Полный текст (1 194 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الشُّهُودِ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقْطَعُوا النِّكَاحَ، لِجَوَازِ كَذِبِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ، وَالثَّابِتُ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ مَنْ حَالَ بَيْنَ شَخْصٍ وَبَيْنَ مِلْكِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ، كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ، فَإِذَا عَادَ الْعَبْدُ رَدَّ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَاسْتَرْجَعَ الْعَبْدَ.
وَلَك أَنْ تُقَسِّمَ مَسَائِلَ الْحَيْلُولَةِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) : مَا يَغْرَمُ (الْحَائِلُ) قَطْعًا وَعَكْسُهُ، وَمَا يَغْرَمُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَعَكْسُهُ.
فَالْأَوَّلُ كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْأَمْوَالِ وَمِنْهُ إذَا ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ وَسَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ، وَكَتَبَ بِهَا إلَى قَاضِي بَلَدِ (الْعَيْنِ) لِيُسَلِّمَهَا لِلْمُدَّعِي بِكَفِيلٍ لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا، وَفِي هَذَا حَيْلُولَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَمَالِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، قَالَ الْفُورَانِيُّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ الطَّالِبِ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَيْضًا.
(وَالثَّانِي) : كَالْحَيْلُولَةِ الْفِعْلِيَّةِ فِي الْقِصَاصِ، كَمَا إذَا حَالَ بَيْنَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَمُسْتَحِقُّ الدَّمِ.
(الثَّالِثُ) : كَغَالِبِ أَحْوَالِ الْحَيْلُولَةِ الْقَوْلِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ.
(الرَّابِعُ) : كَمَا إذَا قَطَعَ صَحِيحُ الْأُنْمُلَةِ الْوُسْطَى (مَنْ) لَا عُلْيَا لَهُ، فَهَلْ لَهُ طَلَبُ
стр. 457
الْأَرْشِ لِلْحَيْلُولَةِ؟ (وَجْهَانِ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يَعْفُو عَنْ الْجَانِي، فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ هَلْ يَكُونُ عَفْوًا عَنْ الْقِصَاصِ، وَإِذَا سَقَطَتْ الْعُلْيَا، هَلْ يَرُدُّهُ وَيَقْتَصُّ، حَكَى الْمُتَوَلِّي وَجْهَيْنِ وَبَنَاهُمَا عَلَى مَا لَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمِثْلِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ وَيُطَالِبُ بِالْمِثْلِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ شَبَّهَ الْوَجْهَيْنِ بِالْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَبِالْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ ثُمَّ زَالَ الْعَيْبُ الْحَادِثُ، (فَهَلْ) لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ (وَالْأَرْشَ) وَيَسْتَرِدَّ الثَّمَنَ.
وَلَوْ ثَبَتَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، وَأَخَّرْنَا الِاسْتِيفَاءَ لِلْوَضْعِ وَطَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَالَ لِلتَّأْخِيرِ فَفِي إعْطَائِهِ مِنْ غَيْرِ عَفْوٍ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ، إذَا لَمْ يَعْفُ، وَقَالُوا إنَّ أَخْذَهُ الدِّيَةِ، عَفْوٌ عَنْ الْقِصَاصِ.
وَمِنْهُ لَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ، الْمُسْلَمَ، إلَيْهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مَئُونَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ أَحْبَلَ الْأَبُ جَارِيَةَ الِابْنِ امْتَنَعَ بَيْعُهَا عَلَى الِابْنِ، لِأَنَّهَا حَامِلٌ بِحُرٍّ، وَفِي وَجْهٍ عَلَى الْأَبِ قِيمَتُهَا فِي الْحَالِ، ثُمَّ يَسْتَرِدُّ عِنْدَ الْوَضْعِ، وَالْأَصَحُّ لَا، لِاسْتِمْرَارِ يَدِ الْوَلَدِ عَلَيْهَا وَانْتِفَاعِهِ بِالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ ثَمَنُ عَبْدٍ وَصَدَّقَهُ سُلِّمَ الْعَبْدُ إلَيْهِ وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ وَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ الْمَالِكُ وَبَرِئَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ بِالْعَبْدِ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْأَلْفَ، وَهَلْ يَمْلِكُهَا السَّيِّدُ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: (نَعَمْ) (كَحُكْمِ) الْحَاكِمِ الثَّانِي يَكُونُ كَالْمُحْتَالِ عَلَى حَقِّهِ أَيْ كَالْحَيْلُولَةِ كَذَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
стр. 458
[الْحِيَلُ]
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أَوَاخِرِ الصَّدَاقِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: الْحِيَلُ جَائِزَةٌ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى فِي قِصَّةِ إبْرَاهِيمَ ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩] ، ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] (وَخَلَّصَ) بِهِ (نَفْسَهُ) ، وَاحْتَالَ لِصِدْقِهِ وقَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] .
وَمِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ حَنْظَلَةَ، قَالَ: «خَرَجْنَا وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ نُرِيد النَّبِيَّ ﷺ فَأَخَذَهُ أَعْدَاءٌ لَهُ فَحَرِجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْت أَنَّهُ أَخِي فَخَلَّى عَنْهُ الْعَدُوُّ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ صَدَقْت الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ» فَأَجَازَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهُ
стр. 459
قُلْت وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ (بِحَدِيثِ بِلَالٍ فِي شِرَاءِ التَّمْرِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ (الشِّرَى) مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي أَوْ غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ (﵂)
стр. 460
«إذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْخُذْ عَلَى أَنْفِهِ وَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (هُوَ) حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ (سَمِعْت) (الدَّارَقُطْنِيّ) يَقُولُ (سَمِعْت) أَبَا بَكْرٍ الشَّافِعِيَّ الصَّيْرَفِيَّ يَقُولُ كُلُّ مَنْ أَفْتَى مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْحِيَلِ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ (هَذَا الْحَدِيثِ) ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْحِيَلِ مَا كَانَ مُبَاحًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مُبَاحٍ فَأَمَّا فِعْلُ (الْمَحْظُورِ لِيَصِلَ بِهِ إلَى الْمُبَاحِ) ، فَلَا يَجُوزُ وَقَدْ أَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ الْحِيلَةَ الْمَحْظُورَةَ لِيَصِلَ بِهَا إلَى الْمُبَاحِ، (وَقَدْ رَوَى) ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ (﵁) أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ إلَيْهِ زَوْجَهَا، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا ارْتَدِّي لِيُفْسَخَ النِّكَاحُ، وَحُكِيَ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَبِّلْ أُمَّ امْرَأَتَك
стр. 461
بِشَهْوَةٍ فَإِنَّ نِكَاحَ زَوْجَتِك يَنْفَسِخُ.
وَالدَّلِيلُ (عَلَى) (أَنَّ) مِثْلَ هَذَا لَا يَجُوزُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَاقَبَ مِنْ احْتَالَ بِحِيلَةٍ مَحْظُورَةٍ فَقَالَ (تَعَالَى) ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، وَكَانَ السَّمَكُ لَا يَدْخُلُ مَوْضِعَ (يَصْطَادُونَهُ) فِيهِ، إلَّا يَوْمَ السَّبْتِ فَاحْتَالُوا بِأَنْ وَضَعُوا الشِّبَاكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ السَّمَكُ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَخَذُوهُ يَوْمَ الْأَحَدِ فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى قِرَدَةً.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» (وَلَمَّا نَظَرَ) مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إلَى هَذَا قَالَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَصَّلَ إلَى الْمُبَاحِ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ نَاقَضَ فِي الْمَشْهُودِ لَهُ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ (فَقَالَ) (إنَّهَا تَحِلُّ) لَهُ (وَكَذَلِكَ) قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ (يَحْرُمُ) مُعَالَجَةُ الْخَمْرِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ خَلًّا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى الْمُحَرَّمِ
стр. 462
بِالْعِلَاجِ وَالِاحْتِيَالِ فَهُوَ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ.
قَالَ الْقَاضِي فَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي الْأَيْمَانِ فَضَرْبَانِ. حِيلَةٌ تَمْنَعُ الْحِنْثَ وَحِيلَةٌ تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ: فَاَلَّتِي تَمْنَعُ الْحِنْثَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : الْخُلْعُ فِي النِّكَاحِ وَإِزَالَةُ الْمِلْكِ فِي الرَّقِيقِ، فَإِذَا قَالَ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا) ، فَالْحِيلَةُ فِي دُخُولِهَا أَنْ يُخَالِعَهَا فَتَبِينُ، ثُمَّ تَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَيَعْقِدُ النِّكَاحَ عَلَيْهَا.
وَإِذَا قَالَ (لِعَبْدِهِ) إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَبِيعَهُ ثُمَّ يَدْخُلُ الدَّارَ فَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ.
وَالْحِيلَةُ الْعَامَّةُ أَسْهَلُ (فِي) هَذِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا (فَإِنْ) دَخَلَتْ (الدَّارَ) لَمْ تَطْلُقْ وَفِي (الرِّقِّ) (يَقُولُ) لِعَبْدِهِ: كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك عِتْقِي (فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ) فَيَدْخُلُ الدَّارَ وَلَا يَعْتِقُ.
стр. 463
قُلْت أَمَّا مَسْأَلَةُ الْخُلْعِ فَقَدْ ذَكَرَهَا الْأَصْحَابُ وَأَخَذُوهُ مِنْ أَنَّهُ، لَوْ وَقَعَ لَكَانَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهَا تَعُودُ بِمَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ (فَالطَّلَاقُ) لَوْ قِيلَ بِوُقُوعِهِ فَهُوَ الْمَمْلُوكُ الَّذِي كَانَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّعْلِيقَ وَالصِّفَةَ كِلَاهُمَا حَالُ الْمِلْكِ وَإِنَّمَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَلْيُنْظَرْ إلَى أَنَّهَا هَلْ (تَمْنَعُ) الْوُقُوعَ أَمْ لَا.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا الْحِيلَةٌ الْمَانِعَةُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ، فَكَمَنْ حَلَفَ كَانَ يَمِينُهُ عَلَى نِيَّتِهِ دُونَ مَا يُظَنُّ بِهِ، إلَّا إذَا حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ.
هَذَا إذَا كَانَ (فِيمَا) هُوَ حَقٌّ عِنْدَهُمَا، فَأَمَّا مَا هُوَ حَقٌّ عِنْدَ الْحَاكِمِ ظُلْمٌ عِنْدَ الْحَالِفِ كَالْحَنَفِيِّ يَعْتَقِدُ شُفْعَةَ الْجِوَارِ وَالْحَالِفُ لَا يَعْتَقِدُهَا يَحْلِفُ (لَا يَسْتَحِقُّ) عَلَى الشُّفْعَةِ، وَيَنْوِي عَلَى قَوْلِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ بَارًّا فِي يَمِينِهِ قَالَ: وَعَلَى هَذَا كُلُّ الْأَيْمَانِ عِنْد الْحَاكِمِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ (إنَّ) النِّيَّةَ (فِيهِ) (نِيَّةُ) الْمُسْتَحْلِفِ أَبَدًا، وَهَذَا غَلَطٌ.
وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لِنَفْسِهِ فَالنِّيَّةُ نِيَّتُهُ أَبَدًا، فَإِذَا نَوَى غَيْرَ مَا نَطَقَ بِهِ، وَكَانَ (سَائِغًا) بَرَّ فِي يَمِينِهِ، فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ كَانَ قَدْ فَعَلَهُ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ وَنَوَى أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ كَانَ بَارًّا فِي يَمِينِهِ، وَكَذَا غَيْرُ هَذَا مِمَّا لَهُ اسْمٌ فِي اللُّغَةِ، فَقَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَنَوَى (نِسَاءً لَا امْرَأَتَهُ) ، أَوْ قَالَ كُلُّ جَارِيَةٍ لِي حُرَّةٌ وَنَوَى بِذَلِكَ السُّفُنَ صَحَّ (فَلَوْ) قَالَ لَهَا إنْ تَزَوَّجْت عَلَيْك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى بِعَلَيْك
стр. 464
عَلَى ظَهْرِك أَوْ عَلَى رَقَبَتِك لَمْ يَحْنَثْ، فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فَعَلَ شَيْئًا، وَجَعَلَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي، لَا النَّافِيَةِ صَحَّ.
(وَلَوْ) قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: طَلَّقْت فُلَانَةَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: نَعَمْ وَنَوَى بِنَعَمْ إبِلَ بَنِي فُلَانٍ، لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: نَعَامٌ، يَعْنِي نَعَامَ الْبَرِّ صَحَّ، وَإِذَا حَلَفَ مَا كَاتَبْت فُلَانًا وَلَا عَرَفْته وَلَا شَفَعْت لَهُ وَلَا سَأَلْته حَاجَةً قَطُّ، وَنَوَى بِالْكِتَابَةِ كِتَابَةَ الْعَبِيدِ، وَمَا جَعَلْته عَرِيفًا، (وَمَا شَفَعْت شُفْعَتَهُ) وَمَا (سَأَلْته) حَاجَةً يَعْنِي (شَجَرَةً) صَغِيرَةً فِي الْبِئْرِ يُقَالُ لَهَا الْحَاجَةُ لَمْ يَحْنَثْ. هَذَا آخَرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي التَّلْخِيصِ: الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ شُفْعَةِ الْجِوَارِ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ، لِأَنَّهَا حِيلَةٌ فِي إبْطَالِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبِ.
وَأَمَّا الْحِيلَةُ فِي إبْطَالِ الشُّفْعَةِ بِالْمُشَارَكَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا يَحِلُّ لَهُ، (وَإِنْ) كَانَ قَبْلَ (وُجُوبِهَا) قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُكْرَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَحَّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ (يُبَاحُ) ، وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ تَجُوزُ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ آخَرُ: لَا تَجُوزُ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ (الضَّرَرِ) ، وَالْحِيلَةُ تَمْنَعُ دَفْعَ (الضَّرَرِ) ، قُلْنَا إنَّمَا يَجِبُ زَوَالُ الضَّرَرِ عَنْ الشَّفِيعِ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا (بِكَمَالِهَا) ، (فَأَمَّا) إذَا لَمْ تُوجَدْ، فَلَا يُقَالُ إنَّ
стр. 465
فِي ذَلِكَ مَنْعًا لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُشْتَرِي.
حِيلَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ عَنْ الْمَجْهُولِ: طَرِيقُهُ أَنْ يَذْكُرَ غَايَةً يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ (﵁) فِي الْبُوَيْطِيِّ إلَى ذَلِكَ، فَقَالَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَّلَ رَجُلًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْرَأْ، حَتَّى يُبَيِّنَ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ حَلَّلَهُ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا انْتَهَى.
لَيْسَ (لِأَبِي الزَّوْجَةِ الْعَفْوُ) عَنْ الصَّدَاقِ، فَإِنْ أَرَادَهُ فَطَرِيقُهُ فِي إبْرَاءِ الزَّوْجِ مِنْ الصَّدَاقِ أَنْ تُخَالِعَ زَوْجَهَا (عَلَى الصَّدَاقِ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ (فَيَصِيرُ لِلزَّوْجِ) فِي ذِمَّةِ الْأَبِ أَلْفٌ مَثَلًا وَلَهَا فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ أَلْفٌ فَيُحِيلُ (الزَّوْجُ) بِنْتَه عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ مِنْ ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْأَبِ، وَلَا يَتَخَلَّصُ بِالضَّمَانِ إذْ لَا (أَصِيلَ) هَا هُنَا.
حِيلَةٌ تُسْقِطُ الِاسْتِبْرَاءَ عَلَى الْمَذْهَبِ: وَهِيَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ الْبَائِعُ قَبْلَ (الْبَيْعِ) ثُمَّ يُعْتِقُهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَيَجُوزُ لَهُ (تَزْوِيجُهَا) ، كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَتَجِيءُ صُورَةٌ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ أَنْ (يَشْتَرِيَهَا) ثُمَّ يُزَوِّجَهَا لِغَيْرِهِ فَيُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ فِي الْحَالِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَحِلُّ لِلسَّيِّدِ عَلَى وَجْهٍ، قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، وَيُقَالُ
стр. 466
أَنَّهُ عَلَّمَهُ (لِلرَّشِيدِ) فِي أَمَةٍ أَرَادَ وَطْئَهَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كُنْت فِي مَجْلِسِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الشَّاشِيِّ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ هَذَا الثَّوْبَ وَقَدْ احْتَاجَ لِلُبْسِهِ، فَقَالَ (سُلَّ مِنْهُ خَيْطًا فَسَلَّ مِنْهُ) قَدْرَ الْأُصْبُعِ أَوْ الشِّبْرِ، ثُمَّ قَالَ الْبَسْ لَا شَيْءَ عَلَيْك وَأَيَّدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] لِأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى الْمَفْهُومِ فِي الْعُرْفِ.
(حَلَفَ) لَا بِعْت هَذَا الثَّوْبَ لِزَيْدٍ فَبَاعَهُ النِّصْفَ، وَوَهَبَهُ النِّصْفَ لَمْ يَحْنَثْ (لِأَنَّ الْيَمِينَ وَقَعَتْ عَلَى بَيْعِ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَحْنَثْ) بِبَعْضِهِ.
حَلَفَ (لَيَشْتَرِيَنَّ) جَارِيَةً فَاشْتَرَى سَفِينَةً (بَرَّ) ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵀) . رَجُلٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ فَقَالَ إنْ لَمْ آخُذْهُ مِنْك الْيَوْمَ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ صَاحِبُهُ إنْ (أَعْطَيْته) (الْيَوْمَ) ، فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَالطَّرِيقُ أَنْ (يَأْخُذَهُ)
стр. 467
مِنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ جَبْرًا، وَلَا يَحْنَثَانِ، قَالَهُ صَاحِبُ الْكَافِي.
الْحِيلَةُ فِيمَا (إذَا) ادَّعَى (أَدَاءَ) عَلَيْهِ وَأَرَادَ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ (بِحَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ) أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْمُدَّعِي قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَبْرَأَنِي، كَذَا قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إقْرَارًا مِنْهُ، بِخِلَافِ دَعْوَى الْإِبْرَاءِ وَالِاسْتِيفَاءِ.
الْحِيلَةُ فِي أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِالْعَيْبِ، إذَا جَاءَ إلَيْهِ أَنْ يَقُولَ اعْرِضْهُ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا لَا يُسَاوِي هَذَا الثَّمَنَ فَرُدَّهُ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ وَأَرَادَ الرَّدَّ قَالَ الْقَفَّالُ، لَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الرَّدِّ (بِلَا شَكٍّ) . قُلْت، وَلَا شَكَّ فِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ، لِإِبْطَالِ حَقِّهِ.
(لَوْ) صَالَحَ عَلَى (أَنَّهُ) يَسْقِي دَوَابَّهُ الْمَاءَ مِنْ بِئْرِهِ لَا يَجُوزُ، (قَالَ) الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ سَهْمًا مِنْ الْقَنَاةِ، ثُمَّ الْمَاءُ (يَسْتَتْبِعُ) الْقَنَاةَ.
وَلَوْ بَاعَ الْمَرْعَى لَا يَجُوزُ، وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَبِيعَ الْكَلَأَ بِدِينَارٍ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي رَعْيِ الْمَاشِيَةِ (فِي الْمَرْعَى) ، (قَالَ) الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ، إذَا مَلَكَ أَرْضًا لَهَا حَشِيشٌ فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ الْحَشِيشِ عَلَى مَالٍ لِتَرْعَى فِيهِ الْمَوَاشِي لَا يَصِحُّ، إلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الْقَلْعِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الْحَشِيشَ رَطْبًا، لِتَأْكُلَهُ الْمَوَاشِي. فَطَرِيقُهُ أَنْ
стр. 468
يَشْتَرِيَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، ثُمَّ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ حَتَّى تَكُونَ الْعُرُوقُ مَمْلُوكَةً لَهُ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ (يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى لَا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ) يَكُونُ لِلْبَائِعِ، (فَإِذَا) لَمْ يَقْطَعْ وَحَدَثَتْ زِيَادَةٌ تَكُونُ مَسْأَلَةُ اخْتِلَاطِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ.
إذَا (شَهِدَا) عِنْدَ قَاضٍ أَنَّك حَكَمْت بِكَذَا (وَلَمْ) يَتَذَكَّرْ لَمْ يَعْتَمِدْهَا، وَالطَّرِيقُ أَنْ (يُجَدِّدَ) الْمُدَّعِي الدَّعْوَى، وَيَشْهَدَانِ لَهُ بِالْحَقِّ.
لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّسَبِ حِسِّيَّةٌ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهَا تُقْبَلُ (أَثْبَتَ الْقَاضِي النَّسَبَ وَأَسْجَلَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ) ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَنْظُرَ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ فَتُنْكِرُ هِيَ فَيُقِيمُ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، وَتَجُوزُ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْحَاجَةِ. وَقِيلَ لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةَ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِهَا.
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا ثُمَّ حَلَفَ عَلَى أَكْلِ مَا فِي كُمِّ زَيْدٍ وَكَانَ فِيهِ بَيْضٌ، فَطَرِيقُ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْحَلْوَى، وَيَأْكُلَهَا وَيُقَالُ إنَّ الْقَفَّالَ سُئِلَ (عَنْهَا) وَهُوَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ فَتَوَقَّفَ فَأَجَابَ الْمَسْعُودِيُّ بِهَذَا، فَمِنْ ثَمَّ قِيلَ قُفِلَ (عَلَى) الْقَفَّالِ، وَسَعِدَ بِهَا الْمَسْعُودِيُّ.
يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ وَبَعْضُهُمْ الْقُرْبَةَ جَازَ
стр. 469
وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَعْضُهُمْ مُسْلِمٌ، وَنَوَى التَّضْحِيَةَ بِحِصَّتِهِ جَازَ وَطَرِيقُ قِسْمَةِ اللَّحْمِ إنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا أَنْ (يُعَيِّنُوا) اللَّحْمَ أَجْزَاءً، وَيُعَيِّنُوا بِاسْمِ كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهَا) جُزْءًا ثُمَّ يَبِيعُ صَاحِبُ كُلِّ جُزْءٍ نَصِيبَهُ مِنْ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَشْتَرِي مَا لِأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ بِالدَّرَاهِمِ وَيَتَقَاصُّوا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، إذَا أَرَدْت الْحِيلَةَ فِي قَسْمِ (الْفَاكِهَةِ) الرَّطْبَةِ، وَقُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ، فَإِنَّك تَجْعَلُهَا جُزْأَيْنِ، وَيَبْتَاعُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ الْآخَرِ نِصْفَ (الْجُزْءِ) الَّذِي اخْتَارَهُ بِدِينَارٍ (وَيَبِيعُ) عَلَى شَرِيكِهِ نِصْفَ (الْجُزْءِ) الْآخَرِ وَيَتَقَاصَّانِ الدِّينَارَ بِالدِّينَارِ، وَيَسْتَقِرُّ (مِلْكُ) كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِصَّتِهِ.
إذَا صَرَفَ مِنْهُ (دِينَارًا) بِعِشْرِينَ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ، فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ مِنْ مَالٍ (آخَرَ) ، فَلَوْ اسْتَقْرَضَهُ (مِمَّا) أَخَذَ مِنْهُ إنْ كَانَ قَبْلَ التَّخَايُرِ لَا يَجُوزُ (لِأَنَّ) التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ انْبِرَامِ الْعَقْدِ بَيْنَهُمَا بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّخَايُرِ يَجُوزُ إنْ قُلْنَا أَنَّ التَّخَايُرَ لَا يُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ التَّفَرُّقِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ.
حِيلَة فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ أَنْ يَشْتَرِيَ عَبْدًا صَغِيرًا وَيُزَوِّجَهَا مِنْهُ (بِرِضَاهَا) (ثُمَّ
стр. 470
يَسْتَدْخِلُ) حَشَفَتَهُ ثُمَّ يَبِيعُ الْعَبْدَ مِنْهَا (فَيَنْفَسِخُ) النِّكَاحَ، وَيَحْصُلُ التَّحْلِيلُ قَالُوا وَهَذَا مِنْ لَطَائِفِ الْحِيَلِ، لِأَنَّهُ يَخْشَى مِنْ الزَّوْجِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ، وَأَنْ يَحْصُلَ بِوَطْئِهِ الْعُلُوقُ وَهَذِهِ حِيلَةٌ فِي عَدَمِ التَّوَقُّفِ عَلَى الطَّلَاقِ وَعَدَمِ الْعُلُوقِ.
[الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ وَالْمُسْتَمِرَّةُ وَعَيْشُ الْمَذْبُوحِ]
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ تَقَعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ وَيُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ (بَيْنَهَا) فَأَمَّا الْمُسْتَمِرَّةُ فَهِيَ الْبَاقِيَةُ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ إمَّا بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي الثَّانِي.
وَالْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ فِي الْجَسَدِ (وَمَعَهَا) الْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ دُونَ (الِاضْطِرَارِيَّةِ) كَالشَّاةِ، إذَا أَخْرَجَ الذِّئْبُ حَشْوَتَهَا وَأَبَانَهَا (حَرَّكَتْهَا) حَرَكَةً اضْطِرَارِيَّةً، فَلَا تَحِلُّ إذَا ذُبِحَتْ كَمَا لَوْ كَانَ إنْسَانًا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنْ عَضَّهَا الذِّئْبُ، فَقَوَّرَ بَطْنَهَا، وَلَمْ يَنْفَصِلْ كِرْشُهَا فَحَيَاتُهَا مُسْتَقِرَّةٌ (لِأَنَّ حَرَكَتَهَا الِاخْتِيَارِيَّةَ) مَوْجُودَةٌ.
وَلِهَذَا لَوْ طُعِنَ إنْسَانٌ وَقُطِعَ (بِمَوْتِهِ) بَعْدَ سَاعَةٍ أَوْ يَوْمٍ وَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَنَّ حَيَاتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ، وَحَرَكَتُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ مَوْجُودَةٌ، وَلِهَذَا أَمْضَوْا وَصِيَّةَ (أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ) عُمَرَ (بْنِ الْخَطَّابِ) ﵁، بِخِلَافِ مَا إذَا أُبِينَتْ الْحَشْوَةُ؛ لِأَنَّ مَجَارِيَ النَّفْسِ قَدْ ذَهَبَتْ وَصَارَتْ الْحَرَكَةُ اضْطِرَارِيَّةً، وَقَدْ
стр. 471
تَكُونُ الْحَوَاسُّ سَلِيمَةً وَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً وَالْحَرَكَةُ اخْتِيَارِيَّةً، وَيُعْطَى الْإِنْسَانُ فِيهَا حُكْمَ الْأَمْوَاتِ كَالْوَاقِعِ فِي بَحْرٍ لَا يَنْجُو مِنْهُ (وَتَابَ) فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، (فَإِنَّهُ) لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيُقَسَّمُ مَالُهُ وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُقْبَلْ إيمَانُ فِرْعَوْنَ، وَفِي مِثْلِهَا لَوْ أَشْرَفَ إنْسَانٌ عَلَى الْغَرَقِ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.
وَلَوْ كَانَتْ شَاةً فَذَبَحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَلَّتْ (وَأَمَّا حَيَاةُ عَيْشِ الْمَذْبُوحِ وَهِيَ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا) (إبْصَارٌ) وَلَا نُطْقٌ وَلَا حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ، فَإِذَا انْتَهَى الْإِنْسَانُ إلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةِ جَانٍ وَقَتَلَهُ آخَرُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالْقِصَاصُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِنْ انْتَهَى إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَرَضٍ وَقَتَلَهُ قَاتِلٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، قَالَ الْإِمَامُ لَوْ انْتَهَتْ الشَّاةُ بِالْمَرَضِ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ فَذُبِحَتْ (حَلَّتْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، بِخِلَافِ مَا إذَا افْتَرَسَهَا سَبُعٌ، فَوَصَلَتْ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، قَالَ وَلَوْ أَكَلْت الشَّاةُ نَبَاتًا مُضِرًّا، فَصَارَتْ إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ، فَذُبِحَتْ فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخِي فِيهِ وَجْهَيْنِ ثُمَّ قَطَعَ فِي كَثِيرٍ بِنَفْيِ (الْحِلِّ) لِأَنَّهُ وُجِدَ سَبَبٌ يُحَالُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، فَصَارَ كَجُرْحِ السَّبُعِ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الشَّاةَ إذَا انْتَهَتْ بِالْمَرَضِ إلَى حَالَةِ عَدَمِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ، وَذُبِحَتْ حَلَّتْ وَهُوَ نَظِيرُ إيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى (قَاتِلِ) الْمَرِيضِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمَرِيضَ لَوْ انْتَهَى إلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، (وَبَدَتْ) مَخَايِلُهُ وَتَغَيَّرَتْ الْأَنْفَاسُ فِي (الشَّرَاسِفِ) لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ،
стр. 472
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْخَصَ بَصَرُ الْمَيِّتِ أَمْ لَا وَحَالَةُ شُخُوصِ الْبَصَرِ هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يُشَاهِدُ فِيهَا (الْمَيِّتُ) مَلَكَ الْمَوْتِ. وَهَذِهِ الْحَالَةُ (هِيَ) الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا التَّوْبَةُ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨] وَقَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ لَا يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ حُصُولِهَا فِي الشَّاةِ الْمَرِيضَةِ وَيُعْتَبَرُ فِي (أَكِيلَةِ) السَّبُعِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا فَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ (الْمُسْتَقِرَّةُ) بِحَيْثُ لَوْ تُرِكَ (لَبَقِيَ) يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَغَيْرُ (الْمُسْتَقِرَّةِ) لَوْ تُرِكَ لَمَاتَ فِي الْحَالِ، وَقَالَ (غَيْرُهُ) الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ أَنْ لَا تَنْتَهِيَ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَقَالَ فِي الْمُرْشِدِ تُعْرَفُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةِ بِشَيْئَيْنِ (أَحَدُهُمَا - أَنْ تَكُونَ حَالَةُ وُصُولِ السِّكِّينِ إلَى الْحُلْقُومِ
стр. 473
يَطْرِفُ عَيْنُهُ أَوْ يَتَحَرَّكُ ذَنَبُهُ لِأَنَّ) الْحَيَاةَ إذَا زَالَتْ مِنْ أَسْفَلَ لَمْ يَتَحَرَّكْ ذَنَبُهُ، وَيَشْخَصُ بَصَرُهُ - وَالثَّانِي - أَنْ لَا يَتَحَرَّكَ فِيهِ شَيْءٌ بَعْدَ إبَانَةِ الرَّأْسِ، وَلَا (عِبْرَةَ) بِالِاخْتِلَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَكَذَا إنْهَارُ الدَّمِ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ حَرَكَةٍ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ انْفِجَارَ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ وَتَدَفُّقَهُ مَعَ وُجُودِ الْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ مِنْ أَمَارَاتِ بَقَاءِ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ. وَأَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ (وَحْدَهَا) كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مُجَرَّدَ خُرُوجِ الدَّمِ دَلِيلٌ (عَلَى) اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ (وَقَالَ) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ وَقَعَتْ (هَذِهِ) الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى مَرَّاتٍ فَكَانَ الْجَوَابُ فِيهَا أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ تُعْرَفُ بِقَرَائِنَ يُدْرِكُهَا النَّاظِرُ، مِنْ عَلَامَاتِهَا الْحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَجَرَيَانُ الدَّمِ، فَإِذَا حَصَلَتْ قَرِينَةٌ مَعَ (إحْدَاهَا) حَلَّ الْحَيَوَانُ وَالْمُخْتَارُ الْحِلُّ بِالْحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ وَحْدَهَا، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي نَعْتَمِدُهُ انْتَهَى.
وَاسْتَفَدْنَا مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَرَكَةَ الشَّدِيدَةَ، لَا تَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ مَعَهَا، بِخِلَافِ انْفِجَارِ الدَّمِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى قَرِينَةِ الْحَيَاةِ.
قَالَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ مَا يَجُوزُ أَنْ تَبْقَى مَعَ الْحَيَوَانِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ (فَإِنْ) شُقَّ جَوْفُهَا وَظَهَرَتْ الْأَمْعَاءُ وَلَمْ تَنْفَصِلْ (إذَا) (ذُكِّيَتْ) حَلَّتْ،
стр. 474
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ (مُنَزَّلٌ) عَلَى (مَا قَدَّمْنَاهُ) ، قَالَ وَإِذَا جُرِحَتْ الشَّاةُ (وَوَصَلَتْ) إلَى أَدْنَى الرَّمَقِ (فَذُبِحَتْ) ، فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ، وَحَكَى صَاحِبُ الْفُرُوعِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا مَا دَامَتْ تَضْرِبُ بِيَدِهَا وَتَفْتَحُ عَيْنَهَا حَلَّتْ بِالذَّكَاةِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ فِيهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، فَإِنَّ (حَرَكَتَهَا) حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ، (فَلَا) تَحِلُّ، وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ.
فَرْعٌ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْحِلُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ، وَأَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ لِلشَّكِّ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ حَلَّتْ، وَهَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فَرَّقُوا فِيهَا بَيْنَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ.
تَنْبِيهٌ كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُسْتَقِرَّةَ يُعْتَبَرُ وُجُودُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْقَطْعِ لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ ابْتِدَاءِ قَطْعِ الْمَرِيءِ، وَلَكِنْ لَمَّا قُطِعَ بَعْضُ الْحُلْقُومِ انْتَهَى إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لِمَا (نَالَهُ) مِنْ (قَبْلُ) (بِسَبَبِ) قَطْعِ الْقَفَا فَهُوَ حَلَالٌ؛ لِأَنَّ (الْمَعْنَى بِمَا) وَقَعَ التَّعَبُّدُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ (بِقَطْعِ) (الْمَذْبَحِ) انْتَهَى، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَلَامَ الْإِمَامِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ
стр. 475
أَيْضًا بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَرِيءُ - وَالثَّانِي - (عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الَّذِي يَقَعُ الِابْتِدَاءُ بِقَطْعِهِ فِي هَذِهِ) (الصُّورَةِ) الْحُلْقُومُ أَنَّ (الْمَذْهَبَ) الِاكْتِفَاءُ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ، (وَقِيَاسُهُ) أَنْ يَكْتَفِيَ بِكَوْنِ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً فِيمَا إذَا ابْتَدَأَ الْقَطْعَ (مِنْ) مُقَدَّمِ الْعُنُقِ عِنْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ خَاصَّةً أَيْضًا وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ قَوْلُ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الْحَيَاةَ، لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي (قَطْعِ) الْمَرِيءِ وَالْحُلْقُومِ تَحِلُّ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ تَمَامِ (قَطْعِهِمَا) إذَا وُجِدَ الْإِسْرَاعُ عَلَى النَّسَقِ الْمُعْتَادِ لَكِنَّ الَّذِي حَكَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵁) فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهَا إنْ تَحَرَّكَتْ بَعْدَ قَطْعِ رَأْسِهَا أُكِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُؤْكَلْ، وَفَسَّرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ، بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵀) قَالَ إنَّمَا تُعْلَمُ الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ بِشِدَّةِ الْحَرَكَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْحَرَكَةُ شَدِيدَةً بَعْدَ قَطْعِ الرَّقَبَةِ (فَالْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةٌ) ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ إلَى انْتِهَاءِ مَا يَجِبُ قَطْعُهُ بِالذَّكَاةِ، وَهُوَ (يُوَافِقُ) مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ النَّصِّ. (قُلْت) وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ انْتَهَى.
стр. 476
وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ، لَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهَا فَانْتَهَتْ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ بَعْدَ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَبَعْضِ الْمَرِيءِ حَلَّتْ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَحِلَّ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ وَاخْتِيَارِ الْغَزَالِيِّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ الْبَعْضَ فَمَاتَتْ يَكُونُ مَوْتُهَا كَانْتِهَائِهَا إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَهَذَا قِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا (وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ فَتَحِلُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنْ انْتَهَتْ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الْمَرِيءِ، بِخِلَافِ الذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا) لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ هُنَاكَ بِعِصْيَانِهِ بِالذَّبْحِ مِنْ الْقَفَا، لَكِنْ قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ يَجِبُ أَنْ يُسْرِعَ الذَّابِحُ فِي الْقَطْعِ، فَلَا يَتَأَتَّى بِحَيْثُ يَظْهَرُ انْتِهَاءُ الشَّاةِ قَبْلَ اسْتِتْمَامِ قَطْعِ الْمَذْبَحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْمُتَعَبَّدَ بِهِ كَوْنُ الْحَيَاةِ مُسْتَقِرَّةً عِنْدَ الِابْتِدَاءِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُنَا، إذَا تَبَيَّنَ مَصِيرُهُ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهُنَاكَ، إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَالُ، قَالَ النَّوَوِيُّ (وَهَذَا الَّذِي) قَالَهُ خِلَافُ مَا سَبَقَ تَصْرِيحُ الْإِمَامِ بِهِ، بَلْ الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُقَصِّرٌ فِي الثَّانِي فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ لَا تَقْصِيرَ فِي حَقِّهِ، فَلَوْ لَمْ يُحَلِّلْهُ أَدَّى إلَى حَرَجٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ غَيْرِ كَالٍّ، وَيُسْرِعَ فَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ الْقَطْعِ، وَبَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ بِسِكِّينٍ (كَالَّةٍ) ، فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، كَمَا لَوْ تَبَاطَأَ فِي الذَّبْحِ بِالسِّكِّينِ غَيْرِ (الْكَالِّ) .
قَالَ النَّوَوِيُّ، وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ مُلْصَقًا بِاللَّحْيَيْنِ فَوْقَ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَبَانَ الرَّأْسَ، فَلَيْسَ هَذَا بِذَبْحٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَلَوْ أَخَذَ الذَّابِحُ فِي قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، وَأَخَذَ آخَرُ فِي نَزْعِ حَشْوَتِهِ (أَوْ نَخْسِ خَاصِرَتِهِ) لَمْ يَحِلَّ،
стр. 477
لِأَنَّ التَّذْفِيفَ لَمْ يَتَمَحَّضْ لِلْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، (وَإِذَا) اقْتَرَنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِقَطْعِ رَقَبَةِ الشَّاةِ مِنْ قَفَاهَا، بِأَنْ يُجْرِيَ سِكِّينًا مِنْ الْقَفَا وَسِكِّينًا مِنْ الْحُلْقُومِ حَتَّى الْتَقَيَا فَهِيَ مَيْتَةٌ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَ قَطْعُ الْقَفَا وَبَقِيَتْ الْحَيَاةُ مُسْتَقِرَّةً إلَى وُصُولِ السِّكِّينِ الْمَذْبَحِ وَإِنَّمَا أَطَلْت فِي هَذَا الْفَصْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ، وَقَلَّ مَنْ أَتْقَنَهُ.
[الْحَيَوَانُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أُمُورٌ]
الْأَوَّلُ:
كُلُّهُ طَاهِرٌ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، إلَّا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ وَالْمُتَوَلِّدَ مِنْهُمَا، وَفِي الْخِنْزِيرِ قَوْلٌ قَدِيمٌ، اُخْتِيرَ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمَا الْجَلَّالَةُ عَلَى رَأْيِ الرَّافِعِيِّ، أَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الذَّكَاةُ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مَيْتَةٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵁) ، وَمَنَاطُ حِلِّ أَكْلِ الذَّبِيحَةِ هَلْ هُوَ جَوَازُ الذَّبْحِ أَوْ قَصْدُ الْأَكْلِ فِيهِ خِلَافٌ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ مِنْ الصَّائِلَةِ إذَا قُتِلَتْ بِالصِّيَالِ تَرَدَّدَ ابْنُ كَجٍّ فِي حِلِّ أَكْلِهَا وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ، إنْ لَمْ يُصِبْ الْمَذْبَحَ لَمْ تَحِلَّ، وَإِنْ أَصَابَ فَوَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: تَذْكِيَةُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَالْمَجْنُونِ، وَالْأَصَحُّ الْحِلُّ، وَالدَّابَّةُ الْمَوْطُوءَةُ إذَا قُلْنَا تُقْتَلُ، فَذُبِحَتْ فَفِي حِلِّ أَكْلِهَا وَجْهَانِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهَا بِوُجُوبِ قَتْلِهَا الْتَحَقَتْ بِالْمُؤْذِيَاتِ.
الثَّانِي: فِي قَتْلِهِ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا فِيهِ نَفْعٌ بِلَا ضَرَرٍ (فَيَحْرُمُ) قَتْلُهُ.
стр. 478
ثَانِيهَا: مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِلَا نَفْعٍ فَيُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ كَالْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ وَالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَمِنْهُ الْعَنَاكِبُ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السَّمُومِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ (مَنْ) يَمْتَنِعُ مِنْ قَتْلِهَا لِأَنَّهُ عَشَّشَ فِي فَمِ الْغَارِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَذْبَحَ الْحَمَامُ.
ثَالِثُهَا: مَا فِيهِ نَفْعٌ مِنْ وَجْهٍ، كَالصَّقْرِ وَالْبَازِيِّ وَالشَّاهِينِ وَالْعُقَابِ وَنَحْوِهَا، (وَكَالْفَهْدِ) ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ السِّبَاعِ الَّتِي تَصِيدُ، فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يُكْرَهُ قَتْلُهُ لِلضَّرَرِ، وَذُكِرَ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْأُمِّ.
رَابِعُهَا: مَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا ضَرَرَ كَالْخَنَافِسِ وَالدِّيدَانِ (وَالْجُعَلِ) وَالْفَرَاشِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَحْرُمُ قَتْلُهَا لِعَدَمِ نَفْعِهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِعَدَمِ (ضَرَرِهَا) .
قَاعِدَةٌ: مَنْ مَلَكَ صَيْدًا حُرِّمَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ إلَّا فِي صُوَرٍ: أَنْ يُحْرِمَ، أَوْ يَكُونَ لِلطَّائِرِ فَرْخٌ يَمُوتُ (بِحَبْسِهِ) ، أَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يُطْعِمُهُ أَوْ مَا يَذْبَحُهُ (بِهِ) فَيَجِبُ إرْسَالُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ حُرِّمَ، قَالَ الْقَفَّالُ (يَحْسِبُونَهُ) قُرْبَةً وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سَوَائِبَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقِيلَ يُبَاحُ ذَلِكَ وَيَزُولُ الْمِلْكُ (كَالْعِتْقِ) (فِي الْعَبْدِ) وَعَلَى الْأَصَحِّ: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِإِرْسَالِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ اصْطِيَادُهُ، إلَّا أَنْ يُبِيحَهُ الْمَالِكُ لِمَنْ أَخَذَهُ.
стр. 479
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ اخْتِيَارًا. وَلِهَذَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا (عَنْ) طَائِرٍ فَوَقَفَ، ثُمَّ طَارَ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ طَارَ عَقِبَ الْفَتْحِ فَقَوْلَانِ نَظِيرُهُ مَا لَوْ نَفَرَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَعَثَرَ فَمَاتَ (عَقِبَ التَّنْفِيرِ ضَمِنَهُ) ، وَإِنْ (نَفَرَهُ) فَسَكَنَ، ثُمَّ عَثَرَ (فَمَاتَ لَا ضَمَانَ) ، وَمَا لَوْ أَكَلَ الْجَارِحُ مِنْ الصَّيْدِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ.
(قَالَ) الْإِمَامُ وَدِدْت لَوْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ يَقِفَ زَمَانًا، ثُمَّ يَأْكُلَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَ بِنَفْسِ الْأَخْذِ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ تَعَرَّضَ لَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي مَسْأَلَةِ، لَوْ وَضَعَ السَّارِقُ الْمَتَاعَ فِي الْحِرْزِ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ (وَسَيَّرَهَا) حَتَّى خَرَجَتْ قُطِعَ، وَإِنْ مَشَتْ بِنَفْسِهَا حَتَّى خَرَجَتْ فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ سَارَتْ عَلَى الْفَوْرِ قُطِعَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
وَلَوْ عَلَّمَ قِرْدًا إخْرَاجَ الْمَتَاعِ (بِنَقْبٍ) وَأَرْسَلَهُ، حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ لِشُبْهَةِ اخْتِيَارِ الْحَيَوَانِ، (وَلَكِنْ) لَوْ أَمْسَكَ إنْسَانًا وَعَرَّضَهُ لِلسَّبُعِ وَجَبَ الْقِصَاصُ قَطْعًا لِأَنَّهُ آلَةٌ (لَهُ) فَكَانَ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِالسَّيْفِ، وَمِثْلُهُ (الْحَيَوَانُ) الضَّارِي بِطَبْعِهِ.
стр. 480
وَلَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَقَطَعَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ (هَوَاءَ) الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُهُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا (فِي) الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَتَخَطَّى طَرَفَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ (وَأَصَحُّهُمَا) يَضْمَنُ بِخِلَافِ الْكَلْبِ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا بِخِلَافِ السَّهْمِ، (وَلِهَذَا) قَالَ الْأَصْحَابُ، لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُصِبْهُ وَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الضَّمَانُ، (وَمِثْلُهُ) ، لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا لَا يَجِبُ وَلَوْ سَرَقَ دَابَّةً لَا تُسَاوِي نِصَابًا فَتَبِعَهَا وَلَدُهَا، فَلَا قَطْعَ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا
стр. 481
[حَرْفُ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ] [ الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ]
الْخَبَرُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ.
(الْأَوَّلُ) مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثَةٍ: الْإِقْرَارُ، وَالْبَيِّنَةُ، وَالدَّعْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَقٍّ عَلَى الْمُخْبِرِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ الدَّعْوَى، أَوْ لِغَيْرِهِ فَهُوَ الشَّهَادَةُ. وَضَبَطَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِضَابِطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ إنْ كَانَ ضَارًّا لِقَائِلِهِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَارًّا بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لَهُ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ (هُوَ) الدَّعْوَى، وَالثَّانِي الشَّهَادَةُ. انْتَهَى.
(وَالثَّانِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ عَامًّا، لَا يَخْتَصُّ (بِمُعَيَّنٍ) ، وَيَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي ثَلَاثَةٍ: الرِّوَايَةُ، وَالْحُكْمُ، وَالْفَتْوَى لِأَنَّهُ إنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَحْسُوسٍ فَهُوَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ فَهُوَ الْحُكْمُ، وَإِلَّا فَالْفَتْوَى.
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا ضَابِطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ.
وَمِنْ الْمُشْكِلِ اشْتِرَاطُهُمْ لَفْظَ الشَّهَادَةِ فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ (شَهْرِ) رَمَضَانَ، وَفِي الْمُتَرْجِمِ (وَالْمُسْمِع) أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ فَكَيْفَ تَلْحَقُ بِالشَّهَادَةِ الْخَاصَّةِ
стр. 482
الْخَبَرُ مَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِذَا أَخْبَرَتَا طَلُقَتَا صَدَقَتَا أَوْ كَذَبَتَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَقْرُونِ بِالْبَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ الْفُورَانِيُّ، لَوْ قَالَ مَنْ أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِقُدُومِ زَيْدٍ لَمْ يَقَعْ، إلَّا إذَا أَخْبَرَتْهُ صَادِقَةً لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَصَارَ فِي مَعْنَى شَرْطِ الْقُدُومِ فِي الْإِخْبَارِ.
وَمَنْ أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْوَاقِعِ هَلْ يُسَمَّى كَاذِبًا، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَخْبَرَ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِتِسْعِينَ فَهَلْ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا - لِدُخُولِ التِّسْعِينَ فِي الْمِائَةِ، فَعَلَى هَذَا لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، لِذَا عُلِمَ الْحَالُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَاذِبٌ لِأَنَّ التِّسْعِينَ بَعْضُ الثَّمَنِ، وَفِي مُقَابَلَةِ جَمِيعِ (الْبَيْعِ) ، وَعَلَى هَذَا فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.
وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ كَذَبْت أَوْ هِيَ مُبْطَلَةٌ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهَا، وَفِي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ (اخْتَارَ) صَاحِبُ التَّقْرِيبِ الْبُطْلَانَ لِأَنَّ الْكَذِبَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِمَا فِي الْخَارِجِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّخْصُ ذَلِكَ، وَعَنْ صُورَةِ الْجَهْلِ احْتَرَزَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ
стр. 483
﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] لِأَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُمْ يَشْهَدُونَ بِالرِّسَالَةِ وَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ بِهَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِهَا اعْتِقَادُهَا أَوْ الْإِخْبَارُ بِهَا عَلَى وَجْهِ الِانْقِيَادِ وَمُوَاطَأَةُ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِكَذِبِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَلَهُمْ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ (إذْ) رَضُوا بِخَبَرٍ يُجَوِّزُونَ كَذِبَهُ جَوَازًا غَيْرَ بَعِيدٍ، (فَذَلِكَ) رِضًا بِالْكَذِبِ، وَهَذَا فِي قَوْلِهِ مُبْطِلِينَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلظَّاهِرِ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ.
[الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَة]
ُ قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَئِمَّةُ: تُعْتَبَرُ فِي ثَلَاثِ شَهَادَاتٍ: الشَّهَادَةِ عَلَى أَنْ لَا وَارِثَ لَهُ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدَالَةِ، وَعَلَى الْإِعْدَامِ. قُلْت: وَالْأُولَيَانِ مِنْ مَنْصُوصَاتِ الْأُمِّ، وَشَرْطُ الثَّانِيَةِ أَنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ مُتَقَادِمَةً، قَالَ الْإِمَامُ، وَإِنَّمَا (شَرَطْنَاهَا) فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ مُسْتَنَدَ الشَّهَادَةِ فِيهَا (السَّتْرُ) عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْتَيْقَنُ، وَلَكِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى قَبُولِ الْبَيِّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَنَازِلِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَ تَعْدِيلُ الشُّهُودِ وَتَسْلِيمُ التَّرِكَاتِ لِلْوَرَثَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ وَلَتَخَلَّدَ الْحَبْسُ عَلَى الْمُعْسِرِ. قَالَ: ثُمَّ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ مَنْ عَاشَرَهُ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَكَانَ يَطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْقَاضِي خِبْرَتَهُمْ بِإِخْبَارِهِمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ (ذِكْرُهُ) فِي صِيغَةِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِهِ فَلَا إشْكَالَ.
وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ صُورَةً رَابِعَةً، وَهِيَ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ غَيْبَةَ وَلِيِّهَا، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (﵁) ، أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ حَتَّى يَشْهَدَ
стр. 484
شَاهِدَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ (خَاصٌّ حَاضِرٌ) ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَا تُقْبَلُ فِي (هَذِهِ) إلَّا شَهَادَةُ مَنْ يَطَّلِعُ عَلَى حَالِهَا، كَمَا فِي شَهَادَةِ الْإِعْسَارِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ.
وَخَامِسَةٌ ذَكَرَهَا الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ.
(وَسَادِسَةٌ) مَنْصُوصَةٌ فِي الْمُخْتَصَرِ (وَهِيَ) الشَّهَادَةُ بِالرُّشْدِ.
[الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ]
«الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» (هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَمَعْنَاهُ مَا خَرَجَ مِنْ الشَّيْءِ مِنْ عَيْنٍ وَمَنْفَعَةٍ (وَغَلَّةٍ) فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عِوَضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، لِيَكُونَ الْغُنْمُ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ.
وَقَدْ ذَكَرُوا عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ سُؤَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَرَاجُ فِي مُقَابَلَةِ الضَّمَانِ لَكَانَتْ الزَّوَائِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ تَمَّ الْعَقْدُ أَوْ انْفَسَخَ إذْ لَا ضَمَانَ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ (مِنْهُمْ) بِذَلِكَ، (وَإِنَّمَا) يَكُونُ لَهُ إذَا تَمَّ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ.
стр. 485
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَرَاجَ يُعَلَّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْمِلْكِ وَبَعْدَهُ بِالضَّمَانِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا، وَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَأَقْطَعُ لِطَلَبِهِ وَاسْتِبْعَادِهِ أَنَّ الْخَرَاجَ لِلْمُشْتَرِي (يَبْذُلُهُ) ، (فَقِيلَ لَهُ) إنَّ الْغُنْمَ فِي مُقَابَلَةِ الْغُرْمِ.
الثَّانِي: لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ (الضَّمَانَ) لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الزَّوَائِدُ لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَمَانِ غَيْرِهِ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ أَشَدَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا أَوْلَى وَبِهَذَا اُحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵁) (فِي) أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَضْمَنُ مَنَافِعَ الْمَغْصُوبِ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: «أَنَّهُ ﷺ قَضَى بِذَلِكَ فِي ضَمَانِ الْمِلْكِ وَجَعَلَ الْخَرَاجَ لِمَنْ هُوَ مَالِكُهُ إذَا تَلِفَ» (تَلِفَ) عَلَى مِلْكِهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَالْغَاصِبُ لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَرَاجَ هُوَ الْمَنَافِعُ جَعَلَهَا لِمَنْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْغَاصِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ، بَلْ إذَا أَتْلَفَهَا، (فَالْخِلَافُ) فِي ضَمَانِهَا عَلَيْهِ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَهَذَا جَوَابُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵁) .
стр. 486
نَعَمْ، خَرَجَ عَنْ (هَذَا مَسْأَلَةٌ) ، وَهِيَ مَا لَوْ أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ عَبْدًا، فَإِنَّ وَلَاءَهُ يَكُونُ (لِابْنِهَا) ، وَلَوْ جَنَى (جِنَايَةً) خَطَأً فَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا دُونَهُ وَقَدْ يَجِيءُ مِثْلُهُ فِي بَعْضِ الْعَصَبَاتِ يَعْقِلُ وَلَا يَرِثُ.
[الْخُطَبُ اثْنَتَا عَشْرَةَ]
َ أَرْبَعٌ فِي الصَّلَاةِ، وَأَرْبَعٌ فِي الْحَجِّ، وَأَرْبَعٌ فِي النِّكَاحِ.
فَالْأُوَلُ: خُطْبَتَا الْجُمُعَةِ وَهُمَا فَرْضَانِ، وَخُطْبَتَا الْعِيدَيْنِ، وَهُمَا سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ خُطْبَتَا الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَكُلُّهَا مَثْنَى إلَّا الْكُسُوفَ فَتُجْزِئُ (فِيهَا) وَاحِدَةٌ عَلَى النَّصِّ، حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ.
وَالثَّانِي: يَوْمَ سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَهِيَ فَرْدَةٌ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ بِمِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ (خُطْبَتَيْنِ) قَبْلَ الظُّهْرِ وَخُطْبَةٌ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ.
(وَخُطْبَةُ يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَالْجَمْعِ بَعْدَ الصَّلَاةِ) ، إلَّا خُطْبَةَ عَرَفَةَ، فَإِنَّهَا قَبْلَهَا كَالْجُمُعَةِ.
وَالثَّالِثُ: الْخُطْبَةُ عِنْدَ الْخِطْبَةِ، وَعِنْدَ إجَابَةِ الْوَلِيِّ وَعِنْدَ الْعَقْدِ وَخُطْبَةُ الزَّوْجِ عِنْدَ الْقَبُولِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِ الْأَعْدَادِ، فَقَالَ: كُلُّهَا سُنَّةٌ، إلَّا الْجُمُعَةُ وَخُطْبَةُ عَرَفَةَ (فَهُمَا فَرْضٌ يُفْعَلَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ) وَكَذَا قَالَ
стр. 487
الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ (الْعِيدِ كُلُّهَا) (تَتَعَقَّبُ) الصَّلَاةَ، إلَّا الْجُمُعَةَ وَعَرَفَةَ قَالَ وَمَا يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ، وَمَا يَتَعَقَّبُهَا سُنَّةٌ.
[الْخَطَأُ يَرْفَعُ الْإِثْمَ]
َ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ، إنْ لَمْ يُؤْمَنْ (وُقُوعُ) مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُولِ ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ لَا يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
وَمِثْلُهُ الْأَكْلُ فِي الصَّوْمِ نَاسِيًا وَمُفْسِدُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ، إذَا أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ، لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ قَضَاءٍ وَاحِدٍ.
وَلَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا، ثُمَّ بَانَ الْخَطَأُ عَامًّا، فَهَلْ يَنْعَقِدُ حَجًّا كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ (أَوْ عُمْرَةً) ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ، أَمَّا إذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَلَا يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْقَضَاءِ، كَمَا إذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، فَيَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ.
стр. 488
وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلَافِهِ، لَا يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ.
وَلَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي أَوَانِ أَوْ ثِيَابٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي (تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ) كَانَ نَجِسًا لَزِمَهُ الْإِعَادَةُ.
وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ،
وَلَوْ صَلَّتْ الْأَمَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ لَهَا سُتْرَةٌ وَلَمْ تَعْلَمْ بِالْعِتْقِ، إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَوْلَانِ، كَالَّتِي قَبْلَهَا.
وَلَوْ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ نَاسِيًا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْجَدِيدِ
وَلَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ جَامَعَ بِاجْتِهَادٍ مُعْتَقِدًا أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وَكَانَ قَدْ (طَلَعَ) ، أَوْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ وَلَمْ (تَغْرُبْ) لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَلَّى قَبْلَ الْوَقْتِ (أَوْ اجْتَهَدَ) فِي الصِّيَامِ فَوَافَقَ شَعْبَانَ وَتَبَيَّنَ الْحَالَ بَعْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ أَوْ أَحَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، لِكَوْنِهِ مَعْضُوبًا فَبَرِئَ، أَوْ غَلِطُوا (فَوَقَفُوا) بِعَرَفَةَ الثَّامِنَ، أَوْ رَأَوْا سَوَادًا (فَظَنُّوهُ) عَدُوًّا، فَصَلَّوْا صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَبَانَ خِلَافُهُ أَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ (قَوْلَانِ وَبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلَى بَعْضٍ أَوْ أَقْوَى، وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَجْزِيهِ) .
стр. 489
[الْخَلْطُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ]
ِ وَلِهَذَا لَوْ خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَمِنَ.
وَلَوْ غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا فَهُوَ إهْلَاكٌ، حَتَّى يَنْتَقِلَ (ذَلِكَ) الْمَالُ إلَيْهِ وَيَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بَدَلُهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ هَلَاكًا فِي (الْفَلَسِ) ، فَإِذَا خَلَطَ الْمُشْتَرِي صَاعُ (الْبَائِعِ) بِصَاعٍ مِثْلِهِ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ أَخَذَ الْبَائِعُ صَاعًا مِنْهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَسْلُكُوا بِهِ فِي الْبَيْعِ مَسْلَكَ الْغَصْبِ، وَلَا الْفَلَسِ، بَلْ جَعَلُوهُ (تَعْيِيبًا) ، فَقَالُوا: لَوْ بَاعَ فَاخْتَلَطَتْ بِغَيْرِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ لِبَقَاءِ (الْمَبِيعِ) ، وَيَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي.
وَلَوْ اخْتَلَطَ الثَّوْبُ بِأَمْثَالِهِ وَالشَّاةُ الْمَبِيعَةُ بِأَمْثَالِهَا، فَالصَّحِيحُ الِانْفِسَاخُ.
وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ، لَوْ غَصَبَ دَرَاهِمَ أَوْ حِنْطَةً مِنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا مُعَيَّنًا، ثُمَّ خَلَطَ الْجَمِيعَ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ، ثُمَّ فَرَّقَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ الْمَخْلُوطِ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ يَحِلُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، وَإِنْ (فَرَّقَ) عَلَى بَعْضِهِمْ لَزِمَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ أَنْ يُقَسِّمَ الْقَدْرَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى (الْبَاقِينَ) بِالنِّسْبَةِ إلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا لَا مُسْتَهْلَكًا.
وَلَوْ أَوْصَى بِحِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا كَانَ رُجُوعًا فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ فَرُجُوعٌ.
стр. 490
وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْدَثَ بِالْخَلْطِ زِيَادَةً لَمْ يَرْضَ بِتَسْلِيمِهَا، أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا إذْ الْمُوصَى بِهِ كَانَ مُشَاعًا، فَلَا تَضُرُّهُ زِيَادَةُ الْخَلْطِ وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الْأَصَحِّ.
وَفِي تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ لِلْمَرْعَشِيِّ، ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ، لَوْ خَلَطَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَغَيْرَهَا مِنْ الْحُبُوبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا (كَذَلِكَ) وَهُوَ عِنْدِي جَائِزٌ، لِإِمْكَانِ تَمْيِيزِهَا، وَإِنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا) بَقِيَّةً، وَلَكِنْ إذَا كَانَتْ فِضَّةً مُخْتَلِطَةً بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ مَجْهُولٌ فَهُوَ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ الَّذِي نَصَّ الشَّافِعِيُّ (﵀) عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِهِ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى مَنْعِ الْمُعَامَلَةِ بِالْمَغْشُوشِ.
[الْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ]
ِ (هَلْ) يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ (خُلْفِ) الْعَيْنِ الضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا قَامَ الْوَصْفُ فِيهِ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ فَهُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ كَالنِّكَاحِ، فَإِذَا شَرَطَ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَصْفَ إسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ فَأَخْلَفَ فَالْأَظْهَرُ الصِّحَّةُ، وَيَتَخَيَّرُ إنْ بَانَ دُونَ الْمَشْرُوطِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُغْنِي فِيهِ الْوَصْفُ عَنْ الرُّؤْيَةِ كَالْبَيْعِ، فَلَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ قَطْعًا، فَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ، فَبَانَ خِلَافَهُ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَلَكِنْ يَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ، وَمِنْ ذَلِكَ بَدَلُ الْخُلْعِ، فَإِذَا قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ الْمَرْوِيِّ، أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ، وَكَانَ هَرَوِيًّا فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ، قَالَ الْإِمَامُ، وَقَطَعَ الْأَئِمَّةُ
стр. 491
أَجْوِبَتَهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا نَظَرَ إلَى خُلْفِ الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ خَالَعْتُكِ عَلَى هَذَا الْخَلِّ أَوْ هَذَا الْعَبْدِ فَبَانَ خَمْرًا أَوْ حُرًّا، فَالْفُرْقَةُ وَاقِعَةٌ، فَإِذَا كَانَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ، فَخُلْفُ الصِّفَةِ أَوْلَى.
وَمِنْ هَا هُنَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ (السَّرَخْسِيِّ) فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ لِحَاظِ أَنَّ الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ هَلْ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ خُلْفِ الْعَيْنِ أَمْ لَا.
وَمِنْهَا، لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ (عَمْدًا، فَأَقَرَّ) بِالْقَتْلِ وَنَفَى الْعَمْدَ، فَهَلْ تُغَلَّظُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا فِي أَصْلِ الْقَتْلِ.
وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ آكَدُ مِنْ الصِّفَةِ، فَإِذَا حَلَفَ فَهَلْ لِلْمُدَّعِي طَلَبُ الدِّيَةِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً (أَمْ) تَلَقِّيًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لَهُ طَلَبُ الدِّيَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْخُلْفَ فِي الصِّفَةِ، هَلْ هُوَ كَالْخُلْفِ فِي الْمَوْصُوفِ، وَفِيهِ قَوْلَانِ مِنْ النِّكَاحِ، إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَكَأَنَّهُ ادَّعَى مَالًا وَاعْتَرَفَ بِمَالٍ آخَرَ لَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا، طَالَبَ بِالدِّيَةِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ.
أَمَّا اخْتِلَافُ الْجِنْسِ، فَهَلْ هُوَ (كَاخْتِلَافِ) الْعَيْنِ أَوْ الصِّفَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
стр. 492
وَلِهَذَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا (أَوْ عَكْسَهُ) فَالْأَصَحُّ فَسَادُ الْعِوَضِ لِمَا (ذَكَرْنَاهُ) فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَالَعَ عَلَى عَبْدٍ فَقَبَضَ أَمَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: لَوْ بَاعَ ثَوْبًا عَلَى أَنَّهُ كَتَّانٌ فَبَانَ قُطْنًا فَسَدَ الْبَيْعُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمُصَحِّحَ لِلْعِوَضِ يُصَحِّحُ صُورَةَ الْبَيْعِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ رَدَّ الْعَقْدَ فِي الصَّرْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَخَرَّجَ أَحَدُهُمَا نُحَاسًا بَطَلَ الْعَقْدُ، وَقِيلَ لَا تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، وَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا (إذَا) اشْتَرَى زُجَاجَةً ظَنَّهَا جَوْهَرَةً يَصِحُّ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ.
وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي الْجِهَةِ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ، فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتَ أَعْتَقْت هَذَا الْعَبْدَ فَأَنْكَرَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ فِيمَا إذَا قَالَ الرَّاكِبُ أَعَرْتنِي هَذِهِ الدَّابَّةَ، وَقَالَ الْمَالِكُ (غَصَبْتهَا) خَرَّجَهُ الْبَغَوِيّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ لَا يُخَرَّجُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ مُتَّحِدَةٌ، وَلَا أَثَرَ لِلِاخْتِلَافِ فِي الْجِهَةِ مَعَ اتِّحَادِ الْعَيْنِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عَنْ ضَمَانٍ فَقَالَ الْمُقِرُّ لَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لَزِمَهُ فِي الْأَصَحِّ وَاخْتِلَافُ الْجِهَةِ لَا يَمْنَعُ (الْأَخْذَ) ، لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ صَحَّحَ فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَآخَرُ عَلَى إقْرَارِهِ عَنْ قَرْضٍ عَدَمَ اللُّزُومِ وَبَنَاهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَا يَصِحُّ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي صُورَةِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ تَوَارُدِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ.
[الْخِلَافُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِاجْتِنَابِ مَا اُخْتُلِفَ فِي تَحْرِيمِهِ وَفِعْلِ مَا اُخْتُلِفَ فِي
стр. 493
وُجُوبِهِ، إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُصِيبُ، وَكَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا كَانَ يُجَوِّزُ خِلَافَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَنَظَرَ فِي مُتَمَسِّكِ مُخَالِفِهِ، فَرَأَى لَهُ مَوْقِعًا، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاعِيَهُ عَلَى وَجْهٍ، وَكَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْمُجْتَهِدَيْنِ، إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَامًا لِمَا فِي الْمُخَالَفَةِ مِنْ الْخُرُوجِ (عَلَى) الْأَئِمَّةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (﵁) أَنَّهُ عَابَ عَلَى عُثْمَانَ (﵁) صَلَاتَهُ بِمِنًى أَرْبَعًا وَصَلَّى مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: الْخِلَافُ شَرٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ أَطْلَقَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْأَصْحَابِ، قِيلَ وَيَعْنِي بِهِ (ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ حَيْثُ وَقَعَ أَفْضَلُ مِنْ التَّوَرُّطِ فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا أَطْلَقَهُ، بَلْ الْخِلَافُ أَقْسَامٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فَالْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ (بِالِاجْتِنَابِ) أَفْضَلُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَالْإِيجَابِ، فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الشَّرْعِيَّةِ، كَقِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ فِي الْفَاتِحَةِ، فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ (﵀) وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (﵀) ، (وَكَذَلِكَ صَلَاةُ
стр. 494
الْكُسُوفِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْحَدِيثِ) ، فَإِنَّهَا سُنَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (﵀) وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " ﵁ "، " فَالْفِعْلُ أَفْضَلُ ".
قَالَ وَالضَّابِطُ أَنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ، إنْ كَانَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ تَقَارَبَتْ الْأَدِلَّةُ، بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ كُلَّ الْبُعْدِ، فَهَذَا مِمَّا يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْهُ حَذَرًا مِنْ كَوْنِ الصَّوَابِ مَعَ الْخَصْمِ انْتَهَى.
قُلْت: لِمُرَاعَاتِهِ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْمُخَالِفِ قَوِيًّا، فَإِنْ كَانَ وَاهِيًا لَمْ " يُرَاعَ " - كَالرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ " ﵁ " فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَنْكَرَهَا وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا لَا يَصِحُّ لَهَا مُسْتَنَدٌ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُعَارِضَةٌ
стр. 495
لَهَا، وَكَذَلِكَ مَا نُقِلَ عَنْ " عَطَاءٍ " مِنْ إبَاحَةِ وَطْءِ الْجَوَارِي بِالْعَارِيَّةِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الرَّافِعِيِّ: إنَّمَا وَجَبَ الْحَدُّ، "؛ لِأَنَّهُمْ " لَمْ يُصَحِّحُوا النَّقْلَ عَنْهُ " فَإِنَّا " نَقُولُ وَلَوْ صَحَّ فَشُبْهَتُهُ " ضَعِيفَةٌ، لَا أَثَرَ لَهَا "، فَإِنَّ الْأَبْضَاعَ لَا تُبَاحُ بِالْإِذْنِ، كَمَا فِي بِضْعِ الْحُرَّةِ فَصَارَ كَشُبْهَةِ الْحَنَفِيِّ فِي النَّبِيذِ، فَإِنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْمَذَاهِبِ السَّالِفَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ فِي مَذْهَبِنَا كَخِلَافِ الْإِصْطَخْرِيِّ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا حُرِّمَ لِقُرْبِ عَهْدِ النَّاسِ " بِالْأَصْنَامِ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَفَّالِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ، وَأَنَّ ضَعْفَ الْمَأْخَذِ إذَا كَانَ فِيهِ احْتِيَاطٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ، إذَا نَقَصَ " مِنْ " " الْقُلَّتَانِ " شَيْءٌ يَسِيرٌ " وَوَقَعَ فِيهِمَا " نَجَاسَةٌ، قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ يَقُولُ الْقُلَّتَيْنِ خَمْسُمِائَةِ " رَطْلٍ " تَحْدِيدًا، فَإِذَا نَقَصَ شَيْءٌ وَوَقَعَ فِيهَا نَجَسٌ تَأَثَّرَتْ وَحِينَئِذٍ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يَقْضِي بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَثَّرُ بِالنَّجَاسَةِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى اسْتِحْبَابَ الْإِعَادَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ يُسْتَحَبُّ " التَّحْجِيلُ " فِي
следующие страницы →