Полный текст (1 194 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
الْمُرُورُ تَحْتَهُ، فَإِنْ قَعَدَ تَحْتَهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَطَرٍ وَغَيْرِهِ فَهَذَا حَرَامٌ، لِأَنَّ السَّقْفَ لَا يُرَادُ إلَّا لِهَذَا.
قَالَ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْمَسْجِدِ مُبَاحَةً وَسُقِّفَ بِحَرَامٍ جَازَ الْمُرُورُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْحَرَامِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ الْقُعُودُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ " مِنْ بَابِ " الِانْتِفَاعِ بِضَوْءِ سِرَاجِ غَيْرِهِ وَالنَّظَرُ فِي مَرَآتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا وَهُمَا جَائِزَانِ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإِذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ حَلَالٌ وَفِي بَعْضِهِ شُبْهَةٌ وَلَهُ عِيَالٌ وَلَا يَفْضُلُ " عَنْ " حَاجَتِهِ، " فَلْيَخُصَّ " نَفْسَهُ بِالْحَلَالِ ثُمَّ مَنْ يَعُولُ، " وَلْيَخُصَّ " بِالْحَلَالِ " قُوتَهُ " وَلِبَاسَهُ ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُجْرَةِ حَجَّامٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَعَارَضَ اللِّبْسُ " وَالْقُوتُ " فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُ " الْقُوتِ " بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهُ " يَمْتَزِجُ " بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَلِأَكْلِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةُ أَثَرٌ فِي قَسَاوَةِ الْقَلْبِ، وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَفَائِدَتُهَا دَفْعُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ، وَقَالَ " الْمُحَاسِبِيُّ " يَخْتَصُّ الْكِسْوَةَ بِالْحَلَالِ، لِأَنَّهَا تَبْقَى مُدَّةً.
стр. 597
وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ إلَّا مَالٌ حَرَامٌ مَحْضٌ، فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ مَالِيَّةٌ، " فَإِنْ كَانَتْ " شُبْهَةٌ لَزِمَهُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ.
[الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: وَضْعُهُ التَّأْثِيرَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَسِّسًا لَا مُؤَكِّدًا، وَقَدْ يَرِدُ مُؤَكِّدًا، إذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ مُقْتَضَاهُ مِنْ التَّسْلِيمِ وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي تَأْثِيرِهِ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْمُحْرِمُ عِنْدَ إحْرَامِهِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إذَا أُحْصِرَ فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُ لَهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
الثَّانِي: الشَّرْطُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، أَمَّا الْمَاضِيَةُ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْإِقْرَارِ بِالشَّرْطِ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ مَاضٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ " ﵀ " فِي بَابِ " الْكِتَابَةِ "، وَفِي " الطَّبَقَاتِ لِلْعَبَّادِيِّ " عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا إذَا قَالَ: يَا زَانِيَةُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ " شَاءَ " اللَّهُ " تَعَالَى "، لَا تَطْلُقُ وَهُوَ قَاذِفٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَا زَانِيَةُ اسْمٌ لَهَا وَخَبَرٌ عَنْ عَمَلٍ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَرْجِعُ إلَى الِاسْمِ. وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ مَاضٍ وَهُوَ
стр. 598
وَاقِعٌ وَيَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُ وُقُوعِهِ بِمَشِيئَةٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّشْكِيكِ فِي الْخَبَرِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " انْتَهَى.
" قَالَ " الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ كَرِهُوا أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا، بَلْ يَقُولُ أَنَا مُؤْمِنٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " لَا عَلَى مَعْنَى الشَّكِّ فِي إيمَانِهِ، بَلْ عَلَى " مَعْنَى نَفْيِ " الْخَوْفِ مِنْ سُوء الْعَاقِبَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ "، " فِيمَا " خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَا فِيمَا مَضَى وَظَهَرَ فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ فِي اللُّغَةِ لِمَنْ " تَيَقَّنَ " أَنَّهُ أَكَلَ " وَشَرِبَ " أَنْ يَقُولَ: أَكَلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَشَرِبْت إنْ شَاءَ اللَّهُ " " وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ " آكُلُ وَأَشْرَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ " " انْتَهَى ".
وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ " يُعْلَمُ فَسَادُ مَا أَفْتَى " بِهِ " الْبَارِزِيُّ "، فِيمَا لَوْ فَعَلَ
стр. 599
شَيْئًا ثُمَّ قَالَ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْته إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، قَالَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّقْ الْفِعْلَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ قَسَمَهُ، وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الْأَصْحَابِ فِي الدَّعَاوَى أَنَّهُ لَوْ حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ فِي " نَفْيِ الْغَصْبِ فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا غَصَبْته إنْ شَاءَ اللَّهُ " تَعَالَى " يُعَدُّ نَاكِلًا وَيُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ثَانِيًا، فَلَوْلَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ " يَقَعُ " فِي الْمَاضِي لَمَا جَعَلُوهُ نَاكِلًا وَلَا شَكَّ أَنَّ نُكُولَهُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ جَوَابِ الْحَاكِمِ.
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: قُلْ: بِاَللَّهِ، فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ عُدَّ " نَاكِلًا وَإِنْ " لَمْ تَحْصُلْ الْمُخَالَفَةُ، إلَّا فِي اللَّفْظِ.
الثَّالِثُ: كُلُّ مَا لَوْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ " أَبْطَلَ " فَإِذَا نَوَيَاهُ فِي حَالِ الْعَقْدِ كَانَ مَكْرُوهًا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵀ " فِي الصَّرْفِ وَهِيَ " كَرَاهَةُ " تَنْزِيهٍ وَقِيلَ تَحْرِيمٍ حَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاسْتَحْسَنَهُ وَاخْتَارَهُ " ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ ".
стр. 600
وَمِنْهُ: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ.
وَمِنْهُ: الْحِيلَةُ فِي التَّفَرُّقِ " مِنْ تَقَابُضٍ فِي الرِّبَوِيِّ ".
وَمِنْهُ: إذَا وَاطَأَ غُلَامَهُ الْحُرَّ أَوْ صَدِيقَهُ فَبَاعَ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِعِشْرِينَ " أُجْبِرَ " بِالْعِشْرِينَ فَأَمَّا الْعَقْدُ مَعَ الْغُلَامِ " فَمَكْرُوهُ " لِمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا " الْعَقْدُ الثَّانِي " وَالْإِجْبَارُ فَقَالَ الْأَكْثَرُ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ يُحَرَّمُ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ تَفَقُّهًا، لِأَنَّهُ غِشٌّ وَخِدَاعٌ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْحَالَ ثَبَتَ " لَهُ " الْخِيَارُ عَلَى أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ.
" وَلَوْ لَمْ " تَجْرِ مُوَاطَأَةٌ، وَلَكِنْ جَرَى الْعَقْدَانِ " فِيهِ " بِهَذَا الْقَصْدِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
الرَّابِعُ: الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْعَقْدِ، هَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِهَا أَمْ يُكْتَفَى بِوُجُودِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. هَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ " الْمُهِمَّةِ " وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فَذَكَرَ
стр. 601
الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الرِّبَا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ جُزَافًا، وَلَا بِالتَّخْمِينِ.
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ بِصُبْرَةٍ أَوْ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ جُزَافًا فَخَرَجَا مُتَمَاثِلَيْنِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ التَّسَاوِيَ شَرْطٌ، وَشُرُوطُ الْعَقْدِ يُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا لَوْ نَكَحَ امْرَأَةً لَا يَعْلَمُ أَهِيَ أُخْتُهُ أَمْ مُعْتَدَّةٌ أَمْ لَا، لَمْ يَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَسْأَلَةَ النِّكَاحِ الْمُسْتَشْهَدَ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَفِي الْبَحْرِ " قُبَيْلَ " بَابِ " الرِّبَا " لَا يَحْرُمُ " الْحَلَالُ ". لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ، ثُمَّ تَبَيَّنَّ خَطَؤُهُ صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ إذَا وَطِئَهَا.
وَهَكَذَا لَوْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَعِنْدِي هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ انْتَهَى.
وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، أَنَّهُ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ عَقْدًا فَاسِدًا، ثُمَّ عَقَدَ عَلَى أُخْتِهَا، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الْأَوَّلِ صَحَّ الثَّانِي، عَلِمَ بِإِخْوَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأُخُوَّةِ الثَّانِيَةِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَإِنْ عَلِمَ ذَلِكَ فَعَقَدَ عَلَيْهَا مَعَ اعْتِقَادِ صِحَّةِ الْأَوَّلِ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِهِ ظَاهِرًا، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ هَزْلٌ بِهَذَا النِّكَاحِ، وَهَزْلُ النِّكَاحِ جِدٌّ لِلْحَدِيثِ انْتَهَى.
стр. 602
وَفِي الْحَاوِي لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَلَهَا أُخْتٌ فَعَقَدَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَدْرِ أَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَوْ أُخْتُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ بَانَ أَنَّهَا " غَيْرُ " الْمُطَلَّقَةِ.
وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ تَحِلُّ لَهُ ظَانًّا أَنَّهَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِعِدَّةٍ أَوْ لِعَانٍ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ لِاعْتِقَادِهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " فِي الْبُيُوعِ أَنَّهُ، لَوْ بَاعَ دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ مِنْ مُكَاتَبِهِ كِتَابَةً فَاسِدَةً لَمْ يَعْلَمْ فَسَادَهَا، لَا يَجُوزُ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ ظَاهِرًا، ثُمَّ انْكَشَفَ أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، أَنَّهُ لَوْ " تَزَوَّجَ " أَمَةَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ فَبَانَ " مَيِّتًا " صَحَّ النِّكَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، وَقَالَ فِي بَابِ الْعَدَدِ فِي زَوْجَةِ الْمَفْقُودِ، إذَا تَرَبَّصَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ فَبَانَ " حَيًّا " عِنْدَ التَّزْوِيجِ، فَعَلَى الْقَدِيمِ لَا إشْكَالَ وَعَلَى الْجَدِيدِ يَخْرُجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا، وَذَكَرَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ وَلَّى رَجُلًا الْقَضَاءَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَهْلِيَّتَهُ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَهْلِيَّتُهُ مِنْ بَعْدُ.
وَذَكَر النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ بِشَهَادَةِ خُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ خُنْثَى فَبَانَ رَجُلًا لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ بِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مُعْتَبَرَةٌ.
وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ " ﵀ " لَوْ زَوَّجَ الْقَاضِي امْرَأَةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا ابْنَتُهُ لِصُلْبِهِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الرِّضَا مُعْتَبَرٌ، وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَيْهِ، " وَجَزَمَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ قِيَاسُ الْبَيْعِ، وَقَرِيبٌ مِنْ
стр. 603
مَسْأَلَةِ الْقَاضِي مَا لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِحُكْمٍ ثُمَّ بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ خَطَأٌ، " ثُمَّ بَانَ " لَهُ مُسْتَنَدٌ غَيْرُهُ يَجُوزُ الْحُكْمُ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ الَّتِي تَعْتَمِدُ الظُّنُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصِحُّ، وَلَا يَكْفِي وُجُودُ " الْمُسْتَنَدِ " فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ، قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي عَائِشَةَ فَقَبِلَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْمُسَمَّاةَ بِنْتُ ابْنِ الْمُزَوِّجِ، وَهُوَ جَدُّهَا لِأَبِيهَا، هَلْ يَصِحُّ؟ أَجَابَ إنْ عَيَّنَاهَا بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا صَحَّ وَكَذَا بِالنِّيَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ " إطْلَاقُ " الْبِنْتِ عَلَى بِنْتِ الِابْنِ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لِصُلْبِهِ بِنْتٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ صَحَّ النِّكَاحُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ مَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمَ كَالْأَبْضَاعِ وَالرِّبَا فَيُحْتَاطُ فِيهِ وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ تَزْوِيجُ أَمَةِ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ حَيَاتِهِ وَشَهَادَةُ الْخُنْثَى، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ ثُمَّ بَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ " الْعِدَّةِ " فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ وَوَجْهُ " خُرُوجِهَا " عَنْ " هَذِهِ " الْقَاعِدَةِ أَنَّ الْخَلَلَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ لَا مِنْ جِهَةِ الرُّكْنِ، فَكَانَ أَخَفَّ.
وَلِهَذَا لَوْ تَزَوَّجَ بِخُنْثَى ثُمَّ بَانَ " أَنَّهَا " امْرَأَةٌ، لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهَادَةِ الْخُنْثَى إذَا بَانَ رَجُلًا مَا ذَكَرْنَا وَمَسْأَلَةُ الْقَاضِي إذَا وَلِيَ ثُمَّ بَانَ أَهْلِيَّتُهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ الْمَجْهُولِ حَالُهَا سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ كَمَا يُحْتَاطُ فِي
стр. 604
الْأَبْضَاعِ يُحْتَاطُ فِي الْقَاضِي، لِتَعَلُّقِهِ بِالْأَمْرِ الْعَامِّ، وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِوَاءِ الْبَابَيْنِ فِي قُوَّةِ الْمَأْخَذِ قَوْلُ الرُّويَانِيِّ لَوْ وَقَعَ الْحَاكِمُ إلَى فَقِيهٍ " لِيُزَوِّجَهُ " فُلَانَةَ وَعِنْدَهُ أَنَّ الْمُوَقِّعَ إلَيْهِ الْمَذْكُورَ هُوَ فُلَانٌ بِعَيْنِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ غَيْرَهُ، فَلَا يَكُونُ إذْنًا قِيَاسًا، عَلَى مَا لَوْ صَلَّى خَلْفَ رَجُلٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ زَيْدٌ فَكَانَ عَمْرًا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ.
الْخَامِسُ: الشُّرُوطُ فِي الْبَيْعِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يُبْطِلُ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَيُبْطِلُ الشَّرْطَ، وَقِسْمٌ يُصِحُّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ، وَالرَّابِعُ: شَرْطٌ ذِكْرُهُ شَرْطٌ.
فَالْأَوَّلُ: كَمَا فِي الشُّرُوطِ الْمُنَافِيَةِ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ كَشَرْطِ أَنْ لَا " يَتَسَلَّمَهُ " أَوْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ، وَيُسْتَثْنَى الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ، إذَا قُلْنَا لَا يَبْرَأُ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، لِاشْتِهَارِ " الْقَضِيَّةِ " بَيْنَ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ شَرْطِ نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي: كَمَا إذَا شَرَطَ مَا لَا يُنَافِيه وَلَا يَقْتَضِيه وَلَا غَرَضَ فِيهِ، كَشَرْطِ أَنْ لَا يَأْكُلَ أَوْ لَا يَلْبَسَ إلَّا كَذَا وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَبْطُلُ الْبَيْعُ وَعَزَّى لِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵀ " " وَلَيْسَ كَذَلِكَ ".
وَقَالَ الْقَفَّالُ لَوْ قَالَ بِعْتُك الطَّعَامَ عَلَى أَنْ تَأْكُلَهُ وَالْأَمَةَ عَلَى أَنْ تَطَأَهَا
стр. 605
إنْ قَصَدَ بِهِ الِاشْتِرَاكَ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ أَرَادَ وَلَك ذَلِكَ صَحَّ " الْبَيْعُ ".
وَالثَّالِثُ: كَمَا إذَا شَرَطَ مَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَمَصَالِحُهُ، كَشَرْطِ " الْخِيَارِ " وَالْأَجَلُ وَالرَّهْنُ وَالْكَفِيلُ وَالْإِشْهَادُ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكُونُ صَحِيحًا مُؤَكَّدًا، وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَاغٍ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَقْتَضِي زِيَادَةً عَلَى مُقْتَضَى الْعَقْدِ، قَالَ وَهَذَا بَحْثٌ لَفْظِيٌّ.
قُلْت: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ " مَا لَوْ اخْتَلَفَ " الشَّرْطُ، وَقُلْنَا أَنَّهُ صَحِيحٌ، كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ، وَالثَّانِي " يُفْسَخُ " بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَاغٍ، فَإِنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إلَّا الرَّفْعُ إلَى الْحَاكِمِ لِيُجْبِرَ الْبَائِعَ عَلَى فِعْلِ الْمُمْتَنَعِ مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ شَرْطُ الْقَطْعِ، وَلَوْ بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " وَكَذَا الزَّرْعُ الْأَخْضَرُ، لَكِنْ إذَا بِيعَتْ مِنْ مَالِكِ الْأَصْلِ " لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، وَلَيْسَ لَنَا شَرْطٌ يَجِبُ ذِكْرُهُ لِتَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ فِي الْبَيْعِ مُبْطِلٌ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ:
" إحْدَاهَا ": بِعْتُك إنْ شِئْت.
الثَّانِيَةُ: إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ، وَكَانَ مَالِكًا لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ " وَمِثْلُهُ
стр. 606
مَسْأَلَةُ " التَّنَازُعِ بَيْنَ الْوَكِيلِ وَمُوَكِّلِهِ - وَقَوْلُهُ إنْ كُنْت أَمَرْتُك بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُكهَا " بِهَا ".
الثَّالِثَةُ: الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ إذَا قَالَ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى مِائَةٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ وَقَاعِدَةُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ أَنْ يَفْسُدَ الْعَقْدُ، إلَّا فِيمَا سَبَقَ فِي صُورَةِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، وَإِلَّا فِي الْقَرْضِ إذَا شَرَطَ فِيهِ " مُكَسَّرًا " عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ " يُقْرِضَهُ " غَيْرُهُ لَغَا الشَّرْطُ، وَلَا " يَفْسُدُ " الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ.
" فَائِدَةٌ " قَالَ الْإِمَامُ " فِي بَابِ الْقِرَاضِ قَبُولُ الشَّرْطِ شَرْطٌ مِنْ الْقَابِلِ وَكَأَنَّهُ شَرْطُهُ ".
[شَرْطُ الْعِلَّةِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الْعِلَّةِ]
" شَرْطُ الْعِلَّةِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى شَطْرِ الْعِلَّةِ فِيهِ جَوَابَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَحْصُلْ، إلَّا " بِهَا ".
وَالثَّانِي: لَا، بَلْ الْحُكْمُ صَادِرٌ عَنْ الْعِلَّةِ، وَهَذَا شَرْطٌ " فَيُضَمُّ " إلَى الْعِلَّةِ فَيَقْوَى بِهَا وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْعِلَّةِ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فُرُوعٌ:
стр. 607
مِنْهَا: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهُ وَاثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ لَهُ فَقُتِلَ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى شُهُودِ الْإِحْصَانِ أَيْضًا وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا هَذَا الْأَصْلُ.
وَمِنْهَا: شُهُودُ التَّعْلِيقِ وَشُهُودُ الصِّفَةِ، إذَا رَجَعُوا فَعَلَى مَنْ يَجِبُ الْغُرْمُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى شُهُودِ التَّعْلِيقِ وَالثَّانِي عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ.
تَنْبِيهٌ الْفَرْقُ بَيْنَ شَطْرِ الْعِلَّةِ وَشَرْطِهَا أَنَّ شَطْرَ الْعِلَّةِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ أَوْ الْمُتَضَمِّنُ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ، وَمَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَلَا يُنَاسِبُ هُوَ الشَّرْطَ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرٌ " مُؤَثِّرٌ "، لَيْسَ نَفْسَ الْمُؤَثِّرِ وَلَا جُزْأَهُ.
[الشُّرُوعُ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ]
ِ وَلِهَذَا لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ أَوْ صَوْمِ نَفْلٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ " ﵀ " وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْ " صَلَاةِ " الْجَمَاعَةِ إلَى الِانْفِرَادِ وَلِطَالِبِ الْعِلْمِ التَّرْكُ فِي الْأَصَحِّ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُوَرٌ:
" إحْدَاهَا ": الْحَجُّ إذَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَهُ " إتْمَامُهُ "، لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ فَكَيْفَ فِي صَحِيحِهِ.
стр. 608
الثَّانِيَةُ: الْأُضْحِيَّةُ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ، وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فِي نُصُوصِ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵀ ". . الثَّالِثَةُ: الْجِهَادُ يَجِبُ إتْمَامُهُ عَلَى الشَّارِعِ فِيهِ. الرَّابِعَةُ: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ " خِلَافًا " لِلْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ لَهُ قَطْعَهَا. إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِقَطْعِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ صَلَّى عَلَيْهَا " مَرَّةً "، فَلَوْ صَلَّى عَلَيْهَا مَرَّةً " فَسَقَطَ " الْفَرْضُ، ثُمَّ صَلَّى آخَرُونَ فَفِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لَهُمْ " احْتِمَالَانِ " لِوَالِدِي بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقَعُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا قَالَ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ. الْخَامِسَةُ: لَوْ شَرَعَ الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ لَزِمَهُ وَلَا " يَسُوغُ " لَهُ الْقَصْرُ بَعْدَ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَرَعَ فِي الصِّيَامِ لَهُ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الصَّوْمِ كَالْأَدَاءِ فِي [كَوْنِهِ بِيَوْمٍ] تَامٍّ ظَرْفًا لَهُمَا، وَالْقَصْرُ جُزْءٌ مِنْ الْإِتْمَامِ، وَفَرَّقَ الْغَزَالِيُّ فِي تَدْرِيسِهِ " بِأَنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ فِعْلُهُ " فِي أَحَدِ " الْوَقْتَيْنِ " أَمَّا " رَمَضَانُ " أَوْ مَا بَعْدَهُ "، فَإِذَا عُيِّنَ هَذَا
стр. 609
الْيَوْمُ لَا يَلْزَمُ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ " فِي الْوَقْتِ "، وَالْإِتْمَامُ صِفَةٌ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا بِصِفَةٍ لَزِمَتْ الصِّفَةُ، قَالَ: وَلَا يُرَدُّ إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَصْرًا ثُمَّ أَتَمَّ فَإِنَّهُ لَمْ [يُبَدِّلْ صِفَةً] ، بَلْ زَادَ شَيْئًا آخَرَ انْتَهَى.
" أَمَّا " الشَّارِعُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، إذَا أَرَادَ قَطْعَهُ فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ مِنْ قَطْعِهِ بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنْ الْفِعْلِ حُرِّمَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَفُتْ بِقَطْعِهِ الْمَصْلَحَةُ الْمَقْصُودَةُ لِلشَّارِعِ، بَلْ حَصَلَتْ بِتَمَامِهَا، كَمَا إذَا شَرَعَ فِي إنْقَاذِ غَرِيقٍ ثُمَّ حَضَرَ آخَرُ لِإِنْقَاذِهِ جَازَ قَطْعًا.
نَعَمْ ذَكَرُوا فِي اللَّقِيطِ أَنَّ مَنْ الْتَقَطَ لَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، لَكِنْ لَا عَلَى التَّمَامِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ لَهُ الْقَطْعَ أَيْضًا كَالْمُصَلِّي فِي جَمَاعَةٍ يَنْفَرِدُ، وَإِنْ قُلْنَا الْجَمَاعَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالشَّارِعُ فِي الْعِلْمِ فَإِنَّ قَطْعَهُ لَهُ لَا يَجِبُ " بِهِ " بُطْلَانُ مَا عَرَفَهُ أَوَّلًا، لِأَنَّ بَعْضَهُ لَا يَرْتَبِطُ بِبَعْضٍ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، " فَالصُّوَرُ " ثَلَاثَةٌ: قَطْعٌ يُبْطِلُ الْمَاضِيَ فَيَبْطُلُ قَطْعًا، وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُهُ وَلَا يَفُوتُ الشَّاهِدُ فَيَجُوزُ قَطْعًا، " وَقَطْعٌ لَا يُبْطِلُ " أَصْلَ الْمَقْصُودِ، وَلَكِنْ يُبْطِلُ " أَمْرًا " مَقْصُودًا " عَلَى " الْجُمْلَةِ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ فَرْضِ الْعَيْنِ.
أَمَّا فَرْضُ الْعَيْنِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهُ لَزِمَ وَامْتَنَعَ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِلَا
стр. 610
خِلَافٍ، وَإِنْ اتَّسَعَ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ مِنْ التَّرَاخِي إلَى الْفَوْرِيَّةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ فِي الْقَضَاءِ الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي تَعَيَّنَ " بِالشُّرُوعِ " حَتَّى لَا يَجُوزَ الْخُرُوجُ " مِنْهُ " نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ " فَقَالَ: وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَلَّى مَكْتُوبَةً فِي وَقْتِهَا أَوْ قَضَاهَا أَوْ صَلَاةً نَذَرَهَا أَوْ صَلَاةَ طَوَافٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ مَا كَانَ مُطِيقًا لِلصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى طَهَارَةٍ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ وَاحِدٍ " مِنْهَا ".
بِلَا عُذْرٍ مِمَّا وُصِفَتْ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ عَامِدًا كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا عِنْدَنَا. انْتَهَى.
وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْبَسِيطِ عَنْ الْأَصْحَابِ، وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ، وَكَذَا " الْمُضِيَّةُ " عَلَى التَّرَاخِي يَجُوزُ قَطْعُهَا بِلَا عُذْرٍ، لِأَنَّ الْوَقْتَ مُوَسَّعٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ " هَكَذَا " بَعْدَ الشُّرُوعِ، كَمَا لَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ صَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْفِطْرَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَتَمَسَّكَ بِالنَّصِّ الْآتِي فِي الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا ثُمَّ يَجِدُ جَمَاعَةً لَهُ الْخُرُوجُ، لِيُدْرِكَ الْجَمَاعَةَ وَتَابَعَهُ فِي الْوَسِيطِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَلَا دَلِيلَ فِيمَا اسْتَشْهَدَ بِهِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَنْ يُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا أَوْ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ أَوْ الْجَمَاعَةُ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي قَطْعِهَا لِإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَطَعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِلَا عُذْرٍ فَإِنَّهُ عَابِثٌ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمُسَافِرِ فَإِنَّ عُذْرَهُ مُسْتَمِرٌّ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَبَعْدَهُ فَجَازَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّوْمِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، إذَا " أَقَامَ " أَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ، فَإِنْ قِيلَ إذَا أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ قَاصِرًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ، مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ مَوْجُودٌ.
стр. 611
" قُلْنَا " الْفَرْقُ أَنَّ زَمَنَ الصَّلَاةِ قَصِيرٌ وَزَمَنَ الصَّوْمِ طَوِيلٌ.
" وَسَبَقَ " عَنْ الْقَفَّالِ فَرْقٌ آخَرُ، وَفِي الْقَضَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ، لِتَبَرُّعِهِ بِالشُّرُوعِ.
" هَذَا " كُلُّهُ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ.
أَمَّا الْمُكَفِّرُ إذَا شَرَعَ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ بِنِيَّةِ الِاسْتِئْنَافِ؟ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ، أَمَّا إذَا خَاضَ فِي صَوْمِ يَوْمٍ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَسَلَّطَ عَلَى إبْطَالِهِ بِخِلَافِ تَرْكِ الصَّوْمِ فِي بَقِيَّةِ الشَّهْرَيْنِ إذْ لَيْسَ فِيهِ " تَعَرُّضٌ " لِإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ لَيْسَ لَهُ " ذَلِكَ "، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ جَوَازَ التَّرْكِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيه الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ صَوْمَ الشَّهْرَيْنِ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ كَصَوْمِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ قَطْعُهُ كَقَطْعِ فَرِيضَةٍ شَرَعَ فِيهَا وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهَذَا أَحْسَنُ. قُلْت: بَلْ هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا سَبَقَ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، وَمَا رَجَّحَهُ الْغَزَالِيُّ بَنَاهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْوَقْتَ إذَا كَانَ مُتَّسِعًا فَالشُّرُوعُ " غَيْرُ " مُلْزِمٍ. وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَا عُذْرَ، لِيَخْرُجَ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
" إحْدَاهَا ": لَوْ شَرَعَ فِي الْفَائِتَةِ مُعْتَقِدًا أَنَّ فِي الْوَقْتِ سَعَةً فَبَانَ ضِيقُهُ وَجَبَ قَطْعُهَا وَالشُّرُوعُ فِي الْحَاضِرَةِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَعَلَى الشَّاذِّ يَجِبُ إتْمَامُ " الْفَائِتَةِ ".
" الثَّانِيَةُ ": إذَا تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ وَجَدَ جَمَاعَةً، فَقَالَ " الْإِمَامُ "
стр. 612
الشَّافِعِيُّ " ﵁ "، أَحْبَبْت أَنْ يُكْمِلَ رَكْعَتَيْنِ وَيُسَلِّمَ فَتَكُونَ لَهُ نَافِلَةً وَيَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ مَعَ " الْإِمَامِ " وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ الْفَرِيضَةَ وَيَقْلِبَهَا نَافِلَةً، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هَذَا إذَا تَحَقَّقَ إتْمَامُهَا فِي الْوَقْتِ، وَإِلَّا " حَرُمَ " أَيْ وَإِنْ قُلْنَا كُلُّهَا أَدَاءٌ.
" الثَّالِثَةُ ": " إذَا " رَأَى الْمُسَافِرُ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ وَكَانَتْ فَرْضًا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ: يَقْلِبُهَا نَفْلًا وَيُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ أَفْضَلُ " وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ قَطْعُهَا " وَإِنْ أَرَادَ إبْطَالَهَا مُطْلَقًا فَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ " مُطْلَقًا، وَالْخَامِسُ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ حَرُمَ الْخُرُوجُ، وَإِلَّا لَمْ " يَحْرُمْ "، قَالَهُ الْإِمَامُ وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مُصَلٍّ وَسَوَاءٌ الْمُتَيَمِّمُ وَغَيْرُهُ، وَتَمَسَّكَ بِنَصِّ " الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ فِي الْخُرُوجِ إلَى الْجَمَاعَةِ، وَقَالَ لَوْ كَانَ الْخُرُوجُ مُمْتَنِعًا، لَمَا جَازَ بِسَبَبِ إدْرَاكِ فَضِيلَةٍ، وَقَالَ وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا إذَا كَانَتْ لَا تَتَعَطَّلُ بِتَحَلُّلِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ " ﵀ " وَالْأَصْحَابُ عَلَى الْمَنْعِ.
وَلِهَذَا الْأَصْلِ أَعْنِي التَّضْيِيقَ بِالشُّرُوعِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهَا فِي الْوَقْتِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ مُوَجِّهِينَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْوَقْتَ، وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا فَتَعْيِينُهُ مَوْكُولٌ إلَى الْمُكَلَّفِينَ، فَلَمَّا أَحْرَمَ
стр. 613
فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ تَضِيقُ وَأَيَّدَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِنَصِّ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " عَلَى " عَدَمِ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ الْفَرْضِ، وَقَدْ وَجَّهَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَمِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُوَسَّعًا، وَقَالَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْوِيَ الْقَضَاءَ فَكَيْفَ يَقْضِي مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ. وَالْقَضَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ، " وَأَيَّدَ " مَا ذَكَرَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْإِفْسَادِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَلَوْ كَانَتْ قَضَاءً لَا يَسَعُ وَقْتٌ فَعَلَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ " أَوْ لَوْ " وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ عَلَى وَجْهٍ قَالَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَاطِيهَا عَلَى الْفَوْرِ عَقِبَ الْإِفْسَادِ، وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِتَعَاطِيهَا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ.
قُلْت: صَرَّحَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِيهَا يَضِيقُ وَقْتُهَا فَيَكُونُ وَقْتَ أَدَائِهَا: زَمَنٌ يَسَعُهَا، وَقِيلَ يَلْزَمُهُمْ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ إذَا أَعَادَهَا بَعْدَ " الْإِفْسَادِ " أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الَّتِي يُفْعَلُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الشَّفَاعَةُ ضَرَاعَةٌ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ]
ُ، سُمِّيَتْ بِهِ، " لِأَنَّهُ يَشْفَعُ " الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَقَدْ صَحَّ «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ إغَاثَةِ الْمُسْلِمِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ.
стр. 614
وَلَا تَكُونُ فِي حَدٍّ وَلَا حَقٍّ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلذَّنْبِ الَّذِي يُمْكِنُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَقَدْ شَفَعَ اللَّهُ فِي مِسْطَحٍ " لَمَّا حَلَفَ الصِّدِّيقُ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَيْهِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الْآيَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ الشَّفَاعَةِ فِي " الْحُدُودِ " بَعْدَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ " التَّشْفِيعُ " فِيهِ، فَأَمَّا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْإِمَامَ أَجَازَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ فِيهِ صَاحِبَ شَرٍّ وَأَذًى لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْفَعْ فِيهِ.
أَمَّا الْمَعَاصِي الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَوَاجِبُهَا التَّعْزِيرُ، فَتَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهَا " وَالتَّشْفِيعُ " سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْإِمَامَ أَمْ لَا، لِأَنَّهَا أَهْوَنُ، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ " فِيهِ " صَاحِبَ أَذًى.
قُلْت: وَإِطْلَاقُ " اسْتِحْبَابِ " الشَّفَاعَةِ فِي التَّعْزِيرِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ التَّعْزِيرِ كَانَ لِلْإِمَامِ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِصْلَاحِ وَقَدْ يَرَى ذَلِكَ فِي إقَامَتِهِ وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَنْبَغِي اسْتِحْبَابُهَا.
стр. 615
[الشَّرِكَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: تَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ لِكُلٍّ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ بِالْمُشْتَرَكِ فِيهِ، لَكِنْ إذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ شَيْءٍ، هَلْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ هُوَ عَلَى أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا يُشَارِكُهُ فِيهِ قَطْعًا كَرِيعِ الْوَقْفِ عَلَى جَمَاعَةٍ، لِأَنَّهُ مُشَاعٌ. الثَّانِي: " مَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ قَبَضَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ مِنْ الدَّيْن قَدْرَ حِصَّتِهِ، فَلِلْآخَرِ مُشَارَكَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ الشَّرِكَةِ، وَقِيلَ لَا يُشَارِكُهُ، إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ الْمَدْيُونُ فِي الرُّجُوعِ عَلَيْهِ أَوْ لَا يَجِدُ مَالًا سِوَاهُ وَوَجَّهَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ الْمُشَارَكَةَ بِأَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ ذَلِكَ بِنِيَابَةِ الْأَبِ لَا لِأَنْفُسِهِمَا.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ رَجُلَانِ اشْتَرَيْنَا مِنْك شَيْئًا بِكَذَا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا فَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْإِرْثِ.
وَمِنْهَا: وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ اتِّهَابَهُمَا عَيْنًا مِنْ رَجُلٍ وَأَنَّهُ وَهَبَهُ مِنْهُمَا وَسَلَّمَهُ إلَيْهِمَا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَكَذَّبَ الثَّانِيَ فَيُسَلِّمُ لِلْمُصَدِّقِ النِّصْفَ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِيهِ الْمُكَذِّبُ لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ شَرِيكُهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّهْنِ وَقَالَ إنَّهُمَا يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مِلْكٍ وَحَقٍّ يَتَلَقَّى مِنْ عَقْدٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّيُوعِ.
وَمِنْهَا: الدُّيُونُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي ذِمَمِ النَّاسِ، إذَا أَذِنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ فِي قَبْضِ مَا " لَهُ " عَلَى زَيْدٍ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ إذَا قَبَضَ قَوْلَانِ
стр. 616
أَظْهَرُهُمَا الْمَنْعُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ " آخِرَ الْقِسْمَةِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا فَصَدَّقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا " فِي نَصِيبِهِ فَإِنَّهُ يُشَارِكُهُ الْمُكَذَّبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ " وَخَرَّجَ " الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ " ﵀ لِتَفَرُّدِهِ.
" الثَّالِثُ " مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ " قَطْعًا "، كَمَا " لَوْ " ادَّعَى عَلَى وَرَثَةٍ أَنَّ مُوَرِّثَكُمْ أَوْصَى لِي وَلِزَيْدٍ بِكَذَا، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ لَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ قَطَعَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّهَادَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافُ مَا لَوْ قَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْك بِكَذَا وَصَدَّقَ أَحَدَهُمَا، فَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْخَاصُّ شَاهِدَيْنِ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارِكُهُ " فِيهِ " الْآخَرُ، وَوَقَعَ فِي الْحَوَادِثِ رَجُلٌ آجَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ وَقَبَضَ الْأُجْرَةَ فَسَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ جَمِيعَ الدَّارِ وَتَعَذَّرَ عَلَى شَرِيكِهِ أَخْذٌ أُجْرَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ، فَقِيلَ يُشَارِكُهُ، " وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشَارِكَهُ " لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ اسْتَفَادَ حَقَّهُ بِعَقْدٍ يَخْتَصُّ بِهِ، وَيَرْجِعُ شَرِيكُهُ بِأُجْرَةِ " حِصَّتِهِ " عَلَى الْغَاصِبِ، وَتَشْهَدُ لَهُ " صُوَرُ " الْبَيْعِ الْآتِيَةِ.
الرَّابِعُ: مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ الْحَالِفَ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ وَلَا " يُشَارِكُهُ " فِيهِ مَنْ لَمْ
стр. 617
يَحْلِفْ عَلَى " الصَّحِيحِ " الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُجْزِئُ فِيهَا النِّيَابَةُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا ادَّعَيَا دَارًا إرْثًا وَصَدَقَ أَحَدُهُمَا كَمَا سَبَقَ أَنَّ الْحَقَّ هُنَا إنَّمَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، فَلَوْ شَرَكِنَا النَّاكِلَ لَمَلَّكْنَاهُ بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَفِي الْأُولَى إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ " الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى إقْرَارِهِ " إقْرَارُ الْمُصَدَّقِ بِأَنَّهُ إرْثٌ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
وَفِي الْمُعَايَاةِ: لَوْ ادَّعَى الْوَرَثَةُ دَيْنًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا وَحَلَفُوا اسْتَحَقُّوا فَإِنْ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ الْيَمِينِ فَالْحَالِفُ يَأْخُذُ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى " فِي دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ "، وَحَلَفَ بَعْضُهُمْ شَارَكَهُ الْبَاقُونَ " فِيمَا يَخْلُصُ " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الدَّيْنَ فِي الذِّمَّةِ فَكُلُّ مَنْ حَلَفَ أَثْبَتَ حَقَّهُ فِيهَا، وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقٌّ وَالدَّارُ مُعَيَّنَةٌ " فَمَا يَخْلُصُ مِنْهَا " يَشْتَرِكُونَ فِيهِ، وَكَأَنَّ الْبَاقِيَ مَغْصُوبٌ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ مَالِكَاهُ فَهَلْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِقَبْضِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا، فَلَوْ قَبَضَ شَيْئًا شَارَكَهُ الْآخَرُ كَالْمِيرَاثِ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِالْبَيْعِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يُشَارِكُهُ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الشَّرِكَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّيْنِ.
أَمَّا الْعَيْنُ فَحَكَى فِي الْمَطْلَبِ عِنْدَ نِكَاحِ السَّفِيهِ وَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ صُبْرَةُ قَمْحٍ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ جَازَ فِي وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الصَّيْدِ عَنْ الْبَغَوِيِّ: لَوْ اخْتَلَطَ
стр. 618
حَمَامُهُ بِحَمَامَةِ الْغَيْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ بِالِاجْتِهَادِ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ اخْتَلَطَتْ " تَمْرَةٌ بِتَمْرِ الْغَيْرِ "، قَالَ الرُّويَانِيُّ لَيْسَ لَهُ أَكْلُ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصَالِحَ الْغَيْرَ أَوْ يُقَاسِمَهُ.
وَلَوْ انْصَبَّ حِنْطَةٌ لَهُ أَوْ مَائِعٌ لَهُ عَلَى مِثْلِهِ لِغَيْرِهِ وَجَهِلَ قَدْرَهَا فَكَاخْتِلَاطِ الْحَمَامِ.
وَلَوْ اخْتَلَطَ دِرْهَمٌ أَوْ دَرَاهِمُ حَرَامٌ " بِدَرَاهِمَ لَهُ، وَدَهَنَ " بِدُهْنٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ: فَصَلَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَصَرَفَهُ لِمَنْ هُوَ لَهُ وَالْبَاقِي لَهُ.
وَقَالَ فِي الْبَحْرِ لَوْ كَانَتْ الصُّبْرَةُ بَيْنَهُمَا قِسْمَيْنِ فَاقْتَسَمَا أَخَذَ هَذَا قَفِيزًا وَهَذَا قَفِيزًا " فَقَدْ " جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ كُلَّ حَقِّهِ مِنْهَا ثُمَّ يُكَالُ لِلْآخَرِ مَا بَقِيَ، لِجَوَازِ أَنْ يَتْلَفَ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يُكَالَ لَلشَّرِيك الْآخَرِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَبْضِ، قَالَ: وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُبْتَدِئِ مِنْهُمَا بِأَخْذِ الْقَفِيزِ الْأَوَّلِ " جَازَ، وَلَوْ لَمْ يَتَّفِقَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَخْذِهِ وَيَكُونُ اسْتِقْرَارُ مِلْكِ الْأَوَّلِ " عَلَى مَا أَخَذَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ مِثْلَهُ، فَلَوْ أَخَذَ الْأَوَّلُ قَفِيزًا مِنْ تِلْكَ الصُّبْرَةِ رَدَّ نِصْفَ الْقَفِيزِ.
الْبَحْثُ " الثَّانِي " إطْلَاقُ الشَّرِكَةِ، هَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ أَوْ هُوَ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلَى " تَفْسِيرٍ " فِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ:
" مِنْهَا ": لَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً ثُمَّ قَالَ لِغَيْرِهِ أَشْرَكْتُك مَعِي وَأَطْلَقَ فَقِيلَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ، وَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، وَيَنْزِلُ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ الشُّرَكَاءُ،
стр. 619
فَهَلْ يَسْتَحِقُّ " الشَّرِيكُ " نِصْفَ مَا لَهُمْ أَوْ مِثْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا ثُمَّ أَشْرَكَا ثَالِثًا فِيهِ فَهَلْ لَهُ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ وَالْأَشْبَهُ الثَّانِي.
وَمِنْهَا لَوْ أَوْصَى " بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ " وَبِمِائَةٍ لِعَمْرٍو، وَقَالَ لِخَالِدٍ أَشْرَكْتُك مَعَهُمَا فَلَهُ نِصْفُ مَا فِي يَدِهِمَا فِي قَوْلٍ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ.
وَمِنْهَا لَوْ قَالَ أَنَا وَفُلَانٌ " شَرِيكَانِ " فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ فِي هَذَا الْمَالِ، قَالَ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا " نِصْفَيْنِ "، فَلَوْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ " الْمُقِرَّ لَهُ الرُّبْعُ أَوْ الْخَمْسُ أَوْ الْعُشْرُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ " أَنَّهُ " يُسْمَعُ وَيَحْلِفُ مَعَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، قَالَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، " لَكِنَّ النَّاسَ " يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى جُزْءٍ فِي الْمُقَرِّ بِهِ فَيَقُولُ زَيْدٌ شَرِيكِي فِي كَذَا وَيُرِيدُونَ بِهِ أَصْلَ الشَّرِكَةِ وَتَفَاوُتَ الْأَجْزَاءِ فَالْمُخْتَارُ الْقَبُولُ، أَمَّا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ زَيْدًا وَعَمْرًا شَرِيكَانِ فِي كَذَا وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ تَسْتَفْسِرُ عَنْ مِقْدَارِ النَّصِيبَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا وَالْعَيْنُ بِيَدِهِمَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَهَلْ يَرْجِعُ فِي مِقْدَارِ نَصِيبِ الْآخَرِ إلَيْهِ أَوْ يَقْضِي بِالنِّصْفِ فِيهِ نَظَرٌ.
وَمِنْهَا قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمَنْثُورِ قَالَ الشَّافِعِيُّ " ﵀ " لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ، ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى أَنْتِ شَرِيكَتُهُمَا فِي هَذَا الطَّلَاقِ تَطْلُقُ الْأُولَى ثَلَاثًا وَالثَّانِيَةُ اثْنَتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ وَاحِدَةً، " لِأَنَّهُ يَحْصُلُ "
стр. 620
فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ فَيَكْمُلُ فَيُحَصِّلُ طَلْقَتَيْنِ، قَالَ الْمُزَنِيّ وَعِنْدِي تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا لِظَاهِرِ التَّشْرِيكِ.
[الشَّكُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ رَجَحَ كَانَ ظَنًّا وَالْمَرْجُوحُ وَهْمًا، وَأَمَّا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فَزَعَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ كَاللُّغَةِ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسَاوِي وَالرَّاجِحِ وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ وَقَدْ فَرَّقُوا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ " بَيْنَهُمَا "
" وَمِنْهَا " فِي بَابِ الْإِيلَاءِ لَوْ قُيِّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَنُزُولِ عِيسَى ﷺ فَمُولٍ وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَيْسَ بِمُولٍ قَطْعًا وَإِنْ شَكَّ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ.
وَمِنْهَا: مَا سَبَقَ فِي الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ شَكَّ فِي الْمَذْبُوحِ هَلْ فِيهِ حَيَاةٌ بَعْدَ الذَّبْحِ حَرُمَ لِلشَّكِّ فِي الْمُبِيحِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ بَقَاؤُهَا حَلَّتْ.
وَمِنْهَا: فِي " بَابِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لَمْ يَجْعَلُوا لِلتَّسَاوِي أَثَرًا وَاعْتَبَرُوا الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ وَكَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ إذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ فِي بَعْضِ " صُورَةٍ ".
وَمِنْهَا: فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الرِّضَا جَازَ، وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ فِي الْحَجِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ وَإِنْ شَكَّ فَلَا وَمِثْلُهُ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مَخُوفًا نَفَذَ التَّصَرُّفُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ
стр. 621
مَخُوفًا " لَمْ يَنْفُذْ إلَّا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
وَمِنْهَا قَالُوا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّهُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ " فَأَرَادُوا " بِهِ الطَّرَفَ الْمَرْجُوحَ، " وَلِهَذَا " قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " بَابِ " الِاعْتِكَافِ قَوْلَهُمْ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ: لَوْ قَالَ إنْ كُنْت " حَامِلًا " فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ أَنَّ الْأَقْرُؤَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلِهَذَا أَبْدَى الْإِمَامُ احْتِمَالًا بِعَدَمِ الْوُقُوعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَنْ حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَاضَتْ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهَا " إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ لَيْسَ دَمَ فَسَادٍ، وَالطَّلَاقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْيَقِينِ " وَهُوَ يُؤَيِّدُ " احْتِمَالَ الْإِمَامِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالُوا: لَوْ عَصَرَ عِنَبًا ثُمَّ قَالَ " إنْ لَمْ يَكُنْ " تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ إنَّهُ وَجَدَهُ خَلًّا وَقَعَ الطَّلَاقُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّلُ إلَّا بَعْدَ التَّخَمُّرِ.
وَمِنْهَا " سُئِلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَمَّنْ قَنَتَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى اعْتِقَادِ " أَنَّهُمَا " فَرْضٌ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ " قَالَ " صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ شَكَّ فِي النِّيَّةِ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ أَوْ النَّفَلَ وَإِتْيَانُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ عَلَى الشَّكِّ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ " قَالَ صَاحِبُ الْكَافِي وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الظَّنَّ بِالشَّكِّ وَالشَّكُّ يَقْتَضِي
стр. 622
التَّرَدُّدَ وَإِتْيَانُ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي النِّيَّةِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ ". وَالظَّنُّ لَا يَقْتَضِي التَّرَدُّدَ، بَلْ غَايَةُ " مَا " فِيهِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَسَهْوًا وَالْخَطَأُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا.
الثَّانِي: الشَّكُّ الطَّارِئُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَذَكَّرَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ عَلَى قُرْبٍ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ عَلَى الْقُرْبِ قَبْلَ مُضِيِّ قَدْرِ رُكْنٍ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ وَتَذَكَّرَ قَبْلَ مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا - مَا لَوْ صَلَّى الْمُسَافِرُ وَشَكَّ هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَإِنْ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَتَابَعُوهُ.
الثَّانِيَةُ - إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوَابِ بِالِاجْتِهَادِ " عَلَى " الْقُرْبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ عَلَى الْقُرْبِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ عَلَى الصَّوَابِ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ.
ثَانِيهَا " الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ، " فَرَّقَ " " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الشَّكِّ فِي الْفِعْلِ وَبَيْنَ الشَّكِّ بَعْدَ الْفِعْلِ فَلَمْ يُوجِبْ إعَادَةَ الثَّانِي، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ، فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ كُلِّفَ أَنْ
стр. 623
يَكُونَ ذَاكِرًا لَمَا صَلَّى لَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُطِقْهُ أَحَدٌ فَسُومِحَ فِيهِ وَبَيَانُهُ بِصُوَرٍ:
مِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ هُوَ النِّيَّةُ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الْأَرْكَانِ يَكْثُرُ لِكَثْرَتِهَا بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ، وَقِيَاسُهُ كَذَلِكَ فِي بَاقِي الشُّرُوطِ، لَكِنْ سَيَأْتِي عَنْ النَّصِّ عَدَمُ الْإِعَادَةِ فِي صُورَةِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي حَرْفٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاكِّ فِي تَرْكِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ " الصَّلَاةِ أَنَّهَا " يَسِيرَةٌ مَضْبُوطَةٌ فَلَا مَشَقَّةَ فِي ضَبْطِهَا بِخِلَافِ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ وَتَشْدِيدَاتِهَا فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فِي تَرْكِ بَعْضِ حُرُوفِهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقِيَاسُ التَّشَهُّدِ، " إلْحَاقُهُ " بِالْفَاتِحَةِ.
وَمِنْهَا: فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ تَوَضَّأَ الْمُحْدِثُ وَصَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى فَأَعَادَهَا ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ فِي إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ وَمَسْحَ الرَّأْسِ فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ فَطَهَارَتُهُ صَحِيحَةٌ الْآنَ، وَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ الْمَسْحَ مِنْ الْأُولَى وَالسَّجْدَةَ مِنْ الثَّانِيَةِ، وَنَظِيرُهُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي الْمُطَارَحَاتِ فِيمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَصَلَّى الْخَمْسَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ الَّتِي صَلَّاهَا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ ثَانِيًا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَمْرَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّ السَّجْدَةَ لَمْ نَتَحَقَّقْ أَنَّهَا مَتْرُوكَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْمَتْرُوكَةِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ وُقُوعًا، لِأَنَّ وُقُوعَ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعٍ أَكْثَرُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
стр. 624
وَالثَّانِي " أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا الْإِعَادَةَ ثَانِيًا لَمْ نَأْمَنْ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَمَا قَالُوهُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِفْسَادُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْوُضُوءِ فِي تَرْكِ مَسْحِ الرَّأْسِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا " لَا يُؤَثِّرُ "، كَمَا لَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا.
قِيلَ " لِلشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ " فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا، قَالَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا.
وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ " ثُمَّ " تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بَعْدَ أَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ " وَهَا هُنَا تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي أَنَّهُ زَالَ أَمْ لَا وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ ".
وَمِنْهَا: لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ عَنْ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ هَلْ اسْتَوْعَبَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ اسْتَجْمَرَ وَصَلَّى وَشَكَّ هَلْ اسْتَعْمَلَ حَجَرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ بَعْدَ الْوُضُوءِ شَكَّ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ وَصَلَّى ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ شَكَّ فِي رُكْنٍ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَإِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ فَهَا هُنَا لَا يُعِيدُ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً أُخْرَى بَعْدَ الشَّكِّ مَا لَمْ " يَسْتَكْمِلْ " الِاسْتِنْجَاءَ، " لِأَنَّهُ " حَالَةَ شُرُوعِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا، وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الشَّكُّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا. قُلْت: وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي صُورَةِ الْوُضُوءِ، وَمَا سَبَقَ مِنْ التَّصْحِيحِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَفِي كِتَابِ الْحِيَلِ لِلْقَزْوِينِيِّ: لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَحْدَثَ وَشَكَّ هَلْ مَسَحَ رَأْسَهُ
стр. 625
فِي ذَلِكَ الْوُضُوءِ أَمْ لَا: تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَلَوْ أَنَّهُ صَامَ ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ اللَّيْلُ شَكَّ هَلْ كَانَ نَوَى فِيهِ أَمْ لَا، لَمْ " يَضُرَّهُ "، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ فِي الْوُضُوءِ قَبْلَ الْحَدَثِ بَطَلَ الْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعَوَّلِ وَكَذَلِكَ لَوْ اعْتَرَضَهُ الشَّكُّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّوْمِ.
وَمِنْهَا لَوْ شَكَّ الصَّائِمُ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلَا أَثَرَ لَهُ " وَقَدْ تَعَرَّضَ لَهُ " فِي الرَّوْضَةِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهَا لَوْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَافَ بِطَهَارَةٍ أَمْ لَا لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، لِأَنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ فِي الظَّاهِرِ، فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ ذَلِكَ بِالشَّكِّ.
نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ النَّصِّ، وَحَكَاهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ، قَالَ: وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُصَلِّي يَشُكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ.
وَمِنْهَا لَوْ صَامَ يَوْمَيْنِ أَحَدُهُمَا فَرْضٌ وَالْآخَرُ نَفْلٌ وَعَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ النِّيَّةَ فِي أَحَدِهِمَا وَجَبَتْ إعَادَةُ الْفَرْضِ، وَقَالَ وَالِدُ الرُّويَانِيِّ: لَا يَجِبُ لِلشَّكِّ، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
" ثَالِثُهَا ": الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ.
وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا كَانَ عَدَمُهُ مَانِعًا، فَالشَّرْطُ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالْعَجْزُ مَانِعٌ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الشَّرْطِ، لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ، وَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمَانِعِ مِنْهُ " أَثْبَتْنَا " الْحُكْمَ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ أَنْ لَا يَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ لِأَجْلِ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ وَإِنْ " تَرَتَّبَ "، لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمَانِعِ وَذَلِكَ مُحَالٌ.
стр. 626
وَالْجَوَابُ " قَالَ " ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّا لَا نُرَتِّبُ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الشَّرْطِ إذَا كَانَ وُجُودِيًّا كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ تَطْهُرُ أَمْ لَا، " لِأَنَّ " الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَدَمِيًّا، فَالْأَصْلُ الْعَدَمُ فَتَرَتَّبَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا " ﵏ ": إذَا قَالَ إنْ خَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَرَجَتْ وَادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ وَأَنْكَرَتْ الْإِذْنَ " فَالْقَوْلُ " قَوْلُهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَمَنْ لَمْ يُوقِعْهُ يَتَمَسَّكْ بِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ، وَكَذَا يُقَالُ هُنَا إنَّمَا رَتَّبْنَا الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمَانِعِ، إذَا كَانَ " الْمَانِعُ " وُجُودِيًّا، كَمَا إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَإِنْ كَانَ عَدَمِيًّا فَلَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أَنْتَجَ أَنَّ مَا كَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا فَعَدَمُهُ مَانِعٌ وَعِنْدَ الشَّكِّ " فِي وُجُودِهِ " لَا " يَتَرَتَّبُ " الْحُكْمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَالْأَصْلُ وُجُودُ الْمَانِعِ فَلَا " تَنَاقُضَ ".
رَابِعُهَا: أَنْ يُعَارِضَهُ أَصْلٌ " ضَعِيفٌ " فَيَضْعُفُ الشَّكُّ حِينَئِذٍ.
وَيَتَّضِحُ بِصُوَرٍ:
" إحْدَاهَا " لَوْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَشَكَّ هَلْ كَانَ تَزْوِيجُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، أَوْ
стр. 627
بَعْدَهُ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ نَصَّ عَلَيْهِ " الشَّافِعِيُّ " ﵀ " فِيمَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ " وَوَجْهُهُ " أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " الْإِحْرَامِ "، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ نَصُّ الشَّافِعِيِّ " ﵀ " " أَيْ " مِنْ جِهَةِ الْوَرَعِ عَلَى إيقَاعِ طَلْقَةٍ، وَيُعْطِي نِصْفَ الصَّدَاقِ إنْ سَمَّى وَالْمُتْعَةَ إنْ لَمْ يُسَمِّ، قَالَ وَفِي الْحُكْمِ النِّكَاحُ صَحِيحٌ وَخَرَجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَوْلًا أَنَّهُ بَاطِلٌ " بِنَاءً " عَلَى الْمَلْفُوفِ.
" الثَّانِيَةُ " لَوْ أَرَادَ الْمُعْتَمِرُ إدْخَالَ الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ وَبَعْدَهُ: يَمْتَنِعُ، فَلَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ، قَالَ " الْأَصْحَابُ الْأَصْلُ " يَجْزِيهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ، إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ " مَا يَمْنَعُ "، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا.
" الثَّالِثَةُ " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَشَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ بَعْدَهَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ " الْعُمَرِيِّ "، قَالَ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ " مِنْ هَذَا الزَّمَانِ، وَفِي شَكٍّ " مِمَّا " تَقَدَّمَ.
стр. 628
وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يُؤْخَذُ " أَنَّ " صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا " لَوْ " تَيَقَّنَ دُخُولَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ شَكَّ هَلْ دَخَلَتْ أَمْ لَا " انْعَقَدَ " عُمْرَةً.
وَلِهَذَا قَالَ: لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهُوَ عُمْرَةٌ "، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَفِي الْبَحْرِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ شَكَّ وَهُوَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، هَلْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ " أَوْ " هُمَا؟ وَجْهَانِ عَنْ وَالِدَيْ أَحَدُهُمَا يَجْتَهِدُ وَيَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ وَالثَّانِي يَأْتِي بِالْحَجِّ " فَيَتَيَقَّنُ " سُقُوطَ الْفَرْضِ.
وَأَصْلُهَا إذَا أَحْرَمَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ نَسِيَ بِمَاذَا أَحْرَمَ مَا الَّذِي يَلْزَمُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَوَقْتَ دُخُولِ الْأَشْهُرِ، وَشَكَّ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْأَشْهُرِ فَإِنْ عَلِمَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ وَشَكَّ فِي وَقْتِ دُخُولِ الْأَشْهُرِ لَزِمَهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْأَشْهُرَ لَمْ تَدْخُلْ.
الرَّابِعَةُ: إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَلَوْ شَكَّ هَلْ تَرَكَ أَوْ أَتَى بِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ الْجَوَازُ، كَمَا لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَيَحْتَمِلُ بِنَاؤُهَا عَلَى الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا لَوْ شَكَّ فِي إدْرَاكِ حَدِّ الْأَجْزَاءِ فِي الرُّكُوعِ، لَا تُحْسَبُ رَكْعَةٌ فِي الْأَظْهَرِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا شَكَّ فِي " التَّقَدُّمِ " عَلَى إمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ لَمْ يَضُرَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ إنْ جَاءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ الْإِمَامِ ضُرَّ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ
стр. 629
وَجْهَ النَّصِّ أَنَّ الصَّلَاةَ انْعَقَدَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالشَّكُّ فِي الْمُبْطِلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَيْهِ مَا لَوْ صَلَّى وَشَكَّ هَلْ تَقَدَّمَ عَلَى الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ أَمْ لَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الصِّحَّةَ فِي الْمَوْقِفِ أَكْثَرُ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ: فَتَصِحُّ مَعَ التَّأْخِيرِ وَالْمُسَاوَاةِ وَتَبْطُلُ مَعَ التَّقْدِيمِ خَاصَّةً، وَالصِّحَّةُ فِي التَّكْبِيرِ أَقَلُّ وُقُوعًا فَإِنَّهَا تَبْطُلُ بِالْمُقَارَنَةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَتَصِحُّ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ التَّأْخِيرُ.
السَّادِسَةُ: لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَشَدَّ مِائَةً وَضَرَبَهُ بِهَا " ضَرْبَةً " بَرَّ إنْ عَلِمَ إصَابَةَ الْكُلِّ، وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَنَصَّ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ وَلَمْ يَدْخُلْ وَمَاتَ زَيْدٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ شَاءَ أَمْ لَا، " أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ "، وَفِيهِ طَرِيقَانِ " أَصَحُّهُمَا تَقْرِيرُ " النِّصْفَيْنِ " وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الِانْكِبَاسِ وَالتَّثْقِيلِ " فَيَكْتَفِي " فِيهِ " وَلَا إمَارَةَ هُنَا تَدُلُّ عَلَى مَشِيئَتِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا " قَالَ " النَّوَوِيُّ ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ " إذَا " شَكَّ حَنِثَ، وَإِنَّمَا " لَمْ " يَحْنَثْ عَلَى الْمَنْصُوصِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إصَابَةُ الْجَمِيعِ وَهُوَ أَحْسَنُ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ بَعْدَ هَذَا الضَّرْبِ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. انْتَهَى. قُلْت: قَدْ قَطَعَ الْإِمَامُ بِاشْتِرَاطِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقَالَ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.
السَّابِعَةُ: لَمَسَ امْرَأَةً وَشَكَّ هَلْ هِيَ مَحْرَمٌ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ فَتَحْرُمُ وَكَذَا لَوْ شَكَّ
стр. 630
أَلَامِسٌ هُوَ " أَمْ " مَلْمُوسٌ " فَمَلْمُوسٌ " جَزَمَ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ.
وَلَوْ تَيَقَّنَ بَعْدَ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا وَشَكَّ هَلْ كَانَ النَّوْمُ الَّذِي رَأَى " فِيهِ " تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى هَيْئَةِ الِاضْطِجَاعِ أَوْ الْقُعُودِ، قَالَ الْبَغَوِيّ يُحْكَمُ بِحَدَثِهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ عَدَمُ الِانْتِقَاضِ لِلشَّكِّ فِي الْمُوجِبِ.
الثَّامِنَةُ: لَوْ انْتَبَهَ فَرَأَى بَلَلًا وَشَكَّ أَنَّهُ " وَدْيٌ " أَوْ مَنِيٌّ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مَنِيٌّ لِكَوْنِ الْوَدْيِ لَا يَلِيقُ بِطَبْعِهِ " أَوْ لِتَذَكُّرٍ " وِقَاعِ تَخَيُّلِهِ فِي النَّوْمِ قَالَ الْإِمَامُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ يَسْتَصْحِبُ يَقِينَ الطَّهَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْأَمْرَ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، " قَالَ " الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ أَوْفَقُ لِكَلَامِ الْمُعْظَمِ انْتَهَى، وَفِي هَذَا أَعْمَالُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ.
التَّاسِعَةُ: وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ " وَشَكَّ " هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ فَالْمَنْقُولُ نَجَاسَتُهُ وَالْإِمَامُ احْتِمَالُ أَنَّهُ طَهُورٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلشَّكِّ فِي التَّنْجِيسِ.
الْعَاشِرَةُ: أَدْخَلَ الْكَلْبُ فَاهُ فِي إنَاءٍ وَخَرَجَ بِلَا رُطُوبَةٍ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَةِ الْإِنَاءِ وَلَوْ خَرَجَ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُعَابِهِ، وَالْأَصْلُ طَهَارَةُ الْإِنَاءِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ مُقَابِلَهُ بِأَصْلٍ فَيَنْتَهِضُ الشَّكُّ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الْفَجْرِ هَلْ نَوَى أَمْ لَا لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ، وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَلَوْ شَكَّ هَلْ كَانَتْ نِيَّتُهُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
стр. 631
قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ، وَكَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ مَانِعٌ أَوْ مَاءٌ لَمْ يَصِحَّ لِوُجُوبِ النِّيَّةِ وَشَرْطُهَا الْجَزْمُ وَهُوَ مَفْقُودٌ.
وَلَوْ اسْتَنْجَى بِشَيْءٍ وَشَكَّ هَلْ هُوَ عَظْمٌ أَوْ مَطْعُومٌ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ الِاسْتِنْجَاءُ " بِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ " قَوْلَانِ ": وَلَوْ مَسَّ مَنْ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ أَوْ غَيْرَ عَامِلَتَيْنِ " بِإِحْدَاهُمَا "، فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ مَعَ الشَّكِّ فِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ أَوْ زَائِدَةٌ وَكَذَا " الذَّكَرَانِ "، كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ اللَّمْسِ، وَحَكَى فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ أَحَدُ الْعَامِلِينَ كَالْخُنْثَى وَهُوَ الْقِيَاسُ.
الْبَحْثُ الثَّالِثُ: إذَا " أَقْدَمَ " شَاكًّا فِي حُصُولِ الشَّرْطِ، ثُمَّ بَانَ مُصَادَفَتُهُ هَلْ يَجْزِيهِ " هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ أَوْ بَنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَا يَجْزِيهِ "، كَمَا لَوْ صَلَّى شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ دُخُولُهُ، وَكَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِالْإِنَاءِ الْمُشْتَبَهِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ كَانَ طَاهِرًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَا وُضُوءُهُ، فَلَوْ غَسَلَ بِهِ نَجَاسَةً لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى نِيَّتِهِ قَبْلَ التَّبْيِينِ وَتَصِحُّ بَعْدَ التَّبْيِينِ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ لِلنِّيَّةِ.
стр. 632
وَلَوْ شَكَّ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ فَمَسَحَ ثُمَّ تَيَقَّنَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ، وَيَقْضِي مَا صَلَّى بِهِ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمَاءَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لَا مَاءَ، لَمْ يُحْسَبْ تَيَمُّمُهُ.
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً وَلَمْ يَتَحَقَّقْهَا فَتَيَمَّمَ لَهَا، ثُمَّ تَذَّكَّرَهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ وَقْتَ الْفَائِتَةِ " بِالتَّذَكُّرِ ".
قَالَ الشَّاشِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ تَوَضَّأَ " مُحْتَاطًا " " بِمَاءٍ طَاهِرٍ "، ثُمَّ تَبَيَّنَ حَدَثَهُ، وَكَذَا لَوْ صَامَ الْأَسِيرُ فِي " مَطْمُورَةٍ " مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ صَامَ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَصِحَّ، أَوْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَصَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى لِلْقِبْلَةِ، وَكَذَا لَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ ثُمَّ " بَانَ مُصَادَفَتُهُ " لِلْمُسْتَنَدِ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ اتِّصَافَهُ بِالْأَهْلِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ " كَانَ أَهْلًا "، وَمَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا " لَوْ وُلِّيَ " وَحَكَمَ لَمْ تَنْفُذْ أَحْكَامُهُ وَإِنْ كَانَتْ صَوَابًا، قَالَهُ الدَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، وَحَكَى " ابْنُ عَبْدَانِ " فِي الشَّرَائِطِ مَنْ
стр. 633
وَلِيَ " الْقَضَاءَ " مِنْ غَيْرِ أَهْلِيَّةٍ فَوَافَقَ الْحَقَّ فِي حُكُومَةٍ نُفِّذَتْ تِلْكَ الْحُكُومَةُ عِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ، قَالَ وَخَالَفَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ.
وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ شَكَّ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ، كَالْخُنْثَى، ثُمَّ بَانَ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ قَالَ إنْ كُنْت حَلَفْت فَعَبْدِي هَذَا حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ لَا يُعْتَقُ.
" وَمِنْهَا " لَوْ أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ زَيْدٍ فَوَكَّلَ الْوَلِيُّ فِي تَزْوِيجِهَا، وَأَطْلَقَ فَزَوَّجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ الَّذِي عَيَّنَتْهُ هِيَ لِوَلِيِّهَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
وَلَوْ ارْتَابَتْ فِي الْعِدَّةِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا " لَمْ تُنْكَحْ بَعْدَ " الْأَقْرَاءِ إنْ اسْتَمَرَّتْ الرِّيبَةُ فَلَوْ نُكِحَتْ بَطَلَ، وَإِنْ بَانَ بِمُصَادَفَتِهِ لِلْبَيْنُونَةِ.
وَلَوْ بَاعَ صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ جُزَافًا وَخَرَجَتَا سَوَاءٌ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أُخْتُهُ أَمْ أَجْنَبِيَّةٌ أَمْ مُعْتَدَّةٌ فَبَانَتْ أَجْنَبِيَّةً خَلِيَّةً.
وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ الْوَقْتِ هَلْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَمْ لَا " لَمْ " يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهَا، وَلَوْ قَضَاهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئُهُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قَالَهُ فِي بَابِ نِيَّةِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ شَكَّ فِي حَدَثِهِ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ لَا يَرْتَفِعُ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ فَيُجْزِئُهُ فِي صُوَرٍ: إحْدَاهَا لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ فَإِنَّ وُقُوفَهُ صَحِيحٌ مُسْقِطٌ لِلْفَرْضِ، قَالَهُ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ.
стр. 634
الثَّانِيَةُ: " إذَا " أَحْرَمَ بِالْحَجِّ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ فَيَنْبَغِي الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ شَدِيدُ اللُّزُومِ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَبَقَ فِي فَصْلِ الْخَطَأِ أَنَّهُمْ لَوْ اجْتَهَدُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمُوا " وَبَانَ " الْخَطَأُ عَامًّا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ حَجًّا، كَمَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ " أَوْ عُمْرَةً " وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ الْأَكْلُ، فَإِنْ بَانَ أَنَّهُ أَكَلَ " مِنْ " قَبْلِ الْفَجْرِ " أَوْ لَمْ " يَبِنْ فَلَا شَكَّ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَهُ أَعَادَ، وَإِنْ شَكَّ فِي غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ لَمْ يَأْكُلْ فَإِنْ أَكَلَ فَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ غَائِبَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَغِبْ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَعَادَ.
قُلْت وَعَلَى هَذَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ ثُمَّ بَانَ أَنَّهَا غَرَبَتْ حَيْثُ لَا يُعِيدُ لِأَنَّهُ صَادَفَ اللَّيْلَ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ هُنَا وَقَعَتْ عَلَى الصِّحَّةِ، ثُمَّ شَكَّ فِي الْمُفْسِدِ بِخِلَافِهِ ثَمَّ فَإِنَّ ابْتِدَاءَهَا وَقَعَ عَلَى الشَّكِّ
الرَّابِعَةُ: شَكَّ الصَّائِمُ فِي أَنَّهُ نَوَى قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَطَعَ الصَّيْمَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ " وَالْعِمْرَانِيُّ " بِمَنْعِ الصِّحَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَحْتَمِلُ مَجِيءُ وَجْهٍ مِنْ الشَّكِّ فِي إدْرَاكِ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَإِنْ تَذَكَّرَ " بَعْدَ " مُضِيِّ أَكْثَرِ النَّهَارِ التَّبْيِيتَ صَحَّ قَطْعًا.
الْخَامِسَةُ: أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ آخِرَ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَنَوَى الْجُمُعَةَ إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا،
стр. 635
وَإِلَّا فَالظُّهْرَ، " ثُمَّ بَانَ " بَقَاءُ " الْوَقْتِ "، وَمِثْلُهُ نِيَّةُ الصَّوْمِ عَنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَان إذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ.
السَّادِسَةُ: بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ.
السَّابِعَةُ: عَقَدَ النِّكَاحَ بِخُنْثَيَيْنِ فَبَانَا ذَكَرَيْنِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّامِنَةُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ عَلَى الْقَدِيمِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاتِهِ وَتَنْكِحُ، فَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيِّتًا صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الْأَصَحِّ.
التَّاسِعَةُ: صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ظُهْرًا بِنِيَّةِ الْفَائِتَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ، قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ وَالِدِي يَجُوزُ عَنْ فَرْضِهِ الْفَائِتِ، لِأَنَّ بِالْإِجْمَاعِ لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ وَفَرَغَ " مِنْهُ " ثُمَّ شَكَّ فِي بَعْضِ فَرَائِضِهِ " يُسْتَحَبُّ " الْإِعَادَةُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَلَوْلَا أَنَّ الْأُولَى إذَا تَبَيَّنَ " فَسَادُهَا " " تَقَعُ " الثَّانِيَةُ عَنْ فَرْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِعَادَةِ مَعْنًى وَبَانَ " بِذَلِكَ " أَنَّ شَكَّهُ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ فِعْلِهِ، وَقَدْ صَحَّ أَيْضًا أَنْ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُؤَدِّيهَا كُلَّهَا وَفِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْهَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِعْنِيهَا فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ شَرْطًا فِيمَا يُؤَدِّيه مِنْ الصَّلَوَاتِ. قُلْت وَالْمُتَّجَهُ جَعْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِيمَنْ شَكَّ هَلْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ فَفَعَلَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلَيْهِ لَا تُجْزِئُهُ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَأَعْطَاهُ قَدْرَ الدَّيْنِ، وَقَالَ إنْ كَانَ " عَلَيْهِ " دَيْنٌ
следующие страницы →