← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الْخَامِسُ: مَا يَنْتَقِلُ مِنْ غَيْرِ مَالِكٍ " إلَى مَالِكٍ وَهُوَ " تَمْلِيكُ " الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَوَاتِ وَأَمَّا الْعَقْدُ عَلَى الْمَنَافِعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ " أَقْسَامٍ ": مِنْهَا ": " مَا هُوَ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْإِجَارَةُ وَالْجِعَالَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ " " وَمِنْهَا ": " مَا هُوَ بِغَيْرِ عِوَضٍ " كَالْوَقْفِ وَالشَّرِكَةِ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَحِفْظِ اللَّقِيطِ. وَنَوْعَانِ مُتَرَدِّدَانِ " بَيْنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ " وَهُمَا الْوَكَالَةُ وَالْقِيَامُ عَلَى الْأَطْفَالِ. فَإِنَّ تَارَةً يَكُونُ بِعِوَضٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ عِوَضٍ. " وَمِنْهَا ": الْمُسَابَقَةُ وَالْمُنَاضَلَةُ وَهِيَ قِسْمٌ مُفْرَدٌ " إذْ " الْمُرَادُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَتِهِ فَهَذِهِ أَقْسَامُ الْمِلْكِ. " الثَّالِثُ ": قَدْ يَتَعَلَّقُ التَّمْلِيكُ بِمَحِلٍّ مُحَقَّقٍ كَتَمْلِيكِ الْأَعْيَانِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِمَحِلٍّ مُقَدَّرٍ " كَتَمْلِيكِ " مَنَافِعِ الْأَبْضَاعِ أَوْ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَةِ " أَوْ الْإِعَارَةِ " فَإِنَّ مَنَافِعَهَا

стр. 1017

مُقَدَّرَةٌ " تَعَلَّقَ " بِهَا تَمْلِيكٌ " مُقَدَّرٌ إلَّا أَنَّ " مَنَافِعَ الْأَعْيَانِ مُقَدَّرَةُ النَّقْلِ وَمَنَافِعُ الْأَبْضَاعِ " مُسْتَقِرَّةٌ " غَيْرُ مَنْقُولَةٍ إذْ يَمْلِكُ الزَّوْجُ " بِعَقْدِ النِّكَاحِ " مِنْ الْوَطْءِ وَتَوَابِعِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ مَا لَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مِنْ نَفْسِهَا حَتَّى يُقْضَى " نَقْلُهُ " إلَيْهِ مِنْهَا، وَقَدْ مَنَعُوا إيجَارَ الْمُسْتَأْجَرِ قَبْلَ قَبْضِ " مَحِلِّ الْمَنْفَعَةِ وَأَجَازُوهُ بَعْدَ قَبْضِهِ مَعَ أَنَّ الْمَنَافِعَ مَفْقُودَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ فَقَدَّرُوهَا مَقْبُوضَةً بَعْدَ قَبْضِ " الْعَيْنِ وَغَيْرَ مَقْبُوضَةٍ قَبْلَ قَبْضِهَا ثُمَّ قَالُوا: لَوْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ قَدْ تَلِفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنَافِعَ تُمْلَكُ بِطْرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ " تَابِعَةً " لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ وَرَدَ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَحْدَهَا كَبَيْعِ حَقِّ الْمَمَرِّ وَالْبِنَاءِ عَلَى السَّقْفِ وَكَمَا فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ أَوْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ وَنَحْوِهَا، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَنْ بَاعَ عَيْنًا فَقَدْ بَاعَهَا وَمَنَافِعَهَا، بَلْ إنْ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى الْعَيْنِ وَالْعَيْنُ يَحْدُثُ فِيهَا مَنَافِعُ، وَلِهَذَا لَوْ وُجِدَتْ مُسْتَحَقَّةٌ بِعَقْدٍ يُعَارِضُ كَوْنَهَا لِصَاحِبِ " الْعَيْنِ عُمِلَ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْتَأْجَرَةً، وَلَا يُقَالُ: إنَّ مَنْ بَاعَ " الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَ عَيْنًا وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا أَوْ بَاعَ مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ، بَلْ إطْلَاقُ الْعَقْدِ تَنَاوَلَهَا تَبَعًا، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ " مَانِعٌ " " مِنْ " عَمَلِهَا فِي الْحَالِ

стр. 1018

وَلَوْ وَصَّى لِشَخْصٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ وَسَكَتَ عَنْ " الْمَنْفَعَةِ " فَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّهَا لَهُ أَوْ لِلْوَرَثَةِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، أَمَّا إذَا أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ لِزَيْدٍ وَبِالرَّقَبَةِ لِعَمْرٍو فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ الْوَصِيَّةَ وَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمُوصَى لَهُ " بِالْمَنَافِعِ " فَهَلْ تَعُودُ الْمَنَافِعُ إلَى الْوَرَثَةِ أَوْ " لِلْمُوصَى " لَهُ بِالرَّقَبَةِ؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ " لِإِخْرَاجِهَا بِالْقَبْضِ عَنْ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ، وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ الْجَزْمُ " " بِهِ " " بِأَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ إذَا أَوْصَى لِوَاحِدٍ بِالرَّقَبَةِ " بِلَا مَنْفَعَةٍ وَلِلْآخَرِ بِالْمَنْفَعَةِ فَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ثُمَّ وَصَّى بِالْمَنْفَعَةِ لِآخَرَ، فَالظَّاهِرُ " أَنَّهَا " عَلَى الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ رَدَّهُ أَبْطَلَ أَثَرَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ فَتَبْقَى الْوَصِيَّةُ بِالرَّقَبَةِ عَلَى إطْلَاقِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْمَنَافِعِ رُجُوعٌ عَنْ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ وَالْوَصِيَّةُ تَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، أَمَّا لَوْ تَقَدَّمَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنَافِعِ ثُمَّ أَوْصَى بِالرَّقَبَةِ فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُ كَالْحَالَةِ الْأُولَى أَوْ هُوَ رُجُوعٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالْمَنَافِعِ، فِيهِ نَظَرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي تَحْقِيقِ الْمَنْفَعَةِ وَكَوْنِهَا مَمْلُوكَةً قَبْلَ وُجُودِهَا وَإِيرَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَلَامًا كَثِيرًا، وَالْمَفْهُومُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنَّهَا تَهَيُّؤُ الْعَيْنِ لِذَلِكَ " الْمَعْنَى " الَّذِي قُصِدَ " مِنْهَا " كَالدَّارِ مُتَهَيِّئَةً لِلسُّكْنَى، وَالتَّهَيُّؤُ مَوْجُودٌ الْآنَ وَتَتَوَالَى أَمْثَالُهُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ " وَسَكَنَهَا " الْمُسْتَأْجِرُ، وَهَلْ نَقُولُ: إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ؟ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا " وَهُوَ " قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ كَيْفَ يَكُونُ بَدَلًا. وَقَالَ

стр. 1019

الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِالْمِلْكِ إلَّا جَوَازَ التَّصَرُّفِ وَهَذِهِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا " فَكَانَتْ " مَمْلُوكَةً. ضَابِطٌ: لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ يُوصَى بِرَقَبَةِ عَيْنٍ لِشَخْصٍ وَبِمَنْفَعَتِهَا لِآخَرَ. الرَّابِعُ: الْمِلْكُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْصُلُ قَهْرًا كَمَا فِي الْمِيرَاثِ وَمَنَافِعِ الْوَقْفِ، وَكَذَا رَقَبَةُ " الْوَقْفِ " فِي قَوْلٍ فِيهِمَا إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ، وَنَمَاءُ الْمِلْكِ مِنْ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمَرْدُودُ " بِعَيْبٍ وَكَذَلِكَ " الْكَلَأُ وَالْمَطَرُ وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ إذَا حُصِّلَ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحَكَى صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ " أَمَّا " النَّابِتُ فِي الْمَوَاتِ، فَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، وُعُودُ شَطْرِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى " قَوْلٍ، وَخَلَطَ " الْمَغْصُوبَ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ، وَإِذَا أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْمُوسِرُ نَصِيبَهُ وَبَذَلَ قِيمَةَ النِّصْفِ الْآخَرِ " يَمْلِكُهُ " الشَّرِيكُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهَا عَلَى وَجْهٍ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَقَدْ يَتَمَلَّكُ عَلَى الْغَيْرِ قَهْرٌ " كَالرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ

стр. 1020

بِالْإِفْلَاسِ وَرُجُوعِ الْوَالِدِ فِي هِبَتِهِ وَرُجُوعِ الزَّوْجِ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ وَأَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ وَأَخْذِ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ، وَإِذَا ظَهَرَ مَالِكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ تَمَلُّكِ الْمُلْتَقِطِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا قَهْرًا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ وَلَوْ أَخَذَ مِنْ غَرِيمِهِ جِنْسَ حَقِّهِ مَلَكَهُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اخْتِيَارِ " التَّمَلُّكِ "، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمْ وَالثَّانِي: يَحْصُلُ بِالِاخْتِيَارِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: " بِالْأَقْوَالِ " وَيَكُونُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبُيُوعِ وَفِي غَيْرِهَا كَالْهِبَاتِ وَالْوَصَايَا وَالْوُقُوفِ إذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ وَتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بِشَرْطِهِ. وَالثَّانِي: " يَحْصُلُ " بِالْأَفْعَالِ كَتَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِشَاشِ وَالصَّدَقَةِ وَالْأَحْيَاءِ وَالْغَنِيمَةِ. وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ «صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُوَرَّثُ» فَأَشَارَ بِالْبَيْعِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِالْمُعَاوَضَةِ، وَبِالْهِبَةِ إلَى الْمَمْلُوكِ بِغَيْرِهَا اخْتِيَارًا، وَبِالْإِرْثِ إلَى الدَّاخِلِ قَهْرًا هَذِهِ " مَجَامِعُ التَّمَلُّكِ " وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهَا يَرْجِعُ إلَيْهَا

стр. 1021

وَمِمَّا يَتَخَالَفَانِ فِيهِ أَعْنِي الِاخْتِيَارِيَّ وَالْقَهْرِيّ إنَّ الِاخْتِيَارِيَّ يُمْلَكُ بِالْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ أَوْ بِمَا فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَدَاءِ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا الْقَهْرِيُّ كَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَلَا يُمْلَكُ حَتَّى يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ أَوْ يَرْضَى بِتَأْخِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِذَلِكَ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي لَهُ " بِهِ " وَلَا يَبْعُدُ إلْحَاقُ " مَا فِيهِ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِالشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ كَأَخْذِ " الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَتَقْوِيمِ " الشِّقْصِ مِنْ الْعَبْدِ الْمُشْتَرِكِ وَنَحْوِهِ وَمِنْهَا: أَنَّ التَّمَلُّكَ الْقَهْرِيَّ يَحْصُلُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، كَمَا " فِي " أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِخِلَافِ الِاخْتِيَارِيِّ وَمِنْهَا: أَنَّ " التَّمْلِيكَ " الْقَهْرِيَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ شُرُوطِهِ مِنْ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهَا؟ خِلَافٌ كَمَا فِي الشُّفْعَةِ يُؤْخَذُ الشِّقْصُ الَّذِي لَمْ يَرَهُ عَلَى قَوْلٍ، وَالِاخْتِيَارِيُّ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَطْعًا وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِاخْتِيَارِيِّ كَمَا فِي دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ بِالْإِرْثِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَلَا " يُمْلَكُ " ذَلِكَ كُلُّهُ بِالِاخْتِيَارِ. الْخَامِسُ: الْمِلْكُ تَارَةً يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ كَالْعِتْقِ وَتَارَةً يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْوَقْفِ وَمِثْلُهُ الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يُقَالُ: سَقَطَ " وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ " الْإِمَامُ بِالْوَقْفِ.

стр. 1022

السَّادِسُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمِلْكِ وَالِاخْتِصَاصِ " أَنَّ الْمِلْكَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، وَالْمَنَافِعُ وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ وَبَابُ الِاخْتِصَاصِ " " أَوْسَعُ "، وَلِهَذَا شَوَاهِدُ: مِنْهَا أَنَّهُ يَثْبُتُ " فِيمَا " لَا يُمْلَكُ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْكَلْبِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الدَّعَاوَى ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فِيمَا الْيَدُ عَلَيْهِ لِلِاخْتِصَاصِ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا " تُمْلَكُ، وَالثَّانِي: تُمْلَكُ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا، وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ مُتَهَيِّئًا؛ لَأَنْ يَصِيرَ مِلْكًا كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ يُدْبَغُ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ الْمَوْتِ مَمْلُوكًا وَالْيَدُ عَلَيْهِ يَدُ مِلْكٍ اعْتِبَارًا بِالطَّرَفَيْنِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُعَاوَضَةِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَالْكَلْبِ وَالنَّجَاسَاتِ فَالْيَدُ يَدُ انْتِفَاعٍ " لَا تُمْلَكُ " " وَمِنْهَا " لَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ أَوْ كِلَابٍ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَهُ مُتَمَوِّلٌ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الْكُلِّ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ حَقَّ الِاخْتِصَاصِ " لَيْسَ كَحَقِّ الْمِلْكِ فَكَانَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْقُلَ اخْتِصَاصَهُ " فِي ذَلِكَ لِمَنْ " يَشَاءُ " مِنْ الْأَجَانِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ " يُحْسَبَ " مِنْ الثُّلُثِ إذْ لَا مَالِيَّةَ فِي ذَلِكَ

стр. 1023

وَمِنْهَا: فِي " الْغَنِيمَةِ " إذَا كَانَ فِيهَا كِلَابٌ نَصَّ " عَلَيْهِ " " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ " لِرَأْيِ " الْإِمَامِ يُخَصِّصُ " بِهِ مَنْ شَاءَ " مِنْ الْغَانِمِينَ فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَعْطَاهُ لِبَعْضِ أَهْلِ " الْخُمُسِ " فَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ أَحَدٌ خَلَّاهُ أَوْ قَتَلَهُ، لِأَنَّ اقْتِنَاءَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ يَحْرُمُ وَفِيهِ رَدٌّ لِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّهَا تُقَسَّمُ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أَقْرَعَ إنْ تَنَازَعُوا فِيهَا. السَّابِعُ: مِلْكُ النِّكَاحِ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ذَكَرَ هَذَا الْأَصْلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ فِي بَابِ " الشَّهَادَاتِ " وَبَنَى عَلَيْهِ فُرُوعًا. " مِنْهَا ": شُهُودُ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا بَعْدَ الدُّخُولِ مَهْرَ الْمِثْلِ وَقَبْلَهُ نِصْفَهُ أَوْ جَمِيعَ الْمَهْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعِنْدَهُمْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بَعْدَ الدُّخُولِ وَقَبْلَهُ يَضْمَنُ نِصْفَ الْمُسَمَّى وَمِنْهَا: الشُّفْعَةُ فِي الشِّقْصِ الْمَمْهُورِ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِمِثْلِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ " بِقِيمَتِهِ إنْ " كَانَ مُتَقَوِّمًا، " وَالْبِضْعُ " لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ وَلَا هُوَ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَهُمْ وَمِنْهَا: إذَا خَالَعَ عَلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ فَعَلَى الْخِلَافِ

стр. 1024

قُلْت: وَمِنْهَا: إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَالٍ كَخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ " لِلْبَدَلِ " الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَمِنْهَا: إذَا شَرَطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ رَدَّ مَنْ جَاءَ أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَهَلْ يَجِبُ دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجِهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ " وَالْآيَةُ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ " وَكَانَ الصُّلْحُ قَدْ وَقَعَ عَلَى رَدِّ النِّسَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ فَلَمَّا حَرُمَ الرَّدُّ بَعْدَ صِحَّةِ اشْتِرَاطِهِ وَجَبَ رَدُّ بَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدِّ النِّسَاءِ فَلَا " يَصِحُّ " رَدُّ مُهُورِهِنَّ، لِأَنَّهُ شَرْطُ مَالٍ لِلْكُفَّارِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَمِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ مِلْكُ الْقِصَاصِ، قَالُوا: هُوَ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَوْ شَهِدَا بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعَا " لَا ضَمَانَ " عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ: وَأَمَّا حَرْفُ الْجَوَابِ فَهُوَ أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مِلْكٌ لَا يُعْرَفُ إلَّا " بِمَحِلِّ " اسْتِيفَاءِ الشَّرْطِ، وَمِلْكُ " الْقِصَاصِ مِلْكٌ " لَا يُعْرَفُ إلَّا بِجَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَلِهَذَا لَا يُمْلَكُ النَّقْلُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مِلْكٌ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، إلَّا أَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُثْبِتُهُ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ فَإِذَا أُتْلِفَ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ ضُمِّنَ. الثَّامِنُ: قَالُوا الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ أَمَةً ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ وَحَرُمَتْ الْأَمَةُ، وَالْأَقْوَى إذَا طَرَأَ عَلَى الْأَضْعَفِ دَفَعَهُ وَخَالَفُوا هَذَا فِيمَا إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ قَالُوا: لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى.

стр. 1025

وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ نَفْسَهُ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ نَفْسِهِ وَالِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ الِاسْتِفْرَاشِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَلَا تَنَاقُضَ. وَالثَّانِي أَنَّ مَحِلَّ تَرْجِيحِنَا الِاسْتِفْرَاشُ بِالنِّكَاحِ عَلَى الِاسْتِفْرَاشُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي عَيْنَيْنِ وَتَرْجِيحَنَا مِلْكَ الْيَمِينِ عَلَى مِلْكِ النِّكَاحِ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَنَاقُضَ أَيْضًا " وَالطَّرِيقَةُ " الْأُولَى أَحْسَنُ وَمِمَّا رَجَّحُوا فِيهِ مِلْكَ الْيَمِينِ أَنَّ " السَّيِّدَ يَبِيعُ " الْأَمَةَ مِمَّنْ بِهِ بَعْضُ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَهَلْ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْ تَمْكِينِهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قُلْتُ قَالَ الْمُتَوَلِّي أَصَحُّهُمَا: " يَلْزَمُهَا " التَّمْكِينُ وَهَذَا بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ لَا يَلْزَمُهَا وَتَتَخَيَّرُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ بَلْ إنْ كَانَا مِنْ " جِهَتَيْنِ " كَمَا إذَا كَانَ يَطَأُ " أَمَةً " فَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا قَوِيَ مِلْكُ النِّكَاحِ عَلَى مِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى تَحْرُمَ الْمَمْلُوكَةُ، وَإِنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى يَنْفَسِخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ عَقْدَ النِّكَاحِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ وَتَوَابِعُهُ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ " قَدْ " يَكُونُ " لِلِاسْتِخْدَامِ " " وَغَيْرِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ شِرَاءِ أُخْتِهِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، فَلَا جَرَمَ قَوِيَ " النِّكَاحُ " وَحَرُمَتْ الْمَمْلُوكَةُ ".

стр. 1026

وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ " النِّكَاحِ " " إذْ " يُنْتَفَعُ بِالْبُضْعِ فَلِذَلِكَ قَوِيَ مِلْكُ الْيَمِينِ حَتَّى انْفَسَخَ النِّكَاحُ وَإِنَّمَا انْفَسَخَ لِلتَّنَافِي بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى دَارًا فِي إجَارَتِهِ. التَّاسِعُ: الْمِلْكُ قِسْمَانِ: تَامٌّ وَضَعِيفٌ: فَالتَّامُّ يَسْتَتْبِعُ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ، وَالضَّعِيفُ بِخِلَافِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَإِنْ صَحَّ عِتْقُهُ وَالْمِلْكُ الضَّعِيفُ لَا يُبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ وَضَبَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْخِيَارِ، الْمِلْكَ الضَّعِيفَ بِمَا يَقْدِرُ الْغَيْرُ عَلَى إبْطَالِهِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ، " قَالَ ": وَاحْتَرَزْت بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ عَنْ مِلْكِ الْمُتَّهَبِ مِنْ الْأَبِ فَإِنَّ الْأَبَ يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِهِ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ وَجَازَ لِأَجْلِهِ وَطْءُ الِابْنِ " وَسَائِرُ " تَصَرُّفَاتِهِ، قَالَ " صَاحِبُ مَيْدَانِ الْفُرْسَانِ "، وَهَذَا الضَّابِطُ يُنْتَقَضُ بِمَا إذَا مَلَّكَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ " أَمَتَهُ " وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ " لَهُ " وَطْؤُهَا مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ إذَا قُلْنَا بِثُبُوتِهِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، قُلْت: الْمِلْكُ هُنَا غَيْرُ نَاقِصٍ وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " بِذَلِكَ " صَرَّحَ

стр. 1027

الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْفِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ وَطْءُ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَثْبَتْنَا لَهُمَا الْمِلْكَ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ نَاقِصٌ لَمْ يَحْدُثْ نُقْصَانُهُ بِوَطْءٍ سَابِقٍ فَلَا يُفِيدُ حِلُّ الْوَطْءِ، قَالَ: وَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ وَطْءُ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا يَلْزَمُ وَطْءُ الْعَبْدِ الْجَارِيَةَ الَّتِي مَلَّكَهَا السَّيِّدُ إيَّاهُ حَيْثُ يَجُوزُ عَلَى رَأْيٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَمَّ غَيْرُ نَاقِصٍ، وَإِنَّمَا النَّاقِصُ " الْمَالِكُ " فَهُوَ كَجَارِيَةِ الْمَجْنُونِ " يَطَؤُهَا " وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا لِنُقْصَانِهِ انْتَهَى. وَيَخْرُجُ مِنْهُ " الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَيْضًا سُقُوطُهُ بِالْإِعْرَاضِ، وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: إنَّ الْغَانِمِينَ إذَا لَمْ يَخْتَارُوا " التَّمَلُّكَ " فَلَا زَكَاةَ؛ لِأَنَّ " الْغَنِيمَةَ " غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُمْ أَوْ مَمْلُوكَةً مِلْكًا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالْوَهَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ الْإِعْرَاضِ. انْتَهَى. وَمِنْ الْأَمْلَاكِ الضَّعِيفَةِ: مِلْكُ الْمُكَاتَبِ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ قَرِيبِهِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُوَرَّثُ وَمِنْهَا: مِلْكُ الْعَبْدِ إذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ وَقُلْنَا: يُمْلَكُ وَمِنْهَا: مِلْكُ الْغَرِيمِ مَا عَيَّنَهُ لَهُ الْقَاضِي وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَقَدْ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ " فِي الزَّكَاةِ: " لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ بِتَسْلِيطِ الْحَاكِمِ " وَمِنْهَا ": مِلْكُ السَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَإِنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ الْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ أَمَةً امْتَنَعَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا لِأَجْلِ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ مِلْكِهِ.

стр. 1028

الْعَاشِرُ: الْمِلْكُ يَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَقِرٍّ وَغَيْرِهِ: فَالْمُسْتَقِرُّ: مَا لَا " يُحْتَمَلُ " السُّقُوطُ بِتَلَفِهِ أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَغَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ بِخِلَافِهِ كَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ لِتَعَرُّضِ مِلْكِهَا " لِلسُّقُوطِ " بِانْهِدَامِ الدَّارِ، بَلْ كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ مِنْ الْمُدَّةِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَمِثْلُهُ الثَّمَنُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ بِنِصَابٍ وَقَبَضَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ كَالْأُجْرَةِ، فَإِنْ قِيلَ: الصَّدَاقُ أَيْضًا " يَتَعَرَّضُ " لِلسُّقُوطِ بِمَا هُوَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ " وَهُوَ أَنْ يَفْسَخَهُ " بِعَيْبِهَا قِيلَ: الْمُؤَثِّرُ فِي اسْتِقْرَارِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوِّضُ احْتِمَالُ سُقُوطِهِ " بِتَلَفِهِ " أَوْ تَلَفِ مُقَابِلِهِ لَا غَيْرُ بِدَلِيلِ أَنَّ احْتِمَالَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ بِالْعَيْبِ لَا يَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ " فِيهِمَا وَكَذَلِكَ " الصَّدَاقُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمِلْكُ غَيْرُ الْمُسْتَقِرِّ الْمُتَعَقَّبُ بِالزَّوَالِ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمِلْكِ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ثَمَّ إذَا " عَتَقَ " الْمَرِيضُ مِنْ مَالِهِ عَبْدًا " فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ قَطْعًا،

стр. 1029

وَلَوْ وَهَبَ لَهُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَوْ وَصَّى لَهُ بِهِ فَقَبِلَ الْوَصِيَّةَ " فَإِنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمُرَجَّحِ خِلَافًا لِمَنْ صَحَّحَ " خِلَافَ " ذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُسْتَقِرِّ وَمِنْ ذَلِكَ يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ " الْعَبْدَ " الْمُسْلِمَ إذَا كَانَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَهَلْ يَفْسُدُ الْمُسَمَّى لِأَنَّهُ " يَقْتَضِي " دُخُولَهُ فِي مِلْكِ الِابْنِ ثُمَّ يَكُونُ " مُتَبَرِّعًا بِالزِّيَادَةِ أَوْ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجْهَانِ وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ " الثَّانِيَ عَشَرَ ": " قَالَ الْقَاضِي صَدْرُ الدِّينِ الْجَزَرِيُّ فِي فَتَاوِيهِ ". [الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ] ِ مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ " وُضُوءُ " دَائِمِ الْحَدَثِ فَتَجِبُ وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ " أَشْوَاطِ " الطَّوَافِ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ كَذَلِكَ وَبَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ لَا يُبْطِلُهُ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ الْمُوَالَاةُ مُسْتَحَبَّةٌ بِخِلَافِ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمُوَالَاةَ شَرْطٌ وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقَطَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.

стр. 1030

وَمِمَّا تَجِبُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْفَاتِحَةِ وَكَذَا بَيْنَ كَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ قِيَاسُ الْفَاتِحَةِ، وَالْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْأَيْمَانِ " فِي اللِّعَانِ " عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ أَيْمَانِ الْقَسَامَةِ، وَقَدْ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ إلَى فَرْقٍ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُوَالَاةُ فِي سُنَّةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَى فَلَوْ رَجَعَ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ اُسْتُؤْنِفَتْ " لِيَتَوَالَى " الْإِيحَاشُ، وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْبَيْعِ، وَلِهَذَا يَقْطَعُهُ الْفَصْلُ الطَّوِيلُ، وَالْمُوَالَاةُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَمِنْهَا الْمُوَالَاةُ فِي الرَّضَعَاتِ الْخَمْسِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَلِفِ لَا يَأْكُلُ إلَّا أَكْلَةً وَاحِدَةً فَأَكَلَ مُتَوَاصِلًا وَنَظَائِرُهُ، وَالضَّابِطُ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ " اثْنَيْنِ " أَوْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ إمَّا فِي الْأَقْوَالِ " أَوْ " " فِي " الْأَفْعَالِ. قَالَ الْإِمَامُ وَالِاتِّصَالُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّخْصَيْنِ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي الْوَاحِدِ كَالْمُوَالَاةِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ فِي كَلَامِ " شَخْصَيْنِ " مَا لَا يُحْتَمَلُ بَيْنَ أَبْعَاضِ كَلَامٍ وَاحِدٍ.

стр. 1031

[حَرْفُ النُّونِ] [ النَّادِرُ هَلْ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ] النَّادِرُ هَلْ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ هُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يُلْحَقُ قَطْعًا كَمَنْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ دَاخِلَةٌ فِي حُكْمِ الْأَبْكَارِ قَطْعًا فِي الِاسْتِئْذَانِ، وَكَمَا إذَا خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ الزَّائِدُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا قَطْعًا. وَكَذَلِكَ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ فَإِنَّ بَقَاءَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، كَذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا فَأَلْحَقُوهُ بِالْغَالِبِ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ " مِنْ " زَمَنِ الْوَطْءِ لَحِقَهُ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ جِدًّا " وَلَكِنَّ " الشَّارِعَ أَعْمَلَ النَّادِرَ فِي هَذِهِ " الصُّوَرِ " سِتْرًا لِلْعِبَادِ " الثَّانِي ": مَا لَا يُلْحَقُ قَطْعًا. كَالْإِصْبَعِ " الزَّائِدَةٍ " لَا تُلْحَقُ بِالْأَصْلِيَّةِ فِي حُكْمِ الدِّيَةِ قَطْعًا وَنِكَاحِ مَنْ بِالْمَشْرِقِ مَغْرِبِيَّةً لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ. كَنَقْضِ الْوُضُوء بِمَسِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ الْمُتَّصِلِ، وَقِيلَ: لَا؛ " لِلنُّدْرَةِ " بِخِلَافِ مَسِّ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ وَكَالنَّقْضِ بِخُرُوجِ النَّادِرِ مِنْ الْفَرْجِ وَجَوَازِ الْحَجَرِ " مِنْ " الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَا دَمُ الْبَرَاغِيثِ

стр. 1032

يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ قَطْعًا، وَكَذَا كَثِيرَةُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ هَذَا الْجِنْسَ يُشَقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي الْغَالِبِ فَأُلْحِقَ نَادِرُهُ بِغَالِبِهِ وَكَذَا لَوْ طَالَ مُدَّةُ اجْتِمَاعِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَيَّامًا وَأَشْهُرًا وَهُوَ نَادِرٌ فَالْمَذْهَبُ بَقَاءُ خِيَارِهِمَا إذَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَقِيلَ: لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْغَالِبِ الرَّابِعُ: مَا لَا يُلْحَقُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ رَاجَتْ الْفُلُوسُ رَوَاجَ النُّقُودِ فَهَلْ تُعْطَى حُكْمُهَا فِي بَابِ الرِّبَا؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا اعْتِبَارَ بِالْغَالِبِ. [النَّادِرُ إذَا لَمْ يَدُمْ] ْ يَقْتَضِي الْقَضَاءَ كَالْمَرْبُوطِ عَلَى خَشَبَةٍ يُصَلِّي وَيُعِيدُ، وَالْمُشْتَبَهُ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فِي سَفَرِهِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ " فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ " أَرْكَانُهَا " مُخْتَلَّةٌ " وَلَا قَضَاءَ وَهِيَ " عَلَى " خِلَافِ الْقَاعِدَةِ " إذْ هُوَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ " وَلَا بَدَلَ " فِيهِ " وَلَكِنَّهُ رُخْصَةٌ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . [النَّادِرُ إذَا دَامَ] َ يُعْطَى حُكْمَ الْغَالِبِ كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا إلَّا أَنَّهُ يَدُومُ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ تَلْحَقْ الْمُسَافِرَ مَشَقَّةٌ وَمِنْهُ " أَثَرُ " دَمِ الْبَرَاغِيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَدُومُ، وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:

стр. 1033

إحْدَاهَا: الشُّعُورُ الَّتِي فِي الْوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَتْ وَكَثَافَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً إلَّا أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ دَامَتْ وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِالْغَالِبِ حَتَّى يَكْفِيَ غَسْلُ الظَّاهِرِ. الثَّانِيَةُ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ قَوْلَانِ كَالْمَذْيِ؛ لِأَنَّهَا نَادِرَةٌ كَذَا. " قَالَ " النَّوَوِيُّ، وَاسْتُشْكِلَ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهَا تَدُومُ وَالنَّادِرُ إذَا دَامَ الْتَحَقَ بِالْغَالِبِ وَكَانَ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. الثَّالِثَةُ ": دَمُ الْبَوَاسِيرِ نَادِرٌ وَإِذَا وَقَعَ دَامَ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْهُ بِالْحَجَرِ فِي الْأَظْهَرِ. الرَّابِعَةُ: إذَا انْفَتَحَ مَخْرَجٌ آخَرُ لِلْإِنْسَانِ وَنَقَضْنَا " بِالْخَارِجِ " مِنْهُ فَهَلْ يُجْزِئُ فِيهِ الْحَجَرُ؟ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا لَا؛ لِأَنَّهُ نَادِرٌ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى السَّبِيلَيْنِ هَذَا مَعَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ دَامَ. فَائِدَةٌ: قَدْ يُسْتَشْكَلُ " عِنْدَهُمْ " لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ النَّادِرِ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ذُكُورَةِ الْخُنْثَى بِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ يَجِبُ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ عَلَيْهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَعْدُودَ نَادِرًا هُوَ كَثَافَتُهَا لَا أَصْلُ نَبَاتِهَا " وَلِذَلِكَ لَمْ تُعَامَلْ مُعَامَلَةَ مَا كَثُفَ " مِنْ لِحْيَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا.

стр. 1034

[النَّادِرُ هَلْ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ أَمْ يَلْحَقُ بِجِنْسِهِ] ِ فِيهِ " خِلَافٌ " فَقِيلَ (تُنَاطُ الْأَحْكَامُ بِأَسْبَابِهَا) وَفِي كُلِّ فَرْدٍ وَقِيلَ " اسْتِقْرَاءُ الْآحَادِ يَتَعَسَّرُ فِيهِ فَيُعْتَبَرُ " الْغَالِبُ وَيَجْرِي حُكْمُهُ عَلَى مَا شَذَّ، قَالَ " الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ الْفَزَارِيّ " وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: النَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ وَأَصْلُ الْخِلَافِ مَا لَوْ نَدَرَ الْخَارِجَ هَلْ يَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَالْخِلَافُ فِي الْخَارِجِ " الْمُعْتَادُ " مِنْ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي " الْخَارِجِ " الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَخْرَجِ النَّادِرِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا انْفَتَحَ لَهُ مَخْرَجٌ وَخَرَجَ مِنْهُ الْفَضْلَةُ. " وَلَوْ وَلَدَتْ بِلَا دَمٍ وَلَا رُطُوبَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَقَعُ وَفِيهِ خِلَافٌ، مَأْخَذُهُ هَذَا الْأَصْلُ. قَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ وَقَدْ أُعْضِلَ التَّعْلِيلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ خَفِيَ عَنْهُ مَأْخَذُ وُجُوبِ الْغَسْلِ بِمَا ذَكَرْنَا ". [النَّائِمُ يُعْطَى حُكْمَ الْمُسْتَيْقِظِ فِي صُوَرٍ] ٍ إحْدَاهَا: فِي بَقَائِهِ عَلَى الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ

стр. 1035

ثَانِيَتُهَا " صِحَّةُ وُقُوفِهِ " أَيْ بِعَرَفَةَ " " ثَالِثَتُهَا ": صِحَّةُ صَوْمِهِ وَلَوْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ النَّهَارِ خِلَافًا لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَادَّعَى الْمُزَنِيّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الصِّحَّةِ. " رَابِعَتُهَا " أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَلَوْ رَأَى نَائِمًا أَوْ " مَنْ " يُرِيدُ النَّوْمَ وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ بِهِ " كَيْ لَا " يَفُوتَهُ " بِالنَّوْمِ " فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ حَتَّى نَامَ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَفُوتُهُ " بِالنَّوْمِ " وَيُمْكِنُ " قَضَاؤُهَا إذَا انْتَبَهَ، قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ " وَكَأَنَّهُ " أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَفُوتُهُ فَوَاتًا يَأْثَمُ بِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ» . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إذَا نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ " وَاسْتَمَرَّ " حَتَّى خَافَ

стр. 1036

خُرُوجَهُ " اُسْتُحِبَّ " " إيقَاظُهُ " وَسَكَتَ عَمَّا لَوْ نَامَ بَعْدَهُ وَاسْتَمَرَّ، وَالْقِيَاسُ وُجُوبُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ بِهَا، وَأَمَّا النَّوْمُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنْتَبِهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ. [النَّجَاسَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ] ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهَا قَالَ الْمُتَوَلِّي " هِيَ " كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مَعَ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ لَا لِحُرْمَتِهَا، زَادَ النَّوَوِيُّ: وَاسْتِقْذَارُهَا وَضَرَرُهَا فِي بَدَنٍ أَوْ عَقْلٍ فَخَرَجَ بِالْإِطْلَاقِ السُّمُّ إذْ يُبَاحُ قَلِيلُهُ الَّذِي لَا يَضُرُّ " وَبِالْإِمْكَانِ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ، وَبِعَدَمِ الْحُرْمَةِ الْآدَمِيُّ، وَبِالِاسْتِقْذَارِ الْمُخَاطُ وَالْمَنِيُّ وَنَحْوُهُمَا، وَبِتَضَرُّرِ الْبَدَنِ وَالْعَقْلِ التُّرَابُ وَالْحَشِيشُ الْمُسْكِرُ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ: فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَحْرِيمَ مَعَهَا وَأُسْقِطَ قَيْدُ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ فَلَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ. " وَاعْلَمْ " أَنَّ هَذَا حَدٌّ لِلنَّجِسِ لَا لِلنَّجَاسَةِ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَكَيْفَ تُفَسَّرُ بِالْأَعْيَانِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ " رَسَمُوهَا " بِحُكْمِهَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ " مَعْرِفَتِهَا لِكُلِّ " عَيْنٍ حَرُمَتْ لَا لِمَضَرَّتِهَا وَلَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِهَا أَوْ كُلُّ مَا يَبْطُلُ بِمُلَاقَاتِهِ الصَّلَاةَ.

стр. 1037

الثَّانِي: الْمَشْهُورُ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ وَمُتَوَسِّطَةٌ. وَجَعَلَهَا الْمُتَوَلِّي قِسْمَيْنِ وَجَعَلَ مَا عَدَا نَجَاسَةَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ مُخَفَّفَةً " كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ " وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ خَفَّفَ فِي الْبَوْلِ مِنْ سَبْعَةٍ إلَى " وَاحِدٍ ". " الثَّالِثُ ": فِي " وُجُوبِ " النِّيَّةِ فِيهَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ، وَقِيلَ: تَجِبُ، وَفِي ثَالِثٍ تُعْتَبَرُ فِي الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْبَدَنِ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِهِ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَقَدْ اشْتَهَرَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ الصُّعْلُوكِيِّ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ " أَنَّهُ يَشْتَرِطُ النِّيَّةَ وَهَذَا غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَأَوْضَحَ الْإِمَامُ " ﵁ " مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ " فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الرِّيحَ لَوْ أَلْقَتْ ثَوْبًا نَجِسًا فِي " أَجَانَةٍ " فِيهَا مَاءٌ تَنَجَّسَ الْمَاءُ وَلَمْ

стр. 1038

يَطْهُرْ الثَّوْبُ، وَلَوْ " طَرَحَهُ " الْغَاسِلُ فِيهَا عَلَى قَصْدِ الْإِزَالَةِ حَصَلَتْ الْإِزَالَةُ وَلَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَظَاهِرُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَنَّ الْمَاءَ لَوْ انْصَبَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ عَلَى ثَوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَكَانَ يَنْحَدِرُ مِنْهُ وَدَفْعُ الْمَاءِ " يَتَوَالَى " حَتَّى زَالَتْ النَّجَاسَةُ طَهُرَ الثَّوْبُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ " قَاصِدٍ " وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقَصْدِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَمْ " يُعْدَمْ " فِيهِ مُخَالِفًا مِنْ الْأَصْحَابِ فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْغَرَضُ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ فَلَا أَثَرَ لِلْقَصْدِ. الرَّابِعُ ": فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا وَلَا شَكَّ فِيهِ إلَّا فِي صُوَرٍ مِنْهَا: إذَا خَافَ مِنْ غَسْلِهَا التَّلَفَ لَا يَجِبُ بَلْ يَحْرُمُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ فِي تِلْكَ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ وَصَلَ عَظْمُهُ بِنَجِسٍ ثُمَّ خَافَ مِنْ نَزْعِهِ التَّلَفَ وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا " أَنَّهُ لَا يَجِبُ ". " الْخَامِسُ ": فِي أَنَّهُ هَلْ تَجِبُ إزَالَتُهَا عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا؟ وَالضَّابِطُ أَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ " مَا يُعْصَى " بِالتَّلْطِيخِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ لِوُجُودِ الْمَعْصِيَةِ بِالْفِعْلِ وَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الْفَائِتَةَ " بِغَيْرِ " عُذْرٍ هَلْ

стр. 1039

يَجِبُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَاكَ انْتَهَى أَمْرُهَا بِالتَّفْوِيتِ " وَإِنَّمَا لَمْ " يَعْصِ بِإِصَابَتِهِ نَحْوَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ مِنْ غَيْرِ " قَصْدٍ "؟ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ " عَلَى " الْفَوْرِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فَتَجِبُ الْإِزَالَةُ مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الطَّوَافُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّهَارَةِ. وَمِنْهَا: إذَا أَرَادَ مَسَّ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ وَقُلْنَا: مُحَرَّمٌ كَمَا هُوَ رَأْيُ الصَّيْمَرِيِّ. وَمِنْهَا: إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ بِرِجْلِهِ الْمُلَوَّثَةِ بِالنَّجَاسَةِ ". وَمِنْهَا: إذَا أَرَادَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِفَمِهِ الْمُلَوَّثِ بِالنَّجَاسَةِ وَقُلْنَا: يَحْرُمُ كَمَا هُوَ الرَّاجِحُ وَإِنْ كَانَ النَّوَوِيُّ رَجَّحَ عَدَمَ التَّحْرِيمِ. " السَّادِسُ ": النَّجَاسَةُ لَا " تَتَعَدَّى " مَحَلَّهَا وَهَذَا مِمَّا يُخَالِفُ فِيهِ النَّجِسُ الْحَدَثَ وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ لَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِغَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " جَازَ. وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّهُ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ تَجِبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ هُنَا، قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ

стр. 1040

لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ يَتَعَدَّى وَحُكْمَ النَّجَاسَةِ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْدِثَ يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ غَيْرُ مَحَلِّ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَطْهِيرِ غَيْرِ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فَافْتَرَقَا. وَمِنْهَا: لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ " مِنْ ثَوْبٍ " فَانْتَشَرَتْ " الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ، نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ مَا إذَا انْتَشَرَتْ وَهُوَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ فَنَجِسٌ وَمِنْهَا الْمَاءُ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ إبْرِيقٍ وَنَحْوِهِ وَإِنْ اتَّصَلَ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ: الْمَاءُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْ فَوَّارَةٍ " إذَا " وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ لَا يَتَنَجَّسُ بَاطِنُهُ وَنَحْوُهُ " ذَكَرَهُ " الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ: لَوْ كَانَ " كُوزٌ " " فَفَرَّ " الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ " الَّذِي فِيهِ "؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْعِطَافَ النَّجَاسَةِ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ. " تَنْبِيهٌ ": يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُورَةُ التَّبَاعُدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْهَا بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ عَلَى الْقَدِيمِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. " السَّابِعُ ": يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يَسْقِيَ الْحَيَوَانَ الْمَاءَ النَّجِسَ لَا سِيَّمَا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأَنْ " يَصُبَّهُ " فِي

стр. 1041

أُصُولِ النَّخْلِ وَالْغَرْسِ أَمَّا مُجَرَّدُ الذَّوْقِ " لِاسْتِكْشَافِهِ " عِنْدَ الِاجْتِهَادِ فِيهِ وَنَحْوُهُ فَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ " مِنْهُ "؛ لِأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ بَقِيَ طَعْمٌ لَمْ يَظْهَرْ، "؛ لِأَنَّهُ سَهْلُ الْإِزَالَةِ " قَالَ: وَيَظْهَرُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا دَمِيَتْ لِثَتُهُ أَوْ تَنَجَّسَ " فَمُهُ " بِنَجَاسَةٍ أُخْرَى فَغَسَلَهُ فَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ مَا دَامَ يَجِدُ طَعْمَهُ فِيهِ انْتَهَى. وَهَذَا التَّصْوِيرُ يُشْعِرُ بِامْتِنَاعِ اخْتِبَارِ " مَحَلِّ " النَّجَاسَةِ بِالذَّوْقِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ صَاحِبَ الْبَيَانِ قَالَ فِي الْمُجْتَهِدِ فِي الْأَوَانِي: يَجُوزُ الِاخْتِبَارُ بِالذَّوْقِ. " وَالْجَوَابُ " أَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى " الظَّنِّ بَقَاءُ النَّجَاسَةِ فَلِهَذَا يَمْتَنِعُ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهَا لَا يَمْتَنِعُ اخْتِبَارُ الْمَحَلِّ لِوُجُودِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيُنَزَّلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ عَلَى هَذَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ فَمَهُ النَّجِسَ فَلْيُبَالِغْ فِي الْغَرْغَرَةِ لِيَغْسِلَ " كُلَّ مَا " هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ وَلَا " يَبْتَلِعَ " طَعَامًا وَلَا شَرَابًا قَبْلَ غَسْلِهِ لِئَلَّا يَكُونَ أَكَلَ نَجِسًا أَوْ شَرِبَ نَجِسًا. انْتَهَى. وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ يُغْفَلُ عَنْهُ. " الثَّامِنُ ": إنْ تَنَاوَلَهُ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " فَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ إلْقَاؤُهُ

стр. 1042

بِأَنْ يَتَقَيَّأَهُ، " وَقَالَ الْإِمَامُ " وَإِنْ أُسِرَ رَجُلٌ فَحُمِلَ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أَكْلِ مُحَرَّمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ انْتَهَى. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَقِفْ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى نَصِّهِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ فَقَالَ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ " ﵁ " " عَلَى " أَنَّ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهَا " فَيُحْتَمَلُ " أَنَّهُ إنَّمَا " أَوْجَبَ " الِاسْتِقَاءَةَ لِخَوْفِ السُّكْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لِلنَّجَاسَةِ وَبَنَى عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ مَا لَوْ أَكَلَ نَجِسًا هَلْ يَجِبُ قَذْفُهُ إنْ " عَلَّلْنَا " بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ أَوْ بِالْإِسْكَارِ فَلَا، وَهَذَا الْبَحْثُ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي مَحَلِّهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ فِي الْمَطْلَبِ فِي وُجُوبِ التَّقَيُّؤِ وَجْهَانِ صَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الِاسْتِحْبَابَ، وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ الْوُجُوبُ وَعَلَى مُقْتَضَاهُ جَرَى الْأَصْحَابُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْذُورِ فِي الشُّرْبِ وَغَيْرِهِ وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ يَلْزَمُهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. قُلْت: نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَنْ " صَاحِبِ الْإِيضَاحِ "؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ حَصَلَتْ فِي " مَعْدِنِهَا " فَأَشْبَهَ الطَّعَامَ الَّذِي فِي الْمَعِدَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا " بِخِلَافِ " النَّصِّ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا " قَالَ " الشَّافِعِيُّ فِي

стр. 1043

الْأُمِّ أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ دَمًا تَحْتَ الْجِلْدِ وَثَبَتَ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ انْتَهَى، وَنَقَلَ فِي التَّتِمَّةِ الْوُجُوبَ عَنْ النَّصِّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ التَّعَدِّيَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالِاسْتِدَامَةِ فَإِذَا كَانَ ابْتِدَاءُ تَنَاوُلِهِ مُحَرَّمًا كَانَ اسْتِدَامَتُهُ لِتَكَامُلِ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْضًا " مُحَرَّمًا " وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ أَمَّا الْخَمْرُ فَيَجِبُ قَذْفُهَا بِلَا خِلَافٍ إنْ خِيفَ مِنْهَا السُّكْرُ لَوْ تَرَكَهَا فِي جَوْفِهِ، فَإِنْ شَرِبَ مِنْهَا قَدْرًا لَا يُسْكِرُ " فَهَذَا " هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ. وَيُحْمَلُ " أَيْضًا كَلَامُ " الشَّافِعِيِّ فِي الشُّرْبِ عَلَى مَا إذَا " كَانَ " السُّكْرُ يَخْرُجُ بِهِ وَقْتُ صَلَاةٍ أَوْ صَلَوَاتٍ كَمَا إذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ شَخْصٍ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ بُكْرَةً لَا يَصْحُو " إلَّا " إلَى عَشِيَّةٍ وَصَارَ نَظِيرُ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّ مَنْ عَادَتُهُ " إذَا لَعِبَ " بِالشِّطْرَنْجِ يَنْسَى الصَّلَاةَ أَنَّهُ يَعْصِي بِالنِّسْيَانِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهُ زَالَ عَنْهُ " قَبْلَ فَوَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَوِّتُ حَقًّا وَيُحْمَلُ كَلَامُ مَنْ اسْتَحَبَّهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ مَنْ أَكَلَ حَرَامًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَقَيَّأَهُ، وَأَجَابَ عَنْ تَقَيُّؤِ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قِيلَ " لَهُ ": إنَّ " اللَّبَنَ " مِنْ الصَّدَقَةِ لِيُعْلِمَ النَّاسَ تَحْرِيمَهَا عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ مَغْصُوبٍ وَغَيْرِهِ فَبَقِيَ فِي يَدِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ بِخِلَافِ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " وَكَيْلَا " يَسْتَدِيمَ " الِاغْتِذَاءُ " وَالِانْتِفَاعُ بِالْحَرَامِ.

стр. 1044

التَّاسِعُ ": النَّجَاسَةُ مَا دَامَتْ فِي الْبَاطِنِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِحُكْمِ النَّجَاسَةِ فِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَوْ حَمَلَ الْمُصَلِّي حَيَوَانًا طَاهِرًا حَيًّا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهَا فِي تَنْجِيسِ مَا لَاقَتْهُ وَتَنْجِيسُهَا بِمَا لَاقَاهَا مِنْ نَجَاسَةٍ هِيَ أَغْلَظُ مِنْهَا، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ لَحْمَ كَلْبٍ أَنْ يَغْسِلَ دُبُرَهُ كُلَّمَا تَغَوَّطَ أَوْ بَالَ وَلَمْ " يَتَنَجَّسْ " اللَّبَنُ الْمُلَاقِي " لِلْفَرْثِ " فِي الْبَطْنِ. وَلَمْ يَنْجُسْ " الْمَنِيُّ " وَإِنْ مَرَّ فِي مَجْرَى الْبَوْلِ، وَلَمْ تَنْجُسْ " النُّخَامَةُ " " النَّازِلَةُ " مِنْ الرَّأْسِ بِجَرَيَانِهَا فِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ بَعْدَ مَا جَرَى فِيهَا دَمُ الرُّعَافِ وَغَسْلُ ظَاهِرِ " الْأَرْضِ " "، وَمِنْ " هَذَا قَالَ فِي الْبَسِيطِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ مَعْنَى الْخِلَافِ فِي نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ أَنَّ تِلْكَ الرُّطُوبَةَ هَلْ يَثْبُتُ لَهَا حُكْمٌ وَهَلْ يُقَدَّرُ خُرُوجُهَا فَإِنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَثْبُتُ مَا " دَامَتْ " الْفَضْلَةُ فِي الْبَاطِنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ قِيلَ: لِمَ قَطَعْتُمْ بِجَوَازِ التَّدَاوِي بِالنَّجَاسَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ مِنْهَا قُلْنَا مَا " يَحْوِيهِ " الْبَاطِنُ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ وَلَكِنَّ تَحْرِيمَ النَّجَاسَةِ مِنْ قَبِيلِ " الِاجْتِنَابِ " فَلَا يَبْعُدُ سُقُوطُهُ " بِالضَّرُورَاتِ "، وَلِهَذَا نَقَلَ " الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ النَّسَوِيُّ " فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَّرِيعَةُ

стр. 1045

تَقْضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي بَاطِنِ " الْإِنْسَانِ " نَجَاسَةٌ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا فِي بَاطِنِهِ مِمَّا " خَلَقَهُ " اللَّهُ " تَعَالَى " أَمَّا نَجِسٌ أَدْخَلَهُ الْإِنْسَانُ تَعَدِّيًا إلَى بَاطِنِهِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَجِسًا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ فَلَاقَى الْبَاطِنَ فَنَجَّسَهُ " ثُمَّ تَطْهِيرُهُ " مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَدْرٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ " تَنَجَّسَ " بِمُلَاقَاتِهِ لِنَجِسٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ. قُلْت: وَهُوَ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ بَلْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ أَشَارَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵁ " فِي الْأُمِّ إلَى أَنَّ مُلَاقَاةَ النَّجَاسَةِ إنَّمَا تُؤَثِّرُ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ، فَقَالَ: لَوْ وُجِدَ حُوتٌ فِي بَطْنِ سَبُعٍ أَوْ طَائِرٍ أَوْ حُوتٍ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَطْهِيرِ ظَاهِرِهِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَيْضًا فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْوَلَدِ وَالْبَيْضَةِ حَيْثُ قَالَ: لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلِهَا، وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الْمِنْهَاجِ فِي الْخِلَافِ فَمَنَعَ قَوْلَهُمْ أَنَّ نَجَاسَةَ الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ " أَنَّ " مَنْ أَكَلَ شَيْئًا ثُمَّ قَذَفَهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَلَمْ تُنَجِّسْهُ إلَّا مُلَاقَاةُ مَا فِي الْمَعِدَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ.

стр. 1046

وَمِثْلُهُ مَا حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ أَلْقَتْ الْبَهِيمَةُ حَبًّا عَلَى هَيْئَتِهِ بِحَيْثُ لَوْ زُرِعَ لَنَبَتَ وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَوْ حَمَلَ الْبَيْضَةَ الْمَذِرَةَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ " صَلَاتُهُ " فِي الْأَصَحِّ نَعَمْ لَا بُدَّ فِي " هَذَا " الْأَصْلِ السَّابِقِ مِنْ قَيْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَأَمَّا الْمَوْتُ فَيَنْجُسُ. وَلِهَذَا لَوْ مَاتَتْ بَهِيمَةٌ فِي ضَرْعِهَا لَبَنٌ " تَنَجَّسَ " " بِمُلَاقَاتِهِ " النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ " ﵀ ": لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ، وَقَالَ: إنَّ الْإِنْفَحَةَ إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَيْتَةِ كَانَتْ طَاهِرَةً وَإِذَا قُلْنَا بِطَهَارَةِ لَبَنِ الْمَأْكُولِ فَأَكَلَ نَجَاسَةً فَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِنَجَاسَتِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَقْرَبُ خِلَافُهُ لِمَا سَبَقَ فِي لَحْمِ الْكَلْبِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّذْكِرَةِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّجَاسَةَ فِي الْبَاطِنِ لَا حُكْمَ لَهَا بِدَلِيلِ مَا لَوْ ابْتَلَعَ شَيْئًا ثُمَّ تُقَيَّأهُ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّبَنَ يُلَاقِي الْفَرْثَ وَالدَّمَ بَلْ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ فِي الْبَاطِنِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَّصِلَ بِنَجَاسَةِ الْبَاطِنِ ظَاهِرٌ فَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا كَمَا لَوْ بَلَعَ خَيْطًا فَوَصَلَ طَرْفُهُ إلَى مَعِدَتِهِ وَطَرْفُهُ الْآخَرُ " خَارِجٌ أَوْ أُدْخِلَ " فِي دُبُرِهِ عُودًا وَبَقِيَ بَعْضُهُ خَارِجًا وَصَلَّى فَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَبْطُلُ. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا وَفِي فِيهِ خَيْطٌ بَعْضُهُ مُتَّصِلٌ بِبَاطِنِهِ فَهَذَا إنْ نَزَعَهُ بَطَلَ صَوْمُهُ، كَمَا لَوْ " اسْتَقَاءَ " عَمْدًا وَإِنْ تَرَكَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَنْزِعَهُ غَيْرُهُ

стр. 1047

بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ جَذَبَهُ وَغَسَلَ فَمَهُ وَصَلَّى مُرَاعَاةً " لِمَحَلِّ " الصَّلَاةِ وَيَقْضِي الصَّوْمَ وَهَذَا مِنْهُمْ تَقْدِيمٌ لِلصَّلَاةِ، وَعَكَسُوا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ " بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ ". فُرُوعٌ لَوْ أَدْخَلَتْ عُودًا فِي فَرْجِهَا وَتَرَكَتْ بَعْضَهُ خَارِجًا " وَصَلَّتْ " صَحَّتْ صَلَاتُهَا إنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ بَاطِنِ فَرْجِهَا وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ خَارِجًا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ بَاطِنِ ذَكَرِهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَصَحَّ بُطْلَانُ صَلَاةِ مَنْ أَدْخَلَ عُودًا فِي ذَكَرِهِ أَوْ " فِي " فَرْجِهَا وَهَذَا لَا يَظْهَرُ تَوْجِيهُهُ وَلَعَلَّ الْمُصَحِّحَ لِذَلِكَ يَرَى نَجَاسَةَ بَاطِنِ الْفَرْجِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعِجْلِيُّ أَنَّهُ لَوْ غَيَّبَ قُطْنَةً فِي إحْلِيلِهِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوءُهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ " كَانَ " يَرَى الْقُطْنَ فِي الْإِحْلِيلِ فَلَوْ كَانَ بَاطِنُ الذَّكَرِ نَجِسًا لَمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ " لِحَمْلِهِ " النَّجَاسَةَ. وَلَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ وَصَلَّى لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِاتِّصَالِهِ بِالنَّجَاسَةِ. وَلَوْ غَرَزَ إبْرَةً فِي لَحْمِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهَا خَارِجًا وَصَلَّى فَكَمَا لَوْ أَدْخَلَ عُودًا فِي دُبُرِهِ لِاتِّصَالِ الْإِبْرَةِ بِالدَّمِ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ. وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالظَّاهِرِ مِنْ الْبَاطِنِ مَا لَوْ شَقَّ مَوْضِعًا مِنْ بَدَنِهِ " وَحَصَلَ مِنْهُ دَمٌ " وَبَنَى عَلَيْهِ اللَّحْمَ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْفُهُ وَإِخْرَاجُهُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ مِنْ

стр. 1048

أَصْلِهِ " وَاسْتَتَرَ " أَصْلُهُ بِالْجِلْدِ وَمَسَّهُ فَإِنَّ الْوُضُوءَ يُنْتَقَضُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا لَوْ وَشَمَ يَدَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَشْطُهُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ وَلَا غُسْلُهُ مَا دَامَ الْوَشْمُ بَاقِيًا. تَنْبِيهٌ " هَذَا " لَا يَخْتَصُّ " بِالْحَيَوَانِ ". وَلِهَذَا قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ سُقِيَتْ سِكِّينُ مَاءً نَجِسًا ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ طَهُرَتْ؛ لِأَنَّ " الطِّهَارَاتِ " كُلَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ عَلَى مَا يَظْهَرُ لَا عَلَى الْأَجْوَافِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَنُقِلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّهُ قَالَ هَذَا خِلَافُ أُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ " يَقُولُ " فِي الْآجُرِّ إذَا عُجِنَ بِبَوْلٍ وَطُبِخَ: إنَّهُ لَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِالْغُسْلِ. انْتَهَى. وَهَذَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ السِّكِّينَ لَا يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ " فِي " بَاطِنِهَا فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ " الْوُسْعِ " فَاكْتَفَى بِغَسْلِ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا الْآجُرَّ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِهِ بِأَنْ يُدَقَّ وَيُصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِي الْجِلْدِ إذَا دُبِغَ يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ وَإِنْ كَانَ الدِّبَاغُ لَا يُبَاشِرُهُ وَلَا يُمْكِنُ إيرَادُ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَافْتَرَقَا نَعَمْ قَدْ يُشْكَلُ عَلَى النَّصِّ مَسْأَلَةُ إدْخَالِ الدَّمِ تَحْتَ جِلْدِهِ إنَّهُ يَجِبُ إخْرَاجُهُ مَعَ أَنَّ مَا تَحْتَ الْجِلْدِ مَوْضِعُ الدَّمِ وَمَعْدِنُ النَّجَاسَةِ، " وَلِذَلِكَ " لَوْ حَمَلَ بَيْضَةً صَارَ بَاطِنُهَا

стр. 1049

دَمًا وَظَاهِرُهَا طَاهِرٌ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي الْأَصَحِّ، كَالنَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ إذَا حَمَلَهَا بِخِلَافِ بَاطِنِ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ " لِلْحَيَاةِ أَثَرًا " فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ وَأَمَّا الْبَيْضَةُ فَجَمَادٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ حَمَلَ عُنْقُودًا اسْتَحَالَ بَاطِنُ حَبَّاتِهِ خَمْرًا وَلَا رَشْحَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ " وَجْهًا " أَنَّ " بَوَاطِنَ " حَبَّاتِ الْعُنْقُودِ مَعَ اسْتِحَالَتِهِ خَمْرًا لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا تَشْبِيهًا لَهُ بِمَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي الْعَنَاقِيدِ إذَا اسْتَحَالَ بَاطِنُهَا وَاشْتَدَّ وَجْهَيْنِ فِي بَيْعِهَا وَطَرْدُهُ فِي الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ، ثُمَّ رُوجِعَ الْقَاضِي فِي نَجَاسَتِهَا فَتَوَقَّفَ قَالَ الْإِمَامُ لَا وَجْهَ لَهُ فَإِنَّهُ لَوْ " انْفَصَلَ " مَا فِي الْبَاطِنِ لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ، وَالِانْفِصَالُ لَا يُوجِبُ وُرُودَ " نَجَاسَةٍ " فَلَا يَلِيقُ بِالْمَذْهَبِ إلَّا نَجَاسَتُهَا، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْقَاضِي فَهُوَ يُضَاهِي مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ حَكَمَ بِأَنَّ الدِّمَاءَ فِي الْعُرُوقِ الَّتِي فِي " جِلْدِ " اللَّحْمِ لَيْسَتْ " بِنَجِسَةٍ " فَإِذَا سَفَحَ وَسَالَ حَكَمَ بِالنَّجَاسَةِ وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالدَّمِ " فَإِنَّا " إذَا قَطَعْنَا بِنَجَاسَةِ الْبَوَاطِنِ وَتَرَدَّدْنَا فِي جَوَازِ " الْبَيْعِ " فَلَا وَجْهَ إلَّا مَا نَذْكُرُهُ وَهُوَ أَنَّ ظَاهِرَ الْبَيْضَةِ طَاهِرٌ وَالنَّجَاسَةُ مُسْتَتِرَةٌ اسْتِتَارَ خِلْقَةٍ وَالْبَيْضَةُ فِي نَفْسِهَا صَائِرَةٌ إلَى " رُتْبَةِ " الْفَرْخِ فَيُضَاهِي " امْتِنَاعَ الْعُصْفُورِ " وَجَنَّبُوهُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَكَذَلِكَ الْعُنْقُودُ ظَاهِرُهُ طَاهِرٌ وَمَقْصُودُهُ آيِلٌ إلَى " الْحُمُوضَةِ " وَهُوَ مُنْتَظَرٌ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا قُلْتُمْ بِأَنَّ بَاطِنَ الْبَيْضَةِ الْمَذِرَةِ طَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الصَّلَاةَ مَعَهَا.

стр. 1050

قُلْنَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَهَارَةَ بَوَاطِنِهَا فَإِنَّهُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَ الْعُصْفُورِ الَّذِي فِي بَاطِنِهِ النَّجَاسَةُ فَتَصِحُّ فِيهَا وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا الِاسْتِتَارُ الْخِلْقِيُّ. فَرْعٌ هَلْ يَجُوزُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ " يَمْحُوهُ وَيَشْرَبُهُ " بِالْمَاءِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يَجُوزُ لِمَا يُلَاقِي مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي فِي بَاطِنِ الْمَعِدَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ، وَقَدْ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِجَوَازِ أَكْلِ الطَّعَامِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ، قَالَ: وَمَا يُكْتَبُ عَلَى الْحَلْوَى وَالْأَطْعِمَةِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهَيْنِ مِنْهُ. " الْعَاشِرُ ": كُلُّ مَا نَجَّسَ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " نَجَّسَ " الْمَائِعَ، أَمَّا مَا لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ الْقَلِيلَ " هَلْ " يُنَجِّسُ الْمَائِعَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ " قَدْ " صَرَّحُوا بِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ، وَذَكَرَ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي صُورَةِ الْهِرَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَسَمِعْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَحْكِي التَّصْرِيحَ بِهِ عَنْ الْإِيضَاحِ " لِلْجَاجَرْمِيِّ ". وَالْحَيَوَانُ إذَا كَانَ بِمَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ

стр. 1051

وَقَعَ فِي الْمَائِعِ فَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ. " الْحَادِي عَشَرَ ": النَّجِسُ هَلْ يَتَنَجَّسُ؟ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، لَكِنِّي " اسْتَخْرَجْتهَا " مِنْ الْخِلَافِ فِي فُرُوعٍ: مِنْهَا لَوْ تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ بِالْوُلُوغِ ثُمَّ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى فَهَلْ تَكْفِي السَّبْعُ أَمْ يُغْسَلُ لَهَا ثُمَّ يُغْسَلُ لِلْكَلْبِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَلَمْ يَقِفْ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى نَقْلِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ يَكْفِي بِالِاتِّفَاقِ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ. وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ " نَجِسٍ " فَهَلْ يَتَعَيَّنُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ كَمَا قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ فَيَبْقَى حُكْمُهُ كَمَا كَانَ كَذَا عَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَدْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ وَالْحَجَرُ تَخْفِيفٌ فَمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ وَقَعَ فِي الْخَمْرِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ كَالْعَظْمِ، وَنُزِعَ " مِنْهَا " ثُمَّ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا لَمْ تَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَعَزَاهُ لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَفِي هَذَا جَزَمَ بِتَنْجِيسِ النَّجِسِ وَفِي الثَّانِي " بِتَرْجِيحِهِ " وَفِي الْأَوَّلِ بِخِلَافِهِ وَالضَّابِطُ: أَنَّ النَّجَاسَةَ إمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا وَتَحْتَهُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُرَدَّ الْمُغَلَّظَةُ عَلَى الْمُخَفَّفَةِ فَالْعَمَلُ لَا بِالْمُغَلَّظَةِ " قَطْعًا " كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي إنَاءٍ ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَيَكْفِي غَسْلُهُ سَبْعًا " مَعَ " التَّعْفِيرِ وَلَوْ

стр. 1052

اسْتَنْجَى بِجِلْدِ كَلْبٍ لَا يُجْزِيهِ الْحَجَرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ وَالصَّوَابُ غَسْلُهُ سَبْعًا. الثَّانِي: أَنْ تُرَدَّ الْمُخَفَّفَةُ عَلَى الْمُغَلَّظَةِ فَفِيهَا الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ إلْغَاءُ الْمُخَفَّفَةِ، وَأَمَّا أَنْ تُرَدَّ عَلَى جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ مُغَلَّظَةً عَلَى مِثْلِهَا فَخِلَافٌ كَمَا وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَلَغَ آخَرُ فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْجَمِيعِ سَبْعٌ. وَلَوْ وَلَغَ كَلْبٌ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أُخْرَى مِنْ فَضَلَاتِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ فَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُ الْأَوْجُهِ فِيمَا إذَا تَعَدَّدَ وُلُوغُ كِلَابٍ، " وَنَظِيرُهُ " الْوَجْهُ الثَّالِثُ هُنَا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الْمُتَكَرِّرُ وُقُوعُهَا مِنْ كَلْبٍ وَاحِدٍ وَيُحْتَمَلُ الِاكْتِفَاءُ بِالسَّبْعِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ غَلَّظَ فِي أَمْرِ الْوُلُوغِ حَتَّى لَا " يُسْتَثْنَى " الْكِلَابُ. وَلِهَذَا اخْتَارَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يَكْفِي فِي سَائِرُ فَضَلَاتِ الْكَلْبِ مَا عَدَا الْوُلُوغَ مَرَّةً وَاحِدَة قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ. وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً أَوْ مُتَوَسِّطَةً عَلَى مِثْلِهَا فَلَا أَثَرَ لِلتَّعَدُّدِ قَطْعًا إلَّا فِي صُورَةٍ فِيهَا خِلَافٌ وَهِيَ الْبَوْلُ يُصِيبُ الْأَرْضَ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْبَائِلِينَ فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ اُعْتُبِرَ ذَنُوبَانِ وَهَكَذَا تَتَعَدَّدُ الذَّنُوبُ " بِتَعَدُّدِ " الْأَشْخَاصِ. " الثَّانِي عَشَرَ " فِي النَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا وَهِيَ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهُمَا " مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَكَذَا دَمُ الْقَمْلِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ " لَهُ شَرْطَانِ ":

стр. 1053

أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ بِفِعْلِهِ فَلَوْ كَانَ بِفِعْلِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَ فَتَلَوَّثَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْبَسْ الثَّوْبَ بَلْ حَمَلَهُ وَكَانَ كَثِيرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ وَيَلْتَحِقُ بِالْبَرَاغِيثِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَمُ الْبَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا حَتَّى لَوْ " عَصَرَهُ " وَكَانَ الْخَارِجُ كَثِيرًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ دَمُ الدَّمَامِيلِ وَالْقُرُوحِ وَمَوْضِعِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مِنْهُ. " وَثَانِيهِمَا " أَنْ لَا يَتَفَاحَشَ بِالْإِهْمَالِ فَإِنَّ لِلنَّاسِ عَادَةً فِي غَسْلِ الثِّيَابِ كُلَّ حِينٍ فَلَوْ تَرَكَ غَسْلَ الثَّوْبِ سَنَةً مَثَلًا وَهُوَ يَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ الْعَفْوِ قَالَهُ الْإِمَامُ وَمِنْ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الْبَلْغَمُ إذَا كَثُرَ وَالْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا اُبْتُلِيَ بِهِ وَنَحْوُهُ، وَكَذَلِكَ الْحَدَثُ الدَّائِمُ كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلِسِ الْبَوْلِ، وَكَذَا أَوَانِي الْفَخَّارِ الْمَعْمُولَةِ بِالزِّبْلِ لَا تَطْهُرُ، وَقَدْ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵁ " بِمِصْرَ فَقَالَ: إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ " وَسَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ ". الثَّانِي: مَا يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ وَهُوَ دَمُ الْأَجْنَبِيِّ إذَا انْفَصَلَ عَنْهُ ثُمَّ أَصَابَهُ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ فِي الْأَصَحِّ دُونَ كَثِيرِهِ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ طِينُ الشَّوَارِعِ الْمُتَيَقَّنِ بِنَجَاسَتِهَا " يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ دُونَ كَثِيرِهِ، وَالْقَلِيلُ مَا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الْمُتَغَيِّرُ بِالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ لَا يُعْفَى عَنْ التَّغَيُّرِ الْكَثِيرِ فِي الْأَصَحِّ. الثَّالِثُ: مَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ دُونَ عَيْنِهِ وَهُوَ أَثَرُ الْمَخْرَجَيْنِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ وَكَذَلِكَ بَقَاءُ رِيحِ النَّجَاسَةِ أَوْ لَوْنِهَا إذَا عَسِرَ زَوَالُهُ.

стр. 1054

الرَّابِعُ: مَا لَا يُعْفَى عَنْ أَثَرِهِ وَلَا عَيْنِهِ وَلَا قَلِيلِهِ وَلَا كَثِيرِهِ وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ. تَقْسِيمٌ آخَرُ: الْمَعْفُوُّ عَنْهُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ صُورَةً: مَا لَا يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا كَالدُّودِ وَالْخُنْفُسَاءِ أَصْلًا، أَوْ لَهَا دَمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يَسِيلُ كَالْوَزَغِ، وَغُبَارِ النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ، وَقَلِيلِ دُخَّانِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ أُوقِدَ نَجَاسَةٌ تَحْتَ " الْمَاءِ " وَاتَّصَلَ بِهِ قَلِيلُ دُخَّانٍ لَمْ يَنْجُسْ وَقَلِيلُ الشَّعْرِ، وَقَلِيلُ الرِّيشِ النَّجِسِ لَهُ حُكْمُ الشَّعْرِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمْ إلَّا أَنَّ أَجْزَاءَ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا حُكْمُ الشَّعْرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالْهِرَّةُ إذَا وَلَغَتْ بَعْدَ أَكْلِهَا فَأْرَةً، وَأَلْحَقَ الْمُتَوَلِّي السَّبُعَ بِالْهِرَّةِ، وَخَالَفَهُ الْغَزَالِيُّ لِانْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ، وَمَا اتَّصَلَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْوَاهِ الصِّبْيَانِ مَعَ تَحَقُّقِ نَجَاسَتِهَا خَرَّجَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَفْوَاهُ الْمَجَانِينِ كَالصِّبْيَانِ، وَإِذَا " وَقَعَ " فِي الْمَاءِ طَيْرٌ عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةٌ " يَتَعَذَّرُ " صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِانْكِمَاشِهِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَنْفَذِ الطَّيْرِ وَعَلَيْهِ ذَرْقٌ عُفِيَ عَنْهُ. وَإِذَا نَزَلَ الطَّائِرُ فِي الْمَاءِ وَغَاصَ وَذَرَقَ فِيهِ الْعَفْوُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ طَرَفُ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَيَدُلُّ لَهُ " مَا " سَنَذْكُرُهُ فِي السَّمَكِ " عَنْ " الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ سَمَكًا فِي جُبٍّ مَا ثُمَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ " يَبُولُ " فِيهِ " أَنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. وَفِي تَعْلِيقِ الْبَنْدَنِيجِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ " عَنْهُ " لَا يُمْكِنُ، وَحَكَى الْعِجْلِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ

стр. 1055

أَنَّ وُقُوعَ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ الْمُنْفَذِ فِي الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ وَحُكِيَ عَنْ غَيْرِهِ عَدَمُ التَّنْجِيسِ مُسْتَدِلًّا " بِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِمَقْلِ الذُّبَابِ ". ثُمَّ قَالَ: وَلِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ وَنِيمَ الذُّبَابِ يَسِيرٌ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَإِذَا شَرِبَ مِنْ الْمَاءِ طَائِرٌ عَلَى فِيهِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تَتَخَلَّلْ " عَيْنَيْهِ " فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْمُنْفَذِ لِتَعَذُّرِ صَوْنِهِ عَنْهُ وَوَنِيمُ الذُّبَابِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ لِعُسْرِ صَوْنِهِ. وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْخُفَّاشِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْمَائِعِ وَغُسَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا انْفَصَلَتْ غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ وَلَا زَائِدَةٍ الْوَزْنِ فَإِنَّهَا تَكُونُ طَاهِرَةً مَعَ أَنَّهَا لَاقَتْ نَجِسًا. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ دُونَ الثَّوْبِ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا دَمَ لَهَا " سَائِلٌ " وَخُرْءِ السَّمَكِ وَمُنْفَذِ الطَّائِرِ. الثَّالِثُ: مَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ وَهُوَ الدَّمُ الْيَسِيرُ مِنْ سَائِر الدِّمَاءِ إلَّا دَمُ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ طِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنِ نَجَاسَتُهُ، فَلَوْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ " أَوْ غَمَسَ " يَدَهُ فِي الْمَاءِ وَعَلَيْهَا قَلِيلُ دَمِ بُرْغُوثٍ أَوْ قَمْلٍ، أَوْ غَمَسَ فِيهِ ثَوْبًا فِيهِ دَمُ بُرْغُوثٍ تَنَجَّسَ وَفَرَّقَ " الْعِمْرَانِيُّ " بَيْنَ الثِّيَابِ وَالْمَاءِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثِّيَابَ لَا يُمْكِنُ صَوْنُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْأَوَانِي فَإِنَّ صَوْنَهَا مُمْكِنٌ بِالتَّغْطِيَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ كُلَّ وَقْتٍ يَقْطَعُهَا فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يُمْكِنُ
следующие страницы →