Полный текст (1 194 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وَالصَّلَاةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْحَجِّ هَلْ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْهُ لِانْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أَمْ تَكْفِي فِيهِ نِيَّةُ الْإِحْرَامِ السَّابِقَةِ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي وَبَنَى الْمُتَوَلِّي عَلَى الْخِلَافِ صِحَّةَ وُقُوفِ النَّائِمِ بِعَرَفَةَ وَعِلْمُهُ بِأَنَّهَا عَرَفَةُ شَرْطٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ نَعَمْ طَوَافُ الْوَدَاعِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَمْ لَا وَأَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ.
الْعَاشِرُ: النِّيَّةُ الْقَاطِعَةُ تُؤَثِّرُ فِي مَوَاضِعَ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْفِعْلِ الْقَاطِعِ
(أَحَدُهُمَا) فِيمَا دَوَامُ النِّيَّةِ فِيهِ رُكْنٌ، وَلِهَذَا لَوْ نَوَى قَطْعَ الْإِسْلَامِ كَفَرَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (وَكَذَا) لَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا كَفَرَ فِي الْحَالِ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَلَا يَبْطُلُ الْمَاضِي أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِمُجَرَّدِهَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، (وَكَذَا) الْمُصَلِّي لَوْ نَوَى قَطْعَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَوْ نَوَى الْعَدْلَ أَنْ يُوَاقِعَ كَبِيرَةً غَدًا كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا لَمْ يَصِرْ بِهِ فَاسِقًا، وَإِذَا نَوَى الْمُسْلِمُ أَنْ يَكْفُرَ غَدًا فَفِي كُفْرِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَصِيرُ كَافِرًا فِي الْحَالِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ نِيَّةَ
стр. 1087
الِاسْتِدَامَةِ فِي الْإِيمَانِ شَرْطٌ، وَالتَّوْبَةُ لَا تَجِبُ فِي حَقِّ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَصْلُ وُجُوبَ الْفِسْقِ، وَالْأَصْلُ قَصْدُ الْإِيمَانِ وَإِيجَابُ فِعْلِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَعْضِدَهَا أَصْلٌ كَالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْإِقَامَةَ يَصِيرُ مُقِيمًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ بِخِلَافِ السَّفَرِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ طَارِئٌ فَلَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ أَنْ لَا يُوجَدَ مَا يُنَافِيهَا فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ وَهُوَ سَائِرُ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا.
(وَمِثْلُهُ) لَوْ نَوَى الْقَارِئُ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ وَسَكَتَ (وَلَمْ يَقْرَأْ فَإِنَّهُ يَضُرُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْقَطْعَ وَلَمْ يَسْكُتْ) لَمْ يَضُرَّ وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ (عَوْدُ الْعُرُوضِ إلَى الْقِنْيَةِ) (بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَا تَعُودُ إلَى التِّجَارَةِ) (بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّلَعِ الْقِنْيَةُ لَا التِّجَارَةُ نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لِلتِّجَارَةِ جَارٍ فِي الْحَوْلِ فَنَوَى إمْسَاكَهُ الْمُحْرِمُ كَدِيبَاجٍ يَلْبَسُهُ أَوْ سِلَاحٍ يَقْطَعُ بِهِ الطَّرِيقَ فَفِي انْقِطَاعِ الْحَوْلِ وَجْهَانِ فِي التَّتِمَّةِ قِيَاسًا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ سَبَقَتْ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقَارِنَهَا فِعْلٌ مَا، كَالسُّكُوتِ الْيَسِيرِ فِي الْفَاتِحَةِ لَا يَقْطَعُ مُوَالَاتِهَا، فَلَوْ نَوَى بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ قَطَعَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ قَدْ اقْتَرَنَ بِالنِّيَّةِ فَأَثَّرَ، وَلَوْ قَصَدَ الْقَطْعَ وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ
стр. 1088
الشَّافِعِيُّ (﵁) فِي الْأُمِّ بِأَنَّهُ حَدِيثُ نَفْسٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ نِيَّةِ الْمُصَلِّي قَطْعَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهَا وَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ تَجِبُ إدَامَتُهَا حُكْمًا، وَالْقِرَاءَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةُ الْقَطْعِ.
وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الْمُودِعِ الْخِيَانَةَ لَا يَضْمَنُ بِمُجَرَّدِهَا فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِعْلًا، وَالْأَصْلُ الْأَمَانَةُ وَمُقَابِلُهُ قَاسَهُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ نِيَّةِ الْقِنْيَةِ تَقْطَعُ حَوْلَ التِّجَارَةِ، وَلَوْ نَوَى عَلَفَ السَّائِمَةِ أَوْ إسَامَةَ الْمَعْلُوفَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُهَا حَتَّى يَفْعَلَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَى بِالدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ الْحُلِيَّ فَحَتَّى يَصُوغَهُ، نَعَمْ لَوْ نَوَى بِالْحُلِيِّ التِّجَارَةَ وَالِاكْتِنَازَ دَخَلَ فِي حُكْمِ نِيَّتِهِ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَكْنِزْهُ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا وَجَبَ فِيهِ النِّيَّةُ وَدَوَامُهَا حُكْمًا إذَا قَطَعَهَا لَهُ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا مَا يُطْلَبُ لِذَاتِهِ دَوَامُهُ مُدَّةَ الْعُمْرِ، كَالْإِيمَانِ وَالْعَقَائِدِ فَيَقْطَعُهُ الدَّافِعُ فِي الْحَالِ قَطْعًا، وَمِثْلُهُ الصَّلَاةُ.
стр. 1089
الثَّانِي: مَا هُوَ شَدِيدُ اللُّزُومِ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا كَالْحَجِّ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَهُوَ فَرْعٌ تَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَأَلْحَقَهُ الْجُمْهُورُ بِالْحَجِّ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ.
الثَّالِثُ: مَا يُرَادُ لِغَيْرِهِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَصَحِّ فَإِذَا أَرَادَ إتْمَامَهُ جَدَّدَ النِّيَّةَ وَبَنَى، وَكَذَا سَائِرُ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ مِمَّا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نِيَّةٌ لِقَطْعٍ وَحَيْثُ لَا يَقْطَعُ فِي الْأَثْنَاءِ فَبَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْلَى.
وَلَوْ نَوَى قَطْعَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ لَوْ نَوَى إبْطَالَهَا بَعْدَ إخْرَاجِهَا لَمْ يَضُرَّهُ، قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ: قَطَعُوا بِأَنَّهُ إذَا نَوَى إبْطَالَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَفِي الطَّهَارَةِ خِلَافٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الطَّهَارَةَ بَاقِيَةٌ مُسْتَدَامَةٌ مُعَرَّضَةٌ لِلْبُطْلَانِ بِالْحَدَثِ كَالرِّدَّةِ فَجَازَ أَنْ يَنْكُلَ بِنِيَّةِ الْبُطْلَانِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَدَامَةٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْإِبْطَالِ بِحَالٍ وَمُرَادُهُ بِبُطْلَانِ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ لَا أَنَّهُ يَبْطُلُ مَا فَعَلَهُ.
تَنْبِيهٌ: هَلْ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْصُلُ لَهُ قَطْعًا وَفِي الْوُضُوءِ خِلَافٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَوْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً وَغَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ ثُمَّ بَطَلَ الْوُضُوءُ فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ الْمَفْعُولِ كَالصَّلَاةِ إذَا بَطَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنْ بَطَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَهُ ثَوَابُهُ وَإِلَّا
стр. 1090
فَلَا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا ثَوَابَ لَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الْعِبَادَةِ عِنْدَ انْتِهَائِهَا لَا تَجِبُ إمَّا قَطْعًا كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَوْ عَلَى الْأَصَحِّ كَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ فَرَاغِهَا وَكَانَ الْخُرُوجُ مَأْذُونًا فِيهِ لِلْعُذْرِ وَجَبَ وَذَلِكَ كَالتَّحَلُّلِ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَنِيَّةُ التَّحَلُّلِ بِأَنْ يَنْوِيَ الْخُرُوجَ مِنْ النُّسُكِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ حَلَقَ فِي غَيْرِ الْإِحْصَارِ صَارَ خَارِجًا عَنْ الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
قُلْنَا: الْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُحْصَرِ أَكْمَلَ الْأَفْعَالَ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ.
وَمِثْلُهُ الصَّائِمُ إذَا أَرَادَ الْفِطْرَ لِعُذْرٍ صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي فِي بَابِ الْفَوَاتِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: إيرَادُ النِّيَّةِ عَلَى النِّيَّةِ تَارَةً يَكُونُ بِبُطْلَانِ النِّيَّةِ الْأُولَى وَتَارَةً لَا يَكُونُ وَالْأَوَّلُ يُبْطِلُهُ قَطْعُ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ، فَإِذَا عَدَّدَ التَّكْبِيرَ لِلْإِحْرَامِ خَرَجَ بِالْأَشْفَاعِ وَدَخَلَ بِالْأَوْتَارِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالثَّانِيَةِ دُخُولًا وَلَا خُرُوجًا فَذِكْرٌ وَالثَّانِي مَا لَا يُبْطِلُهُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَأْتِ مِنْ أَعْمَالِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَهَلْ يَلْغُو أَوْ يَنْعَقِدُ بِعُمْرَةٍ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ.
وَمِنْهُ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ ثَانِيًا فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلنِّيَّةِ
стр. 1091
الْأُولَى، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنْ قُلْنَا: يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّاتٍ فِي كُلِّ عُضْوٍ نِيَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ صَحَّ الْوُضُوءُ وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُك أَوْ أَجَّرْتُك فَقَبِلَ ثُمَّ جَدَّدَ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْمَجْلِسِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَاطَبَ بِالثَّانِي غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: ذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَا يَبْطُلُ كَتَعْيِينِ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَكَذَلِكَ الْأَحْدَاثُ فِي الْوُضُوءِ (وَالتَّيَمُّمُ) .
وَمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا إذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ كَالصَّلَاةِ إذَا عَيَّنَهَا وَأَخْطَأَ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ شَيْخِهِ وَأَنَّهُ عَدَّ الْغَلَطَ فِي تَعْيِينِ الْحَدَثِ مِمَّا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّعْيِينُ أَصْلًا وَتَوَقَّفَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ النِّيَّةِ لَا يُسَوَّغُ تَرْكُهُ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالْغَلَطِ فِي تَعْيِينِ أَسْبَابِ الْكَفَّارَةِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: هَذَانِ وَالثَّالِثُ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ التَّعْيِينُ تَفْصِيلًا وَيُعْتَبَرُ جُمْلَةً فَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ ضَرَّ كَالثَّانِي وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا: الْكَفَّارَةُ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ سَبَبِهَا. وَلَوْ نَوَى مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً إعْتَاقَهَا عَنْ ظِهَارٍ وَكَانَ عَلَيْهِ قَتْلٌ لَمْ يُجْزِئْهُ.
стр. 1092
الثَّانِيَةُ: الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَإِذَا عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ لَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ.
الثَّالِثَةُ: الزَّكَاةُ إذَا أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ عَنْ مَالِهِ الْغَائِبِ إنْ كَانَ (سَالِمًا) فَتَبَيَّنَ تَلَفُهُ حَالَةَ الْإِخْرَاجِ لَمْ يَنْصَرِفْ الْمُخْرَجُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ إنْ كَانَ نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ مُطْلَقًا انْصَرَفَ وَلَمْ يَحْتَجْ لِلتَّعْيِينِ.
الرَّابِعَةُ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، وَلَوْ عَيَّنَهُ وَكَانَ غَيْرَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَلَوْ نَوَى فِي صَلَاتِهِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ نَاسِيًا فَقِيَاسُ الْقَاعِدَةِ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَكَمَا لَوْ نَوَى الْقَضَاءَ فِي الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فِي الصَّوْمِ فَبِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ ذِكْرُهُ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجْهًا أَنَّهُ إذَا نَوَى قَضَاءَ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّانِي أَنْ يُجْزِئَهُ فَالْخَطَأُ فِيهِ لَا يُؤَثِّرُ كَنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ الصُّوَرِ قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَافِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ (الصَّلَاةِ) فَإِنَّ مَنْ عَلَيْهِ صُبْحُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَضَى صُبْحَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لَا يُجْزِئُهُ. وَكَذَا فِي الصَّوْمِ، وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لَوْ قَالَ: أَصُومُ غَدًا يَوْمَ الْأَحَدِ وَهُوَ غَيْرُهُ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، أَوْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ الَّذِي أَنَا فِيهِ وَهُوَ مِنْ سَنَةٍ غَيْرِ الَّتِي هِيَ فِيهِ جَازَ: انْتَهَى فَاقْتَضَى
стр. 1093
الْقَطْعَ فِي السَّنَةِ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَفِي الْيَوْمِ خِلَافٌ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْفَرْضُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ مِنْهُ مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا (وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) مِنْهُ مَا يُحْسَبُ قَطْعًا. وَمِنْهُ مَا فِيهِ خِلَافٌ (وَالْأَصَحُّ الْحُصُولُ) . فَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ.
وَمِنْهُ لَوْ أَتَى بِالصَّلَاةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا سُنَّةٌ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ عَطَسَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَبَنَى عَلَى الْفَاتِحَةِ لَا يُحْسَبُ.
وَلَوْ سَلَّمَ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ سَلَّمَ الْأُولَى ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَا يُحْسَبُ عَنْ فَرْضِهِ فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ قَطَعَ بِهِمَا الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
وَمِنْ الثَّانِي: مَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً ثُمَّ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَقُومُ مَقَامَ سُجُودِ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ لِاعْتِقَادِهِ فِيهِ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ. بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ.
وَمِنْهُ مَا لَوْ سَجَدَ (سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّابِعَةِ لَا تَقُومُ مَقَامَ) سَجْدَتَيْ الْفَرْضِ قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ
стр. 1094
قَبْلَهُ ثُمَّ رَأَيْت الشَّاشِيَّ فِي الْحِلْيَةِ حَكَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى فَرْضِهِ ثُمَّ رَأَيْت الدَّارِمِيَّ صَرَّحَ بِالْوَجْهَيْنِ فَقَالَ: لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَتَيْنِ فَهَلْ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ هَلْ تَقُومُ مَقَامَ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ؟ وَكَذَلِكَ إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ.
قُلْت: وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ (التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ وَقَعَ فِي مَوْضِعِهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ سُنَّةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ ظَنُّهُ فِي عَدَمِ الِاحْتِسَابِ بِهِ عَنْ الْفَرْضِ وَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ تَقَعْ فِي مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الثَّانِيَةِ.
وَمِنْهُ لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ الْجَنَابَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ بِنَاءً عَلَى تَأَدِّي الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ.
وَمِنْهُ: لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَلَوْ تَوَضَّأَ احْتِيَاطًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا لَمْ يُجْزِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهُ: لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا.
стр. 1095
وَمِنْ الثَّالِثِ: مَا لَوْ نَوَى الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ عَنْ الْفَرْضِ.
وَمِنْ الرَّابِعِ صُوَرٌ: (أَحَدُهُمَا) إذَا جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَظُنُّهُ الْأَوَّلَ ثُمَّ بَانَ الْحَالُّ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ بَلْ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ، وَحَكَى فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا إذَا قَامَ لِخَامِسَةٍ الْخِلَافَ الْآتِي هَا هُنَا. فَإِذَا قَامَ إلَى خَامِسَةٍ سَهْوًا وَكَانَ قَدْ أَتَى بِالتَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ عَلَى نِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَفِي احْتِيَاجِهِ لِإِعَادَتِهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَامَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ إلَى ثَالِثَةٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ سَلَّمَ وَأَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْآنَ نَفْلٌ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ، أَنَّهُ يُجْزِيهِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْأُولَى وَكَانَ قَدْ جَلَسَ عَقِبَ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ بِقَصْدِ الِاسْتِرَاحَةِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ أَتَى بِالسَّجْدَتَيْنِ جَمِيعًا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَحْسِبُ عَنْ الْجُلُوسِ.
وَلَوْ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ السَّجْدَتَيْنِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَقِيَاسُ قِيَامِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ مَقَامَ الْقُعُودِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قِيَامُ السَّجْدَتَيْنِ مَقَامَ (السَّجْدَتَيْنِ) ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْ الدَّارِمِيِّ التَّصْرِيحُ بِهِ.
стр. 1096
الثَّالِثَةُ: إذَا (قَرَأَ) الْإِمَامُ آيَةَ سَجْدَةٍ ثُمَّ هَوَى فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ بِنِيَّةِ (سُجُودِ التِّلَاوَةِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ حَالِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَسْجُدُهَا ثُمَّ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ بَلْ رَكَعَ) (فَهَلْ يُحْسَبُ لِلْمَأْمُومِ هَذَا الرُّكُوعُ لِكَوْنِ الْمُتَابَعَةِ وَقَعَتْ وَاجِبَةً وَلَا يَضُرُّهُ الْجَهْلُ وَلَا قَصْدُ السُّجُودِ) لِلتِّلَاوَةِ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (أَمْ لَا يُحْسَبُ) لِكَوْنِهِ أَتَى بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ وَهُوَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ؟ الْأَقْرَبُ: الْحُصُولُ.
(الرَّابِعَةُ) إذَا صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ ثُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ الْأُولَى وَقَعَتْ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ فَقِيَاسُ هَذِهِ النَّظَائِرِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ أَوْقَعَهَا بِقَصْدِ النَّفْلِ وَبِهِ أَجَابَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ قَالَ: أَنَا أَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فِي الصَّلَاةِ تَطَوُّعًا ثُمَّ إذَا فَرَغْت مِنْهَا قَرَأْت مَرَّةً أُخْرَى فَرْضًا فَإِذَا قَرَأَهَا أَوَّلًا بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَقْرَأْ أُخْرَى أَجْزَأَهُ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ قَالَ: وَكَذَا لَوْ (قَالَ) : آتِي (بِرُكُوعٍ) (أَوَّلًا) (تَطَوُّعًا ثُمَّ) آتِي بِرُكُوعِ الْفَرْضِ فَإِذَا أَتَى بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ الْفَرْضِ وَلَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ.
السَّادِسَةُ: أَغْفَلَ الْمُتَوَضِّئُ لُمْعَةً فِي الْأُولَى فَانْغَسَلَتْ بِنِيَّةِ التَّكْرَارِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ النَّفَلَ.
стр. 1097
السَّابِعَةُ: صَلَّى (الصَّبِيُّ) ثُمَّ بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَ مَا صَلَّى فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّامِنَةُ: إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا وَلَا إعَادَةَ.
التَّاسِعَةُ: إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ صَائِمًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ وَلَا قَضَاءَ وَفِيهِ وَجْهٌ (ضَعِيفٌ) عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ فِي الصَّبِيِّ إنَّمَا يَظْهَرُ جَعْلُهَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ إذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ النَّوَوِيِّ وَشَرَطَهَا الرَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الصَّوْمُ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ كَانَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْفَرْضِ فَنَوَى طَوَافًا نَفْلًا وَقَعَ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الطَّوَافَ بِالنِّيَّةِ إلَى غَرَضٍ آخَرَ فَهَلْ يَفْسُدُ وَفِيهِ خِلَافٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَفْسُدُ بِهِ عَنْ (الزِّيَارَةِ) وَلَا عَنْ (الْوَدَاعِ) (الْحَادِيَةَ عَشَرَةَ) يَقُومُ (النَّفَلُ مَقَامَ الْفَرْضِ) فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ (وَيُحْسَبُ عَنْهُ) إذَا تَرَكَ الْفَرْضَ سَاهِيًا فَتَكْمُلُ الزَّكَاةُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْفَرَائِضِ قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إنْ تَرَكَ الْفَرْضَ نَاسِيًا (فِي الدُّنْيَا) . تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ضَابِطًا لِلصُّوَرِ الَّتِي يَتَأَدَّى الْفَرْضُ فِيهَا بِنِيَّةِ
стр. 1098
النَّفْلِ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَبَقَتْ نِيَّةٌ (تَشْمَلُ) الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ جَمِيعًا ثُمَّ يَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْعِبَادَةِ يَنْوِي بِهِ النَّفَلَ وَيُصَادِفُ بَقَاءَ الْفَرْضِ عَلَيْهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ مَوْجُودَةٌ حَقِيقَةً (وَتِلْكَ ضِمْنًا وَاسْتِصْحَابًا، وَأَصَحُّهُمَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ نِيَّةِ الْفَرْضِ الشَّامِلَةِ لَهُ حُكْمُ الْمَوْجُودِ حَقِيقَةً) وَلِهَذَا صَحَّتْ الْعِبَادَةُ مَعَ غَفْلَتِهِ اسْتِصْحَابًا وَالْبَاءُ بَاءُ الْمُصَاحَبَةِ أَيْ هَلْ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ، بِنِيَّتِهِ السَّابِقَةِ الشَّامِلَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ مَعَ مَا صَحِبَهَا مِنْ نِيَّةِ النَّفْلِ.
قُلْت: وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ مُنْفَصِلًا كَمَنْ تَرَكَ لُمْعَةً فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ (لَا يَتَأَدَّى) بِغُسْلِ الْجُمُعَةِ (وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ) (فَإِنْ) لَمْ تَشْمَلْهَا النِّيَّةُ كَسَجْدَتَيْ السَّهْوِ لَمْ (يَتَأَدَّ) بِهَا، وَإِنْ شَمَلَتْهَا وَوَقَعَتْ فِي (صُلْبِ) الْعِبَادَةِ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ تَأَدَّى بِهَا الْفَرْضُ وَإِلَّا فَكَمَسْأَلَةِ التَّسْلِيمِ فِي اعْتِقَادِهِ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّلَاةِ.
الثَّانِي: التَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ قِيَامِ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَفْلٍ حَقِيقَةً بَلْ وَاجِبٌ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّهِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إنَّمَا حَصَلَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ حُصُولُ الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبِ وَلَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ، وَيَدُلُّ (لِذَلِكَ) أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي يَوْمِ الشَّكِّ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ فِيهِ
стр. 1099
ثُمَّ تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ حَقِيقَةً (وَإِقْدَامُهُ) عَلَى الْأَكْلِ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ لَا يُخْرِجُ الْفِطْرَ عَنْ كَوْنِهِ حَرَامًا وَعَلَى هَذَا فَفِطْرُ يَوْمِ الشَّكِّ حَرَامٌ لَا (إثْمَ) فِيهِ، وَكَذَا (فِي مَسْأَلَةِ) (التَّشَهُّدِ) وَالْجُلُوسِ وَغُسْلِ اللُّمْعَةِ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَنْ الْوَاجِبِ وَكَذَا الْبَاقِي.
تَأَدَّى (النَّفَلُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ) لَا يُؤَثِّرُ.
كَمَا إذَا صَلَّى مُعْتَقِدًا أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِهَا فَرْضٌ فَالْأَصَحُّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ أَدَّى سُنَّةً بِاعْتِقَادِ الْفَرْضِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ.
وَمِنْهَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ لَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ عَلَى أَنَّهُ سُجُودُ صُلْبِ الصَّلَاةِ يُحْسَبُ سُجُودُهُ كَمَا لَوْ صَلَّى النَّفَلَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ يُصَلِّي الْفَرْضَ يَصِحُّ نَفْلُهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
(وَمِنْهَا تَحْصُلُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْفَرْضِ) .
الْخَامِسَ عَشَرَ: لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِي النِّيَّةِ إلَّا فِيمَا إذَا اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ كَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَذْبَحُ وَيَنْوِي عَنْهُ وَأَهْمَلَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قِسْمًا ثَالِثًا وَهُوَ مَا إذَا وَكَّلَ فِي النِّيَّةِ وَحْدَهَا وَذَبَحَ هُوَ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ كَمَا لَوْ نَوَى هُوَ وَوَكَّلَ فِي الذَّبْحِ غَيْرَهُ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِعَدَمِ اقْتِرَانِهَا بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ وَكِيلِهِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ يَوْمًا بِلَا عُذْرٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ
стр. 1100
مَنْ يَصُومُ عَنْهُ وَيَنْوِي فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ عَنْ الْإِمَامِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ.
ضَوَابِطُ:
مَقَاصِدُ اللَّفْظِ عَلَى نِيَّةِ اللَّافِظِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ (وَاحِدٍ) وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهَا عَلَى نِيَّةِ الْقَاضِي دُونَ الْحَالِفِ.
(سَائِرُ) الْعِبَادَاتِ يَدْخُلُ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا إلَّا الصَّلَاةُ فَلَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ التَّكْبِيرِ.
قَالَ الْمَرْعَشِيُّ تَشْرِيكُ النِّيَّةِ مَعَ (الْفَرْضِ لَا يَجُوزُ) إلَّا فِي خَمْسَةِ مَسَائِلَ: الْحَجُّ الْوَاجِبُ إذَا قَرَنَهُ بِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وَمَنْ تَوَضَّأَ يُرِيدُ الْوُضُوءَ (وَالتَّبَرُّدَ) وَمَنْ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ فَيَجُوزُ (وَالْمَأْمُومُ) يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا وَالرَّدَّ عَلَى الْإِمَامِ فَيَجُوزُ.
[النِّيَابَةُ فِي الْعِبَادَاتِ]
ِ مِنْهَا مَا لَا يُقْبَلُ بِالْإِجْمَاعِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ الْحَيِّ الْقَادِرِ وَالْجِهَادِ عَنْهُ.
وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. تَبَعًا لَهُ وَرَدِّ (الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ) .
стр. 1101
وَمِنْهَا مَا فِيهِ خِلَافٌ كَالصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْحَجِّ عَنْ الْحَيِّ وَكَذَلِكَ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (﵁) وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْوُضُوءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ إذَا طَافَ بِهِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ عَنْهُ وَيَتَوَضَّأُ عَنْهُ لَكِنْ لَوْ أَحْدَثَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ الطَّوَافِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَلِيِّ التَّجْدِيدُ.
وَمِنْهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْأَصَحِّ وَخَالَفَ طَلَبُ الْقِبْلَةِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَهُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَلَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ مُشَاهَدَةٍ.
[النَّهْيُ إنْ رَجَعَ إلَى شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ]
النَّهْيُ.
إنْ رَجَعَ إلَى شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ أَفْسَدَ وَإِلَّا فَلَا.
وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ صَوْمُ (يَوْمِ) الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ وَلَا الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ وَالصَّلَاةُ بِالنَّجَاسَةِ وَعُرْيَانًا وَنَحْوُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ أَوْ الْمَغْصُوبِ (أَوْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ) أَوْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ.
وَقَسَمَهُ الْمُحَقِّقُونَ إلَى ثَلَاثَةِ (أَقْسَامٍ) : (نَهْيٌ) وَرَدَ لِعَيْنِهِ فَيُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَبَيْعِ (الْحُرِّ) وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ.
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مِنْ حَيْثُ
стр. 1102
الْأَصْلِ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْوَصْفِ فَلَا يُوجِبُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ.
وَنَهْيٌ وَرَدَ لِغَيْرِهِ وَلَكِنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ اتِّصَالٌ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ وَصْفِهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَعِنْدَهُمْ لَا يَقْتَضِيهِ فَإِذَا بَاعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَالْبَيْعُ مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ وَذَلِكَ حَلَالٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ حَرَامًا بِاعْتِبَارِ الدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَقْدَ يَصِحُّ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْعَقْدِ صَارَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهِ فَالْفَسَادُ مُتَّصِلٌ بِوَصْفِ الْعَقْدِ مِنْ هَذَا (الْوَجْهِ) وَهَكَذَا سَائِرُ صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلِهَذَا عِنْدَنَا لَا يُفِيدُ الْمُلْكُ خِلَافًا لَهُمْ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ هَذَا الْأَصْلُ.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي التَّأْثِيمِ الْعِلْمُ بِالنَّهْيِ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: يَأْثَمُ الْخَاطِبُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ إذَا عَلِمَ بِالنَّهْيِ، وَكَذَا فِي السَّوْمِ عَلَى سَوْمِهِ وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ، فَأَمَّا النَّجَشُ فَإِنَّهُ يَعْصِي سَوَاءٌ عَلِمَ (النَّهْيَ) أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ وَالْخِيَانَةَ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ فِي الشَّرِيعَةِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ (ذَلِكَ) لَا يَعْرِفُ حُرْمَتَهُ إلَّا الْخَوَاصُّ.
قُلْت: وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ تَفْرِيقِ الرَّافِعِيِّ بَيْنَهُمَا بِإِدْرَاكِ الْعَقْلِ حُرْمَتَهُ وَلَا مَعْنَى لِمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ بِنَصِّ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵁) فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ بِالْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فِي النَّجْشِ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ (﵁) النَّهْيُ الْعَامُّ فِي الْغُرُورِ وَالْخِيَانَةِ وَمُرَادُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّهْيَ الْخَاصَّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا.
стр. 1103
[حَرْفُ الْهَاءِ] [ الْهَوَاءُ فِي الْأَرْضِ وَالْبِنَاءُ تَابِعٌ لِأَصْلِهِ]
فَهَوَاءُ الطَّلْقِ طَلْقٌ وَهَوَاءُ الْوَقْفِ وَقْفٌ وَهَوَاءُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ وَهَوَاءُ الشَّارِعِ الْمُشْتَرَكِ مُشْتَرَكٌ وَهَوَاءُ الدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُسْتَأْجَرٌ حَتَّى لَوْ أَرَادَ (الْأَجِيرُ) أَنْ يَبْنِيَ جَنَاحًا فِي هَوَاءِ الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَةِ مُنِعَ وَلِذَلِكَ لِأَهْلِ الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إشْرَاعَ شَيْءٍ فِي هَوَائِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ بِئْرًا وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ بِإِزَائِهَا جُدْرَانًا وَسَقَفَ عَلَيْهَا سَقْفًا يَمُرُّ فِي هَوَاءِ الْبِئْرِ مَنَعْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبِئْرِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ، (فِي) بَابِ الْغَصْبِ مِنْ التَّهْذِيبِ.
وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ (جِدَارِهِ) فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ رَمْيَهُ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَنْفِيرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا قَبْلُ، أَمَّا إذَا رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ - ضَمِنَ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ أَنْ يُدَلِّيَ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ وَيَمْكُثَ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ لِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ.
وَلَوْ صَلَّى عَلَى لَوْحٍ فِي هَوَاءِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ (عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ) وَتَوَجَّهَ إلَى هَوَاءِ الْبَيْتِ وَصَلَّى يَصِحُّ فَجَعَلْنَا هَوَاءَ الْبَيْتِ كَالْبَيْتِ.
стр. 1104
[حَرْفُ الْوَاوِ] [ الْوَاجِبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
الْأَوَّلُ: (الْمُتَحَقِّقُ) فِيهِ الْجَوَازُ لَكِنَّ الْجَوَازَ فِيهِ أَصْلٌ (أَوْ دَخَلَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ) وَالْمُلَازَمَةِ خِلَافٌ (يَنْبَنِي) أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ جَائِزٌ أَمْ لَا وَخَرَجَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْوَافِي فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْجَنَابَةَ دُونَ الْجُمُعَةِ أَجْزَاهُ عَنْ الْجَنَابَةِ وَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ؟ قَوْلَانِ: قَالَ: فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ جَائِزٍ يَقُولُ: لَا يَحْصُلُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ، وَمَنْ قَالَ: وَاجِبٌ وَجَائِزٌ (يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّ التَّنْظِيفَ تَابِعٌ وَنِيَّةَ الْقُرْبَةِ قَدْ وُجِدَتْ بِنِيَّةِ الْجَنَابَةِ فَجَازَ.
الثَّانِي: يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ وَيُطَالَبُ بِأَدَائِهِ وَهُوَ الدَّيْنُ عَلَى الْمُوسِرِ وَكُلُّ عِبَادَةٍ وَجَبَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا.
стр. 1105
ثَانِيهَا: مَا (ثَبَتَ) فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ (وَقَبْلَ) التَّمَكُّنِ.
ثَالِثُهَا: مَا (لَا) يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ يَجِبُ تَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ (وَعَدَمِ الْإِخْلَافِ) (لَا) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ.
الثَّالِثُ: الْوَاجِبُ إذَا فَاتَ بِالتَّأْخِيرِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَوْ جَبْرُهُ بِالْكَفَّارَةِ إلَّا فِي صُوَرٍ سَبَقَتْ (فِي مَبَاحِثِ الْقَضَاءِ) .
وَمِمَّا (لَمْ) يَسْبِقْ اللُّقَطَةُ إذَا قُلْنَا: يَجِبُ الِالْتِقَاطُ فَتَرَكَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِذَا قَضَى الزَّوْجَانِ الْحَجَّ عَمَّا (أَفْسَدَاهُ) بِالْجِمَاعِ يَغْرَمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَالْجَدِيدُ لَا يَجِبُ وَالْقَدِيمُ يَجِبُ فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَا أَثِمَا وَصَحَّ حَجُّهُمَا وَهَذَا وَاجِبٌ لَا يُجْبَرُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
الرَّابِعُ: الْوَاجِبُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ وَقَدْ سَبَقَتْ فُرُوعُهُ (فِي حَرْفِ الْفَاءِ) .
стр. 1106
الْخَامِسُ: الْوَاجِبُ إذَا قُدِّرَ بِشَيْءٍ فَعَدَلَ إلَى مَا فَوْقَهُ (هَلْ) يُجْزِئُهُ.
وَضَابِطُهُ: أَنَّ مَا كَانَ يَجْمَعُهُمَا نَوْعٌ وَاحِدٌ أَجْزَأَ وَمَا لَا فَلَا وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ: (أَحَدُهَا) مَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ دَفَعَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ مَعَ أَنَّ وَاجِبَهَا شَاةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ كُلُّهُ فَرْضًا أَوْ حَسْبُهُ.
وَمِنْهُ قِيَامُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَقَامَ (مَسْجِدِ) الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى (عِنْدَ نَذْرِهِمَا لِلِاعْتِكَافِ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا (وَلَا عَكْسَ لِأَنَّهُمَا مَفْضُولَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَقِيَامُ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى) وَلَا عَكْسَ.
وَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ فَصَلَّى فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ.
الثَّانِي: مَا يَجْرِي فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا وَجَبَ فِي الْفِطْرَةِ قُوتُ نَفْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ فَعَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْهُ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا، وَادَّعَى الرَّافِعِيُّ (فِيهِ) الِاتِّفَاقَ لَكِنْ فِيهِ وَجْهٌ فِي الْحَاوِي.
(وَمِنْهَا) لَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ أَجْزَأَ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ وَزِيَادَةٌ وَادَّعَى الْإِمَامُ فِيهِ الْوِفَاقَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ تَخْفِيفًا وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَعَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ غَسْلِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ قَطْعًا لِإِتْلَافِهِ
стр. 1107
وَمِثْلُهُ) لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ نَاوِيًا رَفْعَ الْجَنَابَةِ يَصِحُّ (فِي) الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ الْغُسْلُ وَإِنَّمَا حُطَّ عَنْهُ تَخْفِيفًا كَمَا (قُلْنَا) فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَكَلَامُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي تَصْوِيرَ هَذَا بِالْغَالِطِ وَأَنَّ (الْمُتَعَمَّدَ) لَا يَصِحُّ وَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُدَّةٍ مُتَفَرِّقَةٍ (أَجْزَأَهُ التَّتَابُعُ) فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ.
الثَّالِثُ مَا لَا يُجْزِئُ قَطْعًا كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِدِرْهَمٍ لَمْ يُجْزَ بِدِينَارٍ.
وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَأَخْرَجَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الصُّورَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمِنْ لَطِيفِ الْقَوْلِ (أَنَّا) إذَا أَوْجَبْنَا الْعُمْرَةَ لَمْ تَقُمْ حَجَّةٌ مَقَامَهَا وَإِنْ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ (وَزَادَتْ وَيُقِيمُ الْغُسْلَ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَهَذَا مِنْ أَصْدَقِ الْأَدِلَّةِ عَلَى تَغَايُرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) .
وَمِنْ هَذَا: لَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَ بِدِينَارٍ لَمْ يَصِحَّ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِبَعْضِهِمْ.
الرَّابِعُ: مَا لَا يُجْزِئُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا لَزِمَهُ الْمَشْيُ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ
стр. 1108
وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ فِي الْحَجِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَالْمَشْيَ نَوْعَانِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَفْضَلُ مَقَامَ غَيْرِ الْأَفْضَلِ كَمَا لَا تُجْزِئُ الصَّدَقَةُ بِالذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ.
وَمِثْلُهُ: لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ مِنْ (دُوَيْرَةِ) أَهْلِهِ لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ قُلْنَا: الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ.
وَمِنْهَا: لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ وَلَمْ (يُرَتِّبْ) أَعْضَاءَهُ فَالْأَصَحُّ لَا يُجْزَى لِتَرْكِهِ (التَّرْتِيبَ) وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يُحِلُّ الْأَعْضَاءَ الْأَرْبَعَةَ فَلَوْ قُلْنَا: يُحِلُّ الْبَدَنَ جَمِيعَهُ صَحَّ.
وَمِنْهَا: لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ لَمْ تَسْقُطْ. قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَفِي الْكِفَايَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ وَقَعَ قَدْرُ الْوَاجِبِ زَكَاةً وَالْبَاقِي تَطَوُّعًا.
وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاةً بِعَيْنِهَا فَذَبَحَ عِوَضَهَا بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً لَمْ تُجْزِ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَحَكَى فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ الرَّوْضَةِ فِيهِ الْخِلَافَ.
الْبَحْثُ السَّادِسُ: الْوَاجِبُ الْمُقَدَّرُ إذَا أُتِيَ بِهِ وَزِيدَ عَلَيْهِ هَلْ يَتَّصِفُ الْكُلُّ بِالْوُجُوبِ أَوْ (الْمُقَدَّرُ) الْوَاجِبُ وَالزَّائِدُ سُنَّةٌ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ طَوَّلَ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَمِيعَ يَكُونُ وَاجِبًا وَالثَّانِي يَقَعُ مَا زَادَ سُنَّةً.
وَمِثْلُهُ: الْخِلَافُ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَفِي الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَقَالَ فِي الْأُضْحِيَّةِ: الْأَرْجَحُ
стр. 1109
فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ تَطَوُّعًا، وَكَذَا قَالَ فِي (بَابِ الدِّمَاءِ فِي الْبَدَنَةِ) أَوْ الْبَقَرَةِ الْمُخْرَجَةِ عَنْ الشَّاةِ الْأَصَحُّ أَنَّ الْفَرْضَ يَتْبَعُهَا.
وَهَذَا (مَا) لَمْ يَتَمَيَّزْ (فَإِنْ تَمَيَّزَ) وَوَقَعَ مُرَتَّبًا فَالزَّائِدُ نَفْلٌ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ قَطْعًا أَوْ يَجْرِي الْخِلَافُ طَرِيقَانِ صَحَّحَ فِي (الْأُضْحِيَّةِ مِنْ الرَّوْضَةِ) الثَّانِيَ وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ الْأَوَّلِ لِوُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ.
وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ دُفْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا أَجْزَأَ الْآخَرُ عَنْ كَفَّارَتِهِ (فَإِنْ أَعْتَقَهُمَا) مُرَتِّبًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الثَّانِي أَجْزَأَ الْأَوَّلُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ لَمْ يَجْزِهِ وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقْت الثَّانِيَ عَنْ كَفَّارَةِ ظِهَارِي؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْهِ.
السَّابِعُ: يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ إلَى مَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ (وَإِلَى مَا هُوَ عَلَى) التَّرَاخِي فَاَلَّذِي عَلَى التَّرَاخِي يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَثَانِيهِمَا: بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ.
وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَجَبَ قَضَاؤُهُ (عَلَى الْفَوْرِ لِأَنَّهُ صَارَ) عَلَى الْفَوْرِ
стр. 1110
بِإِحْرَامِهِ وَعَدَّاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ سَبَقَ فِي حَرْفِ الشَّيْنِ فِي (فَصْلِ الشُّرُوعِ) .
الثَّامِنُ: وَقَدْ يَجِبُ الشَّيْءُ وَيَسْقُطُ (لِتَعَارُضِ) الْمُقْتَضِي وَالْمَانِعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأَمَتِهِ هَلْ وَجَبَ (الْمَهْرُ) ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَجْهَانِ، وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهَا السَّيِّدُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ قُلْنَا: لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ أَصْلًا وَجَبَ بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: وَجَبَ ثُمَّ سَقَطَ لَمْ يَجِبْ بِالدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَوْفَى.
وَمِنْهَا: الْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ هَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ثُمَّ سَقَطَ أَوْ لَمْ يَجِبْ (أَصْلًا؟ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ) الثَّانِي كَمَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ.
وَزَعَمَ الْإِمَامُ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِنْ فَوَائِدِهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِهِ.
وَمِنْهَا: الْمَسْبُوقُ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ وَهَلْ يُقَالُ (يَحْمِلُهَا) (الْإِمَامُ عَنْهُ) (أَوْ) لَمْ تَجِبْ أَصْلًا؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَفَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا.
стр. 1111
التَّاسِعُ: إذَا امْتَنَعَ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْوَاجِبِ فَإِنْ لَمْ تَدْخُلْهُ النِّيَابَةُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ (تَعَالَى) نُظِرَ إنْ (كَانَتْ) صَلَاةً طُولِبَ بِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ صَوْمًا حُبِسَ وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.
وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ حُبِسَ (حَتَّى يَفْعَلَهُ كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ الِاخْتِيَارِ إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ وَكَالْمُقِرِّ بِمُبْهَمٍ يُحْبَسُ) حَتَّى يُبَيِّنَ.
وَأَمَّا إذَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ وَقَدْ سَبَقَتْ صُورَةٌ (فِي حَرْفِ الْكَافِ) .
الْعَاشِرُ: مَا كَانَ صِفَةً لِلْوَاجِبِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ إلَّا فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا: إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ، وَقُلْنَا: إنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِنَّ فَرْضَ الْجَمَاعَةِ لَا يَسْقُطُ وَإِنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَحْدَهُ.
الثَّانِيَةُ: إذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَحْدَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إنَّهُ يَصِحُّ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا مَعَ الْإِمَامِ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَنَصَّ عَلَيْهِ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (﵁) فِي الْأُمِّ.
стр. 1112
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ (يَوْمَ) الْجُمُعَةِ خَارِجَ الصَّحْرَاءِ.
[الْوَارِثُ فِي قِيَامِهِ مَقَامَ الْمُورِثِ]
ِ) (فِيمَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى) أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا وَهُوَ فِي مَا لَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْحُقُوقِ وَيُقْبَلُ بَيَانُهُ فِي الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ وَحَلِفُهُ إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ (يَمِينٌ) وَمَاتَ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (صِدْقُهُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ) عَدَمُهُ (حَرُمَ أَوْ اسْتَوَيَا) فَوَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْوَدِيعَةِ.
وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّك (فَأَدَّى) الْحَقَّ (لِوَارِثِهِ) (يَبْرَأُ) (وَاسْتَشْكَلَهُ) الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَإِنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لِلْوَرَثَةِ وَالدَّفْعَ مَا حَصَلَ لِلْمَحْلُوفِ (عَلَيْهِ وَإِنَّمَا حَصَلَ) لِوَارِثِهِ.
(وَمِنْهُ) التَّحَالُفُ (يَقُومُ وَارِثُ) الْمُتَبَايِعَيْنِ مَقَامَهُمَا وَكَذَلِكَ
стр. 1113
أَحَدُهُمَا مَعَ وَارِثِ الْآخَرِ.
وَمِثْلُهُ: الْإِقَالَةُ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهَا أَنَّهَا تَجُوزُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْوَصَايَا (أَنَّهَا تَجُوزُ) مَعَ الْمُشْتَرِي وَوَارِثِ الْبَائِعِ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَوْ اسْتَأْجَرُوا مَنْ يَحُجُّ عَنْ مُورِثِهِمْ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَوْصَى بِهَا ثُمَّ تَقَايَلُوا مَعَ الْأَجِيرِ لَمْ تَصِحَّ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ (لَهُمْ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ الْإِقَالَةُ لِوُقُوعِ الْعَقْدِ لِمُورِثِهِمْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ (لَهُمْ) فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ كَوُجُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ مِنْهُ وَأَصْلَحُ جَازَ وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَضَاقَ (الْوَقْتُ) امْتَنَعَ.
الثَّانِي: مَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَمَا إذَا مَاتَ الْعَاقِدُ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ، وَكَمَوْتِ الْمُسْتَأْجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ لَا (يَفْسَخُ) الْإِجَارَةَ وَلَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَيَقُومَ مَقَامَ (وَارِثِهِ) اسْتِصْحَابًا لِدَوَامِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ وَمَاتَ فَجَاءَ مَنْ يَدَّعِي اسْتِحْقَاقَهُ فَهَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ (لَتُنَفَّذَ) الْوَصِيَّةُ فِيهِ احْتِمَالَانِ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ مِنْ الرَّافِعِيِّ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَاَلَّذِي (جَزَمَ بِهِ) الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ حَلِفُ الْوَارِثِ.
الثَّالِثُ: مَا لَا يَقُومُ مَقَامَهُ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِرْقَاقِ وَالْوَلَاءِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ
стр. 1114
فِي (الطَّلَاقِ) الْمُبْهَمِ.
الرَّابِعُ: مَا لَا يَقُومُ فِي الْأَصَحِّ كَحَوْلِ الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْحَجِّ لَا يَبْنِي الْوَارِثُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْقَبُولُ لِإِيجَابِ الْبَيْعِ وَفِيهِ وَجْهٌ لِلدَّارِكِيِّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَخُرِقَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ.
وَلَوْ حَلَفَ فِي الْقَسَامَةِ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْيَمِينِ لَمْ (يُبِنْ) وَارِثُهُ فِي الْأَصَحِّ.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: قَدْ (يَثْبُتُ) الْحَقُّ لِلْوَارِثِ مَعَ حَيَاةِ (الْمُورِثِ) وَذَلِكَ فِي (الْوَلَاءِ) وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا كَانَ قَاتِلًا كَانَ مِيرَاثُ الْعَتِيقِ لِعَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي بَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمُعْتِقَ إذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ فِسْقٍ (أَوْ غَيْرِهِ) انْتَقَلَ التَّزْوِيجُ إلَى الْأَبْعَدِ مِنْ عَصَبَاتِهِ وَلَمْ (يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا) قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ نُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ (﵁) فِي هَذِهِ أَنَّ الْأَبْعَدَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لَا يُزَوِّجُ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَاقِلَةِ عَلَى أَنَّ الْعَصَبَةَ لَهُمْ حَقٌّ فِي الْوَلَاءِ مَعَ حَيَاةِ الْمُعْتِقِ فَإِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ (فُضَّ) عَلَيْهِمْ، وَنُصَّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ عَصَبَةَ الْمُعْتِقِ الَّذِينَ عَلَى دِينِ (الْعَتِيقِ) يَرِثُونَ الْعَتِيقَ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ حَيًّا فَأَثْبَتَ الشَّافِعِيُّ لَهُمْ الْوَلَاءَ وَالْمِيرَاثَ بِهِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتَقِدِ وَهَذَا يَرُدُّ مَا حَكَاهُ
стр. 1115
الرَّافِعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُمْ لَا يَتَحَمَّلُونَ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ.
الثَّانِي: لَوْ وَرِثَ الْقِصَاصَ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ، وَلَوْ وَرِثَ حَدَّ الْقَذْفِ جَمَاعَةٌ فَعَفَا أَحَدُهُمْ لَمْ يَسْقُطْ وَلِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاؤُهُ، وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْقِصَاصَ إذَا سَقَطَ رُجِعَ إلَى بَدَلٍ وَهُوَ الدِّيَةُ بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ إذَا سَقَطَ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا مُشْتَرَكًا لِجَمَاعَةٍ فَعَفَا أَحَدُ سَادَاتِهِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى بَدَلٍ إذْ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ شَيْءٌ.
[الْوَثَائِقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَعْيَانِ ثَلَاثَةٌ]
ٌ الرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالشَّهَادَةُ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ قُلْت: ثُمَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا يَدْخُلُهُ الثَّلَاثَةُ كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ (وَأُرُوشِ) الْجِنَايَاتِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
وَمِنْهُ مَا يُسْتَوْثَقُ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لَا بِالرَّهْنِ وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ (جَزَمَ) بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِهَا قَالَ: لِأَنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَنُجُومَ الْكِتَابَةِ لَا رَهْنَ فِيهَا وَلَا ضَمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرٍّ وَكَذَلِكَ الْجَعَالَةُ، وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا (يَدْخُلُهَا) الضَّمِينُ.
وَمِنْهُ الْمُسَابَقَةُ إذَا اُسْتُحِقَّ رَهْنُهَا جَازَ الرَّهْنُ وَالضَّمِينُ، وَقِيلَ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ (جَائِزٌ أَوْ لَازِمٌ) .
وَمِنْهُ مَا يَدْخُلُهُ الضَّمِينُ دُونَ الرَّهْنِ وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرْكِ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ
стр. 1116
وَقَدْ يُسْتَدْرَكُ عَلَى الْإِمَامِ (حَصْرُ) الْوَثَائِقِ فِي ثَلَاثٍ (بِأُمُورٍ) مِنْهَا: الْحَبْسُ عَلَى الْحُقُوقِ إلَى الْوَفَاءِ (أَوْ حُضُورِ) الْغَيْبِ وَإِفَاقَةِ الْمَجَانِينِ وَبُلُوغِ الصِّبْيَانِ.
وَمِنْهَا حَبْسُ الْمَبِيعِ (حَتَّى يَقْبِضَ) الثَّمَنَ، وَكَذَلِكَ مَنْعُ الْمَرْأَةِ (تَسْلِيمَ) نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ الْمَهْرَ وَغَيْرُ (ذَلِكَ) .
[الْوَصْفُ التَّامُّ لَا يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ]
فِي الْبَيْعِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَقُومُ مَقَامَهَا فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَفِي بَابِ الدَّعْوَى، وَكَذَا السَّلَمُ إذَا كَانَ الْوَصْفُ لَا يُؤَدِّي إلَى (عِزَّةِ) الْوُجُودِ وَفِي الْجَعَالَةِ لَوْ شَرَطَ الْجُعَلَ بِسَلْبِ الْعَبْدِ أَوْ ثِيَابِهِ وَوَصَفَهُ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ وَإِلَّا فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ جَوَابٌ عَلَى أَنَّ (اسْتِيفَاءَ) الْأَوْصَافِ فِي الْبَيْعِ عَلَى وَجْهٍ يُفِيدُ الْإِحَاطَةَ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كَانَ (كَالْمُسْتَأْجَرِ) .
[الْوَطْءُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ عَلَى أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: يُعْتَبَرُ (فِيهِ) كُلُّ (وَاحِدٍ) مِنْ الْوَاطِئَيْنِ بِحَالِ نَفْسِهِ وَهُوَ
стр. 1117
الْحَدُّ وَالْغُسْلُ (فَأَيُّهُمَا كَانَ) مُكَلَّفًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا.
ثَانِيهَا: مَا (يُعْتَبَرُ بِالْوَاطِئِ) دُونَ الْمَوْطُوءَةِ وَهُوَ لُحُوقُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْوَاطِئُ زَانِيًا لَحِقَ النَّسَبُ (وَوَجَبَتْ) الْعِدَّةُ، وَحَيْثُ كَانَ زَانِيًا (لَا يَثْبُتَانِ)
ثَالِثُهَا: يُعْتَبَرُ بِالْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ وَهُوَ وُجُوبُ الْمَهْرِ فَإِنْ كَانَتْ زَانِيَةً لَمْ تَسْتَحِقَّ الْمَهْرَ وَإِلَّا اسْتَحَقَّتْ وَلَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ الْوَاطِئِ أَنَّهُ زَانٍ أَوْ غَيْرُ زَانٍ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَتَبِعُوهُ.
الثَّانِي: الْوَطْءُ مَعَ الْفَسْخِ بِعَيْبِ النِّكَاحِ مَضْمُونٌ بِلَا خِلَافٍ إمَّا بِالْمُسَمَّى عَلَى قَوْلٍ أَوْ بِالْمَهْرِ عَلَى قَوْلٍ وَفِي بَابِ الْبَيْعِ (فِي) رَدِّ الْجَارِيَةِ بِالْعَيْبِ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي الْفَسْخِ بِالْعَيْبِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْوَطْءَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ فَوَجَبَ بَدَلُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَالْوَطْءُ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْعَقْدُ عَلَى الرَّقَبَةِ وَالْوَطْءُ مَنْفَعَةُ مِلْكِهِ فَلَمْ يُقَابِلْهُ بِعِوَضٍ.
الثَّالِثُ: لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فِي النِّكَاحِ حُكْمُهُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ، وَالْأَحْكَامُ الْمُوجِبَةُ لِلْوَطْءِ فِيهِ عَشْرَةٌ: وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ سَوَاءٌ سَمَّى لَهَا فِي الْعَقْدِ شَيْئًا أَمْ لَا، يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إذَا أَتَتْ
стр. 1118
بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُمَا مَعًا، تَحْرُمُ (عَلَى آبَائِهِ) مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَجَدَّاتُهَا نَسَبًا وَرَضَاعًا، تَصِيرُ فِرَاشًا بِهَذَا الْوَطْءِ وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ يَمْلِكُ بِهِ اللِّعَانَ وَهُوَ إذَا قَذَفَهَا بِزِنًى وَانْتَفَى مِنْ حَمْلِهَا أَوْ وَلَدِهَا، قَالَ: وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ بِمُلْكِ الْيَمِينِ سَبْعَةٌ: تَصِيرُ فِرَاشًا بِنَفْسِ الْوَطْءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، تَحْرُمُ عَلَى آبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا (عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا) يَجِبُ (عَلَيْهَا) الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنْ (ادَّعَتْ) وَحَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَلْحَقْهُ وَكَانَ مَنْفِيًّا عَنْهُ (بِلَا لِعَانٍ) وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمَتِهِ هَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الصَّدَاقِ: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْلُوَ الْوَطْءُ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْيَمِينِ مَعَ كَوْنِهِ (مُحْتَرَمًا) عَنْ الْمَهْرِ إذَا أَمْكَنَ تَقْرِيرُهُ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: الذِّمِّيَّةُ إذَا نُكِحَتْ فِي الشِّرْكِ عَلَى التَّفْوِيضِ وَكَانُوا يَرَوْنَ سُقُوطَ الْمَهْرِ عِنْدَ الْمَسِيسِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ مِنْ عَبْدِهِ فَلَا يَثْبُتُ الْمَهْرُ أَصْلًا.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ (الصُّورَتَيْنِ) فَلَا يُتَصَوَّرُ خُلُوُّ مَسِيسٍ فِي نِكَاحٍ عَنْ مَهْرٍ هَذَا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ قَاطِبَةً فِي طُرُقِهِمْ.
قَالَ الْقَاضِي: إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا وَهِيَ مُفَوِّضَةٌ: طَأْنِي وَلَا مَهْرَ عَلَيْك؛ فَلَا يَبْعُدُ
стр. 1119
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ عِنْدَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْحَقِّ وَقَدْ سَلَّطَتْهُ مَعَ الرِّضَا بِنَفْيِ الْمَهْرِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا (قَالَتْ) أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ فَوَطِئَهَا ظَانًّا حِلَّهُ فَفِي وُجُوبِ الْمَهْرِ قَوْلَانِ (انْتَهَى) .
وَعَبَّرَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ كُلَّ وَطْءٍ لَا يَخْلُو عَنْ مَهْرٍ أَوْ عُقُوبَةٍ إلَّا فِي مَسَائِلَ: هَاتَانِ " وَالثَّالِثَةُ: وَطْءُ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ الْمَبِيعَةَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ لَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ.
الرَّابِعَةُ: السَّفِيهُ إذَا تَزَوَّجَ رَشِيدَةً بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَوَطِئَ فَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ.
الْخَامِسَةُ: أَعْتَقَ الْمَرِيضُ أَمَتَهٌ وَتَزَوَّجَهَا وَكَانَتْ ثُلُثَ مَالِهِ.
السَّادِسَةُ: إذَا أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْوَطْءِ فَوَطِئَ عَلَى ظَنِّ الْحِلِّ.
السَّابِعَةُ: إذَا وُطِئَتْ الْمُرْتَدَّةُ وَالْحَرْبِيَّةُ بِشُبْهَةٍ.
الثَّامِنَةُ: إذَا وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهٌ.
التَّاسِعَةُ: وَطْءُ (الزَّوْجِ) مَا عَدَا الْوَطْأَةَ الْأُولَى عَلَى (وَجْهِ أَنَّ) الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْأَةِ الْأُولَى خَاصَّةً.
الْخَامِسُ: الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ كَهُوَ فِي الْقُبُلِ إلَّا فِي سَبْعِ صُوَرٍ ذَكَرَهَا فِي الرَّوْضَةِ: التَّحْصِينُ
стр. 1120
وَالتَّحْلِيلُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْفَيْئَةِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْعُنَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُ الْبِكْرِ عَلَى الصَّحِيحِ وَاذَا وُطِئَتْ الْكَبِيرَةُ فِي فَرْجِهَا وَقَضَتْ وَطَرَهَا وَاغْتَسَلَتْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا الْمَنِيُّ وَجَبَ إعَادَةُ الْغُسْلِ فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دُبُرِهَا) لَمْ تُعِدْ.
وَالسَّابِعَةُ: لَا يَحِلُّ بِحَالٍ وَالْقُبُلُ يَحِلُّ فِي الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ.
وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ (بِصُوَرٍ) : (إحْدَاهَا) إذَا وَطِئَ بَهِيمَةً وَقُلْنَا: إذَا وَطِئَهَا فِي (الْقُبُلِ) تُقْتَلُ فَلَا تُقْتَلُ هَا هُنَا (بِنَاءً) عَلَى أَنَّ عِلَّةَ قَتْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَلِدَ آدَمِيًّا.
وَمِنْهَا: لَا أَثَرَ لِوَطْءِ (الْبَائِعِ) فِي قُبُلِ الْخُنْثَى فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي دُبُرِهِ فَسْخٌ كَقُبُلِ غَيْرِ الْخُنْثَى.
وَمِنْهَا: الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ هَلْ يُثْبِتُ الْمُصَاهَرَةَ، إنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْقُبُلُ فَذَاكَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ الْتِحَاقَهُ بِالْقُبُلِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يَجِبُ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ؟ قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: نَعَمْ.
(وَمِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ) فَوَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ فَوَجْهَانِ فِي الْكِفَايَةِ وَجَزَمَ فِي الرَّوْضَةِ بِالْحِنْثِ وَسَبَقَ أَنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ.
وَمِنْهَا: لَوْ وَطِئَ أَمَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْ السَّيِّدَ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ
стр. 1121
الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ.
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ كَانَ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِيبَةٌ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ.
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ سَقَطَتْ حَصَانَتُهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا إذَا وَطِئَ غُلَامًا جُلِدَ الْمَفْعُولُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَمَّا الْفَاعِلُ فَإِنْ كَانَ ثَيِّبًا رُجِمَ (أَوْ بِكْرًا) جُلِدَ.
وَمِنْهَا لَوْ أَوْلَجَ ذَكَرَهُ فِي دُبُرِ رَجُلٍ كَانَ جُنُبًا لَا مُحْدِثًا فِي الْأَصَحِّ بِخِلَافِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ.
وَمِنْهَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي دُبُرِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَانَ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا عَلَى وَجْهٍ.
وَمِنْهَا وَطِئَهَا فِي دُبُرِهَا وَهِيَ بِكْرٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ فَهَلْ يُقْسِمُ لَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي قَسَمَ بِكْرٍ أَمْ ثَيِّبٍ.
السَّادِسُ: الْوَطْءُ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْقَوْلِ فِي الْإِجَازَةِ وَالْفَسْخِ وَنَحْوِهِمَا؟ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُهُ وَقَدْ يُظَنُّ تَعَارُضُهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ (لَهَا) مَأْخَذٌ يَظْهَرُ بِضَابِطٍ فَنَقُولُ: (هُوَ) أَنْوَاعٌ.
الْأَوَّلُ: مَا مَلَّكَهُ لِلْغَيْرِ وَتَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ كَالْوَصِيَّةِ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا فَلَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُوصَى بِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ (إحْبَالٌ) وَوَطْءُ الْمُدَبَّرَةِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْ التَّدْبِيرِ عَزَلَ أَمْ لَا.
стр. 1122
الثَّانِي: مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ مُنَجَّزًا فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ فِيهِ اسْتِرْجَاعًا.
وَلِهَذَا لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ بِالْفَلَسِ بِوَطْءِ الْبَائِعِ الْجَارِيَةَ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَكُونُ وَطْءُ الْأَبِ الْمَوْهُوبَةَ رُجُوعًا فِي هِبَةِ وَلَدِهِ عَلَى (الصَّحِيحِ) .
وَمِثْلُهُ لَوْ بَاعَ أَمَتَهُ بِعَبْدٍ وَوَجَدَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَلَهُ الْفَسْخُ وَاسْتِرْجَاعُ الْأَمَةِ فَلَوْ وَطِئَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ (وَفِي الْعَبْدِ) وَاسْتِرْجَاعًا لَهَا لِزَوَالِ مِلْكِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تُشْرِفَ عَلَى الزَّوَالِ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يَحْصُلُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَكَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَوَطِئَ إحْدَاهُنَّ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا لِلنِّكَاحِ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُطَلَّقَةِ لَا يَكُونُ رَجْعَةً.
وَلَوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ وَطِئَ إحْدَاهُمَا (لَا يَكُونُ) تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ أَمَّا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ مُعَيَّنًا بِالنِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا قَطْعًا.
وَلَوْ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ فَلَا يَكُونُ وَطْءُ إحْدَاهُمَا تَعْيِينًا فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَعْيِينٌ.
وَلَوْ وَطِئَ السَّيِّدُ جَارِيَتَهُ الْجَانِيَةَ لَمْ يَكُنْ اخْتِيَارًا لِلْفِدَاءِ فِي الْأَصَحِّ وَالثَّانِي يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهُ كَفَسْخِ الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ خِيَارَ الْبَيْعِ حَصَلَ بِاخْتِيَارِهِ فَسَقَطَ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ (فَإِنَّ) خِيَارَهَا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ
الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ فَسْخًا وَرُجُوعًا.
стр. 1123
فَمِنْهَا وَطْءُ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمُشْتَرِي إجَازَةً وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمِلْكِ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ كَالسَّبْيِ فَكَذَلِكَ دَوَامُهُ.
وَمِنْهَا إذَا ظَهَرَتْ مَعِيبَةً فَذَهَبَ لِيَرُدَّهَا فَوَطِئَهَا فِي الطَّرِيقِ امْتَنَعَ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ.
وَمِنْهَا السَّيِّدُ إذَا وَطِئَ أَمَةَ الْمَأْذُونِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ كَانَ وَطْؤُهَا حَجْرًا عَلَيْهِ فِيهَا وَقِيلَ: يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَعْزِلَ أَمْ لَا كَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ نَعَمْ لَوْ كَانَ فِي الْقِرَاضِ جَارِيَةٌ لَمْ يَجُزْ لِلْمَالِكِ وَطْؤُهَا فَلَوْ وَطِئَ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِلْقِرَاضِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ.
السَّابِعُ: كُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْزَالُ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَهِيَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَسَرَّى لَا يَحْنَثُ إلَّا بِتَحْصِينِ الْجَارِيَةِ وَالْوَطْءِ وَالْإِنْزَالِ.
الثَّامِنُ: الْمِلْكُ الْقَاصِرُ مِنْ ابْتِدَائِهِ لَا يُسْتَبَاحُ فِيهِ الْوَطْءُ بِخِلَافِ مَا (لَوْ) كَانَ الْقُصُورُ طَارِئًا عَلَيْهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ الرَّاهِنُ مِنْ وَطْءِ الْمَرْهُونَةِ
رِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ الْمُرْتَهِنِ.
التَّاسِعُ: الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ لِعَارِضٍ هَلْ يَسْتَتْبِعُ تَحْرِيمَ مُقَدِّمَاتِهِ أَمْ لَا؟ إنْ كَانَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَقُصُورِهِ أَوْ خَشْيَةِ عَدَمِ ثُبُوتِهِ كَالْمُسْتَبْرَأَةِ إذَا مُلِكَتْ بِعَقْدٍ فَيَحْرُمُ سَائِرُ
стр. 1124
الِاسْتِمْتَاعَاتِ بِهَا وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ فَهُوَ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) الْعِبَادَاتُ الْمَانِعَةُ مِنْ الْوَطْءِ وَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَمْتَنِعُ فِيهِ جِنْسُ التَّرَفُّهِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ فَيَمْتَنِعُ الْوَطْءُ وَالْمُبَاشَرَةُ كَالْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ.
وَضَرْبٌ يَمْنَعُ مِنْ الْجِمَاعِ وَمَا أَفْضَى (إلَى الْإِنْزَالِ وَلَا يَمْنَعُ) مِمَّا يَبْعُدُ (إفْضَاؤُهُ) إلَيْهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ وَهُوَ الصِّيَامُ.
الثَّانِي: غَيْرُ الْعِبَادَاتِ (وَهِيَ) عَلَى أَرْبَعَةِ (أَقْسَامٍ) .
الْعَاشِرُ: إنَّمَا يُبَاحُ الْوَطْءُ فِي الْمِلْكِ التَّامِّ دُونَ الْمُزَلْزَلِ.
وَلِهَذَا لَوْ اتَّفَقَ الْغَاصِبُ وَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَالِكَ يَأْخُذُ عَنْ قِيمَةِ الْحَيْلُولَةِ جَارِيَةً وَعَوَّضَهَا لَهُ الْغَاصِبُ جَازَ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا؟ قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: تَفَقُّهًا إنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ الْقِيمَةَ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ مِنْ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ مِلْكًا (تَامًّا) مُسَلَّطًا عَلَى الْوَطْءِ.
стр. 1125
قُلْت: يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فَإِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَالَ فِيمَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ الْمَغْصُوبِ مَعْلُومًا: إنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَحَكَى فِي اسْتِقْرَارِهِ إذَا كَانَ مَجْهُولًا وَجْهَانِ وَقَضِيَّةُ الِاسْتِقْرَارِ حِلُّ الْوَطْءِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّ الْمَالِكَ يَمْلِكُ الْقِيمَةَ (قِيمَةَ فَرْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا عَلَى حُكْمِ رَدِّ الْعَيْنِ وَهَذَا قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الْوَطْءُ.
وَمِنْهَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الْجَارِيَةِ: بِعْتُكهَا وَقَالَ مَنْ هِيَ فِي يَدِهِ: بَلْ وَهَبْتنِيهَا، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الْكَامِلِ: يَحِلُّ لِمُدَّعِي الْهِبَةِ وَطْؤُهَا فِي الْبَاطِنِ إذَا كَانَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ وَكَانَ قَدْ قَبَضَهَا وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي صَادِقًا انْتَهَى.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ تَعَيُّنُ (جِهَةٍ) ؟ (كَلَامُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ) يَقْتَضِي اشْتِرَاطَهُ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا اشْتَرَى زَوْجَتَهُ فَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا فِي زَمَنِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَطَأُ بِالزَّوْجِيَّةِ أَوْ (بِالْمِلْكِ) .
الْحَادِيَ عَشَرَ: كُلُّ وَطْءٍ مُحَرَّمٍ إنْ حُرِّمَ لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ (وَجَبَتْ) فِيهِ الْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَإِنْ (حَرُمَ) لَا لِحُرْمَةِ الْعِبَادَةِ لَمْ يَجِبْ كَوَطْءِ الْحَائِضِ عَلَى الْجَدِيدِ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَهِيَ مَنْقُوضَةٌ بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَعَ أَنَّهُ لَا لِحُرْمَةِ عِبَادَةٍ.
следующие страницы →