← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَنَازَعَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ، وَقَالَ بَلْ لَهَا سَبَبَانِ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ وَإِدْرَاكُهَا وَالْإِدْرَاكُ تَمَامُهُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمِنْهُ كَفَّارَةُ الْمُجَامِعِ لَا تَجُوزُ قَبْلَ الْوِقَاعِ فِي الْأَصَحِّ، وَدَمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ قَبْلَ جُرْحِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ سَبَبًا لِلْجَزَاءِ وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهُ " عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ وَعَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ احْتِمَالٌ " فِيهِ " تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ. وَلَوْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً لَا يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا قَطْعًا، وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ " شَهْرِ " رَمَضَانَ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ " مِنْ يَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ " أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنْ " أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ "، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِوَالِدِ الرُّويَانِيِّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ فِي السَّبَبِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى صَيْدٍ فَقَدَّمَ الْجَزَاءَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ " ﵀ " جَوَّزَهُ قَالَ: وَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْإِحْرَامَ أَحَدَ سَبَبَيْهِ فَلِذَلِكَ " جَوَّزَهُ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَجَوَّزَهُ قَبْلَ الْجُرْحِ، إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى هَذَا وَجْهًا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ، وَجَعَلَ الْمَذْهَبَ جَوَازَ تَقْدِيمِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَامْتِنَاعِهِ قَبْلَهُ سَوَاءٌ قَتَلَهُ مُضْطَرًّا أَوْ مُخْتَارًا، لِأَنَّهُ " لَمْ " يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَقِيلَ يَجُوزُ لِوُجُودِ الْإِحْرَامِ نَعَمْ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِثْنَاؤُهُ مَا لَوْ

стр. 562

احْتَاجَ الْمُحْرِمُ لِلُّبْسِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إلَى الطِّيبِ وَالْحَلْقِ لِمَرَضٍ، فَقَدَّمَ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، إذَا لَمْ يُجْعَلْ الْإِحْرَامُ سَبَبًا، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صُورَةِ الصَّيْدِ أَنَّ الِاضْطِرَارَ بِصِيَالِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ مَظْنُونٌ لِجَوَازِ انْصِرَافِهِ عَنْهُ. " وَالثَّانِي " أَنْ يَجِبَ " بِسَبَبَيْنِ " يَخْتَصَّانِ بِهِ، فَيَجُوزُ بَعْدَ وُجُودِ أَحَدِهِمَا، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الْآخَرِ "، إذَا كَانَ مَالِيًّا، فَخَرَجَ " بِالْمَالِيِّ " الْبَدَنِيُّ، فَإِنَّهُ إمَّا مُؤَقَّتٌ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهُ وَجَمْعُ التَّقْدِيمِ لَيْسَ " يَتَقَدَّمُ " عَلَى الْوَقْتِ، بَلْ هُوَ الْوَقْتُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، " وَلِهَذَا يَقَعُ " أَدَاءً، " وَكَذَلِكَ " التَّأْذِينُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ بَعْدَمَا صَلَّى يُجْزِئُهُ وَلَيْسَ تَقْدِيمًا. وَمِثْلُهُ الْفَقِيرُ يَحُجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَإِمَّا غَيْرُ مُؤَقَّتٍ كَالصِّيَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَقَوْلُنَا: يَخْتَصَّانِ بِهِ، احْتِرَازٌ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهِ، كَمَا لَا يَجِبُ بِهِ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ، لَيْسَ لِلْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فِيهَا خُصُوصِيَّةٌ بَلْ " الزَّكَاةُ " كَذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِ هَذَا النَّوْعِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ، وَقَبْلَ الْحِنْثِ، وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي. وَمِنْهُ زَكَاةُ الْمَوَاشِي وَالنَّقْدَيْنِ تَجِبُ بِسَبَبَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا، وَهُمَا النِّصَابُ

стр. 563

وَالْحَوْلُ، وَيَجُوزُ التَّقْدِيمُ بَعْدَ وُجُودِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَهُ " اسْتِنَادٌ " إلَى السَّبَبِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ وَقَدْ وُجِدَ جُزْؤُهُ وَالْآخَرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ تَجِبُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ لَوْ أَعْطَى الْمُتْعَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ ثُمَّ طَلَّقَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ عَنْ الْمُتْعَةِ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ. وَمِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِأَمْرَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا: إدْرَاكُ رَمَضَانَ وَالْفِطْرُ. وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ رَمَضَانَ " لِلتَّقَدُّمِ " عَلَى السَّبَبِ وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا تَدْفَعُ إلَّا فِدْيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يُعَجَّلُ إلَّا زَكَاةُ عَامٍّ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ الْفِدْيَةِ " لِتَأَخُّرِ " قَضَاءِ رَمَضَانَ إلَى مَا بَعْدَ رَمَضَانَ آخَرَ قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الثَّانِي، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ كَتَعْجِيلِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ " لِمَعْصِيَةٍ ". وَالثَّالِثُ: أَنْ تَجِبَ بِأَسْبَابٍ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَبَتْ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: عَقْدِ النِّكَاحِ وَالظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَيَمْتَنِعُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا تَجِبُ بِالْعَوْدِ وَالظِّهَارُ شَرْطٌ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ بِهِمَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَإِنْ قُلْنَا " بِهِمَا فَلَا يَجُوزُ " تَقْدِيمُهَا عَلَى الظِّهَارِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْعَوْدِ. وَمِثْلُهُ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ بِالْخُرُوجِ وَالِانْقِطَاعِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ " بِسَبَبَيْنِ " كَمَا سَبَقَ. الْبَحْثُ الْخَامِسُ: " إذَا زَالَ " السَّبَبُ هَلْ يَزُولُ مُسَبِّبُهُ إنْ كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ " تَعَالَى " لَمْ

стр. 564

يَزُلْ، وَإِلَّا زَالَ غَالِبًا. فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ لَهُ، فَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْإِرْسَالَ، فَلَا يَرْتَفِعُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ بِتَعَدِّيهِ بِالْإِمْسَاكِ. وَمِنْهُ: لَوْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَيْتَةً فَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا. وَمِنْهُ: الْخَمْرُ الَّذِي يَجِبُ إرَاقَتُهَا، إذَا خُلِّلَتْ بِصَنْعَةِ آدَمِيٍّ لَا تُسْقِطُ وُجُوبَ الْإِرَاقَةِ، بَلْ يَدُومُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِاسْتِحْقَاقِ الْإِزَالَةِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقِيَاسُهُ فِيمَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَدْمِ الدَّارِ " الَّتِي " أَعْلَاهَا الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُسْلِمِ " فَبَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْهَدْمِ، لَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ السَّيِّدُ لَا نَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ بِالْإِسْلَامِ. وَمِنْ الثَّانِي: مَا لَوْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ بَعْدَ زَوَالِهِ، وَخِيَارِ الْعَتِيقَةِ بَعْدَ عِتْقِ زَوْجِهَا وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الشَّفِيعِ، كُلُّ ذَلِكَ يُسْقِطُ الْحَقَّ فِي الْأَصَحِّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ، وَكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ حَتَّى زَالَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الرَّدُّ وَلَا نَظَرَ إلَى مَا طَرَأَ مِنْ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي كَانَ نِعْمَةً حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بِالْعَيْبِ قَدْ قَابَلَهُ جُزْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ الثَّمَنَ فِي مُقَابَلَةِ سَلِيمٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ. وَقَطَعُوا فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ بِنَفْيِ الْخِيَارِ إذَا زَالَتْ قَبْلَ الْفَسْخِ، وَأَجْرَوْا خِلَافًا فِي عُيُوبِ " الْبَيْعِ " وَمِنْهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ تَعَدِّيًا ضَمِنَ مَا وَقَعَ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَنْقَطِعَ الْعُدْوَانُ بِأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ مَالِكِهَا " أَوْ رَضِيَ " الْمَالِكُ

стр. 565

بِإِبْقَائِهَا " عَلَى الْأَصَحِّ، أَوْ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّمِّ عِنْدَ الْمُتَوَلِّي خِلَافًا لِلْإِمَامِ، وَلَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ حَفَرَهَا فِي الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ، فَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ ثُمَّ أَقَرَّهُ الْإِمَامُ عَلَى ذَلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَفْرِ ابْتِدَاءً حَتَّى لَا يَضْمَنَ بِالْوَاقِعِ فِيهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَفَرَهَا لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَذِنَ الْإِمَامُ وَلَا فَرْقَ. [السِّرَايَةُ حَقِيقَتُهَا] " النُّفُوذُ " فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، ثُمَّ تَسْرِي إلَى بَاقِيهِ، كَمَا فِي الْعِتْقِ بِالِاتِّفَاقِ، وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ " إنَّهُ " مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ " بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ " وَأَيَّدَ الرَّافِعِيُّ الْأَوَّلَ، بِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى عُضْوٍ مُبَانٍ مِنْهَا لَا يَقَعُ وَلَوْ كَانَ بِطَرِيقِ التَّعْبِيرِ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلِّ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ الْبَائِنِ، وَالْمُتَّصِلِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي جَوَابِهِ الْمُرَادُ بِالتَّعْبِيرِ بِالْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ بِجُزْئِهَا الْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ. فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ جُزْؤُهَا مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ " بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ النَّظَرِ لِعُضْوِهَا الْمُبَانِ. قِيلَ: كَانَ الْأَصْلُ التَّحْرِيمَ فِي أَعْضَائِهَا، فَاسْتُصْحِبَ التَّحْرِيمُ، وَأَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَالْأَصْلُ الْعِصْمَةُ، وَلَا يَنْشَأُ " عَدَمُهَا " بِمَجَازٍ ضَعِيفٍ، " وَمِمَّا "

стр. 566

يُؤَيِّدُهُ، أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَالَ لَوْ أُبِينَ شَعْرَ الْأَمَةِ، ثُمَّ عَتَقَتْ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، وَالْعِتْقُ لَا يَتَعَدَّى إلَى الْمُنْفَصِلِ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ، لَا يَقَعُ عَلَى الْمُنْفَصِلِ، " وَقَدْ يَسْرِي الرِّقُّ " فِيمَا إذَا اخْتَارَ الْإِمَامُ رِقَّ بَعْضِ أَسِيرٍ، لِلْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ مَنَعْنَا سَرَى الرِّقُّ لِبَاقِيهِ " قَالَ الرَّافِعِيّ "، وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَا يَرِقُّ شَيْءٌ. وَلَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْقِصَاصِ سَقَطَ كُلُّهُ. وَمِثْلُهُ لَوْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَأْخُوذِ بِالشُّفْعَةِ سَقَطَتْ كُلُّهَا، وَلَا يَتَبَعَّضُ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْقَاءِ الضَّرَرِ، ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ صَحَّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ مَحَلِّ " ذَلِكَ " التَّصَرُّفِ كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ وَمَا لَا فَلَا، كَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْإِيلَاءُ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ، وَلَا تَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ، إلَّا " فِي " الْفَرْجِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا يُسْتَدْرَكُ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ صِحَّةُ " الْإِضَافَةِ " إلَى الْبَعْضِ فِي الْجُمْلَةِ، " لَا " فِي جَمِيعِ آحَادِهِ، وَالْإِيلَاءُ يُضَافُ إلَى بَعْضٍ خَاصٍّ، وَاسْتَدْرَكَ " الْقَاضِي الْبَارِزِيُّ الْوَصِيَّةَ "، فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ، ذَكَرَهُ " فِي " التَّمْيِيزِ وَيُسْتَدْرَكُ " عَلَيْهَا " صُوَرٌ: مِنْهَا: إنَّ تَعْلِيقَ الْفَسْخِ لَا يَجُوزُ، فَإِذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَوَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقُلْنَا لَا يَجُوزُ إفْرَادُ الْمَعِيبِ بِالرَّدِّ، فَلَوْ رَدَّهُ كَانَ رَدًّا لَهُمَا عَلَى وَجْهٍ.

стр. 567

وَمِنْهَا " الْكَفَالَةُ "، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا وَيَصِحُّ أَنْ تُضَافَ إلَى بَعْضِ الْمَحَلِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا. وَمِنْهُمَا التَّدْبِيرُ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ دَبَّرْت يَدَك أَوْ رِجْلَك لَمْ يَصِحَّ التَّدْبِيرُ عَلَى وَجْهٍ. وَمِنْهَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرُّجُوعِ فِي التَّدْبِيرِ، إنْ قُلْنَا يَرْجِعُ " بِالْقَوْلِ " فِيهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، وَلَوْ قَالَ رَجَعْت فِي رَأْسِك، فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا فِي جَمِيعِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي. وَمِنْهَا: الْإِبْرَاءُ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ، عَفَوْت عَنْ بَعْضِ دَمِك، قَالَ فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إنْ قُلْنَا الْبَرَاءَةُ عَنْ الْمَجْهُولِ تَجُوزُ، فَهَذَا أَجْوَزُ، وَإِنْ قُلْنَا تَمْتَنِعُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تَجُوزُ، لِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ الْبَعْضِ مِنْهُ كَالْعَفْوِ عَنْ الْكُلِّ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ زَانٍ، لَا يَكُونُ " قَاذِفًا ". وَلَوْ قَالَ زَنَى قُبُلُك أَوْ دُبُرُك كَانَ قَاذِفًا السِّرَايَةُ فِي الْأَشْقَاصِ لَا فِي الْأَشْخَاصِ وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهٌ الْحَامِلَ بِمَمْلُوكٍ لَهُ عِتْقُ الْحَمْلِ لَا بِالسِّرَايَةِ، بَلْ بِالتَّبَعِيَّةِ، كَمَا يَتْبَعُهَا فِي الْبَيْعِ، " وَهَذَا " يَرُدُّ قَوْلَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ: لَا يَسْرِي الْعِتْقُ

стр. 568

عَنْ " شَخْصٍ إلَى آخَرَ، إلَّا عَتَاقَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ، فَإِنَّهُ يَسْرِي إلَى جَنِينِهَا. وَلَوْ مَلَكَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَأَعْتَقَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ. وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً وَمَلَكَ الْآخَرُ حَمْلَهَا، فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ إلَى الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَصِيبِ الْغَيْرِ تَنْفُذُ السِّرَايَةُ فِيهِ مَعَ الْيَسَارِ، وَلَا تَنْفُذُ فِي حَمْلِ الْغَيْرِ مَعَ الْيَسَارِ إنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّرِكَةِ " مُخْتَلِطٌ " بِمِلْكِ صَاحِبِهِ وَمَا مِنْ جُزْءٍ إلَّا وَهُوَ شَائِعٌ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا نَوَى الشُّرُوعَ مَرَّتْ الْحُرِّيَّةُ إلَى الْبَاقِي، فَأَمَّا الْحَمْلُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِ الْأُمِّ " فَهُوَ " نَفْسٌ " يَنْفَرِدُ " عَنْ الْأَصْلِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ " يَنْفَصِلُ إلَى مُدَّةٍ وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ دُونَ الْأُمِّ. وَأَمَّا نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَكَّ " قَطُّ " عَنْ نَصِيبِهِ، وَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا. [السَّفَرُ قِسْمَانِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ] ٌ: فَالطَّوِيلُ مَرْحَلَتَانِ، وَالْقَصِيرُ مَا دُونَ ذَلِكَ. وَضَبَطَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ، بِأَنْ يُفَارِقَ الْبَلَدَ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ مُقِيمًا لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ سَمَاعِهِ النِّدَاءَ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِمِيلٍ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي

стр. 569

اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْحَجِّ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْأَشْبَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ يُشِيرُ إلَيْهِ. " وَيَخْرُجُ " عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ يَبَرُّ بِمَاذَا، وَرُخَصُ السَّفَرِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الرَّاءِ. [السَّفِيهُ تَصَرُّفَاتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ] أَحَدُهَا مَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ، وَلَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ غَالِبُ تَصَرُّفِهِ الْمَالِيِّ. ثَانِيهَا - مَا يَصِحُّ بِإِذْنِهِ وَهُوَ النِّكَاحُ. ثَالِثُهَا - مَا يَصِحُّ مِنْهُ سَوَاءٌ أَذِنَ الْوَلِيُّ أَمْ لَا، وَهُوَ عِبَادَاتُهُ، وَبَعْضُ تَصَرُّفِهِ الْمَانِعِ، كَالْتِزَامِهِ الْجِزْيَةَ، وَمُصَالَحَتِهِ عَنْ الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَنِكَاحِهِ الْأَمَةَ عِنْدَ خَوْفِ الْعَنَتِ، وَمَنْعِهِ الْوَلِيَّ يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ. وَلَوْ حَفَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْمَطَاعِمِ وَنَحْوِهَا، وَامْتَنَعَ الْوَلِيُّ وَعَسُرَتْ مُرَاجَعَةُ الْحَاكِمِ، قَالَ الْإِمَامُ فَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ تَرَدُّدٌ لِلْعِرَاقِيِّينَ فَإِنْ انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى الضَّرُورَةِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِتَجْوِيزِ تَصَرُّفَاتِهِ، وَذُكِرَ فِي نِكَاحِهِ نَحْوُهُ، " وَتَصِحُّ مِنْهُ " الْوَصِيَّةُ وَالتَّدْبِيرُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ الْمَالِيُّ فِي الذِّمَّةِ. هَذَا كُلُّهُ فِي الدَّفْعِ. أَمَّا الْجَلْبُ، فَيَصِحُّ مِنْهُ الْخُلْعُ وَتَمَلُّكُ الْمُبَاحَاتِ وَقَبُولُهُ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنْ لَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ، فَإِنْ " تَسَلَّمَهَا " غَرِمَ مَنْ أَقْبَضَهُ الْوَصِيَّةَ دُونَ

стр. 570

الْهِبَةِ، لِأَنَّ مِلْكَ الْوَصِيَّةِ بِقَبُولِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. [السَّكْرَانُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالصَّاحِي] عَلَى الْمَذْهَبِ، إلَّا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ. [السُّكُوتُ ضَرْبَانِ] ِ " الْأَوَّلُ " أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ. وَلِهَذَا كَانَ تَقْرِيرُهُ ﷺ مِنْ شَرْعِهِ، وَكَانَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ حُجَّةً عِنْدَ كَثِيرِينَ، لِأَنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ النَّصِّ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مَشْهُودٌ لَهُ بِالْعِصْمَةِ، وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْآيَةِ، وَالْمَسْكُوتُ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ الْحُكْمِ مُنَاسِبٌ لِانْتِفَائِهِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ فِي جَانِبِ " الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِكَوْنِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ " مُقَيَّدًا " مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. أَمَّا إذَا عُلِمَ أَنَّ " الْمَسْكُوتَ " أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ، كَمَا فِي الضَّرْبِ مَعَ التَّأْفِيفِ، وَكَمَا فَوْقَ الدِّينَارِ " وَدُونَ " الْقِنْطَارِ " انْعَكَسَ الْحُكْمُ "، وَكَانَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَيَتَأَكَّدُ بِذَلِكَ " الْقَوْلُ " " بِشَرْعِيَّةِ الْإِطْعَامِ " فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.

стр. 571

وَالثَّانِي غَيْرُ الْمَعْصُومِ، فَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَنْزِلَ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ، " لَا سِيَّمَا " إذَا كَانَ السُّكُوتُ " مُحَرَّمًا ". وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - "، لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. نَعَمْ، " إذَا " قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِهِ كَسُكُوتِ الْبِكْرِ عِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ فِي التَّزْوِيجِ. " وَلِهَذَا " اكْتَفَى بِهِ " وَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ قَرَائِنُ تَدُلُّ عَلَى " رِضَاهُ " فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ. وَالْأَحْوَالُ بِحَسَبِ ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ: " الْأَوَّلُ ": مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ قَطْعًا كَالسُّكُوتِ مِنْ الْبِكْرِ فِي الْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا سَكَتَ عَنْ الْجَوَابِ بَعْدَ عَرْضِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ جُعِلَ كَالْمُنْكَرِ النَّاكِلِ فَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي. وَلَوْ نَقَضَ " بَعْضُ " أَهْلِ " الْهُدْنَةِ "، وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ، انْتَقَضَ فِي السَّاكِتِينَ أَيْضًا. وَلَوْ تَبَارَزَ اثْنَانِ وَشَرَطْنَا الْأَمَانَ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، فَأَعَانَ " الْكَافِرَ " جَمَاعَةٌ مِنْ صَفِّهِ بِغَيْرِ " اسْتِجَارَةٍ "، وَسَكَتَ " وَلَمْ " يَمْنَعْهُمْ انْتَقَضَ أَمَانُهُ،

стр. 572

وَجَازَ لِغَيْرِ الْمُبَارِزِينَ قَتْلُهُ. وَلَوْ رَأَى السَّيِّدُ عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا لِغَيْرِهِ، وَسَكَتَ عَنْهُ، فَإِنَّ السَّيِّدَ " يَضْمَنُهُ " ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْتِقَاطِ الْعَبْدِ. وَلَوْ الْتَقَطَ الصَّبِيُّ وَصَحَّحْنَاهُ فَرَآهُ الْوَلِيُّ، فَلَمْ يَنْزِعْهُ، فَتَلِفَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، كَمَا وَلَوْ احْتَطَبَ وَرَآهُ مَعَهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ. الثَّانِي: مَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ السُّكُوتُ فِي الْبِكْرِ " الْبَالِغِ " إذَا اسْتَأْذَنَهَا الْعَصَبَةُ أَوْ الْحَاكِمُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ بِالْمَنْعِ، فَلَوْ بَكَتْ مَعَ صِيَاحٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ. " وَلَوْ حَلَقَ الْحَلَالُ رَأْسَ مُحْرِمٍ " وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَمَا لَوْ حَلَقَ بِأَمْرِهِ فَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ، وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الشَّعْرَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَّةٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ، قِيلَ وَمُقْتَضَى هَذَا، أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ الْوَدِيعَةَ، وَالْمُودِعُ سَاكِتٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَفْعِهِ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا، وَيَنْزِلُ سُكُوتُهُ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ فِي الْإِتْلَافِ. وَمِنْهُ: لَوْ بَاعَ الْعَبْدُ الْبَالِغُ وَهُوَ سَاكِتٌ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِفَ " بِأَنَّ " الْبَائِعَ سَيِّدُهُ. وَمِنْهُ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ، وَهُوَ سَاكِتٌ " يَسْمَعُ " تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ نُطْقِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ " يُشْتَرَطُ " أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ مِنْ الْقَارِئِ " تَصْحِيفٌ " وَتَحْرِيفٌ لَرَدَّهُ

стр. 573

الشَّيْخُ، فَسُكُوتُهُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَتِهِ " قَطْعًا ". وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعِنْوَانِ، إذَا سَكَتَ الشَّيْخُ " مُقِرًّا " عَلَى مَا قُرِئَ عَلَيْهِ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ " يُقَالَ " أَخْبَرَنَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵁ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ، لِتَرَدُّدِ السُّكُوتِ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ قَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵁ "، لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقِيلَ يَجُوزُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ. الثَّالِثُ: مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ قَطْعًا، كَمَا لَوْ سَكَتَ عَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ، لَا يَسْقُطُ بِهِ الْمَهْرُ، وَكَذَا لَوْ سَكَتَ عَنْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ أَوْ إتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ، لَا يَسْقُطُ ضَمَانُهُ، وَكَذَا لَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ " الثَّيِّبُ " فِي النِّكَاحِ، (فَسَكَتَتْ) " لَا أَثَرَ لَهُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ الرَّشِيدَةِ، إلَّا بِإِذْنِهَا، فَلَوْ اسْتَأْذَنَهَا فَسَكَتَتْ، لَمْ يُسْتَفَدْ بِسُكُوتِهَا " الْإِذْنُ " فِي الْقَبْضِ قَطْعًا، وَحَاوَلَ الرَّافِعِيُّ تَخْرِيجَ وَجْهٍ فِيهِ ذَكَرَهُ فِي " بَابِ " النِّزَاعِ " مِنْ " الصَّدَاقِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَنَحْكِيهِ عَنْ فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ. الرَّابِعُ: مَا لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْأَصَحِّ. فَمِنْهُ: إذَا عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّ الْمُشْتَرِي " يَطَأُ " الْجَارِيَةَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ

стр. 574

مُجِيزًا لِلْعَقْدِ بِسُكُوتِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ حُمِلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْخِيَارِ فَأُخْرِجَ وَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْكَلَامِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ خِيَارَهُ لَا يَبْطُلُ، لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ فِي الْمُفَارَقَةِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، فَحُمِلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الدَّفْعِ لَا يَحْنَثُ. وَلَوْ اسْتَلْحَقَ بَالِغًا وَلَمْ يُكَذِّبْهُ وَسَكَتَ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ وَالشَّرْطُ التَّصْدِيقُ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ بِالنَّسَبِ " ثُمَّ ذَكَرَ فِي فَصْلِ التَّسَامُحِ فِي الشَّهَادَةِ أَنَّ سُكُوتَ الْبَالِغِ فِي النَّسَبِ " كَالْإِقْرَارِ بِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَإِنَّمَا أَقَامُوا السُّكُوتَ فِي النَّسَبِ مَقَامَ النُّطْقِ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ عَلَى الْأَنْسَابِ الْفَاسِدَةِ لَا يَجُوزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْحَالُ. وَلَوْ اُسْتُؤْذِنَتْ الْبِكْرُ فِي أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ فِي غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَسَكَتَتْ، لَمْ يَكُنْ إذْنًا، لِأَنَّهُ مَالٌ، فَلَا يَكْفِي سُكُوتُهَا " كَبَيْعِ " مَا لَهَا، قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَكِنَّ كَلَامَ الْبَغَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِهِ. وَلَوْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ تُزَفَّ إلَيْهِ، بَلْ بَقِيَتْ سَاكِتَةً، وَلَمْ تَعْرِضْ نَفْسَهَا فَلَا نَفَقَةَ " لَهَا "، إنْ قُلْنَا " إنَّهَا تَجِبُ " بِالتَّمْكِينِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْعَقْدِ وَجَبَتْ. تَنْبِيهٌ حَيْثُ قُلْنَا لَا يُنْسَبُ لَهُ قَوْلٌ فَلَا يُنْسَبُ لَهُ فِعْلٌ.

стр. 575

وَلِهَذَا لَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَارْتَضَعَتْ الصَّغِيرَةُ، وَهِيَ سَاكِتَةٌ فَهُوَ كَمَا " لَوْ كَانَتْ " نَائِمَةً أَوْ لَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ. وَلَوْ قَصَدَ رَجُلٌ قَطْعَ يَدِ آخَرَ ظُلْمًا، فَلَمْ يَدْفَعْهُ الْمَقْطُوعُ وَسَكَتَ حَتَّى قَطَعَ لَا يَكُونُ إهْدَارًا فِي الْأَصَحِّ. [السُّنَّةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ] ُ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى سُنَّةِ عَيْنٍ " وَإِلَى سُنَّةِ " كِفَايَةٍ، كَمَا فِي الْفَرْضِ، وَنَقَلَ الشَّاشِيُّ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ " لَيْسَ لَنَا سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إلَّا الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ، وَهُوَ " مُسْتَدْرَكٌ " بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَى الْأَكْلِ وَشَاةِ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِذَا ضَحَّى وَاحِدٌ فِي بَيْتِهِ أَقَامَ شِعَارَ السُّنَّةِ وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَمَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ. الثَّانِي: إذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي سُنَّةً ثُمَّ ذَكَرَهَا، فَإِنْ فَاتَ مَحَلُّهَا، فَلَا تَدَارُكَ، كَمَا إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ " تَرَكَ " رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَإِنْ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِغَيْرِهَا، نُدِبَ الْعَوْدُ إلَيْهَا، وَإِنْ تَلَبَّسَ لَمْ يَعُدْ سَوَاءٌ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ. فَالْأَوَّلُ: كَمَا لَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ ثُمَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْقِيَامِ، هَذَا فِي الْفَرْضِ

стр. 576

الْفِعْلِيِّ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمِثْلُهُ الْقَوْلِيُّ، إنْ قُلْنَا " تَكَرُّرُهُ " مُبْطِلٌ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ إلَى الْمَتْرُوكِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ، فَقَالُوا: إذَا ذَكَرَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْفَاتِحَةِ، كَانَ " لَهُ الْعَوْدُ إلَيْهَا " عَلَى " الْقَوْلِ " الْقَدِيمِ. وَالثَّانِي " لَا "، كَمَا لَوْ تَرَكَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ فَذَكَرَهُ بَعْدَ التَّعَوُّذِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُمْكِنُ جَعْلُ هَذَا مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِفْتَاحِ أَوَّلُ الصَّلَاةِ وَبِالتَّعَوُّذِ أَوَّلَهُ تَزُولُ الْأَوْلَوِيَّةُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا " إذَا " تَرَكَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، فَذَكَرَهَا بَعْدَ التَّعَوُّذِ، وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفَاتِحَةِ، فَيَأْتِي بِهِنَّ قَطْعًا، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، لِأَنَّ مَحَلَّهُنَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَتَقْدِيمَهُنَّ عَلَى " التَّعَوُّذِ " سُنَّةٌ لَا شَرْطٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ مَا لَوْ صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، " وَقَعَدَ " " ابْتَدَأَ " الْفَاتِحَةَ، فَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ، أَنَّهُ إنْ عَلِمَ " أَنَّهُ " مَحَلُّ التَّشَهُّدِ، لَكِنْ جَرَتْ الْفَاتِحَةُ عَلَى لِسَانِهِ عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ قَرَأَ التَّشَهُّدَ وَفَرَغَ مِنْهُ ثُمَّ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ إلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.

стр. 577

ثُمَّ قَالَ الْبَغَوِيّ: " وَلَوْ " نَسِيَ الْجُلُوسَ فَاشْتَغَلَ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مَحَلُّ قِيَامٍ، هَلْ يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ فِيهِ احْتِمَالُ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا لَا، لِأَنَّ هَذَا الْقُعُودَ بَدَلٌ عَنْ الْقِيَامِ، كَمَا " ذَكَرْنَاهُ ". وَمِنْهَا لَوْ قَرَأَ الْمُصَلِّي آيَةَ السَّجْدَةِ فَلَمْ يَسْجُدْ وَرَكَعَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ، فَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ لَيْسَ " لَهُ " ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الْفَرْضِ، قَالَ صَاحِبُ " الْخَوَاصِّ الشَّرْعِيَّةِ "، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ " مَهْمَا " شَاءَ، لِقِيَامِ سُنَّةِ السُّجُودِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ وَقَامَ لَا يَعُودُ إلَى التَّشَهُّدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ عَادَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ " زِيَادَةُ رُكْنٍ "، وَلَيْسَ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ تَرْتِيبٌ حَتَّى " يُعِيدَ " الرُّكْنَ. أَمَّا إذَا تَرَكَ السُّنَّةَ وَتَلَبَّسَ بِفَرْضٍ وَعَارَضَهُ فَرْضُ الْمُتَابَعَةِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَاسِيًا، فَتَابَعَهُ الْمَأْمُومُ، ثُمَّ عَادَ الْإِمَامُ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَالْمَأْمُومُ قَدْ انْتَصَبَ، فَهَلْ يَعُودُ الْمَأْمُومُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، لِأَنَّ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فَرْضٌ بِخِلَافِ الْإِمَامِ " وَالْمُنْفَرِدِ " فَإِنَّهُمَا لَوْ رَجَعَا لَرَجَعَا مِنْ فَرْضٍ إلَى سُنَّةٍ. وَقَدْ يُقَالُ تَعَارَضَ فِيهِ فَرْضَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِفَرْضٍ، وَهُوَ الْقِيَامُ وَالْقُدْوَةُ وَاجِبَةٌ، وَمُضِيُّهُ فِيمَا تَلَبَّسَ بِهِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ " وَالشُّرُوعِ " فِي غَيْرِهِ.

стр. 578

وَيُجَابُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْقُدْوَةِ سَابِقٌ، فَلِذَلِكَ جَوَّزَ لَهُ الْعَوْدَ إلَيْهَا. وَالثَّانِي أَنَّ الْقُدْوَةَ آكَدُ، وَلِهَذَا " يَسْقُطُ " فِيهَا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَنْ الْمَسْبُوقِ إلَى الرُّكُوعِ. وَهَذَا فِيمَا إذَا قَامَ نَاسِيًا، أَمَّا إذَا قَامَ ظَانًّا قِيَامَ إمَامِهِ، فَبَانَ خِلَافُهُ، " وَأَنَّهُ " قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ، " فَهُوَ " يَتَخَيَّرُ. الثَّالِثُ: إذَا فَاتَتْ السُّنَّةُ فِي مَحِلِّهَا جَازَ قَضَاؤُهَا فِي مِثْلِ مَحِلِّهَا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهَا تَرْكُ سُنَّةٍ أُخْرَى. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ: مِنْهَا: مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ، فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ، فَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ الرَّكْعَتَيْنِ " الْأَخِيرَتَيْنِ " مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ "، وَإِنْ قُلْنَا لَا يُسْتَحَبُّ " فِيهِمَا "، لِأَنَّهَا فَضِيلَةٌ فَاتَتْ فِي أُولَيَيْنِ، فَلَا يَفُوتُهَا. وَمِنْهَا: نَصَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ السُّورَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ " يَقْضِيهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ ". وَمِنْهَا: إذَا قَرَأَ الْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْأُولَى " سُورَةَ " الْمُنَافِقِينَ، وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ فِي الثَّانِيَةِ قَضَاءُ سُورَةِ الْجُمُعَةِ وَإِتْبَاعُهَا بِالْمُنَافِقِينَ. وَمِنْهَا إذَا قُلْنَا لَا يُسَنُّ " التَّعَوُّذُ "، إلَّا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَلَوْ تَرَكَهُ فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ سَهْوًا تَدَارَكَهُ فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ، وَقَوْلُنَا، إذَا لَمْ

стр. 579

يَكُنْ " " احْتِرَازًا " عَمَّنْ " فَاتَهُ الْجَهْرُ " " فِي الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ، " لَا " يُسْتَحَبُّ لَهُ الْجَهْرُ فِي " الْأَخِيرَتَيْنِ "، وَكَذَا مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ، لَا يَقْضِيه فِي الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِيَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ السُّنَّةِ فِي الْأَرْبَعَةِ، وَتُكْرَهُ الْإِشَارَةُ فِي التَّشَهُّدِ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، فَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ " الْيُمْنَى "، لَمْ يُشِرْ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، لِأَنَّ سُنَّتَهَا الْبَسْطُ دَائِمًا. [السُّؤَالُ مَعَادٌ فِي الْجَوَابِ] ِ فَلَوْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ، فَقَالَ اشْتَرَيْت " صَحَّ بِالْأَلْفِ " فِي " الْأَظْهَرِ ". وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَأَجَابَهَا، وَأَعَادَ ذِكْرَ الْمَالِ لَزِمَ، وَكَذَا إنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ طَلَّقْتُك فِي الْأَصَحِّ " كَذَا يُصْرَفُ " إلَى السُّؤَالِ، وَقِيلَ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ. وَلَوْ سَأَلَتْ بِكِنَايَةٍ " فَقَالَتْ " أَبِنِّي بِأَلْفٍ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ أَنْوِ شَيْئًا، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِأَنَّ السُّؤَالَ يُعَادُ فِي الْجَوَابِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَطْلُقُ مَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْأَلْفُ. وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك، وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَنَوَتْ الثَّلَاثَ

стр. 580

وَقَعَتْ، كَمَا لَوْ صَرَّحَا بِهِ لَفْظًا. وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَقَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَلَمْ تَتَلَفَّظْ بِعَدَدٍ وَلَا نَوَتْهُ وَقَعَ الثَّلَاثُ، لِأَنَّ قَوْلَهَا جَوَابٌ لِسُؤَالِهِ، فَهُوَ كَالْمُعَادِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتَلَفَّظْ هُوَ بِالْعَدَدِ، بَلْ نَوَاهُ، لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ، لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَوْدِهِ فِي الْجَوَابِ، فَإِنَّ " التَّخَاطُبَ " بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لَا يَقَعُ، إلَّا وَاحِدَةٌ، قَالَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا خِلَافًا فِيمَا إذَا نَوَى الزَّوْجُ الْعَدَدَ، وَلَمْ تَنْوِهِ الْمَرْأَةُ، فَمَنْ قَالَ " وَقَعَ " هُنَاكَ الْعَدَدُ، فَلَهُ أَنْ " يَعْتَضَّ " بِهَذِهِ الصُّورَةِ. وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي وَطَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْتُك فَفِي الرَّافِعِيِّ قَبْلَ فَصْلِ التَّعْلِيقِ إنْ نَوَى ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً وَقَعَ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ. وَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا وَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ، إنْ كُنْت " صَادِقًا " فَامْرَأَتُك طَالِقٌ، فَقَالَ طَالِقٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فَيُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَسْمِيَةٌ لَهَا، وَلَا إشَارَةٌ إلَيْهَا، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ أَرْكَانِ الطَّلَاقِ. وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى صَدَاقٍ بِأَلْفٍ فَقَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلصَّدَاقِ فَهَلْ نَقُولُ: الْقَبُولُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْإِيجَابِ، فَيَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْمُسَمَّى الْمَذْكُورِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ، أَوْ نَقُولُ إنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي الصِّحَّةِ إلَى تَنْزِيلِ الْقَبُولِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ بِالْمُسَمَّى، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالثَّانِي فِي بَابِ الْكَلَامِ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، وَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ، قَالَ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ إنَّهُ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ.

стр. 581

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت نِكَاحَهَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ، فَيَلْزَمُ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ النِّكَاحِ وَيَلْزَمُ الْمُسَمَّى فِي الثَّانِيَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ لِلنِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى فِيهِ فَيَنْصَرِفُ الْقَبُولُ إلَى النِّكَاحِ، وَالْمُسَمَّى مِنْ أَجْلِ الْإِشَارَةِ إلَى صُورَةِ عَدَمِ ذِكْرِ الزَّوْجِ الْمُسَمَّى فِي قَبُولِهِ. تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَيْدٌ وَهُوَ أَنْ لَا يُقْصَدَ بِالْجَوَابِ الِابْتِدَاءُ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَمْ أَقْصِدْ بِقَوْلِي اشْتَرَيْت جَوَابَك، فَالظَّاهِرُ، كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ الْقَبُولُ. وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ فَقَالَ " طَلَّقْتُك "، وَقَالَ قَصَدْت الِابْتِدَاءَ دُونَ الْجَوَابِ قُبِلَ، وَكَانَ رَجْعِيًّا قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، " لَكِنْ " يَذْكُرُ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ فِيمَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ طَلِّقْنِي فَقَالَ طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةَ " أُخْرَى طَلُقَتْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً طَلَّقْت [فَاطِمَةَ] ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت " فَاطِمَةَ " أُخْرَى. فَائِدَةٌ لَيْسَ كُلُّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يُمْنَحُ فِيهِ بِالْجَوَابِ، وَإِنْ حَفَّتْ الضَّرُورَةُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَقَابَلَ رَاكِبَانِ عَلَى قَنْطَرَةٍ لَا يُفْتَى لِأَحَدِهِمَا بِإِلْقَاءِ دَابَّةِ الْآخَرِ فِي الْمَاءِ، لَكِنْ أَيُّهُمَا ابْتَدَرَ إلَى " إلْقَاءِ " دَابَّةِ صَاحِبِهِ فِي الْمَاءِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.

стр. 582

وَلَوْ ابْتَلَعَتْ دَجَاجَةُ " إنْسَانٍ " لُؤْلُؤَةً لِآخَرَ لَا يُفْتَى لَهُ بِذَبْحِهَا، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَغَرِمَ النَّقْصَ، وَتُوَصِّلَ إلَى عَيْنِ مَالِهِ. " ذَكَرَهَا " الْأَصْحَابُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ فِي الْحَجِّ، وَهِيَ مِنْ مَنَاصِيصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ "، فَرَوَى " الْهَرَوِيُّ صَاحِبُ الْحَاكِمِ " فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵀ " بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ الْمُزَنِيِّ سُئِلَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵀ " عَنْ نَعَامَةٍ ابْتَلَعَتْ جَوْهَرَةً " لِآخَرَ "، فَقَالَ لَسْت آمُرُهُ بِشَيْءٍ. وَلَكِنْ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ كَيِّسًا عَدَا عَلَى النَّعَامَةِ فَذَبَحَهَا وَاسْتَخْرَجَ جَوْهَرَتَهُ، ثُمَّ يَضْمَنُ لِصَاحِبِ النَّعَامَةِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً. [سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ] ِ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ كَذَا بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَاسْتَشْكَلَ " لِأَنَّهَا " مَسْتُورَةٌ عَنَّا، فَكَيْفَ يُحَالُ الْحُكْمُ " عَلَى " مَجْهُولٍ " وَقَدْ قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ اشْتِرَاطَ السَّلَامَةِ فِي نَفْسِ " الْجَوَازِ " حَتَّى إذَا " لَمْ

стр. 583

تُسَلَّمْ الْوَدِيعَةُ " " تَبَيَّنَ " عَدَمُ الْجَوَازِ كَيْفَ وَالسَّلَامَةُ أَوْ عَدَمُهَا " تَبَيَّنَ " آخِرًا. " وَنَحْنُ " نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ فِي الْحَالِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّا نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ، " وَنَشْتَرِطُ " عَلَيْهِ الْتِزَامَ خَطَرِ الضَّمَانِ انْتَهَى. وَذَكَرُوا فِي بَابِ التَّعْزِيرِ، أَنَّهُ إنَّمَا يُبَاحُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ " ﵀ " هُنَاكَ إلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ وَالْهَلَاكُ نَادِرًا، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْحُدُودُ الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ، يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ تَعَدَّى بِهِ فِي غَيْرِ الْحَدِّ مُتَعَدٍّ سَبِيلَ الْجِنَايَةِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ، لِكَوْنِهِ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ هَذَا، إلَّا فِي التَّعْزِيرِ، أَمَّا الْحَدُّ الَّذِي هُوَ دُونَ الْقَتْلِ كَالْجَلْدِ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ يَكُونُ " قَاتِلًا " وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَوْ حَدَثَ مِثْلُهُ مِنْ " جَانٍ " مُتَعَدٍّ لَتَعَلَّقَ بِهِ الْقِصَاصُ، وَإِذَا مَاتَ بِهِ الْمَحْدُودُ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدُّ " الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ " قُلْت وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا أَفْضَى إلَى الضَّمَانِ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ إذْ جَوَازُهُ " مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ " الْعَاقِبَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ الشَّرْطُ، فَكَذَا شُرُوطُهُ، وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ الْحُكْمِ الْآنَ بِالْمَنْعِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ بَلْ قَدْ يَكُونُ الْأَصْلُ عَدَمَ الشَّرْطِ، كَمَا فِي تَأْخِيرِ الْحَجِّ عِنْدَ الِاسْتِطَاعَةِ، وَلَا أَقَلَّ مِنْ التَّوَقُّفِ، فَلَا يُحْكَمُ بِجَوَازٍ وَلَا مَنْعٍ عَمَلًا بِحُكْمِ الشَّرْطِ.

стр. 584

[السَّهْوُ] ُ مَا كَانَ مَأْمُورًا بِهِ وَطَرِيقُهُ الْفِعْلُ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ السَّهْوُ وَالْعَمْدُ، كَتَرْكِ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ. وَمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَطَرِيقُهُ التَّرْكُ خُولِفَ فِيهِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالْعَمْدِ، كَالْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، وَسَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي حَرْفِ الْجِيمِ فِي الْجَهْلِ. وَقَدْ لَا يُعْفَى عَنْ السَّهْوِ فِي الْمَنْهِيَّاتِ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا وَقَعَ بَعْدَ عَمْدٍ لِوُقُوعِهِ فِي ضِمْنِهِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ فَجَامَعَ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا مَا لَوْ سَلَّمَ مِنْ الظُّهْرِ نَاسِيًا وَتَكَلَّمَ عَامِدًا، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ فَلْيَنْظُرْ فِي الْفَرْقِ. الثَّانِيَةُ: إذَا كَثُرَ وَطَالَ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ " الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ، إذَا صَلَّى الرَّجُلُ نَافِلَةً ثُمَّ سَهَا فَأَحْرَمَ فِي مَكْتُوبَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَرِيبًا جَلَسَ، فَفَرَغَ مِنْ النَّافِلَةِ " وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَابْتَدَأَ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ تَطَاوَلَ قِيَامُهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ أَوْ رَكَعَ " وَسَجَدَ لَهَا بَطَلَتْ النَّافِلَةُ وَالْمَكْتُوبَةُ وَكَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءُ الْمَكْتُوبَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَهَا فِي مَكْتُوبَةٍ حَتَّى دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَإِنْ كَانَ " مَا عَمِلَهُ " فِي النَّافِلَةِ قَرِيبًا رَجَعَ إلَى الْمَكْتُوبَةِ وَأَتَمَّهَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَطَاوَلَ وَرَكَعَ مِنْهَا

стр. 585

رَكْعَةً " بَطَلَتْ الْمَكْتُوبَةُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهَا " انْتَهَى " وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كَثْرَةَ الْأَفْعَالِ تُبْطِلُ (مَعَ النِّسْيَانِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا لَا يُؤَثِّرُ الْفِعْلُ الْكَثِيرُ) مَعَ النِّسْيَانِ إذَا أَتَى بِهِ عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مُخَالِفًا لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ. [السَّهْوُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ] ِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ وَالسَّهْوُ لِسُجُودِ السَّهْوِ يَقْتَضِي السُّجُودَ فَالْأَوَّلُ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ سَلَّمَ بَيْنَهُمَا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَ مِثْلِهِ فِي السُّجُودِ الثَّانِي فَيُؤَدِّي إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى كَمَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ " الْمُصَغَّرُ " لَا يُصَغَّرُ، وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إذَا سَهَا بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ سَجَدَ. وَالثَّانِي كَمَا لَوْ شَكَّ " هَلْ " فَعَلَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ أَوْ هَلْ قَنَتَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ ثَانِيًا، لِأَنَّ سَهْوَهُ هَذَا لِلسُّجُودِ فَعَلَيْهِ جَبْرُهُ. [السَّيِّدُ لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ابْتِدَاءً] ً إلَّا فِي الْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ لَا يَثْبُتُ الْأَرْشُ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا لَهُ لَا يَضْمَنُهُ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ " لِعَبْدِهِ " لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ وَعَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ

стр. 586

فِي أَنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ، ثُمَّ يَسْقُطُ لِئَلَّا يَعْرَى النِّكَاحُ عَنْ الْمَهْرِ أَوْ لَمْ يَجِبْ أَصْلًا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَجِبُ وَيَدُومُ. أَمَّا فِي الدَّوَامِ " فَيَثْبُتُ " كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ فَلَا يَسْقُطُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمَا الْمَاوَرْدِيُّ مَا إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِ غَيْرِهِ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ لِغَيْرِهِ " أَوْ عِتْقِهِ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ يُمَكَّنُ مِنْ مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ بَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ عِتْقِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ أَنَّ الرِّقَّ الْمُقَارِنَ لِلْعَقْدِ دَفَعَ الْمَهْرَ بَعْدَ جَرَيَانِ مُوجِبِهِ فَلَمْ يَكُنْ " تَعْرِيَةً " لِلْعَقْدِ عَنْ الْمَهْرِ، بَلْ جَرَى الْمُوجِبُ وَاقْتَرَنَ بِهِ " الدَّفْعُ " فَانْدَفَعَ وَالِانْدِفَاعُ فِي مَعْنَى الِانْقِطَاعِ أَوْ فِي مَعْنَى الِامْتِنَاعِ " قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهِيَ مُبَاحَثَةٌ جَلِيلَةٌ تَلَقَّاهَا الْغَزَالِيُّ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَنْ اشْتَرَى قَرِيبَهُ أَنَّهُ يَنْدَفِعُ مِلْكُهُ بِمُوجَبِ الْعِتْقِ لَا أَنَّهُ حَصَلَ ثُمَّ انْقَطَعَ "، قَالَ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي أَنَّ الْأَمَةَ إذَا بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ قَبْلَ الْوَطْءِ وَوُجِدَ الْوَطْءُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا نَقُولُ يَثْبُتُ لَهَا " وَلِسَيِّدِهَا " الْمَهْرُ، وَالرَّافِعِيُّ حَكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ، إذَا قُلْنَا بِوَجْهِ الثُّبُوتِ ثُمَّ السُّقُوطِ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَتْ مِنْهُ الْحُرَّةُ ثُمَّ وُجِدَ الدُّخُولُ، لَا يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ فَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إذَا عَتَقَتْ أَوْ عَتَقَ الزَّوْجُ يَجِبُ الْمَهْرُ، كَمَا فِي الْمُفَوِّضَةِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ التَّقْرِيرِ يَدْفَعُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ:

стр. 587

أَحَدُهَا ثُبُوتُ دَيْنِ " السَّيِّدِ " عَلَى عَبْدِهِ ابْتِدَاءً بِسَبَبٍ قَارَنَ مِلْكَهُ فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا أَيْ أَنْ يَثْبُتَ وَيَدُومَ، إذَا لَمْ يَكُنْ مَرْهُونًا، فَإِنْ كَانَ " فَكَذَلِكَ " خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ. الثَّانِيَةُ - دَوَامُ دَيْنٍ " ثَبَتَ " لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ مِلْكِهِ وَالْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ " ﵀ " الثُّبُوتُ وَهُوَ الصَّحِيحُ. الثَّالِثَةُ - دَوَامُ مَا ثَبَتَ لِمُوَرِّثِهِ مِنْ الْمَالِ عَلَى عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ.

стр. 588

[حَرْفُ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ] [ الشَّبَهُ] ِ الشَّبَهُ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أُنِيطَ الْحُكْمُ بِأَصْلٍ " يَتَعَذَّرُ " انْتَقَلَ إلَى أَقْرَبِ شَبَهٍ بِهِ. ثُمَّ تَارَةً يَكُونُ الشَّبَهُ مَعْنَوِيًّا كَمَا فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ أَصْلٌ فِي الدَّلَالَةِ، وَكَذَلِكَ " السُّنَّةُ "، فَإِذَا فُقِدَا عَلَى الْمُجْتَهِدِ انْتَقَلَ لِلْقِيَاسِ. وَتَارَةً يَكُونُ " صُورِيًّا " كَجَزَاءِ الصَّيْدِ. وَلِهَذَا يَجِبُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْهَا صُورَةً، وَكَذَا فِي الْغَزَالِ عَنْزٌ وَفِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَتَجِبُ الْبَقَرَةُ الْإِنْسِيَّةُ فِي الْوَحْشِيَّةِ. وَمِنْهَا: إلْحَاقُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ بِالْإِنْسِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ، بِخِلَافِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ لَا تَلْتَحِقُ بِالْإِنْسِيَّةِ " مِنْهَا " لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ تِلْكَ وَاتِّحَادِ هَذِهِ. وَمِنْهَا: حَيَوَانُ الْبَحْرِ الصَّحِيحُ حِلُّ أَكْلِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الشَّبَهُ الصُّورِيُّ، فَمَا أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَرِّيِّ أُكِلَ شَبَهُهُ مِنْ الْبَحْرِيِّ. وَعَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ " حِمَارُ " الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ، فَأَلْحَقُوهُ بِشَبَهِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْحِلُّ.

стр. 589

وَمِنْهَا: اقْتِرَاضُ الْحَيَوَانِ فَفِي رَدِّ مِثْلِهِ وَجْهَانِ أَشْبَهُهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمِثْلُ «اقْتَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا» ، وَالْقِيَاسُ الْقِيمَةُ. وَمِنْهَا: إيجَابُ قِيمَةِ شَاةٍ " أَوْ " عِجْلٍ عِوَضًا عَنْ خِنْزِيرٍ، وَإِيجَابُ قِيمَةِ عَصِيرٍ أَوْ خَلٍّ عِوَضًا عَنْ خَمْرٍ فِي نَحْوِ صَدَاقٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ. وَمِنْهَا: فِي بَابِ الرِّبَا، إذَا كَانَ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ. وَمِنْهَا: الِانْتِقَالُ إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ فِي إبِلِ الْعَاقِلَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْقُوتِ وَكَذَا لَوْ خَرِبَ مَسْجِدٌ وَمَا حَوْلَهُ نُقِلَ إلَى أَقْرَبِ مَوْضِعٍ صَالِحٍ لَهُ. وَمِنْهَا: إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا وَلَا يُعْرَفُ لَهُ " شَبَهٌ يُوقَفُ ".

стр. 590

[الشُّبْهَةُ فِيهَا مَبَاحِثُ] " الشُّبْهَةُ " فِيهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: أَنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِلْحَدِّ وَهِيَ ثَلَاثٌ فِي الْفَاعِلِ كَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً وَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، وَفِي الْمَوْطُوءَةِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوَاطِئِ فِيهَا مِلْكٌ أَوْ شُبْهَةُ مِلْكٍ، كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَأَمَةِ " ابْنِهِ " أَوْ مُكَاتَبِهِ، وَفِي الطَّرِيقِ بِأَنْ يَكُونَ حَلَالًا عِنْدَ قَوْمٍ حَرَامًا عِنْدَ آخَرِينَ، كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ لِلتَّدَاوِي وَحَكَمْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَلَا حَدَّ فِي الْأَصَحِّ لِشُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَأْخَذِ الْخِلَافِ أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْخَاءِ. وَلَوْ سَرَقَ وَادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُهُ سَقَطَ الْقَطْعُ عَلَى النَّصِّ وَأُلْحِقَ بِهِ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِيمَا لَوْ وَطِئَ " مَنْ " لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَهُمَا زَوْجِيَّةٌ. وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَطْءِ الْمُخْتَلِفُ حُكْمُهَا بِالشُّبْهَةِ وَعَدَمِهَا خَمْسَةٌ: النَّسَبُ وَالْعِدَّةُ " وَاعْتِبَارُهُمَا " بِالرَّجُلِ فَإِنْ ثَبَتَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ ثَبَتَا، وَإِلَّا فَلَا. " وَالثَّالِثُ ": الْمَهْرُ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِالْمَرْأَةِ. وَالرَّابِعُ: - الْحَدُّ وَهُوَ مُعْتَبَرٌ " بِمَنْ " " وُجِدَتْ الشُّبْهَةُ فِي حَقِّهِ مِنْهُمَا ". وَالْخَامِسُ: - حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، فَإِنْ " شَمِلَتْهَا " الشُّبْهَةُ " تَثْبُتُ "، وَإِنْ

стр. 591

اخْتَصَّتْ بِأَحَدِهِمَا، فَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُهَا بِالرَّجُلِ، وَقِيلَ بِهِمَا، وَقِيلَ " بِمَنْ " وُجِدَتْ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ التَّعْزِيرَاتُ بِالشُّبْهَةِ، قَالُوا لَوْ وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ يُعَزَّرُ مُعْتَقِدُ التَّحْرِيمِ مَعَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ " ﵁ " أَنَّهُ رَجْعَةٌ. وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُفَارِقُ فِيهَا التَّعْزِيرُ الْحَدَّ. وَهَلْ تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي تَبَعًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ كَفَّارَةَ الصَّوْمِ تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْحَجِّ. وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ الصَّائِمُ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَبَانَ خِلَافُهُ قَضَى، وَلَا كَفَّارَةَ. وَلَوْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ نَاسِيًا وَقُلْنَا إنَّهُ فَسَدَ حَجُّهُ " وَجَبَتْ " عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ " ﵁ " " عَلَى " أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ نَاسِيًا ثُمَّ جَامَعَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَارَ مُفْطِرًا بِالْأَكْلِ نَاسِيًا لَمْ " تَلْزَمْهُ " الْكَفَّارَةُ لِلشُّبْهَةِ، وَكَذَا " لَوْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ، ثُمَّ بَانَ طُلُوعُهُ لَا كَفَّارَةَ، لَكِنْ قَالُوا " لَوْ أَصْبَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يُفْطِرْ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ. وَلَوْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، فَلَمْ يُرَاعُوا شُبْهَةَ الْخِلَافِ فِي سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ. أَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ " غَرَامَةً "، بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ

стр. 592

فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْعُقُوبَةَ، فَالْتَحَقَتْ بِالْحَدِّ فِي الْإِسْقَاطِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ. الثَّانِي: هَلْ تُسْقِطُ الْإِثْمَ وَالتَّحْرِيمَ. أَمَّا الشُّبْهَةُ فِي الْمَحَلِّ كَوَطْءِ " الْجَارِيَةِ " الْمُشْتَرَكَةِ وَفِي الطَّرِيقِ كَالْوَطْءِ بِبَيْعٍ وَنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَحَرَامٌ. " وَأَمَّا فِي الْفَاعِلِ " كَوَطْءِ مَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا: حَرَامٌ وَلَا إثْمَ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَعَلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحَرَامٍ إذْ لَا إثْمَ فِيهِ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا " بِحُرْمَةٍ ". الثَّالِثُ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّبْهَةَ وَسَطًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ» .

стр. 593

قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي الْوَدَائِعِ " أَمَّا " الشُّبْهَةُ " فَهِيَ " الشَّيْءُ الْمَجْهُولُ تَحْلِيلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيَجِبُ فِيمَا هَذَا شَأْنُهُ التَّوَقُّفُ " عَنْ " التَّنَاوُلِ لَهَا فَإِذَا لَمْ يَجِدْ غِنًى عَنْهَا تَنَاوَلَ " مِنْهَا " عَلَى حَسَبِ الْكِفَايَةِ " لَا عَلَى " حَسَبِ الِاسْتِكْثَارِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْمَيْتَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ فَالشُّبْهَةُ دُونَهَا انْتَهَى. وَتَوَسَّعَ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ فِي الزِّيَادَاتِ سُئِلْت عَنْ الشُّبْهَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَقُلْت هَذَا لَيْسَ زَمَانَ الشُّبْهَةِ اجْتَنِبْ مَا عَرَفْته حَرَامًا يَقِينًا. وَالتَّحْقِيقُ انْقِسَامُ الشُّبْهَةِ إلَى مَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ، فَالْأَوَّلُ مَا أَصْلُهُ التَّحْرِيمُ، وَأَشْبَهَ التَّحْلِيلَ فَرَجَعَ لِلْأَصْلِيِّ، وَالثَّانِي مَا أَصْلُهُ الْحِلُّ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْغُرَابِ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِهِ وَعَدِمَهُ رَجُلَانِ، وَجَهِلَ لَا يُحْكَمُ بِطَلَاقِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُمَا اجْتِنَابُهُمَا، لِأَنَّ " الْحِلَّ "، كَانَ مَعْلُومًا، لَكِنَّ الْوَرَعَ الِاجْتِنَابُ وَعَدَّ الْحَلِيمِيُّ مِنْ " الشُّبْهَةِ " " التَّنَاهُدَ "، وَهُوَ أَنْ يُخْرِجَ كُلٌّ مِنْ الرُّفْقَةِ نَفَقَةً عَلَى قَدْرِ نَفَقَةِ صَاحِبِهِ وَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا، إلَّا أَنَّ تَرْكَهَا أَشْبَهَ بِالْوَرَعِ،

стр. 594

قَالَ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ الرُّفْقَةُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامٍ " فَذَلِكَ " أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ " النَّهْدِ ". " وَقَالَ " النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ مِنْ الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ الِاشْتِرَاكُ " لِلْمُسَافِرِينَ " فِي الزَّادِ مَجْلِسًا مَجْلِسًا، قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَصَحَّتْ فِيهِ " الْأَحَادِيثُ ". وَمَنَاطُ الِاشْتِبَاهِ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ. ثَانِيهَا: تَعَارُضُ الْأُصُولِ الْمُخْتَلِفَةِ، بِأَنَّهَا تُلْحَقُ. ثَالِثُهَا: اخْتِلَاطُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ وَعُسْرُ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. رَابِعُهَا: اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ وَمَا عَدَا هَذَا فَالشُّبْهَةُ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا لَا الْوَرَعِ. وَلِهَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَنْ تَرَكَ النِّكَاحَ فِي بَلَدٍ كَبِيرَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ " يَكُونَ " فِيهَا

стр. 595

مَحْرَمًا لَهُ مَكْرُوهٌ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالْوَسْوَاسِ دَقِيقٌ عَسِرٌ، فَالْمُتَسَاهِلُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَرَعِ وَسْوَاسًا وَالْمُتَشَدِّدُ يَجْعَلُ بَعْضَ الْوَسْوَاسِ وَرَعًا وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ " رَخَّصَ مَنْزِلَةً وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ مَا " رَجَعَ " إلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ بِوَسْوَاسٍ، وَلَا أُرِيدُ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمُفِيدَةَ " لِلْعُمُومِ. فُرُوعٌ: نَقَلَهَا النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ إحْيَاءِ الْغَزَالِيِّ: قَالَ: لَوْ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ طَعَامٍ حَلَالٍ، " لِكَوْنِهِ " حَمَلَهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، لَمْ يَكُنْ هَذَا وَرَعًا، بَلْ وَسْوَاسٌ " مُتَنَطِّعٌ " مَذْمُومٌ. قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ غَزْلَ زَوْجَتِهِ فَبَاعَتْ غَزْلَهَا وَوَهَبَتْهُ الثَّمَنَ لَمْ يُكْرَهْ أَكْلُهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَيْسَ بِوَرَعٍ، بَلْ وَسْوَاسٍ. قَالَ: وَمِنْ الْوَرَعِ الْمَحْبُوبِ تَرْكُ مَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ اخْتِلَافًا مُحْتَمَلًا وَيَكُونُ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ مَنْ أَبَاحَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ دَلِيلُ الْمُبِيحِ حَدِيثًا " قَوِيًّا ". " وَالْأَرْضُ " الْمَغْصُوبَةُ إذَا جُعِلَتْ شَارِعًا لَمْ يَجُزْ الْمُرُورُ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ جَازَ، وَالْوَرَعُ اجْتِنَابُهُ إنْ أَمْكَنَ الْعُدُولُ عَنْهَا. فَإِنْ " كَانَتْ " الْأَرْضُ " مُبَاحَةً "، وَعَلَيْهَا سَابَاطٌ مَغْصُوبُ الْأَخْشَابِ وَغَيْرِهَا جَازَ

стр. 596

الْمُرُورُ تَحْتَهُ، فَإِنْ قَعَدَ تَحْتَهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ فَهَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّ السَّقْفَ لَا يُرَادُ إلَّا لِهَذَا. قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْمَسْجِدِ مُبَاحَةً وَسُقِّفَ بِحَرَامٍ جَازَ الْمُرُورُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ الْقُعُودُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ " مِنْ بَابِ " الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ وَالنَّظَرُ فِي مَرَآتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَلَالٌ وَفِي بَعْضِهِ شُبْهَةٌ وَلَهُ عِيَالٌ وَلَا يَفْضُلُ " عَنْ " حَاجَتِهِ، " فَلْيَخُصَّ " نَفْسَهُ بِالْحَلَالِ ثُمَّ مَنْ يَعُولُ، " وَلْيَخُصَّ " بِالْحَلَالِ " قُوتَهُ " وَلِبَاسَهُ ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُجْرَةِ حَجَّامٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَعَارَضَ اللِّبْسُ " وَالْقُوتُ " فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ " الْقُوتِ " بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهُ " يَمْتَزِجُ " بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَلِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةُ أَثَرٌ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَفَائِدَتُهَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ، وَقَالَ " الْمُحَاسِبِيُّ " يَخْتَصُّ الْكِسْوَةَ بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهَا تَبْقَى مُدَّةً.

стр. 597

وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إلَّا مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ، " فَإِنْ كَانَتْ " شُبْهَةٌ لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ. [الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ] ُ الْأَوَّلُ: وَضْعُهُ التَّأْثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَسِّسًا لَا مُؤَكِّدًا، وَقَدْ يَرِدُ مُؤَكِّدًا، إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ مُقْتَضَاهُ مِنْ التَّسْلِيمِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي تَأْثِيرِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُحْرِمُ عِنْدَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُ لَهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ. الثَّانِي: الشَّرْطُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مَاضٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ " ﵀ " فِي بَابِ " الْكِتَابَةِ "، وَفِي " الطَّبَقَاتِ لِلْعَبَّادِيِّ " عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا إذَا قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ " شَاءَ " اللَّهُ " تَعَالَى "، لَا تَطْلُقُ وَهُوَ قَاذِفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ اسْمٌ لَهَا وَخَبَرٌ عَنْ عَمَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْمِ. وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ وَهُوَ

стр. 598

وَاقِعٌ وَيَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُ وُقُوعِهِ بِمَشِيئَةٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّشْكِيكِ فِي الْخَبَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " انْتَهَى. " قَالَ " الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا، بَلْ يَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " لَا عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي إيمَانِهِ، بَلْ عَلَى " مَعْنَى نَفْيِ " الْخَوْفِ مِنْ سُوء الْعَاقِبَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "، " فِيمَا " خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَا فِيمَا مَضَى وَظَهَرَ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ " تَيَقَّنَ " أَنَّهُ أَكَلَ " وَشَرِبَ " أَنْ يَقُولَ: أَكَلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَشَرِبْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " " وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ " آكُلُ وَأَشْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " " انْتَهَى ". وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " يُعْلَمُ فَسَادُ مَا أَفْتَى " بِهِ " الْبَارِزِيُّ "، فِيمَا لَوْ فَعَلَ

стр. 599

شَيْئًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْته إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، قَالَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْفِعْلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ قَسَمَهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ فِي " نَفْيِ الْغَصْبِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا غَصَبْته إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " يُعَدُّ نَاكِلًا وَيُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ثَانِيًا، فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ " يَقَعُ " فِي الْمَاضِي لَمَا جَعَلُوهُ نَاكِلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ نُكُولَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ جَوَابِ الْحَاكِمِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: قُلْ: بِاَللَّهِ، فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ عُدَّ " نَاكِلًا وَإِنْ " لَمْ تَحْصُلْ الْمُخَالَفَةُ، إلَّا فِي اللَّفْظِ. الثَّالِثُ: كُلُّ مَا لَوْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ " أَبْطَلَ " فَإِذَا نَوَيَاهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ كَانَ مَكْرُوهًا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵀ " فِي الصَّرْفِ وَهِيَ " كَرَاهَةُ " تَنْزِيهٍ وَقِيلَ تَحْرِيمٍ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَهُ " ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ ".

стр. 600

وَمِنْهُ: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ. وَمِنْهُ: الْحِيلَةُ فِي التَّفَرُّقِ " مِنْ تَقَابُضٍ فِي الرِّبَوِيِّ ". وَمِنْهُ: إذَا وَاطَأَ غُلَامَهُ الْحُرَّ أَوْ صَدِيقَهُ فَبَاعَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ " أُجْبِرَ " بِالْعِشْرِينَ فَأَمَّا الْعَقْدُ مَعَ الْغُلَامِ " فَمَكْرُوهُ " لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا " الْعَقْدُ الثَّانِي " وَالْإِجْبَارُ فَقَالَ الْأَكْثَرُ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ يُحَرَّمُ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ تَفَقُّهًا، لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَاعٌ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ ثَبَتَ " لَهُ " الْخِيَارُ عَلَى أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ. " وَلَوْ لَمْ " تَجْرِ مُوَاطَأَةٌ، وَلَكِنْ جَرَى الْعَقْدَانِ " فِيهِ " بِهَذَا الْقَصْدِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ. الرَّابِعُ: الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعَقْدِ، هَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَا أَمْ يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. هَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ " الْمُهِمَّةِ " وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَذَكَرَ
следующие страницы →