← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

عَنْ الْمُتَخَصِّصِ كَالصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ بَيَانُ الْخُصُوصِ، إنْ كَانَ ثَمَّ مُرَادٌ كَمَا يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمَنْ مَنَعَ اقْتِضَاءَ عُمُومِهِ، أَجَازَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْوُرُودِ. وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: مَنْ ذَهَبَ إلَى الِاقْتِضَاءِ بِنَفْسِ السَّمَاعِ، قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ بَيَانُ الْخُصُوصِ إنْ كَانَ ثَمَّ مُرَادٌ، وَمَنْ أَبَى الْمُبَادَرَةَ إلَى الْإِمْضَاءِ جَوَّزَهُ وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَصْلِ الصَّيْرَفِيِّ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، كَمَا سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ. وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْجُمْهُورُ، وَلَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عَنْهُ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّادِّينَ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِ، فَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ، فَقَالَ: الْقَوْلُ بِالْإِجْرَاءِ عَلَى الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ، أَمَّا مَنْ يُجَوِّزُهُ فَلَا، فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ وُرُودِ الْمُخَصِّصِ مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعُمُومِ تَنَاقُضٌ. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ صَرَّحَ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَنْعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مُسْتَقِيمٌ، وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعِدَّةِ وَغَيْرُهُ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّهُ مِنْ الرَّادِّينَ عَلَى مَانِعِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي تَصَانِيفِهِ صَحِيحٌ، وَلَكِنْ فِي غَيْرِ مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، نَعَمْ، سَيَأْتِي عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ رُجُوعُ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَلَمْ يَقِفْ جَمَاعَةٌ عَلَى تَحْرِيرِ النَّقْلِ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، وَظَنُّوا صِحَّةَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ فَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِ كَلَامِهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: قَدْ أَغْلَظَ الْإِمَامُ الْقَوْلَ عَلَى الصَّيْرَفِيِّ، وَنَسَبَهُ إلَى الْغَبَاوَةِ، وَهُوَ غَيْرُ لَائِقٍ، فَإِنَّهُ إمَامٌ جَلِيلٌ مَعَ إمْكَانِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ.

стр. 1262

قَالَ الْمُقْتَرِحُ: لَا تَنَاقُضَ، لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنَّ مَحَلَّ الِاعْتِقَادِ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ، وَالتَّجْوِيزُ رَاجِعٌ إلَى تَبَيُّنِ مُرَادِ اللَّفْظِ. انْتَهَى. وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ كَلَامُهُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ لَا الِاعْتِقَادِ، وَالْإِمَامُ بَنَى اعْتِرَاضَهُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الصَّيْرَفِيِّ فِي الِاعْتِقَادِ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْرِيرُهُ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَزْمَ بِاعْتِقَادِ الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْمَانِعِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، بَلْ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ لَهُمْ أَيْضًا إلَّا مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ سَمَاعَ الْمُكَلَّفِ الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ، فَإِنَّ التَّنَاقُضَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَنْدَفِعُ عَنْهُمْ لَا غَيْرُ، وَهَذَا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ أَوْجَبُوا اتِّصَالَ الْمُخَصَّصِ بِالْعَامِّ فِي الْوُرُودِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا وُصُولَهُ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ الْعَامُّ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصَّصُ لِلْمُكَلَّفِ بَعْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَانَا عِنْدَ الْوُرُودِ مُقْتَرِنَيْنِ، وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَالتَّجْوِيزِ كَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ بِالْعُمُومِ؟ [الْغَزَالِيُّ يَنْقُلُ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْعَامِّ] الْأَمْرُ الرَّابِعُ: قِيلَ: إنَّ الْغَزَالِيَّ خَالَفَ طَرِيقَةَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ، لِأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، وَالشَّرْطُ بَعْدُ لَمْ يَظْهَرْ، وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْمُعَارَضَةُ، وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي الْقِيَاسِ، فَالْعِلَّةُ دَلِيلٌ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ. وَقَدْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، فَنَقَلَا الْإِجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِ

стр. 1263

الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا، وَغَلَّطَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْعِنْوَانِ " مُتَمَسِّكًا بِكَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّابِقِ وَمَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ لِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ. انْتَهَى. قُلْت: وَهَذَا لَا يُنَافِي نَقْلَ الْخِلَافِ، فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةٌ فِي الْمَذْهَبِ قَاطِعَةٌ بِذَلِكَ، وَطَرِيقَةٌ حَاكِيَةٌ لِلْخِلَافِ، عَلَى أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ عَكَسَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ، فَقَالَ: الْمَعْرُوفُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَخِلَافُ الصَّيْرَفِيِّ إنَّمَا هُوَ فِي اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِذَا ظَهَرَ مُخَصِّصٌ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ، هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا. وَعَلَى هَذَا فَنَصْبُ الْخِلَافِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ غَلَطٌ بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ: اعْتِقَادُ الْعُمُومِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافِ الصَّيْرَفِيِّ، وَامْتِنَاعُ التَّمَسُّكِ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ إجْمَاعٍ. وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ الِاتِّفَاقَ عَلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ مَعَ إيجَابِ الْبَعْضِ اعْتِقَادَ عُمُومِهِ، إذْ لَا يَظْهَرُ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ إلَّا الْعَمَلَ بِهِ فِعْلًا أَوْ كَفًّا، فَلَوْ قِيلَ: قَاتِلُوا الْكُفَّارَ، أَوْ اُقْتُلُوهُمْ، وَاعْتَقَدْنَا عُمُومَهُ، وَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ فِي قِتَالِهِمْ، حَتَّى يَأْتِيَ الْمُخَصِّصُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِي الْحَالَيْنِ،

стр. 1264

وَمِمَّنْ نَصَبَ فِيهِمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " فَقَالَ: هَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا؟ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: يَجِبُ الْأَخِيرُ، وَقَدْ سَبَقَ تَوَهُّمُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصَ النَّقْلِ عَنْهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ ": يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا فِي الْأَزْمَانِ وَالْأَعْيَانِ بِلَا خِلَافٍ، وَهَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَأَيْضًا فَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ فِي النَّقْلِ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ، وَمَعَ الْجَزْمِ بِالْعُمُومِ يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّمَسُّكُ بِهِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ فِي مَنْعِ التَّمَسُّكِ بِهِ، وَكَيْفَ تُجْعَلُ مَسْأَلَةُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ غَيْرَ مَسْأَلَةِ جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ هُوَ لَازِمُهُ،، وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ، وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ مِنْ وُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ، ثُمَّ حِينَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ، فَإِنَّهُ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ أَغْلَظَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَوْلَ فِيهِ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً فَإِنَّ لَهُ وَجْهًا وَجِيهًا. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": هُمَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْعَمَلِ، وَالْحَقُّ فِيهَا مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ، وَالْعَمَلَ مَقْطُوعٌ بِهِ. وَثَانِيَتُهُمَا: عِنْدَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْغَزَالِيِّ، وَالْحَقُّ فِيهَا مَا اخْتَارَهُ. وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ دُونَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ. وَأَمَّا الْخِلَافُ الْمَحْكِيُّ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ فَهُوَ حُكْمُ مُقْتَضَى الْعُمُومِ ابْتِدَاءً، وَيَعْتَمِدُ عَلَى ظُهُورِ التَّخْصِيصِ ابْتِدَاءً، وَالْخِلَافُ فِي الْعَامِّ فِي إجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَفِي الْخَاصِّ فِي إجْرَائِهِ

стр. 1265

عَلَى حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِقْصَاءَ عَنْ الْمُخَصِّصِ أَوْجَبَ الْبَحْثَ عَنْ الْمُقْتَضَى بِحَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ. وَهَكَذَا جَعَلَ الْهِنْدِيُّ خِلَافَ الصَّيْرَفِيِّ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ. قَالَ: فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ مَعَ الْجَزْمِ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ عِنْدَ جَمْعٍ كَالْقَاضِي، وَمَعَ ظَنِّهِ عِنْدَ آخَرِينَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وَهُوَ الْأَوْلَى، انْتَهَى. وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ وَالْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ لَا، وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَسْتَقِيمُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إذَا حَضَرَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ، فَقَدْ يَقْطَعُ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ لِقَرَائِنَ تَتَوَفَّرُ عِنْدَهُ، فَيَصِيرُ الْعَامُّ كَالنَّصِّ، وَقَدْ لَا يَقْطَعُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْقَطْعِ، بَلْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ الْعُمُومُ فَيَعْمَلُ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ كَمَا فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ. [الْمَذَاهِبُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْبَحْثُ عَنْ مُخَصِّصٍ] الْأَمْرُ الْخَامِسُ: إذَا أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ عَنْ الْمُخَصِّصِ فَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْبَحْثُ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ حَكَاهَا فِي " الْمُسْتَصْفَى ". أَحَدِهَا: يَكْفِيهِ أَدْنَى نَظَرٍ وَبَحْثٍ كَاَلَّذِي يَبْحَثُ عَنْ مَتَاعٍ فِي بَيْتٍ وَلَا يَجِدُهُ، فَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ. وَالثَّانِي: يَكْفِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالِانْتِفَاءِ عِنْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَحْثِ. وَالثَّالِثِ: لَا بُدَّ مِنْ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ، وَلَا يَكْفِي الظَّنُّ. وَرَابِعِهَا: لَا بُدَّ مِنْ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْأَدِلَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي،

стр. 1266

وَالْقَطْعُ بِهِ مُمْكِنٌ، وَمَنَعَ غَيْرُهُ ذَلِكَ الْإِمْكَانَ، لِأَنَّ غَايَةَ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُودِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ إلَّا الظَّنُّ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لَا الْقَطْعُ بِعَدَمِهِ، لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْأَدِلَّةِ، وَاحْتِمَالِ الشُّذُوذِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَكْفِي عَدَمُ وُجْدَانِ الْمُخَصِّصِ لِمُجْتَهِدٍ سَابِقٍ، وَلَا قَوْلُهُ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ خَاصًّا لَنَصَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ دَلِيلًا لِلْمُكَلَّفِينَ وَلْيَكْفِهِمْ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ الْمُعْتَقِدَ أَيْضًا لَا يُجَوِّزُ النَّقِيضَ وَإِلَّا لَكَانَ ظَانًّا، لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الْمُعْتَقِدَ عَلَى الثَّالِثِ يَكُونُ مُصِيبًا فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْغَلَطُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْقَاضِي يَرَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا فِي الشَّرِيعَةِ، قَالَهُ الْإِبْيَارِيُّ وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ الْأَوَّلُ، فَقَالَ: عَلَيْهِ تَحْصِيلُ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِاسْتِقْصَاءِ الْبَحْثِ، أَمَّا الظَّنُّ فَبِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ فَبِانْتِفَائِهِ فِي حَقِّهِ يَتَخَيَّرُ عَنْ نَفْسِهِ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ بَذْلِ وُسْعِهِ، وَهَذَا الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَابَرَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ وَكُلُّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ. وَيَجْتَمِعُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ، فَقَدْ قَالَ: الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ كِلَاهُمَا فِي الْأَقْضِيَةِ: لَيْسَ لِزَمَانِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ بِمَا يُؤَدِّي الِاجْتِهَادُ إلَيْهِ مِنْ الرَّجَاءِ وَالْإِيَاسِ وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ: لَيْسَ لِمُدَّةِ الْبَحْثِ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ، وَلَكِنَّهَا مَعْقُولَةٌ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا فِي الْحَادِثَةِ يَجْتَهِدْ حَتَّى يَجِدَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَتْلُو آيَةً بِلَفْظٍ عَامٍّ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا سَمَاعًا فَلَعَلَّهُ اسْتَثْنَى عَقِبَ الْكَلَامِ. فَإِذَا اسْتَوْعَبَهَا، وَلَمْ يَجِدْ فِيهَا اسْتِثْنَاءً وَلَا خُصُوصًا اعْتَقَدَ عُمُومَهَا، وَعَمِلَ بِمَا يُوجِبُهُ لَفْظُهَا.

стр. 1267

وَلَيْسَ لِمُدَّةِ الِاسْتِمَاعِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، وَلَكِنْ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ، فَكَذَلِكَ مَنْ سَمِعَ آيَةً عَامَّةً نَظَرَ، وَلَا مُدَّةَ لِنَظَرِهِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانٍ يَخْطُرُ بِبَالِهِ مَا قَدْ عَلِمَهُ مِنْ الْأُصُولِ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِهَا وَاحْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ أَجْرَاهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ سَأَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا أَوْ ازْدَادَ فِي التَّأَمُّلِ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْأُصُولِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِهِ عَلَى خُصُوصٍ إنْ كَانَ فِيهَا كَمَا سَأَلَ الصَّحَابَةُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] وَقَالُوا أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وَسَأَلُوا النَّبِيَّ ﵇ عَنْ قَوْلِهِ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَهُ كَرِهَ لِقَاءَهُ» فَقَالُوا أَيُّنَا لَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ فَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ الْمَعْنَى. وَلَيْسَ كُلُّ مَا قَدَرَ حَصْرُهُ بِمِقْدَارٍ، تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا تَقُولُ فِي التَّوَاتُرِ: أَنْ يَكُونَ عَدَدًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، قَالَ: وَفِي ذَلِكَ إبْطَالُ قَوْلِ مَنْ نَظَرَ إلَى إبْطَالِ النَّظَرِ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ لِجَهْلِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا النَّظَرُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ ": وَلَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ أَبَدًا؛ بَلْ هُوَ كَالْحَاكِمِ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ دُونَ التَّكْرَارِ، كَالْمُجْتَهِدِ تَنْزِلُ بِهِ الْحَادِثَةُ. قَالَ الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": الْمُوجِبُونَ لِلْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ، إنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ نَظَرِهِ فِيمَا تَأَخَّرَ مِنْ النُّصُوصِ، أَوْ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ مُرَاجَعَتُهُ مِمَّا سَتَعْرِفُهُ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ

стр. 1268

التَّوَقُّفَ حَتَّى يَقَعَ عَلَى مَا لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ النُّصُوصِ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ مَعَ قُرْبِ الْمُرَاجَعَةِ فَلَا يَصِحُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ مَا بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْبَحْثِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْبِلَادِ عَمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ إنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتْ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ مُمْكِنَةً لِكُلِّ أَحَدٍ حَصَلَتْ لَهُ أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ، لِأَنَّا أَوَّلًا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّلَاعَهُ عَلَى جُمْلَةٍ مِنْ النُّصُوصِ زَائِدَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ. انْتَهَى. [مَثَارَ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ مُخَصِّصٍ أَمْرَانِ] [مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ] الْأَمْرُ السَّادِسُ: أَنَّ مَثَارَ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْبَحْثِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ. وَالثَّانِي: عَدَمُ الْمُخَصِّصِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْعُمُومِ أَوْ التَّخْصِيصُ مِنْ بَابِ الْمُعَارِضِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ يُؤْخَذَانِ مِمَّا سَبَقَ، وَكَمَا فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَالصَّيْرَفِيُّ يَقُولُ: إنَّ التَّخْصِيصَ مَانِعٌ [فَ] يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ مَا لَمْ يَنْتَهِضْ الْمَانِعُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَابْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ: عَدَمُهُ شَرْطٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ: صِيَغُ الْعُمُومِ لَا تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِيعَابِ، إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ، وَانْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ شَرْطٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ، هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ صِيغَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وَالتَّجَرُّدُ لَمْ يَثْبُتْ، قَالَ: وَهَذَا كَمَا تَقُولُ: إذْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ السُّؤَالُ عَنْ عَدَالَتِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا قَبْلَ السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَانِ مَعَ الْعَدَالَةِ، لَا الشَّاهِدُ فَقَطْ. انْتَهَى.

стр. 1269

[هَلْ يُؤَوَّلُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ فِي الْمُخَصِّصِ إلَى الْقَوْلِ بِالْوُقُوفِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ] الْأَمْرُ السَّابِعُ: يَلْزَمُ عَلَى الْمُصَحِّحِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورِ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّا لَمْ نَعْتَقِدْ أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ حَتَّى يَبْحَثَ عَنْ الْمُخَصِّصِ، فَقَدْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ، وَصَارَ إلَى مَذْهَبِ الْوَاقِفِيَّةِ. وَعَلَى هَذَا جَرَى ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ مِنْ الْوَاقِفِيَّةِ، فَقَالَ: غَلِطَ عَلَيْنَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمَذْهَبَيْنِ يَفْتَرِقَانِ، فَإِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِي الْعُمُومَ إذَا عَدِمَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: بِدَلَالَةِ غَيْرِ نَفْسِ الْكَلَامِ، قَالَ: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا؛ بَلْ نَقُولُ: اللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ، وَلَا نَهْجُمُ عَلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِتَبَيُّنٍ وَبَحْثٍ، فَإِنْ وَجَدْنَا مَا يَخُصُّهُ عَمِلْنَا بِعُمُومِهِ، وَرَجَعْنَا إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ بِالْقَرِينَةِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": بِنَاءُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى حَرْفٍ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ عِنْدَنَا يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِغْرَاقِ، وَالْقَوْلِ بِالْوَقْفِ، وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُفْضِي إلَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا اخْتَارَ هُوَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْوَاقِفِيَّةِ قَدْ اتَّفَقَ عَلَى تَرْكِ الْهُجُومِ عَلَى إمْضَاءِ الْكَلَامِ عَلَى الْعُمُومِ قَبْلَ الْبَحْثِ، إلَّا أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِيهِ عَلَى عُمُومِهِ إذَا عَدِمَ الدَّلَائِلَ الْخَاصَّةَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَالْوَاقِفِيَّةِ يَقُولُونَ لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ عَلَى خُصُوصِ حُكْمِ الِاسْتِيعَابِ. قَالَ إلْكِيَا فِي " الْمَدَارِكِ ": ظَنَّ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُوَافِقُهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَلْفَاظُ تُطْلَقُ وَالْقَصْدُ مِنْهَا الْمَعَانِي الَّتِي تَحْتَهَا، فَيَكُونُ الْكَلَامُ عَامًّا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، وَقَدْ يَكُونُ عَامَّ اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، فَإِذَا وَرَدَ فِي الْكَلَامِ نَظَرْنَا، فَإِذَا كَانَ هُنَاكَ دَلَائِلُ تَدُلُّ

стр. 1270

عَلَى أَنَّهُ لِمَعْنًى دُونَ مَعْنًى صُيِّرَ إلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا أُجْرِيَ عَلَى عُمُومِهِ. قَالَ: وَذَكَر الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " مَا يُومِئُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَ الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. عَلَى وُجُوبِ طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَوَاقِعِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَكِلْهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ. قَالَ: وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ، لِأَنَّ أَبَا الْحَسَن يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، وَالظَّاهِرُ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَالظَّنُّ إنَّمَا يَنْتَفِي بِالْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصَاتِ، وَالْوَاقِفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ عَامًّا لَا ظَاهِرًا وَلَا نَصًّا انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ عَلَى التَّخْصِيصِ لَيْسَ هُوَ بِقَوْلِ الْوَقْفِ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ طَلَبُوا مَا يُمْنَعُ إجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا مَا يُوجِبُهُ عَمِلُوا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَأَصْحَابُ الْوَقْفِ طَلَبُوا دَلِيلَهُ الَّذِي يُبَيِّنُ مُرَادَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا لَمْ يَعْمَلُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ هَذَا بِآيِلٍ إلَى قَوْلِ الْوَقْفِ فِي الصِّيَغِ كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ: إذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْأُصُولِ مَا يَخُصُّهُ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ، فَافْتَرَقَا. وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": نَحْنُ نُفَارِقُ الْوَاقِفِيَّةَ فِي الصِّيَغِ مِنْ وِجْهَتَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّا إذَا لَمْ نَجِدْ فِي الْأُصُولِ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ أُجْرِيَ اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ. وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، لَكِنْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّا نَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِإِخْرَاجِ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ، وَالْأَشْعَرِيُّ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِمَعْرِفَةِ مَا هُوَ مُرَادٌ بِاللَّفْظِ، فَهُوَ لِبَيَانِ الْمُحَالِ دُونَ بَيَانِ الْعُمُومِ.

стр. 1271

[تَقْسِيمُ الصَّيْرَفِيِّ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ] الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ قَسَّمَ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، فَحُكْمُهُ الْعُمُومُ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَخُصُّهُ الدَّلِيلُ، وَلَا يُتْرَكُ شَيْءٌ يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إلَّا لَزِمَ حُكْمُهُ. الثَّانِي: مَا لَا يَقْدِرُ الْمُخَاطَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمُومِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا وَقَفَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، إذْ الْكُلُّ مَعْجُوزٌ عَنْهُ كَقَوْلِنَا: لَا تَنَامُوا، وَلَا تَأْكُلُوا، وَلَا تَشْرَبُوا، فَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِيهِ دَائِمًا، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّوَقُّفِ لِلْعَجْزِ عَنْ دَوَامِ ذَلِكَ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْظَرُهَا، أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ مِنْ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَبَدًا، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ. هَذَا كَلَامُهُ. [الْبَحْثُ عَنْ مُخَصِّصٍ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ] الْأَمْرُ التَّاسِعُ: أَطْلَقُوا الْخِلَافَ لِيَشْمَلَ مَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ؛ وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ " عُدَّةِ الْعَالِمِ " لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: إنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إنْ اقْتَضَى عَمَلًا مُؤَقَّتًا وَضَاقَ الْوَقْتُ: عَنْ طَلَبِ الْخُصُوصِ، فَهَلْ يَعْمَلُ بِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ؟ قَالَ: فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا. وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا سَبَقَ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هَلْ يُقَلِّدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ؟ جَوَّزَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَضَاءُ وَأَوْلَى. وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي الْقَضَاءِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِهِ فَقِيَاسُهُ طَرْدُهُ فِي الْفَتْوَى. الْأَمْرُ الْعَاشِرُ: أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ لَا يَخْتَصُّ بِالْعُمُومِ، بَلْ يَجْرِي فِي لَفْظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذَا وَرَدَا مُطْلَقَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ "، وَكَذَلِكَ الْحَقِيقَةُ إذَا

стр. 1272

وَرَدَتْ: هَلْ يُطْلَبُ لَهَا مَجَازٌ أَمْ لَا؟ وَعَمَّمَهُ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي كُلِّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ، فَهُوَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِعِلَّةٍ تُحِيلُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقَدِحَ فَرْقٌ، فَعَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ الْفَوَارِقِ جَهْدَهُ، وَنَفْيِهَا، ثُمَّ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ. انْتَهَى. لَكِنْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ طَلَبُ الْمَجَازِ، وَإِنْ وَجَبَ عِنْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ الْبَحْثُ عَنْ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إلَى الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ اسْتِدْلَالِ الْبَيْضَاوِيِّ فِي " الْمَنَاهِجِ "، وَسَبَقَ فِي بَحْثِ الْحَقِيقَةِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّوَقُّفِ لِأَجْلِ طَلَبِ التَّخْصِيصِ خَاصَّةً، وَأَمَّا الْإِمْضَاءُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَعْلِيقِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: إنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَقَّفُ فِي أَحْوَالِ الشُّهُودِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ لِطَلَبِ الْجُرْحِ أَوْ طَلَبِ الْعَدَالَةِ وَجْهَانِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعُمُومِ إذَا وَرَدَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: ظَاهِرُ الِاسْتِغْرَاقِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتَوَقَّفُ فِيهِ طَلَبًا لِلتَّخْصِيصِ لَا طَلَبًا لِلْإِمْضَاءِ. انْتَهَى. وَبِهَذَا التَّصْوِيرِ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِذَا انْضَمَّ إلَى مَا سَبَقَ خَرَجَ فِي الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ.

стр. 1273

[مَسْأَلَةٌ الصُّورَةُ النَّادِرَةُ هَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ] اخْتَلَفُوا فِي الصُّوَرِ النَّادِرَةِ هَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا أَوْ لَا، لِأَنَّهَا لَا تَخْطِرُ بِالْبَالِ غَالِبًا؟ وَبَنَى عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى الْفِيلِ، فَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» . وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ قَالَ: فِي " الْبَسِيطِ " فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ: لَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ أَوْ رَأْسٍ مِنْ رَقِيقِهِ، جَازَ دَفْعُ الْخُنْثَى، وَفِي وَجْهٍ لَا يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُهُ. هَذَا لَفْظُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ دُخُولِهَا، فَإِنَّهُ قَالَ الشَّاذُّ يَجِيءُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ. وَلَا يُرَادُ عَلَى الْخُصُوصِ بِالصِّيغَةِ الْعَامَّةِ انْتَهَى. وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الْعُمُومِ، فَقَالَ: إنَّ الْعُمُومَ إذَا وَرَدَ وَقُلْنَا بِاسْتِعْمَالِهِ، فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْغَالِبَ دُونَ الشَّاذِّ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَخْطِرُ بِبَالِ الْقَائِلِ، كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الزِّنَى مِنْ كِتَابِهِ " الْقَبَسِ "، لَكِنْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا أَوْصَى لِعَبْدٍ

стр. 1274

مُبَعَّضٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ، يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ: هَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؟ ثُمَّ قَالَ: وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِإِدْرَاجِ الْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ فِي الْمُهَايَأَةِ أَنَّهَا تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ أَوْ تَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ؟ وَفِيمَا إذَا عَمَّتْ الْهِبَاتُ وَالْوَصَايَا فِي قُطْرٍ أَنَّهَا تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ كَالْأَكْسَابِ الْعَامَّةِ، أَوْ هِيَ عَلَى الْخِلَافِ؟ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا النُّدُورُ. انْتَهَى. وَيَجِيءُ مِثْلُ هَذَا فِيمَا لَوْ عَمَّ بَعْضُ النَّادِرِ فِي قُطْرٍ، هَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ؟ وَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: إنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَاهُ، وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِهِ. وَإِنَّمَا حَكَوْا فِي بَابِ التَّأْوِيلِ الْخِلَافَ فِي تَنْزِيلِ الْعَامِّ عَلَى الصُّورَةِ النَّادِرَةِ بِخُصُوصِهَا، فَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ: أَنَّ الصُّورَةَ النَّادِرَةَ بَعِيدَةٌ عَنْ الْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمَقَالِ، وَلَا تَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِكَوْنِهَا غَيْرَ مَقْصُودَةٍ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ. قَالَ: وَبَنَى عَلَى هَذَا أَصْحَابُنَا كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ: مِنْهَا: أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا حَمْلَ أَبِي حَنِيفَةَ حَدِيثَ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، وَقَالُوا الْمُكَاتَبَةُ نَادِرَةٌ مِنْ نَادِرٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّسَاءِ الْحَرَائِرُ، وَالْإِمَاءُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ

стр. 1275

إلَيْهِنَّ، وَالْمُكَاتَبَاتُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَاءِ، فَلَا يَجُوزُ تَنْزِيلُ الْعَامِّ عَلَيْهَا. وَذَكَرَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا، فَقَالَ: تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالصُّورَةِ النَّادِرَةِ إنْ تَقَدَّمَ عَهْدٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يَبْعُدْ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّمَا رَجُلٍ دَخَلَ الدَّارَ أَكْرِمْهُ، ثُمَّ يَقُولُ: عَنَيْت بِهِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ خَوَاصِّي وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ سَبْقُ عَهْدٍ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِهِ اتِّكَالًا عَلَى احْتِمَالِ اللَّفْظِ الْقَرَائِنَ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ حِكَايَاتٍ وَقَرَائِنَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلَمُ عَنْهُ حَدِيثٌ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ أَخْذُ الْخِلَافِ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا، لِأَنَّ جَوَازَ التَّخْصِيصِ فَرْعُ شُمُولِ اللَّفْظِ. وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إطْلَاقَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: لَا يَتَبَيَّنُ لِي فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَكَيْفَ يُقَالُ: لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْخُطُورِ بِبَالِ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَاتِهَا، فَإِذَا كَانَتْ عَوَائِدُهُمْ إطْلَاقَ الْعَامِّ الَّذِي يَشْمَلُ وَضْعًا، صُورَةً لَا تَخْطِرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ غَالِبًا بِبَالِهِمْ، فَوَرَدَ ذَلِكَ الْعَامُّ فِي كَلَامِ الْبَارِي تَعَالَى، قُلْنَا: إنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ تِلْكَ الصُّورَةَ، لِأَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ عَلَى أُسْلُوبِ [الْعَرَبِ] فِي مُحَاوَرَاتِهَا وَعَادَاتِهَا فِي الْخِطَابِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْمُسَابَقَةِ: كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْعَامِّ مَا خَطَرَ لَا لِلَّافِظِ بِهِ حِينَ النُّطْقِ بِهِ، وَهَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي قَوْلِهِ ﵇ إذَا قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ عَنْ وَحْيٍ وَاجْتِهَادٍ، أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ عَنْ وَحْيٍ، فَلَا يَظْهَرُ اعْتِبَارُهُ، لِأَنَّ مُوحِيَهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ. وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ.

стр. 1276

الثَّانِي: أَطْلَقُوا هَذَا الْخِلَافَ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَدُومَ، فَإِنْ دَامَ دَخَلَ قَطْعًا، لِأَنَّ النَّادِرَ الدَّائِمَ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ. ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ فِيمَا ظَهَرَ انْدِرَاجُهُ فِي اللَّفْظِ، وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْمَعْنَى، أَمَّا إذَا سَاعَدَهُ فَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ فِيهِ بِالدُّخُولِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ مِنْ نَفْسِهِ، وَبِالْعَكْسِ، هَلْ يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: لَا فَإِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْخَبَرُ، وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَالْوَلِيُّ قَدْ تَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا الثُّبُوتُ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ مُحَقَّقٌ، وَغَرَضُ الشَّارِعِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالذِّكْرِ إجْرَاءً لِلْكَلَامِ عَلَى الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ، كَذَا وَجَّهَهُ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ ". [مَسْأَلَةٌ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ دَلِيلُ الْعَقْلِ مِنْ دُخُولِهِ] مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ دَلِيلُ الْعَقْلِ مِنْ دُخُولِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: اضْرِبْ كُلَّ مَنْ فِي الدَّارِ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ مَرْجِعَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُ، إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ يُوجِبُ إخْرَاجَهُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْهُ لِسُقُوطِهِ فِي نَفْسِهِ، وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [مَسْأَلَةٌ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ الصُّوَرُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ] مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ الصُّوَرُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا

стр. 1277

الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " وَقَالَ: ذَهَبَ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا إلَى وُجُوبِ وَقْفِ الْعُمُومِ عَلَى مَا قَصَدَ بِهِ، وَأَنْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ تَقْتَضِيهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ الْوَقْفِ فِيهِ، وَوُجُوبِ إجْرَائِهِ عَلَى مُوجِبِهِ لُغَةً. قَالَ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَلَى إبَاحَةِ كُلِّ نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ، أَوْ شُرْبِ بَعْضِ مَا يَخْتَلِفُ فِي شُرْبِهِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ لَا يَحْرُمُ بَعْدَ النَّوْمِ نَسْخًا لِمَا تَقَدَّمَ. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] الْآيَةَ، عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي نَذْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ أَوْ نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ فِي تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ، وَكَذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالْخِطَابِ الْخَارِجِ عَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهِ. قُلْت: وَسَتَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِ " الْعَامِّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ، وَالذَّمُّ هَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ لَا؟ فَهِيَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ هَذِهِ، فَيُعَابُ عَلَى مَنْ ذَكَرَهُمَا فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ إلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ، وَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى وَقْفَهُ عَلَى مَا قَصَدَ بِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، وَلِهَذَا مَنَعَ الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ مَنَعَ التَّمَسُّكَ فِي الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] لِأَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا، وَإِنَّمَا وَقَعَ هُنَا قَرِينَةَ الذَّمِّ، وَقَرِينَةُ الذَّمِّ أَخْرَجَتْهُ عَنْ الْعُمُومِ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَمِيلُونَ إلَيْهِ، وَيَبْنُونَ عَلَيْهِ أُصُولًا فِي بَابِ

стр. 1278

الْوَقْفِ، وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي " الْفَتَاوَى " أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُعْتَبَرُ، أَعْنِي مَقَاصِدَ الْوَاقِفِينَ فَيَتَخَصَّصُ بِهَا الْعُمُومُ، وَيَعُمُّ بِهَا الْخُصُوصُ. تَنْبِيهٌ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهَا لَا تُتَصَوَّرُ فِي كَلَامِ اللَّهِ الْمُنَزَّهِ عَنْ الْغَفْلَةِ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ، قَالَ بِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ اللَّهِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا. وَجَوَابُهُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَرَبِيُّ بِلَفْظٍ عَامٍّ عَلَى قَصْدِ التَّعْمِيمِ مَعَ ذُهُولِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا مُعْتَادًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، كَذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَكُونَانِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ سِيبَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ الرَّجَا " بِلَعَلَّ، وَعَسَى "، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ ذَلِكَ نَزَلَ مُرَاعَاةً لِلُغَتِهِمْ. قَاعِدَةٌ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّأْوِيلِ، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ تَقْسِيمًا نَافِعًا، وَزَادَهُ وُضُوحًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ بِوَضْعِ اللُّغَةِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ. إحْدَاهَا: مَا ظَهَرَ. مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى اللَّفْظِ مَقَالِيَّةٍ أَوْ حَالِيَّةٍ بِأَنْ أَوْرَدَ مُبْتَدَأً لَا عَلَى سَبَبٍ، لِقَصْدِ تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ، فَلَا إشْكَالَ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى عُمُومِهِ. قَالَ إلْكِيَا: وَالْقَرَائِنُ إمَّا أَنْ تَنْشَأَ عَنْ غَيْرِ اللَّفْظِ

стр. 1279

كَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالتَّعْلِيلِ، فَإِنَّهُ أَمَارَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِمَّا أَنْ يَنْشَأَ مِنْ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَنَظْمِهِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ مِنْهُ قَصْدُ الْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» بَعْدَ أَنْ قَسَّمَ الْبَابَيْنِ قِسْمَيْنِ. الثَّانِيَةُ: مَا يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ فِيهِ التَّعَرُّضُ لِحُكْمٍ آخَرَ، وَأَنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ قَصْدِ الْعُمُومِ، فَهَلْ يَتَمَسَّكُ بِعُمُومِهِ، إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إرَادَةِ اللَّفْظِ بِغَيْرِهِ؟ أَوْ يُقَالُ: لَا، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ مُجْمَلٌ، فَيَتَبَيَّنُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى فِيهِ؟ قَوْلَانِ. قَالَ إلْكِيَا: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ [التوبة: ٣٤] ، لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا وَضَعَتْ لِلْوَعِيدِ لَفْظًا أَحْسَنَ مِنْهُ. وَمَثَّلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ بَيَانُ قَدْرِ الْمُخْرَجِ، لَا قَدْرِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا

стр. 1280

دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ» ، فَهَذَا لَا عُمُومَ لَهُ فِي قَصْدِهِ، وَالْحَنَفِيُّ يَحْتَجُّ بِهِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحَرْثِ، سَوَاءٌ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ، وَالسِّيَاقُ لَا يَقْتَضِيهِ. قَالَ الشَّيْخُ: وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ أَضْعَفُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا قُصِدَ بِهِ، وَمَرَاتِبُ الضَّعْفِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ وَتَعَيُّنِ الْمَقْصُودِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَرَائِنَ، وَتَضْعُفُ تِلْكَ الْقَرِينَةُ عَنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْعُمُومِ، وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ يَخْرُجُ عَنْهُ بِذَلِكَ قَرِينَةُ الْحَالِ، لَا يَكُونُ فِي قَرِينَةِ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ الْعُمُومُ عَنْ الْمَقْصُودِ، وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ الَّتِي حَكَى فِيهَا الْخِلَافَ فِي وَقْفِ الْعُمُومِ عَلَى الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ. الثَّالِثَةُ: مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَرِينَةٌ زَائِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ وَلَا عَلَى عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] فَيَحْتَجُّ بِهِ عَلَى إبْطَالِ شِرَاءِ

стр. 1281

الْكَافِرِ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ نَفْيُ السَّبِيلِ قَطْعًا وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُرَادَ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَالْمَنْعُ مِنْهُ ظَاهِرٌ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْوَاجِبُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنَّهُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسِ اتِّبَاعِ الْأَرْجَحِ فِي الظَّنِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ الْقَاضِي. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ لِلْإِجْمَالِ أَقْرَبُ مِنْ الْعُمُومِ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] فِي التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى إيجَابِ الْوِتْرِ، وَبِالْآيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، وَكَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] ، فَإِنَّ إيجَابَ الْقِصَاصِ تَسْوِيَةٌ. قَالَ: فَلَفْظُ الْخَيْرِ وَالسَّبِيلِ وَالِاسْتِوَاءِ إلَى الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ. قَالَ: وَلَيْسَ مِنْهُ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، خِلَافًا لِقَوْمٍ مَنَعُوا التَّمَسُّكَ بِعُمُومِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ صِيغَتَهُ عَامَّةٌ، لِأَنَّهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ السَّبِيلِ وَالْخَيْرِ وَالِاسْتِوَاءِ، نَعَمْ تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أَنَّهُ عَامٌّ أَوْ مُجْمَلٌ؟ وَسَنَذْكُرُهُ ذَيْلَ الْكَلَامِ فِي تَعْمِيمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ.

стр. 1282

[فَصْلٌ فِي تَقْسِيمِ صِيَغِ الْعُمُومِ] الَّذِي يُفِيدُ الْعُمُومَ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَوْ الْعُرْفِ أَوْ الْعَقْلِ. [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: صِيَغُ الْعُمُومِ الَّتِي تُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً] وَالْأُولَى: عَلَى ضَرْبَيْنِ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا لَهُ أَوْ بِوَاسِطَةِ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ بِهِ. وَالْأَوَّلُ: أَعْنِي الَّذِي يَدُلُّ بِنَفْسِهِ نَوْعَانِ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمْعِ الْمَفْهُومَاتِ كَلَفْظِ " كُلِّ، وَجَمِيعِ، وَأَيِّ " فِي حَالِ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ؛ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَامِلًا لِلْكُلِّ، فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّصَ بِأُولِي الْعِلْمِ كَلَفْظِ " مَنْ " شَرْطًا أَوْ اسْتِفْهَامًا، فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعُقَلَاءِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِمْ لِلتَّغَلُّبِ أَوْ غَيْرِهِ؛ وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِ الْعَالَمِينَ، فَإِمَّا أَنْ يَعُمَّهُمْ أَوْ يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ؛ وَالْأَوَّلُ " مَا " الِاسْمِيَّةُ، فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا كَانَتْ مَعْرِفَةً، نَحْوُ هَاتِ مَا رَأَيْت، فَتُفِيدُ الْعُمُومَ فِيمَا عَدَا الْعَالَمِينَ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمَادِ وَالْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: إنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْعَالَمِينَ أَيْضًا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] وَنَحْوِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَخْتَصَّ عُمُومُ بَعْضِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْأَمْكِنَةِ. نَحْوُ: أَيْنَ تَجْلِسْ أَجْلِسْ، وَمِنْهُ " حَيْثُ "، أَوْ بِالْأَزْمِنَةِ نَحْو: مَتَى تَقُمْ أَقُمْ. الثَّانِي: مَا يُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً لَا بِالْوَضْعِ، بَلْ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ، فَهُوَ إمَّا فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ كَ " لَامِ " التَّعْرِيفِ الَّتِي لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ، وَلَامُ التَّعْرِيفِ

стр. 1283

إنَّمَا تُفِيدُ الْجِنْسَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجُمُوعِ أَوْ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ، وَالْجَمْعِ الْمُضَافِ لِهَذَيْنِ، نَحْوُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِمَّا فِي جَانِبِ الْعَدَمِ، وَهِيَ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الَّذِي يُفِيدُ الْعُمُومَ عُرْفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهُ يُفِيدُ فِي الْعُرْفِ تَحْرِيمَ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الَّتِي تُفْعَلُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ مُجَرَّدِ اللُّغَةِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الَّذِي يُفِيدُهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِهَا: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ وَلِعِلَّتِهِ. إمَّا بِصَرَاحَتِهِ وَإِمَّا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِيمَاءَاتِ، فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ أَيْنَمَا ثَبَتَ الْعِلَّةُ. وَثَانِيهِمَا: مَا يُذْكَرُ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ، كَمَا إذَا سُئِلَ عَمَّنْ أَفْطَرَ، فَقِيلَ: مَنْ أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، فَيَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مُفْطِرٍ عَلَيْهِ مِثْلُهَا. ثَالِثِهَا: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِمَفْهُومٍ عَلَى أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ لَيْسَ بِظُلْمٍ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ، وَلَا يَخْلُو

стр. 1284

بَعْضُهُ عَنْ نِزَاعٍ وَلَيْسَ شَامِلًا لِجَمِيعِ الصِّيَغِ كَمَا سَيَأْتِي سَرْدُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ " مَنْ وَمَا " لَا يُفِيدَانِ أَيْضًا الْعُمُومَ إلَّا بِاسْتِضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِمَا، إمَّا الصِّلَةِ إنْ كَانَتَا مَوْصُولَيْنِ، أَوْ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُمَا إنْ كَانَتْ اسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ، أَوْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ إنْ كَانَا لِلشَّرْطِ، وَلَوْ نَطَقَ وَاحِدٌ " بِمَنْ، وَمَا " وَحْدَهَا، لَمْ يُفِدْ كَلَامُهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ " كُلُّ، وَجَمِيعُ " فَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَةِ لَفْظٍ إلَيْهِمَا حَتَّى يَحْصُلَ الْعُمُومُ. وَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَجِيبٌ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إفَادَةُ الْعُمُومِ عَلَيْهِمَا، إنَّمَا يَتَوَقَّفُ مُطْلَقُ الْإِفَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِصِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ بِجَمِيعِ التَّرَاكِيبِ. وَذَكَرَ النَّقْشَوَانِيُّ فِي مُلَخَّصِهِ " أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْعُمُومِ لَا يَخْرُجُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةٍ " كَجَمِيعِ، وَكُلِّ، وَمَتَى، وَمَا " وَإِمَّا بِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ كَالْمُعَرَّفِ بِ " لَامِ " الْجِنْسِ مِنْ الْجُمُوعِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، أَوْ بِزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ يَعْنِي عَنْ الْكَلِمَةِ أَوْ بِ " لَا " النَّافِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ النَّفْيِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قِسْمَانِ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَجْمُوعًا وَالْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ أَوْ لَا كَالنِّسَاءِ، وَإِمَّا عَامٌّ بِمَعْنَاهُ فَقَطْ، بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا مُسْتَوْعَبًا لِكُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ عَامٌّ بِصِيغَةٍ فَقَطْ، إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِ الْمَعْنَى، وَهَذَا الْعَامُّ مَعْنَاهُ: إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَجْمُوعَ الْأَفْرَادِ " كَالْقَوْلِ وَالرَّهْطِ "، وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ نَحْوُ " مَنْ، وَمَا ".

стр. 1285

[الصِّيغَةُ الْأُولَى كُلُّ] ُّ " وَمَدْلُولُهَا الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى النَّكِرَةِ، أَوْ الْأَجْزَاءِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ، وَمِنْهُ الْإِكْلِيلُ لِإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ، وَالْكَلَالَةُ لِإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَمَعْنَاهَا التَّأْكِيدُ لِمَعْنَى الْعُمُومِ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَيْسَ بَعْدَهَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ مِنْهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ مُبْتَدَأً بِهَا أَوْ تَابِعَةً، تَقُولُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَجَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ بِهِ عَامٌّ. وَهِيَ تَشْمَلُ الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ، وَالْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ، وَالْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعَ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ أَقْوَى صِيَغِ الْعُمُومِ، وَتَكُونُ فِي الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. تَقُولُ: كُلُّ النَّاسِ، وَكُلُّ الْقَوْمِ، وَكُلُّ رَجُلٍ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ: كُلُّ رِجَالٍ، فَأَقَامُوا رَجُلًا مَقَامَ رِجَالٍ، لِأَنَّ رَجُلًا شَائِعٌ فِي الْجِنْسِ. وَالرِّجَالُ الْجِنْسُ، وَلَا يُؤَكَّدُ بِهَا الْمُثَنَّى اسْتِغْنَاءً عَنْهُ " بِكِلَا، وَكِلْتَا " وَلَا يُؤَكَّدُ بِهَا إلَّا ذُو أَجْزَاءَ، فَلَا يُقَالُ: جَاءَ زَيْدٌ كُلُّهُ، قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: وَالضَّابِطُ أَنَّهَا إمَّا أَنْ تُضَافَ لَفْظًا، أَوْ تُجَرَّدَ عَنْ الْإِضَافَةِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ فَإِمَّا إلَى مَعْرِفَةٍ أَوْ إلَى نَكِرَةٍ، فَهَذِهِ أَقْسَامٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ تُضَافَ إلَى النَّكِرَةِ، فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ، فِيمَا لَهَا مِنْ ضَمِيرٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهَا مُفْرَدًا فَمُفْرَدًا وَمُثَنَّى

стр. 1286

فَمُثَنًّى، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] . وَمَعْنَى الْعُمُومِ فِي هَذَا الْقِسْمِ كُلُّ فَرْدٍ لَا الْمَجْمُوعُ، فَإِذَا قِيلَ: كُلُّ رَجُلٍ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ الرِّجَالِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ لِلْجُزْئِيَّاتِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ النَّكِرَةِ، قَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَازِمًا، كَقَوْلِهِ: «كُلُّ مُشْرِكٍ مَقْتُولٌ» ، «وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ، وَقَدْ لَا يَلْزَمُ، كَقَوْلِنَا: كُلُّ رَجُلٍ يُشْبِعُهُ رَغِيفٌ. وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا كَانَ فِي جُمْلَتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي جُمْلَةٍ أُخْرَى جَازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى لَفْظِهَا أَوْ عَلَى مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ - وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الجاثية: ٧ - ٩] ، فَرَاعَى الْمَعْنَى فِي الْجَمِيعِ لِكَوْنِهِ فِي جُمْلَةٍ أُخْرَى، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ أَبِي حَيَّانَ عَلَى الْقَاعِدَةِ بِبَيْتِ عَنْتَرَةَ:

стр. 1287

جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ حَيْثُ قَالَ: فَتَرَكْنَ، وَقِيَاسُ مَا قَالُوا: تَرَكَتْ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْعُيُونِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا كُلُّ عَيْنٍ، وَلَا يَعُودُ عَلَى كُلِّ عَيْنٍ لِيُفِيدَ أَنَّ تَرْكَ كُلِّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ نَاشِئٌ عَنْ مَجْمُوعِ الْعُيُونِ، لَا عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ. الثَّانِي: أَنْ يُضَافَ إلَى الْمَعْرِفَةِ، وَالْأَكْثَرُ مَجِيءُ خَبَرِهَا مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥] . وَقَوْلِهِ ﵇ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ» ، وَقَوْلِهِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» وَيَجُوزُ الْجَمْعُ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى. وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَأَنَّ دَلَالَتَهَا فِيهِ كُلِّيَّةٌ، وَاقْتَضَى كَلَامُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ

стр. 1288

وَابْنِ مَالِكٍ أَنَّ مَدْلُولَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَجْمُوعُ فَإِنَّهُ جَوَّزَ فِيهَا اعْتِبَارَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى؛ وَلِهَذَا جَعَلَ صَاحِبُ " الْبَدِيعِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ " كُلَّ الرِّجَالِ " كُلًّا مَجْمُوعِيًّا. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: الْقَائِلُ: كُلَّ حَبَّةٍ مِنْ الْبُرِّ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ، صَحِيحٌ، لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: كُلَّ الْحَبَّاتِ مِنْهُ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ، وَقَدْ اسْتَضْعَفَ هَذَا مِنْهُ، فَإِنَّ " كُلَّ " إذَا أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ جَمْعٍ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي كُلِّ فَرْدٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْثِلَةُ السَّابِقَةُ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ السَّرَّاجِ عَنْ الْمُبَرِّدِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أَخَذْت الْعَشَرَةَ كُلَّهَا، أَنَّ إضَافَةَ " كُلٍّ " إلَى الْعَشَرَةِ كَإِضَافَةِ بَعْضِهَا إلَيْهَا، وَأَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ الْمَعْنَى الْجُزْئِيَّ، وَإِنَّمَا الْكُلُّ اسْمٌ لِأَجْزَائِهِ جَمِيعًا الْمُضَافَةِ إلَيْهِ، وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ السَّرَّاجِ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ الْمُبَرِّدِ، وَكَأَنَّ مُرَادَ ابْنِ السَّاعَاتِيِّ إذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجْمُوعُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلًا: قَوْلُنَا كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ كُلَّ الشَّيْءِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ، وَالثَّانِيَ كُلِّيٌّ مَجْمُوعِيٌّ، فَالْخَلَلُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ تَمْثِيلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِكُلِّ حَبَّةٍ مِنْ الْبُرِّ غَيْرِ مُتَقَوِّمَةٍ، وَكُلُّ الْحَبَّاتِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَهَذَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِخِلَافِ كُلِّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْرِفَةُ مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا، فَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا كَانَتْ لِاسْتِغْرَاقِ أَجْزَائِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْمَجْمُوعُ، وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ قَوْلُنَا: كُلُّ رُمَّانٍ مَأْكُولٌ. وَلَا يَصْدُقُ: كُلُّ الرُّمَّانِ مَأْكُولٌ

стр. 1289

لِدُخُولِ قِشْرِهِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعًا احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ الْمَجْمُوعُ، كَمَا فِي قَوْلِنَا: كُلُّكُمْ يَكْفِيكُمْ دِرْهَمٌ، وَأَنْ يُرَادَ كُلُّ فَرْدٍ كَقَوْلِهِ ﵊: «كُلُّكُمْ رَاعٍ» ، وَلِذَلِكَ فَصَّلَهُ بَعْدُ، فَقَالَ: «السُّلْطَانُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ» وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَكْثَرُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ، وَلَا يَعْدِلُ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَرِينَةٍ. وَإِذَا دَخَلَتْ " كُلُّ " عَلَى مَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأُرِيدَ كُلُّ فَرْدٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ جَمْعٌ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ، فَهَلْ نَقُولُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى بَابِهَا، وَ " كُلُّ " تَأْكِيدٌ لَهَا، أَوْ أَنَّهَا لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ، حَتَّى تَكُونَ " كُلُّ " تَأْسِيسًا لِلْعُمُومِ؟ فِيهِ نَظَرٌ. وَالثَّانِي أَقْرَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ " كُلَّ " إنَّمَا تَكُونُ تَأْكِيدًا إذَا كَانَتْ تَابِعَةً، دُونَهَا إذَا كَانَتْ مُضَافَةً. وَقَدْ يُقَالُ: بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تُفِيدُ الْعُمُومَ فِي مَرَاتِبَ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، وَ " كُلَّ " تُفِيدُ الْعُمُومَ فِي أَجْزَاءِ " كُلٍّ " مِنْ الْمَرَاتِبِ. فَإِذَا قُلْت: كُلَّ الرِّجَالِ، أَفَادَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ اسْتِغْرَاقَ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ جَمْعِ الرَّجُلِ، وَأَفَادَتْ " كُلُّ " اسْتِغْرَاقَ الْآحَادِ، فَيَصِيرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ. وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الْمُفْرَدِ، وَالْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْعُمُومُ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ السَّرَّاجِ فِي الْأُصُولِ. قُلْت: وَلِهَذَا مَنَعَ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى " كُلٍّ "، وَاعْتَرَضَ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: بَدَلَ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: لِمَا لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ عَلَى أَنَّ " كُلَّ " مُؤَكِّدَةٌ، كَمَا هُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْمَجْمُوعِ الْمُعَرَّفِ. قِيلَ: وَمِنْ دُخُولِهَا عَلَى الْمُفْرَدِ الْمَعْرِفَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] ، وَقَوْلُهُ ﵇:

стр. 1290

«كُلُّ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ» وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ قِسْمِ الْمُعَرَّفِ الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْجِنْسُ، فَهُوَ جَمْعٌ فِي الْمَعْنَى، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﵇: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ» . نَعَمْ، إنْ أُرِيدَ بِالنَّاسِ وَاحِدٌ صَحَّ تَمْثِيلُهُ. الثَّالِثُ: أَنْ تُقْطَعَ عَنْ الْإِضَافَةِ لَفْظًا فَيَجُوزُ فِيهَا الْوَجْهَانِ: الْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] . وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَيِّزِهِ كَانَ الْكَلَامُ مَنْفِيًّا، وَاخْتَلَفَ حُكْمُهَا بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَيْهَا وَبَيْنَ أَنْ تَتَقَدَّمَ هِيَ عَلَى النَّفْيِ، فَإِذَا تَقَدَّمَتْ عَلَى حَرْفِ النَّفْيِ نَحْوُ كُلُّ الْقَوْمِ لَمْ يَقُمْ، أَفَادَتْ التَّنْصِيصَ عَلَى انْتِفَاءِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَيْهَا مِثْلُ لَمْ يَقُمْ كُلُّ الْقَوْمِ لَمْ يَدُلَّ إلَّا عَلَى نَفْيِ الْمَجْمُوعِ، وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِانْتِفَاءِ الْقِيَامِ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ عُمُومَ السَّلْبِ، وَالثَّانِي سَلْبَ الْعُمُومِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ فِيهِ بِالسَّلْبِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، وَالثَّانِي لَمْ يُفِدْ الْعُمُومَ فِي حَقِّ

стр. 1291

كُلِّ أَحَدٍ، بَلْ إنَّمَا أَفَادَ نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ بَعْضِهِمْ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا شَيْءٌ اخْتَصَّتْ بِهِ " كُلُّ " مِنْ بَيْنِ سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ، وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ ﵇: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» ، لَمَّا قَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ (أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ؟ وَقَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ لَهُ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ) ، وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّؤَالَ بِ " أَمْ " عَنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لِطَلَبِ التَّعْيِينِ عِنْدَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى وَجْهِ الْإِبْهَامِ، وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ أَحَدِهِمَا فَالْجَوَابُ إمَّا بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا أَوْ بِنَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَكَانَ قَوْلُهُ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» ، لِنَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّهِ ﷺ ، فَلَوْ كَانَ يُفِيدُ نَفْيَ الْمَجْمُوعِ، لَا نَفْيَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَكَانَ قَوْلُهُ: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ» غَيْرَ مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ جَوَابٌ لَهُ، فَإِنَّ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ يُنَاقِضُهُ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ. وَقَدْ ذَكَرُوا فِي سَبَبِ ذَلِكَ طُرُقًا مِنْهُ: أَنَّ النَّفْيَ مَعَ تَأَخُّرِ " كُلٍّ " مُتَوَجِّهٌ

стр. 1292

إلَى الشُّمُولِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَقَدَّمَتْ فَإِنَّ النَّفْيَ حِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: مِنْ حُكْمِ النَّفْيِ إذَا دَخَلَ عَلَى كَلَامٍ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْكَلَامِ تَقْيِيدٌ عَلَى وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلَى ذَلِكَ التَّقْيِيدِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ، فَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمَعِينَ، كَانَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلَى الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ قَيْدٌ فِي الْإِتْيَانِ دُونَ أَصْلِ الْإِتْيَانِ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: لَمْ يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمِعِينَ، وَكَانَ لَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، لَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَأْتُوكَ أَصْلًا، فَمَا مَعْنَى قَوْلِكَ: مُجْتَمِعِينَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ عَاقِلٌ، وَالتَّأْكِيدُ ضَرْبٌ مِنْ التَّقْيِيدِ. وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِمْ: إنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَى " كُلٍّ " لِسَلْبِ الْعُمُومِ، وَلَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يُنْتَقَضْ النَّفْيُ، فَإِنْ انْتَقَضَ فَالِاسْتِغْرَاقُ بَاقٍ كَالْآيَةِ، وَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ. وَمِنْهُ: مَا كُلُّ رَجُلٍ إلَّا قَائِمٌ، وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّفْيَ لِلْمَجْهُولِ، وَمَا بَعْدَ " إلَّا " لَا تَسَلُّطَ لِلنَّفْيِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ، وَهُوَ فِي الْمُفَرَّغِ مُسْتَنِدٌ لِمَا قَبْلَهَا، وَهُوَ كُلُّ فَرْدٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ دُخُولِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ. الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ النَّهْيِ فِيمَا سَبَقَ حُكْمُ النَّفْيِ، فَإِذَا قُلْت: لَا تَضْرِبْ كُلَّ رَجُلٍ أَوْ كُلَّ الرِّجَالِ، كَانَ النَّهْيُ عَنْ الْمَجْمُوعِ لَا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ. وَلَوْ قُلْت: كُلَّ الرِّجَالِ لَا تَضْرِبْ، كَانَ عُمُومًا فِي السَّلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ كُلَّ رَجُلٍ، إنَّمَا يَحْنَثُ بِكَلَامِهِمْ كُلِّهِمْ، فَلَوْ كَلَّمَ وَاحِدًا لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَهْيًا فَهُوَ فِي حُكْمِهِ. وَقَدْ رَدَّ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]

стр. 1293

﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وَنَظَائِرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ، يَكُونُ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَيَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ كُلِّ وَاحِدَةٍ الْحِنْثُ، وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَتَأَخُّرِهِ. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَا يَخْتَصُّ بِ " كُلٍّ "، بَلْ يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ، كَقَوْلِكَ: لَا تَضْرِبْ الرِّجَالَ، وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ. قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّهْيِ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَجَعَلَ هَذَا وَارِدًا عَلَى قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ، وَلَمْ يَفْصِلُوا فِي النَّفْيِ وَالنَّهْيِ بَيْنَ تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا، وَجَعَلَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إنَّمَا ثَبَتَ الْعُمُومُ فِيهِ لِكُلِّ فَرْدٍ بِقَرِينَةٍ، أَوْ بِجَعْلِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ الْجِنْسِ لَا الْعُمُومِ لِلْقَرِينَةِ وَنَحْوِهِ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ " التِّبْيَانِ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ " فِي صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مَعَ " كُلٍّ " فَقَالَ: إذَا قُلْت: لَا تَضْرِبْ الرَّجُلَيْنِ كِلَيْهِمَا كَانَ النَّهْيُ لَيْسَ بِشَامِلٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: وَلَكِنْ اضْرِبْ أَحَدَهُمَا، وَكَذَلِكَ لَا تَأْخُذْهُمَا جَمِيعًا، وَلَكِنْ خُذْ وَاحِدًا مِنْهُمَا. لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ الْقَرَافِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَعَدَمِهِ

стр. 1294

مِنْ خَصَائِصِ " كُلٍّ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ، بَلْ مَا دَلَّ عَلَى مُتَعَدِّدٍ أَوْ مُفْرَدٍ ذِي أَجْزَاءٍ كَذَلِكَ، فَإِذَا قُلْت: مَا رَأَيْت رِجَالًا، أَوْ مَا رَأَيْت رَجُلَيْنِ، أَوْ مَا أَكَلْت رَغِيفًا أَوْ مَا رَأَيْت رَجُلًا وَعَمْرًا، كُلُّ ذَلِكَ سَلَبَ الْمَجْمُوعَ، لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَقَدَّمَ السَّلْبُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُمْ: إنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ وَقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مُدَّعِيًا أَنَّهَا اقْتَضَتْ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَالْمُسْتَلْزِمُ ذَلِكَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَنْ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ " كُلٌّ " تَأْكِيدًا، بَلْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْإِفْرَادِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ " كُلًّا، وَكُلَّمَا، وَلَا شَيْئًا، وَلَا وَاحِدًا "، وَسَائِرَ كَلِمَاتِ السُّوَرِ، إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الطَّبِيعِيَّةِ لَا فِي الْمُسَوَّرَةِ. الرَّابِعُ: هَذَا حُكْمُهَا فِي النَّفْيِ، وَسَكَتُوا عَنْ حُكْمِهَا فِي الشَّرْطِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقَدُّمَهَا عَلَيْهِ كَتَقَدُّمِهَا عَلَى النَّهْيِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ عَامًّا لِكُلِّ فَرْدٍ، فَإِذَا قُلْت: كُلُّ رَجُلٍ إنْ قَامَ فَاضْرِبْهُ، وَكُلُّ عَبْدٍ لِي إنْ حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ، فَمَنْ حَجَّ مِنْهُمْ عَتَقَ، فَلَوْ قَدَّمْتَ الشَّرْطَ، فَقُلْت: إنْ حَجَّ كُلُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي فَهُمْ أَحْرَارٌ، لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَحُجَّ جَمِيعُهُمْ، وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] . الْخَامِسُ: جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي " كُلٍّ " مِنْ إفَادَتِهَا اسْتِيعَابَ جُزْئِيَّاتِ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ نَكِرَةً أَوْ جَمْعًا مُعَرَّفًا، وَأَجْزَائِهِ إنْ كَانَ مُفْرَدًا مَعْرِفَةً، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً أَوْ تَابِعَةً مُؤَكَّدَةً، مِثْلُ أَخَذْتُ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا، وَجَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ التَّأْكِيدُ، لَكِنَّ الْعُمُومَ فِيهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الصِّيغَةِ الْمُؤَكِّدَةِ، وَ " كُلٌّ " جَاءَتْ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَعَدَمِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ، وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ إذَا وَقَعَتْ مُؤَكَّدَةً بَيْنَ تَقْدِيمِهَا

стр. 1295

عَلَى نَفْيٍ أَوْ تَقْدِيمِ النَّفْيِ عَلَيْهَا، نَحْوُ لَمْ أَرَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ، وَالْقَوْمُ كُلُّهُمْ لَمْ أَرَهُمْ، فَيَكُونُ الْأَوَّلُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ، وَالثَّانِي لِعُمُومِ السَّلْبِ كَمَا إذْ تَقَدَّمَ فِي الْمُضَافَةِ؟ قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا، وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْبَابَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ مِنْ حَقَائِقِ الْمُسْتَقِلَّةِ دُونَ التَّابِعَةِ، وَرَجَّحَ هَذَا لِأَنَّ وَضْعَ التَّأْكِيدِ تَقْرِيرُ السَّابِقِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَيْهِ لَا يَعُمُّ، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْعُمُومِ. قُلْت: لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي " الْبُرْهَانِ " بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ التَّسْوِيَةُ. [اللَّفْظُ الثَّانِي جَمِيعٌ] ٌ " وَمَا يَتَصَرَّفُ مِنْهَا كَأَجْمَعَ وَأَجْمَعُونَ، وَهِيَ مِثْلُ " كُلِّ " إذَا أُضِيفَتْ، وَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ، وَتَكُونُ لِإِحَاطَةِ الْأَجْزَاءِ؛ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ دَلَالَةَ " كُلٍّ " عَلَى كُلِّ فَرْدٍ بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ، بِخِلَافِ " جَمِيعٍ ". وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ " كُلًّا " تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ، وَ " جَمِيعًا " تَعُمُّهَا عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي كِتَابِهِ " النُّكَتِ " أَنَّ الزَّجَّاجَ حَكَاهُ عَنْ الْمُبَرِّدِ. قُلْت: وَإِنَّمَا نَقَلَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَجْمَعِينَ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْخَشَّابِ، وَابْنُ إيَازٍ، وَنَقَلَ ابْنُ بَابْشَاذَ عَنْهُ خِلَافَهُ.

стр. 1296

وَالصَّحِيحُ أَنَّ " أَجْمَعِينَ " لَا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ فِي الزَّمَانِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا جَمَعَ فِي التَّأْكِيدِ بَيْنَ " كُلٍّ " وَ " أَجْمَعَ " فِي أَنَّ التَّأْكِيدَ حَاصِلٌ بِهِمَا مَعًا، أَوْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا الَّذِي أَفَادَهُ الثَّانِي وَرَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ؟ وَإِنْ حَصَلَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَكَيْفَ ذَلِكَ مِنْ الْوَاحِدِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ وَتَقْوِيَتُهُ كَمَا فِي التَّوَابِعِ الْآتِيَةِ بَعْدَ " أَجْمَعَ " إنَّمَا تُفِيدُ تَمْكِينَهُ فِي النَّفْسِ. وَمَنَعَ ابْنُ مَالِكٍ وَالسُّهَيْلِيُّ جَوَازَ تَثْنِيَةِ " أَجْمَعَ "، زَادَ السُّهَيْلِيُّ: وَجَمْعَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى " كُلٍّ " وَهِيَ لَا تُثَنَّى، وَلَا تُجْمَعُ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ سِيدَهْ وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّ " أَجْمَعِينَ " جَمْعُ " أَجْمَعَ "، وَمَنَعَ ذَلِكَ الزَّوْزَنِيُّ فِي شَرْحِ " الْمُفَصَّلِ " وَقَالَ: أَجْمَعُونَ لَيْسَ جَمْعًا لِأَجْمَعَ، وَإِلَّا لَتَنَكَّرَ بِالْجَمْعِ، كَمَا يَتَنَكَّرُ الزَّيْدُون؛ بَلْ هُوَ مُرْتَجَلٌ، كَذَلِكَ عُلِمَ مَعْنَاهُ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ إفَادَةَ الْعُمُومِ مِنْ " جَمِيعِ " لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ، تَقُولُ: جَمِيعُ الْقَوْمِ قَوْمُكَ، وَلَا تَقُولُ: جَمِيعُ قَوْمٍ، وَمَعَ التَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ يَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا مِنْهَا لَا مِنْ لَفْظَةِ جَمِيعٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ مِنْ " جَمِيعٍ " وَالْأَلِفُ اللَّامُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَ " جَمِيعُ " لِلتَّأْكِيدِ.

стр. 1297

فَائِدَةٌ يُقَالُ جَاءَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ بِضَمِّ الْمِيمِ، لِأَنَّ أَجْمَعَ جَمْعُ جُمُعٍ كَعُبُدٍ وَأَعْبُدٍ، وَلَا يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ " أَجْمَعُ " الَّذِي يُؤَكِّدُ لِإِضَافَتِهِ إلَى الضَّمِيرِ وَإِدْخَالِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهِ، وَ " أَجْمَعُ " الْمَوْضُوعُ لِلتَّأْكِيدِ لَا يُضَافُ، وَلَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي " الدُّرَّةِ " لَكِنْ حَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ الضَّمَّ وَالْفَتْحَ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ. [اللَّفْظُ الثَّالِثُ سَائِرٌ] إنْ كَانَتْ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَدْ عَدَّهَا الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَعَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ " كَمَا نَقَلَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ". قُلْت: وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِيهَا حِكَايَةُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَغْلِيطُهُ بِأَنَّهَا مِنْ " أَسْأَرَ " أَيْ أَبْقَى، فَإِنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً مِنْ " السُّؤْرِ " بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَقِيَّةُ، فَلَا تَعُمُّ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَغَلَّطُوا الْجَوْهَرِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ،

стр. 1298

فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ فِي " شَرْحِ سِيبَوَيْهِ " وَأَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ فِي " شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ "، وَابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَوْرَدُوا فِيهِ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً، فَيَكُونُ فِيهَا اللُّغَتَانِ. وَقَدْ مَنَعَ ابْنُ وَلَّادٍ وَالْفَارِسِيُّ مِنْ النُّحَاةِ كَوْنَهُ مِنْ السُّؤْرِ، لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُقَالُ لِمَا فَضَلَ مِنْ الشَّيْءِ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَالسُّؤْرُ لَا يُقَالُ [إلَّا] لِلتَّقْلِيلِ الْفَاضِلِ، وَسَائِرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْأَكْثَرِ، تَقُولُ: أَخَذْتُ مِنْ الْكِتَابِ وَرَقَةً، وَتَرَكْتُ سَائِرَهُ، وَلَا تَقُولُ: بَقِيَّتَهُ. قَالَ: وَلَا يُوجَدُ شَاهِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي، قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ بَلْ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاقِي خِلَافًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْقَرَافِيِّ، لِأَنَّ بِهَا شُمُولَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَالْبَاقِي، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، تُرِيدُ تَعْمِيمَهُمْ. [الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ مَعْشَرٌ وَمَعَاشِرُ وَعَامَّةٌ وَكَافَّةٌ وَقَاطِبَةٌ]

стр. 1299

قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَفِي الْحَدِيثِ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: (لَمَّا مَاتَ ﵇ ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ قَاطِبَةً) . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: " أَيْ جَمِيعُهُمْ "، وَلَكِنَّ " مَعْشَرَ " لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا، وَ " قَاطِبَةً " لَا يُضَافُ، وَ " عَامَّةً " وَ " كَافَّةً " يُسْتَعْمَلَانِ مُضَافَيْنِ وَخَالِيَيْنِ. [الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ مَنْ وَمَا الشَّرْطِيَّتَيْنِ أَوْ الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ] ِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وَقَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] وَهُمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، بَلْ هُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي أَعْلَى صِيغَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: " مَنْ " اسْمٌ يُغْنِي عَنْ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْمُتَنَاهِي فِي التَّضَادِّ وَالطُّولِ، فَإِذَا قُلْت: مَنْ يَقُمْ أَقُمْ مَعَهُ، كَانَ كَافِيًا عَنْ ذِكْرِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلَوْلَا " مَنْ " لَاحْتَجْتَ إلَى ذِكْرِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ لَا تَجِدْ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. أَمَّا الشَّرْطِيَّتَانِ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الِاسْتِفْهَامِيَّتَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ

стр. 1300

وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَالْبَزْدَوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْهِنْدِيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ قَيَّدَ " مَنْ " بِالشَّرْطِيَّةِ، ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ عُمُومِهَا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ فَلَيْسَتَا لِلْعُمُومِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَتَا بِمَعْنَى " الَّذِي وَاَلَّتِي " فَهُمَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ، وَلَيْسَتَا لِلْجِنْسِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا تَنَاوَلَا فِي الْمَعْرِفَةِ وَاحِدًا وَرُبَّمَا تَنَاوَلَا جَمْعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " فَإِنْ وَرَدَا مَعْرِفَتَيْنِ بِمَعْنَى الَّذِي لَمْ يَدُلَّا عَلَى الْعُمُومِ، هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ، كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ "، فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا الْعُمُومَ بِالشَّرْطِيَّتَيْنِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّتَيْ فَقَطْ. لَكِنْ مَثَّلَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " لِعُمُومِ " مَنْ " بِقَوْلِهِ ﵇: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الْمَوْصُولَةِ، وَهُوَ
следующие страницы →