← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21590

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ط الحديث

الصنعاني

Полный текст (1 346 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

٩١٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى أَهْلِك، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُنْظُرْ، وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك؟ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَاذَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا فَقَالَ: تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ». عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخِطْبَةُ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَجَوَازُهَا لِلْمَأْذُونِ لَهُ بِالنَّصِّ، وَلِغَيْرِهِ بِالْإِلْحَاقِ لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ دَلَّ عَلَى إضْرَابِهِ فَتَجُوزُ خِطْبَتُهَا لِكُلِّ مَنْ يُرِيدُ نِكَاحَهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ أَخِيهِ، وَأَنَّهُ أَفَادَ التَّحْرِيمَ عَلَى خِطْبَةِ الْمُسْلِمِ لَا عَلَى خِطْبَةِ الْكَافِرِ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَاطِبُ فَاسِقًا فَهَلْ يَجُوزُ لِلْعَفِيفِ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ قَالَ الْأَمِيرُ الْحُسَيْنُ فِي الشِّفَاءِ إنَّهُ يَجُوزُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ الْفَاسِقِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ قَرِيبٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَخْطُوبَةُ عَفِيفَةً فَيَكُونُ الْفَاسِقُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا فَتَكُونُ خِطْبَتُهُ كَلَا خِطْبَةٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْجُمْهُورُ بِذَلِكَ إذَا صَدَرَتْ عَنْهَا عَلَامَةُ الْقَبُولِ.

стр. 807

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» -، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا تَحْفَظُ؟ قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَاَلَّتِي تَلِيهَا. قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً» (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةٌ) قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا «إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي» أَيْ أَمْرَ نَفْسِي لِأَنَّ الْحُرَّ لَا تُمْلَكُ رَقَبَتُهُ «فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ» فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فَصَعَّدَ فِي النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ أَيْ نَظَرَ أَعْلَايَ وَأَسْفَلِي وَتَأَمَّلَنِي، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى مَنْ يُرِيدُ زَوَاجَهَا، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّهُ تَحَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى الْمُؤْمِنَاتِ الْأَجْنَبِيَّاتِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ «ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ» قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ «فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا فَقَالَ فَهَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا» أَيْ وَلَوْ نَظَرْت خَاتَمًا «مِنْ حَدِيدٍ فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» أَيْ مَوْجُودٌ فَخَاتَمُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ «وَلَكِنْ هَذَا إزَارِي قَالَ» سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الرَّاوِي «مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك إنْ لَبِسَتْهُ» أَيْ كُلَّهُ «لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْتَهُ» أَيْ كُلَّهُ «لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ»، وَلَعَلَّهُ بِهَذَا الْجَوَابِ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ قِسْمَةَ الرِّدَاءِ لَا تَنْفَعُهُ، وَلَا تَنْفَعُ الْمَرْأَةَ («فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فَدَعَا بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ مَاذَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا عَدَّدَهَا فَقَالَ تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ»، وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا تَحْفَظُ قَالَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً» دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ تَتَبَّعَهَا ابْنُ التِّينِ، وَقَالَ هَذِهِ إحْدَى وَعِشْرُونَ فَائِدَةً بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَكْثَرِهَا. قُلْت، وَلْنَأْتِ بِأَنْفَسِهَا وَأَوْضَحِهَا (الْأُولَى) جَوَازُ عَرْضِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَجَوَازُ النَّظَرِ مِنْ الرَّجُلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَاطِبًا لِإِرَادَةِ

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التَّزَوُّجِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ جَوَازُ النَّظَرِ خَاصًّا لِلْخَاطِبِ بَلْ يَجُوزُ لِمَنْ تَخْطُبُهُ الْمَرْأَةُ فَإِنَّ نَظَرَهُ ﷺ إلَيْهَا دَلِيلٌ أَنَّهُ أَرَادَ زَوَاجَهَا بَعْدَ عَرْضِهَا عَلَيْهِ نَفْسَهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ تُعْجِبْهُ فَأَضْرَبَ عَنْهَا (وَالثَّانِيَةُ) وِلَايَةُ الْإِمَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا قَرِيبَ لَهَا إذَا أَذِنَتْ إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا فَوَّضَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ، وَذَلِكَ تَوْكِيلٌ، وَأَنَّهُ يَعْقِدُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ وَلِيِّهَا هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لَا حَاضِرٌ أَوْ لَا، وَلَا سُؤَالِهَا هَلْ هِيَ فِي عِصْمَةِ رَجُلٍ أَوْ عَدَمِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ، وَعِنْدُ الْهَادَوِيَّةِ أَنَّهَا تَحْلِفُ الْغَرِيبَةُ احْتِيَاطًا (الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبُولِ (الرَّابِعَةُ) أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا فَإِنَّ قَوْلَهُ «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» مُبَالَغَةٌ فِي تَقْلِيلِهِ فَيَصِحُّ بِكُلِّ مَا تَرَاضَى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ أَوْ مَنْ إلَيْهِ وِلَايَةُ الْعَقْدِ مِمَّا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قِيمَةً وَثَمَنًا لِشَيْءٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا، وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، وَلَا يَحِلُّ بِهِ النِّكَاحُ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ يَصِحُّ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى شَيْئًا، وَلَوْ حَبَّةً مِنْ شَعِيرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ «هَلْ تَجِدُ شَيْئًا»، وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» مُبَالَغَةٌ فِي التَّقْلِيلِ وَلَهُ قِيمَةٌ، وَبِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» دَلَّ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ وَاحِدٍ، وَحَبَّةُ الشَّعِيرِ مُسْتَطَاعَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ دَالٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ فِي الصَّدَاقِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ أَقَلُّهُ خَمْسُونَ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ التَّقَادِيرُ لَا دَلِيلَ عَلَى اعْتِبَارِهَا بِخُصُوصِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَصِحُّ بِمَا يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنْ تَحَقَّرَتْ، وَالْأَحَادِيثُ، وَالْآيَاتُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ الرِّضَا هُنَا مِنْ الزَّوْجَةِ إلَّا بِكَوْنِهِ مَالًا لَهُ صُورَةٌ، وَلَا يُطِيقُ كُلُّ أَحَدٍ تَحْصِيلَهُ (الْخَامِسَةُ) أَنَّهُ يَنْبَغِي ذِكْرُ الصَّدَاقِ فِي الْعَقْدِ لِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلنِّزَاعِ، وَأَنْفَعُ لِلْمَرْأَةِ فَلَوْ عُقِدَ بِغَيْرِ ذِكْرِ صَدَاقٍ صَحَّ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُ الْمَهْرِ (السَّادِسَةُ) أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَظُنُّهُ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ «اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا» فَدَلَّ أَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى ظَنِّهِ، وَلَوْ كَانَتْ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِذَهَابِهِ إلَى أَهْلِهِ فَائِدَةٌ (السَّابِعَةُ) أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَاَلَّذِي يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ يَسُدُّ خَلَّتَهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لِأَنَّهُ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَهُ عَنْ قِسْمَةِ ثَوْبِهِ بِقَوْلِهِ إنْ لَبِسْته لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ (الثَّامِنَةُ) اخْتِبَارُ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يُصَدِّقْهُ فِي أَوَّلِ دَعْوَاهُ الْإِعْسَارَ حَتَّى ظَهَرَ لَهُ قَرَائِنُ صِدْقِهِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ الْيَمِينُ مِنْ مُدَّعِي الْإِعْسَارِ حَتَّى تَظْهَرَ قَرَائِنُ إعْسَارِهِ (التَّاسِعَةُ) أَنَّهَا لَا تَجِبُ الْخُطْبَةُ لِلْعَقْدِ لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ

стр. 809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ تَقُولُ بِوُجُوبِهَا، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَهُمْ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ مَنْفَعَةً كَالتَّعْلِيمِ فَإِنَّهُ مَنْفَعَةٌ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ مُوسَى مَعَ شُعَيْبٍ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ كَوْنِهِ مَنْفَعَةً الْهَادَوِيَّةُ، وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ، وَتُكَلَّفُوا لِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ، وَادَّعَوْا أَنَّ التَّزَوُّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ مِنْ خَوَاصِّهِ ﷺ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ (الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ «بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجْهَيْنِ أَظْهَرُهُمَا أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْهُ، وَيَكُونَ ذَلِكَ صَدَاقًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ «فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ»، وَفِي بَعْضِهَا تَعْيِينُ عَشْرٍ مِنْ الْآيَاتِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّعْلِيلِ، وَأَنَّهُ زَوَّجَهُ بِهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ إكْرَامًا لَهُ لِكَوْنِهِ حَافِظًا لِبَعْضٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ قِصَّةُ أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَ أَبِي سُلَيْمٌ، وَذَلِكَ " أَنَّهُ خَطَبَهَا فَقَالَتْ، وَاَللَّهِ مَا مِثْلُك يُرَدُّ، وَلَكِنَّك كَافِرٌ، وَأَنَا مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَك فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرُك، وَلَا أَسْأَلُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيّ " بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى الْإِسْلَامِ " وَتَرْجَمَ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا بِقَوْلِهِ بَابُ التَّزْوِيجِ عَلَى سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ مِنْهُ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي لِثُبُوتِ رِوَايَةِ فَعَلِّمْهَا مِنْ الْقُرْآنِ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهَا قَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَلْفَاظُ فِي الْحَدِيثِ فَرُوِيَ بِالتَّمْلِيكِ وَبِالتَّزْوِيجِ وَبِالْإِمْكَانِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ هَذِهِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ اخْتَلَفَتْ مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَفْظٌ وَاحِدٌ فَالْمَرْجِعُ فِي هَذَا إلَى التَّرْجِيحِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى قَدْ زَوَّجْتُكَهَا، وَأَنَّهُمْ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ، وَأَطَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَلْفَاظِ ثُمَّ قَالَ فَرِوَايَةُ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ أَرْجَحُ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ التِّينِ إنَّهُ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ رِوَايَةُ زَوَّجْتُكَهَا، وَأَنَّ رِوَايَةَ مَلَّكْتُكَهَا وَهِمَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ إنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ مِنْهُ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ عَلَى وَفْقِ قَوْلِ الْخَاطِبِ زَوِّجْنِيهَا إذْ هُوَ الْغَالِبُ فِي لَفْظِ الْعُقُودِ إذْ قَلَّمَا يَخْتَلِفُ فِيهِ لَفْظُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى جَوَازِ الْعَقْدِ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَعْنَاهُ إذَا قُرِنَ بِهِ الصَّدَاقُ أَوْ قُصِدَ بِهِ النِّكَاحُ كَالتَّمْلِيكِ، وَنَحْوِهِ وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ.

стр. 810

٩١٩ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. ٩٢٠ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ. وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ - وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ». (وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) عَامِرٌ تَابِعِيٌّ سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ (عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ) وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» أَيْ الدُّفِّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رُوَاتِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إيَاسٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَ أَحْمَدُ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ وَلْيُولِمْ أَحَدُكُمْ وَلَوْ بِشَاةٍ فَإِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، وَقَدْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ فَلْيُعْلِمْهَا لَا يَغُرَّهَا» دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى الْأَمْرِ بِإِعْلَانِ النِّكَاحِ، وَالْإِعْلَانُ خِلَافُ الْإِسْرَارِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِضَرْبِ الْغِرْبَالِ وَفَسَّرَهُ بِالدُّفِّ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ وَاسِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَقَالٌ إلَّا أَنَّهَا يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى شَرْعِيَّةِ ضَرْبِ الدُّفِّ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَانِ مِنْ عَدَمِهِ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ، وَلَعَلَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ فَيَكُونُ مَسْنُونًا، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَصْحَبَهُ مُحَرَّمٌ مِنْ التَّغَنِّي بِصَوْتٍ رَخِيمٍ مِنْ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ بِشِعْرٍ فِيهِ مَدْحُ الْقُدُودِ وَالْخُدُودِ بَلْ يُنْظَرُ الْأُسْلُوبُ الْعَرَبِيُّ الَّذِي كَانَ فِي عَصْرِهِ ﷺ فَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ، وَأَمَّا مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا كَلَامَ فِي أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ يَقْتَرِنُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٌ فَيَحْرُمُ لِذَلِكَ لَا لِنَفْسِهِ. وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».

стр. 811

٩٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَأَعَلَّهُ بِإِرْسَالِهِ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ إسْرَائِيلَ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَشَرِيكٌ الْقَاضِي، وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. كَذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مُرْسَلًا قَالَ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَصَحُّ هَكَذَا صَحَّحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي الْمُثَنَّى عَنْهُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ حَدِيثُ إسْرَائِيلَ فِي النِّكَاحِ صَحِيحٌ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ قَالَ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ قُلْت، وَيَأْتِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّ النِّكَاحَ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ بَاطِلٌ» قَالَ الْحَاكِمُ. وَقَدْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ سَرَدَ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّفْيِ نَفْيُ الصِّحَّةِ لَا الْكَمَالِ، وَالْوَلِيُّ هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ عَصَبَتِهَا دُونَ ذَوِي أَرْحَامِهَا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِهِ، وَأَنَّهُ لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ. وَعَلَيْهِ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ، وَقَالَ مَالِكٌ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الشَّرِيفَةِ لَا الْوَضِيعَةِ فَلَهَا أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا مُحْتَجِّينَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِبَيْعِ سِلْعَتِهَا، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ إذْ هُوَ قِيَاسٌ مَعَ نَصٍّ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مُسْتَوْفٍ شَرْحَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ» - الْحَدِيثَ وَقَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ يُعْتَبَرُ الْوَلِيُّ فِي حَقِّ الْبِكْرِ لِحَدِيثِ «الثَّيِّبُ أَوْلَى بِنَفْسِهَا» وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اعْتِبَارُ رِضَاهَا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَادِيثِ اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُنْكِحَ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْآتِي. ٩٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ». أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ،، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَصَحَّحَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُفَّاظِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فَقَوْلُهُ «بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهَا جَازَ أَنْ تَعْقِدَ لِنَفْسِهَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ الْمَنْطُوقِ بِاشْتِرَاطِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ طَعَنُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ، وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَاَلَّذِي رَوَى هَذَا الْقَدْحَ هُوَ إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ الْقَاضِي عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الرَّاوِي عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ أَيْ عَنْ الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نِسْيَانِ الزُّهْرِيِّ لَهُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَهَمَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَثْنَى الزُّهْرِيُّ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، وَقَدْ طَالَ كَلَامُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَاسْتَوْفَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَقَدْ عَاضَدَتْهُ أَحَادِيثُ اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ، وَغَيْرُهَا مِمَّا يَأْتِي فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ إذْنِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ بِعَقْدِهِ لَهَا أَوْ عَقْدِ وَكِيلِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ بِالدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا لِقَوْلِهِ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا اخْتَلَّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ النِّكَاحِ فَهُوَ بَاطِلٌ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَأَنَّ النِّكَاحَ يُسَمَّى بَاطِلًا وَصَحِيحًا، وَلَا وَاسِطَةَ، وَقَدْ أَثْبَتَ الْوَاسِطَةَ الْهَادَوِيَّةُ، وَجَعَلُوهَا الْعَقْدَ الْفَاسِدَ قَالُوا: وَهُوَ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا جَاهِلَيْنِ، وَلَمْ تَكُنْ الْمُخَالَفَةُ فِي أَمْرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ مُبَيَّنَةٌ فِي الْفُرُوعِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ «فَإِنْ اشْتَجَرُوا» عَائِدٌ إلَى الْأَوْلِيَاءِ الدَّالِّ عَلَيْهِمْ ذِكْرُ الْوَلِيِّ وَالسِّيَاقُ، وَالْمُرَادُ بِالِاشْتِجَارِ مَنْعُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْعَضْلُ، وَبِهِ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَى السُّلْطَانِ إنْ عَضَلَ الْأَقْرَبُ، وَقِيلَ بَلْ تَنْتَقِلُ إلَى الْأَبْعَدِ، وَانْتِقَالُهَا إلَى السُّلْطَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ الْأَقْرَبِ الْأَبْعَدَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا لِعَدَمِهِ أَوْ لِمَنْعِهِ، وَمِثْلُهُمَا غَيْبَةُ الْوَلِيِّ، وَيُؤَيِّدُ حَدِيثَ الْبَابِ مَا. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»، وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ أَوْ سُلْطَانٍ» ثُمَّ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ مَنْ إلَيْهِ الْأَمْرُ جَائِرًا كَانَ أَوْ عَادِلًا لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْأَمْرِ لِطَاعَةِ السُّلْطَانِ جَائِرًا أَوْ عَادِلًا، وَقِيلَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْعَادِلُ الْمُتَوَلِّي لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ لَا سَلَاطِينُ الْجَوْرِ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِذَلِكَ.

стр. 813

٩٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ: أَنْ تَسْكُت» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٩٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا تُنْكَحُ) مُغَيَّرُ الصِّيغَةِ مَجْزُومًا، وَمَرْفُوعًا، وَمِثْلُهُ الَّذِي بَعْدَهُ (الْأَيِّمُ) الَّتِي فَارَقَتْ زَوْجَهَا بِطَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ (حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) مِنْ الِاسْتِئْمَارِ طَلَبِ الْأَمْرِ («وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا قَالَ أَنْ تَسْكُت». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْأَمْرِ مِنْ الثَّيِّبِ، وَأَمْرِهَا فَلَا يُعْقَدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَطْلُبَ الْوَلِيُّ الْأَمْرَ مِنْهَا بِالْإِذْنِ بِالْعَقْدِ، وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ اعْتِبَارُ رِضَاهَا، وَهُوَ مَعْنَى أَحَقِّيَّتِهَا بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَقَوْلُهُ «وَالْبِكْرُ» أَرَادَ بِهَا الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ، وَعَبَّرَ هُنَا بِالِاسْتِئْذَانِ، وَعَبَّرَ فِي الثَّيِّبِ بِالِاسْتِئْمَارِ إشَارَةً إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ مُتَأَكَّدٌ مُشَاوَرَةُ الثَّيِّبِ، وَيَحْتَاجُ الْوَلِيُّ إلَى صَرِيحِ الْقَوْلِ بِالْإِذْنِ مِنْهَا فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَالْإِذْنُ مِنْ الْبِكْرِ دَائِرٌ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالسُّكُوتِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ مِنْهَا بِالسُّكُوتِ لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحِي مِنْ التَّصْرِيحِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي قَالَ رِضَاهَا صُمَاتُهَا» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ سُكُوتَهَا رِضًا، وَقَالَ سُفْيَانُ: يُقَالُ لَهَا ثَلَاثًا إنْ رَضِيَتْ فَاسْكُتِي، وَإِنْ كَرِهْتِ فَانْطِقِي فَأَمَّا إذَا لَمْ تَنْطِقْ، وَلَكِنَّهَا بَكَتْ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يَكُونُ سُكُوتُهَا رِضًا مَعَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا أَثَرَ لِبُكَائِهَا فِي الْمَنْعِ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِصِيَاحٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الدَّمْعُ هَلْ هُوَ حَارٌّ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ بَارِدٌ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إلَى الْقَرَائِنِ فَإِنَّهَا لَا تَخْفَى، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْأَبِ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَآخَرُونَ عَمَلًا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ هُنَا، وَبِالْخَاصِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ «، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا»، وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاسْتِيفَاءُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْآتِي. ٩٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 814

٩٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَفِي لَفْظٍ «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي لَفْظٍ) أَيْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَحَقِّيَّةِ الثَّيِّبِ بِنَفْسِهَا اعْتِبَارُ رِضَاهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى اسْتِئْمَارِ الْبِكْرِ، وَقَوْلُهُ «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» أَيْ إنْ لَمْ تَرْضَ لِمَا سَلَفَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ رِضَاهَا، وَعَلَى أَنَّ الْعَقْدَ إلَى الْوَلِيِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» فَالْيَتِيمَةُ فِي الشَّرْعِ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا، وَهُوَ دَلِيلٌ لِلنَّاصِرِ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ إلَّا الْأَبُ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ، وَلَا اسْتِئْمَارَ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ إذْ لَا فَائِدَةَ لِاسْتِئْمَارِ الصَّغِيرَةِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُزَوِّجَهَا الْأَوْلِيَاءُ مُسْتَدِلِّينَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الْآيَةَ وَمَا ذُكِرَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فِي أَنَّهُ يَكُونُ فِي حِجْرِ الْوَلِيِّ يَتِيمَةٌ لَيْسَ لَهُ رَغْبَةٌ فِي نِكَاحِهَا، وَإِنَّمَا يَرْغَبُ فِي مَالِهَا فَيَتَزَوَّجُهَا لِذَلِكَ فَنُهُوا، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي أَنَّهُ يَنْكِحَهَا صَغِيرَةً لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ يَمْنَعُهَا الْأَزْوَاجَ حَتَّى تَبْلُغَ ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا قَالُوا: وَلَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ الْخِيَارُ قِيَاسًا عَلَى الْأَمَةِ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ إذَا أُعْتِقَتْ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ، وَالْجَامِعُ حُدُوثُ مِلْكِ التَّصَرُّفِ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الْقَوْلِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ مِنْهُ مِنْ جَوَازِ الْفَسْخِ وَضَعْفُ الْقِيَاسِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا خِيَارَ لَهَا مَعَ قَوْلِهِ بِجَوَازِ تَزْوِيجِ غَيْرِ الْأَبِ لَهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِالْخِيَارِ لِضَعْفِ الْقِيَاسِ فَالْأَرْجَحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لَهَا وِلَايَةٌ فِي الْإِنْكَاحِ لِنَفْسِهَا، وَلَا لِغَيْرِهَا فَلَا عِبْرَةَ لَهَا فِي النِّكَاحِ إيجَابًا، وَلَا قَبُولًا فَلَا

стр. 815

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا تُزَوِّجُ غَيْرَهَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ، وَلَا تَقْبَلُ النِّكَاحَ بِوِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى تَزْوِيجِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ نَفْسَهَا وَابْنَتَهَا الصَّغِيرَةَ، وَتَتَوَكَّلُ عَنْ الْغَيْرِ لَكِنْ لَوْ وَضَعَتْ نَفْسَهَا عِنْدَ غَيْرِ كُفْءٍ، فَلِأَوْلِيَائِهَا الِاعْتِرَاضُ، وَقَالَ مَالِكٌ: تُزَوِّجُ الدَّنِيَّةُ نَفْسَهَا دُونَ الشَّرِيفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِالْحَدِيثِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ قَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ أَصَرْحُ آيَةٍ فِي اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِعَضْلِهِ مَعْنًى. وَسَبَبُ نُزُولِهَا فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، وَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَرَامَ رَجْعَتَهَا فَحَلَفَ أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا قَالَ فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ زَادَ أَبُو دَاوُد فَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي وَأَنْكَحْتهَا إيَّاهُ فَلَوْ كَانَ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا لَمْ يُعَاتِبْ أَخَاهَا عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَلَكَانَ نُزُولُ الْآيَةِ لِبَيَانِ أَنَّهَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا. وَبِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ يُعْرَفُ ضَعْفُ قَوْلِ الرَّازِيِّ إنَّ الضَّمِيرَ لِلْأَزْوَاجِ، وَضَعْفُ قَوْلِ صَاحِبِ نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ إلَّا نَهْيُهُمْ عَنْ الْعَضْلِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ إذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ لَا حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا بَلْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ ضِدُّ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَيْسَ لَهُمْ سَبِيلٌ عَلَى مَنْ يَلُونَهُمْ اهـ وَيُقَالُ عَلَيْهِ قَدْ فَهِمَ السَّلَفُ شَرْطَ إذْنِهِمْ فِي عَصْرِهِ ﷺ ، وَبَادَرَ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ إلَى التَّكْفِيرِ عَنْ يَمِينِهِ وَالْعَقْدِ، وَلَوْ كَانَ لَا سَبِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ لَأَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى غَايَةَ الْبَيَانِ بَلْ كَرَّرَ تَعَالَى كَوْنَ الْأَمْرِ إلَى الْأَوْلِيَاءِ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، وَلَمْ يَأْتِ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ إنْكَاحَ نَفْسِهَا، وَدَلَّتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ النِّكَاحِ إلَيْهِنَّ فِي الْآيَاتِ مِثْلُ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ مُرَادٌ بِهِ الْإِنْكَاحُ بِعَقْدِ الْوَلِيِّ إذْ لَوْ فُهِمَ ﷺ أَنَّهَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا لَأَمَرَهَا بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِذَلِكَ، وَلَأَبَانَ لِأَخِيهَا أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ، وَلَمْ يُبِحْ لَهُ الْحِنْثَ فِي يَمِينِهِ وَالتَّكْفِيرَ، وَيَدُلُّ لِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا ثُمَّ قَالَتْ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ» فَهَذَا دَالٌّ أَنَّهُ ﷺ قَرَّرَ ذَلِكَ النِّكَاحَ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْوَلِيُّ، وَزَادَهُ تَأْكِيدًا بِمَا قَدْ سَمِعْت مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَيَدُلُّ لَهُ نِكَاحُهُ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ، وَقَوْلُهَا: إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِهَا حَاضِرًا، وَلَمْ يَقُلْ ﷺ أَنْكِحِي أَنْتِ نَفْسَك مَعَ أَنَّهُ مَقَامُ الْبَيَانِ، وَيَدُلُّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ فَإِنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ بِأَنْ لَا يُنْكِحُوا الْمُسْلِمَاتِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا إنْكَاحُ نَفْسِهَا لَمَا كَانَتْ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهَا تُنْكِحُ نَفْسَهَا يَقُولُ بِأَنَّهُ يُنْكِحُهَا وَلِيُّهَا أَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَفِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى تَحْرِيمِ إنْكَاحِ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمَاتِ لِأَنَّهَا إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى نَهْيِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ إنْكَاحِ الْمُشْرِكِينَ لَا عَلَى نَهْيِ الْمُسْلِمَاتِ

стр. 816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَنْ يُنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ مِنْهُمْ، وَقَدْ عُلِمَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمَاتِ فَالْأَمْرُ لِلْأَوْلِيَاءِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ وِلَايَةٌ فِي النِّكَاحِ، وَلَقَدْ تَكَلَّمَ صَاحِبُ نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْآيَةِ بِكَلَامٍ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ فَقَالَ: الْآيَةُ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَوْ لِأُولِي الْأَمْرِ ثُمَّ قَالَ. فَإِنْ قِيلَ هُوَ عَامٌّ، وَالْعَامُّ يَشْمَلُ أُولِي الْأَمْرِ وَالْأَوْلِيَاءَ قُلْنَا: هَذَا الْخِطَابُ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ بِالْمَنْعِ، وَالْمَنْعُ بِالشَّرْعِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ وَغَيْرُهُمْ، وَكَوْنُ الْوَلِيِّ مَأْمُورًا بِالْمَنْعِ بِالشَّرْعِ لَا يُوجِبُ لَهُ وِلَايَةً خَاصَّةً بِالْإِذْنِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إذْنِهِمْ فِي النِّكَاحِ لَكَانَ مُجْمَلًا لَا يَصِحُّ بِهِ عَمَلٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَصْنَافِ الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا مَرَاتِبِهِمْ، وَالْبَيَانُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ اهـ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ لِكَافَّةِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُكَلَّفِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِصَدْرِهَا أَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وَالْمُرَادُ لَا يُنْكِحُهُنَّ مَنْ إلَيْهِ الْإِنْكَاحُ، وَهُمْ الْأَوْلِيَاءُ أَوْ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَمِنْهُمْ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ فَقْدِهِمْ أَوْ عَضْلِهِمْ لِمَا عَرَفْت مِنْ قَوْلِهِ (فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا) فَبَطَلَ قَوْلُهُ إنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ خِطَابِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَوْلِي الْأَمْرِ، وَقَوْلُهُ: قُلْنَا هَذَا الْخِطَابُ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ بِالْمَنْعِ بِالشَّرْعِ (قُلْنَا) نَعَمْ قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ بِالشَّرْعِ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَوْلِيَاءُ، وَغَيْرُهُمْ (قُلْنَا) هَذَا كَلَامٌ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ فَإِنَّ الْمَنْعَ بِالشَّرْعِ هُنَا لِلْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْعَقْدَ إمَّا جَوَازًا كَمَا تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ أَوْ شَرْطًا كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُمْ فَالْأَجْنَبِيُّ بِمَعْزِلٍ عَنْ الْمَنْعِ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى بَنَاتِ زَيْدٍ مَثَلًا فَمَا مَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ تَكْلِيفِهِ فَهَذَا تَكْلِيفٌ يَخُصُّ الْأَوْلِيَاءَ فَهُوَ كَمَنْعِ الْغَنِيِّ مِنْ السُّؤَالِ، وَمَنْعِ النِّسَاءِ عَنْ التَّبَرُّجِ فَالتَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْهَا مَا يَخُصُّ الذُّكُورَ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ الْإِنَاثَ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ أَوْ فَرْدًا مِنْهُمَا، وَمِنْهَا مَا يَعُمُّ الْفَرِيقَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ يُزَوِّجُ مُسْلِمَةً بِمُشْرِكٍ فَخُرُوجٌ مِنْ الْبَحْثِ، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ قُلْنَا إنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ لَكَانَ مُجْمَلًا لَا يَصِحُّ بِهِ عَمَلٌ، جَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ إذْ الْأَوْلِيَاءُ مَعْرُوفُونَ فِي زَمَانِ مَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ الْآيَةُ، وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ: يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ مَعْرُوفُونَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لَهُ ﷺ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي حَاضِرًا، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا لِأَنَّهُ نَقَلَ الشَّارِحُ ﵀ كَلَامَ النِّهَايَةِ، وَهُوَ طَوِيلٌ، وَجَنَحَ إلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَقْوَاهُ الشَّارِحُ، وَلَمْ يَقْوَ فِي نَظَرِي مَا قَالَهُ فَأَحْبَبْت أَنْ أُنَبِّهَ عَلَى بَعْضِ مَا فِيهِ. وَلَوْلَا مَحَبَّةُ الِاخْتِصَارِ لَنَقَلْته بِطُولِهِ، وَأَبَنْت مَا فِيهِ، وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ قَوْلُهُ ﷺ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» فَإِنَّهُ أَثْبَتَ حَقًّا لِلْوَلِيِّ كَمَا يُفِيدُهُ لَفْظُ " أَحَقُّ "، وَأَحَقِّيَّتُهُ هِيَ الْوِلَايَةُ، وَأَحَقِّيَّتُهَا رِضَاهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ بِهَا إلَّا بَعْدَهُ فَحَقُّهَا بِنَفْسِهَا آكَدُ مِنْ حَقِّهِ لِتَوَقُّفِ حَقِّهِ عَلَى إذْنِهَا.

стр. 817

٩٢٥ - وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ» وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاتَّفَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ ٩٢٦ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الشِّغَارِ» فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ (أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي التَّفْسِيرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَوْ عَنْ نَافِعٍ أَوْ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وُصِلَ بِالْمَتْنِ الْمَرْفُوعِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَيَدُلُّ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْت أَنَّ الشِّغَارَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ إلَخْ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَصَرَّحَ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ بِمَا ذُكِرَ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ، وَأَفْقَهُ بِالْحَالِ اهـ. وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ هُوَ بَاطِلٌ أَوْ غَيْرُ بَاطِلٍ فَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ إلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ، وَلِلْفُقَهَاءِ خِلَافٌ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ لَا نُطَوِّلُ بِهِ فَكُلُّهَا أَقْوَالٌ تَخْمِينِيَّةٌ، وَيَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «لَا صَدَاقَ بَيْنَهُمَا» أَنَّهُ عِلَّةُ النَّهْيِ، وَذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّةُ، وَطَائِفَةٌ إلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَيَلْغُو مَا ذُكِرَ فِيهِ عَمَلًا بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَصَّهُ النَّهْيُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا

стр. 818

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . زَوَّجَهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ) وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّقِّيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا، وَإِذَا اخْتَلَفَ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ، وَإِرْسَالِهِ فَالْحُكْمُ لِمَنْ وَصَلَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: الطَّعْنُ فِي الْحَدِيثِ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ لَهُ طُرُقًا يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا اهـ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ: «وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». وَهَذَا الْحَدِيثُ أَفَادَ مَا أَفَادَهُ فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ إجْبَارِ الْأَبِ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ عَلَى النِّكَاحِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِالْأَوْلَى، وَإِلَى عَدَمِ جَوَازِ إجْبَارِ الْأَبِ ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ لِمَا ذُكِرَ، وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا»، وَإِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: زِيَادَةُ الْأَبِ فِي الْحَدِيثِ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فَقَدْ رَدَّهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهَا زِيَادَةُ عَدْلٍ يَعْنِي فَيُعْمَلُ بِهَا، وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ لِلْأَبِ إجْبَارَ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ عَمَلًا بِمَفْهُومِ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ دَلَّ أَنَّ الْبِكْرَ بِخِلَافِهَا، وَأَنَّ الْوَلِيَّ أَحَقُّ بِهَا، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ لَا يُقَاوِمُ الْمَنْطُوقَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ أُخِذَ بِعُمُومِهِ لَزِمَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنْ لَا يُخَصَّ الْأَبُ بِجَوَازِ الْإِجْبَارِ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَقْوِيَةِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ إنَّ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: جَوَابُ الْبَيْهَقِيّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِهَا تَعْمِيمًا (قُلْت) كَلَامُ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ مُحَامَاةٌ عَنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِهِمْ، وَإِلَّا فَتَأْوِيلُ الْبَيْهَقِيّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَذَكَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بَلْ قَالَتْ: إنَّهُ زَوَّجَهَا، وَهِيَ كَارِهَةٌ فَالْعِلَّةُ كَرَاهَتُهَا فَعَلَيْهَا عُلِّقَ التَّخْيِيرُ لِأَنَّهَا الْمَذْكُورَةُ فَكَأَنَّهُ قَالَ ﷺ إذَا كُنْت كَارِهَةً فَأَنْتِ بِالْخِيَارِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ حُكْمٌ عَامٌّ لِعُمُومِ عِلَّتِهِ فَأَيْنَمَا وُجِدَتْ الْكَرَاهَةُ ثَبَتَ الْحُكْمُ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنْ ابْنِ أَخِيهِ يَرْفَعُ بِي خَسِيسَتَهُ، وَأَنَا كَارِهَةٌ قَالَتْ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ فَأَرْسَلَ إلَى أَبِيهَا فَدَعَاهُ فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ أَجَزْت مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ أُعْلِمَ النِّسَاءَ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ»، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا بِكْرٌ، وَلَعَلَّهَا الْبِكْرُ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ زَوَّجَهَا أَبُوهَا كُفْئًا ابْنَ أَخِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَقَدْ صَرَّحَتْ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادِهَا إلَّا إعْلَامَ النِّسَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَلَفْظُ النِّسَاءِ عَامٌّ لِلثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، وَقَدْ قَالَتْ هَذَا عِنْدَهُ ﷺ -

стр. 819

٩٢٧ - وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. ٩٢٨ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فَأَقَرَّهَا عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْأَمْرِ عَنْ الْآبَاءِ التَّزْوِيجُ لِلْكَرَاهَةِ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ هُوَ عَامٌّ لِكُلِّ شَيْءٍ. (وَعَنْ الْحَسَنِ هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ إنَّهُ لَقِيَ عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا بِالْبَصْرَةِ فَلَمْ تَصِحَّ رُؤْيَتُهُ إيَّاهُ، وَكَانَ إمَامَ وَقْتِهِ عِلْمًا وَزُهْدًا وَوَرَعًا مَاتَ فِي رَجَبً سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ (عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ) تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ مِنْ سَمَاعِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ فِي هَذَا أَصَحُّ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ لَمْ يَسْمَعْ الْحَسَنَ عَنْ عُقْبَةَ شَيْئًا. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَقَدَ لَهَا وَلِيَّانِ لِرَجُلَيْنِ، وَكَانَ الْعَقْدُ مُتَرَتِّبًا أَنَّهَا لِلْأَوَّلِ مِنْهُمَا سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي أَوْ لَا أَمَّا إذَا دَخَلَ بِهَا عَالِمًا فَإِجْمَاعٌ أَنَّهُ زِنًى، وَأَنَّهَا لِلْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ إنْ دَخَلَ بِهَا جَاهِلًا إلَّا أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلْجَهْلِ فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَلًا، وَكَذَا إذَا عُلِمَ ثُمَّ الْتَبَسَ فَإِنَّهُمَا يَبْطُلَانِ إلَّا أَنَّهَا إذَا أَقَرَّتْ الزَّوْجَةُ أَوْ دَخَلَ بِهَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِرِضَاهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُقَرِّرُ الْعَقْدَ الَّذِي أَقَرَّتْ بِسَبَقِهِ إذْ الْحَقُّ عَلَيْهَا فَإِقْرَارُهَا صَحِيحٌ، وَكَذَا الدُّخُولُ بِرِضَاهَا فَإِنَّهُ قَرِينَةُ السَّبَقِ لِوُجُوبِ الْحَمْلِ عَلَى السَّلَامَةِ.

стр. 820

٩٢٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ وَأَهْلِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ» أَيْ زَانٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَكَذَلِكَ) صَحَّحَهُ (ابْنُ حِبَّانَ) وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَأَنَّهُ وَجَدَ عَبْدًا لَهُ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَبْطَلَ عَقْدَهُ وَضَرَبَهُ الْحَدَّ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ بَاطِلٌ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ إلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، وَيَلْحَقُ بِهِ النَّسَبُ، وَذَهَبَ دَاوُد إلَى أَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ صَحِيحٌ لِأَنَّ النِّكَاحَ عِنْدَهُ فَرْضُ عَيْنٍ فَهُوَ كَسَائِرِ فُرُوضِ الْعَيْنِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَدَيْهِ الْحَدِيثُ، وَقَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى: إنَّ الْعَقْدَ الْبَاطِلَ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الزِّنَا هُنَا، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْعَقْدَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَهَلْ يَنْفُذُ عَقْدُهُ بِالْإِجَازَةِ مِنْ سَيِّدِهِ فَقَالَ النَّاصِرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَنْفُذُ بِالْإِجَازَةِ لِأَنَّهُ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَاهِرًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْإِجَازَةُ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِالْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ أَصْلًا، وَالْمُرَادُ بِالْعَاهِرِ أَنَّهُ كَالْعَاهِرِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِزَانٍ حَقِيقَةً. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُجْمَعُ) بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، وَ " لَا " نَافِيَةٌ فَهُوَ مَرْفُوعٌ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي إحْدَى رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ بِلَفْظِ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ قَالَ الشَّافِعِيُّ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَقِيته مِنْ الْمُفْتِينَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَسْت أَعْلَمُ فِي مَنْعِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ فِرْقَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ، وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ حَزْمٍ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَصَّصَ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ الْآيَةَ قِيلَ: وَيَلْزَمُ الْحَنَفِيَّةَ أَنْ يُجَوِّزُوا الْجَمْعَ بَيْنَ مَنْ ذُكِرَ لِأَنَّ أُصُولَهُمْ تَقْدِيمُ عُمُومِ الْكِتَابِ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ إلَّا أَنَّهُ أَجَابَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَالْمَشْهُورُ لَهُ حُكْمُ الْقَطْعِيِّ سِيَّمَا مَعَ الْإِجْمَاعِ مِنْ الْأَمَةِ، وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالْمُخَالِفِ.

стр. 821

٩٣٠ - وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «وَلَا يَخْطُبُ» وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ «وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ». ٩٣١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ٩٣٢ - وَلِمُسْلِمٍ «عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» (وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْكِحُ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ مِنْ نَكَحَ (الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ) بِضَمِّهِ مِنْ أَنْكَحَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ) أَيْ لِمُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ (وَلَا يَخْطُبُ) أَيْ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (زَادَ ابْنُ حِبَّانَ: وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إلَّا قَوْلَهُ " وَلَا يُخْطَبُ عَلَيْهِ " وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ أَحَدٌ مِنْهُ وَلِيَّتَهُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) الْحَدِيثُ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ الْكَلَامَ لِمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَكِنَّ الرِّوَايَةَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ جَاءَتْ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَكِنَّ الْوَهْمَ إلَى الْوَاحِدِ أَقْرَبُ مِنْ الْوَهْمِ إلَى الْجَمَاعَةِ فَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْخَبَرَيْنِ أَنْ يَتَعَارَضَا فَتُطْلَبُ الْحُجَّةُ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ صَحِيحٌ فِي مَنْعِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ انْتَهَى، وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت لِأَحْمَدَ: إنَّ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ بِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ مَعَ صِحَّتِهِ قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ وَهَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونَةُ تَقُولُ تَزَوَّجَنِي وَهُوَ حَلَالٌ انْتَهَى يُرِيدُ بِقَوْلِ مَيْمُونَةَ مَا رَوَاهُ عَنْهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ: (وَلِمُسْلِمٍ عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» وَعَضَّدَ حَدِيثُهَا

стр. 822

٩٣٣ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ حَدِيثَ عُثْمَانَ، وَقَدْ تُؤَوِّلَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ مَعْنَى، وَهُوَ مُحْرِمٍ أَيْ دَاخِلٌ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ جَزَمَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ لَا تُسَاعِدُ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا فِي الْحَجِّ. (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أَيْ أَحَقُّ الشُّرُوطِ بِالْوَفَاءِ شُرُوطُ النِّكَاحِ لِأَنَّ أَمْرَهُ أَحْوَطُ، وَبَابُهُ أَضْيَقُ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ يَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهَا سَوَاءٌ كَانَ الشَّرْطُ عَرْضًا أَوْ مَالًا حَيْثُ كَانَ الشَّرْطُ لِلْمَرْأَةِ لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ الْبُضْعِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا أَوْ تَرْضَاهُ لِغَيْرِهَا، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الشُّرُوطُ فِي النِّكَاحِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، فَمِنْهَا مَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ اتِّفَاقًا، وَهُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ إمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، وَمِنْهَا مَا لَا يُوَفَّى بِهِ اتِّفَاقًا كَطَلَاقِ أُخْتِهَا لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ، وَمِنْهَا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَاشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَلَا يَتَسَرَّى، وَلَا يَنْقُلَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا إلَى مَنْزِلِهِ. وَأَمَّا مَا يَشْتَرِطُهُ الْعَاقِدُ لِنَفْسِهِ خَارِجًا عَنْ الصَّدَاقِ فَقِيلَ هُوَ لِلْمَرْأَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ الْهَادَوِيَّةِ وَعَطَاءٍ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ هُوَ لِمَنْ شَرَطَهُ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَبِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ وَقَعَ فِي حَالِ الْعَقْدِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَهْرِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ فَهُوَ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ، وَدَلِيلُهُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ يَرْفَعُهُ بِلَفْظِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ عَلَى صَدَاقٍ أَوْ حِبَاءٍ أَوْ عِدَةٍ قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ابْنَتُهُ أَوْ أُخْتُهُ»، وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجَهَا لَزِمَ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ نَقْلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الشُّرُوطِ هِيَ الَّتِي لَا تُنَافِي النِّكَاحَ بَلْ تَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ، وَمَقَاصِدِهِ كَاشْتِرَاطِ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى، وَأَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَقِّهَا مِنْ قِسْمَةٍ وَنَفَقَةٍ، وَكَشَرْطِهِ عَلَيْهَا أَلَّا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَأَنْ

стр. 823

٩٣٤ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عَنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَا تَتَصَرَّفَ فِي مَتَاعِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ (قُلْت) هَذِهِ الشُّرُوطُ إنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ فَقَدْ قَلَّلُوا فَائِدَتَهُ لِأَنَّ هَذِهِ أُمُورٌ لَازِمَةٌ لِلْعَقْدِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى شَرْطٍ، وَإِنْ أَرَادُوا غَيْرَ ذَلِكَ فَمَا هُوَ؟ نَعَمْ لَوْ شَرَطَتْ مَا يُنَافِي الْعَقْدَ كَأَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا، وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ عَلِيٌّ ﵁: سَبَقَ شَرْطُ اللَّهِ شَرْطَهَا. فَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ الشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ لَا الْمَنْهِيُّ عَنْهَا فَأَمَّا شَرْطُهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ مَنْزِلِهَا فَهَذَا شَرْطٌ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهِ. (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ) اعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُتْعَةِ كَمَا فِي كُتُبِ الْإِمَامِيَّةِ هِيَ النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ بِأَمَدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ، وَغَايَتُهُ إلَى خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَرْتَفِعُ النِّكَاحُ بِانْقِضَاءِ الْمُؤَقَّتِ فِي الْمُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ، وَبِحَيْضَتَيْنِ فِي الْحَائِضِ، وَبِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَحُكْمُهُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لَهَا مَهْرٌ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ، وَلَا تَثْبُتُ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا تَوَارُثُ وَلَا عِدَّةَ إلَّا الِاسْتِبْرَاءُ بِمَا ذُكِرَ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ، وَتَحْرُمُ الْمُصَاهَرَةُ بِسَبَبِهِ هَذَا كَلَامُهُمْ، وَحَدِيثُ سَلَمَةَ هَذَا أَفَادَ أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِي الْمُتْعَةِ ثُمَّ نَهَى عَنْهَا، وَاسْتَمَرَّ النَّهْيُ، وَنُسِخَتْ الرُّخْصَةُ، وَإِلَى نَسْخِهَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَقَدْ رُوِيَ نَسْخُهَا بَعْدَ التَّرْخِيصِ فِي سِتَّةِ مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ فِي خَيْبَرَ. الثَّانِي فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. الثَّالِثُ عَامَ الْفَتْحِ. الرَّابِعُ عَامَ أَوْطَاسٍ الْخَامِسُ غَزْوَةُ تَبُوكَ. السَّادِسُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهَذِهِ الَّتِي وَرَدَتْ إلَّا أَنَّ ثُبُوتَ بَعْضِهَا خِلَافًا؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا وَإِبَاحَتَهَا وَقَعَ مَرَّتَيْنِ فَكَانَتْ مُبَاحَةً قَبْلَ خَيْبَرَ ثُمَّ حُرِّمَتْ فِيهَا ثُمَّ أُبِيحَتْ عَامَ الْفَتْحِ، وَهُوَ عَامُ أَوْطَاسٍ ثُمَّ حُرِّمَتْ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، وَإِلَى هَذَا التَّحْرِيمِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَمَةِ، وَذَهَبَ إلَى بَقَاءِ الرُّخْصَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَرُوِيَ رُجُوعُهُمْ وَقَوْلُهُمْ بِالنَّسْخِ، وَمِنْ أُولَئِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ رُوِيَ عَنْهُ بَقَاءُ الرُّخْصَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَيَّنَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لَنَا فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ حَرَّمَهَا

стр. 824

٩٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ» وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَمَتَّعَ، وَهُوَ مُحْصَنٌ إلَّا رَجَمْته بِالْحِجَارَةِ». وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَانَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ». إسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ إبَاحَتَهَا قَطْعِيٌّ، وَنَسْخَهَا ظَنِّيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الرَّاوِينَ لِإِبَاحَتِهَا رَوَوْا نَسْخَهَا، وَذَلِكَ إمَّا قَطْعِيٌّ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ ظَنِّيٌّ فِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا كَذَا فِي الشَّرْحِ، وَفِي نِهَايَةِ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهَا تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا أَنَّهَا اخْتَلَفَتْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّحْرِيمُ انْتَهَى. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي تَحْرِيمِهَا فِي حَوَاشِي ضَوْءِ النَّهَارِ. ٩٣٥ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَعَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ (وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) لَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَعَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلَهُ وَالرَّاءِ آخِرَهُ، وَقَدْ وَهَمَ مَنْ رَوَاهُ عَامَ حُنَيْنٍ بِمُهْمَلَةٍ أَوَّلَهُ وَنُونٍ آخِرَهُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ وَهْمٌ ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الظَّرْفَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا الْمُتْعَةِ، وَلُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ. وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: فِي خَيْبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ لَا بِالْمُتْعَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ مُحْتَمِلٌ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ يُفِيدُ تَعَلُّقَهُ بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَخَّصَ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ يَوْمِ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» إلَّا أَنَّهُ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَرُوَاةِ الْآثَارِ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحُمَيْدِيَّ

стр. 825

٩٣٦ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ. ذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ النَّهْيَ زَمَنَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَكَانَ فِي غَيْرِ يَوْمِ خَيْبَرَ، وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ: سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ: وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَسَكَتَ عَنْهَا، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَالْحَامِلُ لِهَؤُلَاءِ عَلَى مَا سَمِعْت ثُبُوتُ الرُّخْصَةِ بَعْدَ زَمَنِ خَيْبَرَ، وَلَا تَقُومُ لِعَلِيٍّ الْحُجَّةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا إذَا وَقَعَ النَّهْيُ أَخِيرًا إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ تَبْلُغْهُ الرُّخْصَةُ فِيهَا يَوْمَ الْفَتْحِ لِوُقُوعِ النَّهْيِ عَنْ قُرْبٍ، وَيُمْكِنُ أَنَّ عَلِيًّا عَرَفَ بِالرُّخْصَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ فَهِمَ تَوْقِيتَ التَّرْخِيصِ، وَهُوَ أَيَّامُ شِدَّةِ الْحَاجَةِ مَعَ الْعُزُوبَةِ، وَبَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ الْمُتَقَدِّمِ فَتَقُومُ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْقَيِّمِ: إنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِالْكِتَابِيَّاتِ يُرِيدُ فَيَقْوَى أَنَّ النَّهْيَ لَمْ يَقَعْ عَامَ خَيْبَرَ إذْ لَمْ يَقَعْ هُنَاكَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ فَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هُنَاكَ مُشْرِكَاتٌ غَيْرُ كِتَابِيَّاتٍ فَإِنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ كَانُوا يُصَاهِرُونَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِنْ نِسَاءِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ مَنْ يَسْتَمْتِعُونَ مِنْهُنَّ. (وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁) وَلَفْظُهُ عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ) وَصَحَّحَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ فَفِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ، وَأَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَلَفْظُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَهُوَ الْمُحَلِّلُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ التَّحْلِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ اللَّعْنُ إلَّا عَلَى فَاعِلِ

стр. 826

٩٣٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ٩٣٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ الْمُحَرَّمِ، وَكُلُّ مُحَرَّمٍ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْعَقْدِ وَاللَّعْنَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلْفَاعِلِ لَكِنَّهُ عُلِّقَ بِوَصْفٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ الْحُكْمِ، وَذَكَرُوا لِلتَّحْلِيلِ صُوَرًا: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لَهُ فِي الْعَقْدِ إذَا أَحْلَلْتهَا فَلَا نِكَاحَ، وَهَذَا مِثْلُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِأَجْلِ التَّوْقِيتِ. وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ فِي الْعَقْدِ إذَا أَحْلَلْتهَا طَلَّقْتهَا. وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُضْمِرًا عِنْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ يَتَوَاطَأَ عَلَى التَّحْلِيلِ، وَلَا يَكُونَ النِّكَاحُ الدَّائِمُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَظَاهِرُ شُمُولِ اللَّعْنِ فَسَادُ الْعَقْدِ لِجَمِيعِ الصُّوَرِ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ بِلَا دَلِيلٍ نَاهِضٍ فَلَا يُشْتَغَلُ بِهَا. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُزَوَّجَ بِمَنْ ظَهَرَ زِنَاهُ، وَلَعَلَّ الْوَصْفَ بِالْمَجْلُودِ بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الزِّنَى، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالزَّانِيَةِ الَّتِي ظَهَرَ زِنَاهَا، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلَّا أَنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى " لَا يَنْكِحُ " لَا يَرْغَبُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إلَّا فِي مِثْلِهِ، وَالزَّانِيَةُ لَا تَرْغَبُ فِي نِكَاحِ غَيْرِ الْعَاهِرِ هَكَذَا تَأَوَّلُوهُمَا، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَالْآيَةُ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لَا الْإِخْبَارُ عَنْ مُجَرَّدِ الرَّغْبَةِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ نِكَاحُ الزَّانِي الْعَفِيفَةَ، وَالْعَفِيفِ الزَّانِيَةَ، وَلَا أَصَرْحُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ كَامِلِي الْإِيمَانِ الَّذِينَ هُمْ لَيْسُوا بِزُنَاةٍ، وَإِلَّا فَإِنَّ الزَّانِيَ لَا يَخْرُجُ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا

стр. 827

بَابُ الْكَفَاءَةِ وَالْخِيَارِ ٩٣٩ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخَرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا» مُصَغَّرِ عَسَلٍ، وَأُنِّثَ لِأَنَّ الْعَسَلَ مُؤَنَّثٌ، وَقِيلَ إنَّهُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ (مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْعُسَيْلَةِ فَقِيلَ إنْزَالُ الْمَنِيِّ، وَأَنَّ التَّحْلِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِذَلِكَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ الْحَسَنُ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ ذَوْقُ الْعُسَيْلَةِ كِنَايَةٌ عَنْ الْمُجَامَعَةِ، وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ مِنْ الرَّجُلِ فِي فَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَيَكْفِي مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَيُوجِبُ الصَّدَاقَ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَى الْعُسَيْلَةِ حَلَاوَةُ الْجِمَاعِ الَّتِي تَحْصُلُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعُسَيْلَةُ لَذَّةُ الْجِمَاعِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ تَسْتَلِذُّهُ عَسَلًا، وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ. وَأَمَّا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّهُ يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَهُ عَلَيْهِ إلَّا الْخَوَارِجَ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ فَأَخَذَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلَا يُوجَدُ مُسْنَدًا عَنْهُ فِي كِتَابٍ إنَّمَا نَقَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ دَاوُد (بَابُ الْكَفَاءَةِ وَالْخِيَارِ) الْكَفَاءَةُ: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ، وَالْكَفَاءَةُ فِي الدِّينِ مُعْتَبَرَةٌ فَلَا يَحِلُّ تَزَوُّجُ مُسْلِمَةٍ بِكَافِرٍ إجْمَاعًا. (عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ أَكْفَاءُ بَعْضٍ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ) وَسَأَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ

стр. 828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَبَاهُ فَقَالَ: هَذَا كَذِبٌ لَا أَصْلِ لَهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: بَاطِلٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: لَا يَصِحُّ. وَحَدَّثَ بِهِ هِشَامُ بْنُ عُبَيْدٍ الرَّاوِي فَزَادَ فِيهِ بَعْدَ " أَوْ حَجَّامًا " " أَوْ دَبَّاغًا " فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الدَّبَّاغُونَ وَهَمُّوا بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. هَذَا مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ، وَلَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ سَوَاءٌ فِي الْكَفَاءَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَأَنَّ الْمَوَالِيَ لَيْسُوا أَكْفَاءً لَهُمْ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُعْتَبَرِ مِنْ الْكَفَاءَةِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَاَلَّذِي يَقْوَى هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَمَالِكٌ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ النَّاصِرِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الدِّينُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ وَلِحَدِيثِ «النَّاسُ كُلُّهُمْ وَلَدُ آدَمَ، وَتَمَامُهُ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظُ " كُلُّهُمْ «وَالنَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ لَا فَضْلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِالتَّقْوَى» أَخْرَجَهُ ابْنُ لَالٍ بِلَفْظٍ قَرِيبٍ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى نُصْرَةِ هَذَا الْقَوْلِ حَيْثُ قَالَ: بَابُ الْأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ الْآيَةَ فَاسْتَنْبَطَ مِنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ بَنِي آدَمَ ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِإِنْكَاحِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ سَالِمٍ بِابْنَةِ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَسَالِمٌ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «فَعَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ»، وَقَدْ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَكَبُّرَهَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ الْآيَةَ، وَقَالَ ﷺ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ» فَجَعَلَ ﷺ الِالْتِفَاتَ إلَى الْأَنْسَابِ مِنْ عُبِّيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرِهَا فَكَيْفَ يَعْتَبِرُهَا الْمُؤْمِنُ، وَيَبْنِي عَلَيْهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَفِي الْحَدِيثِ «أَرْبَعٌ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُهَا النَّاسُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا الْفَخْرَ بِالْأَنْسَابِ» أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي الْأَحَادِيثِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فِي ذَمِّ الِالْتِفَاتِ إلَى التَّرَفُّعِ بِهَا، وَقَدْ «أَمَرَ ﷺ بَنِي بَيَاضَةَ بِإِنْكَاحِ أَبِي هِنْدٍ الْحَجَّامِ، وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ امْرُؤٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَنَبَّهَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقْتَضِي لِمُسَاوَاتِهِمْ، وَهُوَ الِاتِّفَاقُ فِي وَصْفِ الْإِسْلَامِ، وَلِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَجَائِبُ لَا تَدُورُ عَلَى دَلِيلٍ غَيْرِ الْكِبْرِيَاءِ وَالتَّرَفُّعِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَمْ حُرِمَتْ الْمُؤْمِنَاتُ النِّكَاحَ لِكِبْرِيَاءِ الْأَوْلِيَاءِ وَاسْتِعْظَامِهِمْ أَنْفُسَهُمْ اللَّهُمَّ إنَّا نَبْرَأُ إلَيْك مِنْ شَرْطٍ وَلَّدَهُ الْهَوَى، وَرَبَّاهُ الْكِبْرِيَاءُ، وَلَقَدْ مُنِعَتْ الْفَاطِمِيَّاتُ فِي جِهَةِ الْيَمَنِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ النِّكَاحِ لِقَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ مَذْهَبِ الْهَادَوِيَّةِ إنَّهُ يَحْرُمُ نِكَاحُ الْفَاطِمِيَّةِ

стр. 829

٩٤٠ - وَعَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: انْكِحِي أُسَامَةَ» رَوَاهُ مُسْلِم ٩٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيْهِ وَكَانَ حَجَّامًا»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إلَّا مِنْ فَاطِمِيٍّ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ذَكَرُوهُ، وَلَيْسَ مَذْهَبًا لِإِمَامِ الْمَذْهَبِ الْهَادِي ﵇ بَلْ زَوَّجَ بَنَاتَه مِنْ الطَّبَرِيِّينَ، وَإِنَّمَا نَشَأَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ بَعْدِهِ فِي أَيَّامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَتَبِعَهُمْ بَيْتُ رِيَاسَتِهَا فَقَالُوا بِلِسَانِ الْحَالِ تَحْرُمُ شَرَائِفُهُمْ عَلَى الْفَاطِمِيِّينَ إلَّا مِنْ مِثْلِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ بَلْ ثَبَتَ خِلَافُ مَا قَالُوهُ عَنْ سَيِّدِ الْبَشَرِ كَمَا دَلَّ لَهُ: (٩٤٠) - وَعَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: انْكِحِي أُسَامَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَعَنْ «فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا انْكِحِي أُسَامَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَفَاطِمَةُ قُرَشِيَّةٌ فِهْرِيَّةٌ أُخْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَهِيَ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَفَضْلٍ وَكَمَال «جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ» - الْحَدِيثَ فَأَمَرَهَا بِنِكَاحِ أُسَامَةَ مَوْلَاهُ ابْنِ مَوْلَاهُ، وَهِيَ قُرَشِيَّةٌ، وَقَدَّمَهُ عَلَى أَكْفَائِهَا مِمَّنْ ذُكِرَ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ طَلَبَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَوْلِيَائِهَا إسْقَاطَ حَقِّهِ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ ﵀ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَ بَيَانِ ضَعْفِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ فِي الْكَفَاءَةِ بِغَيْرِ الدِّينِ كَمَا أَوْرَدَ لِذَلِكَ قَوْلَهُ. ٩٤١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيْهِ»، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَا بَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ» اسْمُهُ يَسَارٌ، وَهُوَ الَّذِي حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ «وَانْكِحُوا إلَيْهِ»، وَكَانَ حَجَّامًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ) فَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ عَدَمِ اعْتِبَارِ كَفَاءَةِ الْأَنْسَابِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ بِلَالًا نَكَحَ هَالَةَ بِنْتَ عَوْفٍ أُخْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ عَلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ.

стр. 830

٩٤٢ - «وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَيَّرْتُ بَرِيرَةَ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ - فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا ﵂: «أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا»، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: «كَانَ حُرًّا». وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «خَيَّرْتُ بَرِيرَةَ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ «عَنْهَا كَانَ حُرًّا»، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ) لِأَنَّهُ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا، وَلِذَا قَالَ (وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ «أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا» وَرَوَاهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ، وَإِذَا رَوَى عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا، وَرَأَوْهُ فَهُوَ أَصَحُّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ «إنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ»، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ»، وَفِي أُخْرَى عِنْدَ الْبُخَارِيِّ " كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ " قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا. وَكَذَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ: يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا قَوْلُ عَائِشَةَ كَانَ عَبْدًا فَأَخْبَرَتْ وَهِيَ صَاحِبَةُ الْقِصَّةِ بِأَنَّهُ كَانَ عَبْدًا فَصَحَّ رُجْحَانُ كَوْنِهِ عَبْدًا قُوَّةً وَكَثْرَةً وَحِفْظًا، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُعْتَقَةِ بَعْدَ عِتْقِهَا فِي زَوْجِهَا إذَا كَانَ عَبْدًا، وَهُوَ إجْمَاعٌ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَ حُرًّا فَقِيلَ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ قَالُوا: لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ عَبْدًا هُوَ عَدَمُ الْمُكَافَأَةِ مِنْ الْعَبْدِ لِلْحُرَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَإِذَا عَتَقَتْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ مِنْ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَتِهِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّهَا فِي وَقْتِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ. وَذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ وَالشَّعْبِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا وَرَدَّهُ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهَا رِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا. قَالُوا: وَلِأَنَّهَا عِنْدَ تَزْوِيجِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِيَارٌ فَإِنَّ سَيِّدَهَا يُزَوِّجُهَا، وَإِنْ كَرِهَتْ فَإِذَا أُعْتِقَتْ تَجَدَّدَ لَهَا حَالٌ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فِي تَخْيِيرِهَا ثَلَاثَةُ مَآخِذَ، وَذَكَرَ مَأْخَذَيْنِ وَضَعَّفَهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ الثَّالِثَ، وَهُوَ أَرْجَحُهَا وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ

стр. 831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السَّيِّدَ عَقَدَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ حَيْثُ كَانَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَالْعِتْقُ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ لِلْمُعْتَقِ، وَهَذَا مَقْصُودُ الْعِتْقِ وَحِكْمَتُهُ فَإِذَا مَلَكَتْ رَقَبَتَهَا مَلَكَتْ بَعْضَهَا وَمَنَافِعَهَا، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَنَافِعُ الْبُضْعِ فَلَا يُمْلَكُ عَلَيْهَا إلَّا بِاخْتِيَارِهَا فَخَيَّرَهَا الشَّارِعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ الْبَقَاءِ تَحْتَ الزَّوْجِ أَوْ الْفَسْخِ مِنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ «مَلَكْتُ نَفْسَكَ فَاخْتَارِي» قُلْتُ، وَهُوَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عَلَى مِلْكِهَا لِنَفْسِهَا فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ التَّخْيِيرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ، وَهَلْ يَقَعُ الْفَسْخُ بِلَفْظِ الِاخْتِيَارِ؟ قِيلَ نَعَمْ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ (خُيِّرَتْ)، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْفَسْخِ ثُمَّ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يُرَاجِعُهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ إنْ رَضِيَتْ بِهِ، وَلَا يَزَالُ لَهَا الْخِيَارُ بَعْدَ عِلْمِهَا مَا لَمْ يَطَأْهَا لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ ﷺ «إذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا إنْ تَشَأْ فَارَقَتْهُ، وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا»، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِلَفْظِ «إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ»، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ «إنْ قَارَبَك فَلَا خِيَارَ لَك» فَدَلَّ أَنَّ الْوَطْءَ مَانِعٌ مِنْ الْخِيَارِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ جَلِيلٌ قَدْ ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِمْ فِي الزَّكَاةِ، وَفِي الْعِتْقِ، وَفِي الْبَيْعِ، وَفِي النِّكَاحِ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَيْعِ، وَأَطَالَ الْمُصَنِّفُ فِي عِدَّةِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ مِنْ الْفَوَائِدِ حَتَّى بَلَغَتْ مِائَةً وَاثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فَائِدَةً فَنَذْكُرُ مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَابِ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ: (مِنْهَا) جَوَازُ بَيْعِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الرَّقِيقِينَ دُونَ الْآخَرِ، وَأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَأَنَّ عِتْقَهَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَلَا فَسْخًا، وَأَنَّ لِلرَّقِيقِ أَنْ يَسْعَى فِي فِكَاكَ رَقَبَتَهُ مِنْ الرِّقَّ، وَأَنَّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ (قُلْت) قَدْ أَشَارَ الْحَدِيثُ إلَى سَبَبِ تَخْيِيرِهَا، وَهُوَ مِلْكُهَا نَفْسَهَا كَمَا عَرَفْت فَلَا يَتِمُّ هَذَا، وَأَنَّ اعْتِبَارهَا يَسْقُطُ بِرِضَا الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا وَلِيَّ لَهَا، وَمِمَّا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَتَحَدَّرُ دَمْعُهُ لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لَهَا. قَالُوا: فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْحُبَّ يُذْهِبُ الْحَيَاءَ، وَأَنَّهُ يُعْذَرُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَيُعْذَرُ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ فِي اللَّهِ إذَا حَصَلَ لَهُمْ الْوَجْدُ عِنْدَ سَمَاعِ مَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ الْإِشَارَةَ إلَى أَحْوَالِهِمْ حَيْثُ يُغْتَفَرُ مِنْهُمْ مَا لَا يَحْصُلُ عَنْ اخْتِيَارٍ كَالرَّقْصِ، وَنَحْوِهِ (قُلْت) لَا يَخْفَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ بَكَى مِنْ فِرَاقِ مُحِبِّهِ فَمُحِبُّ اللَّهِ يَبْكِي شَوْقًا إلَى لِقَائِهِ، وَخَوْفًا مِنْ سَخَطِهِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْكِي عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَأَمَّا الرَّقْصُ وَالتَّصْفِيقُ فَشَأْنُ أَهْلِ الْفِسْقِ، وَالْخَلَاعَةِ لَا شَأْنُ مَنْ يُحِبُّ اللَّهَ، وَيَخْشَاهُ فَأَعْجَبُ لِهَذَا الْمَأْخَذِ الَّذِي أَخَذُوهُ مِنْ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ سَرَدَ فِيهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَبْلَغَ فَوَائِدَهُ إلَى الْعَدَدِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَفِي بَعْضِهَا خَفَاءٌ، وَتَكَلُّفٌ لَا يَلِيقُ بِمِثْلِ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -

стр. 832

٩٤٣ - وَعَنْ «الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ،، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ. ٩٤٤ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» وَعَنْ الضَّحَّاكِ) تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ رَوَى عَنْ أَبِيهِ (ابْنِ فَيْرُوزَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ زَايٌ هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّيْلَمِيُّ) وَيُقَالُ الْحِمْيَرِيُّ لِنُزُولِهِ حِمْيَرَ، وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ مِنْ فُرْسِ صَنْعَاءَ كَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ الْعَنْسِيَّ الْكَذَّابَ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي سَنَةِ إحْدَى عَشْرَةَ، وَأَتَى حِينَ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَهُوَ مَرِيضٌ مَرَضَ مَوْتِهِ، وَكَانَ بَيْنَ ظُهُورِهِ وَقَتْلِهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ (عَنْ أَبِيهِ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْلَمْت وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَلِّقْ أَيَّتَهمَا شِئْت» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ) بِأَنَّهُ رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو وَهْبٍ الْجَيَشَانِيُّ (بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَنُونٍ) قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا نَعْرِفُ سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ خَالَفَتْ نِكَاحَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ مِنْ الزَّوْجِ إلَّا بِطَلَاقٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَدَاوُد، وَعِنْدَ الْهَادَوِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ مِنْهُ إلَّا مَا وَافَقَ الْإِسْلَامَ، وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّلَاقِ الِاعْتِزَالُ وَإِمْسَاكُ الْأُخْتِ الْأُخْرَى الَّتِي بَقِيَتْ عِنْدَهُ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ مُتَعَسِّفٌ، وَكَيْفَ يُخَاطِبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْرِفْ الْأَحْكَامَ بِمِثْلِ هَذَا، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا مِثْلَ هَذَا قَوْلَهُ ٩٤٤ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ. (وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ) هُوَ مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ

стр. 833

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَتْحِ الطَّائِفَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ ثَقِيفٍ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ «أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَأَطَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّلْخِيصِ الْكَلَامَ عَلَى الْحَدِيثِ، وَأَخْصَرُ مِنْهُ، وَأَحْسَنُ إفَادَةً كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ قَالَ عَقِبَ سِيَاقِهِ لَهُ: رَوَاهُ الْإِمَامَانِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَهَذَا الْإِسْنَادُ رِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ يَقُولُ سَمِعْت الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى شُعَيْبٌ، وَغَيْرُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثْت عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ فَذَكَرَهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ، وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قُلْت قَدْ جَمَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِهَذَا السَّنَدِ فَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَادِحًا، وَسَاقَ رِوَايَةَ النَّسَائِيّ لَهُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ كَثِيرٍ مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ. وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الضَّحَّاكِ، وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ تَأَوَّلَ هَذَا. (فَائِدَةٌ) سَبَقَتْ إشَارَةٌ إلَى قِصَّةِ تَطْلِيقِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ نِسَاءَهُ: وَذَلِكَ أَنَّهُ اخْتَارَ أَرْبَعًا فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ، وَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ قَالَ " إنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ مِمَّا يَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِك فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِك، وَأَعْلَمَك أَنَّك لَا تَمْكُثُ إلَّا قَلِيلًا، وَاَيْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَك، وَلَتُرْجِعَنَّ مَالَك أَوْ لَأُوَرِّثُهُنَّ مِنْك، وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِك فَلْيُرْجَمْ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ الْحَدِيثَ "، وَوَقَعَ فِي الْوَسِيطِ ابْنُ غَيْلَانَ، وَهُوَ وَهْمٌ بَلْ هُوَ غَيْلَانُ، وَأَشَدُّ مِنْهُ وَهْمًا مَا وَقَعَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ ابْنُ عَيْلَانَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثِ أَسْلَمَ، وَعِنْدَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا»، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ «نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ أَسْلَمْت، وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٍ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتهَا» وَعَاشَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً سِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ وَسِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي كَلَامِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ الْحِيلَةِ لِمَنْعِ التَّوْرِيثِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقْذِفُ فِي قَلْبِ

стр. 834

٩٤٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ الْعَبْدِ مَا يَسْتَرِقُهُ مِنْ السَّمْعِ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَأَنَّهُ يُرْجَمُ الْقَبْرُ عُقُوبَةً لِلْعَاصِيَّ، وَإِهَانَةً، وَتَحْذِيرًا عَنْ مِثْلِ مَا فَعَلَهُ (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيّ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ «كَانَ إسْلَامُهَا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ» وَعَنَى بِإِسْلَامِهَا هِجْرَتَهَا، وَإِلَّا فَهِيَ أَسْلَمَتْ مَعَ سَائِرِ بَنَاتِهِ ﷺ ، وَهُنَّ أَسْلَمْنَ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ بِقَلِيلٍ وَوَقْعَةُ بَدْرٍ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ مِنْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجْرَتِهِ ﷺ ، وَحُرِّمَتْ الْمُسْلِمَاتُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا فَيَكُونُ مُكْثُهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ سَنَتَيْنِ، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد رَدُّهَا عَلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَهَكَذَا قَرَّرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا يُعْرَفُ وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ كَيْفَ رَدَّهَا عَلَيْهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ سَنَتَيْنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَبْقَى عِدَّتُهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى تَقْرِيرِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْكَافِرِ إذَا تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ عَنْ إسْلَامِهَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ جَوَّزَهُ، وَرُدَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَتُعُقِّبَ بِثُبُوتِ الْخِلَافِ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَالنَّخَعِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا، وَبِهِ أَفْتَى حَمَّادٌ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ فَرَوَى عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرِينَ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا " هُوَ أَمْلَكُ لِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا "، وَفِي رِوَايَةٍ " هُوَ أَوْلَى بِهَا مَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا " وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ إنْ أَسْلَمَتْ، وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا مَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا سُلْطَانٌ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ إنْ أَسْلَمَتْ الْحَرْبِيَّةُ، وَزَوْجُهَا حَرْبِيٌّ، وَهِيَ مَدْخُولٌ بِهَا فَإِنْ أَسْلَمَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَعَتْ

стр. 835

٩٤٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ فِي الْبَحْرِ، وَادَّعَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَمَا عَرَفْت، وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ حَدِيثَ زَيْنَبَ بِأَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَكُنْ قَدْ انْقَضَتْ، وَذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ لِبَقَاءِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْكَافِرِ، وَهُوَ مِقْدَارُ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرٍ لِأَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَتَأَخَّرُ مَعَ بَعْضِ النِّسَاءِ فَرَدَّهَا ﷺ عَلَيْهِ لَمَّا كَانَتْ الْعِدَّةُ غَيْرَ مُنْقَضِيَةٍ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ زِيَادَةَ شَرْطٍ وَلَا مَهْرٍ وَرَدَّ هَذَا ابْنُ الْقَيِّمِ، وَقَالَ لَا نَعْرِفُ اعْتِبَارَ الْعِدَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ بِمُجَرَّدِهِ فُرْقَةٌ لَكَانَتْ فُرْقَةً بَائِنَةً لَا رَجْعِيَّةً فَلَا أَثَرَ لِلْعِدَّةِ فِي بَقَاءِ النِّكَاحِ، وَإِنَّمَا أَثَرُهَا فِي مَنْعِ نِكَاحِهَا لِلْغَيْرِ فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ نَجَّزَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ ﷺ أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ، وَإِنْ أَحَبَّتْ انْتَظَرَتْهُ فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدِ نِكَاحٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ جَدَّدَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ أَلْبَتَّةَ بَلْ كَانَ الْوَاقِعُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إمَّا افْتِرَاقُهُمَا وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ، وَإِمَّا بَقَاؤُهُمَا عَلَيْهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ. وَأَمَّا تَنْجِيزُ الْفُرْقَةِ وَمُرَاعَاةُ الْعِدَّةِ فَلَا يُعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ، وَقُرْبِ إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَبُعْدِهِ مِنْهُ. قَالَ: وَلَوْلَا إقْرَارُهُ ﷺ الزَّوْجَيْنِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَزَمَنَ الْفَتْحِ لَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عِدَّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ ثُمَّ سَرَدَ قَضَايَا تُؤَكِّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ. ٩٤٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا، وَالْعَمَلُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَجْوَدُ إسْنَادًا، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَحَجَّاجٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِيِّ

стр. 836

٩٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت أَسْلَمْت، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدَّهَا إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْعَرْزَمِيُّ لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا قَالَ: وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي الْمُتَقَدِّمَ، وَهَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحَكَاهُ عَنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ، وَأَمَّا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنَّهُ جَنَحَ إلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ أَيْ بِشُرُوطِهِ، وَمَعْنَى لَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا أَيْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا قَالَ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِوُقُوعِ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَالْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ أَوْلَى مِنْ الْأَخْذِ بِالْمُحْتَمَلِ انْتَهَى (قُلْت) يَرُدُّ تَأْوِيلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَصْرِيحُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ «فَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً، وَلَا صَدَاقًا» رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ، وَنَسَبَهُ إلَى إخْرَاجِ الْإِمَامِ أَحْمَدُ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَإِنَّهُ يُرِيدُ عَمَلَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَمَلَهُمْ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَهَجْرُ الْقَوِيِّ لَا يُقَوِّي الضَّعِيفَ بَلْ يُضَعِّفُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت أَسْلَمْت، وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدَّهَا إلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ) الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ، وَعَلِمَتْ امْرَأَتُهُ بِإِسْلَامِهِ فَهِيَ فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَهُوَ تَزَوُّجٌ بَاطِلٌ تُنْتَزَعُ مِنْ الزَّوْجِ الْآخَرِ. وَقَوْلُهُ (وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي) يَحْتَمِل أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا أَوْ قَبْلَهَا، وَأَنَّهَا تُرَدُّ إلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَنَّ عِلْمَهَا بِإِسْلَامِهِ قَبْلَ تَزَوُّجِهَا بِغَيْرِهِ يُبْطِلُ نِكَاحَهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَمْ لَا فَهُوَ مِنْ الْأَدِلَّةِ لِكَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّ تَرْكَهُ ﷺ الِاسْتِفْصَالَ هَلْ عَلِمَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ لَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْعِدَّةِ إلَّا أَنَّهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَنَّهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا تُزَوَّجُ مَنْ شَاءَتْ لَا تَتِمُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَزَوُّجِهَا فِي الْعِدَّةِ كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ ﵀، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عَقْدُ الْآخَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الْأَوَّلِ فَنِكَاحُهَا صَحِيحٌ

стр. 837

٩٤٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْبَسِي ثِيَابَك، وَالْحَقِي بِأَهْلِك، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادَهُ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهُوَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِذَا أَسْلَمَ، وَهِيَ فِيهَا فَالنِّكَاحُ بَاقٍ بَيْنَهُمَا فَتَزَوُّجُهَا بَعْدَ إسْلَامِهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي عَقْدِ نِكَاحِهِ فَهَذَا أَقْرَبُ. (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ» بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ فَفَاءٍ خَفِيفَةٍ فَرَاءٍ بَعْدَ الْأَلِفِ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ «فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا رَأَى بِكَشْحِهَا» بِفَتْحِ الْكَافِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ مَا بَيْنَ الْخَاصِرَتَيْنِ إلَى الضِّلْعِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ «بَيَاضًا قَالَ الْبَسِي ثِيَابَك وَالْحَقِي بِأَهْلِك، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَفِي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي شَيْخِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) اُخْتُلِفَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ جَمِيلٍ فَقِيلَ عَنْهُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَقِيلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَقِيلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ زَيْدٍ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَرَصَ مُنَفِّرٌ، وَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ قَوْلِهِ ﷺ «الْحَقِي بِأَهْلِك» أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ ابْنُ كَثِيرٍ بِلَفْظِ «أَنَّهُ ﷺ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي غِفَارٍ فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَأَى بِكَشْحِهَا وَضَحًا فَرَدَّهَا إلَى أَهْلِهَا، وَقَالَ دَلَّسْتُمْ عَلَيَّ» فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْفَسْخِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي بَابِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعُيُوبِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ إلَى ثُبُوتِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّفَاصِيلِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ النِّسَاءُ إلَّا مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَالْبَرَصِ، وَالدَّاءِ فِي الْفَرْجِ، وَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ " أَرْبَعٌ لَا يَجُزْنَ فِي بَيْعٍ، وَلَا نِكَاحٍ الْمَجْنُونَةُ، وَالْمَجْذُومَةُ، وَالْبَرْصَاءُ، وَالْعَفْلَاءُ "، وَالرَّجُلُ يُشَارِكُ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ، وَيُرَدُّ بِالْجَبِّ وَالْعُنَّةُ عَلَى خِلَافٍ فِي الْعُنَّةِ، وَفِي أَنْوَاعٍ مِنْ الْمُنَفِّرَاتِ خِلَافٌ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ كُلَّ عَيْبٍ يَنْفِرُ الزَّوْجُ الْآخَرُ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النِّكَاحِ مِنْ الْمَوَدَّةِ، وَالرَّحْمَةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْبَيْعِ كَمَا أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَشْرُوطَةَ فِي النِّكَاحِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ قَالَ، وَمَنْ تَدَبَّرَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَعَدْلِهِ

стр. 838

٩٤٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا وَحِكْمَتِهِ، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ رُجْحَانُ هَذَا الْقَوْلِ، وَقُرْبُهُ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ قَالَ: وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى عَيْبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ دُونَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهَا أَوْ مُسَاوِيهَا فَلَا وَجْهَ لَهُ فَالْعَمَى، وَالْخَرَسُ، وَالطَّرَشُ، وَكَوْنُهَا مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَفِّرَاتِ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ مِنْ أَقْبَحِ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلدِّينِ، وَالْإِطْلَاقُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى السَّلَامَةِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عُرْفًا قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَهُوَ لَا يُولَدُ لَهُ أَخْبِرْهَا أَنَّك عَقِيمٌ فَمَاذَا تَقُولُ فِي الْعُيُوبِ الَّذِي هَذَا عِنْدَهَا كَمَالٌ لَا نَقْصٌ انْتَهَى. وَذَهَبَ دَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ بِعَيْبٍ أَلْبَتَّةَ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ الْحَدِيثُ بِهِ، وَلَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ لَمْ يَقُولُوا بِالْفَسْخِ. ٩٤٩ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونَةً، أَوْ مَجْذُومَةً فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ مَجْذُومَةً فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ، وَقَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَهْرُ لَهُ أَيْ لِلزَّوْجِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا أَيْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْهَادِي وَمَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ غُرْمٌ لَحِقَهُ بِسَبَبِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا عِلْمَهُ بِالْعَيْبِ فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ (عَلَى مَنْ غَرَّهُ) دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَا غَرَرَ مِنْهُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا رُجُوعَ إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِهَذَا فِي الْجَدِيدِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ، وَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَغْرُورِ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ، وَيَعْتَضِدُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنَّمَا تَرَكْنَا ذَلِكَ لِحَدِيثِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» قَالَ فَجُعِلَ لَهَا الصَّدَاقُ فِي النِّكَاحِ الْبَاطِلِ، وَهِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ فَلَأَنْ يُجْعَلَ لَهَا الصَّدَاقُ

стр. 839

٩٥٠ - وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ٩٥١ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا قَالَ: قَضَى عُمَرُ ﵁ فِي الْعِنِّينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ بِلَا رُجُوعٍ عَلَى الْغَارِّ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ الَّذِي الزَّوْجُ فِيهِ مُخَيَّرٌ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى انْتَهَى، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا مُطَلَّقٌ مُقَيَّدٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ. (وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا) يَعْنِي ابْنَ مَنْصُورٍ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ الْعَفَلَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ، وَهِيَ تَخْرُجُ فِي قُبُلِ النِّسَاءِ، وَحَيَا النَّاقَةِ كَالْأُدْرَةِ فِي الرِّجَالِ (فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا) (وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَيْضًا) أَيْ وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ (قَالَ قَضَى عُمَرُ أَنَّ الْعِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ) بِالْمُهْمَلَةِ فَنُونٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ، بِزِنَةِ سِكِّينٍ هُوَ مَنْ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ عَجْزًا لِعَدَمِ انْتِشَارِ ذَكَرِهِ، وَلَا يُرِيدُهُنَّ، وَالِاسْمُ الْعَنَانَةُ وَالتَّعْنِينُ وَالْعِنِينَةُ بِالْكَسْرِ وَيُشَدَّدُ، وَالْعُنَّةُ بِالضَّمِّ الِاسْمُ أَيْضًا مِنْ عُنِّنَ عَنْ امْرَأَتِهِ حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِذَلِكَ أَوْ مُنِعَ بِالسِّحْرِ، وَهَذَا الْأَثَرُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا عَيْبٌ يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ بَعْدَ تَحَقُّقِهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَالْقَائِلُونَ بِالْفَسْخِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي إمْهَالِهِ لِيَحْصُلَ التَّحْقِيقُ فَقِيلَ يُمْهَلُ سَنَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ لَمْ يُؤَجِّلْهُ وَعَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُؤَجَّلُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالْهَادِي، وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا فَسْخَ فِي ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَسْخِ، وَهَذَا أَثَرٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُخَيِّرْ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ، وَقَدْ شَكَتْ مِنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ التَّعْلِيمِ، وَقَدْ أَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِقَوْلِهِ: قُلْنَا لَعَلَّ زَوْجِهَا أَنْكَرَ، وَالظَّاهِرُ مَعَهُ (قُلْت) لَا يَخْفَى «أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ لَمْ تَشْكُ مِنْ رِفَاعَةَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَجَاءَتْ تَشْكُو إلَيْهِ ﷺ وَقَالَتْ إنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ فَقَالَ ﷺ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَك، وَتَذُوقِي

стр. 840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عُسَيْلَتَهُ»، وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَفَارَقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَقَالَ ﷺ أَتُرِيدِينَ - الْحَدِيثَ»، وَبِهَذَا يُعْرَفُ عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ رِفَاعَةَ فَإِنَّهَا لَمْ تَطْلُبْ الْفَسْخَ بَلْ فَهِمَ مِنْهَا ﷺ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ يُرَاجِعَهَا رِفَاعَةُ فَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَيْثُ لَمْ يُذَقْ عُسَيْلَتَهَا، وَلَا ذَاقَتْ عُسَيْلَتَهُ لَا يُحِلُّهَا لِرِفَاعَةِ، وَكَيْفَ يُحْمَلُ حَدِيثُهَا عَلَى طَلَبِهَا الْفَسْخَ، وَقَدْ أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَطَلَّقَهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا، وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ فَجَاءَتْ تَسْتَفْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ»، وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي رُكَانَةَ، وَهِيَ «أَنَّهُ نَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ مَا يُغْنِي عَنِّي إلَّا كَمَا تُغْنِي عَنِّي هَذِهِ الشَّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا فَفَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَخَذَتْ النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ فَدَعَا أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَتَرَوْنَ فُلَانًا يَعْنِي وَلَدًا لَهُ يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ، وَفُلَانًا لِابْنِهِ الْآخَرِ يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا قَالُوا نَعَمْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ يَزِيدَ طَلِّقْهَا فَفَعَلَ» - الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ ﷺ مَا ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْعُنَّةِ لِأَنَّهَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ تَعَرَّفَ أَوْلَادَهُ بِالْقِيَافَةِ، وَسَأَلَ عَنْهَا أَصْحَابَهُ ﷺ فَدَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَنَّهُ عِنِّينٌ فَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ إرْشَادًا إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ فِرَاقُهَا حَيْثُ طَلَبَتْ ذَلِكَ مِنْهُ لَا أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ. (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَرْأَةِ تُطَالِبُ الرَّجُلَ بِالْجِمَاعِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ إنْ وَطِئَهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُؤَجَّلْ أَجَلَ الْعِنِّينِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ تَرَكَ جِمَاعَهَا لِعِلَّةٍ أُجِّلَ لَهَا سَنَةً، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَلَا تَأْجِيلَ، وَقَالَ عِيَاضٌ اتَّفَقَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ حَقًّا فِي الْجِمَاعِ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لَهَا إذَا تَزَوَّجَتْ الْمَجْبُوبَ، وَالْمَمْسُوحَ جَاهِلَةً بِهِمَا، وَيُضْرَبُ لِلْعِنِّينِ أَجَلُ سَنَةٍ لِاخْتِبَارِ زَوَالِ مَا بِهِ انْتَهَى. (قُلْت) وَلَمْ يَسْتَدِلُّوا عَلَى مِقْدَارِ الْأَجَلِ بِالسَّنَةِ بِدَلِيلٍ نَاهِضٍ إنَّمَا يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ لِأَجْلِ أَنْ تَمُرَّ بِهِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ فَيَتَبَيَّنَ حِينَئِذٍ حَالُهُ.

стр. 841

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ ٩٥٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ. (بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عِشْرَةِ الرِّجَالِ أَيْ الْأَزْوَاجِ النِّسَاءَ أَيْ الزَّوْجَاتِ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا». رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ) رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَعُمَرُ، وَخُزَيْمَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ، وَطَلْقُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَالْبَرَاءُ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَفِي طُرُقِهِ جَمِيعِهَا كَلَامٌ، وَلَكِنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ الطُّرُقِ وَاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ يَشُدُّ بَعْضُ طُرُقِهِ بَعْضًا، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْأُمَّةُ إلَّا الْقَلِيلَ لِلْحَدِيثِ هَذَا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ إلَّا مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَلَمْ يُحِلَّ تَعَالَى إلَّا الْقُبُلَ كَمَا دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، وَقَوْلُهُ ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فَأَبَاحَ مَوْضِعَ الْحَرْثِ، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْحَرْثِ نَبَاتُ الزَّرْعِ فَكَذَلِكَ النِّسَاءُ الْغَرَضُ مِنْ إتْيَانِهِنَّ هُوَ طَلَبُ النَّسْلِ لَا قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْقُبُلِ فَيَحْرُمُ مَا عَدَا مَوْضِعَ الْحَرْثِ، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْمُشَابَهَةِ فِي كَوْنِهِ مَحَلًّا لِلزَّرْعِ، وَأَمَّا حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ فَمَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ جَوَازُ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجَ، وَذَهَبَتْ الْإِمَامِيَّةُ إلَى جَوَازِ إتْيَانِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ بَلْ وَالْمَمْلُوكِ فِي الدُّبُرِ. وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصِحَّ فِي تَحْلِيلِهِ، وَلَا تَحْرِيمِهِ شَيْءٌ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَلَكِنْ قَالَ الرَّبِيعُ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ، وَيُقَالُ إنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِحِلِّهِ فِي

стр. 842

٩٥٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ ٩٥٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا، وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» الْقَدِيمِ، وَفِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا أُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ أَنْهَى عَنْهُ، وَقَالَ إنَّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ إبَاحَتَهُ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِمْ أَفْحَشَ الْغَلَطَ وَأَقْبَحَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَبَاحُوهُ أَنْ يَكُونَ الدُّبُرُ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَيَطَأَ مِنْ الدُّبُرِ فَاشْتَبَهَ عَلَى السَّامِعِ انْتَهَى. وَيُرْوَى جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَأَنْكَرَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَدْ أَطَالَ الشَّارِح الْقَوْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلَى اسْتِيفَائِهِ هُنَا، وَقَرَّرَ آخِرًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَمِنْ أَدِلَّةِ تَحْرِيمِهِ قَوْلُهُ. (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأُعِلَّ بِالْوَقْفِ) عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا مَسْرَحَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا سِيَّمَا ذِكْرُ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْوَعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ بِالِاجْتِهَادِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ» بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَإِسْكَانِهَا وَاحِدِ الْأَضْلَاعِ «فَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ مِنْ الضِّلْعِ أَعْلَاهُ إذَا ذَهَبْت تُقِيمُهُ كَسَرْته، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» أَيْ اقْبَلُوا الْوَصِيَّةَ فِيهِنَّ، وَالْمَعْنَى إنِّي أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا أَوْ الْمَعْنَى يُوصِي بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِيهِنَّ خَيْرًا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لِلْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ «فَإِنْ اسْتَمْتَعْت بِهَا اسْتَمْتَعْت بِهَا، وَبِهَا عِوَجٌ» هُوَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ عَلَى الْأَرْجَحِ «وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْجَارِ، وَأَنَّ مَنْ آذَى الْجَارَ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْهُ كُفْرُ مَنْ آذَى جَارَهُ إلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْإِيمَانِ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ الِاتِّصَافُ بِهِ، وَقَدْ عُدَّ أَذَى الْجَارِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ إيمَانًا كَامِلًا، وَقَدْ وَصَّى اللَّهُ عَلَى الْجَارِ فِي الْقُرْآنِ، وَحَدُّ الْجَارِ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا كَمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَزَلْت فِي مَحَلِّ بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّ أَشَدَّهُمْ لِي أَذًى أَقْرَبُهُمْ إلَيَّ دَارًا فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيًّا ﵃ يَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَصِيحُونَ عَلَى أَنَّ أَرْبَعِينَ دَارًا جَارٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ خَافَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ «إنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مِائَةِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ» وَهَذَا فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْأَذِيَّةُ لِلْمُؤْمِنِ مُطْلَقًا مُحَرَّمَةٌ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْجَارِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا فَلَا يُغْتَفَرُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَذًى حَتَّى وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهُ لَا يُؤْذِيهِ بِقُتَارِ قِدْرِهِ إلَّا أَنْ يَغْرِفَ لَهُ مِنْ مَرَقَتِهِ، وَلَا يَحْجِزُ عَنْهُ الرِّيحَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى فَاكِهَةً أَهْدَى إلَيْهِ مِنْهَا»، وَحُقُوقُ الْجَارِ مُسْتَوْفَاةٌ فِي الْإِحْيَاءِ لِلْغَزَالِيِّ، وَقَوْلُهُ (وَاسْتَوْصُوا) تَقَدَّمَ بَيَانُ مَعْنَاهُ، وَعَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ» يُرِيدُ خُلِقْنَ خَلْقًا فِيهِ اعْوِجَاجٌ لِأَنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ أَصْلٍ مُعْوَجٍّ، وَالْمُرَادُ أَنَّ حَوَّاءَ أَصْلُهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ الْأَقْصَرِ الْأَيْسَرِ، وَهُوَ نَائِمٌ»، وَقَوْلُهُ «وَإِنَّ أَعْوَجَ مَا فِي الضِّلْعِ» إخْبَارٌ بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَجِ أَجْزَاءِ الضِّلْعِ مُبَالَغَةً فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لَهُنَّ، وَضَمِيرُ قَوْلِهِ تُقِيمُهُ، وَكَسَرْته لِلضِّلْعِ، وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَكَذَا جَاءَ فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ تُقِيمُهَا، وَكَسَرْتهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلْمَرْأَةِ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ «، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا»، وَالْحَدِيثُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ وَالِاحْتِمَالِ لَهُنَّ وَالصَّبْرِ عَلَى عِوَجِ أَخْلَاقِهِنَّ، وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إصْلَاحِ أَخْلَاقِهِنَّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعِوَجِ فِيهَا، وَأَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْعِوَجِ هُنَا، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَوَجُ بِالْفَتْحِ

стр. 844

٩٥٥ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغَيَّبَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا». فِي كُلِّ مُنْتَصِبٍ كَالْحَائِطِ وَالْعُودِ وَشِبْهِهِمَا وَبِالْكَسْرِ مَا كَانَ فِي بِسَاطٍ أَوْ مَعَاشٍ أَوْ دِينٍ، وَيُقَالُ فُلَانٌ فِي دِينِهِ عِوَجٌ بِالْكَسْرِ (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ ﷺ أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا يَعْنِي عِشَاءً لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ» بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَمُثَنَّاةٍ (وَتَسْتَحِدَّ) بِسِينٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ (الْمُغَيَّبَةُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَمُوَحَّدَةٌ مَفْتُوحَةٌ الَّتِي غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْسُنُ التَّأَنِّي لِلْقَادِمِ عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَشْعُرُوا بِقُدُومِهِ قَبْلَ وُصُولِهِ بِزَمَانٍ يَتَّسِعُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ تَحْسِينِ هَيْئَاتِ مَنْ غَابَ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الِامْتِشَاطِ، وَإِزَالَةِ الشَّعْرِ بِالْمُوسَى مَثَلًا مِنْ الْمَحَلَّاتِ الَّتِي يَحْسُنُ إزَالَتُهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَهْجُمَ عَلَى أَهْلِهِ وَهُمْ فِي هَيْئَةٍ غَيْرِ مُنَاسِبَةٍ فَيَنْفِرَ الزَّوْجُ عَنْهُنَّ، وَالْمُرَادُ إذَا سَافَرَ سَفَرًا يُطِيلُ فِيهِ الْغَيْبَةَ كَمَا دَلَّ لَهُ قَوْلُهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيْلًا» قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطُّرُوقُ الْمَجِيءُ بِاللَّيْلِ مِنْ سَفَرٍ، وَغَيْرِهِ عَلَى غَفْلَةٍ، وَيُقَالُ لِكُلِّ آتٍ بِاللَّيْلِ طَارِقٌ، وَلَا يُقَالُ فِي النَّهَارِ إلَّا مَجَازًا، وَقَوْلُهُ (لَيْلًا) ظَاهِرُهُ تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي دُخُولِهِ إلَى أَهْلِهِ نَهَارًا مِنْ غَيْرِ شُعُورِهِمْ. وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَعَلَّلَ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ (بَابُ لَا يَطْرُقُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا إذَا أَطَالَ الْغَيْبَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ) فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ يَكُونُ اللَّيْلُ جُزْءَ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الرِّيبَةَ تَغْلِبُ فِي اللَّيْلِ، وَتَنَدُّرُ فِي النَّهَارِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا صَرَّحَ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (لِكَيْ تَمْتَشِطَ إلَى آخِرِهِ) فَهُوَ حَاصِلٌ فِي اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ قِيلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّنْظِيفِ وَالتَّزْيِينِ هُوَ تَحْصِيلٌ لِكَمَالِ الْغَرَضِ مِنْ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ فَالْقَادِمُ فِي النَّهَارِ يَتَأَنَّى لِيَحْصُلَ لِزَوْجَتِهِ التَّنْظِيفُ وَالتَّزْيِينُ لِوَقْتِ الْمُبَاشَرَةِ، وَهُوَ اللَّيْلُ بِخِلَافِ الْقَادِمِ فِي اللَّيْلِ، وَكَذَلِكَ مَا يُخْشَى مِنْهُ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى وُجُودِ أَجْنَبِيٍّ هُوَ فِي الْأَغْلَبِ

стр. 845

٩٥٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. يَكُونُ فِي اللَّيْلِ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَطْرُقَ النِّسَاءَ لَيْلًا فَطَرَقَ رَجُلَانِ كِلَاهُمَا فَوَجَدَ - يُرِيدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ امْرَأَتِهِ مَا يَكْرَهُ»، وَأَخْرَجَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ أَتَى امْرَأَتَهُ لَيْلًا، وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ تَمْشُطُهَا فَظَنَّهَا رَجُلًا فَأَشَارَ إلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَهَى أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا»، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ تَتَبُّعِ عَوْرَاتِ الْأَهْلِ، وَالْحَثُّ عَلَى مَا يَجْلِبُ التَّوَدُّدَ وَالتَّحَابَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِمَا يُوجِبُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَهْلِ، وَبِغَيْرِهِمْ أَوْلَى. وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِحْدَادَ وَنَحْوَهُ مِمَّا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا مَحْبُوبٌ لِلشَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إلَى امْرَأَتِهِ» مِنْ أَفْضَى الرَّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ جَامَعَهَا أَوْ خَلَا بِهَا جَامِع أَوْ لَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ «وَتُفْضِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» أَيْ وَتَنْشُرُ سِرَّهُ (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ) إلَّا أَنَّهُ بِلَفْظِ «إنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ» " قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَهْلُ النَّحْوِ يَقُولُونَ لَا يَجُوزُ أَشَرُّ وَأَخْيَرُ، وَإِنَّمَا يُقَالُ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَشَرٌّ مِنْهُ قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهِيَ حُجَّةٌ فِي جَوَازِهِمَا جَمِيعًا، وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ إفْشَاءِ الرَّجُلِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مِنْ أُمُورِ الْوَقَاعِ وَوَصْفِ تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَةِ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ الْوِقَاعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ فَذِكْرُهُ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» فَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ أَوْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ، بِأَنْ كَانَ يُنْكِرُ إعْرَاضَهُ عَنْهَا أَوْ تَدَّعِي عَلَيْهِ الْعَجْزَ عَنْ الْجِمَاعِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي ذِكْرِهِ كَمَا قَالَ ﷺ «إنِّي لَأَفْعَلُهُ أَنَا وَهَذِهِ»، وَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ «أَعَرَّسْتُمْ اللَّيْلَةَ»، وَقَالَ لِجَابِرٍ «الْكَيْسَ الْكَيْسَ» وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَا يَجُوزُ لَهَا إفْشَاءُ سِرِّهِ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ نَصٌّ أَيْضًا.
следующие страницы →