← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الْمَوْجُودِ " وَلَيْسَ هَا هُنَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ قَالَ وَإِنَّمَا اُسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ قَوْلِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵁ " فَمَنْ مَلَكَ دُيُونًا عَلَى النَّاسِ هَلْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ " الْمَذْهَبُ " الْوُجُوبُ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ أَنَّهَا لَا تَجِبُ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إنْ قُلْنَا " إنَّهُ " مَالٌ جَازَ أَوْ حَقٌّ فَلَا لِأَنَّ الْحُقُوقَ لَا تَقْبَلُ النَّقْلَ إلَى الْغَيْرِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْإِبْرَاء عَنْ الدَّيْنِ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ. وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ وَلَهُ دَيْنٌ حَالٌّ عَلَى مَلِيءٍ حَنِثَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْمُؤَجَّلُ أَوْ عَلَى الْمُعْسِرِ فِي الْأَصَحِّ.

стр. 527

[حَرْفُ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] [ الذَّهَبُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ] الذَّهَبُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ وَأَمَّا فِي الْأَوَانِي فَيَشْتَرِكُ النَّوْعَانِ فِي التَّحْرِيمِ. وَيُسْتَثْنَى مَوَاضِعُ: أَحَدُهَا: مَنْ جُدِعَ أَنْفُهُ جَازَ لَهُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ تَغْيِيرًا لِقُبْحِ الْوَجْهِ بِفَقْدِهِ وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ «إنَّ عَرْفَجَةَ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» وَقَالَ (التِّرْمِذِيُّ) (حَدِيثٌ) (حَسَنٌ) غَرِيبٌ.

стр. 528

وَفِي مَعْنَى الْأَنْفِ السِّنُّ وَالْأُنْمُلَةُ فَإِنْ " نَبَتَ " فِيهِ الْعُضْوُ وَتَرَاكَمَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ وَإِلَّا فَحَيْثُ أَمْكَنَ نَزْعُهُ فَفِي زَكَاتِهِ الْقَوْلَانِ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ قُطِعَتْ كَفُّهُ أَوْ إصْبَعُهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَدَلَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهَا لَا تَعْمَلُ بِخِلَافِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ " وَجْهًا " أَنَّهُ يَجُوزُ. الثَّانِي: إذَا صَدِئَ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُهَذَّبِ وَالتَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِمَا، لِعَدَمِ ظُهُورِ السَّرَفِ وَفِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَلْحَقُوا بِهِ طِرَازَ الذَّهَبِ إذَا اتَّسَخَ وَذَهَبَ حُسْنُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ " الذَّهَبُ " لَا يَصْدَأُ، وَرُدَّ بِأَنَّ مِنْهُ مَا يَصْدَأُ وَهُوَ مَا يُخَالِطُهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ الْخَالِصِ. الثَّالِثُ: إذَا طُلِيَ الذَّهَبُ بِغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. الرَّابِعُ: التَّمْوِيهُ الَّذِي لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ فِي الْخَاتَمِ وَالسَّيْفِ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ يُسْتَهْلَكُ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ التَّحْرِيمَ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ.

стр. 529

[حَرْفُ الرَّاءِ] [ الرُّخَصُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ] الرُّخَصُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْأَكْلُ بَلْ لَهُ الصَّبْرُ حَتَّى يَمُوتَ وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، كَالْإِفْطَارِ " فِي رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ " انْتَهَى وَكَذَلِكَ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْوَجْهَ فِي الْمَيْتَةِ لَا يَأْتِي هُنَا لِأَنَّا وَجَّهْنَاهُ بِالتَّرَدُّدِ فِي دَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ مَعْلُومَةٌ. وَمِنْهُ وُجُوبُ اسْتِدَامَةِ لُبْسُ الْخُفِّ " إنْ " لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمُحْدِثُ لَابِسَ الْخُفِّ بِشَرَائِطِهِ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَلَا يَكْفِيهِ لَوْ غَسَلَ " رِجْلَيْهِ " فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ قَطْعًا كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَيْهِ نَقْلًا " فَذَكَرَهُ " تَفَقُّهًا وَقَالَ: الَّذِي يَظْهَرُ وُجُوبُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَابِسًا وَلَكِنَّهُ " كَانَ " عَلَى طَهَارَةٍ وَأَرْهَقَهُ الْحَدَثُ وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ

стр. 530

لِلْمَسْحِ دُونَ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي التَّيَمُّمِ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ. وَمِنْهُ التَّيَمُّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ إذَا جَعَلْنَاهُ رُخْصَةً وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ وَالرَّافِعِيُّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَزِيمَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ لِعَدَمِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ أَوْ لِلْمَرِيضِ أَوْ بُعْدِ الْمَاءِ عَنْهُ أَوْ بَيْعِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ فَرُخْصَةٌ وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَبْنِي عَلَيْهِ مَا إذَا كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ هَلْ الْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ أَوْ التَّأْخِيرُ فَعَلَى الْأَوَّلِ التَّأْخِيرُ أَفْضَلُ وَعَلَى الثَّانِي التَّقْدِيمُ أَفْضَلُ كَالْوُضُوءِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا " الْبِنَاءُ " أَمْكَنَ أَنْ يُؤْخَذَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ أَوْ عَزِيمَةٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي التَّقْدِيمِ أَفْضَلُ " أَمْ " التَّأْخِيرُ وَكَذَلِكَ مِنْ فَوَائِدِهِ التَّيَمُّمُ بِالتُّرَابِ الْمَغْصُوبِ " يَجُوزُ " إنْ قُلْنَا عَزِيمَةٌ وَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ فَوَجْهَانِ. الثَّانِي: رُخْصَةٌ فِعْلُهَا أَفْضَلُ كَالْقَصْرِ لِمَنْ بَلَغَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا " وَعَدَّ " بَعْضُهُمْ مِنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ أَفْضَلَ مِنْ الْغُسْلِ مَعَ أَنَّهُ رُخْصَةٌ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ " الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ " نَعَمْ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ رُخْصَةٌ، وَعَدَّ النَّوَوِيُّ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْأُصُولِ وَالضَّوَابِطِ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ.

стр. 531

قَالَ " الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْوَكِيلِ وَهُوَ غَلَطٌ " صَرِيحٌ، فَإِنَّ فِي الْإِبْرَادِ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا سُنَّةٌ، " فَيُسْتَحَبُّ " التَّأْخِيرُ - وَالثَّانِي رُخْصَةٌ " وَهُوَ " عَلَى هَذَا، لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِبْرَادُ، وَإِذَا قَدَّمَ الصَّلَاةَ كَانَ أَفْضَلَ فَاسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ وَكَوْنُهُ رُخْصَةً مِمَّا لَا يَجْتَمِعَانِ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ رُخْصَةً، وَأَنَّهَا " مُسْتَحَبَّةٌ " قُلْت: بَلْ هُوَ صَحِيحٌ وَالْوَجْهَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ رُخْصَةٌ لِثُبُوتِهِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، لِعُذْرِ الْحَرِّ، وَإِنَّمَا الْوَجْهَانِ فِي أَنَّهُ رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ مُبَاحَةٌ، فَعَلَى الْأَصَحِّ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالتَّقْدِيمُ خِلَافُ الْأَفْضَلِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ رُخْصَةٌ مُبَاحَةٌ، وَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ. وَعِبَارَةُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: الْإِبْرَادُ مُسْتَحَبٌّ، وَهَلْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ التَّعْجِيلِ " وَجْهَانِ "، وَهُوَ يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْآكَدِ لِتَعَارُضِ " فَضِيلَتَيْنِ " أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَتَحْصِيلِ الْخُشُوعِ بِالتَّأْخِيرِ. الثَّالِثُ: رُخْصَةٌ تَرَكَهَا أَفْضَلُ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَالتَّيَمُّمِ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ

стр. 532

مِنْ " ثَمَنِ الْمِثْلِ "، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَالْفِطْرُ لِمَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ. وَعَدَّ الْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ مِنْ هَذَا الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ " ﵀ " يُوجِبُ الْقَصْرَ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ إلَّا بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ. الْبَحْثُ الثَّانِي: تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ إلَى كَامِلَةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا بَدَلَ " لَهَا " بَعْدَ فِعْلِهَا كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَإِلَى نَاقِصَةٍ وَهِيَ بِخِلَافِهِ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ، وَهَذَا " أَخَذْته " مِنْ كَلَامِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵁ " فِي الْأُمِّ، فَإِنَّهُ قَالَ وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ وَعَلَى هَذَا فَالتَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا لَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ كَامِلَةٌ وَفِيمَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ نَاقِصَةٌ. الثَّالِثُ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. وَمِنْ ثَمَّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ لَا يَتَرَخَّصُ " بِالْفِطْرِ وَالْقَصْرِ " وَالْجَمْعِ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَمْسَحُ مُدَّةَ " الْمُسَافِرِ " قَطْعًا، وَلَا مُدَّةَ الْمُقِيمِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ بِسَفَرِهِ وَلَا يُبَاحُ لَهُ التَّطَوُّعُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. وَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الصَّلَاةُ.

стр. 533

وَلَوْ اسْتَنْجَى بِمُحَرَّمٍ أَوْ بِمَطْعُومٍ، فَالْأَصَحُّ لَا يَجْزِيهِ، لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي. وَلَوْ عَدِمَ الْمَاءَ " لَمْ " يَتَيَمَّمْ عَلَى وَجْهٍ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ، لَكِنْ إذَا صَلَّى بِهِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الرُّخَصِ أَنَّ الرُّخَصَ " يَتَخَيَّرُ " بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا، وَالتَّيَمُّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ تَرَكَهُ عَصَى. وَتَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ رُخْصَةٌ وَفِي الْحِنْثِ " بِمَعْصِيَتِهِ " وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَقَدْ تَوَسَّعَ الْإِصْطَخْرِيُّ فِي طَرْدِ هَذَا الْأَصْلِ فِي الْمُقِيمِ الْعَاصِي، وَقَالَ " لَا يَسْتَبِيحُ " شَيْئًا مِنْ الرُّخَصِ. كَالْمُسَافِرِ. وَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَسْتَبِيحُهَا، وَيُخَالِفُ الْمُسَافِرَ " فَإِنَّ " الْإِقَامَةَ نَفْسَهَا، لَيْسَتْ مَعْصِيَةً، لِأَنَّهَا كَفٌّ، وَإِنَّمَا الْفِعْلُ الَّذِي يُوقِعُهُ فِي الْإِقَامَةِ مَعْصِيَةٌ، وَالسَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَعْنِي أَنَّ الْمَعَاصِيَ، إنَّمَا " تُنَافِي " الرُّخَصَ، إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ التَّرَخُّصِ، كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، لَا يَتَرَخَّصُ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ. أَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ بِسَبَبِ الرُّخْصَةِ فَلَا، فَمَنْ سَافَرَ وَعَصَى فِي سَفَرِهِ كَانَ لَهُ التَّرَخُّصُ، لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي سَفَرِهِ لَا بِسَفَرِهِ " ثُمَّ " اُسْتُشْكِلَ عَلَى هَذَا مَا لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ زَمَنَ جُنُونِهِ مَعَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ " عَنْ الْمَجْنُونِ تَخْفِيفًا " وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّخْفِيفِ، وَحِينَئِذٍ فَالْجُنُونُ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ، فَكَانَ يَنْبَغِي إسْقَاطُ الْقَضَاءِ.

стр. 534

وَقَدْ " اُسْتُثْنِيَ " مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً فَأَسْقَطَتْ " وَصَارَتْ " نُفَسَاءَ، لَا تَقْضِي " الصَّلَاةَ أَيَّامَ نِفَاسِهَا " وَإِنْ كَانَتْ عَاصِيَةً فِي الْأَصَحِّ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْ " النُّفَسَاءِ " عَزِيمَةٌ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ أَوْ حَرِيرٍ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ ". وَمِنْهَا: صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا " سَبَقَ " أَنَّ الْمُسَافِرَ الْعَاصِيَ لَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ، وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ هُنَا لَا تَخْتَصُّ بِاللُّبْسِ، وَلِهَذَا، لَوْ تَرَكَ لُبْسَهُ لَمْ يَتْرُكْ الْمَعْصِيَةَ وَهُنَاكَ الْمَعْصِيَةُ بِالسَّفَرِ. وَمِنْهَا: إذَا صَبَّ الْمَاءَ بَعْدَ الْوَقْتِ لِغَيْرِ غَرَضٍ وَتَيَمَّمَ، فَقِيلَ تَجِبُ الْإِعَادَةُ لِعِصْيَانِهِ، وَالْأَصَحُّ لَا، لِأَنَّهُ فَاقِدٌ. وَمِنْهَا: صِحَّةُ التَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مَعَ أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عَلَى رَأْيٍ. وَمِنْهَا: جِلْدُ الْآدَمِيِّ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ، قِيلَ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ مَعْصِيَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، وَالْأَصَحُّ يَطْهُرُ كَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ لَيْسَ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِلِامْتِهَانِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَتِهِ. تَنْبِيهٌ: مَعْنَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ " أَنَّ " الرُّخَصَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي أَنَّ فِعْلَ الرُّخْصَةِ مَتَى

стр. 535

تَوَقَّفَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ نُظِرَ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ فَإِنْ كَانَ تَعَاطِيهِ فِي نَفْسِهِ حَرَامًا امْتَنَعَ مَعَهُ فِعْلُ الرُّخْصَةِ، وَإِلَّا فَلَا. مِثَالُ الْأَوَّلِ: السَّفَرُ الْمَوْصُوفُ بِالْمَعْصِيَةِ، كَإِبَاقِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، " وَالْأَجِيرِ " عَيْنِهِ مِنْ " مُسْتَأْجِرِهِ "، وَالْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا، لَمَّا كَانَتْ رُخْصَةُ " الْقَصْرِ " وَالْفِطْرِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِ السَّفَرِ، اُشْتُرِطَ " فِي " إبَاحَةِ فِعْلِهَا أَنْ لَا يَكُونَ السَّفَرُ فِي نَفْسِهِ مَعْصِيَةً، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ " بِغَيْرِ الْمَاءِ " رُخْصَةٌ، " وَلَمَّا " تُوُقِّفَ عَلَى اسْتِعْمَالِ جَامِدٍ اُشْتُرِطَ فِي الْجَامِدِ كَوْنُ اسْتِعْمَالِهِ مُبَاحًا فَيَمْتَنِعُ " بِمَا " اسْتِعْمَالُهُ مَعْصِيَةٌ. وَمِثَالُ الثَّانِي: مَا إذَا غَصَبَ الْمُسَافِرُ فِي " سَفَرٍ مُبَاحٍ " " ثَوْبًا وَصَلَّى فِيهِ، فَإِنَّهُ " لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّرْخِيصِ "، لَمَّا كَانَ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ. الرَّابِعُ: تَعَاطِي " سَبَبِ " التَّرَخُّصِ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ، لَا يُبِيحُ، كَمَا إذَا سَلَكَ الطَّرِيقَ الْأَبْعَدَ لِغَرَضِ الْقَصْرِ لَمْ يَقْصُرْ فِي الْأَصَحِّ ، وَكَمَا لَوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْقَصِيرَ، وَمَشَى يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَلَغَتْ الْمَرْحَلَةُ مَرْحَلَتَيْنِ. وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ لِقَصْدِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ لَا يَصِحُّ.

стр. 536

وَمِثْلُهُ لَوْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، فَلَمَّا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ نَوَى مُفَارَقَتَهُ، وَاقْتَدَى بِإِمَامٍ آخَرَ قَدْ رَكَعَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ الْقُدْوَةُ، إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لِقَصْدِ إسْقَاطِ الْفَاتِحَةِ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ لِغَرَضٍ آخَرَ صَحَّ وَسَقَطَتْ عَنْهُ الْقِرَاءَةُ، وَلَيْسَ هَذَا كَمَنْ سَافَرَ لِقَصْدِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ، فَإِنَّ هَذَا قَاصِدٌ أَصْلَ السَّفَرِ، وَهَذَا " كَالْقَاصِدِ " فِي أَثْنَاءِ السَّفَرِ، وَإِنَّمَا نَظِيرُهُ أَنْ يَقْصِدَ بِأَصْلِ الِاقْتِدَاءِ سُجُودَ السَّهْوِ " وَتَحَمُّلَ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ ذَلِكَ "، وَقَالُوا لَوْ نَذَرَ " صَوْمَ " الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا، فَلَا سَبِيلَ إلَى قَضَائِهِ، وَأَخَذَ الرَّافِعِيُّ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ يَقْضِي مَا يُفْطِرُ بِهِ " مُتَعَدِّيًا "، قَالَ وَيَنْسَاقُ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ " أَنْ يُسَافِرَ لِيَقْضِيَ ". قُلْت: وَقِيَاسُ مَسْأَلَةِ الْقَصْرِ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ لِقَصْدِ التَّرَخُّصِ بِتَرْكِ " الْمَنْذُورِ " " أَنَّهُ لَا " يَسْتَبِيحُ تَرْكَهُ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا " مَا " لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ الْجَوَابُ فِيهَا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ " ﵀ " " لِسَائِلٍ سَأَلَهُ " عَنْ " ذَلِكَ أَنَّهُ يُسَافِرُ. الْخَامِسُ: مَتَى قَارَنَهَا " الْمَنْعُ " لَا تَحْصُلُ بِدُونِ قَصْدٍ لَهَا لِتَتَمَيَّزَ، وَيَتَّضِحَ بِصُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ أَخَّرَ الْمُسَافِرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ كَانَ لَهُ الْجَمْعُ، وَلَوْ أَخَّرَهَا عَامِدًا غَيْرَ قَاصِدٍ لِلتَّرَخُّصِ، وَلَمْ يَنْوِ الْجَمْعَ لَمْ يَجُزْ لَهُ، وَلَوْ فَعَلَ كَانَ عَاصِيًا.

стр. 537

وَمِنْهَا: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِ إنَّمَا يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ بِشَرْطِ نِيَّةِ التَّرَخُّصِ، كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، فَقَالَ لَوْ جَامَعَ الْمَرِيضُ أَوْ الْمُسَافِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ عَصَى. وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُوَافِقُهُ حَيْثُ قَالَ إنْ قَصَدَ بِهِ التَّرَخُّصَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ لَمْ " يَقْصِدْهُ " فَوَجْهَانِ، وَكَانَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَةِ مِنْ بَابِ " التُّرُوكِ "، لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَلِهَذَا لَا تَجِبُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ قَالُوا: لِلْمُنْفَرِدِ الْخُرُوجُ مِنْ الْفَرْضِ لِيَفْعَلَهُ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يُلْزِمُوهُ نِيَّةَ الْخُرُوجِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا يَسْتَدْعِي الْفِطْرُ نِيَّةً، بِخِلَافِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ. السَّادِسُ: الْتِزَامُ إبْطَالِ الرُّخْصَةِ مَمْنُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِصَدَقَةٍ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» ، فَإِذَا نَذَرَ صَلَاةَ النَّفْلِ قَائِمًا أَوْ أَنْ يَصُومَ فِي السَّفَرِ أَوْ " إتْمَامَ " الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْ غَسْلَ الرِّجْلِ، وَلَا يَمْسَحُ الْخُفَّ أَوْ اسْتِيعَابَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ أَوْ التَّثْلِيثَ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوَهُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْبَغَوِيُّ يَنْعَقِدُ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ نَذَرَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الشَّرْعِ.

стр. 538

السَّابِعُ: رُخَصُ السَّفَرِ أَقْسَامٌ: أَحَدُهُمَا: مَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا وَهِيَ ثَلَاثَةٌ " الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ " وَالْمَسْحُ - نَعَمْ لَوْ اجْتَمَعَ الْخَوْفُ مَعَ قَلِيلِ السَّفَرِ فَفِي الْقَصْرِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا " ابْنُ الْقَاصِّ " لِأَنَّ الْخَوْفَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ أَلْحَقَهُ بِالطَّوِيلِ، وَتَوَقَّفَ السِّنْجِيُّ فِي " ثُبُوتِهِمَا " وَقَطَعَ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ مَا لَا يُبَاحُ فِي " الْقَصِيرِ " لَا يُبَاحُ مَعَ الْخَوْفِ " مِنْهُ "، كَالْفِطْرِ وَالْمَسْحُ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. الثَّانِي مَا لَا يَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ قَطْعًا، وَهُوَ شَيْئَانِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَتَرْكُ الْجُمُعَةِ. الثَّالِثُ: مَا فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ وَهُوَ شَيْئَانِ إسْقَاطُ الْفُرُوضِ بِالتَّيَمُّمِ وَالتَّنَفُّلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ ثَالِثَةً وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ، وَأَرَادَ السَّفَرَ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، وَأَخَذَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ، لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِضَرَّاتِهَا، إذَا رَجَعَ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ فِي الْأَصَحِّ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ. الرَّابِعُ: مَا فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهُ بِالطَّوِيلِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ.

стр. 539

وَاعْلَمْ أَنَّ " عَدَّ " أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّيَمُّمِ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ فِيهِ تَجَوُّزٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِنَفْسِ السَّفَرِ إذْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ وَالْجَرِيحِ مَعَ الْإِقَامَةِ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي الْحَضَرِ لِلْمُضْطَرِّ. وَقَدْ نَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ فِي الْأُولَى وَقَالَ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا عُدَّ رُخْصَةً إذَا كَانَ الِاضْطِرَارُ وَفَقْدُ الْمَاءِ " نَاشِئَيْنِ " مِنْ السَّفَرِ وَالْغَالِبُ فِيهِمَا أَنَّهُمَا يَنْشَآنِ مِنْ السَّفَرِ " فَعَدُّوهُمَا " بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّ لِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطَ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَالَ الْإِمَامُ وَنَزَّلُوا دَارَ الْحَرْبِ فِي إبَاحَةِ الطَّعَامِ مَنْزِلَةَ السَّفَرِ فِي " التَّرَخُّصِ " فَإِنَّهَا وَإِنْ ثَبَتَتْ بِمَشَقَّةِ السَّفَرِ فَالْمُتَرَفِّهُ الَّذِي لَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ يُشَارِكُ فِيهَا. [الرِّدَّةُ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ] َ عِنْدَنَا بِمُجَرَّدِهَا بَلْ إذَا مَاتَ عَلَيْهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " ﵀ " وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهَا لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ. وَتَأْثِيرُهَا يَظْهَرُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ وَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] أَيْ مَقْصُودُك مِنْ عَمَلِك فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ كَانَ " دُخُولُ " الْجَنَّةِ لَا تَخْفِيفُ الْعَذَابِ. وَقَالَ فِي الْأَسَالِيبِ: الْحَجُّ عِنْدَك لَا يَحْبَطُ فِي حَقِّ مَنْ مَاتَ مُرْتَدًّا وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَوْلِنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ وَلَوْ لَمْ نَقْطَعْ بِذَلِكَ فِي الْمَأْمُورَاتِ قَطَعْنَا بِهِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِي قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ وَهَتَكَ الْحُرُمَاتِ وَسَفَكَ الدِّمَاءَ أَشَدُّ

стр. 540

عِقَابًا مِنْ مُتَرَهَّبٍ مُتَعَلِّقٍ " بِقُلَّةِ " جَبَلٍ لَا يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَضُرُّهُمْ فَنَقُولُ بِنَاءً عَلَى هَذَا: إذَا حَجَّ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا فَحَجُّهُ ثَابِتٌ وَيُفِيدُهُ الْحَجُّ التَّحْصِينَ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَلَوْ لَمْ يَحُجَّ لَعُوقِبَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ ثَوَابًا فَإِنَّ دَارَ الثَّوَابِ الْجَنَّةُ وَهُوَ لَا يَدْخُلُهَا لِأَنَّهُ كَافِرٌ. هَذَا قَوْلُنَا فِيمَنْ يَمُوتُ مُرْتَدًّا فَأَمَّا إذَا مَاتَ مُسْلِمًا وَالْحَجُّ قَدْ مَضَى عَلَى الصِّحَّةِ وَالْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَلَا مَعْنَى " لِلْإِحْبَاطِ " فِي حَقِّهِ أَصْلًا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الزِّنَا إذَا ارْتَدَّ " الشَّخْصُ " " الزَّانِي " لَا يَبْطُلُ إحْصَانُهُ حَتَّى لَوْ زَنَى فِي الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ تَطَهَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ لَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ إبَاحَةٌ وَبِالرِّدَّةِ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ. وَقَالُوا لَوْ ارْتَدَّ فِي خِلَالِ أَذَانِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَإِنْ طَالَ بَطَلَ وَكَانَ يَنْبَغِي جَرَيَانُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْحَجِّ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْإِلْزَامِ لَكِنَّهُمْ أَبْطَلُوهُ طَالَ زَمَنُ الرِّدَّةِ أَوْ قَصُرَ. [الرِّشْوَةُ أَخْذُ الْمَالِ لِيُحِقَّ بِهِ الْبَاطِلَ أَوْ يُبْطِلَ الْحَقَّ] َّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مَظْلُومًا فَبَذْلٌ لِمَنْ يُتَوَسَّطُ لَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فِي خَلَاصِهِ وَسَتْرِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِرْشَاءٍ حَرَامٍ بَلْ جَعَالَةٌ مُبَاحَةٌ حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الرِّبَا مِنْ تَعْلِيقِهِ عَنْ الْقَفَّالِ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ مُقْتَصِرًا

стр. 541

عَلَيْهِ لَكِنَّ فِي الْمِنْهَاجِ لِلْحَلِيمِيِّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ مَالًا عَلَى دَفْعِ ظُلْمٍ عَنْهُ أَوْ عَلَى رَدِّ مَالٍ لَهُ فِي يَدِهِ وَإِنْ جَازَ لِلْمَظْلُومِ وَصَاحِبُ الْمَالِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهُ أَوْ لَا يَصِلُ إلَى مَالِهِ " إلَّا بِشَيْءٍ " " يَرْضَخُهُ أَوْ يُعْطِيهِ " وَهَذَا كَالْأَسِيرِ أَوْ الْمَحْبُوسِ بِغَيْرِ حَقٍّ إذَا لَمْ يُطْلَقْ إلَّا بِشَيْءٍ فَلَهُ إعْطَاؤُهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ " الْأَخْذُ ". [الرِّضَا بِالشَّيْءِ رِضًا بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ] ُ مِنْهَا: رِضَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِعَيْبِ صَاحِبِهِ فَإِنْ " زَادَ " الْعَيْبُ فَلَا خِيَارَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا: ادَّعَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِرِضَاهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إذْنُهَا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ مَحْرَمِيَّةً لَمْ يُقْبَلْ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالنِّكَاحِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرَافَهَا " بِحُكْمِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " إلَّا إذَا ذَكَرَتْ عُذْرًا كَنِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: عَلِمَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالْمَهْرِ وَأَمْسَكَتْ عَنْ الْمُحَاكَمَةِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَهْرِ كَانَ رِضَاءً بِالْإِعْسَارِ مُسْقِطًا لِلْخِيَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الطَّلَبِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ التَّأْخِيرَ لِتَوَقُّعِ النِّسْيَانِ. وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَهِيَ مُعْتَبَرَةُ الْإِذْنِ أَنَّهَا " زُوِّجَتْ " بِغَيْرِ إذْنِهَا قَالَ الْبَغَوِيّ لَا يُقْبَلُ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ نَزَلَ الدُّخُولُ مَنْزِلَةَ الرِّضَا. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِرَشِيدٍ اقْطَعْنِي فَفَعَلَ فَسَرَى فَهَدَرٌ وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ الْغُرْمُ.

стр. 542

وَمِنْهَا لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ فِي ضَرْبِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَهَلَكَ فِي الضَّرْبِ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي الْوَطْءِ فَأَحْبَلَ.

стр. 543

[حَرْفُ الزَّاي] [ الزَّائِلُ الْعَائِدُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ] الزَّائِلُ الْعَائِدُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ وَ " كَاَلَّذِي " لَمْ يَعُدْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ قَطْعًا. فَمِنْهُ: لَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنْ الْعَبْدِ قَبْلَ " لَيْلَةِ " هِلَالِ شَوَّالٍ ثُمَّ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِطْرَتُهُ قَطْعًا. وَلَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ ثُمَّ زَالَ فَإِنَّهُ يَعُودُ طَهُورًا فَلَوْ عَادَ التَّغَيُّرُ بَعْدَ زَوَالِهِ فَإِنَّهُ يَبْقَى عَلَى طَهُورِيَّتِهِ قَطْعًا فَكَأَنَّ التَّغَيُّرَ " لَمْ يَعُدْ " " هَذَا " إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ حُكْمِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً وَزَالَ التَّغَيُّرُ ثُمَّ عَادَ وَهِيَ بَاقِيَةٌ فَإِنَّهُ يَعُودُ التَّنْجِيسُ. هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْكِفَايَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَلَوْ سَمِعَ الْقَاضِي بَيِّنَةً ثُمَّ عَزَلَ قَبْلَ الْحُكْمِ ثُمَّ عَادَ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا قَطْعًا. وَلَوْ فَسَقَ شُهُودُ الْأَصْلِ بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْفَرْعِ فَإِنْ تَابُوا صَحَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا تَعُودُ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ. وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ مَا دَامَ فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَحَوَّلَ فُلَانٌ عَنْهَا ثُمَّ عَادَ

стр. 544

إلَيْهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ إدَامَةَ الْمَقَامِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْهَا الْيَمِينُ قَدْ انْقَطَعَتْ وَهَذَا عَوْدٌ جَدِيدٌ وَإِدَامَتُهُ " إقَامَةٌ " مُسْتَأْنَفَةٌ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ عَنْ الْبُوشَنْجِيِّ " وَلَمْ يَحْكِ خِلَافَهُ. وَحَكَى فِيهِ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ لِأَبَوَيْهِ إنْ تَزَوَّجْت مَا دُمْتُمَا حَيَّيْنِ فَزَوْجَتُهُ طَالِقٌ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَتَزَوَّجَ لَا يَقَعُ وَجَزَمَ صَاحِبُ الْكَافِي بِعَدَمِ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ أَيْضًا. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ غَيْرِهِ وَلَيْسَتْ تِلْكَ السِّنُّ لَهُ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ نَبَتَتْ بَعْدَهُ. الثَّانِي: مَا هُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ قَطْعًا. فَمِنْهُ: مَا لَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلَهُ رَدُّهُ قَطْعًا. وَمِنْهُ: " لَوْ " فَسَقَ نَاظِرُ الْوَقْفِ ثُمَّ صَارَ عَدْلًا فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مَشْرُوطَةً فِي أَصْلِ الْوَقْفِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ عَادَتْ وِلَايَتُهُ وَإِلَّا فَلَا " أَفْتَى بِهِ النَّوَوِيُّ وَوَافَقَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَسَكَتَ النَّوَوِيُّ عَمَّنْ " اسْتَحَقَّ " النَّظَرَ مُدَّةَ الْخَلَلِ " وَقَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ بَعْدَهُ كَمَا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَاسْتَبْعَدَهُ بَعْضُهُمْ إذَا لَمْ يَنُصَّ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ وَقَالَ: النَّظَرُ لِلْحُكَّامِ " حِينَئِذٍ " وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النِّكَاحِ بِأَنَّ الثَّانِيَ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ إلَّا بَعْدَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّ

стр. 545

سَبَبَهَا الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ وُجُودِ الْأَوَّلِ فَإِذَا خَرَجَ الْأَوَّلُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا انْتَقَلَ إلَى الْأَبْعَدِ. الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ. فَمِنْهُ " لَوْ " طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ فَلَهُ نِصْفُ بَدَلِهِ فَلَوْ زَالَ وَعَادَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ وَإِذَا طَلُقَتْ الْمَرْأَةُ عَادَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لَمْ يَعُدْ حَقُّهَا. وَلَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ الْمَرْهُونُ بَعْدَ الْقَبْضِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَوْ عَادَ عَادَ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ اشْتَرَى مَعِيبًا ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ فَلَا أَرْشَ لَهُ فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إقَالَةٍ فَلَهُ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ اشْتَرَى شَيْئًا وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ثُمَّ حُجِرَ عَلَيْهِ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْإِرْثِ فَالْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّ لِصَاحِبِهِ الرُّجُوعَ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِ فِي الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِنَظِيرِهِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ، أَيْ " لِتَلَقِّي " الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا فِي الْهِبَةِ. وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ فَشَرْطُ أَجْزَائِهَا كَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا فَلَوْ خَرَجَ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ثُمَّ عَادَ أَجْزَأَتْ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ ثُمَّ سَافَرَ قَصَرَهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَرَاقَ دَمًا فَلَوْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ

стр. 546

وَلَوْ اشْتَرَى عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا فِي يَدِ الْبَائِعِ ثُمَّ صَارَ خَلًّا هَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ قَالَ فِي الْبَحْرِ فِي الْفُرُوعِ الْمَنْثُورَةِ آخِرَ الرِّبَا: فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَادَ خَلًّا، هَلْ يَعُودُ الْمِلْكُ الْآنَ أَوْ يَتَبَيَّنُ بَقَاءُ الْمِلْكِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا، وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِي الرَّهْنِ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَتَرَكَ خَمْرًا، وَصَارَتْ خَلًّا يُقْضَى مِنْ ثَمَنِهِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، وَتَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ. وَنَظِيرُهُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ هَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ لَا يَبْطُلُ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ " وَعِنْدِي " أَنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، لِأَنَّ الْمَالِيَّةَ زَالَتْ بِمَصِيرِهَا خَمْرًا فَيَسْتَحِيلُ بَقَاءُ الْبَيْعِ، وَإِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ لَا يَعُودُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدٍ. الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ. فَمِنْهُ، لَوْ زَالَ مِلْكُ الْمَوْهُوبِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَرْجِعْ الْأَبُ فِي الْأَصَحِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّدَاقِ السَّابِقَةِ أَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ أَيْ الْبَدَلِ وَحَقِّ الْأَبِ فِي الْعَيْنِ فَقَطْ، وَالْأَوَّلُ آكَدُ. وَلَوْ اشْتَرَى عَيْنًا وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِلْكٍ آخَرَ ثُمَّ حُجِزَ عَلَيْهِ " بِالْفَلَسِ "، فَلَيْسَ لِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ خَمْرٍ فَتَحَوَّلَ بِيَدِ غَيْرِهِ لَمْ يَعُدْ الْمِلْكُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ رَهَنَ شَاةً، فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ، فَلَوْ دُبِغَ الْجِلْدُ لَمْ يَعُدْ رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ التَّخْمِيرِ. وَلَوْ جُنَّ قَاضٍ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّتُهُ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، فَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ فِي الْأَصَحِّ.

стр. 547

وَلَوْ قُلِعَ سِنٌّ " مَثْغُورٌ " وَجَبَ الضَّمَانُ، فَلَوْ عَادَتْ لَمْ يَسْقُطْ فِي الْأَظْهَرِ وَمِثْلُهُ " لَوْ " الْتَحَمَتْ الْجَائِفَةُ أَوْ نَبَتَ اللِّسَانُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ وَمِنْهُ عَوْدُ الْيَمِينِ بِعَوْدِ الصِّفَةِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْعَوْدِ. وَلَوْ قَطَعَ أُذُنَهُ، فَأَلْصَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَصَقَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ، وَقَدْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا مِنْ خِلَافٍ مَبْنِيٍّ عَلَى نَجَاسَةِ الْعُضْوِ الْمُبَانِ مِنْ الْآدَمِيِّ. وَلَوْ هَزَلَتْ الْمَغْصُوبَةُ عِنْدَ الْغَاصِبِ ثُمَّ سَمِنَتْ، لَمْ يُجْبَرْ " فِي الْأَصَحِّ " بَلْ يَضْمَنُ النُّقْصَانَ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ جَدِيدَةٌ. وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا كَانَ " الْمُعَلَّقُ " فِيهِ شَرْعِيًّا، إذَا عَادَ فَهُوَ كَاَلَّذِي لَمْ يَزُلْ كَالْمُفْلِسِ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ إقْبَاضِ الثَّمَنِ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ عَادَ، وَإِنْ كَانَ وَضْعِيًّا فَكَاَلَّذِي لَمْ يَعُدْ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الدُّخُولِ، ثُمَّ أَبَانَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَعَادَتْ، لَا يَقَعُ فِي الْأَصَحِّ. [الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْأَصْلَ] َ فِي سَائِرُ الْأَبْوَابِ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْفَلَسِ وَغَيْرِهِمَا، إلَّا فِي الصَّدَاقِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ، إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَا يُرْجَعُ إلَى النِّصْفِ الزَّائِدِ، إلَّا بِرِضَا الْمَرْأَةِ.

стр. 548

وَالزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ لَا تَتْبَعُ الْأَصْلَ فِي الْكُلِّ. وَعَبَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَالَ حُكْمُ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَنْ تَتْبَعَ الْمَالِكَ دُونَ الْمِلْكِ فَرَدُّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ لَا يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُ الْمِلْكَ دُونَ الْمَالِكِ، كَمَا أَنَّ رَدَّ الْأَصْلِ بِالْعَيْبِ يُوجِبُ رَدَّ زِيَادَتِهِ " الْمُتَّصِلَةِ. وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ إنْشَاءُ تَصَرُّفٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ فِي مِلْكِهِ، فَيَحْدُثُ بِهِ الْمِلْكُ عَلَى نِصْفِ مَا سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى، فَانْتَقَلَ إلَى الْبَدَلِ، وَفِي مَسْأَلَتِنَا " فَسْخُ " الْعَقْدِ لِمَعْنًى ظَهَرَ مِنْ بَعْدُ فَاسْتَنَدَ إلَى حَالِ الْعَقْدِ حُكْمًا، وَجُعِلَ كَأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَكُنْ كَالْوَاهِبِ يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ، وَالْبَائِعُ يَرُدُّ " الْعَيْنَ بِالْعَيْبِ " وَقَدْ يُضَافُ لِصُورَةِ الصَّدَاقِ الْمُسْتَثْنَاةِ: الْعَيْنُ " الْمَوْهُوبَةُ " لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهٍ وَكَذَلِكَ اللُّقَطَةُ، إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً ثُمَّ ظَهَرَ مَالِكُهَا، فَإِنَّهُ يَنْحَصِرُ حَقُّهُ فِي قِيمَتِهَا عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. [الزِّيَادَةُ الْيَسِيرَةُ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ لَا أَثَرَ لَهَا] ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا غَبْنٌ مَا، كَمَا فِي الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَعَدْلِ الرَّهْنِ " وَنَحْوِهِ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا كَانَ شَرْعِيًّا عَامًّا، كَمَا فِي الْمُتَيَمِّمِ، إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَا تَلْزَمُهُ

стр. 549

فِي " الْأَصَحِّ، وَقِيلَ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهَا وَجَبَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ " بَيْنَهُ " وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَنَّ مَا وَضَعَهُ الشَّارِعُ، وَهُوَ حَقٌّ لَهُ " بُنِيَ " عَلَى الْمُسَامَحَةِ. أَمَّا وِجْدَانُ الْوَاجِبِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمُعْتَادِ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْغَاصِبُ الْمِثْلَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ، لَا يُكَلَّفُ تَحْصِيلُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجَانِي إبِلٌ، وَفِي إبِلِ الْبَلْدَةِ، غَالِبٌ، وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ بِزَائِدٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ، وَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ قَطْعًا، وَلَمْ " يُجْرُوا " فِيهِ خِلَافَ الْغَصْبِ وَلَا يَبْعُدُ التَّعَدِّيَةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُكَفِّرُ الرَّقَبَةَ تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، لَا يَجِبُ الشِّرَاءُ، بَلْ يَصُومُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلِهَذَا " إذَا " كَانَ الزَّادُ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ لَا يَجِبُ الْحَجُّ. وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَهُ الْعُدُولُ إلَى الْأَمَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ طَعَامًا يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ يَجِبُ الشِّرَاءُ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. [الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ] " الزِّيَادَةُ " عَلَى الْعَدَدِ إذَا لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ شَرْعًا، لَا يُتَأَثَّرُ بِفَقْدِهِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ ثَمَانِيَةٌ عَلَى شَخْصٍ بِالزِّنَا، فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ " أَرْبَعَةٌ " عَنْ

стр. 550

الشَّهَادَةِ، لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ رَجَعَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ ضَمِنُوا " لِنُقْصَانِ " مَا بَقِيَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، لَكِنْ خَالَفُوا هَذَا فِيمَا لَوْ مَلَكَ تِسْعَةً مِنْ الْإِبِلِ وَحَالَ " عَلَيْهَا " الْحَوْلُ، ثُمَّ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ أَرْبَعٌ، فَإِنْ قُلْنَا الْوَقْصُ عَفْوٌ كَمَا الْأَصَحُّ فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ سَقَطَ عَلَى الْجَمِيعِ فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا " لَمْ " تَكُنْ شَرْطًا فِي وُجُودِ الشَّاةِ لَمْ يَسْقُطْ شَيْءٌ بِتَلَفِهَا. وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ " عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِجَمِيعِ التِّسْعِ، فَحِصَّةُ كُلِّ بَعِيرٍ " مِنْهَا " تُسْعٌ، فَيَسْقُطُ بِتَلَفِ الْأَرْبَعِ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ وَيَبْقَى الْبَاقِي. [الزَّرْعُ النَّابِتُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ] ِ أَقْسَامٌ " الْأَوَّلُ ": أَنْ يُزْرَعَ تَعَدِّيًا فَيُقْلَعَ مَجَّانًا، وَلَيْسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ»

стр. 551

نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ " الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ "، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ بِهِ أَحْمَدُ مَا دَامَ الزَّرْعُ فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ " كَانَ " حُصِدَ فَإِنَّمَا لَهُمْ الْأُجْرَةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْخَبَرُ إمَّا مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ زَرْعُ أَرْضِهِمْ بِبَذْرِهِمْ عَلَى خِلَافِ شَرْطِهِمْ، فَالزَّرْعُ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَقَالَ " الطَّحَاوِيُّ " فِي مُشْكِلِ الْآثَارِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، إلَّا " شَرِيكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيّ، وَهُوَ قَوْلٌ حَسَنٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى أَرْضٌ تُؤْجَرُ وَقْتَ الزِّرَاعَةِ بِعِشْرِينَ الْفَدَّانِ، وَإِذَا أَوْجَرْت بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى الْمَغْلِ أَوْجَرْت بِأَرْبَعِينَ، فَغَصَبَهَا غَاصِبٌ وَزَرَعَهَا، وَلَمْ يُطَالِبْهُ

стр. 552

صَاحِبُهَا إلَى أَوَانِ الْمَغْلِ، وَالْوَاقِعُ فِي الْأَرْضِ أَنَّ الزَّرْعَ يَبْطُلُ مَنْفَعَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى اعْتِبَارُ كُلِّ مُدَّةٍ " فِي نَحْوِهَا ". وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ، إنَّمَا تَكُونُ حَالَّةً فَهَلْ يَضْمَنُ الْعِشْرِينَ فَقَطْ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ " عَلَيْهِ " وَقْتَ زِرَاعَتِهِ حَالَّةً؟ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ " هُنَا ضَمَانَيْنِ ": أَحَدُهُمَا ضَمَانُ " جِنَايَتِهِ " بِإِبْطَالِهِ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ بِزَرْعِهِ فَيَضْمَنُهُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ حَالًّا، وَثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَوَاءٌ " طَلَبَ " أَمْ لَا. وَالثَّانِي ضَمَانُ أُجْرَةِ بَقَاءِ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ إمَّا " لِاسْتِمْرَارِ " زَرْعِهِ " فِيهَا أَوْ لِغَيْرِهِ. وَهَذَا يَجِبُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَأَيُّ وَقْتٍ حَضَرَ الْمَالِكُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ضَمَانَ الْمَنْفَعَةِ الْفَائِتَةِ بِجِنَايَتِهِ " وَوَقْتِ " تَفْوِيتِهَا وَضَمَانِ أُجْرَةِ " مِثْلِ " الْمُدَّةِ الَّتِي أَقَامَتْ فِي يَدِهِ. " الثَّانِي " زَرَعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَقَدْ " سَبَقَتْ " " الثَّالِثُ ": أَنْ يَنْبُتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَمَا لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إلَى أَرْضِ الْغَيْرِ فَنَبَتَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَحَبَّةٍ أَوْ نَوَاةٍ، فَهَلْ النَّابِتُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ أَوْ لِصَاحِبِ الْحَبِّ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.

стр. 553

وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ إذْ لَا تَسْلِيطَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ " الرَّابِعُ ": أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي شَيْءٍ " فَزَرَعَ " مَا ضَرَرُهُ أَعْظَمُ مِنْهُ " كَمَا " لَوْ اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ فَزَرَعَ الْقُطْنَ فَلِلْمَالِكِ الْقَطْعُ مَجَّانًا فَإِنْ مَضَتْ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَفِي الْمَطْلَبِ إنْ قُلْنَا فِي نَظِيرِهِ " مِنْ " الْأُجْرَةِ تَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَكَذَا هُنَا وَإِنْ قُلْنَا يَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ " فَهُنَا " تَرَدُّدٌ. " الْخَامِسُ ": أَنْ يَزْرَعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ بِبَذْرِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا يَزْرَعُ بِالْمُقَاسَمَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَعَادَةِ الشَّامِ فَإِنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ " أَهْلُ " الشَّامِ " وَأَجَازَهُ " بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ وَوَجْهُهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفَلَّاحَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْبَذْرِ " لِصَاحِبِ " الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا " فَثَبَتَتْ " عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا عَرَفْت هَذَا وَتَعَدَّى شَخْصٌ عَلَى أَرْضٍ " وَغَصَبَهَا " وَهِيَ فِي يَدِ الْفَلَّاحِ فَزَرَعَهَا عَلَى عَادَتِهِ لَا نَقُولُ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ بَلْ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى حُكْمِ الْمُقَاسَمَةِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ تَنْفَعُ فِي الْأَحْكَامِ. " فَائِدَةٌ أَعَارَ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَزَرَعَ وَرَجَعَ الْمُعِيرُ " فَهَلْ " لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْقَلْعِ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ إنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ فَصِيلًا فِي الْعُرْفِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقَطْعِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا " يَسْتَحْصِدُهُ " لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَتُهُ وَيُقَالُ لَهُ " إنْ شِئْت "

стр. 554

أَذِنْت فَأَعْطِهِ قِيمَةَ زَرْعِهِ قَائِمًا وَإِنْ امْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ كَانَ عَلَيْهِ " أُجْرَةُ " مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى الْحَصَادِ.

стр. 555

[حَرْفُ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ] [ السَّبَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ] ِ السَّبَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: قِيلَ فِي حَقِيقَتِهِ: مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْحُكْمِ وَيَكُونُ طَرِيقًا فِي ثُبُوتِهِ كَالنِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا عُكِسَ قِيلَ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا رَتَّبَ حُكْمًا عَقِبَ أَوْصَافٍ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا " مُنَاسَبَةً " فَالْجَمِيعُ عِلَّةٌ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَإِنْ نَاسَبَ الْبَعْضَ فِي ذَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ فَالْمُنَاسِبُ فِي ذَاتِهِ سَبَبٌ وَالْمُنَاسِبُ فِي غَيْرِهِ شَرْطٌ فَالنِّصَابُ يَشْتَمِلُ عَلَى " الْغَنِيِّ " وَنِعْمَةُ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ وَالْحَوْلُ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ " فَالتَّمْكِينُ " " بِالتَّنْمِيَةِ " فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ فَهُوَ شَرْطٌ " لَهُ " وَقَدْ يُطْلِقُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْجِنَايَاتِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ كُلُّ مَا يَحْصُلُ الْهَلَاكُ مَعَهُ فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ بِهِ فَيَكُونَ عِلَّتُهُ كَالتَّرْدِيَةِ فِي الْبِئْرِ أَوْ يَحْصُلَ عِنْدَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى لَكِنْ لَوْلَاهُ لَمْ تُؤَثِّرْ الْعِلَّةُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ فَهُوَ سَبَبٌ وَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ وِفَاقًا وَلَا يَقِفُ الْعَمَلُ عَلَى وُجُودِهِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا إذَا ضَرَبَهُ ضَرْبَةً خَفِيفَةً فَمَاتَ فَهَذَا لَا يُجْعَلُ سَبَبًا بَلْ هُوَ مُوَافَقَةُ قَدَرٍ. الثَّانِي: يَنْقَسِمُ السَّبَبُ إلَى قَوْلِيٍّ وَفِعْلِيٍّ

стр. 556

فَالْقَوْلِيُّ كَالتَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالتَّلَفُّظِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالظِّهَارِ وَالرَّجْعَةِ. وَالْفِعْلِيُّ كَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ وَالْإِحْيَاءِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْوَطْءِ الْمُقَرِّرِ لِكَمَالِ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ. فَالْأَوَّلُ هَلْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الصِّيغَةِ أَمْ بِتَمَامِهَا فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ " أَنَّهُ " هَلْ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ أَوْ بِالْفَرَاغِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّلِهِ وَجْهَانِ يَبْنِي عَلَيْهِمَا مَا لَوْ رَأَى الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَعَلَى قِيَاسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي الْبَيْعِ وَجْهٌ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ بِأَوَّلِ لَفْظِ الْقَبُولِ وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. " وَقَالَ " ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ " ﵀ " أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَقْتَرِنُ بِآخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ أَسْبَابِهَا فَتَقْتَرِنُ الْحُرِّيَّةُ بِالرَّاءِ مِنْ أَنْتَ حُرٌّ وَالطَّلَاقُ بِالْقَافِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ، قَالَ وَهُوَ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَإِذَا قَالَ اُقْعُدْ كَانَ أَمْرًا مَعَ الدَّالِ وَكَذَلِكَ لَا تَقْعُدْ. " وَقَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْكَفَّارَةِ: اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَسَائِرَ الْأَلْفَاظِ هَلْ يَثْبُتُ " حُكْمُهَا " مَعَ " الْجُزْءِ " الْأَخِيرِ مِنْ اللَّفْظِ أَمْ " عَقِبَ " " تَمَامِ " أَجْزَائِهِ عَلَى الِاتِّصَالِ؟ وَجْهَانِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الثَّانِي. انْتَهَى.

стр. 557

" وَأَمَّا الثَّانِي " وَهُوَ الْفِعْلِيُّ فَفِيهِ الْخِلَافُ " السَّابِقُ أَيْضًا ". وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا لَوْ ارْتَضَعَ الصَّبِيُّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَحْصُلَ التَّحْرِيمُ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ هَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ مَعَ الرَّضْعَةِ الْخَامِسَةِ أَوْ عَقِبَهَا فِيهِ وَجْهَانِ. وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يَتَقَدَّمُ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى سَبَبِهِ كَالدِّيَةِ " فَإِنَّا " نُقَدِّرُ دُخُولَهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ قُبَيْلَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَإِلَّا لَمْ تُوَرَّثْ عَنْهُ وَلَمْ تُنَفَّذْ " فِيهَا " وَصَايَاهُ وَدُيُونُهُ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَمْتَدُّ زَمَانُهُ. فَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ لَهُ أَوَّلٌ وَآخِرُ وَحَقِيقَةٌ تَتِمُّ بِآخِرِهِ كَالْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ بِخُرُوجِهِ أَوْ بِانْقِطَاعِهِ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ فَيَجِبُ بِخُرُوجِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الثَّانِيَ، وَزَادَ وَجْهًا رَابِعًا وَهُوَ " بِالْقِيَامِ " إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ هُوَ هُوَ، فَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْخُرُوجِ يُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا عِنْدَ الِانْقِطَاعِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الِانْقِطَاعَ " شَرْطٌ " فِي الثَّانِي " وَشَرْطٌ " فِي الثَّالِثِ. وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ هَلْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَالْيَمِينُ جَمِيعًا أَوْ سَبَبُهَا الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ شَرْطٌ، أَوْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ وَحْدَهُ؟ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ فَلَا تُغَسَّلُ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ

стр. 558

الثَّانِيَةُ: إذَا قُلْنَا الْحَائِضُ لَا تُمْنَعُ الْقِرَاءَةَ فَأَجْنَبَتْ فَإِنْ قُلْنَا غُسْلُ الْحَيْضِ لَا يَجِبُ بِالْخُرُوجِ اغْتَسَلَتْ عَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَلَا. الثَّالِثُ: هَلْ يَجِبُ التَّعَرُّضُ لَهُ " فِي الْإِخْبَارَاتِ " وَالْإِنْشَاءَاتِ. الْأَصْلُ أَنَّ مَا لَزِمَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّعَرُّضِ لِسَبَبِهِ وَمَا اخْتَلَفَ أَمْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ. وَلِهَذَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ دُونَ التَّعْدِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَزِمَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْإِخْبَارِ بِالنَّجَاسَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُظَنَّ " أَنَّ " مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ نَجِسًا وَالشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُلْحَقَةٌ " بِالْجَرْحِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَلَا يُقْبَلُ خِلَافًا لِتَرْجِيحِ الرَّافِعِيِّ. " وَلَا بُدَّ مِنْ " التَّفْصِيلِ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْتَقِدُ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ كُفْرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَيَذْكُرُ أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ أَوْ شُورِكَ وَأَنَّهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ أَوْ شِبْهُ عَمْدٍ. قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ " لَوْ " شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مُطَلَّقَةٌ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَذْكُرُوا لَفْظَ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ " قَالَ لَهَا يَا بَائِنَةُ " أَوْ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَنَحْوُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ وَكَانَ. عِنْدَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ " طَلَاقٌ ".

стр. 559

وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ جَزَمَ الْجُمْهُورُ بِالْقَبُولِ وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا بُدَّ مِنْ " التَّعَرُّضِ " لِإِيضَاحِ الْعَظْمِ لِأَنَّ الْإِيضَاحَ لَيْسَ مُخَصَّصًا بِذَلِكَ ". وَلَوْ شَهِدَا بِدَيْنٍ أَوْ مِلْكٍ " يَثْبُتُ " الدَّيْنُ وَالْمِلْكُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا سَبَبًا. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَسْبَابِ الْمُثْبِتَةِ لِلدَّيْنِ وَالْمِلْكِ. قُلْت إنَّمَا تُقْبَلُ مُطْلَقَةً عِنْدَ عَدَمِ الْمُنَازِعِ، وَأَمَّا عِنْدَ ذِكْرِ " الِانْتِقَالِ " مِنْ مَالِكٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ السَّبَبِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ ادَّعَى نِكَاحَ امْرَأَةٍ لَا يَكْفِيهِ الْإِطْلَاقُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ وَالتَّعَرُّضِ لِشَرَائِطِ النِّكَاحِ بِخِلَافِ دَعْوَى الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ " السَّبَبِ قَطْعًا لَوْ " شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ لَمْ يُسْمَعْ قَطْعًا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ " الِاسْتِحْقَاقِ " مِنْ شَرِكَةٍ أَوْ جِوَارٍ. وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ هَذَا وَارِثُهُ لَمْ تُسْمَعْ أَيْضًا، لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلِاخْتِلَافِ قَدْرِ التَّوْرِيثِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَا جِهَةَ الْمِيرَاثِ مِنْ أُبُوَّةٍ أَوْ بُنُوَّةٍ وَغَيْرِهِ، وَنَظِيرُهُ إذَا أَقَرَّ بِوَارِثٍ " مُطْلَقًا " لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى إقْرَارِهِ شَيْءٌ حَتَّى يُعَيِّنَ جِهَةَ الْإِرْثِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ السَّبَبَ " خِلَافًا لِلْهَرَوِيِّ "، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَيُحْتَاطُ هُوَ لِنَفْسِهِ،

стр. 560

بِخِلَافِ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى وَرَثَتِهِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا مُحَرِّمًا، فَالْأَصَحُّ لَا يُقْبَلُ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا مُوَافِقًا قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ الْأَصْلُ أَوْ يُصْغِيَ إلَيْهِ فِي مَجْلِسِ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ أَوْ يُبَيِّنُ سَبَبَهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ إتْلَافٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي الِاسْتِنَادُ لِسَبَبٍ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ. تَنْبِيهٌ: اسْتَثْنَوْا مِمَّا يُشْتَرَطُ فِيهِ بَيَانُ السَّبَبِ مَا لَوْ كَانَ الْمُطَلِّقُ فَقِيهًا مُوَافِقًا فَلَا يَحْتَاجُ لِبَيَانِ السَّبَبِ، كَمَا فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَالْقِيَاسُ إلْحَاقُ بَقِيَّةِ نَظَائِرِهِ بِهِ، وَقَدْ قَالُوا لِيُبَيِّنَ شَاهِدُ الْفَرْعِ عِنْدَ الْأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ، وَبَحَثَ الرَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي شَاهِدَيْ الْجَرْحِ أَيْضًا فَائِدَةٌ: الِاخْتِلَافُ فِي السَّبَبِ غَيْرُ مُضِرٍّ فِي الْإِقْرَارِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لَا، بَلْ مِنْ دَارِ، لَمْ يَضُرَّ، وَيُحْتَمَلُ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ السَّبَبِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَلَوْ ذَكَرَ الْمُدَّعِي " سَبَبًا، وَالشُّهُودُ " سَبَبًا آخَرَ ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِمُنَاقَضَتِهَا الدَّعْوَى. الرَّابِعُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَى السَّبَبِ تَارَةً بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَتَارَةً بِسَبَبَيْنِ وَتَارَةً بِثَلَاثَةٍ فَالْأَوَّلُ: يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ، " لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ يَسْتَدْعِي وُجُودَ السَّبَبِ " كَزَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ " فِيهِ " الْحَوْلُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ وَكَذَا زَكَاةُ الثِّمَارِ

стр. 561

وَنَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ، وَقَالَ بَلْ لَهَا سَبَبَانِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ وَإِدْرَاكُهَا وَالْإِدْرَاكُ تَمَامُهُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمِنْهُ كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْوِقَاعِ فِي الْأَصَحِّ، وَدَمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ قَبْلَ جُرْحِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهُ " عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ احْتِمَالٌ " فِيهِ " تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ. وَلَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا قَطْعًا، وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ " شَهْرِ " رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ " مِنْ يَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ " أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنْ " أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ "، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِوَالِدِ الرُّويَانِيِّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ فِي السَّبَبِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى صَيْدٍ فَقَدَّمَ الْجَزَاءَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " ﵀ " جَوَّزَهُ قَالَ: وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِحْرَامَ أَحَدَ سَبَبَيْهِ فَلِذَلِكَ " جَوَّزَهُ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَوَّزَهُ قَبْلَ الْجُرْحِ، إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى هَذَا وَجْهًا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ، وَجَعَلَ الْمَذْهَبَ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَامْتِنَاعِهِ قَبْلَهُ سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُضْطَرًّا أَوْ مُخْتَارًا، لِأَنَّهُ " لَمْ " يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِحْرَامِ نَعَمْ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ مَا لَوْ

стр. 562

احْتَاجَ الْمُحْرِمُ لِلُّبْسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إلَى الطِّيبِ وَالْحَلْقِ لِمَرَضٍ، فَقَدَّمَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، إذَا لَمْ يُجْعَلْ الْإِحْرَامُ سَبَبًا، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّيْدِ أَنَّ الِاضْطِرَارَ بِصِيَالِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ لِجَوَازِ انْصِرَافِهِ عَنْهُ. " وَالثَّانِي " أَنْ يَجِبَ " بِسَبَبَيْنِ " يَخْتَصَّانِ بِهِ، فَيَجُوزُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْآخَرِ "، إذَا كَانَ مَالِيًّا، فَخَرَجَ " بِالْمَالِيِّ " الْبَدَنِيُّ، فَإِنَّهُ إمَّا مُؤَقَّتٌ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهُ وَجَمْعُ التَّقْدِيمِ لَيْسَ " يَتَقَدَّمُ " عَلَى الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ الْوَقْتُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، " وَلِهَذَا يَقَعُ " أَدَاءً، " وَكَذَلِكَ " التَّأْذِينُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَمَا صَلَّى يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ تَقْدِيمًا. وَمِثْلُهُ الْفَقِيرُ يَحُجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَإِمَّا غَيْرُ مُؤَقَّتٍ كَالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَقَوْلُنَا: يَخْتَصَّانِ بِهِ، احْتِرَازٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهِ، كَمَا لَا يَجِبُ بِهِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ، لَيْسَ لِلْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فِيهَا خُصُوصِيَّةٌ بَلْ " الزَّكَاةُ " كَذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ هَذَا النَّوْعِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. وَمِنْهُ زَكَاةُ الْمَوَاشِي وَالنَّقْدَيْنِ تَجِبُ بِسَبَبَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا، وَهُمَا النِّصَابُ

стр. 563

وَالْحَوْلُ، وَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُ " اسْتِنَادٌ " إلَى السَّبَبِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ وَقَدْ وُجِدَ جُزْؤُهُ وَالْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَجِبُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ لَوْ أَعْطَى الْمُتْعَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ. وَمِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا: إدْرَاكُ رَمَضَانَ وَالْفِطْرُ. وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ رَمَضَانَ " لِلتَّقَدُّمِ " عَلَى السَّبَبِ وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا تَدْفَعُ إلَّا فِدْيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يُعَجَّلُ إلَّا زَكَاةُ عَامٍّ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْفِدْيَةِ " لِتَأَخُّرِ " قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ آخَرَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الثَّانِي، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ كَتَعْجِيلِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ " لِمَعْصِيَةٍ ". وَالثَّالِثُ: أَنْ تَجِبَ بِأَسْبَابٍ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَبَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: عَقْدِ النِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وَالظِّهَارُ شَرْطٌ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَإِنْ قُلْنَا " بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعَوْدِ. وَمِثْلُهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ " بِسَبَبَيْنِ " كَمَا سَبَقَ. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: " إذَا زَالَ " السَّبَبُ هَلْ يَزُولُ مُسَبِّبُهُ إنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ " تَعَالَى " لَمْ

стр. 564

يَزُلْ، وَإِلَّا زَالَ غَالِبًا. فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِرْسَالَ، فَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ بِتَعَدِّيهِ بِالْإِمْسَاكِ. وَمِنْهُ: لَوْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا. وَمِنْهُ: الْخَمْرُ الَّذِي يَجِبُ إرَاقَتُهَا، إذَا خُلِّلَتْ بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ لَا تُسْقِطُ وُجُوبَ الْإِرَاقَةِ، بَلْ يَدُومُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْإِزَالَةِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقِيَاسُهُ فِيمَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَدْمِ الدَّارِ " الَّتِي " أَعْلَاهَا الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُسْلِمِ " فَبَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْهَدْمِ، لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ السَّيِّدُ لَا نَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِسْلَامِ. وَمِنْ الثَّانِي: مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ زَوَالِهِ، وَخِيَارِ الْعَتِيقَةِ بَعْدَ عِتْقِ زَوْجِهَا وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الشَّفِيعِ، كُلُّ ذَلِكَ يُسْقِطُ الْحَقَّ فِي الْأَصَحِّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ، وَكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى زَالَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرَّدُّ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا طَرَأَ مِنْ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَانَ نِعْمَةً حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بِالْعَيْبِ قَدْ قَابَلَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ سَلِيمٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ. وَقَطَعُوا فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ بِنَفْيِ الْخِيَارِ إذَا زَالَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَأَجْرَوْا خِلَافًا فِي عُيُوبِ " الْبَيْعِ " وَمِنْهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا ضَمِنَ مَا وَقَعَ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ الْعُدْوَانُ بِأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا " أَوْ رَضِيَ " الْمَالِكُ

стр. 565

بِإِبْقَائِهَا " عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّمِّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي خِلَافًا لِلْإِمَامِ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ ثُمَّ أَقَرَّهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَفْرِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَفَرَهَا لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَذِنَ الْإِمَامُ وَلَا فَرْقَ. [السِّرَايَةُ حَقِيقَتُهَا] " النُّفُوذُ " فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، ثُمَّ تَسْرِي إلَى بَاقِيهِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ " إنَّهُ " مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ " بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ " وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، بِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْهَا لَا يَقَعُ وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْبَائِنِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ الْمُرَادُ بِالتَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ بِجُزْئِهَا الْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ جُزْؤُهَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ " بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِعُضْوِهَا الْمُبَانِ. قِيلَ: كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي أَعْضَائِهَا، فَاسْتُصْحِبَ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَالْأَصْلُ الْعِصْمَةُ، وَلَا يَنْشَأُ " عَدَمُهَا " بِمَجَازٍ ضَعِيفٍ، " وَمِمَّا "
следующие страницы →