مَقَامَ الْمَحْرَمِ لِلْمَرْأَةِ؟ فَأَجَازَهُ الْبَعْضُ مُسْتَدِلًّا بِأَفْعَالِ الصَّحَابَةِ وَلَا تَنْهَضُ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ إذَا كَانَتْ ذَاتَ حَشَمٍ وَالْأَدِلَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ لَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَ امْرَأَتِهِ فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَجِبُ خُرُوجُ الزَّوْجِ مَعَ زَوْجَتِهِ إلَى الْحَجِّ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا غَيْرُهُ وَغَيْرُ أَحْمَدَ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَحَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ لَا يُحْمَلُ عَلَى النَّدْبِ إلَّا لِقَرِينَةٍ عَلَيْهِ فَالْقَرِينَةُ عَلَيْهِ مَا عُلِمَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ بَذْلَ مَنَافِعَ نَفْسِهِ لِتَحْصِيلِ غَيْرِهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرِيضَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي أَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، قِيلَ:

стр. 586

٦٧٣ - وَعَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: مَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: أَخٌ لِي، أَوْ قَرِيبٌ لِي، فَقَالَ: حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ وَعَلَى الثَّانِي أَيْضًا فَإِنَّ لَهَا أَنْ تُسَارِعَ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا كَمَا أَنَّ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا. وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَلَهَا مَالٌ وَلَا يُؤْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ " لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا " فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ دُونِ إذْنِ زَوْجِهَا. وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّهُ يَصِحُّ الْحَجُّ مِنْ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَمِنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ مِثْلُ الْمَرِيضِ وَالْفَقِيرِ وَالْمَعْضُوبِ وَالْمَقْطُوعِ طَرِيقُهُ وَالْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا تَكَلَّفُوا شُهُودَ الْمَشَاهِدِ أَجْزَأَهُمْ الْحَجُّ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ مَاشِيًا وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مُسِيءٌ فِي ذَلِكَ كَاَلَّذِي يَحُجُّ بِالْمَسْأَلَةِ وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تَامَّةٌ وَالْمَعْصِيَةَ إنْ وَقَعَتْ فَهِيَ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي نَفْسِ الْمَقْصُودِ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ» بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ (قَالَ: " مَنْ شُبْرُمَةَ " قَالَ: أَخٌ لِي أَوْ قَرِيبٌ لِي) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي «فَقَالَ: حَجَجْت عَنْ نَفْسِك؟ قَالَ: لَا، قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِك ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: رَفْعُهُ خَطَأٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الْمُرْسَلُ أَصَحُّ، قَالَ الْمُصَنِّفُ هُوَ كَمَا قَالَ لَكِنَّهُ يُقَوِّي الْمَرْفُوعَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ رِجَالِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إنَّ أَحْمَدَ حَكَمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ صَالِحٍ عَنْهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ فَيَكُونُ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى ثِقَةِ مَنْ رَفَعَهُ قَالَ: وَقَدْ رَفَعَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَلَيْسَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ مُخَالِفٌ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى

стр. 587

٦٧٤ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ. وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِذَا أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ لَبَّى عَنْ شُبْرُمَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ النِّيَّةُ عَنْ غَيْرِهِ وَإِلَّا لَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيَّ فِيهِ، وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَنْعَقِدُ مَعَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَيَنْعَقِدُ مُطْلَقًا مَجْهُولًا مُعَلَّقًا فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ وَيَكُونَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ عَنْ الْغَيْرِ بَاطِلٌ؛ لِأَجْلِ النَّهْيِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَبُطْلَانُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ لَا تُوجِبُ بُطْلَانَ أَصْلِهِ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا مُسْتَطِيعًا كَانَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّفْرِيقِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ دَالٌّ عَلَى الْعُمُومِ وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ فَرْضٌ وَالثَّانِي نَفْلٌ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ مُطَالَبٌ بِهِ وَمَعَهُ دَرَاهِمُ بِقَدْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَّا إلَى دَيْنِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا احْتَاجَ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى وَاجِبٍ عَنْهُ فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ فِي الْمُسْتَطِيعِ وَلِذَا قِيلَ: إنَّمَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَجَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ عُمُومِ الْحَدِيثِ أَوْلَى. (وَعَنْهُ) أَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ. الْحَجُّ مَرَّةً فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) وَفِي رِوَايَةِ زِيَادٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: لَوَجَبَتْ «وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا لَعُذِّبْتُمْ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي الْعُمْرِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُسْتَطِيعٍ. وَقَدْ أُخِذَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَوْ قُلْت: نَعَمْ لَوَجَبَتْ أَنَّهُ يَجُوزُ

стр. 588

باب المواقيت ٦٧٥ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنْ يُفَوِّضَ اللَّهُ إلَى الرَّسُولِ ﷺ شَرْحَ الْأَحْكَامِ وَمَحَلُّ الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولُ وَفِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ ﵀. (باب المواقيت) الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ وَالْمِيقَاتُ مَا حُدَّ وَوُقِّتَ لِلْعِبَادَةِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَالتَّوْقِيتُ التَّحْدِيدُ وَلِهَذَا يُذْكَرُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا حَدَّدَهُ الشَّارِعُ لِلْإِحْرَامِ مِنْ الْأَمَاكِنِ. (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ اللَّامِ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَفَاءُ تَصْغِيرِ حَلْفَةَ وَالْحَلْفَةُ وَاحِدَةُ الْحَلْفَاءِ نَبْتٌ فِي الْمَاءِ وَهِيَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرْسَخٍ وَبِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ ﷺ وَالْبِئْرُ الَّتِي تُسَمَّى الْآنَ بِئْرَ عَلِيٍّ وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ «وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَفَاءٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّيْلَ احْتَجَفَ أَهْلَهَا إلَى الْجَبَلِ الَّذِي هُنَالِكَ وَهِيَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ وَتُسَمَّى مَهْيَعَةَ كَانَتْ قَرْيَةً قَدِيمَةً وَهِيَ الْآنَ خَرَابٌ وَلِذَا يُحْرِمُونَ الْآنَ مِنْ رَابِغٍ قَبْلَهَا بِمَرْحَلَةٍ لِوُجُودِ الْمَاءِ بِهَا لِلِاغْتِسَالِ «وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ» بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الثَّعَالِبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ «وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ» بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ (هُنَّ) أَيْ الْمَوَاقِيتُ (لَهُنَّ) أَيْ لِلْبُلْدَانِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُرَادُ؛ لِأَهْلِهَا وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ هُنَّ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَلِمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْمَوَاقِيتِ (فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ) يُحْرِمُونَ (مِنْ مَكَّةَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ الَّتِي عَيَّنَهَا ﷺ لِمَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَهِيَ أَيْضًا مَوَاقِيتُ لِمَنْ أَتَى عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْآفَاقِ الْمُعَيَّنَةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا إذَا أَتَى عَلَيْهَا قَاصِدًا لِإِتْيَانِ مَكَّةَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا وَرَدَ الشَّامِيُّ مَثَلًا إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْهَا وَلَا يَتْرُكُهُ حَتَّى يَصِلَ الْجُحْفَةَ فَإِنْ أَخَّرَ أَسَاءَ وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ: إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى مِيقَاتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ لَهُ خِلَافَهُ

стр. 589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَالُوا: وَالْحَدِيثُ مُحْتَمَلٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ (هُنَّ لَهُنَّ) ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْأَقْطَارِ سَوَاءٌ وَرَدَ عَلَى مِيقَاتِهِ أَوْ وَرَدَ عَلَى مِيقَاتٍ آخَرَ فَإِنَّ لَهُ الْعُدُولَ إلَى مِيقَاتِهِ كَمَا لَوْ وَرَدَ الشَّامِيُّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ بَلْ يُحْرِمُ مِنْ الْجُحْفَةِ وَعُمُومُ قَوْلِهِ: (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الشَّامِيِّ فِي مِثَالِنَا أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَوْلُهُ «وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» يَشْمَلُ مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَنْ لَمْ يَمُرَّ وَقَوْلُهُ (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) يَشْمَلُ الشَّامِيَّ إذَا مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَغَيْرَهُ فَهَاهُنَا عُمُومَانِ قَدْ تَعَارَضَا انْتَهَى مُلَخَّصًا قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْصُلُ الِانْفِكَاكُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: " هُنَّ لَهُنَّ " مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ مَثَلًا: وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سَاكِنُوهَا وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ مِيقَاتِهِمْ فَمَرَّ عَلَى مِيقَاتِهِمْ انْتَهَى (قُلْت): وَإِنْ صَحَّ مَا قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ» تَبَيَّنَ أَنَّ الْجُحْفَةَ إنَّمَا هِيَ مِيقَاتٌ لِلشَّامِيِّ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمَدِينَةَ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مُحِيطَةٌ بِالْبَيْتِ كَإِحَاطَةِ جَوَانِبِ الْحَرَمِ فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِجَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ لَزِمَهُ تَعْظِيمُ حُرْمَتِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جَوَانِبِهِ أَبْعَدَ مِنْ بَعْضٍ وَدَلَّ قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ) عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ حَيْثُ أَنْشَأَ الْإِحْرَامَ إمَّا مِنْ أَهْلِهِ وَوَطَنِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» دَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَّهَا مِيقَاتُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مِنْ الْمُجَاوِرِينَ أَوْ الْوَارِدِينَ إلَيْهَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَفِي قَوْلِهِ: (مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ) مَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ إلَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ دُخُولُهَا مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ وَقَدْ دَخَلَ ابْنُ عُمَرَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا إنَّمَا تَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ لَوَجَبَ أَكْثَرُ مِنْ مَرَّةٍ وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَةُ الْمِيقَاتِ إلَّا بِالْإِحْرَامِ إلَّا لِمَنْ اُسْتُثْنِيَ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَاتِ كَالْحَطَّابِينَ فَإِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ آثَارًا عَنْ السَّلَفِ وَلَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ فَمَنْ دَخَلَ مُرِيدًا مَكَّةَ لَا يَنْوِي نُسُكًا مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَجَاوَزَ مِيقَاتَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنْ بَدَا لَهُ إرَادَةُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ أَحْرَمَ مِنْ حَيْثُ أَرَادَ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ: «حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» يَدُلُّ أَنَّ مِيقَاتَ عُمْرَةِ أَهْلِ مَكَّةَ كَحَجِّهِمْ وَكَذَلِكَ الْقَارِنُ مِنْهُمْ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ وَلَكِنْ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا جَعَلَ مَكَّةَ مِيقَاتًا لِلْعُمْرَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ ﵌ جَعَلَهَا مِيقَاتًا لَهَا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ الْعُمْرَةَ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَطْنُ مُحَسِّرٍ " وَقَالَ أَيْضًا: " مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَعْتَمِرَ خَرَجَ إلَى التَّنْعِيمِ وَيُجَاوِزُ الْحَرَمَ " فَآثَارٌ مَوْقُوفَةٌ لَا تُقَاوِمُ الْمَرْفُوعَ وَأَمَّا مَا ثَبَتَ مِنْ

стр. 590

٦٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ؛ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَمْرِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ بِالْخُرُوجِ إلَى التَّنْعِيمِ لِتُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ فَلَمْ يُرِدْ إلَّا تَطْيِيبَ قَلْبِهَا بِدُخُولِهَا إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرَةً كَصَوَاحِبَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْعُمْرَةِ مَعَهُ ثُمَّ حَاضَتْ فَدَخَلَتْ مَكَّةَ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ كَمَا طُفْنَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ قَالَ: انْتَظِرِي فَاخْرُجِي إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي مِنْهُ» - الْحَدِيثَ فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ أَنَّهَا إنَّمَا أَرَادَتْ أَنْ تُشَابِهَ الدَّاخِلِينَ مِنْ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ وَلَا يَدُلُّ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ الْعُمْرَةُ إلَّا مِنْ الْحِلِّ لِمَنْ صَارَ فِي مَكَّةَ وَمَعَ الِاحْتِمَالِ لَا يُقَاوَمُ حَدِيثُ الْكِتَابِ، وَقَدْ قَالَ طَاوُسٌ: لَا أَدْرِي الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ مِنْ التَّنْعِيمِ يُؤْجَرُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ قِيلَ لَهُ: فَلِمَ يُعَذَّبُونَ قَالَ:؛ لِأَنَّهُ يَدَعُ الْبَيْتَ وَالطَّوَافَ وَيَخْرُجُ إلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَيَجِيءُ أَرْبَعَةَ أَمْيَالٍ قَدْ طَافَ مِائَتَيْ طَوَافٍ وَكُلَّمَا طَافَ كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَنْ يَمْشِيَ فِي غَيْرِ مَمْشَى إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ فِي تَفْضِيلِ الطَّوَافِ عَلَى الْعُمْرَةِ قَالَ أَحْمَدُ: الْعُمْرَةُ بِمَكَّةَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَخْتَارُهَا عَلَى الطَّوَافِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ الْمَقَامَ بِمَكَّةَ وَالطَّوَافَ وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَكِّيَّ إذَا أَحْرَمَ لِلْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ كَانَتْ عُمْرَةً صَحِيحَةً، قَالُوا: وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِمَا تَرَكَ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَأْتِيك أَنَّ إلْزَامَهُ الدَّمَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. ٦٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ؛ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، إلَّا أَنَّ رَاوِيهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إلَّا أَنَّ رَاوِيهِ شَكَّ فِي رَفْعِهِ)؛ لِأَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَ عَنْ الْمَهْلِ فَقَالَ: سَمِعْت: " أَحْسَبُهُ رَفَعَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ (وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ) وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمَّا فُتِحَتْ الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ أَيْ أَرْضُهُمَا وَإِلَّا فَإِنَّ الَّذِي مَصَّرَهُمَا الْمُسْلِمُونَ طَلَبُوا مِنْ عُمَرَ أَنَّهُ يُعَيِّنُ لَهُمْ مِيقَاتًا فَعَيَّنَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ

стр. 591

٦٧٧ - وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ» وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى: وَالنَّصُّ بِتَوْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ لَيْسَ فِي الْقُوَّةِ كَغَيْرِهِ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَيْسَ بِبِدْعٍ وُقُوعُ اجْتِهَادِ عُمَرَ عَلَى وَفْقِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُوَفَّقًا لِلصَّوَابِ وَكَأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَاجْتَهَدَ بِمَا وَافَقَ النَّصَّ هَذَا وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ رَفْعُهُ بِلَا شَكٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ فِي إسْنَادِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَيْضًا عَنْهَا وَقَدْ ثَبَتَ مُرْسَلًا عَنْ مَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ الْجِيَادُ الْحِسَانُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمِثْلِهَا مَعَ تَعَدُّدِهَا وَمَجِيئِهَا مُسْنَدَةً وَمُرْسَلَةً مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى وَأَمَّا: (وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ») فَإِنَّهُ وَإِنْ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: إنَّهُ حَسَنٌ فَإِنَّ مَدَارَهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ إحْرَامَ الْعِرَاقِيِّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ إحْرَامٌ مِنْ الْمِيقَاتِ هَذَا وَالْعَقِيقُ يُعَدُّ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَقَدْ قِيلَ: إنْ كَانَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَصْلٌ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا؛ لِأَنَّ تَوْقِيتَ ذَاتِ عِرْقٍ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ أَكْمَلَ اللَّهُ دِينَهُ كَمَا يَدُلُّ مَا أَخْرَجَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو السَّهْمِيُّ قَالَ: «أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِمِنًى أَوْ عَرَفَاتٍ وَقَدْ أَطَافَ بِهِ النَّاسُ قَالَ: فَتَجِيءُ الْأَعْرَابُ فَإِذَا رَأَوْا وَجْهَهُ قَالُوا: هَذَا وَجْهٌ مُبَارَكٌ قَالَ: وَوَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ. بَابُ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ الْوُجُوهُ جَمْعُ وَجْهٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَنْوَاعُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِحْرَامُ وَهُوَ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ أَوْ مَجْمُوعُهُمَا (وَصِفَتُهُ): كَيْفِيَّتُهُ الَّتِي يَكُونُ فَاعِلُهَا بِهَا مُحْرِمًا.

стр. 592

٦٧٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عِنْدَ قُدُومِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا) أَيْ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ يَوْمَ السَّبْتِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَ أَنْ خَطَبَهُمْ خُطْبَةً عَلَّمَهُمْ فِيهَا الْإِحْرَامَ وَوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنَهُ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﷺ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ غَيْرَهَا (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ) فَكَانَ قَارِنًا (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ) فَكَانَ مُفْرِدًا «وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عِنْدَ قُدُومِهِ» مَكَّةَ بَعْدَ إتْيَانِهِ بِبَقِيَّةِ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ. «. وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْإِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: هُوَ هُنَا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْإِحْرَامِ وَدَلَّ حَدِيثُهَا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ مَجْمُوعِ الرَّكْبِ الَّذِينَ صَحِبُوهُ فِي حَجَّةِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْهَا رِوَايَاتٌ تُخَالِفُ هَذَا وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إحْرَامِ عَائِشَةَ بِمَاذَا كَانَ لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ أَيْضًا وَدَلَّ حَدِيثُهَا عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ الرَّكْبِ الْإِحْرَامُ بِأَنْوَاعِ الْحَجِّ الثَّلَاثَةِ فَالْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ هُوَ مِنْ حَجِّ الْأَفْرَادِ وَالْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ هُوَ مِنْ حَجِّ التَّمَتُّعِ وَالْمُحْرِمُ بِهِمَا هُوَ الْقَارِنُ وَدَلَّ حَدِيثُهَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا لَهُ عَنْ الْعُمْرَةِ لَمْ يَحِلَّ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ مِنْ الْأَحَادِيثِ عَنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا " أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَفْسَخَ حَجَّهُ إلَى الْعُمْرَةِ، قِيلَ: فَيَتَأَوَّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى تَقْيِيدِهِ بِمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَأَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرَدًا فَإِنَّهُ كَمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْفَسْخِ لِلْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ هَلْ هُوَ خَاصٌّ بِاَلَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ ﷺ أَوْ لَا وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَأَفْرَدْنَاهُ بِرِسَالَةٍ وَلَا يُحْتَمَلُ هُنَا نَقْلُ الْخِلَافِ وَالْإِطَالَةُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا فِيمَا أَحْرَمَ بِهِ ﷺ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَكَانَ قَرْنًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا دَلَّ أَنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا لَكِنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُ حَجَّ

стр. 593

بَابُ الْإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ٦٧٩ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَارِنًا وَاسِعَةٌ جِدًّا وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَجِّ وَالْأَدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَهَا الْقِرَانُ وَقَدْ اسْتَوْفَى أَدِلَّةَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ. (بَابُ الْإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) الْإِحْرَامُ الدُّخُولُ فِي أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَالتَّشَاغُلُ بِأَعْمَالِهِ بِالنِّيَّةِ. عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ» أَيْ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّهُ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ الْبَيْدَاءِ فَإِنَّهُ قَالَ: «بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْهَا مَا أَهَلَّ» الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ الشَّجَرَةِ حِينَ قَامَ بِهِ بَعِيرُهُ» وَالشَّجَرَةُ كَانَتْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ». وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ الْإِهْلَالِ بِالْبَيْدَاءِ وَالْإِهْلَالِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَهَلَّ مِنْهُمَا وَكُلُّ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهَلَّ بِكَذَا فَهُوَ رَاوٍ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ إهْلَالِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا صَلَّى فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ حِينَ فَرَغَ مِنْهُمَا» فَسَمِعَ قَوْمٌ فَحَفِظُوهُ فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَسَمِعُوهُ حِينَ ذَاكَ فَقَالُوا: إنَّمَا أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا عَلَا شَرَفُ الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ وَأَدْرَكَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَمْ يَشْهَدُوهُ فَنَقَلَ كَمَا سَمِعَ الْحَدِيثَ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا قَبْلَهُ. فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَهُ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ وَهَلْ يُكْرَهُ قِيلَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ «وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الْحُلَيْفَةَ» يَقْضِي بِالْإِهْلَالِ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَيَقْضِي بِنَفْيِ النَّقْصِ وَالزِّيَادَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزِّيَادَةُ مُحَرَّمَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا أَفْضَلَ وَلَوْلَا مَا قِيلَ مِنْ الْإِجْمَاعِ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَقُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَدِلَّةِ التَّوْقِيتِ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ الْمَشْرُوعَاتِ كَأَعْدَادِ الصَّلَاةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ لَا تُشَرَّعُ كَالنَّقْصِ

стр. 594

٦٨٠ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْهَا وَإِنَّمَا لَمْ نَجْزِمْ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحْرَمَ أَنَسٌ مِنْ الْعَقِيقِ وَأَحْرَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ الشَّامِ وَأَهَلَّ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ مِنْ الْبَصْرَةِ وَأَهَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ وَوَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ " أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ تَمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ " عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ تُؤُوِّلَ بِأَنَّ مُرَادَهُمَا أَنْ يُنْشِئَ لَهُمَا سَفَرًا مُفْرَدًا مِنْ بَلَدِهِ كَمَا أَنْشَأَ ﷺ لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْقَضَاءِ سَفَرًا مِنْ بَلَدِهِ وَيَدُلُّ لِهَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَلَمْ يُحْرِمُوا بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ بَلْ لَمْ يَفْعَلْهُ ﷺ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ تَمَامَ الْحَجِّ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ﷺ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَلَا جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ. نَعَمْ الْإِحْرَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِخُصُوصِهِ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ " سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظٍ «مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَفْظُهُ «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ» فَيَكُونُ هَذَا مَخْصُوصًا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَكُونُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ خَاصَّةً أَفْضَلُ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَوَاقِيتِ وَيَدُلُّ لَهُ إحْرَامُ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ الْحَدِيثَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يُنْشِئُ لَهُمَا السَّفَرَ مِنْ هُنَالِكَ. (وَعَنْ خَلَّادِ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ آخِرَهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ (بْنِ السَّائِبِ) بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ السَّائِبِ عَنْهُ ﷺ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا» وَالْعَجُّ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالثَّجُّ

стр. 595

٦٨١ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ٦٨٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ. قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافِ، إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ نَحْرُ الْبَدَنِ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ» وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ إلَّا عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ) وَغَرَّبَهُ وَضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَبِسَ ثِيَابَهُ فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا اسْتَوَى بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ» وَيَعْقُوبُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَإِذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ» وَيُسْتَحَبُّ التَّطَيُّبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ كُنْت أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ» وَفِي رِوَايَةٍ «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يُحْرِمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ. . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ قَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ» أَيْ لَا يَجِدُهُمَا يُبَاعَانِ أَوْ يَجِدُهُمَا يُبَاعَانِ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعَهُ ثَمَنٌ فَائِضٌ عَنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَبْدَالِ «فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ آخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» وَمِثْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بِعَرَفَاتٍ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ هُنَا عَلَى الرَّجُلِ وَلَا تَلْحَقُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَحَصَّلَ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَنَّهُ يُحَرَّمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْخُفُّ وَلُبْسُ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ وَالْبَرَانِسِ وَالسَّرَاوِيلِ وَثَوْبٍ مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ وَلُبْسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا فَيَشُقُّهُمَا وَيَلْبَسُهُمَا وَالطِّيبُ وَالْوَطْءُ. وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَمِيصِ كُلُّ مَا أَحَاطَ بِالْبَدَنِ مِمَّا كَانَ عَنْ تَفْصِيلٍ وَتَقْطِيعٍ وَبِالْعِمَامَةِ مَا أَحَاطَ بِالرَّأْسِ فَيَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا مِمَّا يُغَطِّي الرَّأْسَ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَكَرَ الْبَرَانِسَ وَالْعِمَامَةَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ كَالْبَرَانِسِ وَهُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقًا مِنْ جُبَّةٍ أَوْ دُرَّاعَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَأْتِ بِالْحَدِيثِ فِيمَا يُحَرَّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَاَلَّذِي يُحَرَّمُ عَلَيْهَا فِي الْأَحَادِيثِ الِانْتِقَابُ أَيْ لُبْسُ النِّقَابِ كَمَا يُحَرَّمُ لُبْسُ الرَّجُلِ الْقَمِيصَ وَالْخُفَّيْنِ فَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا النِّقَابُ وَمِثْلُهُ الْبُرْقُعُ وَهُوَ الَّذِي فُصِّلَ عَلَى قَدْرِ سَتْرِ الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ كَمَا وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْقَمِيصِ لِلرَّجُلِ مَعَ جَوَازِ سَتْرِ الرَّجُلِ لِبَدَنِهِ بِغَيْرِهِ اتِّفَاقًا فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ تَسْتُرُ وَجْهَهَا بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ كَالْخِمَارِ وَالثَّوْبِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ وَجْهَهَا كَرَأْسِ الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ لَا يُغَطَّى شَيْءٌ فَلَا دَلِيلَ مَعَهُ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهَا لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ وَلُبْسُ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ مِنْ الثِّيَابِ وَيُبَاحُ لَهَا مَا أَحَبَّتْ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حِلْيَةٍ وَغَيْرِهَا وَالطِّيبُ وَأَمَّا الصَّيْدُ وَحَلْقُ الرَّأْسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُنَّ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ وَمُبَاشَرَةُ الْمُحَمَّلِ بِالرَّأْسِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ وَكَذَا وَضْعُهُ عَلَى الْمِخَدَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا. وَالْخِفَافُ جَمْعُ خُفٍّ وَهُوَ مَا يَكُونُ إلَى نِصْفِ السَّاقِ وَمِثْلُهُ فِي الْحُكْمِ الْجَوْرَبُ وَهُوَ مَا يَكُونُ إلَى فَوْقِ الرُّكْبَةِ وَقَدْ أُبِيحَ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ إلَّا أَنَّك قَدْ سَمِعْت مَا قَالَهُ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ نَسْخِ الْقَطْعِ وَقَدْ رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ بَعْدَ إطَالَةِ الْكَلَامِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى لَابِسِ الْخُفَّيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ. وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: تَجِبُ الْفِدْيَةُ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ وَاخْتُلِفَ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي لِأَجْلِهَا النَّهْيُ هَلْ هِيَ الزِّينَةُ أَوْ الرَّائِحَةُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا الرَّائِحَةُ فَلَوْ صَارَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ رَائِحَةٌ جَازَ الْإِحْرَامُ فِيهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ " إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا " وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَقَالٌ وَلُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُوَرَّسِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ فِي حَالِ الْحِلِّ كَمَا فِي الْإِحْرَامِ.

стр. 597

٦٨٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّطَيُّبِ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِ الْإِحْرَامِ وَجَوَازِ اسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرِيحِهِ وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ ابْتِدَاؤُهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلَى خِلَافِهِ وَتَكَلَّفُوا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَحْوِهَا بِمَا لَا يَتِمُّ بِهِ مُدَّعَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: " إنَّهُ ﷺ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ ". قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطِّيبُ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهِ: (لِإِحْرَامِهِ) وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِ ﷺ وَلَا يَتِمُّ ثُبُوتُ الْخُصُوصِيَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ عَلَيْهَا بَلْ الدَّلِيلُ قَائِمٌ عَلَى خِلَافِهَا وَهُوَ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «كُنَّا نَنْضَحُ وُجُوهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ فَنَعْرَقَ وَيَسِيلُ عَلَى وُجُوهِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأَحْمَدُ بِلَفْظِ «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ فَنَنْضَحُ جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَإِذَا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَا يَنْهَانَا». وَلَا يُقَالُ: هَذَا خَاصٌّ بِالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الطِّيبِ سَوَاءٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالطِّيبُ يُحَرَّمُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَا قَبْلَهُ وَإِنْ دَامَ حَالُهُ فَإِنَّهُ كَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِيهِ وَالنِّكَاحُ إنَّمَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ ابْتِدَائِهِ لَا مِنْ اسْتِدَامَتِهِ فَكَذَلِكَ الطِّيبُ، وَلِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ النَّظَافَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ كَمَا يُقْصَدُ بِالنَّظَافَةِ إزَالَةُ مَا يَجْمَعُهُ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ مِنْ الْوَسَخِ وَلِذَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَأْخُذَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِي «الرَّجُلِ الَّذِي جَاءَ يَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي عُمْرَتِهِ وَكَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالطِّيبِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ بَعْدَهَا تَضَمَّخَ بِالطِّيبِ؟ فَقَالَ ﷺ :. أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِك فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» - الْحَدِيثَ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ كَانَا بِالْجِعْرَانَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقَدْ حَجَّ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ وَاسْتَدَامَ الطِّيبُ وَإِنَّمَا يُؤَخَّرُ الْآخِرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ وَقَوْلُهَا: (لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) الْمُرَادُ لِحِلِّهِ الْإِحْلَالَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ كُلُّ مَحْظُورٍ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَقَدْ كَانَ حَلَّ بَعْضُ الْإِحْلَالِ وَهُوَ بِالرَّمْيِ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الطِّيبُ وَغَيْرُهُ وَلَا يُمْنَعُ بَعْدَهُ إلَّا مِنْ النِّسَاءِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فَعَلَ الْحَلْقَ وَالرَّمْيَ وَبَقِيَ الطَّوَافُ.

стр. 598

٦٨٤ - وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٦٨٥ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنْكِحُ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ أَيْ لَا يَنْكِحُ هُوَ لِنَفْسِهِ (الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارِعَةِ لَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ (وَلَا يَخْطُبُ) لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُ الْخُطْبَةِ كَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِذَلِكَ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي رَافِعٍ «أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا ﷺ وَهُوَ حَلَالٌ» أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ السَّفِيرُ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ مَيْمُونَةَ وَلِأَنَّهَا رِوَايَةُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَمْ يَرْوِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا إلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ حَتَّى قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: ذُهِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتُهُ مَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا بَعْدَمَا حَلَّ. ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. ثُمَّ ظَاهِرُ النَّهْيِ فِي الثَّلَاثَةِ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنَّهُ قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ فِي الْخُطْبَةِ لِلتَّنْزِيهِ وَإِنَّهُ إجْمَاعٌ فَإِنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ فَذَاكَ وَلَا أَظُنُّ صِحَّتَهُ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ هُوَ التَّحْرِيمُ. ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ هَذَا نَقْلًا عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا تُحَرَّمُ الْخُطْبَةُ أَيْضًا قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْجَمِيعِ نَهْيًا وَاحِدًا وَلَمْ يَفْصِلْ وَمُوجَبُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَلَيْسَ مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مِنْ أَثَرٍ أَوْ نَظَرٍ. «وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَكَانَ ذَلِكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَصْحَابِهِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ؟ فَقَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَشْكَلَ عَدَمُ إحْرَامِ أَبِي قَتَادَةَ وَقَدْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابَهُ لِكَشْفِ عَدُوٍّ لَهُمْ بِالسَّاحِلِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 599

٦٨٦ - وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁. أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَلْ بَعَثَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ الْمَوَاقِيتُ قَدْ وُقِّتَتْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدِ الْبَرِّ وَالْمُرَادُ بِهِ إنْ صَادَهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ إعَانَةٌ عَلَى قَتْلِهِ بِشَيْءٍ وَهُوَ رَأْيُ الْجَمَاهِيرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِيهِ. وَقِيلَ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إعَانَةٌ عَلَيْهِ. وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ عَمَلًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّيْدِ الْمَصِيدُ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ الِاصْطِيَادُ وَلَفْظُ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ لَكِنْ بَيَّنَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمُرَادَ وَزَادَهُ بَيَانًا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ مَقَالًا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ. وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ الْحَيَوَانُ الَّذِي يُصَادُ فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الِاصْطِيَادِ مِنْ آيَاتٍ أُخَرَ وَمِنْ أَحَادِيثَ، وَوَقَعَ الْبَيَانُ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي الْمُرَادِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَهِيَ قَوْلُهُ ﷺ : " هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ " وَفِي رِوَايَةٍ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَهَا» إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ الشَّيْخَانِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَاسْتَدَلَّ الْمَانِعُ؛ لِأَكْلِ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ. ٦٨٦ - وَعَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ ﵁. أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا. وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ الصَّعْبِ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٍ (ابْنِ جَثَّامَةَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا» وَفِي رِوَايَةٍ حِمَارَ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَفِي أُخْرَى لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ وَفِي أُخْرَى عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَضُدًا مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ كُلِّهَا فِي مُسْلِمٍ (وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ) بِالْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودَةً (أَوْ بِوَدَّانَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ رَوَاهُ الْمُحَدِّثُونَ وَأَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: صَوَابُهُ ضَمُّهَا؛ لِأَنَّهُ الْقَاعِدَةُ فِي تَحْرِيكِ السَّاكِنِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ الْغَائِبِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي رَدِّهِ وَنَحْوِهِ لِلْمُذَكَّرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَوْضَحُهَا الضَّمُّ وَالثَّانِي

стр. 600

٦٨٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ وَالْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْكَسْرُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالثَّالِثُ الْفَتْحُ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ نَحْوُ رَدَّهَا فَإِنَّهُ بِالْفَتْحِ (عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ مُحْرِمُونَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَحْمُ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ﷺ رَدَّهُ لِكَوْنِهِ مُحْرِمًا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ صَادَهُ؛ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا فَدَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ مُطْلَقًا وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صِيدَ؛ لِأَجْلِهِ ﷺ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ إذَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ إطْرَاحِ بَعْضِهَا، وَقَدْ دَلَّ لِهَذَا أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمَاضِي عِنْد أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ «إنَّمَا صِدْته لَهُ وَأَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَأْكُلُونَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْته أَنِّي اصْطَدْته لَهُ». قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: قَوْلُهُ: اصْطَدْته لَك وَأَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْمَرٍ (قُلْت): مَعْمَرٌ ثِقَةٌ لَا يَضُرُّ تَفَرُّدُهُ وَيَشْهَدُ لِلزِّيَادَةِ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ وَإِبَانَةُ الْمَانِعِ مِنْ قَبُولِهَا إذَا رَدَّهَا وَاعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى النَّبِيَّ ﷺ الْحِمَارَ حَيًّا فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﷺ قَدْ فَهِمَ أَنَّهُ صَادَهُ؛ لِأَجْلِهِ وَأَمَّا رِوَايَةُ «أَنَّهُ ﷺ أَكَلَ مِنْهُ» الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَقْوَى مِنْ الرِّوَايَاتِ رِوَايَةَ لَحْمِ حِمَارٍ قَالَ: لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي رِوَايَةَ مَنْ رَوَى حِمَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسَمَّى الْجُزْءُ بِاسْمِ الْكُلِّ وَهُوَ شَائِعٌ فِي اللُّغَةِ وَلِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ اتَّفَقَتْ أَنَّهُ بَعْضٌ مِنْ أَبْعَاضِ الْحِمَارِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهَا فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُهْدَى مِنْ الشِّقِّ الَّذِي فِيهِ الْعَجُزُ الَّذِي فِيهِ رِجْلُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ (وَالْعَقْرَبُ) يُقَالُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ يُقَالُ: عَقْرَبَةٌ (وَالْفَأْرَةُ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا أَلِفًا (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْبُخَارِيِّ زِيَادَةً ذَكَرَ الْحَيَّةَ
следующие страницы →