← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الثَّانِي) إدْرَاكُ إسْقَاطٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الرَّكْعَةُ الْكَامِلَةُ فَمِنْهُ الْجُمُعَةُ لَا تُدْرَكُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ لِأَنَّ إدْرَاكَهَا يَتَضَمَّنُ إسْقَاطُ رَكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا الْجُمُعَةُ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَوْ صَلَاةٌ بِحَالِهَا وَالْإِدْرَاكُ لَا يُفِيدُ الْإِسْقَاطَ إلَّا بِشَرْطِ كَمَالٍ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ نَاقِصٌ. وَلَوْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ رَكْعَةٌ قَصَرَ إنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ، وَإِلَّا فَلَا كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ إنَّ الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ وَالرَّبِيعِ فِيمَا إذَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ تَكْبِيرَةٍ فَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا كَانَ لَهُ الْقَصْرُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ هَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لَا إدْرَاكُ إلْزَامٍ فَهَلَّا شَرَطْتُمْ إدْرَاكَ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ فَتَحَرَّمَ وَنَوَى الْقَصْرَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ اسْتِبَاحَةُ الرُّخْصَةِ بِتَمَامِهَا فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ اسْتِبَاحَةَ الرُّخْصَةِ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا فِعْلُ الْقَصْرِ فَهُوَ مُوجِبٌ هَذِهِ النِّيَّةَ وَلِهَذَا إذَا نَوَاهُ مَعَ

стр. 37

التَّحَرُّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى نِيَّتِهِ مَعَ السَّلَامِ. وَأَمَّا الْإِسْقَاطُ فِي الْجُمُعَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِإِدْرَاكِ فِعْلِ الْإِمَامِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ انْتَهَى. وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. [أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ عَلَى أَضْرُبٍ] (الْأَوَّلُ) الْمَالِيَّةُ: وَتَنْقَسِمُ إلَى عَيْنٍ وَدَيْنٍ أَمَّا الدَّيْنُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِآدَمِيٍّ. (وَالْأَوَّلُ) إنْ كَانَ زَكَاةٌ وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ وَكَذَا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالنُّذُورِ إنْ كَانَ سَبَبُهُمَا بِالتَّعَدِّي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَتْ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَلْ لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِهِمَا؟ وَجْهَانِ أَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ حِكَايَتَهُمَا وَلَا بُدَّ مِنْ لِحَاظِ هَذَا التَّفْصِيلِ، وَلَوْ ادَّعَى تَلَفَ النِّصَابِ قُبِلَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ كَذِبُهُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ وَدَعْوَى الْأَمِينِ التَّلَفَ مَقْبُولَةٌ فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ.

стр. 38

(وَالثَّانِي) ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا. فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِانْقِضَاءِ الْأَجَلِ وَلَوْ عَجَّلَهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ فِي الِامْتِنَاعِ كَخَوْفِ الْإِغَارَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الْقَبْضِ أَوْ الْإِبْرَاءِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ فَقَالَ لِمَنْ لَهُ الْحَقُّ اسْتَوْفِ مِنِّي مَا تَسْتَحِقُّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الذِّمَّةَ هُنَاكَ بَرِّيَّةٌ وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّخَلُّصَ مِنْ الْإِثْمِ وَقَدْ حَصَلَ بِبَذْلِهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي تَرْكِ الِاسْتِيفَاءِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ لَا يُمْكِنُ مُطَالَبَةُ وَرَثَتِهِ بِالْعُقُوبَةِ. وَأَمَّا هَا هُنَا فَرُبَّمَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِهَلَاكِ مَالِهِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ حَقِّهِ قَالَهُ فِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ السَّلَمِ. هَذَا إذَا عَجَّلَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ فَلَوْ كَانَ غَائِبًا فَدَفَعَهُ لِلْحَاكِمِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ قَبْضُهُ لَهُ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْوَدِيعَةِ وَالشَّهَادَاتِ الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَظَّ لِلْغَائِبِ فِي أَنْ يَبْقَى الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْمَلِيءِ فَإِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَصِيرَ أَمَانَةً عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ الْوَجْهَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا هَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا يُجْبَرُ أَخَذَهُ الْحَاكِمُ وَإِلَّا فَلَا وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي الْقَبُولِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِمَّا رَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ. (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ حَالًّا فَإِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مُوسِرًا رَشِيدًا حَيًّا فَهَلْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ قَبْلَ الطَّلَبِ؟ يَتَحَصَّلُ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ مِنْ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ:

стр. 39

أَحَدُهَا) يَجِبُ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ. (وَالثَّانِي) لَا يَجِبُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِمُعَيَّنٍ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ. (وَالثَّالِثُ) إنْ كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا. (وَالرَّابِعُ) إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَالِكُ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا. (وَالْخَامِسُ) إنْ كَانَ بِرِضَاهُ كَالْقَرْضِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجِبْ أَوْ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْإِتْلَافَاتِ وَنَحْوِهَا وَجَبَ، وَحَيْثُ قُلْنَا لَا يَجِبُ فَلَوْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٍ تُشْعِرُ بِالطَّلَبِ فَفِي وُجُوبِهِ احْتِمَالٌ وَتَرَدُّدٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ اللَّازِمِ لِيَخْرُجَ دَيْنُ الْكِتَابَةِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ. نَعَمْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الْأُمِّ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَطْلُ إذَا كَانَ مَعَهُ وَفَاءٌ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَحَتَّى يُوسِرَ وَلَا يَجِبُ الِاكْتِسَابُ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَرَاوِيُّ إنْ اسْتَدَانَهُ فِي مَعْصِيَةٍ وَجَبَ. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ يُخَالِفُهُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا قَالُوا يُبَادَرُ إلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ قَبْلَ تَجْهِيزِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ بِأَنْ كَانَتْ عَقَارًا وَنَحْوَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ (رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى) سَأَلَ وَارِثُهُ غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَلِّلُوهُ وَيَحْتَالُوا بِهِ عَلَيْهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ

стр. 40

رَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ تُبْرِئُهُ هُنَا لِلْحَاجَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ قَضَاؤُهُ حَتَّى يَثْبُتَ وَيُطَالِبَ بِهِ صَاحِبُهُ فَإِنْ أَمْسَكَ عَنْ الْمُطَالَبَةِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ مَالُ الْمَحْجُورِ نَاضًّا أَلْزَمَهُمْ الْوَلِيُّ قَبْضَ دُيُونِهِمْ أَوْ الْإِبْرَاءَ مِنْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتْلَفَ الْمَالُ وَإِنْ كَانَ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا تَرَكَهُمْ عَلَى خِيَارِهِمْ فِي الْمُطَالَبَةِ انْتَهَى. وَسَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ عَلَى مِثْلِهِ وَهَا هُنَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى الْفَوْرِ. وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَأَنْوَاعٌ (الْأَوَّلُ) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ فِي يَدِهِ بِرِضَا صَاحِبِهَا فَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ وَأَدَاؤُهَا يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا هَذَا إذَا اسْتَمَرَّتْ عُقُودُهَا فَإِنْ ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ اُسْتُصْحِبَ الْحَالُ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ فِي الرَّاهِنِ يَفُكُّ الرَّهْنَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَمَانَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الرَّدِّ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرْتَهِنُ بَعْدَ الْأَدَاءِ كَمَنْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ أَوْ يَرُدَّهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِيَدِهِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ وَمِثْلُهُ يَدُ الْمُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ " يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ " فَلَوْ انْقَضَتْ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ ". (الثَّانِي) الْأَمَانَاتُ الْحَاصِلَةُ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهَا وَهِيَ: الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كَمَا لَوْ طَيَّرَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ

стр. 41

الْأَمْرَيْنِ إمَّا إعْلَامُ الْمَالِكِ أَوْ الرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِنَّمَا لَمْ يُوجِبُوا الرَّدَّ عَيْنًا لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ التَّمْكِينُ مِنْ الْأَخْذِ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَالِمًا بِهِ وَلَمْ يُطَالِبْ لَمْ يَضْمَنْ بِالتَّأْخِيرِ بِعِلْمِهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَمِنْ ذَلِكَ اللُّقَطَةُ إذَا عَلِمَ صَاحِبَهَا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَهِيَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَمَانَةٌ وَبَعْدَهُ مَضْمُونَةٌ (وَمِنْهُ) لَوْ اسْتَعَارَ صُنْدُوقًا فَوَجَدَ فِيهِ دَرَاهِمَ فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ طَيَّرَ الرِّيحُ ثَوْبًا لِدَارِهِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْعَارِيَّةِ وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ إنْسَانٍ فَأَخَذَهُ الْغَيْرُ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ كَانَ ضَامِنًا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ وَالْمُتَّجَهِ خِلَافُهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا لِيُدَاوِيَهُ، وَلَوْ وَقَعَ طَيْرٌ لِغَيْرِهِ عَلَى طَرَفِ جِدَارِهِ فَنَفَّرَهُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فَطَارَ لَا يَضْمَنُ فَإِنَّهُ كَانَ مُمْتَنِعًا مِنْ قَبْلُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَتَلَهُ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ فِي هَوَاءِ دَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَنْعَ الطَّائِرِ مِنْ هَوَاءِ دَارِهِ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) فِي بَابِ الْغَصْبِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ (﵀) فِي بَابِ الرِّبَا أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ نِصْفَ دِينَارٍ شَائِعًا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ صَحَّ وَيُسْلِمُ إلَيْهِ الْكُلُّ لِيَحْصُلَ تَسْلِيمُ النِّصْفِ وَيَكُونَ النِّصْفُ الْآخَرُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَعْطَاهُ عَشَرَةً

стр. 42

عَدَدًا فَوُزِنَتْ فَكَانَتْ أَحَدَ عَشَرَ كَانَ الدِّرْهَمُ الْفَاضِلُ لِلْمَقْبُوضِ مِنْهُ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ لِنَفْسِهِ وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ لَوْ وَزَنَ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ فَأَخْطَأَ بِزِيَادَةِ عَشَرَةٍ كَانَتْ الْعَشَرَةُ مَضْمُونَةً عَلَى الْآخِذِ وَكَذَا لَوْ اقْتَرَضَ مِنْهُ مِائَةً فَوَزَنَ لَهُ مِائَةً وَعَشَرَةً. (الثَّالِثُ) الْأَعْيَانُ الْمَمْلُوكَةُ بِالْعُقُودِ قَبْلَ قَبْضِهَا وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى مَنْ هِيَ بِيَدِهِ كَالْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَكَذَا الصَّدَاقُ وَعِوَضُ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ حَبْسُ الْمَبِيعِ عَلَى الثَّمَنِ وَإِذَا قَبَضَ وَجَبَ التَّسْلِيمُ. (الرَّابِعُ) الْأَعْيَانُ الْمَضْمُونَةُ بِالْيَدِ فَيَجِبُ الرَّدُّ سَوَاءٌ كَانَ أُصُولُهَا فِي يَدِهِ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَالْأَوَّلُ كَالْعَارِيَّةِ إذَا انْتَهَى قَدْرُ الِانْتِفَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالثَّانِي كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَالثَّالِثُ كَالزَّكَاةِ إذَا قُلْنَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ فَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إلَى دَفْعِهَا لِلْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ التَّمْكِينِ، وَكَذَلِكَ الصَّيْدُ إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ حَصَلَ فِي يَدِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَهَذَا كَالْإِرْثِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ فَأَتَى بِهَا الْحَاكِمُ وَجَبَ الْقَوْلُ فِي الْأَصَحِّ وَيَبْرَأُ مِنْهَا الْغَاصِبُ وَوَجْهُهُ مَا مَرَّ أَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهِ. الضَّرْبُ الثَّانِي الْمُوجِبَاتُ لِلْعُقُوبَةِ مِنْ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ: فَيَجِبُ إعْلَامُ الْمُسْتَحِقِّ بِهَا لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَعْفُوَ فَإِذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ فِي الْأَصَحِّ ذَكَرُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَذْفِ وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مُكِّنَ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ

стр. 43

عَلَى اسْتِيفَائِهِ أَوْ الْعَفْوِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. أَمَّا السَّرِقَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهَا بَلْ يُخْبَرُ الْمَالِكُ بِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ كَذَا إنْ كَانَ تَالِفًا، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ أَوْ وَكَّلَ فِيهِ. نَعَمْ لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ بِنَفْسِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمَغْصُوبِ إلَى غَيْرِ مَالِكِهِ إلَّا إلَى الْحَاكِمِ وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ وَنَحْوُهُ. وَأَمَّا قَاطِعُ الطَّرِيقِ فَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فَكَالسَّرِقَةِ يُخْبَرُ بِالْمَالِ مُسْتَحَقُّهُ وَإِنْ غَلَّبْنَا فِيهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ أَوْ يَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْجُنَاةِ فَقِيلَ التَّخْلِيَةُ وَالتَّنْكِيلُ كَالْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَقِيلَ بَلْ الْإِقْبَاضُ وَالتَّسْلِيمُ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْجَلَّادِ وَالْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ، فَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّمْكِينَ فَقَطْ لَمْ تَلْزَمْ الْجَانِيَ وَإِلَّا وَجَبَتْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. (الضَّرْبُ الثَّالِثُ) الْأَمَانَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذِّمَّةِ كَالشَّهَادَةِ فَيَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ الْأَدَاءُ إذَا دُعِيَ لِلتَّحَمُّلِ وَيَلْزَمُهُ الْحُضُورُ عِنْدَ الْقَاضِي. وَعَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَدَاءُ الشَّهَادَةِ إذَا اجْتَمَعَ مَعَ

стр. 44

الْقَاضِي كَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ (كَأَنَّهُ) يَقُولُ إنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَيَصِيرُ الشَّاهِدُ كَالْمُودِعِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَمَالِكِهَا دُونَ التَّسْلِيمِ. [الْإِذْنُ فِي الشَّيْءِ إذْنٌ فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ إيجَابَهُ] ُ وَهَلْ يَكُونُ إذْنًا فِيمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّيْءُ اسْتِحْقَاقَهُ هُوَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) : مَا يَكُونُ إذْنًا فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ فِي الْجَدِيدِ بَلْ هُمَا فِي كَسْبِ الْعَبْدِ. (وَمِنْهَا) الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ وَمُقْتَضَاهُ وَلَهُ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ بَعْدَ تَوَفُّرِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ. (وَمِنْهَا) : إذْنٌ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ دُونَ الرُّجُوعِ فَأَدَّى عَنْهُ الضَّامِنُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْأَدَاءَ نَتِيجَةُ الضَّمَانِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْوَدِيعَةِ فَأَتْلَفَهَا فَبَدَلُهَا يُؤَدِّيهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ

стр. 45

لَا مِنْ رَقَبَتِهِ كَذَا وَقَعَ فِي (الْحَاوِي الصَّغِيرِ) وَاسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْحِفْظِ لَيْسَ إذْنًا فِي الْإِتْلَافِ وَلِهَذَا لَوْ جَنَى الْعَبْدُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ لَا يَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الْجِنَايَةِ لَيْسَ إذْنًا فِي قِيمَةِ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُتْلِفَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ السَّيِّدُ لِأَنَّ إبْقَاءَهَا فِي يَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ. (الثَّانِي) : مَا لَا يَكُونُ إذْنًا: كَمَا لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الدَّمُ عَلَى الْجَدِيدِ وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ بِخِلَافِ إذْنِهِ فِي النِّكَاحِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ فِي الْقَدِيمِ قَطْعًا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ، وَلِلدَّمِ بَدَلٌ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ. (وَمِنْهَا) : أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ وَارْتَكَبَ مَحْظُورًا مِنْ طِيبٍ أَوْ قَتْلِ صَيْدٍ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّيِّدِ الْفِدْيَةُ وَفَرْضُهُ الصَّوْمُ بَلْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي حَالِ الرِّقِّ. (وَمِنْهَا) : لَوْ أُحْصِرَ الْعَبْدُ تَحَلَّلَ وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ فِي الْأَصَحِّ لِإِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ. [الْإِذْنُ فِي تَصَرُّفٍ مُعَيَّنٍ هَلْ يَتَعَدَّى مَا وَجَبَ بِسَبَبِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ] ؟

стр. 46

فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ. (مِنْهَا) : الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ هَلْ يُطَالِبُ سَيِّدَهُ فِي بَقِيَّةِ مَالِهِ بِدَيْنِ الْمَأْذُونِ فِيهِ؟ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا: يُطَالِبُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ وَإِلَّا فَلَا. (وَمِنْهَا) : عَامِلُ الْقِرَاضِ وَالْوَكِيلُ يَشْتَرِي بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ أَجْرَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْخِلَافَ. [قَاعِدَةٌ مُخَالَفَةَ الْإِذْن] مُخَالَفَةُ الْإِذْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. (الْأَوَّلُ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ وَضْعِيٍّ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ لِيَرْهَنَ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَرَهَنَ عَلَى مِائَتَيْنِ بَطَلَ فِيهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا تُخَرَّجُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. (الثَّانِي) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْطِيٍّ كَمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَأَجَّرَهُ النَّاظِرُ أَكْثَرَ مِنْهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ حَتَّى تَصِحَّ فِي الْمَشْرُوطِ وَحْدَهُ. (الثَّالِثُ) مُخَالَفَةُ إذْنٍ شَرْعِيٍّ كَمَا إذَا أَجَّرَ الرَّاهِنُ الْمَرْهُونَ مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى الْمَحَلِّ فَالْمَذْهَبُ الْبُطْلَانُ فِي الْجَمِيعِ.

стр. 47

[تَكْرَار الْأَذَان] قَالَ الْإِمَامُ وَلَا يَتَوَالَى أَذَانَانِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى قَوْلٍ وَهِيَ مَا إذَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَمَّا فَرَغَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ لَا مَحَالَ. قُلْت: يُضَافُ إلَيْهِ صُوَرٌ. (إحْدَاهَا) : إذَا أَخَّرَ أَذَانَ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ أَذَّنَ وَصَلَّى فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ (﵀) عَلَى اسْتِدْرَاكِ هَذِهِ الصُّورَةِ. (الثَّانِيَةُ) : إذَا وَالَى بَيْنَ فَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَمَقْضِيَّتِهِ وَقَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ فَفِي الْأَذَانِ لَهَا الْأَقْوَالُ، وَأَمَّا فَرِيضَتُهُ فَالْأَصَحُّ يُؤَذِّنُ لَهَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا. (الثَّالِثَةُ) : إذَا أَخَّرَ الظُّهْرَ لِلْجَمْعِ فِي السَّفَرِ أَوْ بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ أَرَادَ تَقْدِيمَ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لَهَا فَإِذَا أَذَّنَ لَهَا أَذَّنَ لِلْفَائِتَةِ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَتَابَعَهُمْ النَّوَوِيُّ (﵀) . [إذَا بَطَلَ الْخُصُوصُ هَلْ يَبْقَى الْعُمُومُ] هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا لَا يَبْقَى قَطْعًا وَمَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ بَقَاؤُهُ - وَعَكْسُهُ، وَالضَّابِطُ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُضَافَ لِلْحُكْمِ إنْ كَانَ يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَ وَإِذَا صَحَّ

стр. 48

بَقِيَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَوَّمُ بِهِ فَإِذَا بَطَلَ الْمُضَافُ الْمَذْكُورُ بَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى صِحَّتِهِ. . (الْأَوَّلُ) : مَا يَبْقَى فِيهِ الْعُمُومُ قَطْعًا كَمَا إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مَعِيبًا عَنْ كَفَّارَتِهِ بَطَلَ كَوْنُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ قَالَ اعْتِقْ مُسْتَوْلَدَتَك عَنِّي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ أَعْتَقْتهَا عَنْك عَتَقَتْ وَلَغَا قَوْلُهُ عَنْك وَلَا عِوَضَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِهِ بِشَرْطِ الْوُقُوعِ عَنْهُ وَلَمْ يَقَعْ. قَالَ الْغَزَالِيُّ (﵀) وَاعْلَمْ أَنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ (﵀) بِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِي الْمُسْتَوْلَدَةِ مَعَ قَوْلِهِ أَعْتَقْتهَا عَنْك يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَصَفَ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ بِوَصْفٍ مُحَالٍ يُلْغَى الْوَصْفُ دُونَ الْأَصْلِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ لِمُعَيَّنَةٍ: جَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِهَا وَجَبَ ذَبْحُهَا وَتَكُونُ قُرْبَةً وَيُفَرَّقُ لَحْمُهَا صَدَقَةً وَلَا تَجْزِي عَنْ الضَّحَايَا. وَمِنْهُ لَوْ أَخْرَجَ زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ وَهُوَ يَظُنُّ سَلَامَتَهُ فَبَانَ تَالِفًا يَقَعُ تَطَوُّعًا بِلَا خِلَافٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ حَتَّى لَا تَقَعَ صَدَقَةً عَلَى وَجْهٍ وَيَسْتَرِدُّهُ مِنْ الْفَقِيرِ كَمَا لَوْ دَفَعَ

стр. 49

إلَيْهِ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الِاسْتِرْدَادَ إنْ عَرَضَ مَانِعٌ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَسْتَرِدُّهُ. وَمِنْهُ: لَوْ تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) أَحْبَبْت أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ نَافِلَةً وَيُصَلِّيَ الْفَرْضَ فَصَحَّحَ النَّفَلَ فِي إبْطَالِ الْفَرْضِ. وَمِنْهُ: إذَا اسْتَأْجَرَ لِزِرَاعَةِ الْحِنْطَةِ شَهْرَيْنِ فَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ جَازَ وَكَأَنَّهُ لَا يَبْغِي إلَّا الْقَصْلَ وَإِنْ شَرَطَ الْإِبْقَاءَ فَسَدَ الْعَقْدُ لِلتَّنَاقُضِ وَلِجَهَالَةِ غَايَةِ الْإِدْرَاكِ ثُمَّ إذَا فَسَدَ فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ لَكِنْ إذَا زَرَعَ لَمْ (يَقْلَعْ) زَرْعَهُ مَجَّانًا لِلْإِذْنِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِجَمِيعِ الْمُدَّةِ. قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. (الثَّانِي) : مَا لَا يَبْقَى قَطْعًا كَمَا إذَا وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ فَلَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لَا صَحِيحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَلَا فَاسِدًا لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَأْذَنْ، وَكَذَا الْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ التَّصَرُّفَ فِي الْمُشْتَرِي قَطْعًا وَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِذْنِ الضِّمْنِيِّ فِيهِ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي ضِمْنِهِ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ وَلَا يَنْتَقِلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَدَتْ الْوَكَالَةُ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ.

стр. 50

(وَمِنْهَا) : لَوْ تَحَرَّمَ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ثُمَّ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ تَحَرُّمِهِ بِهَا فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ وَلَا تَنْعَقِدُ نَفْلًا قَطْعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَنَا نَفْلٌ عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ فَيَنْدَرِجُ فِي نِيَّتِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ. وَلَوْ أَشَارَ إلَى ظَبْيَةٍ وَقَالَ هَذِهِ ضَحِيَّةٌ فَهُوَ لَاغٍ وَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا قَطْعًا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ (﵀) فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ ضَحَّى عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْأُضْحِيَّةِ قَدْ دَخَلَ فَلَمْ يَكُنْ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا عَلَى مِلْكِ مَالِكِهَا، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ " شَاةِ الْأُضْحِيَّةِ " وَقَوْلُهُ «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ أُضْحِيَّةً وَلَا صَدَقَةً فَإِنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ أَصْلًا. (الثَّالِثُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ يَبْقَى فَمِنْهُ إذَا تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ بَطَلَ خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا وَيَبْقَى عُمُومُ كَوْنِهَا نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ فَإِنْ كَانَ عَالِمًا أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ بَطَلَ لِتَلَاعُبِهِ. قَالَ (الْبَنْدَنِيجِيُّ) (﵀) : وَمِثْلُهُ لَوْ نَوَى صَوْمَ الْفَرْضِ بِالنَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا وَهَلْ يَصِحُّ نَفْلًا فِيهِ الْخِلَافُ. وَمِثْلُهَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ نَذَرَ صَوْمَ

стр. 51

يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَنَوَى لَيْلَةَ الْأَحَدِ عَلَى اعْتِقَادٍ أَنَّهُ الِاثْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَتَقَدَّمُ وَقْتَهَا وَهَلْ يَنْعَقِدُ صَوْمُ يَوْمِ الْأَحَدِ نَفْلًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ (أَنَّهُ) لَا يَنْعَقِدُ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا إذَا أَدَّى دَيْنًا عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. (وَمِنْهَا) : لَوْ نَوَى (بِوُضُوئِهِ) الطَّوَافَ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَكَّةَ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَغَيْرُهُ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ إلْغَاءً لِلصِّفَةِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى مِنْهُ وَإِبْقَاءً لِنِيَّةِ الْعِبَادَةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْوُضُوءِ إذْ الطَّوَافُ يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ وَوَجْهُ الْمَنْعِ اعْتِبَارُ الْمَنْوِيِّ بِجُمْلَتِهِ وَهُوَ لَا يَتَأَتَّى قَصْدُهُ مَعَ اسْتِحَالَةِ فِعْلِهِ فَفَسَدَتْ النِّيَّةُ. (وَمِنْهَا) : إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ فَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ الْفَرْضَ سَنَةَ سِتِّينَ مَثَلًا وَهُوَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ فَحَجَّ قَبْلَ السِّتِّينَ فَهَلْ يَصِحُّ حَجُّهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ أَوْ يَقَعُ نَفْلًا؟ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ وَلَهُمَا مَأْخَذٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ هَلْ هُوَ بِمَثَابَةِ تَعْيِينِ الشَّارِعِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ نَوَى الِانْتِقَالَ مِنْ صَوْمٍ إلَى صَوْمٍ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ وَهَلْ يَبْطُلْ مَا هُوَ فِيهِ أَوْ يَبْقَى نَفْلًا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ بَقَاؤُهُ. (وَمِنْهَا) : إذَا أَفْسَدَ الْمُكَفِّرُ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرَيْنِ عَمْدًا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَمَا مَضَى يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ أَوْ يَنْقَلِبُ نَفْلًا فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نِيَّةِ الظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي الْمُعَجَّلَةُ وَعَرَضَ مَانِعٌ فَفِي

стр. 52

الِاسْتِرْدَادِ وَجْهَانِ قَرَّبَهُمَا الْإِمَامُ مِنْ قَوْلَيْ التَّحَرُّمِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ عَلَّقَ الْوَكَالَةَ عَلَى شَرْطٍ وَتَصَرَّفَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الشَّرْطِ وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ بَطَلَ خُصُوصُ الْوَكَالَةِ فَيَبْقَى عُمُومُ الْإِذْنِ، وَهَلْ يَجْرِي هَذَا فِي النِّكَاحِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ الْوَلِيُّ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَوْ زَوَّجَ الْوَكِيلُ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يُصَحِّحُهُ تَخْرِيجًا لَهُ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِيه وَسَنَذْكُرُ مَا يُؤَيِّدُهُ. (مِنْهَا) : لَوْ قَالَتْ وَكَّلْتُك بِتَزْوِيجِي فَلَيْسَ بِإِذْنٍ لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إذْنًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَكَالَةِ. (وَمِنْهَا) : الشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ إذَا فَسَدَا لِأَمْرٍ أَوْ شَرْطٍ فَاسِدٍ فَتَصَرَّفَ الشَّرِيكُ أَوْ الْعَامِلُ نَفَذَ التَّصَرُّفُ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ لَكِنَّ (ابْنُ يُونُسَ) طَرَدَ فِيهِ خِلَافَ الْوَكَالَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ

стр. 53

مِنْهَا إذَا انْفَسَخَ عَقْدُ الْقِرَاضِ بِتَلَفِ شَيْءٍ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَنَّ الْعَامِلَ هَلْ يَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الْأَوَّلِ قَالَ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْإِذْنِ وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ وَالْوَكَالَةُ لَا تَحْتَمِلُ اسْتِرْسَالَ " تَصَرُّفَاتِ الشَّرِيكِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ. (وَمِنْهَا) : قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ لَا يَلْزَمُنِي يَلْغُو الْأَخِيرُ، وَهَلْ يَصِحُّ الْإِقْرَارُ؟ الْأَصَحُّ: نَعَمْ. (الرَّابِعُ) : مَا فِيهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ لَا يَبْقَى فَمِنْهَا لَوْ وَجَدَ الْقَاعِدُ خِفَّةً فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَقُمْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا لَوْ قَلَبَ فَرَضَهُ نَفْلًا بِلَا سَبَبٍ. حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ. (وَمِنْهَا) : لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ بِهِ النَّفَلَ. (وَمِنْهَا) نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ غَيْرِهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَفْلٍ لَمْ يَنْعَقِدْ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ وَلَا عَمَّا نَوَاهُ مُسَافِرًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا لِأَنَّ الزَّمَانَ مُسْتَحَقٌّ لِرَمَضَانَ قَالَهُ فِي (الشَّافِي) وَقَالَ الرَّافِعِيُّ مَنْ أَصْبَحَ فِي رَمَضَانَ غَيْرَ نَاوٍ وَنَوَى التَّطَوُّعَ لَمْ يَصِحَّ. وَعَنْ (أَبِي إِسْحَاقَ) أَنَّهُ يَصِحُّ. قَالَ الْإِمَامُ فَعَلَى قِيَاسِهِ

стр. 54

يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ التَّطَوُّعُ بِهِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ وَقِيلَ يَصِحُّ وَيَلْزَمُهُ (صَوْمُ) يَوْمٍ آخَرَ حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ (وَمِثْلُهُ) لَوْ نَذَرَ صَلَاةً فَاسِدَةً فَقِيلَ تَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الِانْعِقَادِ. (وَمِنْهَا) : لَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ بِرَدِّ الْمَبِيعِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ فَهَلْ لِلْمُحْتَالِ قَبْضُهُ لِلْمُشْتَرِي الْمُحِيلِ لِعُمُومِ الْإِذْنِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ بَطَلَتْ وَالْوَكَالَةَ عَقْدٌ آخَرُ يُخَالِفُهَا وَإِذَا بَطَلَ عَقْدٌ لَمْ يَنْعَكِسْ لِآخَرَ. وَقَدْ يَبْطُلُ الْخُصُوصُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِبْطَالِ. كَمَا لَوْ اشْتَرَى لِزَيْدٍ وَلَيْسَ وَكِيلًا عَنْهُ لَا يَقَعُ لِزَيْدٍ وَهَلْ يَقَعُ لِلْفُضُولِيِّ؟ الصَّحِيحُ نَعَمْ إنْ كَانَ الشِّرَى فِي الذِّمَّةِ دُونَ مَا إذَا كَانَ بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ، وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي وَكَذَا لَوْ كَانَ لَهُ زِقَّانِ خَمْرٌ وَخَلٌّ فَقَالَ أَوْصَيْت لِزَيْدٍ بِأَحَدِهِمَا صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى الْخَلِّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ (﵀) وَأَيَّدَهُ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَكَمَا لَوْ أَوْصَى بِحَمْلٍ فَانْفَصَلَ مَيِّتًا

стр. 55

بِجِنَايَةِ جَانٍ لَمْ تَبْطُلْ الْوَصِيَّةُ وَتَكُونُ الْغُرَّةُ لِلْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهُ. (وَكَمَا) لَوْ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ نَقْصِ الْعَدَدِ فَالْأَصَحُّ انْقِلَابُهَا ظُهْرًا فَبَطَلَتْ إلَى خُصُوصٍ لَا إلَى عُمُومٍ وَهُوَ النَّافِلَةُ وَقِيلَ لَا وَعَلَيْهِ وَجْهَانِ. (أَحَدُهُمَا) تَنْقَلِبُ نَفْلًا. (وَالثَّانِي) تَبْطُلُ رَأْسًا وَكَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَا يَحْصُلُ وَيَنْعَقِدُ عُمْرَةً. وَقَدْ يَبْطُلُ الْعُمُومُ وَيَنْتَقِلُ لِخُصُوصٍ آخَرَ. كَمَا لَوْ مَنَعْنَا الْقَاضِيَ الْحُكْمَ بِالْحَلِفِ فَتَحَاكَمَا إلَيْهِ بَطَلَ حُكْمُهُ فَإِنْ تَرَاضَيَا بِهِ الْتَحَقَ بِالْمُحَكَّمِ كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقَالَ " صَاحِبُ الذَّخَائِرِ " هَذَا إذَا عَلِمَا فَسَادَ تَوْلِيَتِهِ فَإِنْ جَهِلَاهُ فَقَدْ بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ يَلْزَمُ بِغَيْرِ تَرَاضِيهِمَا فَلَا يَلْتَحِقُ بِالْمُحَكَّمِ وَهَذَا أَشْبَهُ.

стр. 56

[الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ] إذَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِعَيْنٍ فَأُتْلِفَتْ فَهَلْ يَعُودُ الْحَقُّ إلَى الْبَدَلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ. (مِنْهَا) : لَوْ أُتْلِفَ الْمَرْهُونُ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ صَارَتْ رَهْنًا بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. (وَمِنْهَا) : الْوَقْفُ إذَا أُتْلِفَ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ فَاشْتَرَى بِهَا بَدَلَهُ فَفِي صَيْرُورَتِهِ وَقْفًا بِدُونِ إنْشَاءٍ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا بُدَّ مِنْ الْإِنْشَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ مُتْلِفِ الْوَقْفِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالنُّقُودِ بِخِلَافِ بَدَلِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ. (وَمِنْهَا) . الْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ إذَا أُتْلِفَتْ يَشْتَرِي النَّاذِرُ بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا وَتَصِيرُ أُضْحِيَّةً بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَكَأَنَّهُمْ اكْتَفَوْا هُنَا بِنِيَّتِهِ إذْ إقْدَامُهُ عَلَى الشِّرَاءِ مُتَضَمِّنٌ لِجَعْلِهِ أُضْحِيَّةً. [إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ] هَذِهِ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ الرَّشِيقَةِ وَقَدْ أَجَابَ بِهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:

стр. 57

(أَحَدُهَا) : فِيمَا إذَا فَقَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلِيَّهَا فِي سَفَرٍ فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا يَجُوزُ قَالَ يُونُسُ فَقُلْت لَهُ كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ. (الثَّانِي) فِي أَوَانِي الْخَزَفِ الْمَعْمُولَةِ بِالسِّرْجِينِ أَيَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا؟ فَقَالَ إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَنْ وَجَدَ غَيْرَهَا مِنْ الْأَوَانِي الطَّاهِرَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا وَمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا جَازَ لَهُ اسْتِعْمَالُهَا لِلْحَاجَةِ كَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ. (الثَّالِثُ) حَكَى (بَعْضُ شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ) أَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵀) سَأَلَ عَنْ الذُّبَابِ يَجْلِسُ عَلَى غَائِطٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَى الثَّوْبِ فَقَالَ إنْ كَانَ فِي طَيَرَانِهِ مَا

стр. 58

يَجِفُّ فِيهِ رِجْلَاهُ، وَإِلَّا فَالشَّيْءُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ وَوَضَّحَ " ابْنُ (أَبِي هُرَيْرَةَ) فِي تَعْلِيقِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَقَالَ وُضِعَتْ الْأَشْيَاءُ فِي الْأُصُولِ عَلَى أَنَّهَا إذَا ضَاقَتْ اتَّسَعَتْ وَإِذَا اتَّسَعَتْ ضَاقَتْ أَلَا تَرَى أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ لَمَّا اُضْطُرَّ إلَيْهِ سُومِحَ بِهِ وَكَثْرَةُ الْعَمَلِ فِيهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ لَمْ يُسَامَحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ قَلِيلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ دُونَ كَثِيرِهِ وَقَدْ اسْتَعْمَلَ (أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ) هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَكَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي خُفِّهِ الْمَخْرُوزِ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ فَرَاجَعَهُ الْقَفَّالُ فَقَالَ (إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ) . قَالَ الرَّافِعِيُّ (﵀) وَأَشَارَ بِهِ إلَى كَثْرَةِ النَّوَافِلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ (﵀) بَلْ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَيُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلِّ بِهِ الْفَرَائِضَ احْتِيَاطًا لَهَا وَإِلَّا فَمُقْتَضَى قَوْلِهِ الْعَفْوُ

стр. 59

فِيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمِنْ (فُرُوعِ) هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ عَمّ ثَوْبَهُ دَمُ الْبَرَاغِيثِ عُفِيَ عَنْهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَطِينُ الشَّارِعِ الْمُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا وَلَوْ عَمّ الْجَرَادُ طَرِيقَ الْحَرَمِ فَنَحَّاهُ وَقَتَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ بَالَتْ الْبَقَرُ عَلَى دَرِيسِ الْحُبُوبِ فِي حَالِ الدِّرَاسَةِ فَالْمَنْقُولُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْعَفْوُ وَإِنْ تَحَقَّقَ بَوْلُهَا عَلَيْهِ لِلْمَشَقَّةِ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْهَا فِي حَرْفِ الْمِيمِ فِي قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ. [إذَا اتَّسَعَ الْأَمْرُ ضَاقَ] هَذِهِ الْعِبَارَةُ صَرَّحَ بِهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ (﵀) فِي الْإِحْيَاءِ مَا يَجْمَعُهَا وَاَلَّتِي قَبْلَهَا فَقَالَ كُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ انْعَكَسَ إلَى ضِدِّهِ. [إذَا اجْتَمَعَ فِي الْعِبَادَةِ جَانِبُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ غَلَّبْنَا جَانِبَ الْحَضَرِ] ِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَوْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ. وَلَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إقَامَتِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ امْتَنَعَ الْإِتْمَامُ وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ

стр. 60

ذَلِكَ الْيَوْمَ " وَكَذَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فِي السَّفَرِ ثُمَّ صَارَ مُقِيمًا " تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ، (﵀) وَلَوْ ابْتَدَأَ النَّافِلَةَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ أَرَادَ السَّفَرَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ امْتَنَعَ " وَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ " بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِمُقِيمٍ لَحْظَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ وَلَوْ نَسِيَ صَلَاةَ سَفَرٍ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ بِالْعَكْسِ حُكِمَ لَهَا بِحُكْمِ الْحَضَرِ فَيَمْتَنِعُ الْقَصْرُ وَلَوْ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَجَبَ إتْمَامُهَا. (وَفِيهِ) سُؤَالٌ: وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ الْإِتْمَامَ فَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ وَإِنْ نَوَى الْإِتْمَامَ فَلَا يُقَالُ يُتِمُّ تَغْلِيبًا لِلْحَضَرِ بَلْ لِفَقْدِ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا " يُتِمُّ " لِأَنَّهُ مُقِيمٌ لَمْ يُسَافِرْ. وَأُجِيبُ بِأَنَّا نُعَلِّلُ وُجُوبَ الْإِتْمَامِ بِعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالْأُخْرَى: فَقْدُ نِيَّةِ الْقَصْرِ وَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ وَخَرَجُوا عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:

стр. 61

(إحْدَاهُمَا) : لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي صَلَاتِهِ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ مِنْ غَيْرِ وِجْدَانِ الْمَاءِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ لَيْسَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَا لَوْ اتَّصَلَتْ السَّفِينَةُ بِدَارَ الْإِقَامَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ يُعِيدُ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْإِقَامَةِ قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) وَلَيْسَتْ فِي (الشَّرْحِ) (وَالرَّوْضَةِ) . (الثَّانِيَةُ) : لَوْ مَسَحَ إحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ عَلَى الْأُخْرَى فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ تَمَّ مَسْحُهُ فِي السَّفَرِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ تَغْلِيبًا لِلسَّفَرِ وَخَالَفَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ. [إذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَوْ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ] ُ غُلِّبَ جَانِبُ الْحَرَامِ وَمِنْ ثَمَّ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَآخَرُ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ قُدِّمَ الْحَظْرُ فِي الْأَصَحِّ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ. وَمِنْ هَذَا قَالَ عُثْمَانُ ﵁ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَ

стр. 62

أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَحَبُّ إلَيْنَا قَالَ الْأَئِمَّةُ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّحْرِيمُ أَحَبَّ لِأَنَّ فِيهِ تَرْكُ مُبَاحٍ لِاجْتِنَابِ مُحَرَّمٍ وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ إذَا تَعَارَضَ مَا يُوجِبُ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. (أَحَدُهَا) : أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَيُعْتَبَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا بِدَلِيلٍ آخَرَ. (وَالثَّانِي) : يُغَلَّبُ الْحَظْرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ لَكِنْ يَكُونُ هَذَا فِيمَا إذَا امْتَزَجَ فِيهِ حَظْرٌ وَإِبَاحَةٌ فَأَمَّا مَا لَا مَزْجَ فِيهِ فَلَا يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَظْرِ كَالْأَوَانِي إذَا كَانَ بَعْضُهَا نَجِسًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ الِاجْتِهَادِ. وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْحَرَامَ إمَّا أَنْ يُسْتَهْلَكَ أَوْ لَا. (فَالْأَوَّلُ) : لَا أَثَرَ لَهُ غَالِبًا وَهَذَا كَالطِّيبِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا فِيهِ طِيبٌ قَدْ اُسْتُهْلِكَ لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ. وَالْمَائِعَاتُ يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الطَّهَارَةِ وَإِذَا خَالَطَتْ الْمَاءَ وَاسْتُهْلِكَتْ سَقَطَ حُكْمُهَا وَكَذَلِكَ لَبَنُ الْمَرْأَةِ يَشْرَبُهُ الرَّضِيعُ لَا يَحْرُمُ فَإِذَا مُزِجَتْ قَطْرَةُ خَمْرٍ بِمَاءٍ كَثِيرٍ حَتَّى ذَهَبَتْ نَشْوَتُهَا وَشُرِبَتْ لَمْ يُحَدَّ لِاسْتِهْلَاكِهَا لَكِنْ يَحْرُمُ

стр. 63

تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ مِنْ جِهَةِ النَّجَاسَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِسْكَارِ قَالَ الْأَصْحَابُ يَمْتَنِعُ الْقِرَاضُ عَلَى الْمَغْشُوشِ قَالَ الْجُرْجَانِيُّ (﵀) هَذَا إنْ كَانَ ظَاهِرًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا جَازَ. وَلَوْ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَمَلًا بِالْأَصْلِ مَعَ كَوْنِ الْحَرَامِ مُنْغَمِرًا. قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا إذَا عَمَّ الِالْتِبَاسُ أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِقَالُ إلَى جَمَاعَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ مَحْرَمٌ لَهُ فَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَنْكِحُ اللَّوَاتِي يَرْتَابُ فِيهِنَّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَجْرَ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُ احْتِمَالَهُ الْوَجْهُ الْمَحْكِيُّ فِي الْأَوَانِي إذَا قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ ثُمَّ مُرَادُهُ بِهَذَا الطَّاهِرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَزْمِ بِالتَّحْرِيمِ وَأَمَّا الْوَرَعُ فَلَا شَكَّ فِيهِ. لَكِنْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْإِعْلَامِ أَنَّ تَرْكَهُ لَيْسَ مِنْ الْوَرَعِ بَلْ وَسْوَاسٌ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ وَقَعَتْ قَطْرَةُ نَجَاسَةٍ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا بِمَاءٍ

стр. 64

كَثِيرٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ يَنْجَسُ الْكُلُّ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَغْلِيبُ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ غَلَبَ دَرْءُ الْمَفْسَدَةِ بِالتَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَهْلَكًا فَإِنْ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ وَجَبَ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَرَامٌ بِدَرَاهِمَ حَلَالٍ فَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا حَتَّى يُمَيِّزَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْحَصِرٍ فَعَفْوٌ. قَالَ الْغَزَالِيُّ (﵁) فِي الْإِحْيَاءِ إذَا اخْتَلَطَ فِي الْبَلَدِ حَرَامٌ لَا يَنْحَصِرُ لَمْ يَحْرُمْ الشِّرَاءُ مِنْهُ بَلْ يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِتِلْكَ الْعَيْنِ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْحَرَامِ فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لَكِنَّ تَرْكَهُ وَرَعٌ مَحْبُوبٌ وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ إلَّا بِالْحَرَامِ غَلَبَ الْحَرَامُ احْتِيَاطًا كَالْجَارِيَةِ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَيْهِمَا، وَالْمُشْرِكِ وَالْمُسْلِمِ يَشْتَرِكَانِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، وَالْمُطَلِّقِ إحْدَى نِسَائِهِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا، وَالنَّجَاسَةِ تَقَعُ فِي الْمَائِعَاتِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ تَشْتَبِهُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ مَحْرَمٍ بِعَدَدٍ مِنْ الْأَجْنَبِيَّاتِ مَحْصُورَاتٍ، وَلَحْمٍ مُذَكًّى بِمَيْتَةٍ، وَلَوْ اخْتَلَطَ

стр. 65

حَمَامٌ مَمْلُوكٌ بِحَمَامٍ مُبَاحٍ مَحْصُورٍ امْتَنَعَ الصَّيْدُ أَوْ لَا؟ بِمَحْصُورٍ جَازَ؟ وَلَوْ اخْتَلَطَ مَا لَا يُحْصَرُ بِمَا يُحْصَرُ جَازَ الصَّيْدُ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْإِفْسَادِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَغَلَبَ الْحَرَامُ، وَلَوْ مَاتَ الصَّيْدُ مِنْ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ مِثْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَصَابَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ. وَفِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ (﵀) إذَا أَخَذَ الْمَكَّاسُ مِنْ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ فَخَلَطَهَا بِدَرَاهِمِ الْمَكْسِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ قَدْرَ دَرَاهِمِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُخْتَلَطِ لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَنْسَدُّ عَلَيْهِ بَابُ التَّصَرُّفِ. لَكِنْ فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ لَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ حَلَالٌ بِدَرَاهِمَ حَرَامٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ فَطَرِيقَتُهُ أَنْ يَعْزِلَ قَدْرَ الْحَرَامِ مِنْهَا بِنِيَّةِ الْقَسْمِ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْبَاقِي، وَاَلَّذِي عَزَلَهُ إنْ عَلِمَ صَاحِبَهُ سَلَّمَهُ إلَيْهِ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَنُصُوصُ الشَّافِعِيِّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا إذَا غَصَبَ حِنْطَةً أَوْ زَيْتًا وَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ قَالُوا يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الْمُخْتَلَطِ قَدْرَ حَقِّهِ وَيُخَلِّي الْبَاقِيَ لِلْغَاصِبِ. وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ إنَّ اخْتِلَاطَ مَالِهِ بِغَيْرِهِ يُحَرِّمُهُ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَحَكَى فِي الْإِحْيَاءِ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ قَالَ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْفَقِيرِ

стр. 66

الْمَالَ بِكَمَالِهِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَخْذُهُ وَسَكَتَ عَمَّا يَحِلُّ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ عُلِفَتْ شَاةٌ بِعَلَفٍ مَغْصُوبٍ فَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْغَزَالِيِّ لَوْ اعْتَلَفَتْ الشَّاةُ عَلَفًا حَرَامًا أَوْ رَعَتْ فِي حَشِيشٍ حَرَامٍ لَمْ يَحْرُمْ لَبَنُهَا وَلَحْمُهَا وَلَكِنْ تَرْكُهُ وَرَعٌ. قُلْت وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ إنْ كَانَ الْعَلَفُ قَدْرًا لَوْ كَانَ شَيْئًا نَجِسًا يُظْهِرُ تَغَيُّرَ اللَّحْمِ " حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَخْلُو عَنْ الشُّبْهَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَحِلُّ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ أَصْلَ مَالِ الْغَيْرِ حَلَالٌ وَإِنَّمَا " حَرُمَ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ لَبَنِ الْكَلْبَةِ إذَا رُبِّيَتْ بِهِ سَخْلَةٌ وَظَهَرَ التَّغَيُّرُ فَإِنَّ أَصْلَهُ حَرَامٌ. قَالَ: وَهَذَا أَشْبَهُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ (﵀) مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ أَمَرَّا السِّكِّينَ عَلَى عُنُقِ شَاةِ الْغَيْرِ وَذَكَّيَاهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّحْمَ حَرَامٌ، وَهَلْ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ عَلَى الْمَجُوسِيِّ فَقَطْ لِأَنَّهُ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ أَرْشِ النُّقْصَانِ بَيْنَ كَوْنِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً؟ احْتِمَالَانِ " أَوْجُهُهُمَا ثَانِيهِمَا " وَلَوْ كَانَ بَعْضُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهَا تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَحْرِ وَلَوْ قَتَلَ صَيْدًا بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ

стр. 67

الْعِبْرَةَ بِالْقَوَائِمِ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا وَلَوْ وَاحِدَةً فِي الْحَرَمِ حَرُمَ وَإِلَّا فَلَا. فَلَوْ كَانَ نَائِمًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ " صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ " الْعِبْرَةُ بِمُسْتَقَرِّهِ. وَلَوْ اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مَائِعٌ يُوَافِقُهُ فِي الصِّفَاتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ يُؤَثِّرُ فَهُوَ سَالِبٌ وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ تُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ وَصَحَّحَهُ فِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ اسْتَوَيَا قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالصُّوفِ وَجَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ يُسْلَبُ أَخْذًا بِالْأَحْوَطِ وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرِيرِ أَنَّ الْمَدَارَ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ عَلَى أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ الْمَاءُ وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَا اسْتِهْلَاكَ وَالْمَدَارُ هُنَاكَ عَلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَالِبًا وَعِنْدَ التَّسَاوِي لَوْ يُوجَدُ كَذَلِكَ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَوَانِي وَالثِّيَابِ، وَتَسَاوِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ يَحِلُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَسُّ التَّفْسِيرِ الْمُسَاوِي لِلْقُرْآنِ فِي جَوَازِ مَسِّهِ

стр. 68

لِلْمُحْدِثِ، وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مَعَ أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا مُبِيحٌ وَهُوَ انْتِفَاءُ أَحْكَامِ النَّسَبِ وَحَاظِرٌ وَهُوَ كَوْنُهَا جُزْءًا مِنْهُ فَغَلَّبُوا الْمُبِيحَ، وَمُعَامَلَةُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ إذَا لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَلَوْ رَأَى مُسْلِمًا يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فَاسِدَةً وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ لَهُ أَخْذُ دَيْنِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَثْمَانِ؟ يُنْظَرُ إنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَرِّفُ يَعْتَقِدُ الْحِلَّ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ حَلَّ. وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَإِنْ اتَّصَلَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ حَلَّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ مَثَارُهُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ هَلْ يُفِيدُ الْحِلَّ بَاطِنًا أَوْ لَا. تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إذَا اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ وَجَبَ اجْتِنَابُ الْحَلَالِ مَوْضِعُهُ فِي الْحَلَالِ الْمُبَاحِ أَمَّا إذَا اخْتَلَطَ الْوَاجِبُ بِالْمُحَرَّمِ رُوعِيَ مَصْلَحَةُ الْوَاجِبِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ. (أَحَدُهَا) . اخْتِلَاطُ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ بِالْكُفَّارِ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَيُمَيَّزُ بِالنِّيَّةِ وَاحْتَجَّ لَهُ الْبَيْهَقِيُّ (﵀) بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 69

مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ» . (الثَّانِيَةُ) : اخْتِلَاطُ الشُّهَدَاءِ بِغَيْرِهِمْ يَجِبُ غُسْلُ الْجَمِيعِ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْكُفَّارِ وَالشُّهَدَاءِ حَرَامًا. (الثَّالِثَةُ) : الْمَرْأَةُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ وَجْهِهَا فِي الْإِحْرَامِ وَلَا يُمْكِنُ إلَّا بِكَشْفِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّتْ رَاعَتْ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ. (الرَّابِعَةُ) : الْمُضْطَرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَرَامًا. (الْخَامِسَةُ) : الْهِجْرَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ بِلَادِ الْكُفَّارِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ سَفَرُهَا وَحْدَهَا حَرَامًا. [إذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ أَوْ الْغُرُورُ وَالْمُبَاشَرَةُ قُدِّمَتْ الْمُبَاشَرَةُ] كَمَا لَوْ قَدَّمَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ ضِيَافَةً لِلْمَالِكِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ، وَكَمَا لَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَطَارَ لَا يَضْمَنُهُ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ

стр. 70

الْفَاتِحِ سَبَبٌ وَمِنْ الطَّائِرِ مُبَاشَرَةٌ وَاخْتِيَارٌ فَأُحِيلَ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ وَكَّلَ فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ عَفَا، وَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَتَجِبُ الدِّيَةُ وَإِذَا غَرِمَهَا لَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْعَافِي فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ بِالْعَفْوِ، وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى السَّبَبِ وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا حَتَّى خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرٌ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمُنَفِّرِ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ وَإِحَالَتُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى مِنْ إهْدَارِهِ. وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ. وَلَوْ دَلَّ الْمُودِعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ سَارِقًا فَأَخَذَهَا لَا يَكُونُ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ سَبَبٌ وَالْأَخْذَ مُبَاشَرَةٌ. وَلَوْ غُرَّ بِامْرَأَةٍ فَظَهَرَتْ مَعِيبَةً أَوْ رَقِيقَةً انْفَسَخَ نِكَاحُهَا وَغَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ. وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا سَبَقَ عَقْدٌ صَحِيحٌ فَلَوْ غَصَبَ أَمَةً وَزَوَّجَهَا وَوَطِئَهَا الزَّوْجُ غَرِمَ الْمَهْرَ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي مَسْأَلَتِنَا صَحِيحٌ وَفَسْخُ الْعَقْدِ يُوجِبُ اسْتِرْدَادَ الْبَاذِلِ مَا بَذَلَ وَهَا هُنَا الْعَقْدُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ أَتْلَفَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَيَغْرَمُ وَلَا يَرْجِعُ. ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ فِي بَابِ الْغَصْبِ. قَالَ وَنَظِيرُهُ مِنْ الْغُرُورِ لَوْ غُرَّ بِأَمَةٍ وَهُوَ وَاجِدٌ لِطَوْلِ حُرَّةٍ أَوْ غَيْرُ خَائِفٍ مِنْ الْعَنَتِ فَوَطِئَهَا جَاهِلًا غَرِمَ الْمَهْرَ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ. وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا وَقَدَّمَهُ لِغَيْرِهِ ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ جَاهِلًا غَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْمَالِكِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ وَالنَّفْعُ عَائِدٌ

стр. 71

إلَيْهِ فَكَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ. نَعَمْ إنْ غَرِمَ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآكِلِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الصُّورَةِ أَعْنِي الِاسْتِقْرَارَ عَلَى اثْنَيْنِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ صُوَرٌ. (مِنْهَا) : إذَا (اسْتَأْجَرَهُ) لِحَمْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ عَلَى دَابَّةٍ وَسَلَّمَهُ زَائِدًا فَحَمَلَهُ الْمُؤَجِّرُ جَاهِلًا بِالْحَالِ بِأَنْ قَالَ لَهُ عَشَرَةٌ فَكَانَ أَحَدَ عَشَرَ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ ضَمِنَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا لَوْ حَمَلَ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا ضَمِنَ هَذَا الْغَارُّ لِأَنَّ يَدَ الْمُبَاشِرِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَيَدِ الْغَارِّ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ (﵀) تَرْجِيحَ الرَّافِعِيِّ الضَّمَانَ مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْبِنَاءِ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ. قَالَ وَهَذَا التَّرْجِيحُ يُنَافِي التَّخْرِيجَ وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا. (وَمِنْهَا) : إذَا غَصَبَ شَاةً وَأَمَرَ قَصَّابًا بِذَبْحِهَا وَهُوَ جَاهِلٌ بِالْحَالِ فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ قَطْعًا قَالَهُ فِي (الرَّوْضَةِ) وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَفْتَاهُ الْمُفْتِي بِإِتْلَافٍ فَأَتْلَفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فَإِنْ كَانَ الْمُفْتِي أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ مُقَصِّرٌ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلِلرَّافِعِيِّ فِيهِ بَحْثٌ. (وَمِنْهَا) : وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَصَرَفَ إلَيْهِمْ غَلَّتَهَا ثُمَّ

стр. 72

خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْوَاقِفِ لِتَغْرِيرِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فَكُلُّ مَنْ انْتَفَعَ بِهِ غَرِمَ فَإِنْ أَجَّرَ النَّاظِرُ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ وَسَلَّمَهَا لِلْعُلَمَاءِ فَرُجُوعُ مُسْتَحِقِّ الْمِلْكِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لَا عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْعُلَمَاءِ وَرُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى مَنْ وَصَلَتْ دَرَاهِمُهُ إلَيْهِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ. [إذَا اجْتَمَعَ الْمُمْسِكُ وَالْقَاتِلُ] ُ هُوَ ضَرْبَانِ. (الْأَوَّلُ) : مَا يَلْغُو مَعَهُ فِعْلُ الْمُمْسِكِ وَذَلِكَ فِي بَابَيْنِ. (أَحَدُهُمَا) : الْقِصَاصُ إذَا أَمْسَكَ شَخْصًا فَقَتَلَهُ آخَرُ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ عَلَى السَّبَبِ. (ثَانِيهِمَا) : الْإِحْرَامُ إذَا أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْجَزَاءَ كُلَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ. وَقِيلَ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ ضَمَانِهِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ (﵀) فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُمْسِكِ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ. وَفَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْغَصْبِ بِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُحْرِمِ ضَمَانُ يَدٍ وَلَيْسَ بِضَمَانِ إتْلَافٍ فَأَمَّا فِي ضَمَانِ الْإِتْلَافِ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُبَاشِرِ دُونَ الْمُتَسَبِّبِ وَلَا يُرَدُّ الْإِكْرَاهُ فِي الْقَتْلِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُلْجِئٌ. (الثَّانِي) : مَا لَا يَلْغُو كَمَا إذَا أَمْسَكَ الْكَافِرَ فِي الْحَرْبِ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ

стр. 73

فَإِنَّ السَّلَبَ بَيْنَهُمَا لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ (﵀) عَنْ (أَبِي الْفَرَجِ) قَالَ: وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا مَنَعَهُ مِنْ الْهَرَبِ وَلَمْ يَضْبِطْهُ. فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ الضَّابِطُ فَإِنَّهُ أَسِيرٌ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلْبُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُمْسِكُ مِنْ قَتْلِهِ أَمَّا إذَا ضَبَطَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ فَبَادَرَ شَخْصٌ وَقَتَلَهُ فَلَا يُشَارِكُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِرْ بِنَفْسِهِ فِي قَتْلِهِ. وَمِنْهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَقَتَلَهُ حَلَالٌ فَإِنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْحَلَالِ لِأَنَّ الْحَلَالَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ وَنَازَعَ (الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ) فِي هَذَا التَّعْلِيلِ. وَقَالَ لَا أُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَأَنَّهُ مَا دَامَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُحْرِمِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَرِّرَ الضَّمَانَ عَلَيْهِ بِإِتْلَافِهِ فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِهِ. [إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِعَدَدٍ أَوْ تَرَتَّبَ عَلَى مُتَعَدِّدٍ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ أَوْ بِالْآخَرِ]

стр. 74

وَلَك أَنْ تَقُولَ إذَا تَعَقَّبَ شَيْءٌ جُمْلَةً مُرَكَّبَةً مِنْ أَجْزَاءٍ فَهَلْ الْمُؤَثِّرُ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْهَا أَوْ الْمَجْمُوعُ. فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ تَرَدُّدٌ. وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي الْحُكْمِ (الْمُتَرَتِّبِ) عَلَى اللَّفْظِ هَلْ (هُوَ يُنَاطُ) بِآخَرِ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ بِكُلِّهِ وَيَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مُتَوَقِّفُ الْوُجُودِ عَلَى مَا سَبَقَهُ فَلِمَا سَبَقَهُ مَدْخَلٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَوَائِدُ وَالْمَعْزُوُّ لِمَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُؤَثِّرَ الْمَجْمُوعُ. وَمُقَابِلُهُ الْمَعْزُوُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵀) . وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ مَسْأَلَةِ (السُّكْرِ) بِالْقَدَحِ الْعَاشِرِ فَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ (﵁) بِأَنَّ السُّكْرَ لَا يَحْصُلُ بِالْقَدَحِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ بَلْ بِهِ وَبِمَا قَبْلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ فِي التَّحْرِيمِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ حُكْمُهُ. وَحَكَمَ أَبُو حَنِيفَةَ (﵀) بِحُصُولِهِ بِالْأَخِيرِ وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِ النَّبِيذِ إذَا لَمْ يَسْكَرْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ انْضِمَامِهِ إلَى غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَشَارَ إلَيْهَا الرَّافِعِيُّ فِي (كِتَابِ الْخُلْعِ) وَغَيْرِهِ وَلَهَا فُرُوعٌ. (الْأَوَّلُ) : لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا إلَّا وَاحِدَةً فَالنَّصُّ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا يَسْتَحِقُّ الْأَلْفَ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَالتَّحْرِيمَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى

стр. 75

الْمُحَلِّلِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالثَّالِثَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي (الْحَاوِي الصَّغِيرِ) إذَا أَفَادَ الْكُبْرَى اسْتَحَقَّ فَأَفَادَ الْحُكْمَ مُتَضَمِّنًا التَّعْلِيلَ وَخَالَفَ الْمُزَنِيّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْأَلْفِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِفَقْءِ عَيْنِ الْأَعْوَرِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ (﵀) لَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى " ذَهَابِ ضَوْئِهِ كُلِّهِ " وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ مِنْ النَّبِيذِ وَلَمْ يَسْكَرْ ثُمَّ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَسَكِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ السُّكْرُ بِانْضِمَامِ الْعَاشِرِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ وَإِنْ تَأَثَّرَتْ بِمَا سَبَقَهَا مِنْ الطَّلَاقِ وَشَارَكَ فِي ذَلِكَ الْقَدَحُ الْعَاشِرُ وَعَيْنُ الْأَعْوَرِ لَكِنَّ جِهَةَ التَّأْثِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ تَأْثِيرَ الثَّالِثَةِ تَأْثِيرُ شَرْطٍ فِي مَشْرُوطٍ، وَالشَّرْطُ لَا يُجَامِعُ الْمَشْرُوطَ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْبَيْنُونَةَ مُنْحَطَّةٌ عَنْ الثَّالِثَةِ مَعَ لِحَاظِ التَّقَدُّمِ بِخِلَافِ الْقَدَحِ الْعَاشِرِ وَعَيْنِ الْأَعْوَرِ لِأَنَّ السُّكْرَ نَشَأَ عَنْ الْمَجْمُوعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُسْتَرُ عَلَى التَّدْرِيجِ فَكُلُّ قَدَحٍ يُزِيلُ شَيْئًا مِنْ التَّمْيِيزِ وَزَوَالِ الْبَصَرِ كَمَا أَثَّرَ فِيهِ الْفَقْءُ أَثَّرَ فِيهِ مَا قَبْلَهُ وَالْحُرْمَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالْكُبْرَى لَا يَثْبُتُ مِنْهَا شَيْءٌ بِالطَّلْقَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ
следующие страницы →