← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الثَّالِثَةُ: لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى صَبِيٍّ لِيَدْفَعَهَا إلَى الْمُسْتَحَقِّ وَعَيَّنَ " الْمَدْفُوعَ لَهُ " جَازَ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ. وَقِيَاسُهُ فِي الْحُقُوقِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْحُسَيْنِ أَنَّ " الْبَائِعَ "، لَوْ دَفَعَ الْمَبِيعَ إلَى الصَّبِيِّ بِإِذْنِ الْمُشْتَرِي لَا تَخْرُجُ الْعَيْنُ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، لِأَنَّ وَكَالَةَ الصَّبِيِّ بِالْقَبْضِ فَاسِدَةٌ، نَعَمْ إنْ أَخَذَهُ الْمُشْتَرِي وَقَعَ الْمَوْقِعَ. وَهَذَا كُلُّهُ " فِي الْمُمَيَّزِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيَّزِ فَهُوَ مَسْلُوبُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ "، إلَّا فِي طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ إذَا سَبَقَ إحْرَامَ الْوَلِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ. قَاعِدَةٌ " الْخِلَافُ فِي أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَالْأَصَحُّ " أَنَّهُ عَمْدٌ " هُوَ فِي الْمُمَيَّزِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَمْدُهُ خَطَأٌ قَطْعًا " وَهَذَا فِي جِنَايَتِهِ. قَالَ الْإِمَامُ وَأَمَّا عَمْدُ الْمُمَيَّزِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِفْسَادِ الْعِبَادَاتِ فَعَمْدٌ قَطْعًا "، كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَكَلَ فِي الصَّوْمِ عَامِدًا " فَسَدَا " قَطْعًا. وَيُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ صُوَرٌ: مِنْهَا: مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا جَامَعَ لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِحَالٍ وَهَلْ

стр. 667

يَبْطُلُ صَوْمُهُ؟ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ عَمْدَهُ عَمْدٌ أَوْ خَطَأٌ، وَلَك أَنْ تَسْأَلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَكْلِهِ حَيْثُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ قَطْعًا، وَفِي جِمَاعِهِ " الْوَجْهَانِ "، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ شَهْوَةَ الصَّبِيِّ الْأَكْلُ " كَشَهْوَةِ " الْبَالِغِ، بَلْ آكَدُ، وَلَا كَذَلِكَ الْجِمَاعُ فَإِنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ الْبَالِغُ، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْجِمَاعِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ بِمَثَابَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْإِنْزَالُ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنْ لَا يَسْلُكَ بِهِ مَسْلَكَ الْجِمَاعِ فِي " الْأَحْكَامِ مِنْ " الْغُسْلِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهَا جِمَاعُهُ عَمْدًا فِي الْحَجِّ هَلْ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا " ذَكَرْنَا "، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ " يُفْسِدُهُ "، وَإِنَّمَا جَرَى فِيهِ الْخِلَافُ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مُلْحَقٌ بِالْجِنَايَاتِ، وَالْخِلَافُ فِيهَا ثَابِتٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْوَافِي الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ حَيْثُ إنَّ عَمْدَهُ فِي الصَّلَاةِ قَطْعًا وَفِي الْحَجِّ قَوْلَانِ مُشْكِلٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَوْلَانِ فِي الْأَفْعَالِ. أَمَّا أَقْوَالُهُ فَعَمْدُهُ فِيهَا عَمْدٌ فِي الْعِبَادَاتِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ بَعِيدٌ، " قَالَ " وَقَدْ فَرَّقَ " صَاحِبُ التَّعْلِيقَةِ " فِيمَا إذَا طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الْمُصَلِّي تَبْطُلُ " صَلَاتُهُ " وَعَلَى الْحَاجِّ لَا يُبْطِلُهُ " فَإِنَّ " الصَّلَاةَ شَرْطُهَا الطَّهَارَةُ وَيَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وُضُوءُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْقَدُ عَلَى الصَّبِيِّ صِيَامٌ وَيُعْقَدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ الْحَجِّ.

стр. 668

قَالَ، وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَرَّقْنَا بِهِ هَا هُنَا فَنَقُولُ أَمْرُ الصَّلَاةِ أَقْوَى اعْتِبَارًا فِي بُطْلَانِهِ وَفَسَادِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهَا شَرْطُ الطَّهَارَةِ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِحَدَثِهِ، فَكَذَلِكَ بِأَقْوَالِهِ الْعَامِدَةِ فِيهَا " وَأَفْعَالِهِ ". فَرْعٌ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَعِنْدَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَالِغٍ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ. [الصِّحَّةُ وَالْجَوَازُ وَالِانْعِقَادُ فِي بَابِ الْعُقُودِ] ِ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَكُلُّ صَحِيحٍ مُنْعَقِدٍ وَكُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ. وَهُوَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ أَوْ " مَا " أَفَادَ حُكْمُهُ، وَقِيلَ الْمُنْعَقِدُ عِبَارَةٌ عَنْ ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يُصَحَّحَ وَأَنْ لَا يُصَحَّحَ، كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ " فَيُعْقَدُ " عِنْدَ قَوْمٍ " لَهُ " بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِجَازَةُ مِنْ الْمَالِكِ يَصِحُّ كَالْإِيجَابِ قَبْلَ الْقَبُولِ، وَإِلَّا فَلَا، " وَإِنَّمَا " الصِّحَّةُ اعْتِبَارُ " التَّصَرُّفِ " جَزْمًا، وَأَمَّا الْمَعْقُودُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ انْعِقَادٍ يُؤَثِّرُ فِي الْمَحَلِّ " مُثْبِتًا لِحُكْمِهِ ". فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالُوا انْعَقَدَ فَاسِدًا، وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ كُلُّ مُنْعَقِدٍ صَحِيحٌ. قُلْت هُوَ مَجَازٌ، وَأَمَّا عِنْدَ إطْلَاقِ الِانْعِقَادِ فَيُصْرَفُ إلَى الصَّحِيحِ وَعِنْدَ إرَادَةِ

стр. 669

الْمَجَازِ " فَيُقَيَّدُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ، وَيُطْلَقُ الْجَائِزُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّازِمِ فَاللَّازِمُ مَا " لَا " يَقْبَلُ الْفَسْخَ أَوْ مَا " لَا " يُمْكِنُ الْغَيْرُ إبْطَالَهُ، وَالْجَائِزُ عَكْسُهُ، وَالْفَسْخُ حَلُّ ارْتِبَاطِ الْمَعْقُودِ. وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَنَقَلَ " الْإِمَامُ " فِي الْمَحْصُولِ عَنْ " الْفُقَهَاءِ " أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الصِّحَّةَ بِمَسْقَطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ يُنْتَقَضُ بِصَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ فِي الْحَضَرِ، لِعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ وَوَضْعُ الْجَبَائِرِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَأَيْضًا فَالْجُمُعَةُ تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ وَلَا يَدْخُلُهَا قَضَاءٌ. " وَأَمَّا الصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ " " فَقِيلَ " اسْتِتْبَاعُ الْغَايَةِ وَقِيلَ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهَا مَا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ " يَعْنِي " الصِّحَّةَ وَعَدَمَهَا، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا وَجْهًا وَاحِدًا فَلَا كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، " وَقَدْ يُؤْمَرُ بِمَا لَا يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ تَشَبُّهًا "، كَالْمُمْسِكِ فِي رَمَضَانَ وَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجْعَةُ فِيمَا إذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بِلَادِ الْهُدْنَةِ مُسْلِمَةً، وَقُلْنَا

стр. 670

يَغْرَمُ " لِزَوْجِهَا " الْكَافِرِ الْمَهْرَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا لَمْ يَغْرَمْ لَهُ الْمَهْرَ حَتَّى يُرَاجِعَ لِتَظْهَرَ رَغْبَتُهُ. وَهَذِهِ صُورَةُ رَجْعَةٍ لَا لِحَقِيقَتِهَا، بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ ظُهُورُ " رَغْبَتِهِ " لِيَغْرَمَ لَهُ الْمَهْرَ وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُرَاجِعَ الْمُسْلِمَةَ، وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ خَرَّجُوا قَوْلًا أَنَّهُ لَا " تُعْتَبَرُ " رَجْعَةً، لِأَنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِهَا. وَأَمَّا الرِّدَّةُ " فَإِنَّ " الْقِيَاسَ " أَنَّهُ " لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي، " لَكِنَّهَا " لَمَّا حَلَّتْ الْعَقْدَ الْعَظِيمَ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وُصِفَتْ بِذَلِكَ فَيُقَالُ تَصِحُّ الرِّدَّةُ مِنْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْحُكْمَ بِهَا عَقْلِيَّانِ أَوْ شَرْعِيَّانِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّ الْعُقُودَ إذَا أُطْلِقَتْ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ " أَوْ الْفَاسِدِ "، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي " كَلَامِهِ عَلَى " الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهَا بِالصَّحِيحِ. وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ. وَأَمَّا الْعِبَادَاتُ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ سَيَأْتِي خِلَافٌ فِي أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوَّلًا، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَصُومُ، وَقَدْ اُسْتُنْكِرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا فِي اخْتِصَاصِهَا بِالصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعُقُودِ. قُلْت وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ صَحِيحٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْته فِي خَادِمِ الرَّافِعِيِّ.

стр. 671

[الصَّرِيحُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ] ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ: اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا تَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ. وَالضَّابِطُ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ إنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ إمَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ أَوْ لَا، فَإِنْ تَكَرَّرَ حَتَّى اُشْتُهِرَ كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ فَهُوَ صَرِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَشِعْ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ " هُوَ " الْمُتَّبَعُ، وَعَلَيْهِ " بَيَّنَّا ". حَمْلَ الدَّرَاهِمِ فِي الْأَقَارِيرِ عَلَى النَّقْرَةِ الْخَالِصَةِ قَطْعًا، وَإِنْ غَلَبَ الْعُرْفُ " بِخِلَافِهَا "، وَعَلَيْهِ أَلْحَقْنَا الْفِرَاقَ وَالسَّرَاحَ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ لِتَكَرُّرِهَا شَرْعًا، وَإِمَّا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ، بَلْ " ذُكِرَ " فِي الشَّرْعِ مَرَّةً وَلَمْ يَشِعْ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَالْمُفَادَاةِ فِي الْخُلْعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وَالْفَكُّ فِي الْعَتَاقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] ، وَالْإِمْسَاكُ فِي الرَّجْعَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] "، فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ الْتِحَاقُهُ بِالصَّرِيحِ فِي الْكُلِّ. " وَأَمَّا " مَا لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنْ شَاعَ فِي الْعُرْفِ كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ شَرْعًا فِي الطَّلَاقِ " وَشَاعَ الْعُرْفُ " فِي إرَادَتِهِ فَوَجْهَانِ " أَيْ وَالْأَصَحُّ " الْتِحَاقُهُ بِالْكِنَايَةِ،

стр. 672

فَإِنْ قِيلَ: قَطَعْتُمْ بِأَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ صَرِيحٌ عَلَى قَوْلِ الْفَسْخِ فَهُوَ يَخْرِمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي " الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ". قِيلَ: الْخُلْعُ جَرَى " عَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ " مَجْبُولُونَ " عَلَى " التَّلَفُّظِ " بِهِ، وَإِذَا نَطَقُوا رَأَوْهُ الْأَصْلَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ " الْبَعِيدُ " كَالنِّكَاحِ فَاعْتَمَدَ فِيهِ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَهَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ لَفْظَ الْخُلْعِ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ " وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي قَضِيَّةِ حَبِيبَةَ جَرَيَانُ الْخُلْعِ " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ» وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ". ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ نَاقِصٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ وَمَا لَمْ يَرِدْ عَلَى " لِسَانِ " الشَّارِعِ، وَلَكِنْ شَاعَ عَلَى " أَلْسِنَةِ " حَمَلَتِهِ، وَكَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَقْدِ فَفِي كَوْنِهِ صَرِيحًا وَجْهَانِ وَالْأَصَحُّ صَرَاحَتُهُ. وَهَذَا كَلَفْظِ التَّمْلِيكِ فِي الْبَيْعِ وَالْفَسْخِ فِي الْخُلْعِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ فِيهِمَا فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ كَانَ صَرِيحًا فِيهِ لَكِنْ يُقَدَّمُ فِي هَذَا " لَفْظُ " التَّحْرِيمِ " وَالْإِبَانَةِ " فَإِنَّهُمَا مَقْصُودَا

стр. 673

الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُمَا كِنَايَةٌ فِيهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَيْضًا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَامِعُك كِنَايَةٌ فِي الْإِيلَاءِ مَعَ شُيُوعِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَلَفْظُ " الْمَسِّ " مُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ، " وَعَلَى " لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ؛ لِإِرَادَةِ الْجِمَاعِ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِيهِ، وَفِي لَفْظِ الْإِمْسَاكِ فِي الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ " وَهُوَ " مِمَّا " تَكَرَّرَ " فِي الْقُرْآنِ. الثَّانِي: أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّعَبُّدِ وَلِهَذَا تَكَلَّمُوا فِي حَصْرِهِ فِي مَوَاضِعَ كَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عَمّ فِي نَاحِيَةٍ اسْتِعْمَالُ الطَّلَاقِ فِي إرَادَةِ التَّخَلُّصِ عَنْ الْوَثَاقِ وَنَحْوِهِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ، وَقَالَ: أَرَدْت بِهِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ كَمَا سَبَقَ عَنْ الْإِمَامِ فِي أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ لَا يَرْفَعُ الْعَامَّ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِيرُ كِنَايَةً بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ أَوْ فَارَقْتُك بِالْجِسْمِ أَوْ سَرَّحْتُك مِنْ الْيَدِ أَوْ إلَى السُّوقِ لَمْ " تَطْلُقْ " فَإِنَّ أَوَّلَ اللَّفْظِ " مُرْتَبِطٌ " بِآخِرِهِ، " قَالَ " الْإِمَامُ: وَهَذَا يُضَاهِي الِاسْتِثْنَاءَ. قُلْت وَهَذَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنَّهُ قَدَّمَ

стр. 674

صَرِيحَ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ طَلَّقْتُك، فَقَدْ " يَتَعَقَّبُهُ " نَدَمٌ فَيَصِلُهُ بِقَوْلِهِ مِنْ وَثَاقٍ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّوَهُّمِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَّصِلَ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِجَمِيعِهِ لَا بِبَعْضِهِ " كَقَوْلِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا يُقَالُ فِيهَا أَنَّهُ نَفَى الْإِلَهَ أَوَّلًا فَخَافَ فَاسْتَدْرَكَ بِالْإِثْبَاتِ ثَانِيًا. وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا كِنَايَةً وَلَا شَكَّ " أَنَّ فِي " النِّكَاحِ نَوْعُ وَثَاقٍ، وَنَوْعُ يَدٍ وَنَوْعُ اخْتِلَاطٍ. الثَّانِي: اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي فَقَالَ " أَمَّا "، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْوَالِ " اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ، فَقَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلَى الِاسْتِهْزَاءِ كَتَحْرِيكِ الرَّأْسِ عَلَى شِدَّةِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، قَالَ وَيُشْبِهُ حَمْلَ قَوْلِ الْأَصْحَابِ فِيمَا إذَا قَالَ لَهُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ صَدَقْت أَوْ نَحْوَهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَرِينَةِ فَإِنْ احْتَفَّتْ بِاللَّفْظِ الْقَرَائِنُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا تُجْعَلُ إقْرَارًا " وَيَأْتِي " فِيهِ " خِلَافُ " تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ. وَمِمَّا يُعَارِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَنَّ السُّؤَالَ لَا يَلْحَقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ، إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ: طَلِّقْنِي فَقَالَ: طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ نَوَيْت فَاطِمَةً أُخْرَى طَلَقَتْ وَلَا يُقْبَلُ؛ لِدَلَالَةِ الْحَالِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: طَلَّقْت فَاطِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: نَوَيْت أُخْرَى حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ " فِي الشَّرْحِ " عَنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ.

стр. 675

الرَّابِعُ: الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِقَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى الطَّلَاقِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ، وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ فِيهِ: أَنَّ مَعْنَى " قَوْلِهِمْ الصَّرِيحُ " لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أَيْ: نِيَّةِ الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ. أَمَّا قَصْدُ اللَّفْظِ " فَيُشْتَرَطُ " لِتَخْرُجَ مَسْأَلَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ، وَمِنْ هَا هُنَا يَفْتَرِقُ الصَّرِيحُ وَالْكِنَايَةُ، فَالصَّرِيحُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَصْدُ اللَّفْظِ، وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَمْرَانِ قَصْدُ اللَّفْظِ، وَنِيَّةُ الْإِيقَاعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: أَنْ يَقْصِدَ حُرُوفَ الطَّلَاقِ لِلْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لِيَخْرُجَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَثَاقٍ. الْخَامِسُ: الصَّرَائِحُ تَعْمَلُ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ بِلَا خِلَافٍ إلَّا فِيمَا إذَا قِيلَ: لِلْكَافِرِ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَهَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قَالَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ أَصَحُّهُمَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَوَجْهُ الْمَنْعِ احْتِمَالُ قَصْدِ الْحِكَايَةِ. السَّادِسُ: كُلُّ تَرْجَمَةٍ " نُصِبَتْ عَلَى " بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُشْتَقُّ مِنْهَا صَرِيحٌ بِلَا خِلَافٍ، إلَّا فِي أَبْوَابٍ فَفِي بَعْضِهَا لَا تَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي بَعْضِهَا تَكْفِي عَلَى وَجْهٍ.

стр. 676

الْأُولَى: " الشَّرِكَةُ " لَا يَكْفِي " مُجَرَّدُ " اشْتَرَكْنَا. الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ: " الْمُتَيَمِّمُ "، لَوْ قَالَ: نَوَيْت التَّيَمُّمَ لَا يَكْفِي، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْفَرْضِ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا الْوُضُوءُ عَلَى وَجْهٍ " صَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ "، لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِ الصِّحَّةُ. الرَّابِعَةُ: الْكِتَابَةُ فَبِمُجَرَّدِ كَاتَبْتُك لَا تَصِحُّ حَتَّى يَقُولَ، وَأَنْتَ حُرٌّ إذَا أَدَّيْت. الْخَامِسَةُ: التَّدْبِيرُ عَلَى قَوْلٍ. السَّادِسَةُ: الْخُلْعُ. " السَّابِعُ ": الصَّرِيحُ فِي " بَابِهِ " إذَا وَجَدَ نَفَاذًا فِي " مَوْضِعِهِ " لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي " غَيْرِهِ وَمَعْنَى " وَجَدَ نَفَاذًا أَيْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ، " كَمَا عَبَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ " صَرِيحًا. وَهَذَا كَالطَّلَاقِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا " وَفَسْخًا " بِالنِّيَّةِ، وَبِالْعَكْسِ فَلَوْ قَالَ: وَهَبْت مِنْك وَنَوَى الْوَصِيَّةَ لَا تَكُونُ وَصِيَّةً فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ. وَلَوْ قَالَ فِي الْإِجَارَةٍ بِعْتُك مَنْفَعَتَهَا لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ. وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ:

стр. 677

إحْدَاهَا: إذَا جَعَلْنَا الْخُلْعَ صَرِيحًا فِي الْفَسْخِ هَلْ يَكُونُ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ حَتَّى إذَا نَوَيَا بِهِ الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا يَنْقُصُ بِهِ الْعَدَدُ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا مِنْ حَيْثُ " النَّقْلُ يَكُونُ " طَلَاقًا. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ " وَعَنَى بِهِ " الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ صَرِيحٌ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ، فَقَدْ يُعَدُّ كِنَايَةً مَعَ كَوْنِهِ وَجَدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ "، وَقَدْ يُجَابُ " عَنْ هَذَا بِأَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَا يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ، بَلْ يَجْرِي فِي مِلْكِ الْيَمِينِ إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِالنِّكَاحِ لَمْ يَبْعُدْ صَرْفُهُ إلَى حُكْمٍ آخَرَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ قَالَ: بِعْتُك نَفْسَكِ بِكَذَا " وَقَالَتْ: " اشْتَرَيْت فَكِنَايَةُ خُلْعٍ. الرَّابِعَةُ: قَالَ السَّفِيهُ لِعَبْدِهِ أَعْتِقْ نَفْسَك فَنَصَّ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - " فِي بَابِ الْكِتَابَةِ مِنْ الْأُمِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ إنْ نَوَى عِتْقَهُ وَقَعَ مَعَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّفْوِيضِ، وَقَدْ جَعَلَهُ كِنَايَةً فِي التَّنْجِيزِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ قَالَ: مَالِي طَالِقٌ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّدَقَةَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى صَدَقَةَ مَالِهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَ قُرْبَةً. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ أَوْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ؟ وَجْهَانِ. السَّادِسَةُ: صَرَائِحُ الطَّلَاقِ كِنَايَةٌ فِي الْعِتْقِ فَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الْعِتْقَ عَتَقَتْ وَعَكْسُهُ، قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِأَمَتِهِ فَوَكَّلَ سَيِّدَهَا

стр. 678

فِي طَلَاقِهَا فَقَالَ قَدْ أَعْتَقْتُك، وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ. السَّابِعَةُ: أَحَالَهُ بِلَفْظِ الْحَوَالَةِ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت بِذَلِكَ التَّوْكِيلَ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَا يُقْبَلُ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّتِهِ. الثَّامِنَةُ: لَوْ رَاجَعَ بِلَفْظِ النِّكَاحِ " أَوْ التَّزْوِيجِ "، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ " تَنْفُذُ " بِالنِّيَّةِ؛ لِإِشْعَارِهِ بِالْمَعْنَى. التَّاسِعَةُ: قَالَ لِعَبْدِهِ وَهَبْتُك نَفْسَك، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِتْقَ عَتَقَ فِي الْحَالِ. الْعَاشِرَةُ: إذَا ثَبَتَ لِلزَّوْجِ فَسْخُ النِّكَاحِ بِعَيْبٍ أَوْ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَقَالَ: فَسَخْت نِكَاحَك، وَأَطْلَقَ أَوْ نَوَاهُ حَصَلَ الْفَسْخُ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ طَلَقَتْ فِي الْأَصَحِّ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قَالَ ": أَعَرْتُك " حِمَارِي " لِتُعِيرَ لِي " فَرَسَك فَإِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْإِعَارَةَ كِنَايَةٌ فِي عَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَالْفَسَادُ جَاءَ مِنْ اشْتِرَاطِ " الْعَارِيَّةِ " فِي الْعَقْدِ. [الصِّفَةُ فِي الْمَعْرِفَةِ لِلتَّوْضِيحِ] نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْهُ ﴿وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] " وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ "

стр. 679

الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ. وَفِي النَّكِرَةِ لِلتَّخْصِيصِ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ. وَمِنْهُ ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وَيُعَبَّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاطِهِ " فِيهِ ". وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَخَاطَبَهَا بِالظِّهَارِ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ الزَّوْجَةِ، وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ " الْأَجْنَبِيَّةِ " عَلَى التَّعْرِيفِ لَا الشَّرْطِ، " وَقِيلَ: " لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا، وَإِنْ نَكَحَهَا حَمْلًا لَهُ عَلَى الشَّرْطِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذَا قَالَ لِحَوَامِلَ: مَتَى وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ " فَصَوَاحِبُهَا " طَوَالِقُ أَنَّهُ يُرَاجَعُ الزَّوْجُ فَإِنْ أَرَادَ " بِصَوَاحِبِهَا " الشَّرْطَ تَعَيَّنَ الثَّانِي " أَوْ التَّعْرِيفَ " فَالْأَوَّلُ قَطْعًا "، وَإِنْ أَطْلَقَ أَوْ مَاتَ " وَلَمْ تُعْرَفُ إرَادَتُهُ حُمِلَ عَلَى التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ عُقُودٌ، لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي صُورَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: اسْتَوْفِ دَيْنِي الَّذِي " لِي " عَلَى فُلَانٍ فَمَاتَ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ وَارِثِهِ؟ وَجْهَانِ إنْ جَعَلْنَا " الصِّفَةَ " وَهِيَ قَوْلُهُ الَّذِي عَلَى فُلَانٍ لِلتَّعْرِيفِ كَانَ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْوَارِثِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا لِلشَّرْطِ فَلَا.

стр. 680

تَنْبِيهٌ: " مَا ذَكَرْنَاهُ "، فِي الصِّفَةِ الْفَارِقَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، " وَقَالَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ " فِي الْبُرْهَانِ: إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ كَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَوْ أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هِيَ " هِيَ " كَانَ الْوَصْفُ " بِهَا نَسْخًا " فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهَا الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وَهُوَ مَاشٍ " يَحْنَثُ " إذْ لَمْ تُفِدْ الصِّفَةُ فِيهِ تَقْيِيدًا. [صِفَاتُ الْحُقُوقِ لَا تُفْرَدُ بِالْإِسْقَاطِ] وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَسْقَطَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ الْأَجَلَ هَلْ يَسْقُطُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مُطَالَبَتِهِ فِي الْحَالِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْأَجَلَ صِفَةٌ تَابِعَةٌ، وَالصِّفَةُ لَا " تُفْرَدُ " " بِالْإِسْقَاطِ ".

стр. 681

وَلَوْ أَنَّ مُسْتَحِقَّ الْحِنْطَةِ الْجَيِّدَةِ وَالدَّنَانِيرِ الصِّحَاحِ أَسْقَطَ صِفَةَ الْجُودَةِ أَوْ الصِّحَّةِ لَمْ تَسْقُطْ " بِالْإِسْقَاطِ "، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمَنَاهِي. نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إذَا بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ كَالْأَجَلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ. وَيَقْرُبُ مِنْهُ إسْقَاطُ الْبَائِعِ حَقَّ الْعِتْقِ إذَا جَعَلْنَا الْحَقَّ لَهُ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِالسُّقُوطِ، وَهَذِهِ " الصُّوَرُ " لَا تَرِدُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْوَصْفُ مِمَّا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ كَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، وَالْعِتْقُ بِخِلَافِ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ وَصْفٌ لَازِمٌ لَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ بِعَقْدٍ مُسْتَقِلٍّ. وَقَضِيَّةُ هَذَا " أَنَّهُ "، لَوْ اشْتَرَى شَاةً بِشَرْطِ أَنَّهَا لَبُونٌ وَصَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَ خِيَارَهُ إذَا خَرَجَتْ غَيْرَ لَبُونٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لَازِمَةٌ.

стр. 682

[حَرْفُ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ] [ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ] الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ وَمِنْ ثَمَّ أُبِيحَتْ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ، وَإِسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَأُبِيحَتْ كَلِمَةُ الْكُفْرِ لِلْمُكْرَهِ، وَكَذَلِكَ إتْلَافُ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ الدَّيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِكَسْرِ بَابِهِ. وَلَوْ صَالَ الصَّيْدُ عَلَى مُحْرِمٍ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ بِالصِّيَالِ الْتَحَقَ بِالْمُؤْذِيَاتِ، وَإِذَا عَمّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ حَلَالٌ إلَّا نَادِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى الضَّرُورَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: (وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ كَمَا يَتَبَسَّطُ) فِي الْحَلَالِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ كَالتَّتِمَّاتِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَتَوَقَّعَ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، أَمَّا عِنْدَ الْإِيَاسِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ (كَأَنَّهُ) حِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَالُ لِلْمَصَالِحِ، (لِأَنَّ مِنْ) جُمْلَةِ (أَمْوَالِ) بَيْتِ الْمَالِ مَا جُهِلَ مَالِكُهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ مِنْ شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى مَالِ غَيْرِهِ وَتَرَكَ الْأَكْلَ هَلْ يَعْصِي؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ إحْيَاءَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي لَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ لِلْهَلَاكِ، كَمَا لَوْ قَصَدَ مُسْلِمٌ لِقَتْلِهِ قَالَ: وَهَكَذَا الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ احْتَاجَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ لِلْعَطَشِ، وَيَجُوزُ إتْلَافُ شَجَرِ الْكُفَّارِ وَبِنَائِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ، وَكَذَا إتْلَافُ الْحَيَوَانِ (الَّذِينَ) يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ؛ لِدَفْعِهِمْ أَوْ (ظَفْرٍ

стр. 683

بِهِمْ) ، وَيَجُوزُ نَبْشُ الْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ؛ وَلَا لِيُدْفَنَ عَلَيْهِ آخَرُ. وَيَجُوزُ غَصْبُ الْخَيْطِ لِخِيَاطَةِ جُرْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ إذَا لَمْ يَجِدْ خَيْطًا حَلَالًا. هَذَا إذَا كَانَ الْحَيَوَانُ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ. وَالنَّجَاسَاتُ إذَا عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهَا. وَمِنْهُ الْمَاءُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ فَمِ النَّائِمِ إذَا حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ وَعَمَّتْ (بَلْوَى) شَخْصٍ بِهِ، فَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. قَالَ: وَلَوْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَرْقِ (الطَّيْرِ) ، وَتَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ عُفِيَ عَنْهُ كَطِينِ الشَّارِعِ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ. وَفِي النُّكَتِ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ. وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ ذَرْقُ الْعُصْفُورِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَهَذَا (تَصَرُّفٌ) بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَإِنَّ الشَّيْخَ عَمَّ الطُّيُورَ وَخَصَّ الْمَسَاجِدَ، وَالرَّافِعِيُّ عَكَسَ النَّقْلَ عَنْهُ (فَخَصَّ) الْعُصْفُورَ وَعَمَّ (الْعَفْوَ) (وَكَالْعَفْوِ) عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ. وَلَوْ وَلِيَ الْإِمَامَ غَيْرُ أَهْلٍ نَفَذَ قَضَاؤُهُ؛ لِلضَّرُورَةِ، وَأَلْحَقَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ بِقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ، وَنَازَعَ فِيهِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ (فَإِنَّ) الْمَنْقُولَ فِي

стр. 684

قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَهْلِ وَغَيْرِهِ، قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حَتَّى (يَنْفُذَ) ، أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ قَدْ غَلَبَ فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَلَوْ رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ تَصْحِيحُهُ؛ لِأَنَّ مَا خَالَفَ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ لَا أَثَرَ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ. فَائِدَةٌ: جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً ضَرُورَةٌ، وَحَاجَةٌ، وَمَنْفَعَةٌ، وَزِينَةٌ، وَفُضُولٌ. فَالضَّرُورَةُ: بُلُوغُهُ حَدًّا إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمَمْنُوعَ هَلَكَ أَوْ قَارَبَ كَالْمُضْطَرِّ لِلْأَكْلِ وَاللُّبْسِ بِحَيْثُ لَوْ بَقِيَ جَائِعًا أَوْ عُرْيَانًا لَمَاتَ أَوْ تَلِفَ مِنْهُ عُضْوٌ. وَهَذَا يُبِيحُ تَنَاوُلَ الْمُحَرَّمِ. وَالْحَاجَةُ: كَالْجَائِعِ الَّذِي لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْكُلُ لَمْ يَهْلِكْ غَيْرَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ، وَهَذَا لَا يُبِيحُ الْمُحَرَّمَ. ، وَأَمَّا الْمَنْفَعَةُ: فَكَاَلَّذِي يَشْتَهِي خُبْزَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمَ الْغَنَمِ، (وَالطَّعَامَ) الدَّسِمَ. وَأَمَّا الزِّينَةُ: فَكَالْمُشْتَهِي (الْحُلْوَ) الْمُتَّخَذَ مِنْ (اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ) وَالثَّوْبَ الْمَنْسُوجَ مِنْ

стр. 685

حَرِيرٍ وَكَتَّانٍ. وَأَمَّا الْفُضُولُ: (فَهُوَ) التَّوَسُّعُ بِأَكْلِ الْحَرَامِ أَوْ الشُّبْهَةِ، كَمَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ إذَا عَلِمْت هَذَا فَلِلْقَنُوعِ مَرْتَبَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) يَقْنَعُ بِدَفْعِ الْحَاجَةِ فَلَا يَأْكُلُ إلَّا عِنْدَ الْجُوعِ بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُهُ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَافِعٍ وَدَافِعٍ. وَدُونَهَا مَرْتَبَةُ مَنْ يَقْنَعُ (بِاسْتِيفَاءِ) الْمَنْفَعَةِ فَيَأْكُلُ الطَّيِّبَ، وَلَكِنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ (فَإِذَا) اشْتَهَى (الْحُلْوَ) اسْتَوَى عِنْدَهُ الدِّبْسُ وَالسُّكَّرُ، وَإِذَا أَرَادَ اللُّبْسَ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْقُطْنُ وَالصُّوفُ. وَأَمَّا مَنْ دُونَهُ وَهُوَ الْقَنُوعُ بِسَدِّ الرَّمَقِ الصَّابِرُ عَلَى مَضَضِ الْجُوعِ، وَكَانَ الْقَانِعُ يَسْتُرُ وَجْهَ الْحَاجَةِ بِسَتْرٍ خَفِيفٍ، كَمَا أَنَّ (الْمِقْنَعَةَ) تَسْتُرُ وَجْهَ لَابِسِهَا بَعْضَ السِّتْرِ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ جَلَسَ خَلْفَ حَائِطٍ مِنْ الشَّمْسِ أَنَّهُ تَقَنَّعَ بِالْحَائِطِ. [قَاعِدَةٌ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا] وَمِنْ ثَمَّ لَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَيْتَةِ إلَّا قَدْرَ سَدِّ الرَّمَقِ، فَإِذَا اُسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ فَإِنْ اكْتَفَى بِالتَّعْرِيضِ كَقَوْلِهِ لَا يَصْلُحُ لَك لَمْ

стр. 686

يَعْدِلْ إلَى التَّصْرِيحِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ نَبَاتِ الْحَرَمِ؛ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ؛ لِبَيْعِهِ لِمَنْ يَعْلِفُ. وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ يُؤْخَذُ عَلَى (حَسَبِ) الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، وَلَوْ حَمَلَ (مُسْتَجْمَرًا فِي الصَّلَاةِ) (بَطَلَتْ) فِي الْأَظْهَرِ، وَيُعْفَى عَنْ الطُّحْلُبِ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فِيهِ وَغَيَّرَهُ ضَرَّ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ ثَوْبٌ فِيهِ دَمُ بَرَاغِيثَ (مُسْتَغْنِيًا) عَنْ لُبْسِهِ فَلَبِسَهُ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، وَالْمَاءُ الَّذِي غَسَلَ بِهِ (النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ) عَنْهَا مُسْتَعْمَلٌ قَطْعًا؛ لِزَوَالِ النَّجَاسَةِ. قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَالْمَرْأَةُ إذَا فَصَدَهَا أَجْنَبِيٌّ عِنْدَ فَقْدِ (امْرَأَةٍ) أَوْ مَحْرَمٍ لَمْ يَجُزْ (لَهَا) كَشْفُ جَمِيعِ سَاعِدِهَا، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَلُفَّ عَلَى يَدِهَا ثَوْبًا وَلَا تَكْشِفَ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِهِ لِلْفَصْدِ، وَلَوْ زَادَتْ عَلَيْهِ عَصَتْ اللَّهَ تَعَالَى. [الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ] ِ كَذَا (أَطْلَقُوهُ) وَاسْتَدْرَكَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ لِأَخَفِّهِمَا، وَأَغْلَظِهِمَا انْتَهَى.

стр. 687

وَلِهَذَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى شَخْصٍ دَيْنٌ، وَمَعَهُ قَدْرُهُ فَقَطْ فَإِنَّهُ (يُؤْخَذُ، وَإِنْ) تَضَرَّرَ الْمَدْيُونُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ (لَا) يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ، وَطَلَبَ صَاحِبُ الْأَكْثَرِ الْقِسْمَةَ أُجِيبَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرُ شَرِيكِهِ، وَمِنْ هَذَا ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فِي الشِّقْصِ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ. وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَرَهَنَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَلَوْ اشْتَرَى أَرْضًا (فَغَرَسَ) فِيهَا أَوْ بَنَى، ثُمَّ أَفْلَسَ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، وَيَضُرُّ بِالْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ (، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ) ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ ضَيِّقَةَ الْمَحَلِّ، وَالرَّجُلُ كَبِيرَ الْآلَةِ لَا يُمْكِنُهُ وَطْؤُهَا إلَّا بِإِفْضَائِهَا لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْوَطْءِ. [أَسْبَابُ الضَّمَانُ] ِ أَرْبَعَةٌ.: عَقْدٌ، وَيَدٌ وَإِتْلَافٌ، وَحَيْلُولَةٌ.

стр. 688

الْأَوَّلُ: الْعَقْدُ كَالْبَيْعِ وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَنَحْوِهَا. الثَّانِي: (الْيَدُ) وَهِيَ ضَرْبَانِ: يَدٌ غَيْرُ مُؤْتَمَنَةٍ كَيَدِ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُشْتَرِي فَاسِدًا، (وَكَذَلِكَ) الْأَجِيرُ عَلَى قَوْلٍ. وَيَدُ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَنَحْوِهَا إذَا وَقَعَ مِنْهَا التَّعَدِّي صَارَتْ الْيَدُ يَدَ ضَمَانٍ فَيَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ؛ فِي التَّحْرِيرِ الْمُوجِبُ لِضَمَانِ الْمَالِ خَمْسَةٌ: أَحَدُهَا: الْقَبْضُ لِلسَّوْمِ. الثَّانِي: الْقَبْضُ عَنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. الثَّالِثُ: الْعَارِيَّةُ. الرَّابِعُ: (الْإِتْلَافَاتُ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ (سَبَبٍ) . الْخَامِسُ: التَّعَدِّي بِالْغَصْبِ أَوْ (بِالتَّصَرُّفِ) فِي الْأَمَانَةِ أَوْ (بِالتَّفْرِيطِ) فِي رَدِّهَا انْتَهَى.

стр. 689

وَأَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِالتَّفْوِيتِ وَهَلْ تُضْمَنُ بِالْفَوَاتِ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، كَمَا إذَا خَلَّصَ الْمُحْرِمُ (الصَّيْدَ) مِنْ جَارِحِهِ؛ لِيُدَاوِيَهُ فَتَلِفَ (عِنْدَهُ أَوْ أَخَذَ الْوَدِيعَةَ مِنْ صَبِيٍّ صِيَانَةً لَهَا؛ لِيَرُدَّهَا لِوَلِيِّهِ فَتَلِفَتْ) فِي يَدِهِ أَوْ الْتَقَطَ مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ؛ لِلْحِفْظِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِلْآحَادِ ذَلِكَ وَهُوَ (الصَّحِيحُ) الْمَنْصُوصُ. وَمِثْلُهُ لَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا إلَى دَارِهٍ فَأَخَذَهُ؛ لِيَرُدَّهُ لِمَالِكِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَيُسْتَثْنَى مَا لَوْ ظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ نَقَصَ ضَمِنَ نَقْصَهُ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ هُنَا، وَإِنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا؛ لِتَقْصِيرِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مَا لَوْ انْتَزَعَ الْمَغْصُوبَ مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ عِنْدَهُ يَضْمَنُهُ فِي الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْآحَادِ (الِانْتِزَاعُ) فَإِنَّ الْقَاضِيَ نَائِبُ (الْغَائِبِينَ) وَلَيْسَ هُوَ بِمُؤْتَمَنٍ شَرْعًا. الثَّالِثُ: الْإِتْلَافُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ، وَضَمَانُ الْأَمْوَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى (جَبْرِ الْفَائِتِ) ، وَضَمَانُ (النَّفْسِ) مَبْنِيٌّ عَلَى شِفَاءِ الْغَلِيلِ انْتَهَى. وَيَفْتَرِقُ ضَمَانُ الْإِتْلَافِ وَالْيَدُ فِي أَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ فِيهِ (بِالْمُبَاشَرَةِ) دُونَ السَّبَبِ فِي الْأَظْهَرِ وَضَمَانُ الْيَدِ مُتَعَلِّقٌ بِهِمَا؛ لِوُجُودِهِ فِي كُلِّ

стр. 690

مِنْهُمَا، (ثُمَّ عِنْدَنَا) أَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ فِي مُقَابَلَةِ فَوَاتِ يَدِ الْمَالِكِ، وَالْمِلْكُ بَاقٍ لِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُرَّ نَاقِلٌ عَنْ مِلْكِهِ (وَالْفَائِتُ) عَلَيْهِ هُوَ الْيَدُ (وَالتَّصَرُّفُ) فَيَكُونُ الضَّمَانُ فِي مُقَابَلَةِ مَا فَاتَ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي وَجَبَ رَدُّهَا، فَالضَّمَانُ بَدَلٌ عَنْهَا وَبَنَوْا (عَلَيْهِ) فُرُوعًا: مِنْهَا: إذَا غَصَبَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ ثَوْبًا فَخَاطَهُ أَوْ شَاةً فَذَبَحَهَا لَا يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِذَلِكَ، وَعِنْدَهُمْ (يَمْلِكُ) الْعَيْنَ، وَيَنْتَقِلُ حَقُّ الْمَالِكِ إلَى الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ. وَمِنْهَا: إذَا ضَمِنَ بَدَلَ الْمَغْصُوبِ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ كَانَ لَهُ وَيَرُدُّ إلَى الْغَاصِبِ مَا أَخَذَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ يَمْلِكُ الْمَغْصُوبَ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْجِنَايَةَ الْمُوجِبَةَ لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ كَقَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لَا تَقْتَضِي مِلْكَ الْجَانِي لِلْعَبْدِ وَعِنْدَهُمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ. الرَّابِعُ: الْحَيْلُولَةُ كَمَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ ثَوْبًا فَضَاعَ أَوْ نَقَلَهُ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَغْرَمُ الْغَاصِبُ (الْقِيمَةُ؛ لِلْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمِلْكِهِ، كَمَا يَغْرَمُ لَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْغَصْبِ) مَعَ بَقَاءِ الْعَبْدِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بِمَالٍ فَرَجَعُوا (فَإِنَّهُمْ) يَغْرَمُونَ

стр. 691

لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِحُصُولِ الْحَيْلُولَةِ بِشَهَادَتِهِمْ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْيَدِ أَوْ (بِالْإِتْلَافِ) ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَتَوْا بِمَا يَقْتَضِي الْفَوَاتَ، كَمَنْ حَبَسَ الْمَالِكَ عَنْ مَاشِيَتِهِ حَتَّى ضَاعَتْ وَمَسَائِلُ الْحَيْلُولَةِ سَبَقَتْ فِي حَرْفِ الْحَاءِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ: الْمَضْمُونَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: بِالتَّعَدِّي وَمِنْهُ الْجِنَايَاتُ وَالْإِتْلَافَاتُ، وَالثَّانِي: بِالْمُرَاضَاةِ كَالْبُيُوعِ وَالضَّمَانِ. وَالْأَوَّلُ يَسْتَوِي فِي إيجَابِ الضَّمَانِ فِيهِ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْ الْإِنْسَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَى غَيْرِهِ نِسْيَانُهُ وَخَطَؤُهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَدَاعَى النَّاسُ (النِّسْيَانَ) وَتَسَاقَطَتْ الْحُقُوقُ إلَّا أَنَّ الْعَامِدَ يَغْرَمُ الْبَدَلَ، وَعَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْمُخْطِئُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ حُرْمَةُ النُّفُوسِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَوَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ خَطَأً الْكَفَّارَةُ، وَمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مِنْ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْمُكَافِئِ (عَمْدًا) الْقِصَاصُ؛ لِيَكُفَّ عَنْ الْقَتْلِ وَيَقَعَ التَّحَفُّظُ (بِهِ) . قَالَ (وَأَمَّا) الْقُرُوضُ وَالْعَوَارِيّ فَإِنَّمَا صَارَتْ مَضْمُونَةً، وَإِنْ سَمَحَ (بِهَا) صَاحِبُهَا، وَأَذِنَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَخَذَهُ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَالشَّيْءُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ هُوَ الْمَنْفَعَةُ فَلَمْ يَرْتَفِعْ ضَمَانُ الْعَيْنِ مِنْ أَجْلِ إبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ، قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ: أَنَّ الْمُودَعَ إنَّمَا يَدُهُ يَدُ الْمُودِعِ فَكَانَ حُكْمُهُ فِي الْيَدِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الْوَكِيلِ الَّذِي يَأْخُذُ الْجُعْلَ عَلَى الْعَمَلِ بِأَمْرِ الْوَكِيلِ، وَمَتَى كَانَتْ الْيَدُ تَخْلُفُ يَدَ الْمَالِكِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى وَفَارَقَ الْمُسْتَأْجِرَ فِي ضَمَانِ الْعَيْنِ؛ لِأَخْذِهِ الْعِوَضَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الِانْتِفَاعِ،

стр. 692

إلَّا بِأَنْ يَخْلُفَ الْمَالِكَ فِي الْيَدِ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَفَارَقَ صَاحِبَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْوَثِيقَةَ فِي الْعَقْدِ بِأَنْ يَكُونَ أَحَقَّ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَالْمَنَافِعُ لِلْمَالِكِ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ ثُمَّ (إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ لَمْ يَكُنْ (مَانِعًا) لَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَوْ مَنَعَهُمْ مِنْ إرْسَالِهَا بِالنَّهَارِ لَسَقَطَتْ مَنَافِعُهُمْ فِي (الرَّعْيِ) وَالْكَلَأِ، فَإِذَا أَرْسَلُوا بِاللَّيْلِ ضَمِنُوا، وَإِذَا أَرْسَلُوا بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوا، وَكَانَ التَّحَفُّظُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ. وَمِنْ هَذَا مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَدَخَلَ إلَيْهِ دَاخِلٌ فَسَقَطَ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضْمَنْ، وَمَنْ حَفَرَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ضَمِنَ، وَلَوْ حَفَرَ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَضْمَنْ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ إذَا " انْقَلَبَتْ وَلَا " ضَمَانَ، وَمَتَى كَانَ عَلَيْهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَعَلَيْهِ حِفْظُهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. قَالَ: وَالضَّابِطُ أَنَّ (التَّعَدِّيَ) مَضْمُونٌ أَبَدًا، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، وَفِعْلُ الْمُبَاحِ سَاقِطٌ أَبَدًا، إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ (التَّعَدِّي) فِي حُكْمِ (التَّعَدِّي)

стр. 693

كَالْجِرَاحَةِ إذَا سَرَتْ إلَى النَّفْسِ. قَالَ، وَأَمَّا رَدُّ الْمَضْمُونِ فَأَقْسَامٌ: الْأَوَّلُ: مَا عَيْنُهُ مَوْجُودَةٌ فَيُكَلَّفُ رَدَّهُ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ الْمَالِكُ خِلَافَهُ. الثَّانِي: أَنْ تَنْقُصَ الْعَيْنُ فَيَرُدُّهَا وَقِيمَةَ نَقْصِهَا، إنْ لَمْ يُوجَدْ مِثْلُ النَّقْصِ كَحِنْطَةٍ نَقَصَ مِنْهَا جُزْءٌ. الثَّالِثُ: أَنْ تَفُوتَ الْعَيْنُ فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهَا كَالْحِنْطَةِ (وَالزَّيْتِ) ؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَيَسْقُطُ الِاجْتِهَادُ فِي الْقِيمَةِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ لَا يُمْكِنُ فِعْلُ الْمِثْلِ كَشَقِّ ثَوْبِ رَجُلٍ فَلَا يَشُقُّ ثَوْبَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فَسَادٌ عَلَيْهِمَا فِي الْأَمْوَالِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَفَاضَلُ وَلَا يَتَحَصَّلُ (فَالرُّجُوعُ) إلَى الْقِيمَةِ كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَالرَّمْيِ بِالشَّيْءِ فِي الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ فِي النُّفُوسِ فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيهَا مَعْدُومٌ فَيَعْدِلُ إلَى الْقِيمَةِ، وَمِنْهُ الدِّيَةُ فِي الْأَحْرَارِ، وَالْقِيمَةُ فِي الْعَبِيدِ. قَالَ: وَالْمَضْمُونُ فِي الْجِنَايَةِ وَغَيْرِهَا ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ (يَتَوَقَّفُ) (لَا يَتَجَاوَزُهُ) كَالْخَمْسِ مِنْ الْإِبِلِ فِي الْمُوضِحَةِ

стр. 694

وَنَحْوِهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ كَصَاعِ الْمُصَرَّاةِ. وَضَرْبٌ يُرَدُّ إلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْوِيمِ فَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ (صِنَاعَتِهِ) ، وَأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَإِلَّا لَبَطَلَتْ مَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا وَجَبَ أَرْشُ جُرْحٍ (مِنْ) حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَا تَوْقِيفَ فِيهِ نُظِرَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَخْيَلِ وَالتَّمْثِيلِ فَأُجْرِيَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ (بِالتَّبْخِيتِ) (فِيهِ) بَاطِلٌ انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْمِيمِ قَوَاعِدُ (مُهِمَّةٌ) (تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ) وَهَا هُنَا أَيْضًا قَوَاعِدُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَضْمُونَاتِ.: الْأُولَى: هَلْ تَثْبُتُ يَدُ الضَّمَانِ مَعَ ثُبُوتِ يَدِ الْمَالِكِ؟ (قَالَ) الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْغَصْبِ: لَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ إلَّا الْعَبْدَ الْمُرْتَدَّ وَالْحَيَوَانَ الصَّائِلَ وَالْمُقَاتِلَ حِرَابَةً، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُنْكِرُ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، إلَّا بِكَسْرِ آنِيَةٍ، وَمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ (مِنْ) دَفْعِ الصَّائِلِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، إلَّا بِعَقْرِ جَوَادِهِ وَكَسْرِ سِلَاحِهِ، وَمَا يُتْلِفُهُ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي حَالَةَ الْحَرْبِ وَعَكْسُهُ وَمَا (يُتْلِفُهُ) الْحَرْبِيُّونَ عَلَيْنَا،

стр. 695

وَالْعَبْدُ فِي يَدِ سَيِّدِهِ عَلَى سَيِّدِهِ. أَمَّا لَوْ (تَلِفَ) فَقَدْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ أَنَّهُ لَوْ سَخَّرَ دَابَّةً وَمَعَهَا مَالِكُهَا فَتَلِفَتْ لَا (يَضْمَنُهَا) ، وَقَالُوا: لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى حُرٍّ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ لَا يَضْمَنُهُ نَعَمْ إنْ كَانَ سَبَبُ التَّلَفِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ضَمِنَ، كَمَا لَوْ أَكْرَى دَابَّةً؛ لِحَمْلِ مِائَةٍ فَحَمَلَ مِائَةً وَعَشَرَةً، وَتَلِفَتْ بِذَلِكَ وَصَاحِبُهَا مَعَهَا ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي قَوْلٍ قِيمَتَهَا، وَمِنْهَا الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ إذَا أَتْلَفَ الْمَالَ بِحُضُورِ الْمَالِكِ لَا (يَضْمَنُ) فِي الصَّحِيحِ. الثَّانِيَةُ: الْمَضْمُونُ قِسْمَانِ: مَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ وَالْإِتْلَافِ، وَمَا لَا يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ، وَيُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ، فَمِنْ الْأَوَّلِ: الزَّكَاةُ إذَا تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَ دَفْعِهَا ضَمِنَهُ، وَكَذَا الصَّيْدُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ وَمِنْ الثَّانِي: الْعَبْدُ الْجَانِي إذَا أَتْلَفَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ ضَمِنَهُ، وَلَوْ تَلِفَ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِتْقُ غَيْرِهِ، وَلَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ، وَكَذَا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى مَا سَبَقَ. الثَّالِثَةُ: إذَا وَجَبَتْ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ اُعْتُبِرَ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُتْلَفَاتِ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ التَّلَفُ وَالْإِتْلَافُ، إلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إبِلُ

стр. 696

الدِّيَةِ، فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ إبِلُ بَلَدِ إقَامَةِ الْجَانِي لَا مَحَلُّ جِنَايَتِهِ. وَلِهَذَا اعْتَبَرُوا بَلَدَ الْعَاقِلَةِ وَالْعَاقِلَةُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِمَحَلِّ إقَامَتِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: إنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ. الرَّابِعَةُ: قَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُبَاحًا وَهُوَ مَضْمُونٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَذَلِكَ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ الْمُتَيَقَّنِ. وَمِنْهَا: أَكْلُ الْمُضْطَرِّ طَعَامَ الْغَيْرِ يُبَاحُ لَهُ وَيَضْمَنُ بَدَلَهُ، وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ الصَّيْدِ لِلِاضْطِرَارِ وَيَضْمَنُهُ، وَلَوْ نَصَبَ مِيزَابًا فَتَقَصَّفَ مِنْ الْخَارِجِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَأَتْلَفَ إنْسَانًا تَجِبُ الدِّيَةُ مَعَ إنَّهُ يُبَاحُ لَهُ نَصْبُهُ. وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى حَرْبِيٍّ فَأَسْلَمَ ثُمَّ وَقَعَ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ دِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ جَرَّةٌ مِنْ سَطْحٍ فَكَسَرَهَا ضَمِنَهَا مَعَ أَنَّ لَهُ دَفْعَهَا. وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ حَرَامًا وَلَا ضَمَانَ، كَقَوْلِهِ: اقْطَعْ يَدِي فَقَطَعَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ (وَلَا دِيَةَ) ، وَلَوْ غَصَبَ شَيْئًا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ أَوْ سِرْقِينٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ فَلَا ضَمَانَ مَعَ أَنَّ فِعْلَهُ حَرَامٌ. وَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ سَبَبًا لِلْهَلَاكِ، كَمَا إذَا فَتَحَ زِقًّا فِيهِ مَائِعٌ فَانْصَبَّ مَا فِيهِ بِالرِّيحِ أَوْ (فَتَحَ) قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ فَوَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَإِنَّ الْفِعْلَ حَرَامٌ، وَلَا ضَمَانَ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ.

стр. 697

الْخَامِسَةُ: مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا هُوَ ضَمَانُ عَقْدٍ (قَطْعًا) وَهُوَ ضَمَانُ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ، (كَالْمَبِيعِ) وَالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَلِكَ السَّلَمُ فِي رَأْسِ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ، وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْإِجَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ وَجُعْلُ الْجَعَالَةِ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ كَالْأُجْرَةِ لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ (الْعِلْجِ) قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ جُعْلَ الْجَعَالَةِ الْمُعَيَّنِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ عَقْدٍ أَوْ ضَمَانَ يَدٍ كَالصَّدَاقِ. الثَّانِي: ضَمَانُ يَدٍ قَطْعًا، كَالْمَغْصُوبِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَامِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَلَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا فِي صُورَةٍ: (وَهِيَ) مَا لَوْ أَصْدَقَهَا قِصَاصًا وَجَبَ لَهُ عَلَيْهَا، فَالْأَصَحُّ يَضْمَنُ (بِنِصْفِ) الْأَرْشِ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَقِيلَ: بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ. الثَّالِثُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ عَقْدٍ كَالصَّدَاقِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْعِتْقِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَمِنْهُ جُعْلُ الْجَعَالَةِ عَلَى طَرِيقِهِ. الرَّابِعُ: مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ضَمَانُ يَدٍ، كَمَسْأَلَةِ الْعِلْجِ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةٍ فَلَهُ (مِنْهَا) جَارِيَةٌ (فَإِذَا) مَاتَتْ فَهَلْ يُعْطِي قِيمَتَهَا أَوْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ قَوْلَانِ، (الصَّحِيحُ) أَنَّهُ يُعْطِي الْقِيمَةَ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ لِضَمَانِ الْيَدِ.

стр. 698

وَالْفَرْقُ بَيْنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ وَضَمَانِ الْيَدِ أَنَّ ضَمَانَ الْعَقْدِ هُوَ الْمَضْمُونُ بِمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْعِوَضِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ (إذْ) جُعِلَ مُقَابِلُهُ شَرْعًا، كَالْمَبِيعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ لَوْ تَلِفَ لَا بِالْبَدَلِ مِنْ الْمِثْلِ أَوْ الْقِيمَةِ. وَكَذَلِكَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ أَوْ انْفَسَخَ رَجَعَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ لَا إلَى قِيمَةِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ. وَأَمَّا ضَمَانُ الْيَدِ فَهُوَ مَا يُضْمَنُ عِنْدَ التَّلَفِ بِالْبَدَلِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ فِي ضِمْنِ تَعْلِيلِ (الْقَدِيمِ) فِي ضَمَانِ الصَّدَاقِ أَنَّ مَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ الْعَاقِدِ يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ، كَمَا لَوْ غَصَبَ الْبَائِعُ الْمَبِيعَ مِنْ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْيَدِ، وَكَذَا النِّكَاحُ لَا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الصَّدَاقِ، فَلْيَكُنْ مَضْمُونًا ضَمَانَ يَدٍ. السَّادِسَةُ: الْمَضْمُونُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُضْمَنَ بِالْبَدَلَيْنِ الْمِثْلِ وَالْقِيمَةَ جَمِيعًا، وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ لِلْمَالِكِ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى. وَصُورَتُهُ فِي الْمُحْرِمِ إذَا اسْتَعَارَ صَيْدًا مَمْلُوكًا مِنْ حَلَالٍ، وَتَلِفَ عِنْدَهُ فَإِنْ كَانَ مَغْصُوبًا، وَتَلِفَ عِنْدَهُ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَزِمَهُ مَعَ ذَلِكَ الْأُجْرَةُ فَيَزْدَادُ (وَجْهُ) الضَّمَانِ. الثَّانِي: مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَتَيْنِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ:

стр. 699

أَحَدَاهُمَا: إذَا أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ كَالْعَصَافِيرِ الْمَمْلُوكَةِ فَتَجِبُ لِلَّهِ (تَعَالَى) ، وَقِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَغْصِبَ عَبْدًا ثُمَّ يَجْنِي جِنَايَةً عَلَى غَيْرِهِ، وَتَكُونُ الْجِنَايَةُ مُسَاوِيَةً لِقِيمَةٍ الْعَبْدِ ثُمَّ يَتْلَفُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ، وَيَغْرَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَضَمِنَ ثَانِيًا إنْ أَخَذَ (مَا أَخَذَ) لِلْجِنَايَةِ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَغْرَمُ فِيهِ بَدَلَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مُتْلَفٍ وَاحِدٍ، إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: هَاتَانِ، وَالثَّالِثَةُ: إذَا وَطِئَ (زَوْجَةَ) أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ بِشُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَهْرَيْنِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَمَهْرًا وَنِصْفًا إنْ كَانَ قَبْلَهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ إيجَابُ بَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي (مُتْلَفٍ) وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ إنْ كَانَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ ضَمَانِهِمَا، كَالْقَتْلِ يُضْمَنُ بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ. قُلْت وَكَذَا قَتْلُ الْعَبْدِ يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ وَالْكَفَّارَةِ، وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً مُكْرَهَةً، وَأَفْضَاهَا لَزِمَهُ الدِّيَةُ وَالْمَهْرُ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَأَزَالَ امْتِنَاعَهُ وَانْدَمَلَ الْجُرْحُ لَزِمَهُ جَزَاءٌ (كَامِلٌ) فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ جَاءَ مُحْرِمٌ آخَرُ وَقَتَلَهُ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ زَمَنًا وَبَقِيَ الْجَزَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ الْأَوَّلَ قَدْرُ النُّقْصَانِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ إيجَابُ جَزَاءَيْنِ لِمُتْلَفٍ وَاحِدٍ. الثَّالِثُ: مَا لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ وَلَا بِالْقِيمَةِ وَهُوَ لَبَنُ الْمُصَرَّاةِ إذَا تَلِفَ فَإِنَّهُ لَا

стр. 700

يَضْمَنُهُ إذَا تَلِفَ (لَا) بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ، بَلْ بِالثَّمَنِ؛ وَلَا مَا لَا يُضْمَنُ أَصْلًا كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ وَزَبِيبَةٍ وَتَمْرَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا الضَّابِطِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ وَلَا مُتَقَوِّمٍ. الرَّابِعُ: مَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ وَهُوَ الْمُتَقَوِّمُ كَالدُّورِ وَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالسِّلَعِ وَالْمَنَافِعِ، إلَّا فِي صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) جَزَاءُ الصَّيْدِ. الثَّانِيَةُ: إذَا اقْتَرَضَ مُتَقَوِّمًا فَإِنَّهُ يَرُدُّ (مِثْلَهُ) صُورَةً فِي الْأَصَحِّ؛ (لِأَنَّهُ ﷺ اقْتَرَضَ بَكْرًا وَرَدَّ بَازِلًا) ، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. الثَّالِثَةُ: إذَا هَدَمَ جِدَارَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ، كَمَا أَجَابَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ وَنَقَلَ عَنْ النَّصِّ لِقِصَّةِ جُرَيْجٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَذْهَبُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵀) وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْفَتْوَى، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَلْزَمُهُ أَرْشُ نَقْصِهِ لَا بِنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلِيًّا، الرَّابِعَةُ: طَمُّ الْأَرْضِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. الْخَامِسَةُ: إذَا ضَمِنَ عَنْ غَيْرِهِ (حَيَوَانًا فِي الذِّمَّةِ) ، وَأَعْطَاهُ لِلْمَضْمُونِ لَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ بِالْمِثْلِ الصُّورِيِّ دُونَ الْقِيمَةِ. السَّادِسَةُ: إذَا أَتْلَفَ رَبُّ الْمَالِ الْمَاشِيَةَ كُلَّهَا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَقَبْلَ الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّاةَ بِشَاةٍ أُخْرَى لَا بِقِيمَتِهَا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الزَّكَاةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ

стр. 701

الشَّرِكَةِ) ، وَإِنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي زَكَاةِ الْمُعَشَّرَاتِ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ إخْرَاجَهُ جَائِزٌ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ (فَتَعَيَّنَ) عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ. (الْخَامِسُ) مَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ دُونَ الْقِيمَةِ وَهُوَ الْمِثْلِيُّ كَالنَّقْدَيْنِ وَالْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى (مِثْلِيٍّ) صُورِيٍّ وَتَقْدِيرِيٍّ، وَالصُّورِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى حِسِّيٍّ (وَمَعْنَوِيٍّ) ، وَالتَّقْدِيرِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ. وَقَدْ يُضْمَنُ هَذَا النَّوْعُ بِالْقِيمَةِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ: (إحْدَاهَا) : عِنْدَ (تَعَذُّرِ) الْمِثْلِ وَالْوَاجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ وَقِيلَ: قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ. فَإِنْ قِيلَ: قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ هِيَ قِيمَةُ مِثْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ (قِيمَةُ الْمِثْلِ) وَنَعْنِي بِهِ قِيمَةَ الشَّيْءِ قُلْنَا لَا (وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ) أَنَّا إذَا قَوَّمْنَا (شَيْئًا أَنْ نَقُولَ) قِيمَتُهُ لَا قِيمَةَ مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْغَصْبِ. الثَّانِيَةُ: (أَنْ) لَا يُوجَدَ الْمِثْلُ، إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَحْصِيلُهُ،

стр. 702

وَيَصِيرُ كَالْعَدَمِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ. الثَّالِثَةُ: إذَا ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ (وَكَانَ الْمَغْصُوبُ مِمَّا يَزْدَادُ بِالِانْتِقَالِ فَطَالَبَهُ فِي مَوَاضِعِ الزِّيَادَةِ فَلَا يَغْرَمُ الْمِثْلَ، وَلَهُ تَغْرِيمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ) . الرَّابِعَةُ: إذَا كَانَ لِلْأَصْلِ قِيمَةٌ حِينَ الْأَخْذِ، وَالْمِثْلُ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ الرَّدِّ وَيَدْخُلُ فِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا: إذَا غَصَبَ مَاءً (لِوُضُوئِهِ) فِي الْمَفَازَةِ، وَظَفِرَ بِهِ عَلَى الشَّطِّ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ هُنَا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْمَفَازَةِ لَا بِالْمِثْلِ؛ لِحَقَارَتِهِ حِينَئِذٍ، فَلَوْ أَخَذَ الْقِيمَةَ ثُمَّ اجْتَمَعَا بَعْدُ فِي مَوْضِعٍ لَهُ قِيمَةٌ كَالْمَفَازَةِ فَهَلْ يَجِبُ (رَدُّ) الْقِيمَةِ وَاسْتِرْدَادُ الْمِثْلِ وَجْهَانِ؟ فِي التَّتِمَّةِ إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَلَا اسْتِثْنَاءَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ لِلْحَيْلُولَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ أَطْعَمَ الْمُضْطَرُّ مِثْلِيًّا فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ فِي الْمَخْمَصَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَمِنْهَا: الْمَاءُ الْمَبْذُولُ (لِطَالِبِهِ) فِي الْمَفَازَةِ (يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ) هُنَاكَ. وَمِنْهَا: الْجَمْدُ فِي الصَّيْفِ كَالْمَاءِ فِي الْمَفَازَةِ فَإِذَا غَصَبَ جَمْدًا فِي الصَّيْفِ وَتَلِفَ وَظَفِرَ بِهِ فِي الشِّتَاءِ فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعْتَبَرًا فِي الصَّيْفِ، وَمِنْهَا: إذَا غَصَبَ وَرَقَ التُّوتِ فِي أَوَانِهِ وَتَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ فَإِذَا انْقَضَى أَوَانُهُ (ضَمِنَهُ) بِقِيمَتِهِ أَيْ لِنُقْصَانِ قِيمَتِهِ حِينَئِذٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ، وَفِي الْمُسْكِتِ لِلزُّبَيْرِيِّ. لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ فَوَضَعَ إنْسَانٌ فِيهِ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ

стр. 703

حَتَّى سَخَّنَتْهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ سُخْنًا فِي الشِّتَاءِ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ بِصَبِّ مَاءٍ وَنَحْوِهِ، (وَحَكَى) فِيهَا اخْتِلَافَ أَجْوِبَةٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ (أَرْشُ النَّقْصِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ بِحَطَبٍ وَغَيْرِهِ أَوْ حَمَى الْوَطِيسَ فَبَرَّدَهُ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَهُوَ) أُجْرَةُ مَا يَخْبِزُ وَيَشْوِي فِيهِ مِنْ اللَّحْمِ دُونَ قِيمَةِ الْحَطَبِ. وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ حَمَى الْوَطِيسُ فَجَاءَ إنْسَانٌ فَخَبَزَ فِيهِ خُبْزًا (لَزِمَهُ) أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا إذَا (أَفْسَدَتْ) الْمَرْأَةُ طَهَارَةَ الرَّجُلِ أَوْ بِالْعَكْسِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ يَجِبُ مَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى الزَّوْجِ (، وَإِنْ) كَانَ هُوَ اللَّامِسَ. (وَكَذَلِكَ) ثَمَنُ مَاءِ الْغُسْلِ مِنْ الْوَطْءِ وَالْوِلَادَةِ وَالنِّفَاسِ، وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ فَإِنْ نَفَاهُ بِاللِّعَانِ لَمْ يَجِبْ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ لَمَسَتْ (الْمَرْأَةُ) أَجْنَبِيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ وَجَبَ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَاءِ الْوُضُوءِ. الْخَامِسَةُ: لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ إذَا أَتْلَفَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ، كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ مِثْلِيٌّ. السَّادِسَةُ: الْحُلِيُّ أَوْ آنِيَةِ النَّقْدِ إذَا أَتْلَفَهُ لَا يَضْمَنُهُ بِمِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ مَعَ صَنْعَتِهِ بِنَقْدِ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ (وَلَا رِبًا لِاخْتِصَاصِهِ) بِالْعُقُودِ.

стр. 704

السَّابِعَةُ: الْمُسْتَعَارُ إذَا كَانَ مِثْلِيًّا، وَقُلْنَا: يُضْمَنُ (بِقِيمَتِهِ) يَوْمَ التَّلَفِ، كَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، (كَمَا) صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّ رُبَّمَا يَنْقُصُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَلَوْ ضَمَّنَّا الْمِثْلَ لَكُنَّا قَدْ أَوْجَبْنَا الْأَجْزَاءَ الْمُسْتَحَقَّةَ، لَكِنْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ فِي الْمُرْشِدِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِي الْمِثْلِيِّ، وَقَالَ فِي (الِانْتِصَارِ) أَنَّهُ أَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا قِيمَةَ يَوْمِ التَّلَفِ ضَمِنَ (الْمِثْلَ) بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ مِنْ النَّقْصِ إلَى التَّلَفِ ضَمِنَهُ بِالْمِثْلِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا صُورَةُ الْمُسْتَعَارِ الْمِثْلِيِّ؟ (قُلْت) فِيمَا إذَا أَعَارَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَجَوَّزْنَاهُ. الثَّامِنَةُ: الْمُسْتَامُ. التَّاسِعَةُ: الْمَبِيعُ الْمَفْسُوخِ لَا يُضْمَنُ بِالْمِثْلِ، بَلْ بِالْقِيمَةِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ. الْعَاشِرَةُ: الْمَبِيعُ بَيْعًا فَاسِدًا عَلَى (مَا أَطْلَقَهُ) الرَّافِعِيُّ وُجُوبُ الْقِيمَةِ وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ

стр. 705

مِثْلِيٍّ وَمُتَقَوَّمٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ وَقْتَ النَّقْصِ بِالْمِثْلِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ بِالْعِوَضِ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ وَطَرْدُ ذَلِكَ فِي الْمَقْبُوضِ بِالسَّوْمِ وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَكُلِّ عَقْدٍ مَفْسُوخٍ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا: أَمَّا التَّوْجِيهُ؛ فَلِأَنَّ ضَمَانَهُ بِالْعِوَضِ زَالَ بِالْفَسْخِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ (لَمْ) يَرِدْ عَلَيْهِ (عَقْدٌ فَاسِدٌ) وَأَمَّا النَّقْلُ (فَإِنَّ) (الْإِمَامَ) الشَّافِعِيَّ (﵀) نَصَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ عَلَى وُجُوبِ الْمِثْلِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ لَوْ اشْتَرَى ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَقَطَعَ مِنْهَا غُصْنًا إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ رَدَّ مِثْلَهُ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيمَتُهُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَ: إذَا جَوَّزْنَا الْمُعَامَلَةَ بِالْمَغْشُوشَةِ فَهِيَ مِثْلِيَّةٌ، وَإِذَا تَلِفَتْ لَا يُضْمَنُ (مِثْلُهَا) ، بَلْ تُضْمَنُ قِيمَةُ الدَّرَاهِمِ (ذَهَبًا) وَقِيمَةُ الْمَغْشُوشَةِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ فِي الدَّعْوَى بِهَا بِذِكْرِ قِيمَتِهَا مِنْ النَّقْدِ الْآخَرِ. السَّابِعَةُ: قَدْ يُضْمَنُ (الْمِثْلُ) الصُّورِيُّ بِوَاسِطَةٍ، وَهُوَ مَا إذَا أَتْلَفَ الشَّاةَ الْمَنْذُورَةَ
следующие страницы →