Полный текст (1 194 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
[المقدمة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ حَسْبِي وَكَفَى قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ رُحْلَةُ الطَّالِبِينَ وَمُفْتِي الْمُسْلِمِينَ وَعُمْدَةُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ مُحَمَّدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَعَالِي عَنْ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ الْمُنَزَّهِ عَنْ وَصْفٍ يُدْرِكُ بِهِ حِسٌّ أَوْ يَخْتَلِجُ بِهِ ضَمِيرٌ.
أَحْمَدُهُ عَلَى مَا أَسْبَغَ مِنْ نِعْمَتِهِ وَأَبْلَغَ مِنْ دَقِيقِ حِكْمَتِهِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ شَهَادَةَ مُتَحَقِّقٍ لِعُبُودِيَّتِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ عَرُوسُ حَضْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ ضَبْطَ الْأُمُورِ الْمُنْتَشِرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي الْقَوَانِينِ الْمُتَّحِدَةِ هُوَ أَوْعَى لِحِفْظِهَا وَأَدْعَى لِضَبْطِهَا وَهِيَ إحْدَى حِكَمُ الْعَدَدِ الَّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا، وَالْحَكِيمُ
стр. 2
إذَا أَرَادَ التَّعْلِيمَ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ بَيَانَيْنِ: إجْمَالِيٍّ تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَتَفْصِيلِيٍّ تَسْكُنُ إلَيْهِ. وَلَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ قُطْبِ الدِّينِ السَّنْبَاطِيِّ (﵀) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّظَائِرِ. وَهَذِهِ قَوَاعِدُ تَضْبِطُ لِلْفَقِيهِ أُصُولَ الْمَذْهَبِ، وَتُطْلِعُهُ مِنْ مَأْخَذِ الْفِقْهِ عَلَى نِهَايَةِ الْمَطْلَبِ وَتُنَظِّمُ عِقْدَهُ الْمَنْثُورَ فِي سِلْكٍ وَتَسْتَخْرِجُ لَهُ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ مِلْكٍ. أَصْلَتِهَا لِتَكُونَ ذَخِيرَةً عِنْدَ الِاتِّفَاقِ وَفَرَّعْتُ عَلَيْهَا مِنْ الْفُرُوعِ مَا يَلِيقُ بِتَأْصِيلِهَا عَلَى الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ وَغَالِبُهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مِمَّا لَا عَهْدَ لِلْأَنَامِ بِمِثْلِهَا وَلَا رَكَضَتْ جِيَادُ الْقَرَائِحِ فِي جَوَادِ سُبُلِهَا تَتَنَزَّهُ فِي رِيَاضِهَا عُيُونُ الْعُقُولِ وَيَكْرَعُ مِنْ حِيَاضِهَا لِسَانُ الْمَنْقُولِ وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ أَبْحُرِ الْمَعَانِي دُرُّهَا الثَّمِينُ وَيَتَنَاوَلُ عِقْدَهَا
стр. 3
الْفَرِيدَ بِالْيَمِينِ.
وَرَتَّبْتُهَا عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ طِرَازِهَا الْمُعَلِّمِ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ وَهُوَ خَيْرُ مَأْمُولٍ أَنْ يُلْهِمَنَا مَحَاسِنَ مَا تَنْطِقُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَيَجْعَلُنَا مِنْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
[فَصْلٌ فِي مَعْنَى الْفِقْه وَأَنْوَاعه]
فَصْلٌ
قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: الْفِقْهُ افْتِتَاحُ عِلْمِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ افْتِتَاحُ شِعْبِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْإِنْسَانِ، حَكَاهُ عَنْهُ الْبَغَوِيّ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: حَقِيقَةُ الْفِقْهِ عِنْدِي الِاسْتِنْبَاطُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ: هُوَ اسْتِنْبَاطُ حُكْمِ الْمُشْكِلِ مِنْ الْوَاضِحِ.
стр. 4
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ» أَيْ غَيْرُ مُسْتَنْبِطٍ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْمِلُ الرِّوَايَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِدْلَالٌ وَاسْتِنْبَاطٌ مِنْهَا قَالَ: (وَمَا أَشْبَهَ الْفَقِيهَ إلَّا بِغَوَّاصٍ فِي بَحْرِ دُرٍّ كُلَّمَا غَاصَ فِي بَحْرِ فِطْنَتِهِ اسْتَخْرَجَ دُرًّا وَغَيْرُهُ يَسْتَخْرِجُ آجُرًّا) . وَمِنْ الْمَحَاسِنِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (﵀) الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ: أَهَمُّ الْمُطَالَبِ فِي الْفِقْهِ التَّدَرُّبِ فِي مَآخِذِ الظُّنُونِ فِي مَجَالِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى فِقْهُ النَّفْسِ وَهُوَ أَنْفَسُ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ.
стр. 5
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِقْهَ أَنْوَاعٌ.
(أَحَدُهَا) مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا وَعَلَيْهِ صَنَّفَ الْأَصْحَابُ تَعَالِيقَهُمْ الْمَبْسُوطَةَ عَلَى مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ.
(وَالثَّانِي) مَعْرِفَةُ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَعَلَيْهِ جُلُّ مُنَاظَرَاتِ السَّلَفِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: (الْفِقْهُ فَرْقٌ وَجَمْعٌ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا صُنِّفَ فِيهِ كِتَابُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ، وَأَبِي الْخَيْرِ بْنِ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيِّ وَكُلُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ مُؤَثِّرٌ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ قَالَ الْإِمَامُ (﵀) وَلَا يُكْتَفَى بِالْخَيَالَاتِ فِي الْفُرُوقِ بَلْ إنْ كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ فِي الظَّنِّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ انْقَدَحَ فَرَّقَ عَلَى بُعْدٍ. قَالَ الْإِمَامُ فَافْهَمُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ.
(الثَّالِثُ) بِنَاءُ الْمَسَائِلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لِاجْتِمَاعِهَا فِي مَأْخَذٍ وَاحِدٍ وَأَحْسَنُ شَيْءٍ فِيهِ كِتَابُ السِّلْسِلَةِ لِلْجُوَيْنِيِّ وَقَدْ اخْتَصَرَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَمَّاحِ
стр. 6
وَقَدْ يَقْوَى التَّسَلْسُلُ فِي بِنَاءِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذِهِ سَلْسَلَةٌ طَوَّلَهَا الشَّيْخُ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ بِنَاءُ الْوَجْهَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ إذَا كَانَ الْمَأْخَذُ فِي الْأَصْلِ أَقْوَى وَأَمَّا الْقَوْلَانِ فَيَنْبَنِيَانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مِمَّا يُسْتَنْكَرُ كَثِيرًا. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ مَأْخَذُهُمَا قَوْلَانِ فَلَمْ نَبْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا عَلَى قَوْلَيْنِ.
(الرَّابِعُ) الْمُطَارَحَاتُ: وَهِيَ مَسَائِلُ عَوِيصَةٌ يُقْصَدُ بِهَا تَنْقِيحُ الْأَذْهَانِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لِلزَّعْفَرَانِيِّ (﵀) : تَعَلَّمَ
стр. 7
دَقِيقَ الْعِلْمِ كَيْ لَا يَضِيعَ.
(الْخَامِسُ) الْمُغَالَطَاتُ.
(السَّادِسُ) الْمُمْتَحِنَاتُ.
(السَّابِعُ) الْأَلْغَازُ.
(الثَّامِنُ) الْحِيَلُ، وَقَدْ صَنَّفَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ سُرَاقَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
(التَّاسِعُ) مَعْرِفَةُ الْأَفْرَادِ وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا لِكُلٍّ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْ الْأَوْجُهِ الْقَرِيبَةِ وَهَذَا يُعْرَفُ مِنْ طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَنَّفَ الطَّبَقَاتِ.
(الْعَاشِرُ) مَعْرِفَةُ الضَّوَابِطِ الَّتِي تَجْمَعُ جُمُوعًا وَالْقَوَاعِدُ الَّتِي تَرُدُّ إلَيْهَا أُصُولًا وَفُرُوعًا وَهَذَا أَنْفَعُهَا وَأَعَمُّهَا وَأَكْمَلُهَا وَأَتَمُّهَا وَبِهِ يَرْتَقِي الْفَقِيهُ إلَى الِاسْتِعْدَادِ لِمَرَاتِبِ الْجِهَادِ وَهُوَ أُصُولُ الْفِقْهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
стр. 8
[فَائِدَةٌ فِيمَا نضج مِنْ الْعُلُوم وَمَا احترق أولم ينضج وَلَمْ يحترق]
(فَائِدَةٌ) كَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: الْعُلُومُ ثَلَاثَةٌ عِلْمٌ نَضِجَ وَمَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْأُصُولِ وَالنَّحْوِ وَعِلْمٌ لَا نَضِجَ وَلَا احْتَرَقَ وَهُوَ عِلْمُ الْبَيَانِ وَالتَّفْسِيرِ وَعِلْمٌ نَضِجَ وَاحْتَرَقَ، وَهُوَ عِلْمُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْمُرَحَّلِ (﵀) يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِقْهِ قَيِّمًا وَفِي الْأُصُولِ رَاجِحًا وَفِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ مُشَارِكًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ: وَلَا يَنْبَغِي لِحَصِيفٍ يَتَصَدَّى إلَى تَصْنِيفٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَرَضَيْنِ إمَّا أَنْ يَخْتَرِعَ مَعْنًى وَإِمَّا أَنْ يَبْتَدِعَ وَضْعًا وَمَبْنًى وَمَا سِوَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ تَسْوِيدُ الْوَرَقِ وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ السَّرَقِ.
стр. 9
[حَرْفُ الْأَلِفِ] [ الْإِبَاحَةُ]
الْإِبَاحَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ: (الْأَوَّلُ) فِي حَقِيقَتِهَا: وَهِيَ تَسْلِيطٌ مِنْ الْمَالِكِ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ وَلَا تَمْلِيكَ فِيهَا وَلِهَذَا لَوْ مَلَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَبَاحَهُ صَحَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ وُهِبَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ وَفِي فَتَاوَى بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ إذَا قَالَ أَبَحْت لَك كَذَا فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُتْلَفُ فَهَلْ تَصِحُّ الْإِبَاحَةُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلَفُ صَحَّتْ الْإِبَاحَةُ وَجْهًا وَاحِدًا وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا لَمْ يُتْلِفْهُ الْمُبَاحُ لَهُ وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إذَا أَخَذَ صَيْدًا مَلَكَهُ وَإِذَا أَرْسَلَهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ فَإِذَا قَالَ أَبَحْته لِكُلِّ مَنْ أَخَذَهُ حَلَّ لِمَنْ أَخَذَهُ أَكَلَهُ. قَالَ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْآخِذِ بَيْعُهُ وَإِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ لَمْ يَزُلْ بِالْإِبَاحَةِ كَالضَّيْفِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَبِيعَهُ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الضِّيَافَةُ عِنْدَ الْقَفَّالِ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بَلْ تَنَاوُلُهُمْ إتْلَافٌ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ بَلْ تُمْلَكُ لِأَنَّهَا بِالتَّقْدِيمِ أُلْحِقَتْ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْمُبَاحَاتُ تُمْلَكُ
стр. 10
بِالِاسْتِيلَاءِ وَمِنْهَا الْكُتُبُ الَّتِي يَكْتُبُهَا النَّاسُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ وَلِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي وَوَجَّهَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْوَلِيمَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْكِتَابَ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مَا فِيهِ فَهُوَ كَطَبَقِ الْهَدِيَّةِ.
وَمِنْ أَقْسَامِهَا الْعَارِيَّةُ عِنْدَ الْمَرَاوِزَةِ فَهِيَ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهَا وَالْمُسْتَبِيحُ لَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْمِلْكِ بِالْإِبَاحَةِ إلَى غَيْرِهِ وَتَابَعَهُمْ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِهَا فَلَوْ قَالَ أَبَحْت لَك دَرَّ هَذِهِ الشَّاةِ وَنَسْلُهَا كَانَتْ عَارِيَّةً صَحِيحَةً قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ تَكُونُ الْعَارِيَّةُ لِاسْتِفَادَةِ عَيْنٍ كَالْإِجَارَةِ فِي الرَّضَاعِ وَالْبِئْرِ وَمِمَّا يَفْتَرِقَانِ فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ لَفْظٍ إمَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ وَالْإِبَاحَةُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي
стр. 11
فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ (﵀) جَمَاعَةٌ تَيَمَّمُوا لِعَدَمِ الْمَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ أَبَحْت لَكُمْ هَذَا الْمَاءَ وَهُوَ يَكْفِي لِوَاحِدٍ بَطَلَ تَيَمُّمُهُمْ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَعَيَّنُ لِوَاحِدٍ وَإِنْ قَالَ وَهَبْت لَكُمْ فَقَبِلُوا إنْ قُلْنَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا.
(الثَّانِي) : الْإِبَاحَةُ قَدْ تَكُونُ جَائِزَةَ الرُّجُوعِ وَقَدْ تَكُونُ لَازِمَةً كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِالْمَنَافِعِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهَا عَلَى جِهَةِ الْإِبَاحَةِ اللَّازِمَةِ لَا التَّمْلِيكِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا مَاتَ لَا تُورَثُ، عَنْهُ وَفِي جَوَازِ الْإِعَارَةِ لَهُ وَجْهَانِ وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ (فِي الْكَلَامِ عَلَى الضِّيَافَةِ) لَيْسَ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةٌ تُفْضِي إلَى اللُّزُومِ إلَّا فِي النِّكَاحِ، إذَا قُلْنَا إنَّهُ إبَاحَةٌ لَا مِلْكَ فِيهِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا.
(الثَّالِثُ) : هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُبَاحِ؟ قَالَ الْعَبَّادِيُّ (﵀) فِي الزِّيَادَاتِ لَوْ قَالَ: أَنْتِ فِي حِلٍّ مِمَّا تَأْخُذُ مِنْ مَالِي أَوْ تُعْطِي أَوْ تَأْكُلُ فَأَكَلَ فَهُوَ حَلَالٌ وَإِنْ أَخَذَ أَوْ أَعْطَى لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَكْلَ إبَاحَةٌ وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ مَجْهُولَةً وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ
стр. 12
مَجْهُولَةً. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ (إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ) (﵀) فِي تَعْلِيقِهِ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ أَبَحْت لَك حِلَابَ شَاتِي فَهُوَ إبَاحَةُ الْمَجْهُولِ كَمَا لَوْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا تَأْكُلُهُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ فَتَجُوزُ مُسَامَحَتُهُ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ (﵀) إذَا قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي بَيْتِي أَوْ اسْتِعْمَالُ مَا فِي دَارِي مِنْ الْمَتَاعِ لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى يُبَيِّنَ، وَإِنْ قَالَ أَبَحْت لَك مَا فِي دَارِي مِنْ الطَّعَامِ أَوْ مَا فِي كَرْمِي مِنْ الْعِنَبِ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَهُ أَوْ يَبِيعَهُ أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَهُ وَهَذَا يُسَاعِدُ مَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَيَوَانٌ لَبُونٌ أَوْ شَجَرَةٌ مُثْمِرَةٌ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَطَرِيقُهُمَا أَنْ يُبِيحَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ مُدَّةً، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ (﵀) رَجُلٌ وَكَّلَ آخَرَ وَكَالَةً مُطْلَقَةً لِيَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ كَيْفَ شَاءَ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ وَمَا أَرَادَ عَلَى طَرِيقِ الْإِبَاحَةِ فَإِذَا أَخَذَ
стр. 13
مِنْ مَالِهِ مَثَلًا مِائَةَ دِرْهَمٍ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ؟ أَجَابَ إذَا كَانَ لَفْظُ الْإِبَاحَةِ شَامِلًا لِذَلِكَ أَخْذًا وَقَدْرًا وَلِمَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهَا جَازَ ذَلِكَ وَفِي الْقَوَاعِدِ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ (﵀) لَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ مَعْلُومًا لِلْمُبِيحِ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَجْهُولِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(الرَّابِعُ) : هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ (﵀) فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْبَحْرِ لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبَحْت لَك فِيهِ وَجْهَانِ قُلْت: وَيُشْبِهُ تَرْجِيحُ الْجَوَازِ إذْ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا.
(الْخَامِسُ) : هَلْ تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ قَالَ الْإِمَامُ (﵀) فِي بَابِ الْوَكَالَةِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا
стр. 14
فِي أَنَّ مَنْ أَبَاحَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَقَالَ الْمُبَاحُ لَهُ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ وَكَانَ الْمُبِيحُ مُسْتَمِرًّا عَلَى إبَاحَتِهِ فَلِلْمُبَاحِ لَهُ الِاسْتِبَاحَةُ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهِ رَدَدْت الْإِبَاحَةَ ثُمَّ قَالَ وَفِي النَّفْسِ مِنْ رَدِّ الْإِبَاحَةِ شَيْءٌ عَلَى بُعْدٍ وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (﵀) أَنَّ كَلَامَ الْمُهَذَّبِ (يَعْنِي فِي الْعَارِيَّةِ) يَقْتَضِي الرَّدَّ. (قُلْت) وَبِهِ صَرَّحَ فِي الذَّخَائِرِ فَقَالَ لِلْمُبَاحِ لَهُ أَنْ يَرُدَّ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الضَّيْفَ لَوْ قَالَ عَزَلْت نَفْسِي كَانَ لَهُ الْأَكْلُ بَعْدَهُ.
(السَّادِسُ) : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ (﵀) فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ الْحَاوِي الِاسْتِبَاحَةُ إذَا صَادَفَتْ إبَاحَةً لَمْ يَعْلَمْهَا الْمُسْتَبِيحُ جَرَى عَلَيْهَا حُكْمُ الْإِبَاحَةِ دُونَ الْحَظْرِ كَمَنْ اسْتَبَاحَ مَالًا قَدْ أَبَاحَهُ لَهُ مَالِكُهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِإِبَاحَتِهِ لَهُ جَرَى عَلَى الْمَالِ الْمُسْتَبَاحِ حُكْمُ الْإِبَاحَةِ اعْتِبَارًا بِالْمُبِيحِ وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَظْرِ اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَبِيحِ (قُلْت) وَلَوْ
стр. 15
أَبَاحَهُ ثِمَارَ بُسْتَانِهِ ثُمَّ رَجَعَ قَالَ الْغَزَالِيُّ (﵀) (فَمَا يَتَنَاوَلُهُ) قَبْلَ بُلُوغِ الْخَبَرِ فَلَا ضَمَانَ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ بِالْغُرْمِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ بِجَهْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ (﵀) : وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْإِمَامِ.
وَاَلَّذِي فِي النِّهَايَةِ لَا غُرْمَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَى فِيهِ قَوْلَيْ عَزْلِ الْوَكِيلِ وَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ وُجُوبَ الْأُجْرَةِ فِيمَا لَوْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَاسْتَعْمَلَهَا الْمُسْتَعِيرُ جَاهِلًا.
(السَّابِعُ) : مَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَمَا لَا يُبَاحُ وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَجُوزُ قَطْعًا وَهُوَ الْأَمْوَالُ بِالِانْتِفَاعِ.
الثَّانِي: مَا يَمْتَنِعُ قَطْعًا فَمِنْهَا إتْلَافُ الْمَالِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ
стр. 16
فِي بَابِ الْغَصْبِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا الْأَبْضَاعُ وَلِهَذَا لَوْ أَذِنَتْ الْمَرْأَةُ فِي الزِّنَى وَطَاوَعَتْ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي كَلَامِهِ عَلَى الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَوْ أَبَاحَ وَطْءَ أَمَتِهِ لِإِنْسَانٍ فَوَطِئَهَا لَا يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ لِلْإِذْنِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْلَمَ لَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَعِوَضُهُ لَا يَسْقُطُ بِالْإِبَاحَةِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ كَمَا فِي إذْنِ الرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؟ قَوْلَانِ لَكِنَّهُمَا فِي جَاهِلِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ عَلِمَ فَهُوَ زِنًى، وَالزِّنَى لَا يُوجِبُ الْمَهْرَ إلَّا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ فِي الْأَمَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (وَمِنْهَا) الْقَتْلُ إذَا قَالَ اُقْتُلْنِي لَا يُبَاحُ بِالْإِذْنِ قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فَإِنْ قُلْت: هَلَّا ضَمِنَ فِي الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَوْ حَلَقَ أَجْنَبِيٌّ شَعْرَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ (أَيْ الْمُحْرِمُ) لِأَنَّ الشَّعْرَ فِي يَدِهِ عَارِيَّةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَالنَّفْسُ أَوْلَى بِذَلِكَ. (قُلْت) : هُمَا سَوَاءٌ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى مُبِيحِ نَفْسِهِ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ هُنَاكَ وَإِنْ سَقَطَ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ حَقٌّ آدَمِيٌّ وَقَدْ أَسْقَطَهُ (وَمِنْهَا) إبَاحَةُ الْعَرْضِ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ اقْذِفْنِي فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يَجِبُ وَنَقْلَ الْإِمَامُ إجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُ الْعَشِيرَةَ فَلَا يُؤَثِّرُ الْإِذْنُ فِي حَقِّهِمْ.
стр. 17
[الْإِبْرَاءُ]
يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ:
(الْأَوَّلُ) : هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ مَحْضٌ كَالْإِعْتَاقِ أَوْ تَمْلِيكٌ لِلْمَدْيُونِ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا مَلَكَهُ سَقَطَ؟ فِيهِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ (﵀) فِي مَوْضِعٍ لَا يُطْلَقُ التَّرْجِيحُ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الصُّوَرِ أَيْ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا تَعْلِيقَهُ بِالشَّرْطِ وَأَبْطَلُوهُ مِنْ الْمَجْهُولِ وَمَنَعُوا إبْهَامَ الْمَحَلِّ فِيمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا دَيْنٌ فَقَالَ أَبْرَأْتُ أَحَدَكُمَا وَلَوْ كَانَ إسْقَاطًا لَصَحَّ ذَلِكَ كُلُّهُ وَرَجَّحُوا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمَدْيُونِ بِهِ وَلَا قَبُولُهُ وَأَنَّهُ لَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِشَرْطِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَلِهَذَا تَوَسَّطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ إنَّهُ تَمْلِيكٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ إسْقَاطٌ فِي حَقِّ الْمَدْيُونِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ إنَّمَا
стр. 18
يَكُونُ تَمْلِيكًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدَّيْنَ مَالٌ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مَالًا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ فَإِنَّ أَحْكَامَ الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِي حَقِّهِ.
(الثَّانِي) : أَنَّهُ بَاطِلٌ مِنْ الْمَجْهُولِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: (إحْدَاهُمَا) إبِلُ الدِّيَةِ (وَالثَّانِيَةُ) مَا إذَا ذَكَرَ غَايَةً يَتَحَقَّقُ أَنَّ حَقَّهُ دُونَهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَيَقُولُ مَثَلًا أَبْرَأَتْك مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ إذَا عَلِمَ أَنَّ مَالَهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ حِينَئِذٍ عَنْ مَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَهُ. وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ الدَّرَاهِمِ فَهَلْ يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَجْهَانِ فِي بَابِ الضَّمَانِ مِنْ الرَّافِعِيِّ وَأَصَحُّهُمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ أَدْنَى الْمَرَاتِبِ وَكَلَامُهُ فِي الصَّدَاقِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ أَبْطَلَ الْإِبْرَاءَ فِي غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ وَجَعَلَ الْمُتَيَقَّنَ عَلَى وَجْهَيْنِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
تَنْبِيهٌ: فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ مَا لَوْ قَالَ أَبْرِئْنِي مِنْ مِائَةٍ فَأَبْرَأَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ
стр. 19
عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةً وَفِي بَرَاءَتِهِ وَجْهَانِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ الرَّافِعِيِّ، وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ (﵀) لَوْ اسْتَوْفَى دَيْنَهُ مِنْ غَرِيمِهِ وَكَانَ الْوَفَاءُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَابِضُ أَنَّهُ حَرَامٌ ثُمَّ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ إنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ اسْتِيفَاءٍ لَمْ يَصِحَّ وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَرَاءَةَ إسْقَاطٍ سَقَطَ وَسَكَتَ عَمَّا إذَا أَطْلَقَ، وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى بَرَاءَةِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَا يَبْرَأُ.
تَنْبِيهٌ آخَرَ: الْمُرَادُ بِالْمَجْهُولِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُبْرِئِ، وَأَمَّا الْمُبْرَأُ وَهُوَ الْمَدْيُونُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنْ قُلْنَا إسْقَاطٌ لَمْ يُشْتَرَطْ وَإِنْ قُلْنَا تَمْلِيكُ اشْتِرَاطٍ كَالْمُتَّهَبِ.
قُلْت: وَهَذَا فِيمَا لَا مُعَاوَضَةَ فِيهِ فَأَمَّا فِي الْخُلْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ بِمِقْدَارِ مَا أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَمَاعَةٌ وَأَجْرُوا كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ.
(الثَّالِثُ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِهِ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَبْرَأْتُك، وَسَوَاءٌ
стр. 20
قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ أَوْ تَمْلِيكٌ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ. وَلَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا إنْ طَلَّقْتنِي فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ صَدَاقِي أَوْ فَقَدْ أَبْرَأْتُك مِنْهُ فَطَلَّقَ لَمْ يَبْرَأْ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْإِبْرَاءِ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْ مَجَّانًا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي الصَّدَاقِ وَكَلَامُ الْمُتَوَلِّي قُبَيْلَ الصُّلْحِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الْبَرَاءَةِ وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ. أَمَّا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَبْرَأْتنِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ وَقَعَ بَائِنًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ إنْ أَبْرَأْت فُلَانًا عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لَك عَلَيْهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ رَجْعِيًّا وَكَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّهُ فِي الثَّانِيَةِ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ وَفِي الْأُولَى مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الطَّلَاقِ عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَعْلِيقِ الْإِبْرَاءِ صُوَرٌ أُخَرُ:
(إحْدَاهَا) : لَوْ قَالَ إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك صَحَّ وَإِذَا رَدَّ يَبْرَأُ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ فَهُوَ إسْقَاطٌ يَجُوزُ بَذْلُ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَتِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَنَافِعَ بَدَنِهِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ الصُّلْحِ.
стр. 21
الثَّانِيَةُ) : الْبَرَاءَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِمَوْتِ الْمُبْرِئِ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ: إذَا مِتُّ فَأَنْتِ فِي حِلٍّ، فَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِهِ اُعْتُبِرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَيُؤَيِّدُهُ جَوَازُ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِ الْوَاقِفِ. وَمِثْلُهُ مَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي صَدْرِ الدِّينِ مَوْهُوبٍ الْجَزَرِيِّ إذَا قَالَ: أَنْتَ بَرِيءٌ عَنْ الدَّيْنِ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ قَالَ إذَا مِتُّ فَقَدْ أَبْرَأْتُك عَنْ الدَّيْنِ، كَانَ ذَلِكَ وَصِيَّةً صَحِيحَةً، سَوَاءٌ قُلْنَا الْإِبْرَاءُ تَمْلِيكٌ أَوْ إسْقَاطٌ لِأَنَّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ تُمْلَكُ الْأَعْيَانُ حَتَّى لَوْ قَالَ هَذَا الثَّوْبُ لَك بَعْدَ مَوْتِي صَحَّ.
(الثَّالِثَةُ) : تَعْلِيقُ الْإِبْرَاءِ ضِمْنًا لَا قَصْدًا كَمَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ ثُمَّ كَاتَبَهُ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ عَتَقَ وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْإِبْرَاءَ مِنْ النُّجُومِ حَتَّى تَتْبَعَهُ أَكْسَابُهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُ الْإِبْرَاءُ لَمْ يُعْتَقْ عَنْهَا فَلَا يَتْبَعُهُ كَسْبُهُ.
(الرَّابِعَةُ) : الْبَرَاءَةُ تَنْقَسِمُ إلَى اسْتِيفَاءٍ وَإِسْقَاطٍ. قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ
стр. 22
عَنْهُ فِي كِتَابِ الْأَسْرَارِ: وَحَدُّ الِاسْتِيفَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَعَ تَمَكُّنِ صَاحِبِهِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) مِنْ التَّصَرُّفِ فِي بَدَلِهِ غَيْرَ أَنَّ التَّصَرُّفَ اقْتَرَنَ بِالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ إقْرَاضُهُ مِنْهُ. قَالَ وَقَدْ يُجْعَلُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَبْضًا وَاسْتِيفَاءً حُكْمًا كَالْعِتْقِ جُعِلَ تَمْلِيكًا وَإِزَالَةً وَاخْتَارَ أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ وَبَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ اسْتَحَالَ الْعَوْدُ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ مُعَاوَضَةً لَلَزِمَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
(الْخَامِسُ) أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَمَّا اسْتَقَرَّ مِنْ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ فَأَمَّا مَا لَمْ يَجِبْ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ فَقَوْلَانِ وَأَصَحُّهُمَا إلْغَاؤُهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ مِنْ الضَّمَانِ وَالْمَالُ بَاقٍ فِي يَدِهِ فَفِي بَرَاءَتِهِ وَصَيْرُورَةِ يَدِهِ يَدَ أَمَانَةٍ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْإِبْرَاءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ، وَجَرَى (سَبَبُ وُجُوبِهِ لِأَنَّ الْغَصْبَ) سَبَبُ وُجُوبِ الْقِيمَةِ عِنْدَ التَّلَفِ وَمِثْلُهُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ فَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الضَّمَانِ فَخِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبَرَاءَةِ. وَمِثْلُهُ أَوْدَعَهُ عَيْنًا وَأَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهَا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَلَفِهَا وَاسْتِقْرَارِ غُرْمِهَا فِي ذِمَّتِهِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ وَإِنْ كَانَ مَعَ بَقَائِهَا فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ. وَلَوْ أَبْرَأَتْ الْمُفَوِّضَةُ عَنْ مَهْرِ الْمِثْلِ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ.
стр. 23
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ وَأَبْرَأَهُ الْمَالِكُ وَرَضِيَ بِاسْتِبْقَائِهَا بَعْدَ الْحَفْرِ بَرِئَ مِمَّا يَقَعُ فِيهَا وَصَارَ كَمَا لَوْ أُذِنَ لَهُ ابْتِدَاءً قَالَهُ (صَاحِبُ الْبَيَانِ) فِي فَتَاوِيهِ. وَلَيْسَ لَنَا إبْرَاءٌ يَصِحُّ (قَبْلَ وُجُوبِهِ غَيْرَ) هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ عَنْهُ كَمَا لَوْ بَاعَ دِينَارًا فِي ذِمَّتِهِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ وَأَبْرَأَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنُقِضَ بِدَيْنِ الْكِتَابَةِ وَالْأَحْسَنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الرِّبَوِيِّ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ (وَمِنْهُ الدَّعْوَى فَفِي) صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ عَنْهَا وَجْهَانِ. قَالَ الْقَفَّالُ لَا يَصِحُّ (فَلَوْ قَالَ أَبْرَأَتْنِي مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا يُسْمَعُ) .
[الْأَبْنِيَةُ]
تُعْتَبَرُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ وَفِي عَدَمِ تَحْرِيمِ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَارِ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ
стр. 24
بِالتَّيَمُّمِ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ عَلَى الْمُقِيمِ بِالْأَبْنِيَةِ دُونَ الْمُسَافِرِ غَالِبًا وَفِي الْبَيْعِ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ الْأَبْنِيَةُ وَالسَّاحَاتُ الْمُحِيطَةُ بِالسُّورِ لَا الْمَزَارِعُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَلِيَ قَضَاءَ بَلْدَةٍ فَحَكَمَ وَهُوَ خَارِجُ الْأَبْنِيَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نَظَائِرِهِ فِي دُخُولِ الْمَزَارِعِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ قَرْيَةَ كَذَا لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ مَزَارِعِهَا الْخَارِجَةِ عَنْهَا.
[الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ مُتَضَايِفَانِ]
ِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ وَمِنْ فُرُوعِهِ: قَالَ الرُّويَانِيُّ الْأَوْلَى فِي ادِّعَاءِ النَّسَبِ أَنْ يَقُولَ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ أَنَا ابْنُك وَمُدَّعِي الْبُنُوَّةَ أَنْتَ ابْنِي فَلَوْ قَالَ الِابْنُ أَنْتِ أَبِي أَوْ الْأَبُ أَنَا أَبُوك صَحَّتْ الدَّعْوَى حُكْمًا وَإِنْ فَسَدَتْ اخْتِيَارًا.
[اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ يَمْتَنِعُ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ]
(إحْدَاهُمَا) الْأَبُ وَالْجَدُّ فِي بَيْعِ مَالِ الطِّفْلِ لِنَفْسِهِ.
(الثَّانِيَةُ) إذَا وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَأَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَدَّرَ الثَّمَنَ وَنَهَاهُ عَنْ
стр. 25
الزِّيَادَةِ فَفِي الْمَطْلَبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، إذْ اتِّحَادُ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ إنَّمَا يُمْنَعُ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ بِدَلِيلِ الْجَوَازِ فِي حَقِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ.
[اتِّحَادُ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ يَمْتَنِعُ إلَّا فِي صُوَرٍ]
الْوَالِدُ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَفِي النِّكَاحِ إذَا أَصْدَقَ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ فِي مَالِ وَلَدٍ وَلَدَهُ لِبِنْتِ ابْنِهِ وَفِي صُورَةِ الْخُلْعِ إذَا خَالَعَهَا عَلَى طَعَامٍ فِي ذِمَّتِهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ وَأَذِنَ لَهَا فِي صَرْفِهِ لِوَلَدِهِ مِنْهَا فَصَرَفَتْهُ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ قَبْضِ صَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهَا تَبْرَأُ إلَّا فِي احْتِمَالٍ لِابْنِ الصَّبَّاغِ مِنْ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
وَنَقَلَ الْجُورِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ (﵀) أَنَّ السَّاعِيَ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ أَمِينٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَلَوْ قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِغَيْرِهِ أَطْعِمْ عَنِّي عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَأَطْعَمَ يَسْقُطُ الْفَرْضُ
стр. 26
عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْقَبْضِ، وَيُجْعَلُ قَبْضُ الْمَسَاكِينِ كَقَبْضِهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ وَفِي مَسْأَلَةِ الظُّفْرِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْغَاصِبَ أَوْ الْمُسْتَعِيرَ أَوْ الْمُسْتَأْجِرَ فِي قَبْضِ مَا فِي يَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ وَقَبِلَ صَحَّ، وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَأَتَّى فِيهَا الْقَبْضُ بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ الضَّمَانِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي كِتَابِ الْهِبَةِ قَالَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ الْمُقَرَّرِ فِي أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ قَابِضًا وَمُقْبِضًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَ دَارًا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ أَذِنَ الْمُؤَجِّرُ لِلْمُسْتَأْجِرِ فِي صَرْفِهَا فِي الْعِمَارَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (﵀) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ. وَفِي الْإِشْرَافِ لَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ شَخْصٍ مَالٌ فَأَذِنَ لَهُ فِي إسْلَامِهِ فِي كَذَا. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَصِحُّ وَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ وَيَنْبَغِي طَرْدُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
[الْإِثْبَاتُ]
ُ أَقْرَبُ إلَى الْإِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ النَّفْي. وَلِذَلِكَ يُقَدَّمُ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي عِنْدَ التَّعَارُضِ وَكَانَ الْحَلِفُ فِي طَرَفِ الثُّبُوتِ
стр. 27
عَلَى الْبَتِّ وَفِي النَّفْي عَلَى الْعِلْمِ. وَمِنْ فُرُوعِهِ: لَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَحَلِفَ ثُمَّ رَجَعَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا لِاسْتِنَادِ قَوْلِهَا إلَى الْإِثْبَاتِ وَلَوْ زُوِّجَتْ وَكَانَ رِضَاهَا شَرْطًا فَقَالَتْ لَمْ أَرْضَ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ بِهِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ قَبُولُهُ لِأَنَّ قَوْلَهَا الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إلَى النَّفْيِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ النَّفْيَ فِي فِعْلِهَا كَالْإِثْبَاتِ وَلِذَلِكَ يَحْلِفُ فِي نَفْيِ فِعْلِهِ عَلَى الْبَتِّ.
(وَمِنْهَا) لَوْ قَالَ الْغَاصِبُ الْمُتْلِفُ أَوْ الضَّامِنُ هَذَا الْمَالُ فِي يَدِي حَرَامٌ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمَضْمُونُ لَهُ وَالْمَالِكُ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ الْغَاصِبُ هُوَ حَلَالٌ وَقَالَ الْمَضْمُونُ لَهُ حَرَامٌ أُجْبِرَ الْمَضْمُونُ لَهُ عَلَى الْأَخْذِ أَوْ الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ.
تَنْبِيهٌ: فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ مَحْصُورًا كَانَ كَالْإِثْبَاتِ فِي إمْكَانِ الْإِحَاطَةِ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ بَاعَ فُلَانًا فِي سَاعَةِ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ (أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا سَاعَةَ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ) لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَبُولُ وَوَجَّهَهُ
стр. 28
النَّوَوِيُّ (﵀) بِمَا ذَكَرْنَا.
[الْإِجَارَةُ كَالْبَيْعِ إلَّا فِي وُجُوبِ التَّأْقِيتِ وَالِانْفِسَاخِ]
ِ بَعْدَ الْقَبْضِ بِتَلَفِ الْمَوْرِدِ مِنْ الدَّابَّةِ وَالدَّارِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَفِي خِيَارِ الشَّرْطِ فِيهَا خِلَافٌ، وَأَنَّ الْعَقْدَ يُرَدُّ عَلَى الْمَنْفَعَةِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْبَيْعِ عَلَى الْعَيْنِ وَأَنَّ الْعِوَضَ يُمْلَكُ فِي الْبَيْعِ بِالْقَبْضِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا؛ وَفِي الْإِجَارَةِ مِلْكًا مُرَاعًى لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ.
[الْأَجَلُ لَا يَحِلُّ بِغَيْرِ وَقْتِهِ إلَّا فِي صُوَرٍ]
(مِنْهَا) الْمَوْتُ وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ وَفِي يَدِهِ أَمْوَالٌ فَإِنَّهَا تَحِلُّ. ذَكَرَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، فِي بَابِهِ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ.
(وَمِنْهَا) الْجُنُونُ يَحِلُّ بِهِ الدُّيُونُ الْمُؤَجَّلَةُ فِي الْمَشْهُورِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَلَا تَرْجِيحَ فِي الرَّافِعِيِّ.
(وَمِنْهَا) اسْتِرْقَاقُ الْحَرْبِيِّ. فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحُلُولِ بِالْإِفْلَاسِ وَأَوْلَى بِالْحُلُولِ؛ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي السِّيَرِ. قَاعِدَةٌ: حَيْثُ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا أُجِّلَ لِأَجْلِهِ هَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ كَمَا فِي
стр. 29
الْحَالِّ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ:
(مِنْهَا) لَوْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ وَلَمْ يُسْلِمْ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ أَوْ لَا حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ؟ رَجَّحَ فِي الْكَبِيرِ الْوُجُوبَ وَفِي الصَّغِيرِ عَدَمَهُ.
(وَمِنْهَا) إذَا أَصْدَقَهَا مُؤَجَّلًا فَلَمْ تُسَلِّمْ نَفْسَهَا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا التَّسْلِيمُ حَتَّى تَقْبِضَ فِي الْأَصَحِّ. (وَمِنْهَا) إذَا بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ الثَّمَنَ حَتَّى حَجَرَ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيهِ وَجْهَانِ.
[الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ]
ِ لِأَنَّهُ لَوْ نُقِضَ بِهِ لَنُقِضَ النَّقْضُ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَا مِنْ اجْتِهَادٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ وَيَتَسَلْسَلَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا تَسْتَقِرُّ الْأَحْكَامُ. وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْتَهِدِ فِيهَا وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ لَا يُنْقَضُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَقْوَى مِنْهُ.
غَيْرَ أَنَّهُ إذَا تَجَدَّدَ لَهُ لَا يُعْمَلُ إلَّا بِالثَّانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ بَانَ لَهُ الْخَطَأُ بِالْيَقِينِ قَالَهُ يُنْقَضُ.
وَلَوْ تَقَدَّمَ خَصْمَانِ إلَى الْقَاضِي فَقَالَا كَانَ بَيْنَنَا خُصُومَةٌ فِي كَذَا، وَتَحَاكَمْنَا فِيهَا إلَى الْقَاضِي فُلَانٍ فَحَكَمَ بَيْنَنَا بِكَذَا لَكِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ فِيهَا عِنْدَك فَقِيلَ يُجِيبُهُمَا وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ بَلْ يَمْضِي حُكْمُ الْأَوَّلِ.
стр. 30
وَلَوْ اشْتَبَهَتْ الْقِبْلَةُ فَاجْتَهَدَ رَجُلٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ. وَلَوْ اجْتَهَدَ فَظَنَّ طَهَارَةَ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ فَاسْتَعْمَلَهُ وَتَرَكَ الْآخَرَ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَتَوَضَّأُ بِالثَّانِي وَلَا يَتَيَمَّمُ لِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ الْمَاضِي. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ إنَّ الِاجْتِهَادَ يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا الْأَصْحَابُ أَلْزَمُوهُ ذَلِكَ، وَهُوَ يَدْفَعُهُ فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ جَدِيدٌ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَاد لَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ الْأُولَى وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ.
وَلَوْ شَهِدَ الْفَاسِقُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَتَابَ وَأَعَادَهَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ قَبُولَ شَهَادَتِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ كَذَا عَلَّلَهُ فِي التَّتِمَّةِ، وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ وَأَلْحَقهُ بِالْآخَرِ لَمْ يُقْبَلْ وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا فَجَاءَ قَائِفٌ آخَرُ فَأَلْحَقَهُ لَمْ يُلْحَقْ بِهِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَقِيلَ يَتَعَارَضَانِ وَيَصِيرُ كَأَنَّ لَا قَائِفَ.
تَنْبِيهَاتٌ:
(الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اشْتَهَرَتْ فِي كَلَامِهِمْ وَتَحْقِيقُهَا أَنَّ النَّقْضَ
стр. 31
الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَحْكَامِ الْمَاضِيَةِ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِانْتِفَاءِ التَّرْجِيحِ (الْآنَ) وَهَذَا كَالْمُجْتَهِدِ فِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دَلِيلٌ فَأَخَذَ بِهِ ثُمَّ عَارَضَهُ دَلِيلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَنْقُضُ مَا مَضَى. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا أَمْضَى حُكْمَهُ وَقَضَاءَهُ فِي وَاقِعَةٍ، وَكَانَ لِقَضَائِهِ مُسْتَنَدٌ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ وَمُتَعَلِّقٌ بِالْحُجَّةِ فَإِذَا أَرَادَ قَاضٍ بَعْدَهُ أَنْ يَنْقُضَ قَضَاءَهُ لَمْ يَجِدْ إلَيْهِ سَبِيلًا.
(الثَّانِي) يُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ:
(إحْدَاهَا) أَنَّ لِلْإِمَامِ الْحِمَى فَلَوْ أَرَادَ مَنْ بَعْدَهُ نَقْضَهُ فَالْأَصَحُّ نَعَمْ لِأَنَّهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ. وَمَنَعَ الْإِمَامُ الِاسْتِثْنَاءَ وَقَالَ لَيْسَ مَأْخَذُ التَّجْوِيزِ هَذَا وَلَكِنَّ حِمَى الْأَوَّلِ كَانَ لِلْمَصْلَحَةِ وَهِيَ الْمُتَّبَعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ.
(الثَّانِيَةُ) لَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا وَصَارَتْ الدَّارُ فِي يَدِهِ ثُمَّ أَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً حُكِمَ لَهُ بِهَا وَنُقِضَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا قُضِيَ لِلْخَارِجِ لِعَدَمِ حُجَّةِ
стр. 32
صَاحِبِ الْيَدِ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ قَالَ الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) : أَشْكَلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُنْذُ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ وَتَرَدَّدَ جَوَابِي فَذَكَرْت مَرَّةً إنَّ تَأَكُّدَ الْحُكْمِ بِالتَّسْلِيمِ لَمْ يُنْقَضْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، كَمَا فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَلَى قَوْلٍ. ثُمَّ اسْتَقَرَّ رَأْيِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ بَعْدَهُ.
(الثَّالِثَةُ) لَوْ قَسَّمَ الْقَاسِمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي قِسْمَةِ إجْبَارٍ ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَلَطِهِ أَوْ حَيْفِهِ نُقِضَتْ مَعَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَسَّمَ بِاجْتِهَادِهِ، فَنَقْضُ الْقِسْمَةِ بِقَوْلٍ مِثْلِهِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ مُشْكِلٌ اسْتَشْكَلَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَة.
(الرَّابِعَةُ) إذَا قَوَّمَ الْمُقَوِّمُونَ ثُمَّ اُطُّلِعَ عَلَى صِفَةِ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ بَطَلَ التَّقْوِيمُ الْأَوَّلُ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَقْضِ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ يُشْبِهُ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالنَّصِّ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) الْمُرَادُ لَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَيُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ أَجْلَى وَأَوْضَحَ مِنْهُ وَمِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى أَنْ يَتَيَقَّنَ الْخَطَأَ أَوْ لَا كَمَا فِي الْقِبْلَةِ
стр. 33
وَالْأَوَانِي. وَقَدْ اسْتَثْنَى الْغَزَالِيُّ (﵀) مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ مُسْتَمِرًّا كَمَا إذَا خَالَعَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بِلَا مُحَلِّلٍ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَهُوَ بَاقٍ مَعَهَا بِذَلِكَ النِّكَاحِ قَالَ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لِمَا يَلْزَمُ فِي فِرَاقِهَا مِنْ تَغَيُّرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ مُفَارَقَتُهَا لِمَا يَلْزَمُ فِي إمْسَاكِهَا مِنْ الْوَطْءِ الْحَرَامِ فِي مُعْتَقَدِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاكِمِ لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَخْذِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَامْتِنَاعِ نَقْضِ الْحُكْمِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي أَيْضًا مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّمِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا خَلَّلَ خَمْرًا فَأَتْلَفَهَا عَلَيْهِ شَافِعِيٌّ لَا يَعْتَقِدُ طَهَارَتَهَا بِالتَّخْلِيلِ فَتَرَافَعَا إلَى حَنَفِيٍّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِطَرِيقَةٍ فَقَضَى عَلَى الشَّافِعِيِّ بِضَمَانِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ قَوْلًا وَاحِدًا حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَطَالَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَدَاءِ ضَمَانِهَا لَمْ يَجُزْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْحُكْمِ بِاعْتِقَادِ الْقَاضِي دُونَ اعْتِقَادِهِ وَكَأَنَّ هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِهِ بَاطِنًا وَإِلَّا فَيُسَوَّغُ لَهُ الْحَلِفُ وَيُؤَيِّدُهُ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ هَلْ تَحِلُّ لَهُ؟
стр. 34
الرَّابِعُ) قَالُوا الْمُجْتَهِدُ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ يَعْمَلُ بِالثَّانِي وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْأَمَارَتَيْنِ إلْحَاقًا لِلطَّارِئِ بِالْمُقَارِنِ وَكَأَنَّ الْفَرْقَ لُزُومُ الْعَمَلِ بِالْأَوَّلِ قَطْعًا.
[اجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِوَاحِدٍ]
عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ " ﵀ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسَابَقَةِ فَإِنَّ السَّابِقَ يَرِيضُ نَفْسَهُ وَفَرَسَهُ وَيَأْخُذُ السَّبْقَ. (قُلْت) وَيُتَصَوَّرُ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ النُّجُومَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ بَقَاءُ الرَّقَبَةِ عَلَى مِلْكِهِ، وَقِيلَ تَنْتَقِلُ إلَى الْمُكَاتَبِ، وَقِيلَ إلَى اللَّهِ (تَعَالَى) حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ.
وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنْك عَلَى أَلْفٍ فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ فِي الْأَصَحِّ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْعَيْنُ تَكُونُ لِمَالِكَيْنِ وَهِيَ الْقِيمَةُ الْمَأْخُوذَةُ لِلْحَيْلُولَةِ فِي الْأَصَحِّ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الدَّافِعِ حُكْمًا بِدَلِيلِ الِاسْتِرْدَادِ وَيَمْلِكُهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِيهَا وَلَا يَمْلِكُهَا وَمِثْلُهُ الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا وَيَمْلِكُهَا الْفُقَرَاءُ وَإِذَا بَلَّ الْحِنْطَةَ بَلَلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا كَالتَّالِفَةِ فَيَأْخُذُ بَدَلَهَا مِنْ الْغَاصِبِ، وَلِمَنْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ؟ وَجْهَانِ:
стр. 35
أَحَدُهُمَا) لِلْمَالِكِ كَيْ لَا يَكُونَ الْعُدْوَانُ قَاطِعًا حَقَّهُ كَمَا لَوْ نَجَّسَ زَيْتَهُ وَقُلْنَا يَطْهُرُ بِالْغُسْلِ فَإِنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى بِهِ. (وَالثَّانِي) لِلْغَاسِلِ لِأَنَّا جَعَلْنَاهُ كَالْهَالِكِ وَلَمْ يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ (﵀) شَيْئًا لَكِنَّهُ جَزَمَ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ زَيْتُهُ بِمِثْلِهِ. وَقُلْنَا إنَّهُ كَالْهَالِكِ أَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَصَبَ شَجَرَةً وَأَحْرَقَهَا حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا لَا قِيمَةَ لَهُ فَالْمَالِكُ أَوْلَى بِالِانْتِفَاعِ بِالرَّمَادِ.
[إدْرَاكُ بَعْضِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ نَوْعَانِ]
ِ (الْأَوَّلُ) إدْرَاكُ إلْزَامٍ " كَإِدْرَاكِ زَائِلِ الْعُذْرِ بَعْضَ وَقْتِ الصَّلَاةِ "، وَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَإِذَا أَدْرَكَ الْمَعْذُورُ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ زَالَ عُذْرُهُ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا مُلْتَزِمًا بِفِعْلِهَا وَلِهَذَا سَمَّوْهُ إدْرَاكَ إلْزَامٍ لِأَنَّهُ يَلْتَزِمُ الْقَضَاءَ فَسَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ. وَمِثْلُهُ الْمُسَافِرُ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُقِيمِ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ وَالِالْتِزَامُ يَسْتَوِي فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
стр. 36
الثَّانِي) إدْرَاكُ إسْقَاطٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَمِنْهُ الْجُمُعَةُ لَا تُدْرَكُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطُ رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَوْ صَلَاةٌ بِحَالِهَا وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ الْإِسْقَاطَ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالٍ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ. وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ قَصَرَ إنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ إنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ فِيمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ تَكْبِيرَةٍ فَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا كَانَ لَهُ الْقَصْرُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لَا إدْرَاكُ إلْزَامٍ فَهَلَّا شَرَطْتُمْ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ فَتَحَرَّمَ وَنَوَى الْقَصْرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ الرُّخْصَةِ بِتَمَامِهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الرُّخْصَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا فِعْلُ الْقَصْرِ فَهُوَ مُوجِبٌ هَذِهِ النِّيَّةَ وَلِهَذَا إذَا نَوَاهُ مَعَ
стр. 37
التَّحَرُّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّتِهِ مَعَ السَّلَامِ. وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فِي الْجُمُعَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ فِعْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
[أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى أَضْرُبٍ]
(الْأَوَّلُ) الْمَالِيَّةُ: وَتَنْقَسِمُ إلَى عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَمَّا الدَّيْنُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ.
(وَالْأَوَّلُ) إنْ كَانَ زَكَاةٌ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ وَكَذَا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ إنْ كَانَ سَبَبُهُمَا بِالتَّعَدِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَتْ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَلْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهِمَا؟ وَجْهَانِ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَتَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ لِحَاظِ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ ادَّعَى تَلَفَ النِّصَابِ قُبِلَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَدَعْوَى الْأَمِينِ التَّلَفَ مَقْبُولَةٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ.
стр. 38
(وَالثَّانِي) ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا.
فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ عَجَّلَهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَخَوْفِ الْإِغَارَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فَقَالَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ اسْتَوْفِ مِنِّي مَا تَسْتَحِقُّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الذِّمَّةَ هُنَاكَ بَرِّيَّةٌ وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْإِثْمِ وَقَدْ حَصَلَ بِبَذْلِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا هَا هُنَا فَرُبَّمَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهَلَاكِ مَالِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَقِّهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ. هَذَا إذَا عَجَّلَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَدَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ قَبْضُهُ لَهُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَالشَّهَادَاتِ الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَظَّ لِلْغَائِبِ فِي أَنْ يَبْقَى الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمَلِيءِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَصِيرَ أَمَانَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ الْوَجْهَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْقَبُولِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ.
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ حَالًّا فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مُوسِرًا رَشِيدًا حَيًّا فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ؟ يَتَحَصَّلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ:
стр. 39
أَحَدُهَا) يَجِبُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ.
(وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمُعَيَّنٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَالرَّابِعُ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَالِكُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ بِرِضَاهُ كَالْقَرْضِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْإِتْلَافَاتِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَجِبُ فَلَوْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٍ تُشْعِرُ بِالطَّلَبِ فَفِي وُجُوبِهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ لِيَخْرُجَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ. نَعَمْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَطْلُ إذَا كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَحَتَّى يُوسِرَ وَلَا يَجِبُ الِاكْتِسَابُ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَرَاوِيُّ إنْ اسْتَدَانَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَجَبَ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا قَالُوا يُبَادَرُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ (رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) سَأَلَ وَارِثُهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ
стр. 40
رَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ تُبْرِئُهُ هُنَا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهُ حَتَّى يَثْبُتَ وَيُطَالِبَ بِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ مَالُ الْمَحْجُورِ نَاضًّا أَلْزَمَهُمْ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ أَوْ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتْلَفَ الْمَالُ وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ انْتَهَى. وَسَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ عَلَى مِثْلِهِ وَهَا هُنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى الْفَوْرِ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَأَنْوَاعٌ (الْأَوَّلُ) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِهِ بِرِضَا صَاحِبِهَا فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ وَأَدَاؤُهَا يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا إذَا اسْتَمَرَّتْ عُقُودُهَا فَإِنْ ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ اُسْتُصْحِبَ الْحَالُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي الرَّاهِنِ يَفُكُّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَمَانَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَمَنْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ أَوْ يَرُدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ وَمِثْلُهُ يَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ " يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ " فَلَوْ انْقَضَتْ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ ". (الثَّانِي) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا وَهِيَ: الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا لَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ
следующие страницы →