Полный текст (3 423 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تَبِعَهُ كَالْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى ذِكْرِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْفَاعِلِيَّةِ وَالْغَائِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِيُبَيِّنَ صُورَةَ الشَّيْءِ، إذْ الصُّورَةُ إنَّمَا هِيَ كَمَالُ وُجُودِ الشَّيْءِ، وَهِيَ أَشْرَفُ مَا بِهِ قِوَامُهُ، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ تُوجَدَ أَجْزَاءُ الْحَدِّ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ لَا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا أُوجِدَ الْحَدُّ بِجِنْسِهِ وَفَصْلِهِ صُوِّرَ الشَّيْءُ بِصُورَتِهِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ مَادَّتِهِ، وَأَرَدْنَا كَمَالَ الْحَدِّ بِذِكْرِ بَاقِي أَسْبَابِ وُجُودِهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُذْكَرَ فِي الْحَدِّ عَلَى جِهَةِ التَّبَعِ، فَيَكُونُ الْحَدُّ حِينَئِذٍ كَامِلًا قَدْ كَمُلَتْ فِيهِ جَمِيعُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ الدَّاخِلَةِ فِي ذَاتِهِ، وَهُمَا مَادَّتُهُ وَصُورَتُهُ، وَالْخَارِجَةُ عَنْ ذَاتِهِ وَهُمَا فَاعِلُهُ وَغَايَتُهُ. وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ". قَالَ: وَتَرْتِيبُهُ فِيهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي السَّبَبِيَّةِ، فَتُؤْخَذُ الصُّورَةُ أَوَّلًا الَّتِي هِيَ أَقْوَى سَبَبَيْ الشَّيْءِ الدَّاخِلَيْنِ فِي ذَاتِهِ، ثُمَّ تُتْبَعُ بِالْمَادَّةِ، ثُمَّ بِالْخَارِجَيْنِ عَنْ ذَاتِهِ. فَيَكُونُ هَذَا الْحَدُّ أَكْمَلَ الْحُدُودِ، وَلَوْ اقْتَصَرْنَا عَلَى صُورَتِهِ لَكَفَى لَكِنَّ هَذَا أَكْمَلُ. انْتَهَى.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَدِّ]
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَدِّ] وَأَمَّا شُرُوطُ صِحَّتِهِ: فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى. فَمِنْ الْمَعْنَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الِاطِّرَادُ، وَمَانِعًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الِانْعِكَاسُ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
стр. 142
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُطَّرِدُ هُوَ الْمَانِعُ وَالْمُنْعَكِسُ هُوَ الْجَامِعُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَوْفَقُ لِلِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ. فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا: اطَّرَدَ كَذَا أَنَّهُ وُجِدَ وَاسْتَمَرَّ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّرْدِ الْوُجُودَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا صَوَّبْنَا الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِ بِالِاطِّرَادِ أَنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْمَحْدُودِ. مُطَّرِدٌ، وَهَذَا الَّذِي تَحَقَّقَ وَصْفُهُ بِالْحَدِّ، فَالْمُرَادُ اطِّرَادُ التَّعْرِيفِ.
تَنْبِيهٌ هَلْ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ شَرْطُ الصِّحَّةِ أَوْ دَلِيلُهَا؟ خِلَافٌ. حَكَاهُ الْأَنْبَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ "، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ صِحَّةُ الْحَدِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الصِّحَّةِ لَزِمَ مِنْ الْوُجُودِ الصِّحَّةُ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ؛ لِأَنَّا نَجِدُ حُدُودًا مُطَّرِدَةً وَمُنْعَكِسَةً، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهَا مَقْصُودُ الْبَيَانِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ، كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا. فَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: عُرِفَتْ صِحَّتُهُ بِاطِّرَادِهِ وَانْعِكَاسِهِ فَتَجَوُّزٌ. اهـ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْحَدِّ الِاطِّرَادُ وَالِانْعِكَاسُ، وَمَا اطَّرَدَ وَلَمْ يَنْعَكِسْ جَرَى مَجْرَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَوْ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ أَخْفَى مِنْ الْمَحْدُودِ، وَلَا مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْخَفَاءِ، وَعِبَارَةُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ بِأَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ أَوْضَحَ مِنْهُ وَأَسْبَقَ
стр. 143
إلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ شَائِعًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يَكُونُ عِلَّتَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
[الْخَفَاءُ هَلْ يُعْتَبَرُ الْخَفَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ أَوْ إلَى كُلِّ أَحَدٍ]
تَنْبِيهٌ [الْخَفَاءُ] هَلْ يُعْتَبَرُ الْخَفَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ أَوْ إلَى كُلِّ أَحَدٍ؟ مِثَالُهُ النَّفْسُ أَخْفَى مِنْ النَّارِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا عَرَّفَ نَفْسَهُ أَجْلَى مِنْ النَّارِ، فَهَلْ تُحَدُّ لَهُ النَّارُ بِأَنَّهَا جِسْمٌ كَالنَّفْسِ؟ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ، وَالظَّاهِرُ: الْجَوَازُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا عَلَى اخْتِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ، فَعِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ لَا بُدَّ فِي الْحَدِّ مِنْ التَّرْكِيبِ، وَمَنَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَإِلَيْهِ يَمِيلُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ ": الصَّحِيحُ: جَوَازُهُ، وَمَنْ مَنَعَهُ اعْتَبَرَهُ بِالْعِلَّةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَرْكِيبِ الْحَدِّ مِنْ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ. فَمَنَعَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْجَمْعَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَلِهَذَا اخْتَارَ فِي حَدِّ الْجِسْمِ أَنَّهُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ، وَاخْتَارَ الْبَاقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَرْكِيبَ الْحَدِّ مِنْ وَصْفَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا.
стр. 144
وَزَعَمَتْ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُرَكَّبًا مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ. وَزَعَمُوا أَنَّ مَا اطَّرَدَ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَانْعَكَسَ فَهُوَ رَسْمٌ لَا حَدٌّ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ قَوْلَنَا: الْإِنْسَانُ هُوَ الضَّاحِكُ رَسْمٌ، وَقَوْلُهُمْ: الْإِنْسَانُ حَيٌّ نَاطِقٌ مَائِتٌ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْعِ التَّرْكِيبِ تَكْلِيفَ الْمَسْئُولِ أَنْ يَأْتِيَ فِي حَدِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، إذْ الْمَقْصُودُ اتِّحَادُ الْمَعْنَى بِدُونِ اللَّفْظِ، وَالْعِبَارَاتُ لَا تُقْصَدُ لِأَنْفُسِهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ حُدُودًا بَلْ مُنْبِئَةٌ عَنْ الْحُدُودِ. ﴿تَنْبِيهٌ﴾ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَنَّ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: لَمْ يَتَوَارَدْ كَلَامُهُمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. بَلْ الْمُرَادَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَمُرَادُ الْمَنْطِقِيِّينَ بِالتَّرْكِيبِ هُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْحَدِّ، وَالتَّرْكِيبُ الَّذِي أَرَادَهُ الْأُصُولِيُّونَ هُوَ تَدَاخُلُ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلْمَحْدُودِ. مِثَالُهُ: إذَا حُدَّ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ الْمُتَّصِفِ بِهِ إحْكَامُ الْفِعْلِ وَإِتْقَانُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا فِيهِ تَرْكِيبٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ، فَتَكُونُ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ عِلْمًا؛ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ دَاخِلَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ لَزِمَ التَّرْكِيبُ الْمُفْسِدُ لِلْحَدِّ، وَإِنْ كَانَتَا خَارِجَتَيْنِ عَنْ الْعِلْمِ، فَالْعِلْمُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَصِحُّ بِهِ الْإِحْكَامُ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ الْعَاجِزَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِحْكَامُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ.
стр. 145
[فَرْعٌ التَّحْدِيدُ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ]
ِ] قَالَ الْأُسْتَاذُ: اخْتَلَفُوا فِي التَّحْدِيدِ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ، فَالْمَانِعُونَ مِنْ تَرْكِيبِ الْحَدِّ مَنَعُوهُ، وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ مَنْ أَجَازَ التَّرْكِيبَ. نَحْوَ: الْخَبَرُ مَا كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، وَحَقِيقَةُ الْوُجُودِ مَا كَانَ قَدِيمًا أَوْ مُحْدَثًا، وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ فِي أَنَّ التَّقْسِيمَ فِي الْحَدِّ هَلْ يُفْسِدُهُ؟ أَحَدُهَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّرَدُّدِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلتَّعْرِيفِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا وَلَا تَرَدُّدَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: وَصَحَّحَهُ، إنْ كَانَ التَّقْسِيمُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِّ أَفْسَدَهُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ لِمَقْصُودِ الْبَيَانِ لَمْ يُفْسِدْهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّقْسِيمُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِّ إذَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا أُسْقِطَ مِنْ الْحَدِّ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ، وَمِنْهَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَدَّرَ الْحُدُودُ بِلَفْظَةِ " كُلٍّ " هَكَذَا أَطْلَقُوهُ. وَكَانَ مَقْصُودُهُمْ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ، أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِكُلِّ فَرْدٍ، فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ صَادِقًا عَلَى كُلٍّ مِنْهَا. مِثَالُهُ: الْإِنْسَانُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الْحَدُّ مَنْطِقِيًّا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا صَادِقًا عَلَى ذَوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّك تَكُونُ حَكَمْت عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا بِأَنَّهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ، وَغَيْرُهُ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، وَيَجِبُ تَنْزِيلُ إطْلَاقِهِمْ الْمَنْعَ عَلَى هَذَا
стр. 146
أَمَّا بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيِّ الْمَجْمُوعِيِّ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ " كُلٍّ " فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ حِينَئِذٍ الْمَاهِيَّةُ الْمُرَكَّبَةُ مِنْ أَجْزَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُرَادَةٍ بِلَفْظِ " كُلٍّ "، وَالْحَدُّ لِمَجْمُوعِهَا، إذْ لَا مَانِعَ أَنْ تُحِدَّ شَيْئًا وَاحِدًا مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ خَارِجِيَّةٍ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَمِنْ هَاهُنَا يَظْهَرُ أَنَّ الْكُلِّيَّ لَا يَجُوزُ تَصْدِيرُ حَدِّهِ بِلَفْظَةِ " كُلٍّ "؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِيهِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ، وَ " كُلٌّ " مَوْضُوعُهَا كُلِّيَّةٌ. وَمِنْ اللَّفْظِيَّةِ تَوَقِّي الْأَلْفَاظِ الْغَرِيبَةِ الْوَحْشِيَّةِ وَالِاشْتِرَاكِ [وَ] الْإِجْمَالِ وَالتَّكْرَارِ وَالْمَجَازِ غَيْرِ الشَّائِعِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لِبُعْدِ الْبَيَانِ، فَإِنْ اقْتَرَنَتْ قَرِينَةُ مَعْرِفَةٍ فَفِيهِ خِلَافٌ. قَالَ الْأَنْبَارِيُّ: وَالصَّحِيحُ: الْقَبُولُ، وَالْأَحْسَنُ: التَّرْكُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنْ كَانَ اللَّفْظُ نَصًّا فَهُوَ أَحْسَنُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْحُدُودِ، وَكَذَا إنْ كَانَ ظَاهِرًا وَاحْتِمَالُهُ بَعِيدٌ. فَإِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا أَوْ مُلْتَبِسًا فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرِينَةِ بِحَالٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمَقَالِيَّةِ كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ الثِّقَةُ بِالْمَعْلُومِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالْعِلْمِ: لَكِنَّ ذِكْرَ الْمَعْلُومِ يَقْطَعُ ذَلِكَ الِاشْتِرَاكَ، وَيُبَيِّنُ مَقْصُودَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْهُ. وَهَلْ يَكُونُ اقْتِرَانُ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ بَيْنَ الْمُتَخَاطِبِينَ يَقُومُ مَقَامَ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ؟ هَذَا أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ. اهـ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ ": اخْتَلَفُوا فِي التَّحْدِيدِ بِالْمَجَازِ، فَأَجَازَهُ قَوْمٌ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَصْفِ اللَّازِمِ، وَالْمَجَازُ غَيْرُ لَازِمٍ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ التَّبْيِينُ، وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: اخْتَلَفُوا فِي أَلْفَاظِ الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ هَلْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحُدُودِ؟ فَقِيلَ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ اللَّبْسِ عِنْدَ السَّامِعِ، وَقِيلَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ.
стр. 147
وَفَصَّلَ آخَرُونَ بَيْنَ الْمُسْتَعْمَلِ الْمَشْهُورِ، وَبَيْنَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا اُسْتُعْمِلَ، وَهُوَ رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " الشَّامِلِ "، وَالْغَزَالِيِّ فِي " الْمُسْتَصْفَى ". فَقَالَ: يَجِبُ طَلَبُ النَّهْيِ مَا أَمْكَنَ فَإِنْ أَعْوَزَك النَّصُّ وَافْتَقَرْت إلَى الِاسْتِعَارَةِ، فَاطْلُبْ مِنْ الِاسْتِعَارَاتِ مَا هُوَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْغَرَضِ. انْتَهَى. وَيَجِبُ أَنْ يُبْتَدَأَ بِالْأَعَمِّ ثُمَّ بِالْأَخَصِّ فِي الْحُدُودِ التَّامَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ مِنْهَا هُوَ الْجِنْسُ، فَلَا يُقَالُ: مُسْكِرٌ مُعْتَصَرٌ مِنْ الْعِنَبِ بَلْ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْأَخَصِّ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْ الْأَعَمِّ. فَإِذَا ذُكِرَ الْأَخَصُّ أَوَّلًا تَعَذَّرَ الْفَهْمُ حَتَّى يُذْكَرَ الْأَعَمُّ. ثُمَّ يُفْهَمُ الْأَخَصُّ فَيَتَرَاخَى الْفَهْمُ عَنْ الذَّاكِرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ذُكِرَ الْأَعَمُّ أَوَّلًا، وَلِأَنَّ بِتَقْدِيمِ الْأَخَصِّ يَخْتَلُّ الْجُزْءُ الصُّورِيُّ مِنْ الْحَدِّ، فَلَا يَكُونُ تَامًّا مُشْتَمِلًا عَلَى جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، وَأَمَّا غَيْرُ التَّامِّ فَتَقْدِيمُ الْأَعْرَفِ أَوْلَى، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
[مَسْأَلَةٌ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْحَدِّ]
ِّ] وَلَا خِلَافَ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ أَنَّ النُّقْصَانَ فِي الْحَدِّ زِيَادَةٌ فِي الْمَحْدُودِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ فِيهِ، فَقَالَتْ الْأَوَائِلُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّهُ نُقْصَانٌ فِي الْمَحْدُودِ أَيْضًا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنْ كَانَ جُزْءًا مِنْهُ فَكَذَلِكَ، كَحَدِّهِمْ الْجَوْهَرَ
стр. 148
بِالْمُتَلَوِّنِ بِالسَّوَادِ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ جُزْءٌ مِنْ اللَّوْنِ، وَلَوْ طَرَحَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ، وَقَالَ: الْجَوْهَرُ هُوَ الْمُتَلَوِّنُ، لَكَانَ حَدُّهُ أَعَمَّ وَأَوْضَحَ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: عِنْدِي أَنَّ الزِّيَادَةَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: نَقْصٌ مِنْ الْمَحْدُودِ كَقَوْلِنَا فِي الْحَرَكَةِ: إنَّهَا نَقْلَةٌ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَوْ الشِّمَالِ، وَهَذَا يُخْرِجُ كُلَّ نَقْلَةٍ لَا إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ عَنْ أَنْ تَكُونَ حَرَكَةً. وَالثَّانِي: لَا يَنْقُصُ بَلْ يَكُونُ وُجُودُهَا وَعَدَمُهَا سَوَاءً كَقَوْلِنَا فِي الْحَرَكَةِ: إنَّهَا فِعْلُ نَقْلَةٍ أَوْ عَرْضُ نَقْلَةٍ.
[فَائِدَةٌ إعْرَابُ الصِّفَاتِ فِي الْحُدُودِ]
ِ] كَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَقُولُ: إنَّ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحُدُودِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْرَبَ أَخْبَارًا ثَوَانِيَ، بَلْ يَتَعَيَّنُ إعْرَابُهَا صِفَةً لِمَا يَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ اسْتِقْلَالِ كُلِّ خَبَرٍ بِالْحَدِّ، وَمِنْ هُنَا مَنَعَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ حُلْوٌ حَامِضٌ خَبَرَيْنِ. وَأَوْجَبَ الْأَخْفَشُ أَنْ يُعْرَبَ حَامِضٌ صِفَةً. وَالْجُمْهُورُ الْقَائِلُونَ: إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَبَرٌ لَا يَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ فِي نَحْوِ:
стр. 149
الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ؛ لِأَنَّ حُلْوٌ حَامِضٌ ضِدَّانِ. فَالْعَقْلُ يَصْرِفُ عَنْ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَا مَقْصُودَيْنِ بِالذَّاتِ وَأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا قُصِدَ مَعْنَاهُ فَلَا تُوقِعُ فِي الْغَلَطِ. بِخِلَافِ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ، وَلَا فِي الْعَقْلِ إذَا كَانَا خَبَرَيْنِ مَا يَصْرِفُ كُلًّا مِنْهُمَا عَنْ الِاسْتِقْلَالِ، وَلِأَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ الْأَوَّلَ مِنْ حُلْوٍ حَامِضٍ كَالْخَبَرِ الثَّانِي لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ بِالْكُلِّيَّةِ. حَتَّى نُقِلَ عَنْ الْفَارِسِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُ ضَمِيرًا، وَمَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَنَاطِقٍ مَثَلًا مَقْصُودٌ وَحْدَهُ. أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ: دَخَلَ بِالْجِنْسِ كَذَا، ثُمَّ خَرَجَ بِالْفَصْلِ الْأَوَّلِ كَذَا، ثُمَّ بِالْفَصْلِ الثَّانِي كَذَا؟ فَقَدْ جَعَلْت لِكُلٍّ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ شَأْنُ حُلْوٍ حَامِضٍ. فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَا خَبَرَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ فَيَفْسُدُ الْحَدُّ، أَوْ يَكُونُ الثَّانِي صِفَةً وَهُوَ الْمُدَّعَى، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ.
[الْقِسْمَةُ حَدِّهَا وَأَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ صِحَّتِهَا]
الْقِسْمَةُ وَعِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِالتَّقْسِيمِ إلَى دَرْكِ الْحَقِيقَةِ كَالْحَدِّ. وَسَبَقَ عَنْ الْأُسْتَاذِ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّرْكِيبِ فِي الْحَدِّ، وَالنَّظَرِ فِي حَدِّهَا وَأَنْوَاعِهَا وَشُرُوطِ صِحَّتِهَا. أَمَّا حَدُّهَا فَتَكْثِيرُ الْوَاحِدِ تَقْدِيرًا، وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ تَمْيِيزٍ وَقِسْمَةُ ثَوَابِتَ، وَالثَّوَابِتُ مَا عَادَ الْمُسْتَدْعَى مِنْهَا إلَى الِاشْتِرَاكِ فِي مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَالتَّمْيِيزُ بِعَكْسِهِ: وَقَدْ بَلَّغَهَا الْقُدَمَاءُ إلَى أَنْوَاعٍ ثَمَانِيَةٍ:
стр. 150
الْأَوَّلُ: قِسْمَةُ الْجِنْسِ إلَى الْأَنْوَاعِ، كَقِسْمَةِ الْحَادِثِ إلَى جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ وَقِسْمَةِ الْعَرَضِ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ إلَى أَنْوَاعِهِ، وَكَتَقْسِيمِ الْكَلِمَةِ إلَى اسْمٍ وَفِعْلٍ وَحَرْفٍ، وَتَقْسِيمِ الْفُرْقَةِ عَنْ النِّكَاحِ إلَى طَلَاقٍ وَفَسْخٍ، وَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إلَى فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ.
الثَّانِي: قِسْمَةُ النَّوْعِ إلَى الْأَشْخَاصِ، كَقِسْمَةِ السَّوَادِ إلَى سَوَادِ الْقَارِ وَسَوَادِ الزِّنْجِيِّ. الثَّالِثُ: قِسْمَةُ الْكُلِّ إلَى الْأَجْزَاءِ كَقِسْمَةِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ إلَى الْأَعْضَاءِ الرَّئِيسَةِ وَإِلَى الرَّأْسِ وَالْيَدِ. الرَّابِعُ: قِسْمَةُ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ. الْخَامِسُ: قِسْمَةُ الْجَوْهَرِ إلَى الْأَعْرَاضِ، كَقَوْلِهِمْ: الْجِسْمُ مِنْهُ أَحْمَرُ وَأَسْوَدُ. السَّادِسُ: قِسْمَةُ الْعَرَضِ إلَى الْجَوَاهِرِ كَقَوْلِهِمْ: الْأَبْيَضُ إمَّا ثَلْجٌ أَوْ قُطْنٌ. السَّابِعُ: قِسْمَةُ الْعَرَضِ إلَى أَعْرَاضٍ كَقَوْلِهِمْ: الْخَلْقُ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ. قَالُوا: وَإِلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ يَنْقَسِمُ كُلُّ مُنْقَسِمٍ، وَفِيمَا ذَكَرُوهُ ضَرْبٌ مِنْ التَّدَاخُلِ. الثَّامِنُ: قِسْمَةُ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ]
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْقِسْمَةِ] وَأَمَّا شُرُوطُ صِحَّتِهَا فَعَدَمُ التَّدَاخُلِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَالتَّنَافُرِ. فَالتَّدَاخُلُ كَقَوْلِك: الْجَوْهَرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهِ لَوْنٌ أَوْ سَوَادٌ.
стр. 151
وَالتَّنَافُرُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَعْنَى فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ كَقَوْلِك: الْكَوْنُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حَرَكَةً أَوْ سُكُونًا أَوْ سَوَادًا، فَإِنَّك أَدْخَلْت فِي جِنْسِ الْكَوْنِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ اللَّوْنِ فَتَنَافُرُ جِنْسِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ نَوْعًا لَهُ، وَيَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ. وَقَدْ يَكُونُ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ وَصِفَتِهِ كَقَوْلِك: لَا يَخْلُو اللَّوْنُ الْقَائِمُ بِالْجَوْهَرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سُكُونًا أَوْ يَكُونَ الْجَوْهَرُ مُتَحَرِّكًا.
[مَسْأَلَةٌ تَوَقُّفُ الْمَطْلُوبِ التَّصْدِيقِيِّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ]
ِ] يَتَوَقَّفُ الْمَطْلُوبُ التَّصْدِيقِيِّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ لَا يُمْكِنُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا وَلَا النُّقْصَانُ عَنْهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُقَلَاءِ. قَالُوا: وَهُمَا كَالشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ. قَالُوا: وَالْمُقَدِّمَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُنْتِجُ كَمَا لَا يُنْتِجُ ذَكَرٌ دُونَ أُنْثَى، وَلَا. عَكْسُهُ، وَإِنَّمَا تَكُونُ النَّتِيجَةُ بِازْدِوَاجِ مُقَدِّمَتَيْنِ. وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّهُ يَصِحُّ إنْتَاجُ الْمُقَدِّمَةِ الْوَاحِدَةِ، وَقَدْ اُسْتُنْكِرَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ إذَا كَانَتْ مَشْهُورَةً، وَيَكُونُ حَذْفُهَا إذْ ذَاكَ مِنْ الدَّلِيلِ اخْتِصَارًا لَا اقْتِصَارًا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ. وَهَذَا كَمَا لَوْ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَحُذِفَتْ هَذِهِ اخْتِصَارًا، وَلِهَذَا يُسَمَّى بِالْمُضْمَرِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا تُحْذَفُ لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا الِاخْتِصَارُ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَوْ صُرِّحَ بِهَا لَمَنَعَهَا الْخَصْمُ، كَقَوْلِنَا: النَّبِيذُ مُسْكِرٌ فَهُوَ حَرَامٌ، فَلَوْ صُرِّحَ بِالْكُبْرَى وَهِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ لَمَنَعَهَا الْخَصْمُ. وَإِمَّا؛ لِأَنَّهَا كَاذِبَةٌ فَتُضْمَرُ لِئَلَّا يَظْهَرَ
стр. 152
كَذِبُهَا فَيَكُونَ إخْفَاؤُهَا أَرْوَجَ لِلْمُغَالَطَةِ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَحْذُوفُ الْكُبْرَى. فَإِنْ حُذِفَتْ الصُّغْرَى سُمِّيَ قِيَاسَ الرَّمْيِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فَحُذِفَتْ الْمُقَدِّمَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ النَّاطِقَةُ بِرَفْعِ الثَّانِي، وَهِيَ " لَكِنَّهُمَا لَمْ تَفْسُدَا " ﴿إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] فَحُذِفَ مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْتَغُوا.
[مَسْأَلَةٌ الْمَوْضُوعُ وَالْمَحْمُولُ]
ُ] وَكُلٌّ مِنْ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يَنْقَسِمُ إلَى مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ. أَيْ: مَحْكُومٍ عَلَيْهِ وَمَحْكُومٍ بِهِ. قَالُوا: وَالنُّحَاةُ يُسَمُّونَهُمَا الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ. قَالَ الْمَنْطِقِيُّونَ: وَلَا بُدَّ مِنْ نِسْبَةِ تَوَسُّطٍ بَيْنَ الْمَحْمُولِ وَالْمَوْضُوعِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ قَضِيَّةٌ. وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ يُسَمَّى رَابِطَةً، فَإِنْ صُرِّحَ بِهَا كَقَوْلِنَا: زَيْدٌ هُوَ كَاتِبٌ سُمِّيَتْ ثُلَاثِيَّةً، وَإِنْ أُسْقِطَتْ اعْتِمَادًا عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى نَحْوَ زَيْدٌ كَاتِبٌ سُمِّيَتْ ثُنَائِيَّةً، وَهِيَ: الرَّابِطَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدَوَاتِ فِي غَيْرِ لُغَةِ الْعَرَبِ. أَمَّا لُغَةُ الْعَرَبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا أَدَاةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهَا اسْمًا عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ فِي ضَمِيرِ الْفَصْلِ، وَقَدْ رَدَّ السُّهَيْلِيُّ فِي " نَتَائِجِ الْفِكْرِ " قَوْلَ الْمَنَاطِقَةِ فِي هَذَا بِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ إذَا كَانَ اسْمًا مُفْرَدًا جَامِدًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى رَابِطَةٍ تَرْبِطُهُ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ،
стр. 153
كَمَا زَعَمَ الْمَنْطِقِيُّونَ أَنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مُظْهَرًا أَوْ مُضْمَرًا. قَالَ: وَكَيْفَ يَكُونُ مُضْمَرًا وَيَدُلُّ عَلَى ارْتِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُخَاطَبُ لَا يَسْتَدِلُّ إلَّا بِلَفْظٍ يَسْمَعُهُ لَا بِشَيْءٍ يُضْمِرُهُ فِي نَفْسِهِ؟ وَلَوْ احْتَجْنَا إلَى " هُوَ " مُضْمَرَةً أَوْ مُظْهَرَةً، لَاحْتَجْنَا إلَى " هُوَ " أُخْرَى يُرْبَطُ الْخَبَرُ بِهَا، وَذَلِكَ يَتَسَلْسَلُ.
[مَسْأَلَةٌ النَّتِيجَةُ تَتْبَعُ الْمُقَدِّمَاتِ]
ِ] وَالْمُقَدِّمَاتُ إنْ كَانَتْ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً فَالنَّتِيجَةُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا قَطْعِيًّا وَبَعْضُهَا ظَنِّيًّا فَهِيَ ظَنِّيَّةٌ، وَالنَّتِيجَةُ أَبَدًا تَتْبَعُ أَخَسَّ الْمُقَدِّمَتَيْنِ فِي الْكَمِّ وَالْكَيْفِ جَمِيعًا، وَقَدْ قِيلَ:
إنَّ الزَّمَانَ لَتَابِعٌ لِلْأَنْذَلِ ... تَبَعَ النَّتِيجَةِ لِلْأَخَسِّ الْأَرْذَلِ.
стр. 154
[الْأَحْكَامُ]
ُ فَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ. فَنَقُولُ: هُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَالصَّرْفُ، وَمِنْهُ الْحَكَمَةُ لِلْحَدِيدَةِ الَّتِي فِي اللِّجَامِ، وَبِمَعْنَى الْإِحْكَامِ، وَمِنْهُ الْحَكِيمُ فِي صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: خِطَابُ الشَّرْعِ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ. فَيَخْرُجُ الْمُتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْمُكَلَّفِ، نَحْوُ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تُقَابَلُ الْأَفْعَالُ بِالْأَقْوَالِ فِي الْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ. وَقَوْلُنَا: " بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ " فِيهِ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَعْدُومٍ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِفِعْلٍ حَقِيقَةً. وَلَوْ اُحْتُرِزَ عَنْهُ لَقِيلَ: الْمُتَعَلَّقُ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا، وَأُشِيرَ بِالتَّعَلُّقِ إلَى أَنَّ حَاصِلَ الْحُكْمِ مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ
стр. 155
تَأْثِيرٌ فِي ذَاتِ الْحَاكِمِ أَوْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ. وَنَعْنِي بِالِاقْتِضَاءِ مَا يُفْهَمُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنْ اسْتِدْعَاءِ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ، وَبِالتَّخْيِيرِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. وَالْمُرَادُ " بِأَوْ " أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ كَانَ حُكْمًا وَإِلَّا فَلَا يَرِدُ سُؤَالُ التَّرْدِيدِ فِي الْحَدِّ. هَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ. أَمَّا تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ. فَالْمُرَادُ بِهِ تَكْلِيفُ الْوَلِيِّ بِأَدَائِهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ لِيَدْخُلَ الصَّبِيُّ، وَهَذَا نَشَأَ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ الْوَلِيِّ أَوْ بِأَمْرِ الشَّارِعِ؟ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِّ التَّامِّ الْعَقْلَ لِيَخْتَصَّ بِالْمُمَيِّزِ. وَالْخِطَابُ يُمْكِنُ مَعَهُ لِفَهْمِهِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ التَّكْلِيفُ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَرْهَانٍ: بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. وَانْفَصَلَ عَنْ سُؤَالِ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخِطَابِ الْوَضْعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْإِنْسَانِ مِنْ الْبَهَائِمِ. قَالَ:؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْسَبُ إلَى تَفْرِيطِ الْمَالِكِ فِي حِفْظِهَا حَتَّى لَوْ قَصَدَ التَّفْرِيطَ لَمْ يَكُنْ لِفِعْلِهَا حُكْمٌ. وَهَذَا لَا يُفِيدُهُ، بَلْ السُّؤَالُ بَاقٍ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا مُعْتَبَرٌ فِي التَّضْمِينِ إمَّا بِكَوْنِهِ شَرْطًا وَإِمَّا سَبَبًا، وَالشَّرْطِيَّةُ وَالسَّبَبِيَّةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَوْلَا فِعْلُهَا إمَّا مُضَافًا، وَإِمَّا مُسْتَقِلًّا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ. أَوْ نَقُولُ: هُوَ عِلَّةٌ بِدَلِيلِ دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا
стр. 156
لَا يُقَالُ: الْخِطَابُ قَدِيمٌ فَكَيْفَ يُعْرَفُ الْحُكْمُ الْحَادِثُ؟ ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ كَوْنَ الْحُكْمِ حَادِثًا. وَقَوْلُ الرَّازِيَّ هُنَا: إنَّ الْحَادِثَ هُوَ التَّعَلُّقُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْمُنْتَسِبِينَ، فَيَلْزَمُ حُدُوثُ الْحُكْمِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ فَلَا يَلْزَمُ حُدُوثُهُ؛ وَلِأَنَّ النِّسْبَةَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا يُوصَفُ بِحُدُوثٍ وَلَا عَدَمٍ. وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ قَدِيمٌ، وَبِهِ جَزَمَ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِ " الْقِيَاسِ " فِي " الْمَحْصُولِ "، فَحَصَلَ فِي الْمُتَعَلَّقِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَدِيمٌ، حَادِثٌ، لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِلتَّعْلِيقِ اعْتِبَارَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قِيَامُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ بِالذَّاتِ وَهُوَ قَدِيمٌ. وَالثَّانِي: تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ، وَهُوَ الْحَادِثُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ. وَالْقَوْلُ بِحُدُوثِ التَّعَلُّقِ يُلَائِمُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لَيْسَ آمِرًا فِي الْأَزَلِ، وَهُوَ الْقَلَانِسِيُّ. وَأَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ يَأْبَاهُ.
تَنْبِيهٌ [تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ] عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالتَّعَلُّقِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْمُجْمَلِ أَنَّ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]
стр. 157
أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ بِقَرِينَةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ. وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ خُرُوجُهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ حُرْمَةَ الْفِعْلِ خُرُوجٌ مِنْ الْأَعْيَانِ شَرْعًا، وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ إذَا أُضِيفَا إلَى الْأَعْيَانِ فَهِيَ أَوْصَافٌ لَهَا كَمَا تَكُونُ أَوْصَافًا لِلْأَفْعَالِ فِي قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا، لِلْمُعْتَزِلَةِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إضَافَةَ التَّحْرِيمِ إلَى الْأَعْيَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ قَبِيحٌ. وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْأَسْرَارِ " مِنْهُمْ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ مَعًا إذَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ أُضِيفَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ كَمَا يُقَالُ: جَرَى الْمِيزَابُ، وَقَالَ: حُرِّمَتْ الْمَيْتَةُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لِمَعْنًى فِيهَا، وَلَا يُقَالُ: حَرُمَتْ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا احْتِرَامُ الْمَالِكِ فَحَصَلَ فِي تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْأَعْيَانِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا مِنْ الْغَرَائِبِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُوصَفُ بِمَا يَعُودُ إلَى نَفْسِ الذَّاتِ أَوْ صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ، أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، أَوْ صِفَةٍ تُعَلَّقُ لَا يَرْجِعُ مِنْهَا شَيْءٌ إلَى الذَّاتِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْأَحْكَامِ هَلْ يَكْتَسِبُ بِهَا الذَّوَاتُ صِفَةً أَمْ لَا؟ .
الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ التَّعَلُّقِ فَإِذَا قِيلَ: هَذَا نَجِسٌ فَلَيْسَ النَّجَاسَةُ
стр. 158
وَلَا كَوْنُهُ نَجِسًا رَاجِعًا إلَى نَفْسِهِ، وَلَا إلَى صِفَةٍ نَفْسِيَّةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ لِلذَّاتِ، بَلْ هِيَ حَالَ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ لَمْ يُفِدْ هَذَا الْحُكْمُ صِفَةً زَائِدَةً قَائِمَةً بِهَا لِأَجْلِ الْحُكْمِ، وَمَعْنَى النَّجَاسَةِ تَعَلُّقُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إنَّهَا مُجْتَنَبَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا قَوْلُنَا: شُرْبُ الْخَمْرِ حَرَامٌ لَيْسَ الْمُرَادُ تَجَرُّعَهَا وَحَرَكَاتُ الشَّارِبِ، وَإِنَّمَا التَّحْرِيمُ رَاجِعٌ إلَى تَعَلُّقِ قَوْلِ اللَّهِ فِي النَّهْيِ عَنْ شُرْبِهَا، وَقَدْ تَحَقَّقَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ أَنَّ صِفَاتِ التَّعَلُّقِ لَا تَقْتَضِي إفَادَةَ وَصْفٍ عَائِدٍ إلَى الذَّاتِ، وَهَذَا كَمَنْ عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا قَاعِدٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّ عِلْمَهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَيْدٍ لَمْ يُغَيِّرْ مِنْ صِفَاتِ زَيْدٍ شَيْئًا، وَلَا حَدَثَتْ لِزَيْدٍ صِفَةٌ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى اسْتِفَادَةِ الذَّوَاتِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَائِدَةً، وَرَأَوْا أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْوُجُوبَ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ، وَقَدَّرُوهُ وَصْفًا ذَاتِيًّا.
قَالَ الْقَاضِي: وَاعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِضَرْبٍ مِنْ الْجَهْلِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ تُوُهِّمَ عَدَمُ الْفِعْلِ لَعُدِمَتْ أَحْكَامُهُ بِأَسْرِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحْكَامُهُ هِيَ هُوَ. قَالَ: وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ، وَأَحْكَامِهَا وَأَقْوَالِهَا وَأَفْعَالِهَا هِيَ هِيَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ عَدَمُ الْجِسْمِ لَعُدِمَتْ أَحْوَالُهُ وَأَلْوَانُهُ وَجَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِبَارَةً عَنْ أَفْعَالِهِ وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ، وَنَسَبَ غَيْرُهُ هَذَا إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، فَقَالَ: الْأَحْكَامُ تَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ وَهِيَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَهِيَ نَفْسِيَّةٌ
стр. 159
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: وَقَوْلُنَا: الْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّهُ جَمَادٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خِطَابٌ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ تَنَاوُلُهَا، وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: الْحُكْمُ لَا يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْمَحْكُومِ وَلَا إلَى صِفَةٍ ذَاتِيَّةٍ لَهُ إنْ قُلْنَا: إنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، أَوْ صِفَةٌ عَرَضِيَّةٌ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّقُ أَمْرِ اللَّهِ بِالْمُخَاطَبِ، وَهَذَا التَّعَلُّقُ مَعْقُولٌ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ مُحْدَثٍ لِلْمُتَعَلَّقِ بِهِ كَالْعِلْمِ. يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ، وَإِذَا سَمِعْت الْفَقِيهَ يَقُولُ: حَقِّي يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ ثَبَتَ لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ كَالْخَمْرِ حُرِّمَتْ لِمَعْنًى فِيهَا، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ تَابِعًا لِلْمَعْنَى، فَكَانَتْ عَلَى حَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهَا حَقِيقَةً. قَالَ: وَهَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي الشَّرْعِ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. قُلْت: وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَنَحْوَهُ هَلْ هُوَ مُجْمَلٌ؟ فَمَنْ قَالَ بِإِضَافَةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ إلَى الْأَعْيَانِ نَفَى الْإِجْمَالَ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَثْبَتَهُ. وَعُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ الْأَمْرُ فِيهِ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْحُكْمِ الْخِطَابُ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِيهِ، وَقَدْ جَمَعَ الْجَدَلِيُّونَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ.
стр. 160
[مَسْأَلَةٌ نَفْيُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ]
ِ] اُخْتُلِفَ فِي نَفْيِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُتَلَقًّى مِنْ خِطَابِ الشَّارِعِ. وَالثَّانِي: لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَالثَّالِثُ: وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إلَى تَقْسِيمِهِ إلَى نَفْيِ حُكْمٍ مَسْبُوقٍ بِالْإِثْبَاتِ مِنْ الشَّرْعِ، وَإِلَى تَقْرِيرٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ الشَّرْعِ. فَالْأَوَّلُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَالْإِثْبَاتِ، وَالثَّانِي مَحْضُ تَقْرِيرٍ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ، فَهُوَ يُخْبِرُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخَاطِبْنَا فِيهِ، وَكَثِيرًا مَا يُخْبِرُ الشَّرْعُ عَنْ الْحَقَائِقِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ تَعَلُّقُ الْخِطَابِ، وَقَدْ يُسَمَّى حُكْمًا لَا عَلَى أَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، كَقَوْلِ الشَّارِعِ: لَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ، وَنَظَائِرِهِ.
حَكَى هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الْبَرَوِيُّ فِي " الْمُقْتَرِحِ " قَالَ: وَاَلَّذِي كَانَ يَنْصُرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَنَفْيِ
стр. 161
الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ، وَنَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ عَبِيدِ الْخِدْمَةِ، سَوَاءٌ تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ مَوَارِدِ النُّصُوصِ، أَوْ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ. وَاحْتُجَّ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي الْبَحْثِ عَنْ مَظَانِّ الْأَدِلَّةِ فَلَمْ يَظْفَرْ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فَهُوَ مُتَقَيِّدٌ بِالْقَطْعِ بِالنَّفْيِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى نَصٍّ بَلَغَهُمْ عَنْ الرَّسُولِ ﵇: إنَّكُمْ إذَا لَمْ تَجِدُوا دَلِيلَ الثُّبُوتِ فَاجْزِمُوا بِالنَّفْيِ. فَقَدْ تَعَلَّقَ بِنَا خِطَابُ الْجَزْمِ بِالنَّفْيِ فَتَوًى وَعَمَلًا، وَلَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ غَيْرُ هَذَا. وَأَيْنَ هَذَا مِنْ عَدَمِ الْحُكْمِ قَبْلَ الشَّرْعِ؟ . قَالَ: وَهَذَا النَّفْيُ مُمْكِنٌ تَلَقِّيهِ مِنْ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ. فَأَمَّا مِنْ الْقِيَاسِ فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ النَّفْيُ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لَمْ يَجُزْ فِيهِ قِيَاسُ الْعِلَّةِ. وَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ طَرَأَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ جَرَى فِيهِ جَمِيعُ الْأَقْيِسَةِ. وَقَالَ شَارِحُ " الْمُقْتَرَحِ " أَبُو الْعِزِّ الْمُخْتَارُ: عِنْدِي مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالنَّفْيُ لَيْسَ فِعْلًا، لِيَكُونَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ حُكْمًا. فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ خَبَرٌ عَنْ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ.
وَقَوْلُنَا: " انْتِفَاءُ الْحُكْمِ " إشَارَةٌ إلَى انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمًا، وَمَا احْتَجَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِوُجُوبِ الْفَتْوَى بِالنَّفْيِ، وَهُوَ حُكْمُ الْوُجُوبِ. وَلَيْسَ مِنْ نَفْيِ الْحُكْمِ سَبِيلٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ لَنَا بِالنَّفْيِ مَعَ أَنَّ النَّفْيَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، فَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ مِنْهُ لَا تَخْفَى
стр. 162
[مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ هَلْ هُوَ قَطْعِيٌّ أَمْ ظَنِّيٌّ]
ٌّ؟] أَطْلَقَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ هُنَا أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا قَطْعِيٌّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ، وَبَيَّنَ مُرَادَهُ بِهِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: الْحُكْمُ قَطْعِيٌّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا سَوَاءٌ أُضِيفَ إلَى الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ أَوْ الظَّنِّيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَطْعِيٌّ ثَابِتٌ عِنْدَ الظَّنِّ لَا بِالظَّنِّ، وَالْقَطْعُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ. انْتَهَى.
يُرِيدُ أَنَّ الظَّنَّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ فِي الْقَطْعِيَّاتِ. وَالْحُكْمُ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ غَلَبَاتِ الظُّنُونِ قَطْعِيٌّ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الظَّنُّ. وَمِثَالُهُ: حُكْمُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الشُّهُودِ ظَنِّيٌّ، وَلَكِنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ ظَنِّ الصِّدْقِ وَاجِبٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الْمَحْصُولِ فِي جَوَابِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ، وَمَا انْبَنَى عَلَى الْقَطْعِيِّ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى عَلَى حُصُولِ الظَّنِّ، وَحُصُولُهُ وِجْدَانِيٌّ، وَعَلَى أَنَّ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ إجْمَاعِيَّةٌ، وَمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ، وَاللَّازِمُ مِنْهُ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ. لَكِنَّ الْحَقَّ انْقِسَامُ الْحُكْمِ إلَى قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَقْدَمِينَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ " الْحُدُودِ "، وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ".
стр. 163
قَالَ: وَإِنَّمَا قَالُوا: الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَنَّ فِيهِ ظَنِّيَّاتٍ كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الظَّنِّيَّاتِ فَهِيَ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْعِلْمِيَّاتِ، وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ، وَوُجُوبُ اعْتِقَادِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ، أَوْ الْفَتْوَى بِهِ، أَوْ الْقَضَاءُ غَيْرُ نَفْسِ الْحُكْمِ بِأَنَّ هَذَا حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ، لِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقَاتِ فِيهَا.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ حَصَلَ الْعِلْمُ بِمُقْتَضَاهَا، وَذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِنُصُوصٍ احْتَفَتْ بِقَرَائِنَ تَدْفَعُ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَعَارِضَةَ عَنْهَا بِانْحِصَارِ تَعْيِينِ الْمَدْلُولِ فِي وَاحِدٍ، وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ بِأَخْبَارِ آحَادٍ. أَوْ نُصُوصٍ لَمْ تَعْتَضِدْ بِمَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَاتِ، فَتِلْكَ الْأَحْكَامُ مَظْنُونَةٌ لَا مَعْلُومَةٌ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ كَانَتْ بِأَسْرِهَا مَعْلُومَةً لَمَا انْقَسَمَتْ الطُّرُقُ إلَى الْأَدِلَّةِ وَالْأَمَارَةِ، وَلَمَا انْتَظَمَ قَوْلُهُمْ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إنْ كَانَتْ عِلْمِيَّةً فَالنَّتِيجَةُ عِلْمِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ ظَنِّيَّةً فَالنَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا عِلْمًا وَبَعْضُهَا ظَنِّيًّا فَالنَّتِيجَةُ ظَنِّيَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّ الْأَحْكَامَ تَنْقَسِمُ إلَى مُتَوَاتِرَاتٍ، وَهِيَ مَقْطُوعٌ بِهَا، وَإِلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهِيَ مَظْنُونَةٌ، وَبُرْهَانُهُ: أَنَّ الظَّنَّ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ أَيْ: لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَظْنُونٍ، وَمُتَعَلَّقُهُ الْحُكْمُ الْمُتَعَيِّنُ أَوْ الْأَحْكَامُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ بَالِغَةٍ حَدَّ التَّوَاتُرِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَنُرَكِّبُ قِيَاسًا. فَنَقُولُ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ، أَوْ هَذَا الْحُكْمُ الْمُعَيَّنُ مُتَعَلِّقُ
стр. 164
الظَّنِّ وَمَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الظَّنِّ فَهُوَ مَظْنُونٌ، أَوْ هَذَا الْحُكْمُ مَظْنُونٌ. ثُمَّ نَقُولُ: هَذِهِ الْأَحْكَامُ مَظْنُونَةٌ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْمَظْنُونِ بِمَعْلُومٍ فَلَا شَيْءَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِمَعْلُومٍ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّازِيَّ فَإِنَّمَا يُنْتِجُ بِأَنَّ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ مَعْلُومٌ، وَهُوَ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ قَطْعِيًّا مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ هُوَ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ الَّتِي فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُقَامُ عَلَيْهَا الْأَدِلَّةُ الْعِلْمِيَّةُ، وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّا نَبْنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا نَخْتَارُهُ، وَهُوَ أَنَّ لِلَّهِ حُكْمًا مُعَيَّنًا فِي الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَنْصُوبٌ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ، فَمَنْ أَصَابَ ذَلِكَ الْحُكْمَ فَهُوَ مُصِيبٌ مُطْلَقًا، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَلِلَّهِ عَلَيْهِ حُكْمٌ آخَرُ شَرْطُهُ عَدَمُ إدْرَاكِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْمَصِيرِ إلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَعْلُومٌ. وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ هَذَا مَعْلُومًا كَوْنُ الْأَوَّلِ مَعْلُومًا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْمُخْتَارُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا طَلَبَ الْعِبَادَ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهِ بِدَلَائِلِهِ الْمَنْصُوبَةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِالْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ. فَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْعُثُورُ عَلَيْهِ أَوْ ظُنَّ أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُهُ نَشَأَ هَاهُنَا حُكْمٌ آخَرُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَلْيُسَمَّ هَذَا بِالْحُكْمِ الْفَرْعِيِّ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الرَّدُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ مَعْلُومَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ، وَمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ فَهُوَ مَعْلُومٌ، فَالْفِقْهُ مَعْلُومٌ، وَقُرِّرَ كَوْنُهَا مَبْنِيَّةً عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ قَطْعِيَّتَيْنِ بِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِيَامِ الظَّنِّ بِالْأَحْكَامِ، وَعَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ اتِّبَاعُ ظَنِّهِ فَيُرَتَّبُ
стр. 165
هَذَا الْحُكْمُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وِجْدَانِيَّةٍ وَمُقَدِّمَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ وَكِلْتَاهُمَا قَطْعِيَّتَانِ. فَنَقُولُ: الَّذِي ثَبَتَ مِنْ هَذَا أَنَّ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ قَطْعِيٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَكَذَا: الظَّنُّ بِهَذَا الْحُكْمِ حَاصِلٌ قَطْعًا، وَإِذَا حَصَلَ الظَّنُّ بِحُكْمٍ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ فِيهِ قَطْعًا، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ فِي هَذَا الْحُكْمِ قَطْعًا. لَكِنَّ هَذِهِ النَّتِيجَةَ مَسْأَلَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنَّ بَعْضَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ قَطْعًا.
стр. 166
[مَفْهُوم الْخِطَابُ]
الْخِطَابُ عَرَّفَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ بِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ. وَعَرَّفَهُ قَوْمٌ بِأَنَّهُ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَصَدَ إفْهَامَهُ مُتَهَيِّئًا أَمْ لَا. قِيلَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِمَدْلُولِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ هُوَ النَّفْسِيُّ، وَالنَّفْسِيُّ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْإِفْهَامُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْخِطَابِ مَعَ النَّفْسِ أَوْ الْعَيْنِ سَوَاءٌ، وَفِي وَصْفِ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ بِالْخِطَابِ خِلَافٌ. الصَّحِيحُ: وَبِهِ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: أَنَّهُ يُسَمَّى خِطَابًا عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطَبِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَجَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ إلَّا مِنْ مُخَاطِبٍ وَمُخَاطَبٍ. وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ فَلَا يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْحَادِثِ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ يُسَمَّى أَمْرًا؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ، إذْ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَنْ أَوْصَى أَوْلَادَهُ بِالتَّصَدُّقِ بِمَالِهِ: فُلَانٌ أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِكَذَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُجْتَنًّا فِي الْبَطْنِ أَوْ مَعْدُومًا. وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: خَاطَبَهُمْ إلَّا إذَا حَضَرُوهُ وَسَمِعُوهُ. انْتَهَى.
стр. 167
وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ. وَقَالَ فِي " الِاقْتِصَادِ ": وَالْحَقُّ: أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ آمِرٌ وَنَاهٍ، وَإِنْ كَانَ لَا مَأْمُورَ هُنَاكَ. كَمَا جُوِّزَ تَسْمِيَتُهُ قَادِرًا قَبْلَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ. قَالَ: وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى اللُّغَةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَالِاقْتِضَاءُ الْقَدِيمُ مَعْقُولٌ، وَإِنْ كَانَ سَابِقًا عَلَى وُجُودِ الْمَأْمُورِ كَمَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ.
[خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ]
[خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ] خِطَابُ الشَّرْعِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ: وَمُتَعَلَّقُهُ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ، وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ، وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِطْلَاقُ التَّكْلِيفِ عَلَى الْكُلِّ مَجَازٌ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ لِلْوُجُوبِ، وَالتَّحْرِيمُ وَالنِّسْيَانُ يُؤَثِّرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَلِهَذَا لَا يَأْثَمُ النَّاسِي بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ، وَلَا بِفِعْلِ الْمَنْهِيِّ. الثَّانِي: خِطَابُ الْوَضْعِ: الَّذِي أَخْبَرَنَا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَهُ، وَيُسَمَّى خِطَابَ الْإِخْبَارِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الظَّاهِرَ الْمُنْضَبِطَ الْمُتَضَمِّنَ حِكْمَةَ الَّذِي رُبِطَ بِهِ الْحُكْمُ إنْ نَاسَبَ الْحُكْمَ فَهُوَ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ وَالْمُقْتَضِي. وَإِنْ
стр. 168
نَافَاهُ فَالْمَانِعُ، وَتَالِيهِ الشَّرْطُ، ثُمَّ الصِّحَّةُ، ثُمَّ الْعَزِيمَةُ، وَتُقَابِلُهَا الرُّخْصَةُ. فَالْأَوَّلُ: أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ وَنِصَابُ الزَّكَاةِ. وَالثَّانِي: كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْقَتْلِ فِي الْمِيرَاثِ، وَالنَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالثَّالِثُ: كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَالرَّابِعُ: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ. وَالْخَامِسُ: كَحِلِّ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى جُمْلَةِ الْأَقْسَامِ فِي فَصْلِ خِطَابِ الْوَضْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَزَادَ الْجِيلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ " الْإِعْجَازِ " وَالْقَرَافِيُّ: التَّقْدِيرَاتِ، وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَبِالْعَكْسِ. فَالْأَوَّلُ: كَالنَّجَاسَاتِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا تُقَدَّرُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومَةِ. وَالثَّانِي: كَالْمِلْكِ الْمَقْدُورِ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِكَذَا فَيُقَدِّرُ لَهُ الْمِلْكَ حَتَّى يَثْبُتَ وَلَاءُ الْعِتْقِ لَهُ، وَيُقَدَّرُ الْمِلْكُ فِي دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهَا الْإِرْثُ، وَتَقْدِيرُ الْمِلْكِ قُبَيْلَ الشَّهَادَةِ. قَالَ الْجِيلِيُّ: ثُمَّ التَّقْدِيرُ يَنْقَسِمُ إلَى تَقْدِيرِ صِفَةٍ شَرْعِيَّةٍ فِي الْمَحَلِّ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ كَتَقْدِيرِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَمِلْكِ النِّكَاحِ، وَإِلَى تَقْدِيرِ أَعْيَانٍ مَحْسُوسَةٍ هِيَ فِي نَفْسِهَا مَعْدُومَةٌ مُسْتَحَقَّةٌ فِي الذِّمَّةِ. كَتَقْدِيرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الْحَيَوَانَاتِ
стр. 169
وَالْحُكْمُ يُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ بَيْنَهُمَا اتِّفَاقًا وَافْتِرَاقًا، وَمَا وَقَعَ بِهِ الِاتِّفَاقُ إنَّمَا هُوَ الْخِطَابُ فَقَطْ.
[وُجُوهُ الِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ] وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَالْوَضْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، فَلَوْ أَتْلَفَتْ الدَّابَّةُ أَوْ الصَّبِيُّ شَيْئًا ضَمِنَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ وَالْوَلِيُّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. الثَّانِي: أَنَّ التَّكْلِيفِيَّ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْكَسْبِ بِخِلَافِ الْوَضْعِيِّ، وَلِهَذَا لَوْ قَتَلَ خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ مُكْتَسَبًا لَهُمْ. فَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ لِاسْتِحَالَةِ التَّكْلِيفِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ سَبَبٌ لِثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِمْ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْوَضْعِيَّ خَاصٌّ بِمَا رُتِّبَ الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى وَصْفٍ، أَوْ حِكْمَةٍ، إنْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيلَ بِهَا، فَلَا يَجْرِي فِي الْأَحْكَامِ الْمُرْسَلَةِ الْغَيْرِ الْمُضَافَةِ إلَى الْأَوْصَافِ، وَلَا فِي الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا.
وَلِهَذَا لَوْ أَحْرَمَ، ثُمَّ جُنَّ، ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي مَالِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَوَجَّهَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّيْدَ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ قَتْلِهِ تَعَبُّدًا، فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مُكَلَّفٍ. قُلْت: وَبِهِ يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَقَالَ: الْأَرْجَحُ فِيهِ الضَّمَانُ
стр. 170
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": إنَّهُ الْأَقْيَسُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. الرَّابِعُ: أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْأَصْلُ، وَخِطَابَ الْوَضْعِ عَلَى خِلَافِهِ. فَالْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: أَوْجَبْت عَلَيْكُمْ، أَوْ حَرَّمْت، وَأَمَّا جَعْلُهُ الزِّنَى وَالسَّرِقَةَ عَلَمًا عَلَى الرَّجْمِ وَالْقَطْعِ، فَبِخِلَافِ الْأَصْلِ. نَعَمْ خِطَابُ الْوَضْعِ يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الْآيَةَ. وَنَحْوِهِ مِنْ الْخِطَابَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الْمُفِيدَةِ لِلْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ بِخِلَافِ خِطَابِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ خِطَابَ الْوَضْعِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا يُتَوَضَّأُ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، فَإِنَّ هَذَا خِطَابٌ لَفْظِيٌّ يُعْقَلُ تَجَرُّدُهُ عَنْ سَبَبِ وَضْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَيُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْوَضْعِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْوَضْعِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمٍ وَتَمَكُّنٍ. حَكَاهُ الْآمِدِيُّ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قُدْرَةُ الْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ، وَلَا عِلْمُهُ، فَيُورَثُ بِالسَّبَبِ، وَيُطْلَقُ بِالضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَالْمُطْلِقُ عَلَيْهِ غَيْرَ عَالِمَيْنِ وَلَوْ أَتْلَفَ النَّائِمُ شَيْئًا أَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي مِلْكِهِ فَأَصَابَ إنْسَانًا ضَمِنَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا. وَتَحِلُّ الْمَرْأَةُ بِعَقْدِ وَلِيِّهَا عَلَيْهَا، وَتَحْرُمُ بِطَلَاقِ زَوْجِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ كَالْقِصَاصِ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخْطِئِ فِي الْقَتْلِ،
стр. 171
لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَحَدِّ الزِّنَى لَا يَجِبُ فِي الشُّبْهَةِ، لِعَدَمِ الْعِلْمِ، وَلَا مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى، لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِنَاعِ. الثَّانِي: الْأَسْبَابُ النَّاقِلَةُ لِلْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ. فَلَوْ تَلَفَّظَ بِلَفْظٍ نَاقِلٍ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِمُقْتَضَاهُ لِكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا لَمْ يَلْزَمْهُ مُقْتَضَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] .
[التَّنْبِيهُ] الثَّانِي: اُسْتُشْكِلَ جَعْلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ جِنْسًا لِلْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى نَوْعَيْنِ خَارِجِيَّيْنِ، فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ صَادِقًا عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ أَوْ سِتَّةٍ، وَالْأَنْوَاعُ مُخْتَلِفَةُ الْحَقَائِقِ جَزْمًا، فَيَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ خِطَابُ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ مُخْتَلِفَاتِ الْحَقَائِقِ لِنَوْعِيَّتِهَا، وَهِيَ أَنْوَاعٌ: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَيَلْزَمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً وَاحِدَةً بَلْ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ، وَإِنْ قِيلَ: لَا أَجْعَلُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ جِنْسًا لِلْخَمْسَةِ أَوْ السِّتَّةِ بَلْ أَجْعَلُهُ عَرَضًا عَامًّا فَفَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ الْعَامَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى نَوْعَيْنِ، وَإِلَّا لَكَانَ خَاصَّةً فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ.
стр. 172
[فَصْلٌ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ]
فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ] ذَكَرَهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ فِيمَا يُعْلَمُ بِهِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ. قَالَ الْقَاضِي: خِطَابُ اللَّهِ إذَا اتَّصَلَ بِالْخَلْقِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِلَا وَاسِطَةٍ مُوسَى ﵇، وَالْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ يُحَمِّلُهُمْ اللَّهُ وَحْيَهُ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ كَلَامَ اللَّهِ إلَّا الِاضْطِرَارَ، فَإِذَا خَاطَبَ اللَّهُ عَبْدًا خَلَقَ لَهُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ مُخَاطِبَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَّ اللَّهَ الَّذِي يُسْمِعُ كَلَامَ اللَّهِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يُخَالِفُ الْأَجْنَاسَ فَلَا يُتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ اللُّغَاتِ وَالْعِبَارَاتِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ عَقْلِيَّةٌ. وَقَالَ الْقَلَانِسِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ سَلَفِنَا: إنَّ نَفْسَ سَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ يَعْقُبُ الْعِلْمَ بِهِ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مِمَّا لَا أَرْتَضِيهِ، وَأُجَوِّزُ سَمَاعَ اللَّهِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ كَوْنِهِ كَلَامًا لِلَّهِ. وَالثَّانِي: مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْمُخَاطَبِ بِوَاسِطَةٍ، فَهَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ ﵇ أَوَّلًا، وَوُجُوبِ عِصْمَتِهِ عَنْ الْخَلْفِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْمُعْجِزَةِ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ خِطَابِ الرَّسُولِ ﵇ فَيَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى شِفَاهٍ
стр. 173
وَوِجَاهٍ، وَإِلَى مَا يُبَلَّغُ عَنْهُ. فَأَمَّا مَا خَاطَبَ مَنْ عَاصَرَهُ وِجَاهًا فَمِنْهُ نَصٌّ، وَمِنْهُ ظَاهِرٌ وَمُجْمَلٌ، وَكَذَا مَا يُبَلَّغُ عَنْهُ، وَالْمُجْمَلُ إنَّمَا يَتَّفِقُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْآخِرَةِ لَا فِي التَّكَالِيفِ أَعْنِي إذَا لَمْ يَتَّفِقْ الِاسْتِفْسَارُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
[مَسْأَلَةٌ لَا حَاكِمَ إلَّا الشَّرْع]
ُ] إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ خِطَابُ الشَّرْعِ فَلَا حَاكِمَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَّا الشَّرْعُ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. حَيْثُ حَكَّمُوا الْعَقْلَ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ عَنْ حِكَايَةِ مَذْهَبِهِمْ. [مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ] فَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ يُوجِبُ، وَلَا يَعْنُونَ هَاهُنَا إيجَابَ الْعِلَّةِ مَعْلُولَهَا، أَوْ أَنَّ الْعَقْلَ يَأْمُرُ، فَإِنَّ الِاقْتِضَاءَ مِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَهُوَ عَرَضٌ وَالْأَمْرُ يَسْتَدْعِي الرُّتْبَةَ فَإِذَنْ الْمَعْنِيُّ بِهِ: أَنَّ الْعَقْلَ يُعْلِمُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْنِيُّ بِوُجُوبِهِ عِلْمُهُ بِاقْتِرَانِ ضَرَرٍ بِتَرْكِهِ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ. وَهَذَا مِنْهُمْ ادِّعَاءُ الْعِلْمِ ضَرُورَةً عَلَى وَجْهٍ يَشْتَرِكُ الْعُقَلَاءُ فِيهِ
стр. 174
ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ مَالَ إلَى مَا ذَكَرُوهُ طَوَائِفُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ نِظَامُ الْمَعِيشَةِ وَعِمَارَةُ الدُّنْيَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الِاعْتِدَالِ، وَحُسْنِ النِّظَامِ مِنْ الَّذِي يَتَضَمَّنُ خَرَابَ الدُّنْيَا، وَهَذَا الْمَذْهَبُ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ قَطْعًا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْعَقْلُ يَسْتَقِلُّ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاتِّبَاعَ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَا يَشُوبُهُ ضَرَرٌ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الِاتِّبَاعِ مَحْضُ ضَرَرٍ. وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ عَلَى يَدِهِ لِيُصَدِّقَهُ. وَهَذَا الْعِلْمُ يَحْصُلُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّرْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَعْرِفَةُ الصِّدْقِ مِنْ جَائِزَاتِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ.
وَاَلَّذِي يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ وَنَفْعٌ مَحْضٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: حُكْمٌ، وَمَا يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهِ مِنْ عِلَّةٍ وَتَسَبُّبٍ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَإِنْ أَطْلَقُوا أَقْوَالَهُمْ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُحَسِّنُ وَيُقَبِّحُ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ، فَإِنَّ الْعَقْلَ عِبَارَةٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَالْعِلْمُ لَا يُوجِبُ الْمَعْلُومَ إيجَابَ الْعِلَّةِ الْمَعْلُولَ، وَإِنَّمَا عَنَوْا بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ يَكْشِفُ عَنْ حُسْنِ الْحَسَنِ وَقُبْحِ الْقَبِيحِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ انْقَسَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَسَنَ حَسَنٌ لِذَاتِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إلَى أَنْ قَبَّحَ الصِّفَةَ. وَكَذَلِكَ أَصْحَابُنَا قَالُوا: إنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ، وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ، وَمَا عَنَوْا بِهِ الْإِيجَابَ، وَإِنَّمَا عَنَوْا بِهِ أَنَّ الْحَسَنَ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ: " لَا تَفْعَلْ ".
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: عِنْدَنَا لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ لَكِنْ نَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ حَقَائِقُ ثَابِتَةٌ فِي أَنْفُسِهَا دَالَّةٌ عَلَى مَدْلُولَاتِهَا، وَمُقْتَضِيَةٌ أَحْكَامَهَا إلَّا
стр. 175
أَنَّا لَا نَعْتَقِدُ ذَلِكَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِلْعَقْلِ أَحْكَامًا. وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَالَ: النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَالٍ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: ذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْبَرَاهِمَةُ إلَى أَنَّ الْعُقُولَ طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَسَنِ، وَالْقَبِيحِ وَالْوَاجِبِ، وَالْمَحْظُورِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ عَلَى الْعَقْلِ. فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: هُوَ خَاطِرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ يَدْعُوهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَشَرَعَ الرُّسُلُ مَا قَبُحَ فِي الْعَقْلِ كَذَبْحِ الْبَهَائِمِ وَتَسْخِيرِ الْحَيَوَانِ وَإِتْلَافِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا حَسُنَ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ لِلْغَرَضِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَخَالَفَهُمْ أَبُو هَاشِمٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَوْلَا وُرُودُ الشَّرْعِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا جَوَازُ حُسْنِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْخَاطِرِ، فَقَالَ النَّظَّامُ: هُوَ جِسْمٌ مَحْسُوسٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ خَاطِرًا لِطَاعَةٍ، وَخَاطِرًا لِمَعْصِيَةٍ فِي قَلْبِ الْعَاقِلِ فَيَدْعُوهُ بِأَحَدِ الْخَاطِرَيْنِ إلَى طَاعَتِهِ؛ لِيَفْعَلَهَا، وَيَدْعُوهُ بِالْآخَرِ لِيَتْرُكَهَا، وَقَالَ الْجُبَّائِيُّ: يَدْخُلُ الشَّيْطَانُ فِي خَرْقِ أُذُنِ الْإِنْسَانِ إلَى مَوْضِعِ سِنِّهِ أَوْ قَلْبِهِ فَيَهْمِسُ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَدْعُو إلَيْهِ. قَالَ: فَالْخَاطِرُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ اللَّهِ كَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ
стр. 176
وَقَالَ ابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ: هُوَ قَوْلٌ خَفِيٌّ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَكَذَلِكَ الْخَاطِرُ الَّذِي يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ الْعَاقِلِ، وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِهَذِهِ التُّرَّهَاتِ. قَالَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ، السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ صِحَّةُ مَا يَصِحُّ كَوْنُهُ، وَوُجُوبُ وُجُودِ مَا يَجِبُ وُجُودُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِ مَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ، وَصِحَّةُ مَا يَصِحُّ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ جَوَازًا بِكُلِّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ، وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَمَسْنُونٍ. فَقَدْ كَانَ فِي الْعَقْلِ جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ مَا أَوْجَبَهُ وَإِيجَابِ مَا حَرَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ، وَلَا عَلَى تَحْرِيمِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَقَالُوا أَيْضًا: لَوْ تَوَهَّمْنَا خَلْقَ الْعَاقِلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ ذَلِكَ الْعَاقِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَصَلَ إلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ ثَوَابًا، وَلَوْ جَحَدَهُ بِهِ وَكَوْنُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِقَابًا، وَلَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ أَبَدًا فِي النَّارِ لَكَانَ عَدْلًا. وَإِنَّمَا كَانَ كَإِيلَامِ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِقَابُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ خِطَابًا أَوْ بِوَاسِطَةِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ عَصَاهُ.
هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ،
стр. 177
وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَمَعْزَلْ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ " التَّحْصِيلِ ": إنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ ": مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَامَّةً: إنَّهُ لَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَبْلَ السَّمْعِ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَقَبْلَ وُرُودِ الدَّعْوَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ مَنْ قَتَلَ مِمَّنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُشْرِكٌ مُرْتَدٌّ مُعَانِدٌ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " تَلْخِيصِ كِتَابِ الْقَاضِي ": بَحْثُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَرْجِعُ إلَى مَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُمَا رَاجِعَانِ إلَى حُكْمِ الرَّبِّ شَرْعًا لَا إلَى وَصْفِ الْعَقْلِ، وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ قُبْحَ الْقَبِيحِ يَرْجِعُ
стр. 178
إلَى ذَاتِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَارُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَقَالُوا: لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حُسْنٌ وَلَا قُبْحٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهِ، وَالْقَبِيحَ مَا وَرَدَ بِذَمِّهِ، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى التَّحْقِيقِ هُوَ عَيْنُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الشَّرْعِيَّيْنِ، وَقَدْ أَطْبَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَنَّ حُسْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالشُّكْرِ، وَقُبْحَ الْكُفْرِ وَالظُّلْمِ، مِمَّا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَقَالَ عَبْدُ الْجَلِيلِ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ ": أَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: مَا يُعْلَمُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ وَلَا مَجَالَ لِلسَّمْعِ فِيهِ، كَشُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالْعِلْمِ، وَالثَّانِي: مَا يُعْلَمُ قُبْحُهُ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ ضِدُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْجَوْرِ وَكُفْرِ الْمُنْعِمِ وَالْجَهْلِ وَهَذَانِ الضَّرْبَانِ يُعْلَمَانِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ.
وَالثَّالِثُ: مَا فِي مَعْلُومِ اللَّهِ أَنَّ فِعْلَهُ يُؤَدِّي إلَى فِعْلِ مَا هُوَ حَسَنٌ فِي الْعَقْلِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حُسْنَهُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ. وَالرَّابِعُ: مَا هُوَ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ أَنَّهُ قَبِيحٌ وَلَا يُعْلَمُ حَتَّى يَرِدَ السَّمْعُ فَيَكُونَ تَرْكُهُ دَاعِيًا إلَى الْقُبْحِ فِي الْعَقْلِ كَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ. فَهَذَا لَا يُعْلَمُ قُبْحُهُ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ السَّمْعِ. هَذَا مَذْهَبُهُمْ فِي تَقْسِيمِ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي " الْمُرْشِدِ ": الشَّيْءُ عِنْدَنَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ لِنَفْسِهِ بَلْ إنَّمَا تَرْجِعُ الْأَحْكَامُ إلَى قَوْلِ الشَّارِعِ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَتَوَقَّفُ إدْرَاكُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ عَلَى السَّمْعِ بَلْ يُدْرَكَانِ
стр. 179
بِالْعَقْلِ، ثُمَّ مِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ كَالْكُفْرِ، وَالضَّرَرِ الْمَحْضِ، وَمِنْهَا مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِهِ كَوُجُوبِ شُكْرِ الْمُنْعِمِ. قَالَ: وَمَنْ قَالَ مِنْ أَئِمَّتِنَا: لَا يُدْرَكُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إلَّا بِالشَّرْعِ فَهُوَ مُتَجَوِّزٌ؛ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ الْحُسْنَ زَائِدٌ عَلَى الشَّرْعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَسَنَ عِبَارَةٌ عَنْ نَفْسِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ وَكَذَا الْقَبِيحُ. وَقَالَ فِي كِتَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: مَعْنَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّهُ يُقَبَّحُ كَذَا أَوْ يُحَسَّنُ كَذَا عَقْلًا أَنَّهُ يُدْرَكُ ذَلِكَ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ إخْبَارِ مُخْبِرٍ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّكْلِيفَ مُخْتَصٌّ بِالسَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ وَأَنَّ الْعَقْلَ بِذَاتِهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى تَحْسِينِ شَيْءٍ وَلَا تَقْبِيحِهِ، وَلَا حَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ، وَلَا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرِدَ السَّمْعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْعَقْلُ آلَةٌ تُدْرَكُ بِهَا الْأَشْيَاءُ، فَيُدْرَكُ بِهِ حُسْنٌ وَقُبْحٌ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسَّمْعِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَهُمْ الَّذِينَ امْتَازُوا عَنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ لِلْعَقْلِ مَدْخَلًا فِي التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ، وَضَرْبٌ عُلِمَ بِالسَّمْعِ. فَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالْعَقْلِ فَهُوَ الْعَدْلُ، وَالْإِنْصَافُ، وَالصِّدْقُ وَشُكْرُ الْمُنْعِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ حُسْنُهُ بِالشَّرْعِ فَنَحْوُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا الْمَعْلُومُ قُبْحُهُ بِالشَّرْعِ فَكَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ. قَالُوا: وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ يَكُونُ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا فِي الْعَقْلِ إيجَابِهِ وَقَضِيَّتِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّانِعِ وَاجِبٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ بِهِ وَدُعَاءِ الشَّرْعِ إلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ
стр. 180
وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَبَّخَ الْكُفَّارَ عَلَى تَرْكِهِمْ الِاسْتِدْلَالَ بِعُقُولِهِمْ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ بِمَا يُشَاهِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَغَيْرِهِمْ. فَقَالَ: ﴿لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وَقَالَ: ﴿لأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤] وَقَالَ: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠] . قَالَ: وَالصَّحِيحُ: هُوَ الْأَوَّلُ وَإِيَّاهُ نَخْتَارُ وَنَزْعُمُ أَنَّهُ شِعَارُ السُّنَّةِ. وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى نُرَكِّبَ عُقُولًا. وَقَالَ حِكَايَةً عَنْ الْمَلَائِكَةِ فِي خِطَابَاتِهِمْ مَعَ أَهْلِ النَّارِ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا لَزِمَتْهُمْ بِالسَّمْعِ دُونَ الْعَقْلِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُجَّةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ بِحَالٍ، وَأَمَّا الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرُوهَا، فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْعَقْلَ آلَةُ تَمْيِيزٍ وَبِهِ تُدْرَكُ آلَةُ الْأَشْيَاءِ وَيُتَوَصَّلُ إلَى الْحُجَجِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ بِذَاتِهِ هَلْ يَسْتَقِلُّ بِإِيجَابٍ شَيْءٍ آخَرَ أَوْ تَحْرِيمِهِ.
قَالَ: وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ وَإِنَّمَا اقْتَصَرْنَا فِيهَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَذَكَرْنَاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي مَسَائِلَ مِنْ الْفِقْهِ. انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَالصَّيْرَفِيُّ رَأَيْته فِي كِتَابَيْهِمَا فِي الْأُصُولِ
следующие страницы →