← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ ٩٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. (بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عِشْرَةِ الرِّجَالِ أَيْ الْأَزْوَاجِ النِّسَاءَ أَيْ الزَّوْجَاتِ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ) رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعُمَرُ، وَخُزَيْمَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالْبَرَاءُ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَفِي طُرُقِهِ جَمِيعِهَا كَلَامٌ، وَلَكِنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ يَشُدُّ بَعْضُ طُرُقِهِ بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْأُمَّةُ إلَّا الْقَلِيلَ لِلْحَدِيثِ هَذَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُحِلَّ تَعَالَى إلَّا الْقُبُلَ كَمَا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وَقَوْلُهُ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَأَبَاحَ مَوْضِعَ الْحَرْثِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْحَرْثِ نَبَاتُ الزَّرْعِ فَكَذَلِكَ النِّسَاءُ الْغَرَضُ مِنْ إتْيَانِهِنَّ هُوَ طَلَبُ النَّسْلِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْقُبُلِ فَيَحْرُمُ مَا عَدَا مَوْضِعَ الْحَرْثِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْمُشَابَهَةِ فِي كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلزَّرْعِ، وَأَمَّا حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ، وَذَهَبَتْ الْإِمَامِيَّةُ إلَى جَوَازِ إتْيَانِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ بَلْ وَالْمَمْلُوكِ فِي الدُّبُرِ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصِحَّ فِي تَحْلِيلِهِ، وَلَا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنْ قَالَ الرَّبِيعُ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ، وَيُقَالُ إنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِحِلِّهِ فِي

стр. 842

٩٥٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ ٩٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا، وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» الْقَدِيمِ، وَفِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ، وَقَالَ إنَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ إبَاحَتَهُ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ أَفْحَشَ الْغَلَطَ وَأَقْبَحَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَبَاحُوهُ أَنْ يَكُونَ الدُّبُرُ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَيَطَأَ مِنْ الدُّبُرِ فَاشْتَبَهَ عَلَى السَّامِعِ انْتَهَى. وَيُرْوَى جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنْكَرَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَدْ أَطَالَ الشَّارِح الْقَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَى اسْتِيفَائِهِ هُنَا، وَقَرَّرَ آخِرًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ قَوْلُهُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ) عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا سِيَّمَا ذِكْرُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْوَعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ» بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا وَاحِدِ الْأَضْلَاعِ «فَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ مِنْ الضِّلْعِ أَعْلَاهُ إذَا ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» أَيْ اقْبَلُوا الْوَصِيَّةَ فِيهِنَّ، وَالْمَعْنَى إنِّي أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا أَوْ الْمَعْنَى يُوصِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِيهِنَّ خَيْرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا، وَبِهَا عِوَجٌ» هُوَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عَلَى الْأَرْجَحِ «وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْجَارِ، وَأَنَّ مَنْ آذَى الْجَارَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْهُ كُفْرُ مَنْ آذَى جَارَهُ إلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْإِيمَانِ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ الِاتِّصَافُ بِهِ، وَقَدْ عُدَّ أَذَى الْجَارِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ إيمَانًا كَامِلًا، وَقَدْ وَصَّى اللَّهُ عَلَى الْجَارِ فِي الْقُرْآنِ، وَحَدُّ الْجَارِ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا كَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَزَلْت فِي مَحَلِّ بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّ أَشَدَّهُمْ لِي أَذًى أَقْرَبُهُمْ إلَيَّ دَارًا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا ﵃ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَصِيحُونَ عَلَى أَنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ خَافَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ» وَهَذَا فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَذِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِ مُطْلَقًا مُحَرَّمَةٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْجَارِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا فَلَا يُغْتَفَرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَذًى حَتَّى وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهُ لَا يُؤْذِيهِ بِقُتَارِ قِدْرِهِ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ لَهُ مِنْ مَرَقَتِهِ، وَلَا يَحْجِزُ عَنْهُ الرِّيحَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى فَاكِهَةً أَهْدَى إلَيْهِ مِنْهَا»، وَحُقُوقُ الْجَارِ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ، وَقَوْلُهُ (وَاسْتَوْصُوا) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَاهُ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ» يُرِيدُ خُلِقْنَ خَلْقًا فِيهِ اعْوِجَاجٌ لِأَنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ أَصْلٍ مُعْوَجٍّ، وَالْمُرَادُ أَنَّ حَوَّاءَ أَصْلُهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الْأَقْصَرِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ نَائِمٌ»، وَقَوْلُهُ «وَإِنَّ أَعْوَجَ مَا فِي الضِّلْعِ» إخْبَارٌ بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَجِ أَجْزَاءِ الضِّلْعِ مُبَالَغَةً فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُنَّ، وَضَمِيرُ قَوْلِهِ تُقِيمُهُ، وَكَسَرْته لِلضِّلْعِ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَكَذَا جَاءَ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ تُقِيمُهَا، وَكَسَرْتهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ «، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا»، وَالْحَدِيثُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ وَالِاحْتِمَالِ لَهُنَّ وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إصْلَاحِ أَخْلَاقِهِنَّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعِوَجِ فِيهَا، وَأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْعِوَجِ هُنَا، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَوَجُ بِالْفَتْحِ

стр. 844

٩٥٥ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا». فِي كُلِّ مُنْتَصِبٍ كَالْحَائِطِ وَالْعُودِ وَشِبْهِهِمَا وَبِالْكَسْرِ مَا كَانَ فِي بِسَاطٍ أَوْ مَعَاشٍ أَوْ دِينٍ، وَيُقَالُ فُلَانٌ فِي دِينِهِ عِوَجٌ بِالْكَسْرِ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ ﷺ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا يَعْنِي عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ (وَتَسْتَحِدَّ) بِسِينٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ (الْمُغَيَّبَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ التَّأَنِّي لِلْقَادِمِ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَشْعُرُوا بِقُدُومِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ بِزَمَانٍ يَتَّسِعُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ تَحْسِينِ هَيْئَاتِ مَنْ غَابَ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الِامْتِشَاطِ، وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ بِالْمُوسَى مَثَلًا مِنْ الْمَحَلَّاتِ الَّتِي يَحْسُنُ إزَالَتُهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُمْ فِي هَيْئَةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ فَيَنْفِرَ الزَّوْجُ عَنْهُنَّ، وَالْمُرَادُ إذَا سَافَرَ سَفَرًا يُطِيلُ فِيهِ الْغَيْبَةَ كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطُّرُوقُ الْمَجِيءُ بِاللَّيْلِ مِنْ سَفَرٍ، وَغَيْرِهِ عَلَى غَفْلَةٍ، وَيُقَالُ لِكُلِّ آتٍ بِاللَّيْلِ طَارِقٌ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إلَّا مَجَازًا، وَقَوْلُهُ (لَيْلًا) ظَاهِرُهُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي دُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَعَلَّلَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ (بَابُ لَا يَطْرُقُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا إذَا أَطَالَ الْغَيْبَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ) فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَكُونُ اللَّيْلُ جُزْءَ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الرِّيبَةَ تَغْلِبُ فِي اللَّيْلِ، وَتَنَدُّرُ فِي النَّهَارِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا صَرَّحَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (لِكَيْ تَمْتَشِطَ إلَى آخِرِهِ) فَهُوَ حَاصِلٌ فِي اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ قِيلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالتَّزْيِينِ هُوَ تَحْصِيلٌ لِكَمَالِ الْغَرَضِ مِنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ فَالْقَادِمُ فِي النَّهَارِ يَتَأَنَّى لِيَحْصُلَ لِزَوْجَتِهِ التَّنْظِيفُ وَالتَّزْيِينُ لِوَقْتِ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ اللَّيْلُ بِخِلَافِ الْقَادِمِ فِي اللَّيْلِ، وَكَذَلِكَ مَا يُخْشَى مِنْهُ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى وُجُودِ أَجْنَبِيٍّ هُوَ فِي الْأَغْلَبِ

стр. 845

٩٥٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. يَكُونُ فِي اللَّيْلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَطْرُقَ النِّسَاءَ لَيْلًا فَطَرَقَ رَجُلَانِ كِلَاهُمَا فَوَجَدَ - يُرِيدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ امْرَأَتِهِ مَا يَكْرَهُ»، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ أَتَى امْرَأَتَهُ لَيْلًا، وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ تَمْشُطُهَا فَظَنَّهَا رَجُلًا فَأَشَارَ إلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا»، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْأَهْلِ، وَالْحَثُّ عَلَى مَا يَجْلِبُ التَّوَدُّدَ وَالتَّحَابَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِمَا يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَهْلِ، وَبِغَيْرِهِمْ أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِحْدَادَ وَنَحْوَهُ مِمَّا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا مَحْبُوبٌ لِلشَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ» مِنْ أَفْضَى الرَّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ جَامَعَهَا أَوْ خَلَا بِهَا جَامِع أَوْ لَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ «وَتُفْضِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أَيْ وَتَنْشُرُ سِرَّهُ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ «إنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ» " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَشَرُّ وَأَخْيَرُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَشَرٌّ مِنْهُ قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي جَوَازِهِمَا جَمِيعًا، وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إفْشَاءِ الرَّجُلِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوَقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَةِ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْوِقَاعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ فَذِكْرُهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَوْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ، بِأَنْ كَانَ يُنْكِرُ إعْرَاضَهُ عَنْهَا أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْزَ عَنْ الْجِمَاعِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذِكْرِهِ كَمَا قَالَ ﷺ «إنِّي لَأَفْعَلُهُ أَنَا وَهَذِهِ»، وَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ «أَعَرَّسْتُمْ اللَّيْلَةَ»، وَقَالَ لِجَابِرٍ «الْكَيْسَ الْكَيْسَ» وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ لَهَا إفْشَاءُ سِرِّهِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ نَصٌّ أَيْضًا.

стр. 846

٩٥٧ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) أَيْ ابْنِ حَيْدَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، وَمُعَاوِيَةُ صَحَابِيٌّ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَكِيمٌ، وَرَوَى عَنْ حَكِيمٍ ابْنُهُ بَهْزٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فَزَايٍ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا» هَكَذَا بِعَدَمِ التَّاءِ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ، وَجَاءَ زَوْجَةُ بِالتَّاءِ (عَلَيْهِ «قَالَ تُطْعِمُهَا إذَا أَكَلْت وَتَكْسُوهَا إذَا اكْتَسَيْت، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ) حَيْثُ قَالَ (بَابُ هَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ، وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ رَفْعُهُ «، وَلَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ»، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَكِسْوَتِهَا، وَأَنَّ النَّفَقَةَ بِقَدْرِ سَعَتِهِ لَا يُكَلَّفُ فَوْقَ وُسْعِهِ لِقَوْلِهِ إذَا أَكَلْت، كَذَا قِيلَ. وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ خَفَاءٌ فَمَتَى قَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِ النَّفَقَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهَا دُونَ زَوْجَتِهِ، وَلَعَلَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ سَدِّ خَلَّتِهِ لِحَدِيثِ ابْدَأْ بِنَفْسِك، وَمِثْلُهُ الْقَوْلُ فِي الْكِسْوَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الضَّرْبِ تَأْدِيبًا إلَّا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِلزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ لَا تُقَبِّحْ أَيْ لَا تُسْمِعْهَا مَا تَكْرَهُ، وَتَقُولُ قَبَّحَك اللَّهُ وَنَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ الْجَافِي، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا تَهْجُرْ إلَّا فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ هَجْرَهَا فِي الْمَضْجَعِ تَأْدِيبًا لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ فَلَا يَهْجُرْهَا إلَّا فِي الْبَيْتِ، وَلَا يَتَحَوَّلْ إلَى دَارٍ أُخْرَى أَوْ يُحَوِّلْهَا إلَيْهَا إلَّا أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا دَلَّتْ أَنَّهُ ﷺ هَجَرَ نِسَاءَهُ فِي غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ، وَخَرَجَ إلَى مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ إنَّ هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ. هَذَا، وَقَدْ يُقَالُ دَلَّ فِعْلُهُ عَلَى جَوَازِ هَجْرِهِنَّ فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ، وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ عَلَى هَجْرِهِنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَيَكُونُ مَفْهُومُ الْحَصْرِ غَيْرَ مُرَادٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْهَجْرِ فَالْجُمْهُورُ فَسَّرُوهُ بِتَرْكِ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ وَالْإِقَامَةِ عِنْدِهِنَّ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ مِنْ

стр. 847

٩٥٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ. فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. الْهِجْرَانِ بِمَعْنَى الْبُعْدِ، وَقِيلَ يُضَاجِعُهَا، وَيُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ، وَقِيلَ يَتْرُكُ جِمَاعَهَا، وَقِيلَ يُجَامِعُهَا، وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقِيلَ مِنْ الْهَجْرِ الْإِغْلَاظُ فِي الْقَوْلِ، وَقِيلَ مِنْ الْهِجَارِ، وَهُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ الْبَعِيرُ أَيْ أَوْثِقُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَوَهَّاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ سَمِعْت جَابِرًا يَقُولُ «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا أَيْ فِي قُبُلِهَا كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾» وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى ثَلَاثِهِ أَقْوَالٍ: (الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ أَنَّهُ فِي إتْيَانِ الْمَرْأَةِ مِنْ وَرَائِهَا فِي قُبُلِهَا، وَأَخْرَجَ هَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ جَابِرٍ، وَغَيْرِهِ، وَاجْتَمَعَ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ طَرِيقًا صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْقُبُلِ، وَفِي أَكْثَرِهَا الرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ (الثَّانِي) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حِلِّ إتْيَانِ دُبُرِ الزَّوْجَةِ أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا (الثَّالِثُ) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حِلِّ الْعَزْلِ عَنْ الزَّوْجَةِ أَخْرَجَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ فَالرَّاجِحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَابْنُ عُمَرَ قَدْ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْعَزْلُ لَا يُنَاسِبُهُ لَفْظُ الْآيَةِ. هَذَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إذَا شِئْتُمْ فَهُوَ بَيَانٌ لِلَفْظِ أَنَّى، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى إذَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ عَلَى أَنَّ إتْيَانَ الزَّوْجَةِ مَوْكُولٌ إلَى مَشِيئَةِ الزَّوْجِ.

стр. 848

٩٥٩ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا، فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتنَا فَإِنَّهُ إنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ الْقَوْلُ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ عِنْدَ الْإِرَادَةِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُفَسِّرُ رِوَايَةَ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ - أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ - بِأَنَّ الْمُرَادَ حِينَ يُرِيدُ، وَضَمِيرُ جَنِّبْنَا لِلرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيُّ «جَنِّبْنِي وَجَنِّبْ مَا رَزَقْتنِي» بِالْإِفْرَادِ، وَقَوْلُهُ «لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» أَيْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَفْيُ الضَّرَرِ عَلَى وَجِهَةِ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ غَيْرُ مُرَادٍ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ مِنْ صِيغَةِ النَّفْيِ مَعَ التَّأْبِيدِ، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ «كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي بَطْنِهِ حِينَ يُولَدُ إلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا» فَإِنَّ فِي هَذَا الطَّعْنِ نَوْعَ ضَرَرٍ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ صُرَاخِهِ قُلْت هَذَا مِنْ الْقَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى عُمُومِ الضَّرَرِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ، وَقِيلَ لَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا الدِّينِيَّ، وَأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادِ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّهُ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ، وَفِيهِ فَكَانَ يُرْجَى إنْ حَمَلَتْ بِهِ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا صَالِحًا، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ، وَلَيْسَتْ إلَّا لِلْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْعِصْمَةَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ، وَفِي حَقِّ مَنْ دُعِيَ لِأَجْلِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ عَلَى جِهَةِ الْجَوَازِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوجَدَ مَنْ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ عَمْدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُ، وَقِيلَ لَمْ يَضُرَّهُ لَمْ يَفْتِنْهُ فِي دِينِهِ إلَى الْكُفْرِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ عِصْمَتَهُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ لَمْ يَضُرَّهُ مُشَارَكَةُ الشَّيْطَانِ لِأَبِيهِ فِي جِمَاعِ أُمِّهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا جَاءَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الَّذِي يُجَامِعُ، وَلَا يُسَمِّي يَلْتَفُّ الشَّيْطَانُ عَلَى إحْلِيلِهِ فَيُجَامِعُ مَعَهُ قِيلَ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْرَبُ الْأَجْوِبَةِ قُلْت إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَخْرَجَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ ثُمَّ هُوَ مُرْسَلٌ ثُمَّ الْحَدِيثُ سِيقَ لِفَائِدَةٍ تَحْصُلُ لِلْوَلَدِ، وَلَا تَحْصُلُ عَلَى هَذَا، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ إنَّ عَدَمَ مُشَارَكَةِ الشَّيْطَانِ

стр. 849

٩٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ لِأَبِيهِ فِي جِمَاعِ أُمِّهِ فَائِدَةٌ عَائِدَةٌ عَلَى الْوَلَدِ أَيْضًا، وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّسْمِيَةِ، وَبَيَانُ بَرَكَتِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَنْ يَعْتَصِمَ بِاَللَّهِ وَذِكْرِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَالتَّبَرُّكُ بِاسْمِهِ، وَالِاسْتِعَاذَةُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَسْوَاءِ، وَفِيهِ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُفَارِقُ ابْنَ آدَمَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا إذَا ذَكَرَ اللَّهَ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» أَيْ وَتَرْجِعَ عَنْ الْعِصْيَانِ فَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ «حَتَّى تَرْجِعَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ «كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» الْحَدِيثُ إخْبَارٍ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إجَابَةُ زَوْجِهَا أَيْ إذَا دَعَاهَا لِلْجِمَاعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَى فِرَاشِهِ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»، وَدَلِيلُ الْوُجُوبِ لَعْنُ الْمَلَائِكَةِ لَهَا إذْ لَا يَلْعَنُونَ إلَّا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا عُقُوبَةً، وَلَا عُقُوبَةَ إلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، وَقَوْلُهُ «حَتَّى تُصْبِحَ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي اللَّيْلِ، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ لِأَنَّهُ خَرَجَ ذِكْرُهُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا إجَابَتُهُ نَهَارًا، وَقَدْ أَخْرَجَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِاللَّيْلِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ لَهُمْ إلَى السَّمَاءِ حَسَنَةٌ - الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا حَتَّى يَرْضَى»، وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي سَخَطِهِ مُطْلَقًا، وَلَوْ لِعَدَمِ طَاعَتِهَا فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ، وَلَيْسَ فِيهِ لَعْنٌ إلَّا أَنَّ فِيهِ وَعِيدًا شَدِيدًا يَدْخُلُ فِيهِ عَدَمُ طَاعَتِهَا لَهُ فِي جِمَاعِهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ: «فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا» أَيْ زَوْجُهَا، وَقِيلَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَتَّجِهُ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُ مَعْصِيَتِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَغْضَبْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ، وَفِي قَوْلِهِ «لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ» دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْعَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَمَّنْ هُوَ لَهُ، وَقَدْ طَلَبَهُ يُوجِبُ

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . سَخَطَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَانِعِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَقُّ فِي بَدَنٍ أَوْ مَالٍ قِيلَ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِرْهَابِ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوَاقِعَ الْمَعْصِيَةَ فَإِذَا وَاقَعَهَا دُعِيَ لَهُ بِالتَّوْبَةِ، وَالْمَغْفِرَةِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِهِ لِهَذَا عَنْ الْمُهَلَّبِ لَيْسَ هَذَا التَّقْيِيدُ مُسْتَفَادًا مِنْ الْحَدِيثِ بَلْ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى، وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ مَنَعَ اللَّعْنَ أَرَادَ بِهِ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، وَهُوَ الْإِبْعَادُ مِنْ الرَّحْمَةِ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ أَنْ يُدْعَى بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ بَلْ يُطْلَبُ لَهُ الْهِدَايَةُ وَالتَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَاَلَّذِي أَجَازَهُ أَرَادَ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيَّ، وَهُوَ مُطْلَقُ السَّبِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَرْتَدِعُ الْعَاصِي بِهِ وَيَنْزَجِرُ، وَلَعْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ اللَّعْنِ مِنَّا فَإِنَّ التَّكْلِيفَ مُخْتَلِفٌ انْتَهَى كَلَامُهُ. (قُلْت) قَوْلُ الْمُهَلَّبِ إنَّهُ يُلْعَنُ قَبْلَ وُقُوعِ الْمَعْصِيَةِ لِلْإِرْهَابِ كَلَامٌ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُهُ قَبْلَ إيقَاعِهِ لَهَا أَصْلًا لِأَنَّ سَبَبَ اللَّعْنِ وُقُوعُهَا مِنْهُ فَقَبْلَ وُقُوعِ السَّبَبِ لَا وَجْهَ لِإِيقَاعِ الْمُسَبَّبِ. ثُمَّ إنَّهُ رَتَّبَ فِي الْحَدِيثِ لَعْنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى إبَاءِ الْمَرْأَةِ عَنْ الْإِجَابَةِ، وَأَحَادِيثُ " لَعَنَ اللَّهُ شَارِبَ الْخَمْرِ " رُتِّبَ فِيهَا اللَّعْنُ عَلَى وَصْفِ كَوْنِهِ شَارِبًا، وَقَوْلُ الْحَافِظِ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ مَعْنَاهُ الْعُرْفِيُّ جَازَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِلشَّارِعِ إلَّا الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَنَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُ مَنْ ذُكِرَ، وَبِأَنَّهُ تَعَالَى لَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِلَعْنِهِ فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِلَعْنِهِ وَجَبَ عَلَيْنَا الِامْتِثَالُ، وَلَعْنُهُ مَا لَمْ تُعْلَنْ تَوْبَتُهُ، وَنُدِبَ لَنَا الدُّعَاءُ لَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِلتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُ مَنْ ذُكِرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ عَامٌّ يَشْمَلُ مَنْ يَلْعَنُونَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهُمْ الْمُرَادُونَ فِي الْآيَةِ إذْ الْمُرَادُ مِنْ عُصَاةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ الْمُحْتَاجُونَ إلَى الِاسْتِغْفَارِ لَا أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ - الْآيَةَ كَمَا قِيلَ لِأَنَّ التَّائِبَ مَغْفُورٌ لَهُ، وَإِنَّمَا دُعَاؤُهُمْ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ تَعَبُّدٌ، وَزِيَادَةُ تَنْوِيهٍ بِشَأْنِ التَّائِبِينَ، وَأَمَّا شُمُولُ عُمُومِهَا الْكُفَّارَ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، وَبِهَذَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَامُوا بِالْأَمْرَيْنِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ رِعَايَةُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ، وَلَعْنُ مَنْ عَصَاهُ فِي قَضَاءِ شَهْوَتِهِ مِنْهُ، وَأَيُّ رِعَايَةٍ أَعْظَمُ مِنْ رِعَايَةِ الْمِلْكِ الْكَبِيرِ لِلْعَبْدِ الْحَقِيرِ فَلْيَكُنْ لِنِعَمِ مَوْلَاهُ ذَاكِرًا، وَلِأَيَادِيهِ شَاكِرًا، وَمِنْ مَعَاصِيهِ مُحَاذِرًا، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ مُذَاكِرًا.

стр. 851

٩٦١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ، وَالْمُسْتَوْصِلَة، وَالْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَة» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ» بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ «، وَالْمُسْتَوْصِلَة، وَالْوَاشِمَةَ» بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ «وَالْمْسْتَوْصِلَة». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْوَاصِلَةُ هِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَصِلُ شَعْرَهَا بِشَعْرِ غَيْرِهَا سَوَاءٌ فَعَلَتْهُ لِنَفْسِهَا أَوْ لِغَيْرِهَا، وَالْمُسْتَوْصِلَة الَّتِي تَطْلُبُ فِعْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فِي الشَّرْحِ، وَيُفْعَلُ بِهَا، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَالْوَاشِمَةُ فَاعِلَةُ الْوَشْمِ، وَهُوَ أَنْ تَغْرِزَ إبْرَةً وَنَحْوَهَا فِي ظَهْرِ كَفِّهَا أَوْ شَفَتِهَا أَوْ نَحْوِهِمَا مِنْ بَدَنِهَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ثُمَّ تَحْشُوَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بِالْكُحْلِ وَالنُّورَةِ فَيَخْضَرَّ وَالْمُسْتَوْصِلَة الطَّالِبَةُ لِذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فَالْوَصْلُ مُحَرَّمٌ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا بِشَعْرٍ مُحَرَّمٍ أَوْ غَيْرِهِ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ذَاتَ زِينَةٍ أَوْ لَا مُزَوَّجَةً أَوْ غَيْرَ مُزَوَّجَةٍ، وَلِلْهَادَوِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ خِلَافٌ، وَتَفَاصِيلُ لَا يَنْهَضُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ بَلْ الْأَحَادِيثُ قَاضِيَةٌ بِالتَّحْرِيمِ مُطْلَقًا لِوَصْلِ الشَّعْرِ وَاسْتِيصَالِهِ كَمَا هِيَ قَاضِيَةٌ بِتَحْرِيمِ الْوَشْمِ وَسُؤَالِهِ وَدَلَّ اللَّعْنُ أَنَّ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ. هَذَا، وَقَدْ عُلِّلَ الْوَشْمُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ، وَلَا يُقَالُ إنَّ الْخِضَابَ بِالْحِنَّاءِ، وَنَحْوَهُ تَشْمَلُهُ الْعِلَّةُ، وَإِنْ شَمِلَتْهُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي عَصْرِهِ ﷺ بَلْ أَمَرَ بِتَغْيِيرِ بَيَاضِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ بِالْخِضَابِ كَمَا فِي قِصَّةِ هِنْدٍ فَأَمَّا وَصْلُ الشَّعْرِ بِالْحَرِيرِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْخِرَقِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالطَّبَرِيُّ، وَكَثِيرُونَ أَوْ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْوَصْلُ مَمْنُوعٌ بِكُلِّ شَيْءٍ سَوَاءٌ وَصَلَتْهُ بِصُوفٍ أَوْ حَرِيرٍ أَوْ خِرَقٍ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا»، وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالْوَصْلِ بِالشَّعْرِ، وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِصُوفٍ أَوْ خِرَقٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهَا. قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا رَبْطُ خُيُوطِ الْحَرِيرِ الْمُلَوَّنَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُشْبِهُ الشَّعْرَ فَلَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْلٍ، وَلَا لِمَعْنًى مَقْصُودٍ مِنْ الْوَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّجَمُّلِ وَالتَّحْسِينِ انْتَهَى. وَمُرَادُهُ مِنْ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ هُوَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِدَاعِ لِلزَّوْجِ فَمَا كَانَ لَوْنُهُ مُغَايِرًا لِلَوْنِ الشَّعْرِ فَلَا خِدَاعَ فِيهِ.

стр. 852

٩٦٢ - وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵄ قَالَتْ: «حَضَرْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ فَنَظَرْت فِي الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَيُرْوَى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قِيلَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ هِيَ أُخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ مُحْصِنٍ مِنْ أُمِّهِ هَاجَرَتْ مَعَ قَوْمِهَا، وَكَانَتْ تَحْتَ أُنَيْسِ بْنِ قَتَادَةَ مُصَغَّرُ أَنَسٍ (قَالَتْ: «حَضَرْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ» بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ («فَنَظَرْت فِي الرُّومِ، وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلَادَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) اشْتَمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ " الْأُولَى الْغِيلَةُ " تَقَدَّمَ ضَبْطُهَا، وَيُقَالُ لَهَا الْغَيَلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعَ فَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَالْغِيَالُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِهَا مُجَامَعَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ تُرْضِعُ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَالْأَصْمَعِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ هِيَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ حَامِلٌ، وَالْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ دَاءٌ، وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَ عَدَمَ الضَّرَرِ الَّذِي زَعَمَهُ الْعَرَبُ، وَالْأَطِبَّاءُ بِأَنَّ فَارِسًا وَالرُّومَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا ضَرَرَ يَحْدُثُ مَعَ الْأَوْلَادِ، وَقَوْلُهُ «فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ» مِنْ أَغَالَ يُغِيلُ "، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْعَزْلُ "، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ، وَهُوَ أَنْ يَنْزِعَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْإِيلَاجِ لِيُنْزِلَ خَارِجَ الْفَرْجِ، وَهُوَ يُفْعَلُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَمَّا فِي حَقِّ الْأَمَةِ فَلِئَلَّا تَحْمِلَ كَرَاهَةً لِمَجِيءِ الْوَلَدِ مِنْ الْأَمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ بَيْعُهَا، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْحُرَّةِ فَكَرَاهَةَ ضَرَرِ الرَّضِيعِ إنْ كَانَ أَوْ لِئَلَّا تَحْمِلَ الْمَرْأَةُ، وَقَوْلُهُ فِي جَوَابِ سُؤَالِهِمْ عَنْهُ «إنَّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ» دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِهِ لِأَنَّ الْوَأْدَ دَفْنُ الْبِنْتِ حَيَّةً، وَبِالتَّحْرِيمِ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ الْكِتَابِ هَذَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجُوزُ عَنْ الْحُرَّةِ بِإِذْنِهَا وَعَنْ الْأَمَةِ السُّرِّيَّةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا، وَلَهُمْ خِلَافٌ فِي الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ بِحُرٍّ قَالُوا: وَحَدِيثُ الْكِتَابِ مُعَارَضٌ بِحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَتْ لَنَا جَوَارٍ، وَكُنَّا نَعْزِلُ فَقَالَتْ الْيَهُودُ تِلْكَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَذَبَتْ الْيَهُودُ، وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَهُ لَمْ تَسْتَطِعْ رَدَّهُ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالثَّانِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ يَحْمِلُ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ جُذَامَةَ

стр. 853

٩٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ: أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قَالَ: كَذَبَتْ الْيَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ» عَلَى التَّنْزِيهِ، وَرَجَّحَ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثَ جُذَامَةَ، وَأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّحْرِيمِ بِأَنَّ حَدِيثَ غَيْرِهَا مُرَجِّحٌ لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَحَدِيثُهَا مَانِعٌ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ الْمَنْعِ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَنُوزِعَ ابْنُ حَزْمٍ فِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ ﷺ «ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ» عَلَى الصَّرَاحَةِ بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لِلْوَأْدِ الْمُحَقَّقِ الَّذِي هُوَ قَطْعُ حَيَاةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَالْعَزْلُ، وَإِنْ شَبَّهَهُ ﷺ بِهِ فَإِنَّمَا هُوَ قَطْعٌ لِمَا يُؤَدِّي إلَى الْحَيَاةِ، وَالْمُشَبَّهُ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ وَأْدًا لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ قَصْدِ مَنْعِ الْحَمْلِ، وَأَمَّا عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ الْعَزْلِ فَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مُعَانَدَةٌ لِلْقَدَرِ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ. (فَائِدَةٌ) مُعَالَجَةُ الْمَرْأَةِ لِإِسْقَاطِ النُّطْفَةِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ يَتَفَرَّعُ جَوَازُهُ وَعَدَمُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَزْلِ، وَمَنْ أَجَازَهُ أَجَازَ الْمُعَالَجَةَ، وَمَنْ حَرَّمَهُ حَرَّمَ هَذَا بِالْأَوْلَى، وَيَلْحَقُ بِهَذَا تَعَاطِي الْمَرْأَةِ مَا يَقْطَعُ الْحَبَلَ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قَوْلِهِمْ بِإِبَاحَةِ الْعَزْلِ مُطْلَقًا. ٩٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ: أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى. قَالَ: كَذَبَتْ الْيَهُودُ، لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ،، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تُحَدِّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى قَالَ: كَذَبَتْ الْيَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْت أَنْ تَصْرِفَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) الْحَدِيثُ قَدْ عَارَضَ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَتَسْمِيَتُهُ ﷺ الْعَزْلَ الْوَأْدَ الْخَفِيَّ، وَفِي هَذَا كَذَبَ يَهُودٌ فِي تَسْمِيَتِهِ الْمَوْءُودَةَ الصُّغْرَى، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ حُمِلَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَتَكْذِيبِ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا التَّحْرِيمَ الْحَقِيقِيَّ، وَقَوْلُهُ «لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ» - إلَى آخِرِهِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ تَعَالَى إذَا قَدَّرَ خَلْقَ نَفْسٍ فَلَا بُدَّ مِنْ خَلْقِهَا، وَأَنَّهُ يَسْبِقُكُمْ الْمَاءُ فَلَا تَقْدِرُونَ عَلَى دَفْعِهِ، وَلَا يَنْفَعُكُمْ الْحِرْصُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ يَسْبِقُ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ شُعُورِ الْعَازِلِ لِتَمَامِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي

стр. 854

٩٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٩٦٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهَرَقْته عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا» وَلَهُ شَاهِدَانِ فِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي الْأَوْسَطِ لَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلِمُسْلِمٍ: «فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ» (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ «لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى عَنْهُ» إلَى آخِرِهِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبُخَارِيُّ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ كَلَامِ سُفْيَانَ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَهُ اسْتِنْبَاطٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ تَتَبَّعْت الْمَسَانِيدَ فَوَجَدْت أَكْثَرَ رُوَاتِهِ عَنْ سُفْيَانَ لَا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْعُمْدَةِ مِثْلُ مَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ هُنَا فَجَعَلَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْحَدِيثِ، وَشَرَحَهَا ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَاسْتَغْرَبَ اسْتِدْلَالَ جَابِرٍ بِتَقْرِيرِ اللَّهِ لَهُمْ (وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ» فَدَلَّ تَقْرِيرُهُ ﷺ لَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أَرَادَ جَابِرٌ بِالْقُرْآنِ مَا يُقْرَأُ أَعَمَّ مِنْ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُوحَى إلَيْهِ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ فَعَلْنَا فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ نُقَرَّ عَلَيْهِ. قِيلَ: فَيَزُولُ اسْتِغْرَابُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ، وَلَا يُنَافِيهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ كَمَا دَلَّ لَهُ أَحَادِيثُ النَّهْيِ. (وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ». أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْقَسْمُ بَيْنَ نِسَائِهِ ﷺ عَلَيْهِ وَاجِبًا، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الْقَسْمُ، وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ اشْتَغَلَ عَنْهَا كَانَتْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ

стр. 855

بَابُ الصَّدَاقِ ٩٦٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إحْدَاهُنَّ» فَقَوْلُهَا فَيَدْنُو يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِلْوِقَاعِ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ مِنْ غَيْرِ وِقَاعٍ فَهُوَ لَا يَتِمُّ مَأْخَذًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ»، وَلَا يَتِمُّ أَنْ يُرَادَ بِاللَّيْلَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَّسِعُ ذَلِكَ الْوَقْتُ سِيَّمَا مَعَ الِانْتِظَارِ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ لِفِعْلِ ذَلِكَ كَذَا قِيلَ، وَهُوَ مُجَرَّدُ اسْتِبْعَادٍ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ اتِّسَاعُهُ لِذَلِكَ فَقَدْ كَانَ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ أَوْ لِأَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي ذَلِكَ لَمْ يُعْطَهَا غَيْرُهُ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجِبُ الْقَسْمُ عَلَيْهِ لِنِسَائِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ - الْآيَةَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسْمُ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِضَاءِ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ فِعْلَهُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقَسْمِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ، وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الْقَسْمِ، وَقَوْلُهُ «وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ» فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «وَهُنَّ إحْدَى عَشْرَةَ»، وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ " تِسْعُ " نَظَرًا إلَى الزَّوْجَاتِ اللَّاتِي اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ تِسْعٍ، وَأَنَّهُ مَاتَ عَنْ تِسْعٍ كَمَا قَالَ أَنَسٌ أَخْرَجَهُ الضِّيَاءُ عَنْهُ فِي الْمُخْتَارَةِ، وَمَنْ قَالَ إحْدَى عَشْرَةَ أَدْخَلَ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ، وَرَيْحَانَةَ فِيهِنَّ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِمَا لَفْظَ نِسَائِهِ تَغْلِيبًا. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ أَكْمَلَ الرِّجَالِ فِي الرُّجُولِيَّةِ حَيْثُ كَانَ لَهُ هَذِهِ الْقُوَّةُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ «أَنَّهُ كَانَ لَهُ قُوَّةُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا»، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ «قُوَّةُ أَرْبَعِينَ»، وَمِثْلُهُ لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ، وَزَادَ مِنْ رِجَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالشَّهْوَةِ». (بَابُ الصَّدَاقِ) الصَّدَاقُ: بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِإِشْعَارِهِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ الزَّوْجِ فِي الزَّوْجَةِ، وَفِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ وَلَهُ ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ يَجْمَعُهَا قَوْلُهُ: صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةً وَفَرِيضَةً … حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرُ عَلَائِقُ وَكَانَ الصَّدَاقُ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا لِلْأَوْلِيَاءِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَعْذَبِ عَلَى الْمُهَذَّبِ.

стр. 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) هِيَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنُ أَخْطَبَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ وَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَوَقَعَتْ صَفِيَّةُ فِي السَّبْيِ فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَمَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ جَعْلِ الْعِتْقِ صَدَاقًا أَيْ عِبَارَةٌ وَقَعَتْ تُفِيدُ ذَلِكَ وَلِلْفُقَهَاءِ عِدَّةُ عِبَارَاتٍ فِي كَيْفِيَّةِ الْعِبَارَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَذَهَبَ إلَى صِحَّةِ جَعْلِ الْعِتْقِ مَهْرًا الْهَادَوِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ جَعْلِ الْعِتْقِ مَهْرًا وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَهَا بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَوَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا قِيمَتَهَا وَكَانَتْ مَعْلُومَةً فَتَزَوَّجَهَا بِهَا وَيَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ «ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا» وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ: قَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا وَأَعْتَقَهَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَ الْعِتْقِ صَدَاقًا. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا شَيْءٌ فَهِمَهُ أَنَسٌ فَعَبَّرَ بِهِ وَيَجُوزُ أَنَّ فَهْمَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ أَعْرَفُ بِاللَّفْظِ وَأَفْهَمُ لَهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الْعِتْقَ صَدَاقًا فَهُوَ رَاوٍ لِفِعْلِهِ ﷺ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ لِثِقَتِهِ يُوجِبُ قَبُولَ رِوَايَتِهِ لِلْأَفْعَالِ كَمَا يُوجِبُ قَبُولَهَا لِلْأَقْوَالِ وَإِلَّا لَزِمَ رَدُّ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ إذْ لَمْ يَنْقُلْ الصَّحَابَةُ اللَّفْظَ النَّبَوِيَّ إلَّا فِي شَيْءٍ قَلِيلٍ وَأَكْثَرُ مَا يَرْوُونَهُ بِالْمَعْنَى كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَرِوَايَةُ الْمَعْنَى عُمْدَتُهَا فَهْمُهُ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَمْ يَرْفَعْهُ أَنَسٌ بَلْ قَالَهُ تَظَنُّنًا خِلَافُ ظَاهِرِ لَفْظِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: جَعَلَ - يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ صَدَاقَهَا عِتْقَهَا وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ قَالَتْ: «أَعْتَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَجَعَلَ عِتْقِي صَدَاقِي» هُوَ صَرِيحٌ فِيمَا رَوَاهُ أَنَسٌ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ تَظَنُّنًا كَمَا قِيلَ وَإِنَّمَا خَالَفَ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثَ وَتَأَوَّلُوهُ؛ قَالُوا: لِأَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إمَّا أَنْ يَقَعَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَهُوَ مُحَالٌ وَإِمَّا بَعْدَهُ وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهَا. وَالثَّانِي أَنَّا إنْ جَعَلْنَا الْعِتْقَ صَدَاقًا فَإِمَّا أَنْ يَتَقَرَّرَ الْعِتْقُ حَالَةَ الرِّقِّ وَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا لِتَنَاقُضِهِمَا أَوْ حَالَةَ الْحُرِّيَّةِ فَيَلْزَمُ سَبْقُهَا عَلَى الْعَقْدِ فَيَلْزَمُ وُجُودُ الْعِتْقِ حَالَ فَرْضِ عَدَمِهِ وَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ تَقَرُّرُهُ عَلَى الزَّوْجِ إمَّا نَصًّا وَإِمَّا حُكْمًا حَتَّى تَمْلِكَ الزَّوْجَةُ طَلَبَهُ وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِتْقِ فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا. وَأُجِيبَ أَوَّلًا أَنَّهُ بَعْدَ صِحَّةِ الْقِصَّةِ لَا يُبَالِي بِهَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ. وَثَانِيًا بَعْدَ تَسْلِيمِ مَا قَالُوهُ فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَقْدَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَإِذَا امْتَنَعَتْ مِنْ الْعَقْدِ لَزِمَهَا السِّعَايَةُ بِقِيمَتِهَا وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْعِتْقَ مَنْفَعَةٌ يَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَنْهَا وَالْمَنْفَعَةُ إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مِثْلَ سُكْنَى الدَّارِ وَخِدْمَةِ الزَّوْجِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ ثَوَابَ الْعِتْقِ عَظِيمٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَفُوتَ

стр. 857

٩٦٧ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْت عَائِشَةَ ﵂: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْت: لَا. قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. بِجَعْلِهِ صَدَاقًا وَكَانَ يُمْكِنُ جَعْلُ الْمَهْرِ غَيْرَهُ فَجَوَابُهُ ﷺ يَفْعَلُ الْمَفْضُولَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ وَيَكُونُ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ الْأَفْضَلِ فَهُوَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ وَأَمَّا جَعْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ جُوَيْرِيَةَ مُؤَيِّدًا لِحَدِيثِ صَفِيَّةَ وَلَفْظُهُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِجُوَيْرِيَةَ لَمَّا جَاءَتْ تَسْتَعِينُهُ فِي كِتَابَتِهَا: هَلْ لَك أَنْ أَقْضِيَ عَنْك كِتَابَتَك وَأَتَزَوَّجَك قَالَتْ قَدْ فَعَلْت» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمَهْرِ وَلَا غَيْرِهِ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. (وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْقُرَشِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ بِالْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ مِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ يُقَالُ إنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ الْحَدِيثُ وَاسِعُ الرِّوَايَةِ سَمِعَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأَخَذَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَهُوَ فِي سَبْعِينَ سَنَةً (قَالَ «سَأَلْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً» بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ (وَنَشًّا) بِفَتْحِ النُّونِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ («وَقَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ قُلْت: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ أُوقِيَّةُ الْحِجَازِ، وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَكَانَ كَلَامُ عَائِشَةَ هَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَإِنَّ صَدَاقَ صَفِيَّةَ عِتْقُهَا قِيلَ: وَمِثْلُهَا جُوَيْرِيَةُ. وَخَدِيجَةُ لَمْ يَكُنْ صَدَاقُهَا هَذَا الْمِقْدَارَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ إلَّا أَنَّهُ كَانَ تَبَرُّعًا مِنْهُ إكْرَامًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِهِ ﷺ ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيَّةُ جَعْلَ الْمَهْرِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ تَأَسِّيًا، وَأَمَّا أَقَلُّ الْمَهْرِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ فَقَدْ قَدَّمْنَاهُ أَمَّا أَكْثَرُهُ فَلَا حَدَّ لَهُ إجْمَاعًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ وَالْقِنْطَارُ قِيلَ إنَّهُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ ذَهَبًا، وَقِيلَ مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا، وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفَ مِثْقَالٍ، وَقِيلَ مِائَةُ رِطْلٌ ذَهَبًا، وَقَدْ كَانَ أَرَادَ عُمَرُ قَصْرَ أَكْثَرِهِ عَلَى قَدْرِ مُهُورِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَدَّ الزِّيَادَةَ إلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَتَكَلَّمَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ فَرَدَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مُحْتَجَّةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾

стр. 858

٩٦٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ. قَالَ لَهُ ﷺ : أَعْطِهَا شَيْئًا قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. قَالَ: فَأَيْنَ دِرْعُك الْحُطَمِيَّةُ؟» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ٩٦٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ فَرَجَعَ وَقَالَ: كُلُّكُمْ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵄) هِيَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ ﵁ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَبَنَى عَلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ وَلَدَتْ لَهُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَالْمُحْسِنَ، وَزَيْنَبَ وَرُقَيَّةَ وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ»، وَقَدْ بَسَطْنَا تَرْجَمَتَهَا فِي الرَّوْضَةِ النَّدِيَّةِ «قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعْطِهَا شَيْئًا، وَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ قَالَ فَأَيْنَ دِرْعُك الْحُطَمِيَّةُ» بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الطَّاءِ نِسْبَةً إلَى حُطَمَةَ مِنْ مُحَارِبٍ بَطْنٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانُوا يَعْمَلُونَ الدُّرُوعَ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ). فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ شَيْءٍ لِلزَّوْجَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا جَبْرًا لِخَاطِرِهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النَّاسِ كَافَّةً، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الرِّوَايَةِ هَلْ أَعْطَاهَا دِرْعَهُ الْمَذْكُورَةَ أَوْ غَيْرَهَا، وَقَدْ وَرَدَتْ رِوَايَاتٌ فِي تَعْيِينِ مَا أَعْطَى عَلِيٌّ فَاطِمَةَ ﵄ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُسْنَدَةٍ. (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ» بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَمُوَحَّدَةٌ فَهَمْزَةٌ مَمْدُودَةٌ الْعَطِيَّةُ لِلْغَيْرِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ زَائِدَةً عَلَى مَهْرِهَا (أَوْ عِدَةٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَا وَعَدَ بِهِ الزَّوْجُ، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ («قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ

стр. 859

٩٧٠ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - امْرَأَةٌ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْت فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ جَمَاعَةٌ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ). الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا سَمَّاهُ الزَّوْجُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَهُوَ لِلزَّوْجَةِ، وَإِنْ كَانَ تَسْمِيَتُهُ لِغَيْرِهَا مِنْ أَبٍ، وَأَخٍ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فَذَهَبَ إلَى مَا أَفَادَهُ الْحَدِيثُ الْهَادِي وَمَالِكٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالثَّوْرِيُّ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ لِمَنْ ذُكِرَ مِنْ أَخٍ أَوْ أَبٍ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَهْرِ تَكُونُ فَاسِدَةً، وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّرْطُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَهُوَ لِابْنَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهُ قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَشْبِيهُ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْوَكِيلِ بِبَيْعِ السِّلْعَةِ شَرْطَ لِنَفْسِهِ حِبَاءً. قَالَ: لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ كَمَا لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَمَنْ جَعَلَ النِّكَاحَ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِلْبَيْعِ قَالَ يَجُوزُ. وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ فَلِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ إذَا كَانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ نُقْصَانًا عَنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَتَّهِمْهُ إذَا كَانَ بَعْدَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى الصَّدَاقِ انْتَهَى. وَإِنَّمَا عَلَّلَ ذَلِكَ بِمَا سَمِعْت، وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَدِيثَ لِأَنَّ فِيهِ مَقَالًا هَذَا. وَأَمَّا مَا يُعْطِي الزَّوْجُ فِي الْعُرْفِ مِمَّا هُوَ لِلْإِتْلَافِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ كَانَ مَهْرًا، وَمَا سُلِّمَ قَبْلَ الْعَقْدِ كَانَ إبَاحَةً فَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ مَعَ بَقَائِهِ إذَا كَانَ فِي الْعَادَةِ يُسَلَّمُ لِلتَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ يُسَلَّمُ لِلْبَقَاءِ رَجَعَ فِي قِيمَتِهِ بَعْدَ تَلَفِهِ إلَّا أَنْ يَتَمَنَّعُوا مِنْ تَزْوِيجِهِ رَجَعَ بِقِيمَتِهِ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا. وَإِذَا مَاتَتْ الزَّوْجَةُ أَوْ امْتَنَعَ هُوَ مِنْ التَّزْوِيجِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا سَلَّمَ لِلْبَقَاءِ، وَفِيمَا تَلِفَ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَادُ التَّلَفُ فِيهِ لَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَفِيمَا سَلَّمَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ هِبَةً أَوْ هَدِيَّةً عَلَى حَسَبِ الْحَالِ أَوْ رِشْوَةً إنْ لَمْ تُسَلَّمْ إلَّا بِهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ الَّذِي يُفْعَلُ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مِمَّا سَاقَهُ الزَّوْجُ إلَى وَلِيِّ الزَّوْجَةِ، وَكَانَ مَشْرُوطًا مَعَ الْعَقْدِ لِصَغِيرِهِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ جَازَ التَّنَاوُلُ مِنْهُ لِمَنْ يُعْتَادُ لِمِثْلِهِ كَالْقَرَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا شَرَطَهُ، وَسَلَّمَهُ لِيُفْعَلَ ذَلِكَ لَا لِيَبْقَى مِلْكًا لِلزَّوْجِ، وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي هَذَا.

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَيْ ابْنِ قَيْسٍ أَبِي شِبْلِ ابْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ النَّخْعِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ اُشْتُهِرَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَصُحْبَتِهِ، وَهُوَ عَمُّ الْأَسْوَدِ النَّخَعِيِّ مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا " وَكْسَ ") بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ النَّقْصُ أَيْ لَا يَنْقُصُ مِنْ مَهْرِ نِسَائِهَا (وَلَا شَطَطَ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْجَوْرُ أَيْ لَا يُجَارُ عَلَى الزَّوْجِ بِزِيَادَةِ مَهْرِهَا عَلَى نِسَائِهَا (وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلٌ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ (ابْنُ سِنَانٍ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ (الْأَشْجَعِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ، وَمَعْقِلٌ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ، وَحَدِيثُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ صَبْرًا (فَقَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ» بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ (بِنْتِ وَاشِقٍ) بِوَاوٍ مَفْتُوحَةٍ فَأَلِفٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَقَافٍ (امْرَأَةُ مِنَّا) بِكَسْرِ الْمِيمِ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ فَأَلِفٍ («مِثْلَ مَا قَضَيْت فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ حَزْمٍ، وَقَالَ لَا مَغْمَزَ فِيهِ لِصِحَّةِ إسْنَادِهِ، وَمِثْلُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَحْفَظُهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ، وَقَالَ: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِرْوَعَ لَقُلْت بِهِ، وَقَالَ فِي الْأُمِّ إنْ كَانَ يَثْبُتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ أَوْلَى الْأُمُورِ، وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَبِرَ، وَلَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ إلَّا طَاعَةُ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ، وَلَمْ أَحْفَظْهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ مَرَّةً يُقَالُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَمَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ لَا يُسَمِّي. هَذَا تَضْعِيفُ الشَّافِعِيِّ بِالِاضْطِرَابِ، وَضَعَّفَهُ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ وَرَدَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَمَا عَرَفَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ رَدَّهُ بِأَنَّ مَعْقِلَ بْنَ سِنَانٍ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ غَيْرُ قَادِحٍ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَصَحَابِيٍّ، وَهَذَا لَا يَطْعَنُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ يَرْوِي عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ فَلَا يَضُرُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ الْبَعْضُ بِمَعْقِلٍ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ صَحَابِيٌّ، وَأَمَّا عَدَمُ مَعْرِفَةِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَقْدَحُ بِهَا مَعَ عَدَالَةِ الرَّاوِي، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وَقَدْ رَوَى الْحَكَمُ مِنْ حَدِيثِ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إنْ صَحَّ حَدِيثُ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ قُلْت بِهِ قَالَ الْحَاكِمُ قُلْت: صَحَّ فَقُلْ بِهِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فِي الْعِلَلِ ثُمَّ قَالَ: وَأَنْسَبُهَا إسْنَادًا حَدِيثُ قَتَادَةَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ اسْمَ الصَّحَابِيِّ قُلْت لَا يَضُرُّ جَهَالَةُ اسْمِهِ عَلَى رَأْيِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمَا قَالَ الْمُصَنَّفُ مِنْ أَنَّ لِحَدِيثِ بِرْوَعَ شَاهِدًا مِنْ

стр. 861

٩٧١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. ٩٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَخُولِفَ فِي ذَلِكَ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَ امْرَأَةً رَجُلًا فَدَخَلَ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا فَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّ سَهْمِي بِخَيْبَرَ لَهَا» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ فَلَا يَخْفَى أَنْ لَا شَهَادَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا فِي امْرَأَةٍ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا نَعَمْ فِيهِ شَاهِدُ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْمَهْرِ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا الزَّوْجُ، وَلَا دَخَلَ بِهَا، وَتَسْتَحِقُّ مَهْرَ مِثْلِهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ، وَأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ كَمَا ذُكِرَ، وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ اجْتِهَادٌ مُوَافِقٌ الدَّلِيلَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ وَالدَّلِيلُ الْحَدِيثُ، وَمَا طُعِنَ بِهِ فِيهِ قَدْ سَمِعْت دَفْعَهُ، وَالثَّانِي لَا تَسْتَحِقُّ إلَّا الْمِيرَاثَ لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْهَادِي وَمَالِكٌ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ قَالُوا لِأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ الزَّوْجَ الْمُعَوَّضَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ قِيَاسًا عَلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ قَالُوا: وَالْحَدِيثُ فِيهِ تِلْكَ الْمَطَاعِنُ قُلْنَا الْمَطَاعِنُ قَدْ دُفِعَتْ فَنَهَضَ الْحَدِيثُ لِلِاسْتِدْلَالِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ. (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا» هُوَ دَقِيقُ الْقَمْحِ الْمَقْلُوُّ أَوْ الذُّرَةِ أَوْ الشَّعِيرِ أَوْ غَيْرِهَا «أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلَّ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ) وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ فِيهِ مُوسَى بْنُ مُسْلِمِ بْنُ رُومَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَقْوَى انْتَهَى. فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُشِيرَ إلَى أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا عَلَى عَادَتِهِ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ بَلَاغًا، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ كَوْنُ الْمَهْرِ مِنْ غَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ مُطْلَقُ السَّوِيقِ وَالتَّمْرِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ، وَتَقَدَّمَتْ أَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ فِي قَدْرِ أَقَلِّ الْمَهْرِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا. (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ

стр. 862

٩٧٣ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ» أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ ٩٧٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالزَّايِ، وَفِي نَسَبِهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ (عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَخُولِفَ) أَيْ التِّرْمِذِيُّ (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّصْحِيحِ لَفْظُ الْحَدِيثِ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَضِيت مِنْ نَفْسِك وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ»، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ جَعْلِ الْمَهْرِ أَيَّ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ، وَقَدْ سَلَفَ أَنَّ كُلَّ مَا صَحَّ جَعْلُهُ ثَمَنًا صَحَّ جَعْلُهُ مَهْرًا، وَفِيهِ مَأْخَذٌ لِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَتَصَرَّفُ الْمَرْأَةُ فِي مَالِهَا إلَّا بِرَأْيِ زَوْجِهَا. (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ «زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ». أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ) قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ سَهْلٍ فِي الْوَاهِبَةِ نَفْسِهَا بِطُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ مَنْ خَطَبَهَا أَنْ يَلْتَمِسَ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا عَلَى تَعْلِيمِهَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنْ كَانَ هَذَا هُوَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ فَلَمْ يَتِمَّ جَعْلُ الْمَهْرِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ كَمَا عَرَفْت، وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ) وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أُرِيدَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي جَعْلِ الصَّدَاقِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ. (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ) أَيْ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَلَمْ يَصِحَّ، وَالْحَدِيثُ مُعَارِضٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمَرْفُوعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ أَيِّ شَيْءٍ يَصِحُّ جَعْلُهُ مَهْرًا كَمَا عَرَفْت، وَالْمَقَالُ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ فِيهِ مُبَشِّرَ بْنَ عُبَيْدٍ قَالَ أَحْمَدُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ

стр. 863

٩٧٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ٩٧٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ تَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا - فَقَالَ: لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ - وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرُهُ» أَيْ أَسْهَلُهُ عَلَى الرَّجُلِ (أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِ الْمَهْرِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْأَيْسَرِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا كَمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ وَتَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُهُورِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْك يَا عُمَرُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا مِنْ ذَهَبٍ قَالَ عُمَرُ: امْرَأَةٌ خَاصَمَتْ عُمَرَ فَخَصِمَتْهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ " مِنْ ذَهَبٍ " هِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَهُ طُرُقٌ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ بَرَكَةُ الْمَرْأَةِ فَفِي الْحَدِيثِ «أَبْرَكَهُنَّ أَيْسَرَهُنَّ مُؤْنَةً». (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ» بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ فَنُونٍ «تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ يَعْنِي لَمَّا تَزَوَّجَهَا فَقَالَ لَقَدْ عُذْت بِمَعَاذِ» بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا يُسْتَعَاذُ بِهِ «فَطَلَّقَهَا وَأَمَرَ أُسَامَةَ يُمَتِّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ، وَأَصْلُ الْقِصَّةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ) وَقَدْ سَمَّاهَا فِي الْحَدِيثِ عَمْرَةَ، وَوَقَعَ مَعَ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي اسْمِهَا وَنَسَبِهَا كَثِيرٌ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَعَوُّذِهَا مِنْهُ فَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ فَدَاخَلَ نِسَاءَهُ ﷺ غَيْرَةٌ فَقِيلَ لَهَا إنَّمَا تَحْظَى الْمَرْأَةُ عِنْدَ رَسُولِ

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . اللَّهِ ﷺ أَنْ تَقُولَ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك». وَفِي رِوَايَةٍ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ دَخَلَتَا عَلَيْهَا أَوَّلَ مَا قَدِمَتْ مَشَطَتَاهَا وَخَضَّبَتَاهَا، وَقَالَتْ لَهَا إحْدَاهُمَا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُعْجِبُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا أَنْ تَقُولَ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، وَقِيلَ فِي سَبَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاتَّفَقَ الْأَكْثَرُ عَلَى وُجُوبِهَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا إلَّا عَنْ اللَّيْثِ وَمَالِكٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسُّ: النِّكَاحُ، وَالْفَرِيضَةُ: الصَّدَاقُ. وَمَتِّعُوهُنَّ قَالَ هُوَ عَلَى الزَّوْجِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا ثُمَّ يُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُمَتِّعَهَا عَلَى قَدْرِ عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ - الْحَدِيثَ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: مُتْعَةُ الطَّلَاقِ أَعْلَاهَا الْخَادِمُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْوَرِقُ، وَدُونَ ذَلِكَ الْكِسْوَةُ نَعَمْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي مَتَّعَهَا ﷺ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا فَمَتَّعَهَا كَمَا قَضَتْ بِهِ الْآيَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ سَمَّى لَهَا فَمَتَّعَهَا إحْسَانًا مِنْهُ وَفَضْلًا، وَأَمَّا تَمْتِيعُ مَنْ لَمْ يُسَمِّ الزَّوْجُ لَهَا مَهْرًا وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَارَقَهَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ عَلِيٌّ وَعُمَرُ وَالشَّافِعِيُّ إلَى وُجُوبِهَا أَيْضًا عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مَهْرُ الْمِثْلِ لَا غَيْرَ قَالُوا: وَعُمُومُ الْآيَةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ بِهَا، وَاَلَّذِي خَصَّهُ الْآيَةَ الْأُخْرَى الَّتِي أَوْجَبَ فِيهَا الْمُتْعَةَ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهَا عَدَمَ الْمَسِّ، وَهَذَا قَدْ مَسَّ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ نَفَقَةَ الْعِدَّةِ، وَلَا دَلِيلَ مَعَ الِاحْتِمَالِ هَذَا، وَقَدْ سَبَقَتْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّيْثَ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ الْمُتْعَةِ مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَكَانَتْ مُقَدَّرَةً، وَدُفِعَ بِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَقْدِيرَ لَهَا بَابُ الْوَلِيمَةِ الْوَلِيمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْوَلْمِ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَهُوَ الْجَمْعُ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَالْفِعْلُ مِنْهَا أَوْلَمَ، وَتَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ، وَوَلِيمَةُ الْعُرْسِ مَا يُتَّخَذُ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَمَا يُتَّخَذُ عِنْدَ الْإِمْلَاكِ.

стр. 865

٩٧٧ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: فَبَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي تَزَوَّجْت امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَك أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ تَفْسِيرُ الصُّفْرَةِ بِأَنَّهَا رَدِغٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ، وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَثَرُ الزَّعْفَرَانِ (فَإِنْ قُلْت) قَدْ عُلِمَ النَّهْيُ عَنْ التَّزَعْفُرِ فَكَيْفَ لَمْ يُنْكِرْهُ ﷺ (قُلْت) هَذَا مُخَصِّصٌ لِلنَّهْيِ بِجَوَازِهِ لِلْعَرُوسِ، وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي ثِيَابِهِ دُونَ بَدَنِهِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهِ فِي الثَّوْبِ، وَقَدْ مَنَعَ جَوَازَهُ فِيهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ تَبِعْهُمَا، وَالْقَوْلُ بِجَوَازِهِ فِي الثِّيَابِ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ، وَعُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَفْهُومِ النَّهْيِ الثَّابِتِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَلُوقِ» وَأُجِيب بِأَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ لَا يُقَاوِمُ النَّهْيَ الثَّابِتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَبِأَنَّ قِصَّةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَتْ قَبْلَ النَّهْيِ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ، وَبِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الصُّفْرَةَ الَّتِي رَآهَا ﷺ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ امْرَأَتِهِ عَلِقَتْ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْصُودٍ لَهُ، وَرَجَّحَ هَذَا النَّوَوِيُّ، وَعَزَاهُ لِلْمُحَقِّقِينَ، وَبَنَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ. وَقَوْلُهُ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قِيلَ الْمُرَادُ وَاحِدَةُ نَوَى التَّمْرِ، قِيلَ كَانَ قَدْرُهَا يَوْمِئِذٍ رُبْعَ دِينَارٍ وَرُدَّ بِأَنَّ نَوَى التَّمْرِ يَخْتَلِفُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِعْيَارًا لِمَا يُوزَنُ، وَقِيلَ إنَّ النَّوَاةَ مِنْ ذَهَبٍ عِبَارَةٌ عَمَّا قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْوَرِقِ، وَجَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْأَزْهَرِيُّ، وَنَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَزْنُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قُوِّمَتْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ قَتَادَةَ قُوِّمَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَثُلُثًا، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لَكِنْ جَزَمَ بِهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ فِي قَدْرِهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَعَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ النَّوَاةَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ أَنَّهُ يُدْعَى لِلْعَرُوسِ بِالْبَرَكَةِ، وَقَدْ نَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَرَكَةَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ حَتَّى قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتنِي لَوْ رَفَعْت حَجَرًا لَرَجَوْت أَنْ أُصِيبَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَفِي قَوْلِهِ «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْوَلِيمَةِ فِي الْعُرْسِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الظَّاهِرِيَّةُ قِيلَ: وَهُوَ نَصٌّ

стр. 866

٩٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ «إذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ». الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَمَّا خَطَبَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ لَا بُدَّ مِنْ وَلِيمَةٍ»، وَسَنَدُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْوَلِيمَةِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْوُجُوبِ، وَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الْوَلِيمَةُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ فَمَنْ دُعِيَ، وَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى» وَالظَّاهِرُ مِنْ الْحَقِّ الْوُجُوبُ، وَقَالَ أَحْمَدُ الْوَلِيمَةُ سُنَّةٌ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ مَنْدُوبَةٌ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الْخِلَافَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى النَّدْبِيَّةِ بِمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أَعْلَمُ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْوَلِيمَةَ رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فَجَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلَى كَوْنِ الْوَلِيمَةِ غَيْرَ وَاجِبَةٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ هَلْ هِيَ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ عَقِبَهُ أَوْ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهِيَ أَقْوَالٌ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَبَعْدَ الدُّخُولِ وَصَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّهَا عِنْدَ الدُّخُولِ قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَالْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى قِصَّةِ زَوَاجِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ لِقَوْلِ أَنَسٍ «أَصْبَحَ يَعْنِي النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبِ فَدَعَا الْقَوْمَ»، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ بَابَ وَقْتِ الْوَلِيمَةِ. وَأَمَّا مِقْدَارُهَا فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الشَّاةَ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ ﷺ أَوْلَمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهَا بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ، وَأَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ بِشَاةٍ، وَقَالَ أَنَسٌ لَمْ يُولِمْ عَلَى غَيْرِ زَيْنَبَ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ لَمَّا تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ، وَطَلَبَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَحْضُرُوا فَامْتَنَعُوا بِأَكْثَرَ مِنْ وَلِيمَتِهِ عَلَى زَيْنَبَ»، وَكَأَنَّ أَنَسًا يُرِيدُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ بِالشَّاةِ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ أَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَكَانَ الْمُرَادُ لَمْ يُشْبِعْ أَحَدًا خُبْزًا وَلَحْمًا فِي وَلِيمَةٍ مِنْ وَلَائِمِهِ ﷺ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ فِي وَلِيمَةِ زَيْنَبَ. (وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ) أَيْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ» الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَى الْوَلِيمَةِ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى وُجُوبِهَا إلَى كُلِّ دَعْوَةٍ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَا عَنْ رَاوٍ وَاحِدٌ، وَقَدْ أَخَذَتْ الظَّاهِرِيَّةُ، وَبَعْضُ

стр. 867

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشَّافِعِيَّةُ بِظَاهِرِهِ فَقَالُوا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَى الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا، وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَغَيْرِهَا فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَصَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ. وَعَنْ الْبَعْضِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَعَدَمِ الرُّخْصَةِ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ قَالَ إتْيَانُ دَعْوَةِ الْوَلِيمَةِ حَقٌّ، وَالْوَلِيمَةُ الَّتِي تُعْرَفُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ، وَكُلُّ دَعْوَةٍ دُعِيَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَلِيمَةٌ فَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ عَاصٍ كَمَا تَبَيَّنَ لِي فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَفِي الْبَحْرِ لِلْمَهْدِيِّ حِكَايَةُ إجْمَاعِ الْعِتْرَةِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْوَلَائِمِ كُلِّهَا هَذَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ، وَقَدْ يَسُوغُ تَرْكُ الْإِجَابَةِ لِأَعْذَارٍ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ أَوْ يُخَصَّ بِهَا الْأَغْنِيَاءُ أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ مَعَهُ أَوْ لَا يَلِيقُ لِمُجَالَسَتِهِ أَوْ يَدْعُوهُ لِخَوْفِ شَرِّهِ أَوْ لِطَمَعٍ فِي جَاهِهِ أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ مِنْ خَمْرٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ فِرَاشِ حَرِيرٍ أَوْ سِتْرٍ لِجِدَارِ الْبَيْتِ أَوْ صُورَةٍ فِي الْبَيْتِ أَوْ يَعْتَذِرُ إلَى الدَّاعِي فَيَتْرُكُهُ أَوْ كَانَتْ فِي الثَّالِثِ كَمَا يَأْتِي فَهَذِهِ الْأَعْذَارُ وَنَحْوُهَا فِي تَرْكِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِالنَّدْبِ بِالْأَوْلَى، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِمَّا عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْ قَضَايَا وَقَعَتْ لِلصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ دَعَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَى فِي الْبَيْتِ سِتْرًا عَلَى الْجِدَارِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ فَقَالَ مَنْ كُنْت أَخْشَى عَلَيْهِ فَلَمْ أَكُنْ أَخْشَى عَلَيْك، وَاَللَّهِ لَا أُطْعَمُ لَك طَعَامًا فَرَجَعَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ، وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ عَرَّسْت فِي عَهْدِ أَبِي فَأَذِنَّا النَّاسَ فَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ فِيمَنْ أَذِنَّا، وَقَدْ سَتَرُوا بَيْتِي بِبِجَادٍ أَخْضَرَ فَأَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَسْتُرُونَ الْجُدُرَ فَقَالَ أَبِي وَاسْتَحَى غَلَبَنَا عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَا أَبَا أَيُّوبَ فَقَالَ مَنْ خَشِيت أَنْ تَغْلِبَهُ النِّسَاءُ فَذَكَرُوهُ، وَفِي رِوَايَةٍ فَأَقْبَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ يَدْخُلُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ حَتَّى أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ، وَفِيهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَقْسَمْت عَلَيْك لَتَرْجِعَنَّ فَقَالَ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَدْخُلَ يَوْمِي هَذَا ثُمَّ انْصَرَفَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ أَنَّ رَجُلًا دَعَا ابْنُ عُمَرَ إلَى عُرْسٍ فَإِذَا بَيْتُهُ قَدْ سُتِرَ بِالْكُرُورِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ يَا فُلَانُ مَتَى تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ فِي بَيْتِك ثُمَّ قَالَ لِنَفَرٍ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَهْتِكَ كُلُّ رَجُلٍ مَا يَلِيهِ، وَالْحَدِيثُ وَمَا قَبْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ سَتْرِ الْجُدْرَانِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تَسْتُرُوا الْجُدُرَ بِالثِّيَابِ»، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَنَّهُ أَنْكَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ فَقَالَ مَحْمُومٌ بَيْتُكُمْ أَوْ تَحَوَّلَتْ الْكَعْبَةُ ثُمَّ قَالَ لَا أَدْخُلُهُ حَتَّى يُهْتَكَ، وَالْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ جَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالتَّحْرِيمِ

стр. 868

٩٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ٩٨٠ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيُطْعَمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا. وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَقَالَ: «فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» لِسَتْرِ الْجِدَارِ، وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ» وَجَذَبَ السِّتْرَ حَتَّى هَتَكَهُ فِي قِصَّةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَقَدْ كُنَّا كَتَبْنَا فِي هَذَا رِسَالَةً جَوَابَ سُؤَالٍ فِي مُدَّةٍ قَدِيمَةٍ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ إجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقِينَ»، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقْعُدْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ»، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ، وَبِالْجُمْلَةِ الدَّعْوَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِلْإِجَابَةِ، وَحُصُولُ الْمُنْكَرِ مَانِعٌ عَنْهَا فَتَعَارَضَ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضَى، وَالْحُكْمُ لِلْمَانِعِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا») وَهُمْ الْفُقَرَاءُ كَمَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيُّ «بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى إلَيْهَا الشَّبْعَانُ، وَيُمْنَعُ عَنْهَا الْجِيعَانُ» اهـ. فَلَوْ شَمِلَتْ الدَّعْوَةُ الْفَرِيقَيْنِ زَالَتْ الشَّرِّيَّةُ عَنْهَا «، وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا» يَعْنِي الْأَغْنِيَاءُ «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) الْمُرَادُ مِنْ الْوَلِيمَةِ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ لِمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ أَنَّهَا إذَا أُطْلِقَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ انْصَرَفَتْ إلَى وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَشَرِّيَّةُ طَعَامِهَا قَدْ بَيَّنَ وَجْهَهُ قَوْلِهِ يُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا فَإِنَّهَا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيَانٌ لِوَجْهِ شَرِّيَّةِ الطَّعَامِ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُدْعَى الْإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَتْ شَرُّ طَعَامٍ، وَأَنَّهُ يَعْصِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ مَنْ لَمْ يُجِبْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ

стр. 869

٩٨١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلُ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ،، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (وَعَنْهُ) أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا أَنْ لَا يَعْتَذِرَ بِالصَّوْمِ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ فَلْيَدْعُ لِأَهْلِ الطَّعَامِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْبَرَكَةِ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَعْرُوفَةِ أَيْ يَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ لِيُحَصِّلَ فَضْلَهَا، وَيَنَالَ بَرَكَتَهَا أَهْلُ الطَّعَامِ وَالْحَاضِرُونَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُلْزِمُهُ الْإِفْطَارَ لِيُجِيبَ فَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ فَرْضًا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ، وَإِنْ كَانَ نَفْلًا جَازَ لَهُ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فَلْيَطْعَمْ وُجُوبُ الْأَكْلِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَكْلُ فِي طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَلَا غَيْرِهَا، وَقِيلَ: يَجِبُ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ، وَلَا تَجِبُ الزِّيَادَةَ، وَقَالَ مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْأَكْلَ الْأَمْرُ لِلنَّدَبِ، وَالْقَرِينَةُ الصَّارِفَةُ إلَيْهِ قَوْلُهُ (وَلَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ (مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ نَحْوَهُ، وَقَالَ «إنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» فَإِنَّهُ خَيَّرَهُ، وَالتَّخْيِيرُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ لِلْأَكْلِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَقِيبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ» أَيْ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ «وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ) وَقَالَ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيِّ، وَهُوَ كَثِيرُ الْغَرَائِبِ وَالْمَنَاكِيرِ قَالَ الْمُصَنَّفُ كَالرَّادِّ عَلَى التِّرْمِذِيِّ مَا لَفْظُهُ (وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ) إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّ زِيَادًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَشَيْخُهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ اخْتَلَطَ، وَسَمَاعُهُ مِنْهُ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ انْتَهَى (قُلْت) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ إنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ثُمَّ قَالَ (وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ) وَفِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حُسَيْنٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ لَا تَخْلُو عَنْ مَقَالٍ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى شَرْعِيَّةِ الضِّيَافَةِ فِي الْوَلِيمَةِ يَوْمَيْنِ فَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ وَاجِبَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ حَقٍّ لِأَنَّهُ الثَّابِتُ اللَّازِمُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ، وَفِي

стр. 870

٩٨٢ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ»، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ الْيَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ أَيْ طَرِيقَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ يَعْتَادُ النَّاسُ فِعْلَهَا لَا يَدْخُلُ صَاحِبَهَا الرِّيَاءُ وَالتَّسْمِيعُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَيَكُونُ فِعْلُهَا حَرَامًا، وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا كَذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ إذَا أَوْلَمَ ثَلَاثًا فَالْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَا تَجِبُ مُطْلَقًا، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا فِيهِ كَاسْتِحْبَابِهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا لَا تُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ لِغَيْرِ الْمَدْعُوِّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَدْعُوُّونَ كَثِيرِينَ، وَيَشُقُّ جَمْعُهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَدَعَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَرِيقًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ رِيَاءٌ، وَلَا سُمْعَةٌ، وَهَذَا قَرِيبٌ، وَجَنَحَ الْبُخَارِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالضِّيَافَةِ، وَلَوْ إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ حَيْثُ قَالَ بَابُ حَقِّ إجَابَةِ الْوَلِيمَةِ وَالدَّعْوَةِ، وَمَنْ أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ لَمَّا تَزَوَّجَ أَبِي دَعَا الصَّحَابَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ أَوْ نَحْوَهُ، وَفِي قَوْلِهِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا لِأَهْلِ السَّعَةِ كَوْنَهَا أُسْبُوعًا فَأَخَذَتْ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ. (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ) أَيْ ابْنِ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحِجِّيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ قِيلَ إنَّهَا رَأَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، وَقِيلَ إنَّهَا لَمْ تَرَهُ، وَجَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ بِأَنَّهَا تَابِعِيَّةٌ (قَالَتْ «أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ) قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ اسْمِهَا يَعْنِي بَعْضِ نِسَائِهِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا قَالَ، وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ، وَقِيلَ إنَّهَا وَلِيمَةُ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ ﵄، وَأَرَادَ بِبَعْضِ نِسَائِهِ مَنْ تَنْتَسِبُ إلَيْهِ مِنْ النِّسَاءِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كَانَ خِلَافُ الْمُتَبَادِرِ إلَّا أَنَّهُ يَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ لَقَدْ أَوْلَمَ عَلِيٌّ بِفَاطِمَةَ فَمَا كَانَتْ وَلِيمَةٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَفْضَلَ مِنْ وَلِيمَتِهِ، رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِشَطْرٍ شَعِيرٍ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ لِأَنَّ الْمُدَّيْنِ نِصْفُ صَاعٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ شَطْرَ صَاعٍ فَيَنْطَبِقُ عَلَى الْقِصَّةِ الَّتِي فِي الْبَابِ، وَيَكُونُ نِسْبَةُ الْوَلِيمَةِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجَازِيَّةً إمَّا لِكَوْنِهِ الَّذِي وَفَّى الْيَهُودِيَّ مِنْ شَعِيرِهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ (قُلْت) وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَكَلُّفٌ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُولِمَ ﷺ بِمُدَّيْنِ، وَيُولِمَ عَلِيٌّ أَيْضًا بِمُدَّيْنِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ وَلِيمَتُهُ ﷺ . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ، وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالْأَقِطُ وَالسَّمْنُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ

стр. 871

٩٨٣ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ، وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِي عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالْأَقِطُ وَالسَّمْنُ» ٩٨٤ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ، وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى» مُغَيِّرٌ الصِّيغَةَ (عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ) أَيْ يُبْنَى عَلَيْهِ خِبَاءٌ جَدِيدٌ بِسَبَبِ صَفِيَّةَ أَوْ بِمُصَاحَبَتِهَا «وَدَعَوْت الْمُسْلِمِينَ إلَى وَلِيمَتِهِ فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالْأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالْأَقِطُ» وَفِي الْقَامُوسِ الْأَقِطُ كَكَتِفٍ وَإِبِلٍ شَيْءٌ يُتَّخَذُ مِنْ الْمَخِيضِ الْغَنَمِيِّ (وَالسَّمْنُ) وَمَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُسَمَّى حَيْسًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ) فِيهِ إجْزَاءُ الْوَلِيمَةِ بِغَيْرِ ذَبْحِ شَاةٍ وَالْبِنَاءُ بِالْمَرْأَةِ فِي السَّفَرِ، وَإِيثَارُ الْجَدِيدَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانُوا فِي السَّفَرِ (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا» زَادَ فِي التَّلْخِيصِ فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا إلَيْك بَابًا أَقْرَبَهُمَا إلَيْك جِوَارًا «فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبْ الَّذِي سَبَقَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ) لَكِنْ رِجَالُ إسْنَادِهِ مُوَثَّقُونَ، وَلَا يَدْرِي مَا وَجْهُ ضَعْفِ سَنَدِهِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ الْأَوْدِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ وَثَّقَهُمْ الْأَئِمَّةُ إلَّا أَبَا خَالِدٍ الدَّالَانِيَّ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ حَدِيثُهُ لَيِّنٌ، وَقَالَ شَرِيكٌ كَانَ مُرْجِئًا، وَالْحَدِيثُ عَلَى سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَالْأَحَقُّ بِالْإِجَابَةِ الْأَسْبَقُ فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ الْجَارُ، وَالْجَارُ عَلَى مَرَاتِبَ فَأَحَقُّهُمْ أَقْرَبُهُمْ بَابًا فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ.

стр. 872

٩٨٥ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ٩٨٦ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا آكُلُ مُتَّكِئًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الِاتِّكَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِكَاءِ، وَالتَّاءُ بَدَلٌ عَنْ الْوَاوِ، وَالْوِكَاءُ هُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ الْكِيسُ أَوْ غَيْرُهُ فَكَأَنَّهُ أَوْكَأَ مَقْعَدَتَهُ وَشَدَّهَا بِالْقُعُودِ عَلَى الْوِطَاءِ الَّذِي تَحْتَهُ، وَمَعْنَاهُ الِاسْتِوَاءُ عَلَى وَطَاءٍ مُتَمَكِّنًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمُتَّكِئُ هُنَا هُوَ الْمُتَمَكِّنُ فِي جُلُوسِهِ مِنْ التَّرَبُّعِ وَشَبَهِهِ الْمُعْتَمَدُ عَلَى الْوِطَاءِ تَحْتَهُ قَالَ: وَمَنْ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وَطَاءٍ فَهُوَ مُتَّكِئٌ، وَالْعَامَّةُ لَا تُعَرِّفُ الْمُتَّكِئَ إلَّا مَنْ مَالَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ إذَا أَكَلْت لَا أَقْعُدُ مُتَّكِئًا كَفِعْلِ مَنْ يُرِيدُ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الْأَكْلِ، وَلَكِنْ آكُلُ بِلُغَةٍ فَيَكُونُ قُعُودِي مُسْتَوْفِزًا، وَمَنْ حَمَلَ الِاتِّكَاءَ عَلَى الْمَيْلِ عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الطِّبِّ بِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ ضَرَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْحَدِرُ فِي مَجَارِي الطَّعَامِ سَهْلًا، وَلَا يُسِيغُهُ هَنِيئًا، وَرُبَّمَا تَأَذَّى بِهِ (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ لِلْأَمْرِ بِهَا، وَقِيلَ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْأَكْلِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الشُّرْبُ قَالَ الْعُلَمَاءُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَيُنَبِّهَهُ عَلَيْهَا فَإِنْ تَرَكَهَا لِأَيِّ سَبَبٍ نِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ فَلْيَقُلْ فِي أَثْنَائِهِ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَغَيْرِهِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ». وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْآكِلِينَ فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ فَقَطْ فَقَدْ حَصَلَ بِتَسْمِيَتِهِ السُّنَّةُ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَيُسْتَدَلُّ لَهُ بِأَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَإِنْ ذَكَرَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْآكِلِينَ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ ذَكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْأَكْلِ بِالْيَمِينِ لِلْأَمْرِ بِهِ أَيْضًا، وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ

стр. 873

٩٨٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا» يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيُشْرِبُ بِشِمَالِهِ، وَفِعْلُ الشَّيْطَانِ يَحْرُمُ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا «أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَهُ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ كُلْ بِيَمِينِك فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ لَا اسْتَطَعْت مَا مَنَعَهُ إلَّا الْكِبْرُ فَمَا رَفَعَهَا إلَى فِيهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَا يَدْعُو ﷺ إلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ، وَأَمَّا كَوْنُ الدُّعَاءِ لِتَكَبُّرِهِ فَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا، وَلَا يُنَافِي أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَفِي قَوْلِهِ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ يَجِبُ الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي حُسْنُ الْعِشْرَةِ لِلْجَلِيسِ، وَأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الْإِنْسَانِ مَا يَسُوءُ جَلِيسُهُ مِمَّا فِيهِ سُوءُ عِشْرَةٍ وَتَرْكِ مُرُوءَةٍ فَقَدْ يَتَقَذَّرُ جَلِيسُهُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي الثَّرِيدِ وَالْأَمْرَاقِ وَنَحْوِهَا إلَّا فِي مِثْلِ الْفَاكِهَةِ فَإِنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ «عِكْرَاشَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: أُتِينَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذَرُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَرَاءٍ جَمْعُ وَذِرَةٌ قِطْعَةٌ مِنْ اللَّحْمِ لَا عَظْمَ فِيهَا فَخَبَطْتُ بِيَدِي نَوَاحِيَهَا، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى ثُمَّ قَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الطَّبَقِ فَقَالَ يَا عِكْرَاشُ كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ لَوْنُ الْمَأْكُولِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَبْقَ تَحْتَ يَدِ الْآكِلِ شَيْءٌ فَلَهُ أَنْ يَتَّبِعَ ذَلِكَ، وَلَوْ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ فَذَهَبْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ فَرَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَتَتَبَّعْ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الْقَصْعَةِ أَيْ جَوَانِبِهَا فَلَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمَئِذٍ». وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِكَ جَعَلَتْ أُلْقِيهِ إلَيْهِ، وَلَا أَطْعَمُهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى تَطَلُّبِهِ لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْقَصْعَةِ لِمَحَبَّتِهِ لَهُ. هَذَا وَمِمَّا نَهَى عَنْهُ الْأَكْلَ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ. ٩٨٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا» رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَهَذَا

стр. 874

٩٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٩٨٩ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٩٩٠ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ) دَلَّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ تَنْزِلُ الْبَرَكَةُ فِي وَسَطِهَا، وَكَأَنَّهُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ لَمْ تَنْزِلْ الْبَرَكَةُ عَلَى الطَّعَامِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْآكِلُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ كَانَ إذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ». مُتَّفِق عَلَيْهِ) فِيهِ إخْبَارٌ بِعَدَمِ عَيْبِهِ ﷺ لِلطَّعَامِ وَذَمِّهِ لَهُ فَلَا يَقُولُ هُوَ مَالِحٌ أَوْ حَامِضٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ عِنَايَتِهِ ﷺ بِالْأَكْلِ بَلْ مَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَمَا لَمْ يَشْتَهِهِ تَرَكَهُ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَيْبُ الطَّعَامِ. (وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا بِالشِّمَالِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِالشِّمَالِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ بِالشِّمَالِ، وَإِنْ ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ إلَى كَرَاهَتِهِ لَا غَيْرُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الشُّرْبِ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا حَقِيقِيًّا (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا» أَيْ فِي أَثْنَاءِ الشَّرَابِ لَا أَنَّهُ فِي إنَاءِ الشَّرَابِ، وَوَرَدَ تَعْلِيلُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَرْوَى أَيْ أَقْمَعُ لِلْعَطَشِ، وَأَبْرَأُ أَيْ أَكْثَرُ بُرْءًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْهَضْمِ، وَمِنْ سَلَامَتِهِ مِنْ التَّأْثِيرِ

стр. 875

٩٩١ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَحْوُهُ، وَزَادَ " وَيَنْفُخُ فِيهِ " فِي بَرْدِ الْمَعِدَةِ، وَأَمْرَأُ أَيْ أَكْثَرُ مَرَاءَةً لِمَا فِيهِ مِنْ السُّهُولَةِ، وَقِيلَ الْعِلَّةُ خَشْيَةُ تَقْذِيرِهِ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ الْفَمِ فَيَتَّصِلُ بِالْمَاءِ فَيُقَذِّرُهُ عَلَى غَيْرِهِ ٩٩١ - وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَحْوُهُ، وَزَادَ " وَيَنْفُخُ فِيهِ "، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلِأَبِي دَاوُد، وَنَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) أَيْ مَرْفُوعًا (وَزَادَ) عَلَى مَا ذُكِرَ (وَيَنْفُخُ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ النَّفْخِ فِي الْإِنَاءِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ فَقَالَ أَهْرِقْهَا قَالَ فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ قَالَ فَأَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك ثُمَّ تَنَفَّسْ»، وَفِي الشُّرْبِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا أَيْ شُرْبًا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَسَمُّوا إذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ». وَأَفَادَ أَنَّ الْمَرَّتَيْنِ سُنَّةٌ أَيْضًا نَعَمْ قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ فَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ السِّقَاءِ»، وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ» زَادَ فِي رِوَايَةٍ «، وَاخْتِنَاثُهَا أَنْ يُقَلِّبَ رَأْسَهَا ثُمَّ يَشْرَبُ مِنْهُ». وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ كَبْشَةَ قَالَتْ «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشَرِبَ مِنْ فَمِ قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا فَقُمْت إلَى فِيهَا فَقَطَعْته أَيْ أَخَذْته شِفَاءً نَتَبَرَّكُ بِهِ، وَنَسْتَشْفِي بِهِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ فِي السِّقَاءِ الْكَبِيرِ، وَالْقِرْبَةُ هِيَ الصَّغِيرَةُ أَوْ أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ لِئَلَّا يَتَّخِذَهُ النَّاسُ عَادَةً دُونَ النُّدْرَةِ، وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِيهِ دَابَّةٌ فَتَخْرُجُ إلَى فِي شَارِبٍ فَيَبْتَلِعَهَا مَعَ الْمَاءِ كَمَا وَرَدَ أَنَّهُ شَرِبَ رَجُلٌ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَخَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ، وَكَذَلِكَ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ أَيْ يَتَقَيَّأْ». وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ زَجَرَ عَنْ الشُّرْبِ قَائِمًا «قَالَ قَتَادَةُ قُلْنَا فَالْأَكْلُ قَالَ أَشَدُّ، وَأَخْبَثُ»، وَلَكِنَّهُ عَارَضَهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «سَقَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ، وَهُوَ قَائِمٌ»، وَفِي لَفْظٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ، وَهُوَ قَائِمٌ»، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ شَرِبَ قَائِمًا، وَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي»، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ فَعَلَهُ ﷺ بَيَانًا لِجَوَازِ ذَلِكَ فَهُوَ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ ﷺ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ، وَقَدْ وَقَعَ مِنْهُ ﷺ مِثْلَ هَذَا فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَأَمَّا التَّقَيُّؤُ لِمَنْ

стр. 876

(بَابُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) ٩٩٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَلَكِنْ رَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ إرْسَالَهُ شَرِبَ قَائِمًا فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ التَّقَيُّؤِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا لِعَامِدٍ وَنَاسٍ وَنَحْوِهِمَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهُ مَنْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَ. نَعَمْ، وَمِنْ آدَابِ الشُّرْبِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَ الشَّارِبِ جُلَسَاءُ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَمِّمَ الْجُلَسَاءَ أَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ حَدِيثَ أَنَسٍ «أَنَّهُ أُعْطِيَ ﷺ الْقَدَحَ فَشَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ عُمَرُ أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ»، وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ فَقَالَ مَا كُنْت لَأُوثِرَ بِفَضْلٍ مِنْك أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ». وَمِنْ مَكْرُوهَاتِ الشُّرْبِ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ». (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي» بِفَتْحِ الْقَافِ «فِيمَا أَمْلِكُ» وَهُوَ الْمَبِيتُ مَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي نَوْبَتِهَا («فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ يَعْنِي بِهِ الْحُبَّ وَالْمَوَدَّةَ (رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ لَكِنْ رَجَحَ التِّرْمِذِيُّ إرْسَالَهُ) قَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَلَى وَصْلِهِ لَكِنْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْمُرْسَلُ أَصَحُّ قُلْت بَعْدَ تَصْحِيحِ

стр. 877

٩٩٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ٩٩٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ ابْنِ حِبَّانَ لِلْوَصْلِ فَقَدْ تَعَاضَدَ الْمَوْصُولُ وَالْمُرْسَلُ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَتَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ هَلْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَمْ لَا قِيلَ، وَكَانَ الْقَسْمُ عَلَيْهِ ﷺ غَيْرَ وَاجِبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الْآيَةَ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إنَّهُ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ التَّسْوِيَةَ وَالْقِسْمَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ حَتَّى إنَّهُ لَيُؤَخِّرُ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ عَنْ نَوْبَتِهَا، وَيَطَأُ مَنْ يَشَاءُ فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي مِنْهُنَّ لِلزَّوْجَاتِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِسْمَ عَلَيْهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ مِنْ حُسْنِ عِشْرَتِهِ وَكَمَالِ حُسْنِ خُلُقِهِ، وَتَأْلِيفِ قُلُوبِ نِسَائِهِ. وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَحَبَّةَ وَمَيْلَ الْقَلْبِ أَمْرٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ بَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ، وَيَدُلُّ لَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ وَبِهِ فُسِّرَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَشِقُّهُ مَائِلٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَيْلُ إلَى إحْدَاهُنَّ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ وَالْمُرَادُ الْمَيْلُ فِي الْقَسْمِ وَالْإِنْفَاقِ لَا فِي الْمَحَبَّةِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهَا مِمَّا لَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ كُلَّ الْمَيْلِ جَوَازُ الْمَيْلِ الْيَسِيرِ، وَلَكِنَّ إطْلَاقَ الْحَدِيثِ يَنْفِي ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ تَقْيِيدُ الْحَدِيثِ بِمَفْهُومِ الْآيَةِ. (وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ)

стр. 878

٩٩٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي» يُرِيدُ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَلِذَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ رِوَايَةً عَنْ أَنَسٍ، وَلَوْ شِئْت لَقُلْت إنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ فَيَكُونُ رِوَايَةً بِالْمَعْنَى إذْ مَعْنَى مِنْ السُّنَّةِ هُوَ الرَّفْعُ إلَّا أَنَّهُ رَأَى الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِ أَنَسٍ أَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقٍ اجْتِهَادِيٍّ مُحْتَمَلٍ، وَالرَّفْعُ نَصٌّ، وَلَيْسَ لِلرَّاوِي أَنْ يَنْقُلَ مَا هُوَ مُحْتَمَلٌ إلَى مَا هُوَ نَصٌّ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ كَذَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَبِالْجُمْلَةِ إنَّهُمْ لَا يَعْنُونَ بِالسُّنَّةِ إلَّا سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ قَالَ سَالِمٌ، وَهَلْ يَعْنُونَ - يُرِيدُ الصَّحَابَةَ - بِذَلِكَ إلَّا سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ أَئِمَّةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى إيثَارِ الْجَدِيدَةِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَافِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ أَمْ لَا، وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ زَوْجَةٌ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِمَا ذَكَرَ الْجُمْهُورُ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَةِ، وَفِي الْكُلِّ خِلَافٌ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يُقَاوِمُ الْأَحَادِيثَ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيثَارِ فِي الْبَقَاءِ عِنْدَهَا مَا كَانَ مُتَعَارَفًا حَالَ الْخِطَابِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيثَارَ يَكُونُ بِالْمَبِيتِ، وَالْقَيْلُولَةِ لَا اسْتِغْرَاقِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ عِنْدَهَا كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهُ أَفْرَطَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى جَعَلَ مُقَامَهُ عِنْدَهَا عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ، وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي السَّبْعِ، وَالثَّلَاثِ فَلَوْ فَرَّقَ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْرَى فِي مُدَّةِ السَّبْعِ أَوْ الثَّلَاثِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُتِمُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُسْتَحَقًّا لَهَا. ٩٩٥ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك» يُرِيدُ نَفْسَهُ «هَوَانٌ إنْ شِئْت سَبَّعْتُ لَك» أَيْ أَتْمَمْتُ عِنْدَك سَبْعًا («وَإِنْ سَبَّعْتُ لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ «دَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ شِئْت زِدْتُ لَك، وَحَاسَبْتُكَ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ». دَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْبِكْرِ، وَالثَّيِّبِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَدَدِ، وَدَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى الزَّوْجُ الْمُدَّةَ الْمَقْدِرَةَ بِرِضَا الْمَرْأَةِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْإِيثَارِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ

стр. 879

٩٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَحَقُّهَا ثَابِتٌ، وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﷺ إنْ شِئْت، وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُك مِنَّا هَوَانٌ، وَلَا نُضَيِّعُ مِمَّا تَسْتَحِقِّينَهُ شَيْئًا بَلْ تَأْخُذِينَهُ كَامِلًا ثُمَّ أَعْلَمَهَا أَنَّ إلَيْهَا الِاخْتِيَارَ بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَبَيْنَ سَبْعٍ، وَيَقْضِي نِسَاءَهُ، وَفِيهِ حُسْنُ مُلَاطَفَةِ الْأَهْلِ، وَإِبَانَةِ مَا يَجِبُ لَهُمْ، وَمَا لَا يَجِبُ، وَالتَّخْيِيرُ لَهُمْ فِيمَا هُوَ لَهُمْ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ» بِفَتْحِ الزَّايِ وَالْمِيمِ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَكَانَ ﷺ تَزَوَّجَ سَوْدَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ، وَتُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ «وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) زَادَ الْبُخَارِيُّ وَلَيْلَتَهَا، وَزَادَ أَيْضًا فِي آخِرِهِ «تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَذَكَرَهُ فِيهِ سَبَبُ الْهِبَةِ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ «أَنَّ سَوْدَةَ حِينَ أَسَنَّتْ، وَخَافَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمِي لِعَائِشَةَ فَقَبِلَ مِنْهَا» فَفِيهَا وَأَشْبَاهِهَا نَزَلَتْ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الْآيَةَ، وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ مُرْسَلًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَهَا يَعْنِي سَوْدَةَ فَقَعَدَتْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَقَالَتْ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَالِي فِي الرِّجَالِ حَاجَةٌ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أُبْعَثَ مَعَ نِسَائِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَنْشُدُك بِاَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْك الْكِتَابَ هَلْ طَلَّقْتنِي بِوَجْدَةٍ وَجَدْتهَا عَلَيَّ قَالَ لَا قَالَتْ فَأَنْشُدُك اللَّهَ لَمَا رَاجَعْتنِي فَرَاجَعَهَا قَالَتْ فَإِنِّي جَعَلْت يَوْمِي لِعَائِشَةَ حِبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ». وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا، وَيُعْتَبَرُ رِضَا الزَّوْجِ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الزَّوْجَةِ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهُ إلَّا بِرِضَاهُ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ إذَا وَهَبَتْ نَوْبَتَهَا لِلزَّوْجِ فَقَالَ الْأَكْثَرُ تَصِحُّ، وَيَخُصُّ بِهَا الزَّوْجُ مَنْ أَرَادَ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ تَصِيرُ كَالْمَعْدُومَةِ، وَقِيلَ إنْ قَالَتْ لَهُ خُصَّ بِهَا مِنْ شِئْت جَازَ إلَّا إذَا أَطْلَقَتْ لَهُ قَالُوا: وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ لِلْمَرْأَةِ فِيمَا وَهَبَتْ مِنْ نَوْبَتِهَا لِأَنَّ الْحَقَّ يَتَجَدَّدُ

стр. 880

٩٩٧ - وَعَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا هُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا. فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ. وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ٩٩٨ - وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ». الْحَدِيثُ ٩٩٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ «قَالَتْ عَائِشَةُ يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ فِي مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا هُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِغَيْرِ وِقَاعٍ» فَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا «حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الدُّخُولُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَوْمِهَا مِنْ نِسَائِهِ، وَالتَّأْنِيسُ لَهَا وَاللَّمْسُ وَالتَّقْبِيلُ، وَفِيهِ بَيَانُ حُسْنِ خُلُقِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ خَيْرَ النَّاسِ لِأَهْلِهِ، وَفِي هَذَا رَدٌّ لِمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ سَابِقًا أَنَّهُ كَانَ لَهُ ﷺ سَاعَةٌ مِنْ النَّهَارِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسْمُ فِيهَا، وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَجِدْ لِمَا قَالَهُ دَلِيلًا. وَقَدْ عَيَّنَ السَّاعَةَ الَّتِي كَانَ يَدُورُ فِيهَا الْحَدِيثُ الْآتِي، وَهُوَ قَوْلُهُ. (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ» أَيْ دُنُوَّ لَمْسٍ وَتَقْبِيلٍ مِنْ دُونِ وِقَاعٍ كَمَا عَرَفْت. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَيْنَ أَنَا غَدًا يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وَفِي رِوَايَةٍ «، وَكَانَ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ مِنْ مَرَضِهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ» أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَغَازِي، وَقَوْلُهُ «فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ»، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ إنِّي
следующие страницы →