← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وَالصَّحِيحُ أَنَّ " أَجْمَعِينَ " لَا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ فِي الزَّمَانِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا جَمَعَ فِي التَّأْكِيدِ بَيْنَ " كُلٍّ " وَ " أَجْمَعَ " فِي أَنَّ التَّأْكِيدَ حَاصِلٌ بِهِمَا مَعًا، أَوْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا الَّذِي أَفَادَهُ الثَّانِي وَرَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ؟ وَإِنْ حَصَلَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَكَيْفَ ذَلِكَ مِنْ الْوَاحِدِ إذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ وَتَقْوِيَتُهُ كَمَا فِي التَّوَابِعِ الْآتِيَةِ بَعْدَ " أَجْمَعَ " إنَّمَا تُفِيدُ تَمْكِينَهُ فِي النَّفْسِ. وَمَنَعَ ابْنُ مَالِكٍ وَالسُّهَيْلِيُّ جَوَازَ تَثْنِيَةِ " أَجْمَعَ "، زَادَ السُّهَيْلِيُّ: وَجَمْعَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى " كُلٍّ " وَهِيَ لَا تُثَنَّى، وَلَا تُجْمَعُ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ سِيدَهْ وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّ " أَجْمَعِينَ " جَمْعُ " أَجْمَعَ "، وَمَنَعَ ذَلِكَ الزَّوْزَنِيُّ فِي شَرْحِ " الْمُفَصَّلِ " وَقَالَ: أَجْمَعُونَ لَيْسَ جَمْعًا لِأَجْمَعَ، وَإِلَّا لَتَنَكَّرَ بِالْجَمْعِ، كَمَا يَتَنَكَّرُ الزَّيْدُون؛ بَلْ هُوَ مُرْتَجَلٌ، كَذَلِكَ عُلِمَ مَعْنَاهُ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ إفَادَةَ الْعُمُومِ مِنْ " جَمِيعِ " لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ، تَقُولُ: جَمِيعُ الْقَوْمِ قَوْمُكَ، وَلَا تَقُولُ: جَمِيعُ قَوْمٍ، وَمَعَ التَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ يَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا مِنْهَا لَا مِنْ لَفْظَةِ جَمِيعٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ مِنْ " جَمِيعٍ " وَالْأَلِفُ اللَّامُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ، أَوْ هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَ " جَمِيعُ " لِلتَّأْكِيدِ.

стр. 1297

فَائِدَةٌ يُقَالُ جَاءَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ بِضَمِّ الْمِيمِ، لِأَنَّ أَجْمَعَ جَمْعُ جُمُعٍ كَعُبُدٍ وَأَعْبُدٍ، وَلَا يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ " أَجْمَعُ " الَّذِي يُؤَكِّدُ لِإِضَافَتِهِ إلَى الضَّمِيرِ وَإِدْخَالِ حَرْفِ الْجَرِّ عَلَيْهِ، وَ " أَجْمَعُ " الْمَوْضُوعُ لِلتَّأْكِيدِ لَا يُضَافُ، وَلَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ فِي " الدُّرَّةِ " لَكِنْ حَكَى ابْنُ السِّكِّيتِ الضَّمَّ وَالْفَتْحَ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ. [اللَّفْظُ الثَّالِثُ سَائِرٌ] إنْ كَانَتْ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ، وَقَدْ عَدَّهَا الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَعَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ " كَمَا نَقَلَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ". قُلْت: وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِيهَا حِكَايَةُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَغْلِيطُهُ بِأَنَّهَا مِنْ " أَسْأَرَ " أَيْ أَبْقَى، فَإِنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً مِنْ " السُّؤْرِ " بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الْبَقِيَّةُ، فَلَا تَعُمُّ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَشْهُورُ. وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَغَلَّطُوا الْجَوْهَرِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ،

стр. 1298

فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ فِي " شَرْحِ سِيبَوَيْهِ " وَأَبُو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ فِي " شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ "، وَابْنُ بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمْ، وَأَوْرَدُوا فِيهِ شَوَاهِدَ كَثِيرَةً، فَيَكُونُ فِيهَا اللُّغَتَانِ. وَقَدْ مَنَعَ ابْنُ وَلَّادٍ وَالْفَارِسِيُّ مِنْ النُّحَاةِ كَوْنَهُ مِنْ السُّؤْرِ، لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُقَالُ لِمَا فَضَلَ مِنْ الشَّيْءِ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَالسُّؤْرُ لَا يُقَالُ [إلَّا] لِلتَّقْلِيلِ الْفَاضِلِ، وَسَائِرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْأَكْثَرِ، تَقُولُ: أَخَذْتُ مِنْ الْكِتَابِ وَرَقَةً، وَتَرَكْتُ سَائِرَهُ، وَلَا تَقُولُ: بَقِيَّتَهُ. قَالَ: وَلَا يُوجَدُ شَاهِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي، قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ بَلْ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَكْثَرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْبَاقِي خِلَافًا لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْقَرَافِيِّ، لِأَنَّ بِهَا شُمُولَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَالْبَاقِي، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، تُرِيدُ تَعْمِيمَهُمْ. [الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ مَعْشَرٌ وَمَعَاشِرُ وَعَامَّةٌ وَكَافَّةٌ وَقَاطِبَةٌ]

стр. 1299

قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وَفِي الْحَدِيثِ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ: (لَمَّا مَاتَ ﵇ ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ قَاطِبَةً) . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: " أَيْ جَمِيعُهُمْ "، وَلَكِنَّ " مَعْشَرَ " لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا، وَ " قَاطِبَةً " لَا يُضَافُ، وَ " عَامَّةً " وَ " كَافَّةً " يُسْتَعْمَلَانِ مُضَافَيْنِ وَخَالِيَيْنِ. [الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ مَنْ وَمَا الشَّرْطِيَّتَيْنِ أَوْ الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ] ِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وَقَوْلِهِ: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] وَهُمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، بَلْ هُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي أَعْلَى صِيغَةٍ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: " مَنْ " اسْمٌ يُغْنِي عَنْ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْمُتَنَاهِي فِي التَّضَادِّ وَالطُّولِ، فَإِذَا قُلْت: مَنْ يَقُمْ أَقُمْ مَعَهُ، كَانَ كَافِيًا عَنْ ذِكْرِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلَوْلَا " مَنْ " لَاحْتَجْتَ إلَى ذِكْرِ الْأَفْرَادِ، ثُمَّ لَا تَجِدْ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. أَمَّا الشَّرْطِيَّتَانِ فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الِاسْتِفْهَامِيَّتَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ

стр. 1300

وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَالْبَزْدَوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْهِنْدِيُّ. وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ قَيَّدَ " مَنْ " بِالشَّرْطِيَّةِ، ذَكَرَهُ فِي مَسْأَلَةِ عُمُومِهَا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ فَلَيْسَتَا لِلْعُمُومِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَتَا بِمَعْنَى " الَّذِي وَاَلَّتِي " فَهُمَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ، وَلَيْسَتَا لِلْجِنْسِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا تَنَاوَلَا فِي الْمَعْرِفَةِ وَاحِدًا وَرُبَّمَا تَنَاوَلَا جَمْعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وَكَذَلِكَ قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " فَإِنْ وَرَدَا مَعْرِفَتَيْنِ بِمَعْنَى الَّذِي لَمْ يَدُلَّا عَلَى الْعُمُومِ، هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ، كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ "، فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا الْعُمُومَ بِالشَّرْطِيَّتَيْنِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّتَيْ فَقَطْ. لَكِنْ مَثَّلَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " لِعُمُومِ " مَنْ " بِقَوْلِهِ ﵇: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الْمَوْصُولَةِ، وَهُوَ

стр. 1301

لَازِمٌ لِلْجَمِيعِ فِي مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وَسُؤَالُ ابْنِ الزِّبَعْرَى، وَعَلَيْهِ جَرَى الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " يَعْنِي النَّقْشَوَانِيَّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَقَالَ: وَجَدْتُ كِتَابَ " التَّلْخِيصِ " مُصَرِّحًا بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَيْسَتَا لِلْعُمُومِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ " مَنْ " تَعُمُّ فِي الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ عُمُومَ الْأَفْرَادِ، وَفِي الْخَبَرِ بِمَعْنَى الْمَوْصُولَةِ عُمُومَ الشُّمُولِ، فَإِذَا قُلْت: مَنْ زَارَنِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ كُلُّ مَنْ زَارَهُ الْعَطِيَّةَ؛ وَإِذَا قَالَ: أَعْطِ مَنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ دِرْهَمًا، اسْتَحَقَّ الْكُلُّ دِرْهَمًا وَاحِدًا. وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ قَوْلُنَا: مَنْ لِلْعُمُومِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِقَوْلِنَا: مَنْ فِي الدَّارِ؟ فَإِنَّهُ يَحْسُنُ الْجَوَابُ بِزَيْدٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ كَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ زَيْدٌ؟ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ الْعُمُومَ، وَكَذَلِكَ: مَا عِنْدَكَ؟ فَتَقُولُ: دِرْهَمٌ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الِاسْتِفْهَامِ، لَا بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ فِي الدَّارِ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَمَّ جَمِيعَ الْمَرَاتِبِ، وَكَأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ قَالَ:

стр. 1302

سَأَلَتْكَ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ لَا أَخَصُّ سُؤَالِي بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ، وَالْوَاقِعُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فَرْدًا أَوْ أَكْثَرَ، فَالْعُمُومُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ؛ بَلْ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِفْهَامِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِلَفْظِ " مَنْ " اقْتَضَى مَشْرُوطَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَدَخَلَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً اسْتَحَقَّهُ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا آخَرَ بِدُخُولِهِ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ: مَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مَرَّةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً، وَلَمْ تَطْلُقْ بِدُخُولٍ آخَرَ. الْجَوَابُ أَنَّ " مَنْ " وَغَيْرَهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ إنَّمَا تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَشْخَاصِ، لَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ، فَلِهَذَا لَمْ يَتَعَدَّدْ الطَّلَاقُ لِتَعَدُّدِ الدُّخُولِ، فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْجَزَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، أَمَّا التَّكْرَارُ فَلَا تَقْتَضِيهِ، إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَتَحَقَّقُ التَّكْرَارُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِوَاسِطَةِ قِيَاسٍ، أَوْ فَهْمِ أَنَّ الشَّرْطَ عِلَّةٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى عِلَّتِهِ، فَلَزِمَ التَّكْرَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِعُمُومِ الْأَفْعَالِ فَهِيَ: " كُلَّمَا، وَمَتَى، وَمَا، وَمَهْمَا "، فَإِذَا عَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنْهَا اقْتَضَى التَّكْرَارَ. وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جَزَاءٌ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَزَاءَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ، وَعَلَّقَهُ بِلَفْظِ

стр. 1303

مَنْ " بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَالْمُعَلَّقُ بِلَفْظِ " مَنْ " لَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، نَحْوُ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَا يَتَكَرَّرُ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ. وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْمَحَامِلِيُّ، وَالْجُرْجَانِيُّ، فِي بَابِ الْحَجِّ مِنْ الْمُعَايَاةِ، فَقَالُوا: إنَّمَا لَمْ يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ الثَّانِي وَاقِعًا فِي مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، كَالْمِثَالِ السَّابِقِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفِعْلُ الثَّانِي فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَيَتَكَرَّرُ، كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَلَهُ عِدَّةُ دُورٍ، فَدَخَلَ دَارًا لَهُ اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَوْ دَخَلَ دَارًا أُخْرَى اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا آخَرَ لَمَّا كَانَتْ الدَّارُ الثَّانِيَةُ غَيْرَ الْأُولَى، كَذَلِكَ هَاهُنَا، لَمَّا كَانَ الصَّيْدُ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ تَعَلَّقَ بِهِ مَا تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ، يُرِيدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ " الْحَاوِي " تَمْثِيلُ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ بِقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دُورِي، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ؛ بَلْ يَنْبَغِي فِي هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ جَمِيعَ الدُّورِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ، وَقَالَ " الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي ": إذَا اشْتَرَكَ جَمْعٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ جَزَاءٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَفْظَةُ " مَنْ " إذَا عَلَّقَ عَلَيْهَا الْجَزَاءَ اسْتَوَى حَالُ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَدَخَلَهَا وَاحِدٌ اسْتَحَقَّهُ، أَوْ جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمًا. قَالَ: الْمَاوَرْدِيُّ: وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالشَّرْطُ إذَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِلَفْظِ " مَنْ "

стр. 1304

إذَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءً كَامِلًا، نَحْوُ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِرْهَمٌ، لِأَنَّ الدُّخُولَ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مَوْجُودًا مِنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَالْجَزَاءُ يُسْتَحَقُّ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، كَقَوْلِهِ: مَنْ جَاءَ بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَمَنْ شَالَ الْحَجَرَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَإِذَا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْمَجِيءِ بِالْآبِقِ وَشَيْلِ الْحَجَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مُسْتَحَقًّا بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ " مَنْ " تَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ؛ لَكِنْ هَلْ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ أَوْ فِي الْآحَادِ؟ فِيهِ نَظَرٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: وَيَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ هَؤُلَاءِ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا بِدُخُولِهِ وَحْدَهُ، وَنِصْفَ دِرْهَمٍ بِدُخُولِهِ مَعَ الْآخَرِ، وَإِنْ دَخَلَ ثَلَاثَةٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً، لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً إلَى الْآحَادِ كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا، وَدِرْهَمًا بِدُخُولِ الثَّلَاثَةِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ، وَثَلَاثَةٌ لِأَنَّ صِفَةَ الِاثْنِينِيَّةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِهَا ثَلَاثَةً، لِكُلٍّ دِرْهَمٌ، فَمَجْمُوعُ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ سَبْعَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. (تَنْبِيهٌ) أَطْلَقُوا أَنَّ " مِنْ " لِلْعُمُومِ فِي الْعُقَلَاءِ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ صَالِحًا لِكُلِّ فَرْدٍ

стр. 1305

لِيُخْرِجَ، مَا لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ غَزَا مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ، قَالَ فِي " الْكِفَايَةِ " فِي بَابِ السِّيَرِ: خَرَجَ مِنْهُ أَهْلُ الْفَيْءِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَخْرُجَ النِّسَاءُ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مَنْ قَاتَلَ مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ؛ لِأَنَّ الْغَزْوَ حُكْمٌ لَا فِعْلٌ يَتَوَجَّهُ لِأَهْلِهِ، وَيَخْرُجُ الصِّبْيَانُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُمْ، وَكَذَا الْعَبْدُ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ، لِوُجُودِ الْحَجْرِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَيْهَا لِوَاحِدٍ، لِيُخْرِجَ مَا لَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شِئْتَ. قَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: لَا يُطَلِّقْ الْوَكِيلُ إلَّا وَاحِدَةً فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَنْ شَاءَتْ الطَّلَاقَ، وَجَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي " زَوَائِدِهِ " فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمَشِيئَةِ مُضَافٌ إلَى وَاحِدٍ، فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ، فَكُلُّ مَنْ اخْتَارَتْ طَلَقَتْ. وَقَوْلُهُمْ: " مِنْ " لِلْعُمُومِ فِي الْعُقَلَاءِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَصْلَ وَضْعِ اللُّغَةِ فَصَحِيحٌ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ " مَنْ " لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ مُرَادٌ فِيهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٥] . [الْعَاشِرُ أَيُّ] ُّ " بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً أَوْ اسْتِفْهَامِيَّةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]

стр. 1306

وَقَوْلِهِ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وَلِهَذَا أَجَابَهُ الْكُلُّ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَأْتِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي صِيَغِ الْعُمُومِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّأْوِيلَاتِ مِنْ " الْبُرْهَانِ " فِي قَوْلِهِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا» ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: وَيَصْلُحُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " التَّلْخِيصِ " إلَّا أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْرَادِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ، وَلِهَذَا إذَا قُلْت: أَيُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَك؟ لَمْ يُجِبْ إلَّا بِذِكْرِ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " وَأَمَّا كَلِمَةُ " أَيِّ " فَقِيلَ: كَالنَّكِرَةِ، لِأَنَّهَا تَصْحَبُهَا لَفْظًا وَمَعْنًى، تَقُولُ: أَيُّ رَجُلٍ فَعَلَ هَذَا، وَأَيُّ دَارٍ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وَهِيَ فِي الْمَعْنَى نَكِرَةٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ. انْتَهَى. وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ الْبَدَلِيِّ لَا الشُّمُولِيِّ؛ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا إذَا قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ: أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ، فَقُلْنَ حِضْنَ، وَصَدَّقَهُنَّ، أَنَّهُ تُطْلَقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ.

стр. 1307

وَخَرَجَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهَا لِلْعُمُومِ، فَهَلْ هُوَ عُمُومُ شُمُولٍ أَمْ بَدَلٍ؟ وَجْهَانِ، وَتَوَسَّعَ الْقَرَافِيُّ فَعَدَّى عُمُومَهَا إلَى الْمَوْصُولَةِ وَالْمَوْصُوفَةِ فِي النِّدَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعُدَّهَا فِي الصِّيَغِ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ، لِأَجْلِ قَوْلِ النُّحَاةِ: إنَّهَا بِمَعْنَى " بَعْضٍ " إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: أَيُّ وَقْتٍ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ كَمَا فِي " كُلَّمَا ". وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ لَا يُنَافِي الْعُمُومَ، وَكَوْنُ مَدْلُولِهَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الصِّيَغِ فِي الِاسْتِفْهَامِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ " مَنْ، وَمَا " الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ لِلْعُمُومِ فَلْتَكُنْ " أَيُّ " كَذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ " اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو زَيْدٍ فِي " التَّقْوِيمِ " كَلِمَةَ " أَيٍّ " نَكِرَةٌ، لَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ بِنَفْسِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وَلَمْ يَقُلْ يَأْتُونِي، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبَهُمْ لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ، فَإِنْ وَصَفَهَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ كَانَتْ لِلْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبُوهُ جَمِيعًا عَتَقُوا، لِعُمُومِ فِعْلِ الضَّرْبِ. وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، فَقَالَ: وَأَمَّا " أَيُّ " فَهُوَ اسْمُ فَرْدٍ يَتَنَاوَلُ جُزْءًا مِنْ الْجُمْلَةِ الْمُضَافَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨] وَإِنَّمَا جَاءَ بِهِ وَاحِدٌ، وَقَالَ: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] .

стр. 1308

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاكَ؟ وَلَا تَقُولُ: أَيُّ الرِّجَالِ أَتَاكَ؟ إذْ لَا عُمُومَ فِي الصِّيغَةِ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ ": لَوْ قَالَ: أَيُّ عَبِيدِي حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ، فَحَجُّوا كُلُّهُمْ لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَإِنَّهُ يَقْصُرُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إذَا قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبُوهُ كُلُّهُمْ عَتَقُوا جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبَ جَمَاعَةً لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ. وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ "، وَفِي فَتَاوَى الشَّاشِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ جَمِيعًا عَمَلًا بِعُمُومِ " أَيٍّ " وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فَقَالَ: " أَيُّ " أَعَمُّ الْمُبْهَمَاتِ، وَزَعَمَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنَّهُ عَلَى الْوَاحِدِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُ فَهُوَ حُرٌّ، أَنَّ ذَلِكَ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدِ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ الْفِعْلَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْحُرِّيَّةَ إلَى الْجَمَاعَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَقُلْنَا بِعُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. انْتَهَى. وَوَجَّهَ ابْنُ يَعِيشَ وَغَيْرُهُ مِنْ النُّحَاةِ مَسْأَلَتَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَامٌّ وَفِي الثَّانِيَةِ خَاصٌّ، فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ عَبِيدِي، وَهِيَ كَلِمَةُ عُمُومٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وَهُوَ خَاصٌّ، ثُمَّ قَرَّرُوا أَنَّ الْفِعْلَ يَعُمُّ بِعُمُومِ فَاعِلِهِ لَا بِعُمُومِ مَفْعُولِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْفَاعِلَ كَالْجُزْءِ مِنْ الْفِعْلِ، وَهُوَ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ وَالْمَفْعُولُ، لِأَنَّ الْمَفْعُولَ قَدْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْفِعْلُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْفَاعِلِ

стр. 1309

وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْمَفْعُولِ إلَى الْفِعْلِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي وَجَّهَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ: فَرْعٌ إذَا قَالَ: طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شِئْتَ، لَا يُطَلِّقُ الْكُلَّ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: طَلِّقْ مِنْ نِسَائِي مَنْ شَاءَتْ، فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ مَنْ اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ وَالْمَشِيئَةَ مُضَافٌ بِمَعْنَى فِي الْأُولَى إلَى وَاحِدٍ، فَإِذَا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ، فَكُلُّ مَنْ اخْتَارَتْ طَلُقَتْ. نَظِيرُهُ مَا إذَا قَالَ: أَيُّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبَ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا، لَا يُعْتَقُ الثَّانِي، لِأَنَّ حَرْفَ " أَيِّ " وَإِنْ كَانَ حَرْفَ تَعْمِيمٍ فَالْمُضَافُ إلَيْهِ الضَّرْبُ وَاحِدٌ، وَإِذَا قَالَ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبَهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَبْدٌ عَتَقُوا؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ. انْتَهَى. وَقَدْ اعْتَرَضَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ عَمْرُونٍ النَّحْوِيُّ الْحَلَبِيُّ وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ وَالْفِعْلُ عَامٌّ فِيهِمَا، وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فِي ذَلِكَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ يُخَاطِبُ النَّبِيَّ ﵇: وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا ... وَمَنْ تَخْفِضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ فَإِنَّ " مَنْ " الشَّرْطِيَّةُ عَامَّةٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالْمُرَادُ عُمُومُ الْفِعْلِ مُطْلَقًا، مَعَ أَنَّ الِاسْمَ الْعَامَّ هُنَا إنَّمَا هُوَ ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ، إذْ التَّقْدِيرُ: وَمَنْ تَخْفِضْهُ الْيَوْمَ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى " مَنْ " وَهُوَ الِاسْمُ الْعَامُّ، وَأَمَّا ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فَخَاصٌّ،

стр. 1310

وَهُوَ ضَمِيرُ النَّبِيِّ ﵇، وَهَذَا وِزَانُ قَوْلِهِ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ، الَّتِي ادَّعَى فِيهَا عَدَمَ عُمُومَ الْفِعْلِ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا التَّعْمِيمَ فِيهِمَا، وَقَالَ: نِسْبَةُ فِعْلِ الشَّرْطِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ فِي اقْتِضَاءِ التَّعْمِيمِ فِي الْمَشْرُوطِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، وَأَنَّ التَّعْمِيمَ فِيمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ إثْبَاتِ الْمَشْرُوطِ بِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ، وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، فِي أَنَّهُ يُعْتَقُ الْمَضْرُوبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كُلُّهُمْ، كَمَا يُعْتَقُ الضَّارِبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كُلُّهُمْ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ " بِمَنْ "، فَإِنَّهُ قَدْ تَسَاوَى فِيهَا الْأَمْرَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨] فَإِنَّهُ مُسَاوٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْمِيمِ لِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وَالْأَوَّلُ: مَنْسُوبٌ فِي شَرْطِهِ إلَى عُمُومِ الْمَفْعُولِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ مُنَازَعًا فِيهِ. الثَّانِي: مَنْسُوبٌ إلَى عُمُومِ الْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، إذَا ثَبَتَ فِي " مَنْ " فَكَذَلِكَ فِي " أَيٍّ " بَلْ هِيَ مِنْ أَقْوَى مِنْ " مَنْ " فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ. تَنْبِيهٌ عَدَّى الْحَنَفِيَّةُ هَذَا إلَى: أَيِّ عَبِيدِي ضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ جِنِّي؛ لِأَنَّ الْفَاعِلَ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ ﷺ : «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، وَقَدْ قَالُوا هُمْ فِيهِ بِالْعُمُومِ أَكْثَرَ مِنَّا، لِأَنَّهُمْ أَدْرَجُوا فِيهِ جِلْدَ الْكَلْبِ.

стр. 1311

تَنْبِيهٌ إذَا اتَّصَلَتْ " أَيُّ " " بِمَا " كَانَتْ تَأْكِيدًا لِأَدَاةِ الشَّرْطِ، وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " فِي بَابِ التَّأْوِيلِ أَنَّ " مَا " الْمُتَّصِلَةَ بِهَا لِلْعُمُومِ فِي نَحْوِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا» ، فَاعْتَقَدَ أَنَّهَا " مَا " الشَّرْطِيَّةُ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَقَدْ قَارَبَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " هُنَاكَ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ، هُوَ أَقْرَبُ مِمَّا قَالَهُ الْإِمَامُ إلَى الصَّوَابِ، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّهَا تَوْكِيدٌ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ مِنْ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ كَأَنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظَ. [الْحَادِيَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الْخَامِسِ عَشَرَ مَتَى وَأَيْنَ وَحَيْثُ وَكَيْفَ وَإِذَا الشَّرْطِيَّةُ] أَمَّا " مَتَى " فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَزْمَانِ الْمُبْهَمَةِ كُلِّهَا كَمَا قَيَّدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُبْهَمَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا لَا يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ، فَلَا يَقُولُونَ: مَتَى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَائْتِنِي، بَلْ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَهِيَ عَكْسُ إذَا. وَقِيلَ: " مَتَى " تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ، وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ، بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا لَا تَكْرَارَ فِيهِ، كَمَا إذَا قِيلَ: مَتَى قَتَلْتَ زَيْدًا؟ وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا تَكْرَارُ الْفِعْلِ، وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا عَلَى التَّحْقِيقِ. فَإِذَا قَالَ: مَتَى دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَالطَّلَاقُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ " كُلَّمَا " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي

стр. 1312

التَّكْرَارَ لِاقْتِضَائِهَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ فَإِذَا قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْتِ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ دُخُولٍ يَقَعُ مِنْكِ، لِأَنَّ " كُلًّا " إنَّمَا يُضَافُ لِلْأَسْمَاءِ. وَيَنْضَمُّ إلَيْهَا " مَا ". لِتَصْلُحَ لِلدُّخُولِ عَلَى الْأَفْعَالِ، فَهِيَ كَ " رُبَّ ". وَأَمَّا " أَيْنَ، وَحَيْثُ " فَيَعُمَّانِ الْأَمْكِنَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ. وَأَمَّا " كَيْفَ، وَإِذَا " فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَرَافِيُّ مِنْ الصِّيَغِ إذَا كَانَتْ " كَيْفَ " اسْتِفْهَامِيَّةً، أَوْ اتَّصَلَتْ بِهَا " مَا " إذَا جُوزِيَ بِهَا، وَهُمَا دَاخِلَانِ فِي إطْلَاقِهِمْ عُمُومَ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " حَيْثُمَا، وَمَتَى مَا " مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: " مَتَى " أَعَمُّ مِنْ " إذَا ". [السَّادِسَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الْعِشْرِينَ مَهْمَا وَأَنَّى وَأَيَّانَ وَإِذْ مَا وَأَيُّ حِينٍ وَكَمْ] السَّادِسَ عَشَرَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْعِشْرِينَ: " مَهْمَا، وَأَنَّى، وَأَيَّانَ، وَإِذْ مَا " عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَ " أَيُّ حِينٍ، وَكَمْ " أَمَّا " مَهْمَا " فَهِيَ اسْمٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهَا، وَلَا يُعَادُ إلَّا إلَى الْأَسْمَاءِ، وَهِيَ مِنْ أَدَوَاتِ الْجَزْمِ بِاتِّفَاقٍ وَتَجِيءُ، لِلِاسْتِفْهَامِ قَلِيلًا وَأَمَّا " أَنَّى " فَأَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ إمَّا بِمَعْنَى مِنْ أَيْنَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: ٣٧] وَإِمَّا بِمَعْنَى كَيْفَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] . وَأَمَّا " أَيَّانَ " فَهِيَ فِي الْأَزْمَانِ بِمَنْزِلَةِ " مَتَى " لَكِنْ " مَتَى " أَشْهَرُ مِنْهَا، وَلِذَلِكَ تُفَسَّرُ " أَيَّانَ " بِمَتَى.

стр. 1313

وَأَمَّا " إذْ مَا " فَهِيَ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وَكُلُّهَا تَدْخُلُ فِي إطْلَاقِهِمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الشُّرُوطِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْإِبْهَامِ وَعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِوَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ. وَأَمَّا " أَيُّ حِينٍ " عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَصِلُهَا مِنْ أَيِّ الْمُقَدَّمَةِ. وَأَمَّا " كَمْ " الِاسْتِفْهَامِيَّة لَا الْخَبَرِيَّةُ، فَإِنَّمَا عُدَّتْ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بِهَا سَائِغٌ فِي جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ، لَا يَخْتَصُّ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، كَمَا أَنَّ " مَتَى " سَائِغَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَ " أَيْنَ " فِي جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ، وَ " مَنْ " فِي جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ فَإِذَا قِيلَ: كَمْ مَالُكَ؟ حَسُنَ الْجَوَابُ بِأَيِّ عَدَدٍ شِئْتَ. [الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ الْأَسْمَاءُ الْمَوْصُولَةُ] ُ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ " مَا، وَمَنْ، وَأَيٍّ "، وَهِيَ " الَّذِي، وَاَلَّتِي " وَجُمُوعُهُمَا مِنْ " الَّذِينَ، وَاَللَّاتِي، وَذُو الطَّائِيَّةِ " وَجَمْعُهَا، وَقَدْ بَلَغَ بِذَلِكَ الْقَرَافِيُّ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ صِيغَةً، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ " الَّذِي " مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ " وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: " مَنْ، وَمَا وَأَيُّ، وَمَتَى " وَنَحْوُهَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُسْتَوْعَبُ بِظَاهِرِهَا، وَإِنَّمَا تُسْتَوْعَبُ بِمَعْنَاهَا عِنْدَ قَوْمٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْإِبْهَامَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَقَالَ أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ إنَّهُ يَجْرِي فِي بَابِهِ مُجْرَى اسْمٍ مَنْكُورٍ، كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، فَلَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالْإِبْهَامُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ. انْتَهَى.

стр. 1314

وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلَ: بِأَنَّ " مَنْ، وَمَا " إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَا تَعُمَّانِ، يَقُولُ بِأَنَّ " الَّذِي وَاَلَّتِي " وَفُرُوعَهُمَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ. أَمَّا الْحُرُوفُ الْمُوصَلَةُ فَلَيْسَتْ لِلْعُمُومِ اتِّفَاقًا. وَإِنَّمَا يَكُونُ " الَّذِي " إذَا كَانَتْ جِنْسِيَّةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمُومَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُسْتَفَادٌ مِنْ الصِّيغَةِ. أَمَّا الْعَهْدِيَّةُ فَلَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] أَوْ نَحْوِهِ. وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ الصِّيَغِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمَوْصُولَةَ الدَّاخِلَةَ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، فَلَوْ قَالَ لِعَبِيدِهِ: الضَّارِبُ مِنْكُمْ زَيْدًا حُرٌّ، وَلِنِسَائِهِ: الدَّاخِلَةُ مِنْكُنَّ الدَّارَ طَالِقٌ، عَتَقَ الْجَمِيعُ وَطُلِّقَ الْكُلُّ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ إنَّهَا اسْمٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ لِمَا فِي الصِّفَةِ مِنْ الْجِنْسِيَّةِ وَتَكُونُ مُشْعِرَةً بِذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عُمُومَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمَوْصُولَةِ، قَالَ: لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَاخِلَةٌ فِي الْمُوصَلَاتِ، فَلَهُ حُكْمُ الْعُمُومِ لِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْأُصُولِيِّينَ فِي إثْبَاتِ الْعُمُومِ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ الْمُعَرَّفَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، مِثْلُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ، لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ نَظَرٌ، لِمَا قَدَّمْنَا.

стр. 1315

تَنْبِيهٌ جَعْلُ الْمَوْصُولَاتِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ النُّحَاةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ الصِّلَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْهُودَةً مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ، وَلِهَذَا كَانَتْ مُعَرِّفَةً لِلْمَوْصُولِ، وَالْمَعْهُودُ لَا عُمُومَ فِيهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. [الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ] ُ ": فَإِنْ كَانَتْ اسْمًا فَلَا عُمُومَ فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْحَرْفِيَّةِ، وَاَلَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: الْجَمْعُ سَوَاءٌ كَانَ سَالِمًا أَوْ مُكَسَّرًا لِلْقِلَّةِ أَوْ الْكَثْرَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ أَمْ لَا، كَالزَّيْدَيْنِ، وَالْعَالَمِينَ وَالْأَرْجُلِ وَالرِّجَالِ وَالْأَبَابِيلِ وَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآحَادُ الْمُجْتَمِعَةُ دَالًّا عَلَيْهَا دَلَالَةَ تَكْرَارِ الْوَاحِدِ. قَالَهُ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ " شَرْحِ الْخُلَاصَةِ "، وَدَلَالَةُ الْجَمْعِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مُطَابِقَةٌ، وَلِهَذَا مَنَعُوا أَنْ يُقَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ فِي

стр. 1316

الْقِيَاسِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّكْرَارِ، لِإِغْنَاءِ لَفْظِ الْجَمْعِ عَنْهُ فَلَوْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى رَجُلٍ بِالتَّضَمُّنِ، لَكَانَ قَوْلُنَا: رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ مُشْتَمِلًا عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ الثَّانِي: اسْمُ الْجَمْعِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهِ أَمْ لَا، كَرَكْبٍ وَصَحْبٍ وَقَوْمٍ وَرَهْطٍ. وَمَا قِيلَ: إنَّ قَوْمًا جَمْعُ قَائِمٍ، كَصَوْمٍ وَصَائِمٍ وَهَمٌ، قَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: هَذَا النَّوْعُ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ؛ بَلْ هُوَ مَحْفُوظٌ وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: هُوَ مَوْضِعٌ لِمَجْمُوعِ الْآحَادِ، أَيْ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَحَيْثُ تَثْبُتُ الْآحَادُ فَلِدُخُولِهَا فِي الْمَجْمُوعِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: الرَّهْطُ أَوْ الْقَوْمُ الَّذِي يَدْخُلُ الْحِصْنَ فَلَهُ كَذَا، فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ كَانَ النَّفَلُ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَلَوْ دَخَلَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. فَإِنْ قُلْت: إذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ كُلَّ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ مِنْهُ فِي مِثْلِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مَا يَجِبُ انْدِرَاجُهُ لَوْلَاهُ؟ قُلْت: مِنْ حَيْثُ إنَّ مَجِيءَ الْمَجْمُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ كُلِّ وَاحِدٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ فَرْدٍ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِثْلُ: يُطِيقُ رَفْعَ هَذَا الْحَجَرِ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَهَذَا كَمَا يَصِحُّ: عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا، وَلَا يَصِحُّ الْعَشَرَةُ زَوْجٌ إلَّا وَاحِدًا، إذْ لَيْسَ الْحُكْمُ عَلَى الْآحَادِ، بَلْ عَلَى الْمَجْمُوعِ. الثَّالِثُ: اسْمُ الْجِنْسِ الَّذِي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ، وَلَيْسَ

стр. 1317

مَصْدَرًا وَلَا مُشْتَقًّا مِنْهُ، كَتَمْرٍ وَشَجَرَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَعْنِي كَوْنَهُ اسْمَ جِنْسٍ، وَالْغَزَالِيُّ يُسَمِّيهِ جَمْعًا، وَابْنُ مَالِكٍ يُسَمِّيهِ اسْمَ جَمْعٍ، فَإِنَّهُ عَدَّهُ فِي أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ لَكِنْ سَمَّاهُ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ اسْمَ جِنْسٍ، وَاخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِهِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَصَحِّهَا: أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وَالْجِنْسُ مَوْجُودٌ مَعَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَحَكَى الْكِسَائَيُّ عَنْ الْعَرَبِ إطْلَاقَهُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَاحِدُ مُذَكَّرًا أَوْ مُؤَنَّثًا. قَالَ الرَّاغِبُ فِي مُفْرَدَاتِهِ: " النَّحْلُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ ". وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، قَالَهُ ابْنُ جِنِّي، وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ. وَالثَّالِثِ: أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى جَمْعِ الْكَثْرَةِ: وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّلَوْبِينَ وَابْنِ عُصْفُورٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ فِي بَابِ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ. وَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَوْرَدَهُ شُرَّاحُ سِيبَوَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ: بَابُ عِلْمِ مَا الْكَلِمُ مِنْ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: إنَّمَا هِيَ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، ثُمَّ أَجَابُوا بِأَنَّ تَحْتَ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا أَنْوَاعًا. وَالرَّابِعِ: الْمُثَنَّى، نَحْوُ الزَّيْدَانِ وَالرَّجُلَانِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَدَلَالَةِ الْجَمْعِ عَلَى أَفْرَادِهِ. الْخَامِسُ: الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ مُؤَنَّثٌ بِالتَّاءِ، كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ. وَالْقَصْدُ بِهِ الْجِنْسُ مَعَ الْوَحْدَةِ مَا لَمْ تَقْتَرِنْ بِمَا يُزِيلُهَا مِنْ تَثْنِيَةٍ أَوْ جَمْعٍ أَوْ عُمُومٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، وَالسَّكَّاكِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، وَيَشْهَدُ لَهُ تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ، وَصِحَّةُ قَوْلِك: مَا عِنْدِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ.

стр. 1318

السَّادِسُ: الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ، لِإِطْبَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ. السَّابِعُ: الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَلَيْسَ لَهَا مُؤَنَّثٌ، فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى وَحْدَةٍ وَلَا تَعَدُّدٍ، كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ فِي الْأَعْيَانِ، وَالضَّرْبِ وَالنَّوْمِ فِي الْمَصَادِرِ. الثَّامِنُ: مَا كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فِيهِ التَّاءَ لَا مِنْ أَصْلِ الْوَضْعِ، كَضَرْبَةٍ، فَمَدْلُولُهُ الْوَاحِدَةُ. التَّاسِعُ: مَا كَانَ عَدَدًا كَالثَّلَاثَةِ، فَهُوَ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِمَجْمُوعِهَا، وَدَلَالَتُهُ عَلَى أَحَدِهَا بِالتَّضَمُّنِ. [الْجَمْعُ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ] إذَا عَلِمْت هَذَا، فَإِنْ دَخَلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَى الْجَمْعِ أَفَادَتْ الِاسْتِغْرَاقَ. فَإِنْ تَقَدَّمَ عَهْدٌ وَدَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِهِ حُمِلَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَانَ ذَلِكَ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ، وَمِنْهُ مَا إذَا سَبَقَهُ تَنْكِيرٌ، وَظَهَرَ تَرَتُّبُ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ " قَالَ: اُخْتُلِفَ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ. أَحَدِهَا: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودٍ إنْ كَانَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَالثَّانِي: عَكْسُهُ: أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْعَهْدِ. الثَّالِثِ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عِنْدَ فَقْدِ الْعَهْدِ عَلَى الْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ تَعْمِيمٍ. وَفِيهِ خِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ، عَهْدٍ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ دُخُولُهَا. انْتَهَى. وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْهُ عَهْدٌ، فَهِيَ لِلْعُمُومِ عِنْدَ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ، قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إنَّهُ إجْمَاعُ أَصْحَابِنَا، وَحُكِيَ عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي

стр. 1319

الِاسْتِغْرَاقَ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: سَوَاءٌ جَمْعُ السَّلَامَةِ وَالتَّكْسِيرِ،، كَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَاعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ": سَوَاءٌ الْمُشْتَقُّ وَغَيْرُهُ، كَالْمُسْلِمِينَ وَالرِّجَالِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ لِلْقِلَّةِ كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، أَوْ لِلْكَثْرَةِ كَالْعِبَادِ وَالرِّجَالِ، وَحَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ يُفِيدُ الْجِنْسَ لَا الِاسْتِغْرَاقَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ. قَالَ: وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ، فَقَالَ: وَفِي الْمُفْرَدِ يُصْرَفُ إلَى مُطْلَقِ الْجِنْسِ مِنْ غَيْرِ اسْتِغْرَاقٍ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ غَرِيبٌ، قَالَ: وَقَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] إنَّهُ يَسْتَوْعِبُ مِنْ حَيْثُ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ. ثُمَّ أَنْكَرَ إلْكِيَا هَذَا وَقَالَ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ مَعْنَاهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ لَا غَيْرُ، هَكَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ، وَأَنَّ الْأَلِفَ الْأَصْلُ لَمَّا كَانَتْ سَاكِنَةً، وَلَمْ يُتَوَصَّلُ إلَى النُّطْقِ بِهَا، وَأَنَّ حَرْفَ التَّعْرِيفِ هُوَ اللَّامُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ عَامًّا وَمُسْتَوْعِبًا بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَدْ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَوْعِبًا قَبْلَ دُخُولِهَا، وَلَوْ كَانَ اللَّامُ مُفِيدًا لِلِاسْتِيعَابِ لَمَا صَحَّ دُخُولُهُ عَنْ الْأَسْمَاءِ الْمُفْرَدَةِ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَتَغَيَّرُ بِكَوْنِ الِاسْمِ مُفْرَدًا أَوْ مَجْمُوعًا، كَمَا لَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَى سَائِرِ الْحُرُوفِ. قَالَ: وَلِذَلِكَ زَعَمَ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] فِي مَعْنَاهُ، وَهُوَ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِفَاءِ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ ادِّعَاءِ الْعُمُومِ مِنْ لَفْظِهِ. وَلَعَلَّ إلْكِيَا بَنَى هَذَا عَلَى قَوْلِ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: الصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلْعُمُومِ.

стр. 1320

وَنَبَّهَ أَبُو الْحُسَيْنِ عَلَى فَائِدَةٍ تَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُسْتَغْرِقًا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، فَهُوَ عِنْده عَامٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إنْ صَلُحَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّهُمْ فِي الْجَحِيمِ لِأَجْلِ فُجُورِهِمْ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَاجِرٍ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الزَّجْرِ انْتَهَى. هَذَا كُلُّهُ إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْعَهْدَ، فَإِنْ أَشْكَلَ الْحَالُ وَاحْتَمَلَ كَوْنُهَا لِلْعَهْدِ أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ الْجِنْسِ، فَلَمْ يُصَرِّحُوا فِيهَا بِنَقْلٍ صَرِيحٍ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِيهَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْعَهْدِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ مَالِكٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، لِعُمُومِ فَائِدَتِهِ وَلِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْمُعْظَمِ، وَصَاحِبُ " الْمِيزَانِ " عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ السَّرَّاجِ النَّحْوِيِّ، فَقَالَ: إذَا تَعَارَضَتْ جِهَتَا الْعَهْدِ وَالْجِنْسِ يُصْرَفُ إلَى الْجِنْسِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ. قَالَا: لِأَنَّ الْجِنْسَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْعَهْدُ، وَالْعَهْدُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْجِنْسُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُجْمَلٌ، لِأَنَّ عُمُومَهُ لَيْسَ مِنْ صِيغَتِهِ، بَلْ مِنْ قَرِينَةِ نَفْيِ الْمَعْهُودِ؛ فَيَتَعَيَّنُ الْجِنْسُ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْرِيفِ، وَلَيْسَتْ إحْدَى جِهَتَيْ التَّعْرِيفِ بِأَوْلَى مِنْ الثَّانِيَةِ، فَيَكْتَسِبُ اللَّفْظُ جِهَةَ الْإِجْمَالِ لِاسْتِوَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَدْ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ قَبْلَهُ: إنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ عَامٌّ، وَلَا يُصَارُ إلَى غَيْرِ الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَذْهَبٌ رَابِعٌ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ "

стр. 1321

وَعِنْدَنَا أَنَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ السِّيَاقِ وَمَقْصُودِ الْكَلَامِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرَائِنَ وَدَلَائِلَ مِنْهُ. وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ، وَلَيْسَتْ لِلْعُمُومِ عِنْدَ قَرِينَةِ الْعَهْدِ، لَكِنْ هَلْ الْأَصْلُ فِيهَا الْعُمُومُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ الْأَصْلُ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْعَهْدِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ فِيهِ؟ وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ فِيهِ مُضْطَرِبٌ، وَمَنْ أَخَذَ بِظَوَاهِر عِبَارَاتِهِمْ حَكَى فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَا بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ: الْأَصْلُ هُوَ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّعْيِينِ، وَكَمَالُ التَّمْيِيزِ، ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ بِدُونِ اعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ جِدًّا، وَالْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ قَرِينَةِ الْبَعْضِيَّةِ، فَالِاسْتِغْرَاقُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْإِطْلَاقِ حَيْثُ لَا عَهْدَ فِي الْخَارِجِ خُصُوصًا فِي الْجَمْعِيَّةِ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. وَقِيلَ: الْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ مُتَيَقَّنٌ، وَهَذَا مُعَارَضٌ، فَإِنَّ الِاسْتِغْرَاقَ أَعَمُّ فَائِدَةً وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي الشَّرْعِ، وَأَحْوَطُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، أَعْنِي الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ وَالتَّحْرِيمَ وَالْكَرَاهَةَ، وَأَنَّ الْبَعْضَ أَحْوَطُ فِي الْإِبَاحَةِ وَمَنْقُوضٌ بِثُبُوتِ الْمَاهِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْمَاهِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلُوهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الِاسْتِغْرَاقِ بِهَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً جَدِيدَةً زَائِدَةً عَلَى مَا يُفِيدُ الِاسْمَ بِدُونِ اللَّامِ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ عَهْدٍ، فِي أَنَّ الْعَهْدَ مُرَادٌ أَمْ لَا، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ أَمْ لَا؟

стр. 1322

وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ " مِنْ " الْحَاوِي " عِنْدَ الْكَلَامِ فِيمَا " إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ النَّهْرِ " أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يُسْتَعْمَلَانِ تَارَةً لِلْجِنْسِ، وَلِلْعَهْدِ أُخْرَى، وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَتْ الْقَرِينَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَهْدِ، وَتَمْنَعُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الْعَامَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَصْرُوفًا إلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، وَقُلْتُمْ: إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ تَقَدُّمَ السَّبَبِ الْخَاصِّ قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ لَا يُرَادُ لَا أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ وَنَقُولُ: دَلَالَةُ هَذَا الْعَامِّ عَلَى مَحَلِّ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ، وَعَلَى غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ، إذْ لَيْسَ فِي السَّبَبِ مَا يُثْبِتُهَا وَلَا مَا يَنْفِيهَا. [مَا يُفِيدُهُ جَمْعُ السَّلَامَةِ وَجَمْعُ التَّكْسِيرِ] وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ لِلتَّكْثِيرِ، كَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَقَسَّمَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّحْوِيِّينَ الْجَمْعَ إلَى قِسْمَيْنِ: جَمْعِ سَلَامَةٍ وَهُوَ لِلتَّقْلِيلِ لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا، وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ، وَهُوَ نَوْعَانِ: مَا هُوَ لِلْقِلَّةِ، وَهِيَ أَرْبَعُ صِيَغٍ: أَفْعَالٌ وَأَفْعُلٌ وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ، وَالْبَاقِي لِلتَّكْثِيرِ. إذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الْعُمُومُ مَعَ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَالْأَوَّلُ يَسْتَغْرِقُ الْأَفْرَادَ وَالثَّانِي لَا يَسْتَغْرِقُ الْعَشَرَةَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الْعُمُومَ يَجْمَعُ مَا لَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَ، فَاجْتِمَاعُ الْعُمُومِ مَعَ مَا لَا يَتَجَاوَزُ الْعَشَرَةَ أَوْلَى، فَإِذَا قُلْت: أَكْرِمْ الزَّيْدَيْنِ، فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ مُجْتَمِعٍ مَعَ تِسْعَةٍ، أَوْ دُونَهَا إلَى اثْنَيْنِ بِخِلَافِ أَكْرِمْ الرِّجَالَ، فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْضَمٍّ إلَى عَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ.

стр. 1323

الثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي نَحْوِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَصَرَّفَ الشَّارِعُ فِيهَا بِالنَّقْلِ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا، فَحَيْثُ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَنَحْوِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومَ تَصَرُّفًا مِنْ الشَّارِعِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ لُغَةً، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ "، وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرَهُ، ثُمَّ ضَعَّفَهُ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا التَّصَرُّفِ، وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ. الثَّالِثِ: ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ سِيبَوَيْهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ لَا تَسْتَمِرُّ الْعَرَبُ فِيهِ بِصِيغَةِ الْكَثِيرِ، فَصِيغَةُ التَّقْلِيلِ فِيهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّكْثِيرِ أَيْضًا، لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ، كَقَوْلِهِمْ: فِي جَمْعٍ رِجْلٍ أَرْجُلٌ، فَهُوَ لِلتَّكْثِيرِ. الرَّابِعِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يُحْمَلُ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُنَكَّرًا وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُعَرَّفًا بِأَلْ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اسْمَ الْعِلْمِ إذَا ثُنِّيَ أَوْ جُمِعَ وَلَمْ يُعَرَّفْ بِاللَّامِ، كَانَ نَكِرَةً بِالِاتِّفَاقِ، وَزَالَتْ عَنْهُ الْعَلَمِيَّةُ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ مُفَادَ الْعِلْمِ إذَا عُرِّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَالزَّيْدِينَ وَالزُّيُودِ، فَمَوْضُوعُ الْجَمْعِ إذَا لَمْ يُعَرَّفْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢] ، بِخِلَافِ حَالَةِ التَّعْرِيفِ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ بِأَنَّ جَمْعَيْ التَّصْحِيحِ لِلْقِلَّةِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِأَلْ الَّتِي لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَوْ يُضَافُ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، فَإِنْ اقْتَرَنَ صُرِفَ إلَى الْكَثْرَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ، وَقَوْلِهِ ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ حَسَّانُ (﵁) فِي قَوْلِهِ:

стр. 1324

لَنَا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ فِي الضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمًا وَاعْتَرَضَ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ عَلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي اتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَنَقَلَا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ، وَإِنَّمَا نُقِلَ فِيهِ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ مَا يَقْتَضِي رَفْعَ الْخِلَافِ، فَكَلَامُ الْإِمَامِ إذَنْ مُسْتَقِيمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ: قَدْ قِيلَ إنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ عَلَى وِزَانِ الْأَفْعَالِ كَالْأَبْوَابِ. أَوْ الْفِعْلَةِ كَالصِّبْيَةِ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدُلَّ هَذَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَلَكِنَّ دَلَالَتَهُ دُونَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، وَاعْتَرَضَ الْأَصْفَهَانِيِّ شَارِحِ " الْمَحْصُولِ " عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُنَكَّرَ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. الْخَامِسِ: قَالَ الْإِمَامُ أَيْضًا: إنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مَوْضُوعٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِلْقِلَّةِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْكَثْرَةِ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ، فَنَظَرُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَنَظَرُ النَّحْوِيِّينَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ نَقَلَهُ ابْنُ الصَّائِغِ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ " عَنْ سِيبَوَيْهِ، فَقَالَ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ جَمْعَيْ السَّلَامَةِ لِلتَّقْلِيلِ، غَيْرَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا سِيَّمَا الصِّفَاتِ يُقْتَصَرُ مِنْهَا عَلَى جَمْعِ السَّلَامَةِ، وَلِذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَثْرَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ. وَزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا، وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْبَسِيطِ "

стр. 1325

مِنْ النَّحْوِيِّينَ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي تَقْوِيَةِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ، وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ عَنْ الزَّجَّاجِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَإِنْ كَانَ جَمْعَ السَّلَامَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْقِلَّةِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧] قَالَ ابْنُ إيَازٍ: وَاسْتُضْعِفَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى. قَالَ: بَلْ جَمْعُ السَّلَامَةِ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ لِلْقِلَّةِ، فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْكَثْرَةِ فَذَلِكَ اتِّسَاعٌ. وَهَاهُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَمْعَ يَنْقَسِمُ إلَى سَالِمٍ وَهُوَ مَا سَلِمَتْ فِيهِ بِنْيَةُ الْوَاحِدِ كَالزَّيْدِينَ وَالْهِنْدَاتِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِلَى مَا لَا يَسْلَمُ كَرِجَالٍ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: جَمْعُ قِلَّةٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ: أَفْعِلَةٌ كَأَرْغِفَةٍ، وَأَفْعُلٌ كَأَبْحُرٍ، وَفِعْلَةٌ كَفِتْيَةٍ، وَأَفْعَالٌ كَأَحْمَالٍ، وَمَدْلُولُهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَوَقَعَ فِي " الْبُرْهَانِ " لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَقَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَهُوَ تِسْعَةٌ، لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَلَمْ يَخُصُّوهُ بِثَلَاثَةٍ أَوْ اثْنَيْنِ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْبَسِيطِ " مِنْ النَّحْوِيِّينَ: قَوْلُهُمْ: جَمْعُ الْقِلَّةِ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَة، اُخْتُلِفَ فِي الْعَشَرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ مَنْ أَدْخَلَ مَا بَعْدَ " إلَى " فِيمَا قَبْلَهَا، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: عَشَرَةُ أَفْلُس، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا أَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، وَالتِّسْعَةُ مُنْتَهَى جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يُدْخِلْ، وَأَمَّا تَمْيِيزُهَا بِجَمْعِ الْقِلَّةِ فَلِقُرْبِهَا مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] فَجَمَعَ فِي هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ أَكْثَرَ الْقَلِيلِ وَأَقَلَّ الْكَثِيرِ وَمَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ كَثِيرٌ بِالِاتِّفَاقِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ فَائِدَةٌ.

стр. 1326

[مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُ الْجَمْعِ] وَنَبَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى فَائِدَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ جَاءَ الْجَمْعُ فِي أَلْفَاظٍ مَسْمُوعَةٍ نَحْوُ: نَعَمٌ وَأَنْعَامٌ وَأَنَاعِيمُ، وَهَذَا جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَ: وَأَقَلُّهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ، لِأَنَّ النَّعَمَ اسْمٌ. لِلْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَأَنْعَامٌ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ تِسْعَةٌ، وَأَنَاعِيمُ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ ذَلِكَ، وَلَوْ قُلْت: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ لَكَانَ أَقَلُّهَا تِسْعَةً، لِأَنَّهَا جَمْعُ أَقْوَالٍ، وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَمْ يُوضَعْ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِاتِّفَاقٍ، قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: إنْ أَرَادَ ظَاهِرًا فَنَعَمْ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ قَطْعًا فَبَاطِلٌ، وَقَدْ قَالَ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ: إنَّ الْجَمْعَ الْقَلِيلَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ وَعَكْسَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَثَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] وَظَاهِرُهُ إلْحَاقُ أَبْنِيَةِ الْقِلَّةِ مِنْ جَمْعِ التَّكْسِيرِ بِجَمْعِ السَّلَامَةِ فِي إفَادَةِ الْعُمُومِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الرَّوْضَةِ "، فَقَالَ: إنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا عُرِّفَتْ وَيَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجِنْسِ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمُفْرَدَةِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْفَهَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ " وَابْنِ الْحَاجِبِ: تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ السَّالِمِ، وَأَنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لَمَّا كَانَ لِلْقِلَّةِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ، وَإِنْ عُرِّفَ تَعْرِيفَ جِنْسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ، وَجَعَلَ الِاسْتِغْرَاقَ خَاصًّا بِجَمْعِ السَّلَامَةِ إذَا عُرِّفَ قَالَ: وَإِنَّمَا حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] عَلَى الْعُمُومِ لِقَرِينَةٍ.

стр. 1327

[فَائِدَةٌ أَلْ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ] الثَّانِي: أَنَّ أَدَاةَ الْعُمُومِ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ فَهَلْ تَسْلُبُهُ مَعْنَى الْجَمْعِ وَيَصِيرُ لِلْجِنْسِ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّهِ وَهُوَ الْوَاحِدُ؛ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ عَلَى الْكَلِمَةِ عُمُومَانِ أَوْ مَعْنَى الْجَمْعِ بَاقٍ مَعَهَا؟ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَوَّلُ، وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِنَا الثَّانِي وَلِهَذَا اشْتَرَطُوا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ صِنْفٍ فِي الزَّكَاةِ إلَّا الْعَامِلِينَ، وَقَالُوا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أَوْ لَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ حَنِثَ عِنْدَهُمْ بِالْوَاحِدِ، وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمْعِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى كَوْنِهِ جَمْعَ كَثْرَةٍ حَتَّى لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَحَدَ عَشَرَ. نَعَمْ، ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ مِنْ " الْحَاوِي " أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَى الْمَسَاكِينِ حَنِثَ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَأَتَصَدَّقَنَّ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ، لِأَنَّ نَفْيَ الْجَمْعِ مُمْكِنٌ، وَإِثْبَاتَ الْجَمْعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَقَالَ السُّرُوجِيُّ فِي " الْغَايَةِ ": ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ أَنَّ اللَّامَ إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجُمُوعِ تَجْعَلُهَا لِلْجِنْسِ كَقَوْلِنَا، لَكِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ الثَّلَاثَةَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ فِي الزَّكَاةِ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ. قُلْت: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ، وَقَعَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُحْمَلُ عَلَى الْأُسْبُوعِ وَالسَّنَةِ، لِأَنَّهُ أَمْكَنُ الْعَهْدِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ، وَالرَّاجِحُ مَا صَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ عَمَلًا بِالصِّيغَتَيْنِ، وَهُوَ بَقَاءُ مَعْنَى اللَّامِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ،

стр. 1328

قَالَ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وَقَوْلُهُمْ: فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ. وَيُلْزِمُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَخْصِيصُهُ وَكَذَلِكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَقَالَ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ تَخْصِيصِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يَتَنَاهَى. وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَالْبَاقِي بَعْدَ تَخْصِيصِ الرِّبَا تَحْتَ الْبَيْعِ دَائِرٌ بَيْنَ الْأَقَلِّ وَالْكُلِّ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَأَيْضًا اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى جَوَازِ: جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُطْلَقَ جِنْسٌ مِنْ الْأَجْنَاسِ إلَّا عَلَى الْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ عَلَى كُلِّ الْجِنْسِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ النُّحَاةَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِدُونِ تَقَيُّدِهِمْ بِالْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْكُلِّ، بَلْ أَطْلَقُوا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالُوا: الْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ لِصَلَاحِيَتِهِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَثْنِيَتِهِ وَجَمْعِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي تَفْسِيرِهِ: اللَّامُ تُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ، وَالْجَمْعِيَّةُ تُفِيدُ التَّعَدُّدَ، وَمَا كُلُّ تَعَدُّدٌ اسْتِيعَابًا، فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ يَتَدَاخَلُ التَّعَدُّدُ وَالِاسْتِيعَابُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِيعَابِ، فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ لَامِ الْجِنْسِيَّةِ

стр. 1329

إلَى الْجَمْعِ؟ قُلْت: اُحْتِيجَ إلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، لِقَطْعِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ، فَالْجِنْسُ الْعَامُّ الْمُفْرَدُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْجَمْعِ الْعَامِّ الْجِنْسِ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ؛ بَلْ يَقِفُ جَوَازُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ أَقَلِّ ذَلِكَ الْجَمْعِ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَالرِّجَالُ أَفْضَلُ مِنْ النِّسَاءِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ جَمَاعَةً جَمَاعَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِغَرَضٍ يَخُصُّهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا فِي النَّفْيِ، فَقَالُوا: إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] إنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ دُونَ الْجِنْسِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ بَصَرٍ، وَهُوَ سَلْبُ الْعُمُومِ أَعْنِي نَفْيَ الشُّمُولِ، فَيَكُونُ سَلْبًا جُزْئِيًّا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَبْصَارِ، لِيَكُونَ عُمُومُ السَّلْبِ، أَيْ شُمُولُ النَّفْيِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ سَلْبًا كُلِّيًّا، كَمَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ فِي الْإِثْبَاتِ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي النَّفْيِ لِسَلْبِ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجِوَارِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ فِي النَّفْيِ يَعُمُّ، وَبِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَعُمُّ الْأَحْوَالَ وَالْأَوْقَاتِ، وَبِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ أَخَصُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُهَا. [اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ] وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ

стр. 1330

لِلْجِنْسِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ حَنِثَ بِالْوَاحِدِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِبَعْضِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ نَاسًا يُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ. لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِجَمِيعِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ فِي إفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " جَرَيَانُ خِلَافِ أَبِي هَاشِمٍ فِيهِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ النَّاسِ، وَجَعَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْجَمْعَ مِمَّا يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ، وَهَذَا مِمَّا يَعُمُّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ. [أَقَلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الطَّائِفَةِ] وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَفْظَ الطَّائِفَةِ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ شَيْءٍ، وَاخْتُلِفَ فِي أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، هَلْ هُوَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَقَلُّ؟ فَمِنْ حَيْثُ كَانَ مَدْلُولُهَا الْقِطْعَةَ مِنْ النَّاسِ لَمْ تَكُنْ عَامَّةً؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ شُمُولٌ لِغَيْرِ مُتَنَاهٍ وَلَا مَحْصُورٍ، قُلْت: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ، فَقَالَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ طَائِفَةٍ انْتَهَى هَذَا نَصُّهُ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَذَكَرُوا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَقَلُّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ خَطَأٌ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ تُطْلَقُ عَلَى وَاحِدٍ، أَمَّا فِي اللُّغَةِ:

стр. 1331

فَحَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَسْمُوعٌ مِنْ الْعَرَبِ، أَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدُ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵁) احْتَجَّ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَحَمَلَ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ. وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهُرُهَا: تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ، وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ فَارِسٍ فِي " فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ " وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَقَالَ فِي الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقَالَ: وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ

стр. 1332

أَرْبَعَةٌ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] بِالْقَرِينَةِ، وَهِيَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ كَمَا حَمَلَهُ فِي الْأُولَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ: جَاءَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ كَالْقِطْعَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ هَذَا، أَيْ قِطْعَةٌ مِنْهُ قَالَ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ اسْمُهَا عَلَى جِنْسٍ كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْفِيلِ، فَالْمَقْصُودُ بِهَا الْجَمَاعَةُ، كَمَا يُقَالُ: " كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ " أَيْ جَمَاعَةٌ، وَالْجَمَاعَةُ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ. هَذَا كَلَامُهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ كَالْقَوْمِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِالذُّكُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] وَكَذَلِكَ الرَّهْطُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الرَّهْطُ جَمْعٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ، وَكَذَلِكَ النَّفَرُ، وَعَلَى هَذَا فَفِي عَدِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ نَظَرٌ.

стр. 1333

[اسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ] وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ بِأَقْسَامِهِ السَّابِقَةِ، فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ سَوَاءٌ الِاسْمُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ كَالضَّارِبِ، وَالْمَضْرُوبِ، وَالْقَائِمِ وَالسَّارِقِ، وَالسَّارِقَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَهْدِ فَخَاصٌّ، سَوَاءٌ الذِّكْرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَوْ الذِّهْنِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] فَإِنَّ اللَّامَ فِي الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي اللَّفْظِ. وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَعْهُودٌ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَ " الْبُوَيْطِيِّ " وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي " الْأُمِّ " مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] إنْكَارًا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ يَعُمُّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَطَابَقَ، وَالْفُقَهَاءُ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَحْوِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مَعْلُومٌ قَبْلَ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَإِذَا دَخَلَتَا وَلَا مَعْهُودَ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا جَدِيدًا.

стр. 1334

وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ": " إنَّهُ الْمَذْهَبُ "، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَائِلِينَ بِالصِّيَغِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ، وَنَسَبَهُ لِأَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: " إنَّهُ الصَّحِيحُ "، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْجُبَّائِيُّ، وَنَصَرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ الْمُبَرِّدِ وَالْفُقَهَاءِ. قُلْت: وَنَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُك شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ مَحْكُومٌ بِفَسَادِهِ، لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا اقْتِضَاؤُهُ الْعُمُومَ لَمَا جَاءَ الْفَسَادُ. لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَوْ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهَيْنِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَصَحَّحَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] فُهِمَ أَنَّ الْقَطْعَ مِنْ أَجْلِ السَّرِقَةِ. وَصَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ إمَّا لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَفْقُودٌ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّفْظِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَخْلُفَ اللَّامَ فِيهِ " كُلُّ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ،

стр. 1335

وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ النَّحْوِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ " عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْعَهْدِ، وَلَا يَقْتَضِي الْجِنْسَ، قَالَ: وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَعْهُودِ صَارَ مُجْمَلًا، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُرَادَ إلَّا بِتَفْسِيرٍ، وَهَذَا صِفَةُ الْمُجْمَلِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجِنْسِ، وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ، وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ يُحْكَمُ بِظَاهِرِهِ، وَيُطْلَبُ دَلِيلُ الْمُرَادِ بِهِ. وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا فِيهِ الْهَاءُ، وَبَيْنَ مَا لَا هَاءَ فِيهِ، فَمَا لَيْسَ فِيهِ الْهَاءُ لِلْجِنْسِ عِنْدَ فِقْدَانِهَا، وَفِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّوَقُّفُ، وَنَقَلَهُ الْإِبْيَارِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَاَلَّذِي فِي الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ عَهْدٍ فَلِلْجِنْسِ، نَحْوُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، وَإِنْ لَاحَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لِلْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ، نَحْوُ الدِّينَارُ أَشْرَفُ مِنْ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ خَرَجَ عَلَى عَهْدٍ أَوْ إشْعَارٍ بِجِنْسٍ فَمُجْمَلٌ، وَأَنَّهُ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ عُمُومُهُ، وَتَنَاوَلَهُ الْجِنْسُ بِحَالَةٍ مُقْتَرِنَةٍ مَعَهُ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ. الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ لَفْظُ الْوَاحِدِ فِيهِ عَنْ الْجِنْسِ بِالتَّاءِ كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ، فَإِذَا عُرِّيَ عَنْ التَّاءِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ، كَقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ» قَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ":
следующие страницы →