Полный текст (3 423 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ الِاسْتِرَابَةُ فِي مُعْتَقَدَيْنِ. وَأَفْسَدَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الِاسْتِرَابَةِ وَالِاعْتِقَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْإِفْسَادُ فَاسِدٌ؛ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرَابَةَ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالِاعْتِقَادَ لِصَلَاحِيَةِ إرَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرَادُفًا. نَعَمْ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا كَانَتْ الِاسْتِرَابَةُ فِي غَيْرِ نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ مِنْ وَقْفٍ وَشَكٍّ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرُ مَانِعٍ؛ لِدُخُولِ الِاسْتِرَابَةِ فِي مُعْتَقَدَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ وُقُوعًا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّكَّ التَّرَدُّدُ فِي أَمْرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَا تَرْجِيحَ لِوُقُوعِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي النَّفْسِ. انْتَهَى. وَيَرِدُ عَلَى الْجَمِيعِ التَّقَيُّدُ بِالْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الشَّكَّ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ زَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ أَوْ نَائِمٌ؟ وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الشَّكَّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ تَرَدُّدًا عَلَى السَّوَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ بَلْ يَحْكُمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ تَجْوِيزَ اسْتِوَاءٍ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ لِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ يُعْتَبَرُ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالتَّشَهِّي
стр. 107
قَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ شَكٌّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ عَنْ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ يُقَالُ: إنَّهُ شَاكٌّ فِي وُجُودِهِ وَنَفْيِهِ. انْتَهَى. وَنَبَّهَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الشَّكَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنْ يَتَقَاوَمَ سَبَبُهُمَا. ذَكَرَهُ فِي " النِّهَايَةِ " فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لَا يُسَمَّى شَكًّا، وَكَذَلِكَ مَنْ غَفَلَ عَنْ شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ. فَيَسْأَلُ عَنْهُ لَا يُسَمَّى شَاكًّا. وَكَلَامُ الرَّاغِبِ يُوَافِقُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ اعْتِدَالُ النَّقِيضَيْنِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَتَسَاوِيهِمَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِوُجُودِ أَمَارَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ عِنْدَهُ فِي النَّقِيضِ أَوْ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِيهِمَا. وَالشَّكُّ رُبَّمَا كَانَ فِي الشَّيْءِ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لَا؟ وَرُبَّمَا كَانَ فِي جِنْسِهِ أَيْ: أَيُّ جِنْسٍ هُوَ؟ وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ صِفَاتِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْغَرَضِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وُجِدَ. وَالشَّكُّ ضَرْبٌ مِنْ الْجَهْلِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ قَدْ يَكُونُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالنَّقِيضِ أَصْلًا، فَكُلُّ شَكٍّ جَهْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَهْلٍ شَكًّا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] وَأَصْلُهُ: إمَّا مِنْ شَكَكْت الشَّيْءَ أَيْ خَرَقْته، فَكَانَ الشَّكُّ الْخَرْقَ فِي الشَّيْءِ وَكَوْنَهُ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ الرَّائِي مُسْتَقَرًّا يَثْبُتُ فِيهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا مِنْ الشَّكِّ، وَهُوَ لُصُوقُ الْعَضُدِ بِالْجَنْبِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَلَاصَقَ النَّقِيضَانِ. فَلَا يَدْخُلُ الْفَهْمُ وَالرَّأْيُ لِتَخَلُّلِهِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا يَقُولَانِ: الْتَبَسَ الْأَمْرُ وَاخْتَلَطَ وَأَشْكَلَ وَنَحْوَهُ مِنْ الِاسْتِعَارَاتِ
стр. 108
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي الْإِحْيَاءِ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي مَرَاتِبِ الشُّبُهَاتِ: الشَّكُّ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ نَشَآ عَنْ سَبَبَيْنِ، وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَهُمَا سَبَبَانِ مُتَقَابِلَانِ.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا لَا يُدْرَى وَبَيْنَ مَا لَا يُشَكُّ فِيهِ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: إذَا دَخَلْت بَلَدًا غَرِيبًا، وَدَخَلْت سُوقًا، وَوَجَدْت قَصَّابًا أَوْ خَبَّازًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا عَلَامَةَ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُرِيبًا أَوْ خَائِنًا، وَلَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ، فَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى حَالُهُ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّانِي: لَوْ سُئِلَ الْإِنْسَانُ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ الَّتِي أَدَّاهَا قَبْلَ هَذَا بِعِدَّةِ سِنِينَ كَانَتْ أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا؟ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَطْعًا أَنَّهَا أَرْبَعُ، وَإِذَا لَمْ يَقْطَعْ جُوِّزَ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا، وَهَذَا التَّجْوِيزُ لَا يَكُونُ شَكًّا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ سَبَبٌ أَوْجَبَ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا، فَلْيُفْهَمْ حَقِيقَةُ الشَّكِّ حَتَّى لَا يَشْتَبِهُ بِالْوَهْمِ وَالتَّجْوِيزِ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
[مَسْأَلَةٌ الشَّكُّ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ]
ٌ] وَالشَّكُّ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إذَا كَانَ هُنَاكَ أَصْلٌ اُسْتُصْحِبَ عَلَى خِلَافِهِ.
стр. 109
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاصِّ فِي " التَّلْخِيصِ " مِنْ ذَلِكَ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَقَدْ خُولِفَ فِيهَا. .
[مَسْأَلَةٌ الْوَهْمُ]
ُ] الْوَهْمُ: هُوَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ. قَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ: وَهُوَ كَنُفُورِ النَّفْسِ مِنْ الْمَيِّتِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ بَطْشِهِ، وَنُفُورِهَا مِنْ شُرْبِ الْجَلَّابِ فِي قَارُورَةِ الْحَجَّامِ، وَلَوْ غُسِلَتْ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي قَلِيلٍ، كَوَهْمِ وُجُودِ الْمَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ عِنْدَنَا. وَنِيَّةُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا فَيَأْتِي بِهِ وَنَحْوُهُ.
[مَسْأَلَةٌ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ]
ُ] السَّهْوُ: مَا تَنَبَّهَ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ. وَالْخَطَأُ مَا لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ، أَوْ يَتَنَبَّهُ بَعْدَ إتْعَابٍ. قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ فِي " الْمِفْتَاحِ ".
стр. 110
وَقِيلَ: السَّهْوُ: الذُّهُولُ عَنْ الْمَعْلُومِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ تَرَادُفُهُ مَعَ النِّسْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " النِّهَايَةِ ": السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ. وَالسَّهْوُ عَنْهُ تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ.
[خَاتِمَةٌ]
[خَاتِمَةٌ] لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْعِلْمَ وَجَمِيعَ أَضْدَادِهِ مَا خَلَا الشَّكَّ فِيهَا حُكْمٌ، وَأَمَّا الشَّكُّ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالظَّنِّ هُوَ الْمَعْلُومُ وَالْمُعْتَقَدُ وَالْمَظْنُونُ، وَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي الشَّكِّ - إنْ قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ - الْأَمْرُ أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِمَا، أَوْ نَفْيَ غَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْوَهْمُ فَهَلْ الْمَحْكُومُ بِهِ الْمَوْهُومُ أَوْ الْمَظْنُونُ؟ فِيهِ بَحْثٌ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: الْمَوْهُومُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الظَّانُّ لَيْسَ حَاكِمًا لِمَا يُقَابِلُ ظَنَّهُ، فَيَكُونُ حَاكِمًا بِالضِّدَّيْنِ مَعًا يَحْكُمُ بِالْقِيَامِ مَثَلًا رَاجِحًا، وَبِعَدَمِ الْقِيَامِ مَرْجُوحًا، وَكَيْفَ يَحْكُمُ الذِّهْنُ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ؟ . وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَهْمُ مَعْدُودًا فِي الْقِسْمَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ.
стр. 111
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالطَّرَفِ الرَّاجِحِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الشَّكَّ لَا حُكْمَ فِيهِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ مَعَ الْمُسَاوَاةِ فَلَأَنْ يَقُولُوا بِامْتِنَاعِ الْحُكْمِ بِالْمَرْجُوحِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى.
[خَاتِمَةٌ] أُخْرَى الْجَهْلُ وَالظَّنُّ وَالشَّكُّ أَضْدَادُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ الْجَهْلَ مُمَاثِلٌ لِلْعِلْمِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ لِلشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِثْلُ الْعِلْمِ.
[خَاتِمَةٌ] أُخْرَى يُطْلَقُ الْعِلْمُ عَلَى الظَّنِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] إذْ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ فِي ذَلِكَ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] سَمَّوْا غَيْرَ الْمُطَابِقِ عِلْمًا، فَكَيْفَ الظَّنُّ الْمُطَابِقُ؟ وَأُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ: الْحَقِيقَةُ. وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقْفُوَ مَا يَظُنُّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ. وَيُطْلَقُ الظَّنُّ عَلَى الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أَيْ يَعْلَمُونَ، إذْ الظَّنُّ فِي ذَلِكَ غَيْرُ كَافٍ، وَيُطْلَقُ الظَّنُّ عَلَى غَيْرِ الْمُطَابِقِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢] وَيُطْلَقُ الشَّكُّ عَلَى الظَّنِّ وَعَلَيْهِ غَالِبُ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ.
стр. 112
وَقَوْلِهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى» لِأَنَّ الشَّكَّ وَالظَّنَّ فِيهِ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الظَّنُّ، وَأَنْ يُرَادَ الشَّكُّ، وَالظَّنُّ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُرَادَ الْأَعَمُّ.
[مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَالُ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ]
ِ الْيَقِينِيِّ مَجَازٌ] الْمَشْهُورُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الظَّنِّ بِمَعْنَى الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ مَجَازٌ. وَيَتَلَخَّصُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الشَّكِّ مَجَازٌ فِي الْيَقِينِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا. وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَنْشَأُ خِلَافٌ فِيمَا إذَا قُلْت: ظَنَنْت ظَنًّا. هَلْ يَتَعَيَّنُ لِلْيَقِينِ بِالتَّأْكِيدِ أَوْ الِاحْتِمَالُ بَاقٍ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا لَا حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الشَّكِّ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْعَبْدَرِيِّ وَقَالَ: وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى حِكَايَةِ مَنْ حَكَى " ظَنَّ ": بِمَعْنَى " تَيَقَّنَ " بَلْ الظَّنُّ وَالْيَقِينُ مُتَنَافِيَانِ.
стр. 113
[فَصْلٌ الْعَقْلُ]
ُ] الْعَقْلُ لُغَةً: الْمَنْعُ، وَلِهَذَا يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنْ فِعْلِ مَا تَهْوَاهُ. مَأْخُوذٌ مِنْ عِقَالِ النَّاقَةِ الْمَانِعِ لَهَا مِنْ السَّيْرِ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ أَصْلٌ لِكُلِّ عِلْمٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَكَانَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ يُسَمِّيهِ أُمَّ الْعِلْمِ. وَكَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ حَتَّى قِيلَ: إنَّ فِيهِ أَلْفَ قَوْلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
стр. 114
سَلْ النَّاسَ إنْ كَانُوا لَدَيْك أَفَاضِلًا ... عَنْ الْعَقْلِ وَانْظُرْ هَلْ جَوَابٌ يُحَصَّلُ
وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَصْنَافُ الْخَلْقِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ كُلُّ وَاحِدٍ مَا يَلِيقُ بِصِنَاعَتِهِ. فَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَشَأْنُهُمْ الْكَلَامُ فِي الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا، وَمَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهَا. وَالْعَقْلُ مَوْجُودٌ. وَالْأَطِبَّاءُ شَأْنُهُمْ الْخَوْضُ فِيمَا يُصْلِحُ الْأَبْدَانَ، وَالْعَقْلُ سُلْطَانُ الْبَدَنِ. وَالْمُتَكَلِّمُونَ هُمْ أَهْلُ النَّظَرِ، وَالنَّظَرُ أَبَدًا يَتَقَدَّمُ الْعَقْلَ. وَالْفُقَهَاءُ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: آلَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ لِعِبَادِهِ يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَأَضْدَادِهَا، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَالْعُقُولُ الَّتِي رَكَّبَهَا اللَّهُ فِيهِمْ لِيَسْتَدِلُّوا بِهَا عَلَى الْعَلَامَاتِ الَّتِي نَصَبَهَا لَهُمْ عَلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا مَنًّا مِنْهُ وَنِعْمَةً، قَالَهُ ابْنُ سُرَاقَةَ، وَهَذَا النَّصُّ مَوْجُودٌ فِي " الرِّسَالَةِ ". قَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِهَا: بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْعَقْلَ مَعْنًى رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الْإِنْسَانِ أَيْ خَلَقَهُ فِيهِ لَا أَنَّهُ فِعْلُ الْإِنْسَانِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ آلَةُ التَّمْيِيزِ. قُلْت: وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي " الرِّسَالَةِ " حَيْثُ قَالَ: دَلَّهُمْ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِالْعُقُولِ الَّتِي رُكِّبَتْ فِيهِمْ، الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَأَضْدَادِهَا إلَخْ.
وَقِيلَ: قُوَّةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُفْصَلُ بِهَا بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ، وَقِيلَ: جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ.
стр. 115
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: الْعَقْلُ هُوَ الْعِلْمُ. وَكَذَا قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ غَيْرَ الْعِلْمِ لَكِنَّهُ عِلْمٌ عَلَى صِفَةٍ فَجَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ بِحِسٍّ وَغَيْرِهِ إلَيْهِ مَرْجِعُهَا، وَهُوَ يُمَيِّزُهَا وَيَقْضِي عَلَيْهَا، وَحُجَّتُهُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِخَلْقِهِ ذَلِكَ فِي الْإِنْسَانِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": الْعَقْلُ هُوَ الْعِلْمُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِلْمًا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ الْإِسْلَامِيِّينَ، وَبِهِ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ، وَفَرَّقَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ، فَقَالُوا: الْعَقْلُ جَوْهَرٌ مَخْلُوقٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مَرْكَزُ الْعُلُومِ، وَلَا يُسْتَفَادُ الْعَقْلُ إنَّمَا تُسْتَفَادُ الْعُلُومُ. اهـ. وَكَذَلِكَ نَقَلَ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ عَنْ أَهْلِ الْحَقِّ تَرَادُفَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ. قَالَ: فَقَالُوا: وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الْعُقُولِ لِكَثْرَةِ الْعُلُومِ وَقِلَّتِهَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الطَّبَرِيُّ: نُورٌ وَبَصِيرَةٌ فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَتُهُ الْبَصَرُ مِنْ الْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُمْتَنَعُ بِهِ مِنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ، وَذَهَبَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ إلَى أَنَّهُ غَرِيزَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمَعْرِفَةِ، وَمَثَّلَهُ بِالْبَصَرِ، وَمَثَّلَ الْعِلْمَ بِالسِّرَاجِ، فَمَنْ لَا بَصَرَ لَهُ " لَا يَنْتَفِعُ بِالسِّرَاجِ " وَمَنْ
стр. 116
لَهُ بَصَرٌ بِلَا سِرَاجٍ لَا يَرَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ. فَصَرَّحَ بِمُخَالَفَةِ الْعَقْلِ الْعِلْمَ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ. قَالَ الْقَاضِي: أَيْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَلَيْسَ اكْتِسَابًا. قَالَ الْأُقْلِيشِيُّ: وَهَذِهِ الْغَرِيزَةُ لَيْسَتْ حَاصِلَةً لِلْبَهِيمَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَاسْتَحْسَنَهُ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ " وَاعْتَقَدَهُ رَأْيًا.
إذْ أَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ فِي السَّجِيَّةِ، وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَهِيَ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ الَّتِي مَنْشَؤُهَا مِنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. لَكِنَّهُ فِي " الشَّامِلِ " حَكَاهُ، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ لَا يَرْضَاهُ وَإِنَّهُ يَتَّهِمُ النَّقَلَةَ عَنْهُ فِيهِ، وَأَطَالَ فِي رَدِّهِ. وَصَارَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الطَّيِّبِ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، فَخَرَجَتْ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلًا مَعَ عَدَمِ جَمِيعِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: بَعْضُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ بِالْمُدْرِكَاتِ، لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا غَيْرَ عَاقِلٍ، فَثَبَتَ أَنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْعِلْمِ بِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ، وَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْمَعْلُومَ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا وَأَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَخْلُو عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْقِدَمِ أَوْ بِالْحُدُوثِ، وَالْعِلْمِ بِمَجَارِي الْعَادَاتِ الْمُدْرَكَاتِ بِالضَّرُورَةِ، كَمُوجِبِ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ
стр. 117
الصَّادِرَةِ عَنْ الْمُشَاهَدَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الَّتِي يُخَصُّ بِهَا الْعُقَلَاءُ.
وَحَاصِلُهُ: الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبَاتِ، وَاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَجَوَازِ الْجَائِزَاتِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ كُلُّهُ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: فَقُلْت لَهُ: أَفَتَخُصُّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الضَّرُورَةِ بِوَصْفٍ؟ قَالَ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَا صَحَّ مَعَ الِاسْتِنْبَاطِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ لَيْسَ بِالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، إذْ الْإِنْسَانُ يُوصَفُ بِالْعَقْلِ مَعَ ذُهُولِهِ عَنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بَعْدَ إبْطَالِهِ قَوْلَ الْقَاضِي فِي الْعَقْلِ: وَعِنْدَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْعَقْلَ غَرِيزَةٌ تَلْزَمُهَا هَذِهِ الْعُلُومُ الْبَدِيهِيَّةُ مَعَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْعِبَارَةُ الْوَجِيزَةُ فِيهِ: عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ بِاسْتِحَالَةِ مُسْتَحِيلَاتٍ وَجَوَازِ جَائِزَاتٍ. أَوْ نُورٌ يُقْبِلُ مِنْ النُّورِ الْأَعْلَى بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَمِلُهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِالْمَجْنُونِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ لَكِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَبُولِ حَائِلٌ كَمَا فِي نُورِ الشَّمْسِ مَعَ السَّحَابِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ غَرِيزِيٌّ وَضَرُورِيٌّ وَهُمَا نَظَرِيٌّ وَتَجْرِيبِيٌّ، وَالْعِلْمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَهُمَا مُكْتَسَبَانِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُمْتَنَعُ بِهِ عَنْ فِعْلِ الْقَبِيحِ.
وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ: أَنَّهُ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي لَا خُلُوَّ لِنَفْسِ الْإِنْسَانِ عَنْهَا بَعْدَ كَمَالِ آلَةِ الْإِدْرَاكِ وَعَدَمِ أَضْدَادِهَا، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ. وَحَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلَانِ
стр. 118
ثُمَّ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِلْعَقْلِ الثَّابِتِ لِلصِّبْيَانِ، فَإِنَّهُمْ عُقَلَاءُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي كِتَابِ " الْعُدَّةِ " مَعَ انْتِفَاءِ مَا ذَكَرَهُ؛ لِامْتِنَاعِ صِحَّةِ نَفْيِ الْعَقْلِ عَنْهُمْ مُطْلَقًا، وَإِلَّا لَزِمَ جَوَازُ وَصْفِهِمْ بِضِدِّهِ، وَهُوَ الْجُنُونُ وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَغَيْرُ مَانِعٍ لِعُلُومِ الْمَجَانِينِ الَّتِي لَا خُلُوَّ؛ لِأَنْفُسِهِمْ عَنْهَا، كَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ وَنَحْوَهُ مَعَ أَنَّهُمْ غَيْرُ عُقَلَاءَ، وَقَالَ الْجِيلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ " الْإِعْجَازِ ": فَرْقٌ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ، وَيَظْهَرُ شَرَفُ الْعَقْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَنْبَعُ الْعِلْمِ وَأَسَاسُهُ، وَالْعِلْمُ يَجْرِي مِنْهُ مَجْرَى الثَّمَرَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ. قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ، وَقَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْت خَلْقًا أَكْرَمَ مِنْك، بِك آخُذُ، وَبِك أُعْطِي، وَبِك أُعَاقِبُ» . فَإِنْ قُلْت: إنْ كَانَ الْعَقْلُ عَرَضًا فَكَيْفَ يُخْلَقُ قَبْلَ الْأَجْسَامِ، وَإِنْ كَانَ جَوْهَرًا فَكَيْفَ يَكُونُ قَائِمًا بِنَفْسِهِ لَا بِمُتَحَيِّزٍ؟ . قُلْنَا: هَذَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ الْمُكَاشَفَةِ. قَالَ ﵊: «جَدَّ الْمَلَائِكَةُ وَاجْتَهَدُوا فِي طَاعَةِ اللَّهِ بِالْعَقْلِ، وَجَدَّ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ» .
стр. 119
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأُصُولِيِّينَ قَالَ: إنَّ الْجَوْهَرَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ قَوْلِنَا: إنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا: إنَّهُ خُلِقَ قَبْلَ الْأَشْيَاءِ. انْتَهَى.
[الْعَقْلُ ضَرْبَانِ]
[الْعَقْلُ ضَرْبَانِ] ثُمَّ هُوَ ضَرْبَانِ غَرِيزِيٌّ وَهُوَ أَصْلٌ، وَمُكْتَسَبٌ وَهُوَ فَرْعٌ. فَأَمَّا الْغَرِيزِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَأَمَّا الْمُكْتَسَبُ: فَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَقُوَّةِ النَّظَرِ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْمُكْتَسَبُ عَنْ الْغَرِيزِيِّ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْغَرِيزِيُّ عَنْ الْمُكْتَسَبِ؛ لِأَنَّ الْغَرِيزِيَّ أَصْلٌ يَصِحُّ قِيَامُهُ بِذَاتِهِ، وَالْمُكْتَسَبَ فَرْعٌ لَا يَصِحُّ قِيَامُهُ إلَّا بِأَصْلِهِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمُكْتَسَبِ عَقْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَتَائِجِهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالنِّزَاعِ فِي التَّسْمِيَةِ إذَا كَانَ الْمَعْنَى مُسَلَّمًا.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي أُمُورٍ: [تَفَاوُتُ الْعُقُولِ] أَحَدُهَا: هَلْ يَتَفَاوَتُ؟ وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ لَا يَتَفَاوَتُ، فَلَا يَتَحَقَّقُ شَخْصٌ أَعْقَلُ مِنْ شَخْصٍ، وَإِنْ أُطْلِقَ ذَلِكَ كَانَ تَجَوُّزًا، أَوْ صَرْفًا إلَى كَثْرَةِ التَّجَارِبِ، قَالَ
стр. 120
فَإِنَّا بَعْدَ أَنْ قُلْنَا: إنَّهُ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّفَاوُتُ فِيهَا، وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» . وَقِيَاسُ مَنْ فَسَّرَ الْعَقْلَ بِالْعِلْمِ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي تَفَاوُتِ الْعُلُومِ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْغَرِيزِيُّ فَلَا يَتَفَاوَتُ، أَوْ التَّجْرِيبِيُّ فَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِهِ، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابْنُ سُرَاقَةَ حَيْثُ قَالَ: هُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهُ مَخْلُوقٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَمِنْهُ يَزْدَادُ بِالتَّجْرِبَةِ وَالِاعْتِبَارِ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالشَّهْوَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ وَافِرُ الْعَقْلِ وَفُلَانٌ نَاقِصُ الْعَقْلِ. الثَّانِي: اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّهِ: فَقِيلَ لَا يُعْرَفُ مَحَلُّهُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الْقَلْبُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِسَائِرِ الْعُلُومِ، وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ: الدِّمَاغُ، وَالْأَوَّلُ: مَنْقُولٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَالثَّانِي: مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ حَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ شَاهِينِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْقَلْبِ.
стр. 121
وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: لَك حَاسَّةٌ مِنْهُ نَصِيبٌ، وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا رَابِعًا، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ " فِي بَابِ أَسْنَانِ إبِلِ الْخَطَأِ: أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلشَّافِعِيِّ مَحَلُّهُ: وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا خَامِسًا. وَقِيلَ: الصَّدْرُ، وَلَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ الْقَلْبَ، وَقِيلَ: هُوَ مَعْنًى يُضِيءُ فِي الْقَلْبِ، وَسُلْطَانُهُ فِي الدِّمَاغِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَوَاسِّ فِي الرَّأْسِ. وَلِهَذَا قَدْ يَذْهَبُ بِالضَّرْبِ عَلَى الدِّمَاغِ. حَكَاهُ ابْنُ سُرَاقَةَ. قَالَ: وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: هُوَ قُوَّةٌ وَبَصِيرَةٌ فِي الْقَلْبِ مَنْزِلَتُهُ مِنْهُ مَنْزِلَةُ الْبَصَرِ مِنْ الْعَيْنِ، وَنَبَّهَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " أَدَبِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا " عَلَى فَائِدَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْغَرِيزِيِّ.
أَمَّا التَّجْرِيبِيُّ فَمَحَلُّهُ الْقَلْبُ قَطْعًا. الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ حَقَائِقِ الْمَعْلُومَاتِ، وَأَنَّ مَنْ نَفَى كَوْنَهُ جَوْهَرًا أَثْبَتَ أَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ، وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ": الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ مَحَلُّهُ مَاذَا؟ مِمَّا يَلْتَبِسُ عَلَى كَثِيرٍ. فَإِنَّهُمْ إنْ عَنَوْا بِهِ الْقُوَّةَ النَّاطِقَةَ عَلَى مَا يَظْهَرُ
стр. 122
مِنْ كَلَامِهِمْ فَخَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهَا آلَةٌ وَلَا هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى عُضْوٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ، وَإِنَّمَا الَّذِي، يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ. هَلْ هِيَ الْقُوَّةُ الْمُفَكِّرَةُ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى الدِّمَاغِ؟ وَهِيَ مُلْتَبِسَةٌ بِالْقُوَّةِ النَّاطِقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: كَوْنُهَا مُخْتَصَّةً بِالْإِنْسَانِ، وَكَوْنُهَا مُمَيِّزَةً، وَلِهَذَا الِالْتِبَاسِ ظَنُّوا أَنَّهَا الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ، وَحَكَوْا فِيهَا الْخِلَافَ. وَاَلَّذِي غَلَّطَهُمْ فِي ذَلِكَ عَكْسُ الْقَضِيَّةِ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ مِثْلَ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ مُمَيِّزَةً مُخْتَصَّةً بِالْإِنْسَانِ عَكَسُوا الْقَضِيَّةَ، فَقَالُوا: كُلُّ قُوَّةٍ مُمَيِّزَةٍ خَاصَّةٍ بِالْإِنْسَانِ فَهِيَ قُوَّةٌ نَاطِقَةٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إذْ فِي الْإِنْسَانِ قُوَّةٌ أُخْرَى مُمَيِّزَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ، وَلَيْسَتْ النَّاطِقَةَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ هَذِهِ مَوْجُودَةٌ فِي الْإِنْسَانِ لَهَا آلَةٌ جُسْمَانِيَّةٌ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ قُوَى النَّفْسِ فَهَذِهِ إذَنْ يَجِبُ النَّظَرُ فِي آلَتِهَا الدِّمَاغِ أَوْ الْقَلْبِ، فَأَمَّا الْقُوَّةُ النَّاطِقَةُ الَّتِي سَمَّوْهَا عَقْلًا، فَلَيْسَتْ قُوَّةً فِي جِسْمٍ أَصْلًا، وَلَا هِيَ جِسْمٌ، وَلَا لَهَا آلَةٌ جُسْمَانِيَّةٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَمْيِيزَيْهِمَا: أَنَّ تَمْيِيزَ الْمُفَكِّرَةِ شَخْصِيٌّ؛ لِأَنَّهَا تُمَيِّزُ مَعْنَى الشَّيْءِ الْمُخَيَّلِ الْمُشَخَّصِ تَمْيِيزًا شَخْصِيًّا، فَهِيَ تَالِيَةٌ لِلْقُوَّةِ الْمُتَخَيِّلَةِ، كَمَا أَنَّ الْمُتَخَيِّلَةَ تَالِيَةٌ لِلْقُوَّةِ الْحِسِّيَّةِ، فَهِيَ إذَنْ أَكْثَرُ رُوحَانِيَّةً مِنْ التَّخَيُّلِيَّةِ، وَلِهَذَا اخْتَصَّتْ بِالْإِنْسَانِ، وَتَمْيِيزُ النَّاطِقَةِ كُلِّيٌّ وَهِيَ عَرِيَّةٌ مِنْ مُخَالَطَةِ الْجِسْمِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْقُوَى الْحَادِثَةِ الشَّخْصِيَّةِ فَافْتَرَقَا، وَلَيْسَتْ رُوحَانِيَّتُهَا كَذَلِكَ، فَلِذَلِكَ شَارَكَ فِيهَا الْإِنْسَانُ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ.
وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَاذَا؟ مَا لَوْ أُوضِحَ رَجُلٌ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْعَقْلِ، وَأَرْشُ الْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةً لَيْسَتْ فِي عُضْوِ الشَّجَّةِ تَبَعًا لَهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا
стр. 123
عَلَيْهِ الْعَقْلُ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَجَّ رَأْسَهُ. وَأَتْلَفَ عَلَيْهِ الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ مَنْفَعَةٌ فِي الْعُضْوِ الْمَشْجُوجِ، وَدَخَلَ أَرْشُ الشَّجَّةِ فِي الدِّيَةِ.
стр. 124
[الْحَدُّ النَّظَرُ فِي حَقِيقَتِهِ وَأَقْسَامِهِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ]
ِ [حَقِيقَةُ الْحَدِّ] أَمَّا حَقِيقَتُهُ: فَالْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ. وَقِيلَ: خَاصِّيَّةُ الشَّيْءِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ مَا هُوَ الْغَرَضُ بِالْحَدِّ؟ . هَلْ حَصْرُ الذَّاتِيَّاتِ أَوْ مُجَرَّدُ التَّمْيِيزِ كَيْفَ اتَّفَقَ؟ أَوْ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ لِوَصْفٍ خَاصٍّ؟ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى وَصْفِ الْمَحْدُودِ دُونَ قَوْلِ الْوَاصِفِ الْحَادِّ عِنْدَ مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ مُعْظَمِ أَئِمَّتِنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الْوَاصِفِ، وَهُوَ عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْمُفَسِّرُ لِاسْمِ الْمَحْدُودِ وَصِفَتِهِ عَلَى وَجْهٍ يَخُصُّهُ وَيَحْصُرُهُ. فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْهُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ مُنْفَرِدٌ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ.
стр. 125
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الْحَدُّ وَالْحَقِيقَةُ عِنْدَنَا بِمَعْنًى؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ مَانِعَةٌ لَهُ مِنْ الِالْتِبَاسِ بِغَيْرِهِ نَاطِقَةٌ بِمَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي حُكْمِهِ، وَقَالَتْ الْفَلَاسِفَةُ: هُوَ الْجَوَابُ الصَّحِيحُ فِي سُؤَالٍ مَا هُوَ؟ إذَا أَحَاطَ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ يُذْكَرُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سُؤَالٍ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّ حَدَّ الشَّيْءِ: مَعْنَاهُ الَّذِي لِأَجْلِهِ اسْتَحَقَّ الْوَصْفَ الْمَقْصُودَ بِالذِّكْرِ، وَتَسْمِيَةُ الْعِبَارَةِ عَنْ الْحَدِّ مَجَازٌ، وَمَعْنَى الْحَقِيقَةِ وَالْحَدِّ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ، وَلَفْظَ الْحَدِّ يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحُجَّةِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ بِالْمَحْدُودِ هَلْ يَجُوزُ حُصُولُهُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِحَدِّهِ وَحَقِيقَتِهِ؟ . أَجَازَهُ قَوْمٌ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: إنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عِلْمًا وَقَدْرًا وَحَيَاةً لَمْ يَعْلَمْهُ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ حَيٌّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْعَالِمِ عَالِمًا عِلْمٌ بِعِلْمِهِ، وَالنَّافِي لِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحَيَاتِهِ غَيْرُ عَالِمٍ بِكَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا حَيًّا. وَهَذَا قَوْلٌ يَطَّرِدُ عَلَى أَصْلِنَا فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ، وَفَرَّقَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْقُدَمَاءِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ. قَالَ: الْحَدُّ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي الشَّيْءِ نَفْسِهِ، وَالْحَقِيقَةُ مَا جَازَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الشَّيْءِ وَضِدِّهِ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: الشَّيْءُ لَهُ فِي الْوُجُودِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ: الْأُولَى: حَقِيقَتُهُ فِي نَفْسِهِ، وَالثَّانِيَةُ: ثُبُوتُ مِثَالِ حَقِيقَتِهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الذِّهْنِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعِلْمِ.
стр. 126
وَالثَّالِثَةُ: تَأْلِيفُ صَوْتٍ بِحُرُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي فِي النَّفْسِ، وَالرَّابِعَةُ: تَأْلِيفُ رُقُومٍ تُدْرَكُ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ تَدُلُّ عَلَى اللَّفْظِ وَهُوَ الْكِتَابَةُ. قَالَ: وَالْعَادَةُ لَمْ تَجْرِ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْحَدِّ عَلَى الْعِلْمِ، وَلَا عَلَى الْكِتَابَةِ، بَلْ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَاللَّفْظِ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ: وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ حَدِّ الْحَدِّ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ خَاصَّةً أَمْ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ؟ فَالْجَوَابُ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ خَاصَّةً، وَالثَّانِي: الْمُرَادُ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا، لَا عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، بَلْ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي فِي النَّفْسِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى، وَيُقَالُ عَلَى اللَّفْظِ بِحُكْمِ التَّبَعِ، لِدَلَالَتِهِ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ.
[مَذَاهِبُ اقْتِنَاصِ الْحَدِّ]
[مَذَاهِبُ اقْتِنَاصِ الْحَدِّ] وَفِي اقْتِنَاصِ الْحَدِّ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ حَكَاهَا الْعَبْدَرِيُّ فِي " الْمُسْتَوْفَى فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ". أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ أَفْلَاطُونَ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِالتَّقْسِيمِ بِأَنْ تَأْخُذَ جِنْسًا مِنْ أَجْنَاسِ الْمَحْدُودِ، وَتَقْسِمَهُ بِفُصُولِهِ الذَّاتِيَّةِ لَهُ، ثُمَّ تَنْظُرَ الْمَحْدُودَ
стр. 127
تَحْتَ أَيِّ فَصْلٍ هُوَ مِنْ تِلْكَ الْفُصُولِ؟ فَإِذَا وَجَدْته ضَمَمْتَ ذَلِكَ الْفَصْلَ إلَى الْجِنْسِ الَّذِي كُنْت أَخَذْته. ثُمَّ تَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْمَحْدُودِ فَقَدْ وُجِدَ جِنْسُ الْحَدِّ وَفَصْلُهُ، وَكَمَلَ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لَهُ عَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ الْجِنْسَ وَالْفَصْلَ إنَّمَا هُوَ حَدٌّ لِجِنْسِ الْمَحْدُودِ لَا لِلْمَحْدُودِ، فَتَأْخُذَ اسْمَ ذَلِكَ الْجِنْسِ بَدَلَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَتَقْسِمَهُ أَيْضًا إلَى فُصُولِهِ الذَّاتِيَّةِ، ثُمَّ تَنْظُرَ الْمَحْدُودَ تَحْتَ أَيِّ فَصْلٍ؟ فَتَأْخُذَهُ، وَتَقْسِمَهُ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، ثُمَّ تَنْظُرَ هَلْ هُوَ مُسَاوٍ لَفْظًا وَحْدَهُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ سَاوَاهُ فَقَدْ تَمَّ الْحَدُّ، وَإِلَّا فَعَلْت كَمَا تَقَدَّمَ هَكَذَا.
وَالثَّانِي: فِي مَذْهَبِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِطَرِيقِ التَّرْكِيبِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ أَقْرَبُ مِنْ طَرِيقِ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ أَنْ تُجْمَعَ الْأَوْصَافُ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الشَّيْءِ الْمَحْدُودِ كُلُّهَا، ثُمَّ تَنْظُرَ مَا فِيهَا ذَاتِيٌّ وَمَا فِيهَا عَرَضِيٌّ، فَتَطْرَحَ الْعَرَضِيَّ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الذَّاتِيِّ فَتَأْخُذَ مِنْهَا الْمَقُولَ فِي جَوَابِ مَا هُوَ؟ فَتَجْمَعَهَا كُلَّهَا، ثُمَّ تَطْرَحَ الْأَعَمَّ فَالْأَعَمَّ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلَى الْفُصُولِ فَتَجْمَعَهَا أَيْضًا كُلَّهَا، ثُمَّ تَطْرَحَ الْأَبْعَدَ فَالْأَبْعَدَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْفَصْلِ الْقَرِيبِ جِدًّا، وَحِينَئِذٍ فَيَكْمُلُ.
وَالثَّالِثُ: مَذْهَبُ بُقْرَاطِيسَ أَنَّهُ يُقْتَنَصُ بِالْبُرْهَانِ وَقَدْ أَبْطَلُوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 128
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا سُلِكَ فِي اقْتِنَاصِهِ الْقِسْمَةُ أَوْ التَّرْكِيبُ، وَكَانَ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بَعْدَ تَصَفُّحِ جَمِيعِ ذَاتِيَّاتِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ وَحْدَهُ كَانَ الْحَدُّ الْمُقْتَنَصُ بِهَذَا الطَّرِيقِ مَعْلُومًا، فَأَوَّلُ الْعَقْلِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ، فَإِذَنْ اقْتِنَاصُ الْحَدِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي طَلَبِ الْبُرْهَانِ مِنْ وَسَطٍ يُحْمَلُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ لَهُ لَا عَلَى أَنَّهُ جِنْسٌ لَهُ وَلَا فَصْلٌ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ لَهُ أَيْضًا. مِثَالُهُ: أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ حَدَّ الْعِلْمِ الْمَعْرِفَةُ، فَيُقَالَ لَنَا: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؟ فَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ طَلَبِ وَسَطٍ يُحْمَلُ عَلَى الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ لَهُ، وَتُحْمَلُ الْمَعْرِفَةُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهَا حَدٌّ لَهُ أَيْضًا وَلْيَكُنْ ذَلِكَ الْحَدُّ الِاعْتِقَادَ. فَنَقُولُ: لِكُلِّ عِلْمٍ بِالِاعْتِقَادِ يُؤْخَذُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ، وَكُلُّ اعْتِقَادٍ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ حَدٌّ، فَالْمَعْرِفَةُ تُؤْخَذُ لَهُ عَلَى أَنَّهَا حَدٌّ. فَإِذَنْ كُلُّ عِلْمٍ فَالْمَعْرِفَةُ تُؤْخَذُ لَهُ عَلَى أَنَّهَا حَدٌّ، فَيُنَازَعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْ هَذَا الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهَا حَدٌّ، وَيُطْلَبُ الْبُرْهَانُ كَمَا طُلِبَ عَلَى الْحَدِّ الْأَوَّلِ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّنَهَا بِدَلِيلَيْنِ. فَيُنَازَعُ أَيْضًا فِي كُلِّ مُقَدِّمَةٍ مِنْ مُقَدِّمَتَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِك الدَّلِيلَيْنِ. فَإِمَّا أَنْ يَتَسَلَّلَ الْأَمْرُ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَقِفَ عِنْدَ أَمْرٍ بَيِّنٍ بِنَفْسِهِ.
[مَسْأَلَةٌ صُعُوبَةُ الْحَدِّ]
ِّ] ادَّعَى ابْنُ سِينَا أَنَّ الْحُدُودَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى
стр. 129
مَعْرِفَةِ الْمَاهِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ تَفْصِيلًا حَتَّى يُعْلَمَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَاهِيَّةِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي بِهِ يَنْفَصِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَنْ الْأُخْرَى، وَلَا شَكَّ فِي صُعُوبَةِ مَعْرِفَتِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَبِهِ يَضْعُفُ تَرْكِيبُ الْحُدُودِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ الْمُطَابِقَةِ لَهَا. وَنَاقَضَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْمُعْتَبَرِ " فَقَالَ: الْحُدُودُ فِي غَايَةِ السُّهُولَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ هِيَ حُدُودُ الْأَسْمَاءِ، وَالْأَسْمَاءُ أَسْمَاءُ الْأُمُورِ الْمَعْقُولَةِ، وَكُلُّ أَمْرٍ مَعْقُولٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُعْقَلَ أَنَّ كَمَالَ الْمُشْتَرَكِ أَيْشٍ هُوَ؟ وَكَمَالُ جُزْءِ الْمَاهِيَّةِ أَيْشٍ هُوَ؟ فَكَانَ الْحَدُّ سَهْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَلِجُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَضَايِقِ، وَيَمْنَعُ كَوْنَ الْحَدِّ هُوَ الدَّالُّ عَلَى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، بَلْ هُوَ تَفْصِيلُ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ إجْمَالًا، وَقَالَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": الْإِنْصَافُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْغَرَضُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ تَفْصِيلَ مَدْلُولِ الِاسْمِ كَانَ سَهْلًا، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مَعْرِفَةَ الْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ كَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الصُّعُوبَةِ. فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُدُودَ الْكَاشِفَةَ لِلْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ تَفْصِيلِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ إجْمَالًا، بَلْ الْحَدُّ: هُوَ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ. وَصَنَّفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ رِسَالَةً بَيَّنَ فِيهَا صُعُوبَةَ الْحَدِّ.
стр. 130
وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ": الْعِلَّةُ فِي عُسْرِ حَدِّ بَعْضِ الْمُدْرَكَاتِ هُوَ أَنَّ أَصْلَ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ كُلِّهَا الْحَوَاسُّ، فَإِذَا قَوِيَ الْحِسُّ عَلَى إدْرَاكِ أَمْرٍ مِمَّا اتَّضَحَتْ فُصُولُهُ الذَّاتِيَّةُ عِنْدَ الْعَقْلِ فَأَدْرَكَ حَقِيقَةَ مَاهِيَّتِهِ سَاغَ لَهُ حَدُّهُ، وَإِذَا ضَعُفَ الْحِسُّ عَنْ إدْرَاكِ شَيْءٍ مِمَّا خَفِيَتْ فُصُولُهُ الذَّاتِيَّةُ عَنْ الْعَقْلِ، فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَتَهُ وَمَاهِيَّتَهُ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى حَدِّهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الرَّوَائِحُ وَالطُّعُومُ لَمَّا ضَعُفَ الْحِسُّ عَنْ إدْرَاكِهَا عَسِرَ حَدُّهَا، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: عُسْرُ الْحَدِّ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِّ تَصَوُّرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَصْلُ غَلَطِهِمْ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْأَذْهَانِ بِمَا فِي الْأَعْيَانِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ قَائِمَةٌ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ سَوَاءٌ طَابَقَ أَمْ لَا، وَلَيْسَ هُوَ تَابِعًا لِلْحَقَائِقِ فِي نَفْسِهَا.
تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ [الْقَصْدُ مِنْ الْحَدِّ] بَانَ مِمَّا سَبَقَ عَنْ كَلَامِ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْحَدِّ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْإِرْشَادِ ": قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَصْدُ مِنْ
стр. 131
التَّحْدِيدِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْفَرْقُ بِخَاصَّةِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. اهـ. وَلِهَذَا كَانَ الِاضْطِرَادُ وَالِانْعِكَاسُ لَا يَتِمُّ الْحَدُّ إلَّا بِهِمَا. وَأَمَّا الْمَنَاطِقَةُ فَقَالُوا: إنَّ فَائِدَةَ الْحَدِّ التَّصْوِيرُ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أُمُورًا سَتَأْتِي. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمِيعُ الطَّوَائِفِ أَنَّ فَائِدَتَهُ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُجَوِّزُ الْحَدَّ إلَّا بِمَا يُمَيِّزُ الْمَحْدُودَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَى مَا صَارَ إلَيْهِ أَئِمَّةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ شَرِيفٌ يَنْبَغِي الْإِحَاطَةُ بِهِ فَإِنَّ بِسَبَبِ إهْمَالِهِ دَخَلَ الْفَسَادُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْأَدْيَانِ عَلَى كَثِيرٍ، إذْ خَلَطُوا مَا ذَكَرَهُ الْمَنْطِقِيُّونَ فِي الْحُدُودِ بِالْعُلُومِ النَّبَوِيَّةِ، وَصَارُوا يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الْحُدُودِ، وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقَائِقِ، وَطُولُ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مِمَّا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ.
قُلْت: وَبَنَى الْمَنْطِقِيُّونَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوَاعِدَ: إحْدَاهَا: قَالُوا: الْحَدُّ لَا يُكْتَسَبُ بِالْبُرْهَانِ أَيْ لَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِبُرْهَانٍ وَعَقَدُوا الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْبُرْهَانَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَضَايَا الَّتِي فِيهَا حُكْمٌ، وَالْحَدُّ لَا حُكْمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَوُّرٌ، وَهَذَا الْإِطْلَاقُ مَمْنُوعٌ بَلْ الْحَقُّ أَنَّا إذَا قُلْنَا: الْإِنْسَانُ مَثَلًا حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَلَهُ أَرْبَعُ اعْتِبَارَاتٍ: أَحَدُهَا: تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ، وَهُوَ تَصَوُّرٌ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وَلَا يُمْنَعُ. ثَانِيهَا: دَعْوَى الْحَدِّيَّةِ، وَهَذَا يُمْنَعُ وَيُسْتَدَلُّ بِبَيَانِ صَلَاحِيَةِ هَذَا الْحَدِّ
стр. 132
لِلتَّعْرِيفِ مِنْ اطِّرَادِهِ وَانْعِكَاسِهِ، وَصَرَاحَةِ أَلْفَاظِهِ. ثَالِثَهَا: دَعْوَى الْمَدْلُولِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْمَعْنَى لُغَةً أَوْ شَرْعًا فَهَذَا يُمْنَعُ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي كِتَابِهِ " نِهَايَةِ الْعُقُولِ "، وَكَذَلِكَ قَيَّدَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ إطْلَاقَهُمْ مَنْعَ اكْتِسَابِهِ بِالْبُرْهَانِ. قَالَ: أَمَّا لَوْ أُرِيدَ بِالْإِنْسَانِ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ مَدْلُولُهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ النَّقْلِ. رَابِعَهَا: أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ ذَاتَ الْإِنْسَانِ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ وَالْمُطَالَبَةُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حَدًّا بَلْ دَعْوًى. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَيْضًا.
وَقَالَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": هَذَا بِحَسَبِ الِاسْمِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ أَنْ يُشِيرَ إلَى مَوْجُودٍ مُعَيَّنٍ، وَيَزْعُمَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحُجَّةِ، وَاَلَّذِي أَطْلَقَهُ هُنَا ابْنُ سِينَا فِي كُتُبِهِ امْتِنَاعُ الِاكْتِسَابِ لِلْحَدِّ بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ مُطْلَقًا. وَذُكِرَ عَنْ " أَفْلَاطُونَ " أَنَّهُ يُكْتَسَبُ بِالْقِسْمَةِ، وَزَيَّفَهُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ عَلَى الْحَدِّ، وَقَدْ اتَّفَقَ النُّظَّارُ عَلَى تَوَجُّهِهِمَا. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَنَا: أَنَّ الْحَدَّ مَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّعَاوَى، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ النَّقْضُ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ النَّقْضُ عَلَى تَسْلِيمِ بُعْدِ الْحَدِّ. مِثَالُهُ: إذَا قِيلَ: الْعِلْمُ هُوَ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ الْمَوْصُوفِ بِهِ أَحْكَامُ الْفِعْلِ،
стр. 133
فَإِذَا قِيلَ هَذَا مَنْقُوضٌ بِالْعِلْمِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَالَاتِ، فَإِنَّهُ عِلْمٌ وَلَا يُفِيدُ أَحْكَامًا، فَهَذَا النَّقْضُ إنَّمَا يَسْلَمُ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُحَالَاتِ. فَلَوْ لَمْ تَسْلَمْ هَذِهِ الدَّعْوَى لَمْ يُمْكِنْ تَوَجُّهُ النَّقْضِ إلَيْهِ. قَالَ: وَكَذَا الْمُعَارَضَةُ لَا يُمْكِنُ الْقَدَحُ بِهَا فِي الْحَدِّ إلَّا عِنْدَ تَسْلِيمِ الدَّعْوَى، وَإِلَّا فَالْحَقَائِقُ غَيْرُ مُتَعَانِدَةٍ فِي مَاهِيَّاتِهَا، فَإِنَّ مَنْ عَارَضَ هَذَا الْحَدَّ بِأَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْمُقْتَضِي سُلُوكَ النَّفْسِ فَلَيْسَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ تَعَانُدٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ مُنَافَاةٌ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُعَارَضَةُ فِي الْحُدُودِ.
الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا أَنَّ الْحَدَّ لَا يُمْنَعُ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الدَّلِيلِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَا يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ، وَبَيَانُ عَدَمِ الْإِمْكَانِ أَنَّهُ فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ يَفْتَقِرُ إلَى إثْبَاتِ مُقَدِّمَتَيْنِ. ثُمَّ فِي إثْبَاتِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَفْتَقِرُ إلَى إثْبَاتِ مُقَدِّمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَهَكَذَا إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ، فَيَلْزَمُ إمَّا الدَّوْرُ أَوْ التَّسَلْسُلُ، وَهُمَا بَاطِلَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: يَجُوزُ مَنْعُ الْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فَجَازَ أَنْ يُصَادَمَ بِالْمَنْعِ كَغَيْرِهِ مِنْ الدَّعَاوَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَرْجِعَ الْمَنْعِ طَلَبُ الْبُرْهَانِ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ، وَلَيْسَ كُلُّ دَعْوَى تُصَادَمُ بِالْمَنْعِ بِدَلِيلِ الْأَوَّلِيَّاتِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ إذَا انْتَهَى إلَيْهَا وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا، وَلَمْ يُسْمَعْ مَنْعُهَا. وَقَالَ الْجَاجَرْمِيُّ فِي رِسَالَتِهِ " إنَّ هَذَا يَنْشَأُ عَنْ حَدِّ الْحَدِّ مَا هُوَ؟ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ أَنَّهُ هَلْ يُمْنَعُ أَمْ لَا؟ وَالْحَدُّ قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا وَقَدْ يَكُونُ رَسْمِيًّا.
стр. 134
[الْحَدّ الْحَقِيقِيّ وَالْحَدُّ الرَّسْمِيُّ]
ُّ] فَنَقُولُ: الْحَادُّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ، وَهُوَ قَوْلُنَا: إنْسَانٌ مَوْضُوعٌ لِلْحَيَوَانِ النَّاطِقِ أَوْ يَدَّعِيَ أَنَّ ذَاتَ الْإِنْسَانِ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ، أَوْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْإِنْسَانِ إنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ الْإِشَارَةَ إلَى هَذِهِ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَصَوَّرَةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ دَعْوَى فَلِمَاذَا لَا يُمْنَعُ؟ ، وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الدَّعَاوَى؟ ؛ لِأَنَّهُ فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى كُلِّ مُقَدِّمَةٍ يَفْتَقِرُ إلَى مُقَدِّمَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَذَلِكَ لَا يَدُورُ وَلَا يَتَسَلْسَلُ، بَلْ يَنْتَهِي إلَى مُقَدِّمَةٍ أَوَّلِيَّةٍ، أَوْ قَطْعِيَّةٍ وَكَذَا هُنَا. قَالَ: وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا إجْمَاعُ النُّظَّارِ عَلَى النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ عَلَى الْحَدِّ، وَمَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّقْضُ وَالْمُعَارَضَةُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ فِي الرُّتْبَةِ عَنْ الْمَنْعِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ الْخَبَرِ، وَلَا خَبَرَ هُنَاكَ. اهـ. وَهَذَا يَنْظُرُ لِمَا سَبَقَ فِي طَلَبِ الْبُرْهَانِ عَلَيْهِ، وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَوْجِيهِ الْمُعَارَضَةِ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ السَّابِقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ الْمُعَارَضَةَ فِيهِ. قَالَ: لِأَنَّهَا تُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْمُعَارِضِ قَبْلَهُ، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ حَدَّيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ لِمَحْدُودٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالْحَقُّ: أَنَّ الْمُعَارَضَةَ إنْ كَانَتْ فِي حَدٍّ رَسْمِيٍّ، فَلَا نُبْطِلُهُ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ
стр. 135
فِيهِ التَّعَدُّدُ عَلَى مَا سَيَأْتِي لِتَعَدُّدِ اللَّوَازِمِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، وَقُلْنَا لَيْسَ لِشَيْءٍ حَدَّانِ ذَاتِيَّانِ، فَالْمُعَارَضَةُ إبْطَالٌ. وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَلَا إبْطَالَ فِيهَا. وَأَمَّا الْحَدُّ اللَّفْظِيُّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْمَنْعِ فِيهِ وَلَا لِلْمُعَارَضَةِ قَطْعًا. وَقَالَ الرَّشِيدُ الْحَوَارِيُّ. إنَّمَا تَدْخُلُهُ الْمُعَارَضَةُ بِحَدٍّ أَرْجَحَ مِنْهُ أَوْ النَّقْضُ، كَمَا لَوْ قِيلَ: حَدُّ الْغَصْبِ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ عَلَى مَالٍ لِلْغَيْرِ، وَقَالَ الْخَصْمُ: بَلْ إثْبَاتُ الْيَدِ الْعَادِيَةِ مَعَ إزَالَةِ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ. فَيَقُولُ: هَذَا يَبْطُلُ بِالْغَاصِبِ مِنْ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ، وَالْغَصْبُ مُحَقَّقٌ.
قَالَ: وَقَدْ يَتَكَايَسُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَيَقُولُ: الْحَدُّ لَا يُمْنَعُ بَعْدَمَا ثَبَتَ كَوْنُهُ حَدًّا، وَلَكِنْ لِمَ قُلْت: إنَّمَا ذَكَرْته حَدٌّ؟ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: الْحَدُّ لَا يُمْنَعُ أَيْ: مَا يُدَّعَى كَوْنُهُ حَدًّا لَا يُمْنَعُ، وَإِلَّا كُلُّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ حَدًّا فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ، ثُمَّ كُلُّ دَعْوَى ادَّعَاهَا الْإِنْسَانُ وَصَحَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يَقُولُهُ، فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ، فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالْحَدِّ. .
[التَّنْبِيهُ] الثَّانِي [حَدُّ الشَّيْءِ بِحَدَّيْنِ فَأَكْثَرَ] مَنَعُوا أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ حَدَّانِ فَأَكْثَرُ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ " الْإِفَادَةِ " فِيهِ خِلَافًا، وَاخْتَارَ الْجَوَازَ. قَالَ: وَلَا يَمْتَنِعُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ عِدَّةُ أَوْصَافٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْصُرُهُ، وَكَمَا قَالُوا فِي الْحَرَكَةِ: نَقْلَةٌ وَزَوَالٌ وَذَهَابٌ فِي جِهَةٍ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّعَدُّدَ يُؤَدِّي إلَى الْمُنَاقَضَةِ، وَيَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَقًّا مَمْنُوعٌ. اهـ.
стр. 136
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ تُفِيدُ أَنَّ نِزَاعَهُمْ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ، وَعَلَى هَذَا احْتِجَاجُهُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَقْوَى؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ فِي اللَّفْظِيِّ وَالرَّسْمِيِّ، وَقَدْ نَبَّهَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ تَعَدُّدِ الْحَدَّيْنِ الذَّاتِيَّيْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الذَّاتِيِّ بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فَهْمُ الذَّاتِيِّ قَبْلَ فَهْمِهِ. فَإِنَّ الْقَصْدَ بِهِ فَهْمُ ذَاتِيَّاتِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ حِينَ فُهِمَ جَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهَا؛ لِأَجْلِ التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ. وَوُجُودُ اشْتِمَالِهِ عَلَى ذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ التَّعَدُّدِ، وَسَكَتَ عَمَّا يَقْتَضِيهِ التَّعْرِيفَانِ الْأَخِيرَانِ لِلذَّاتِيِّ، بَلْ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا لَا يَقْتَضِيَانِ امْتِنَاعَ التَّعَدُّدِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ خِلَافٌ فِي التَّعَدُّدِ فِي الْحَقِيقِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِجَوَازِ التَّعَدُّدِ فِي الرَّسْمِيِّ وَاللَّفْظِيِّ. أَمَّا اللَّفْظِيُّ فَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ الْأَسَامِي الْمَوْضُوعَةِ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا الرَّسْمِيُّ فَلِأَنَّ عَوَارِضَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَلَوَازِمَهُ قَدْ تَكْثُرُ بِخِلَافِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّ الذَّاتِيَّاتِ مَحْصُورَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا حَقِيقِيًّا. وَإِنْ ذَكَرَ مَعَهَا زِيَادَةً فَهِيَ حَشْوٌ، فَإِذَنْ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ لَا يَتَعَدَّدُ.
[التَّنْبِيهُ] الثَّالِثُ [الْفَصْلُ هَلْ هُوَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الْجِنْسِ؟] اخْتَلَفُوا أَنَّ الْفَصْلَ هَلْ هُوَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الْجِنْسِ؟ فَقَالَ ابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ. نَعَمْ، لِاسْتِحَالَةِ وُجُودِ جِنْسٍ مُجَرَّدٍ عَنْ الْفُصُولِ، كَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ. وَخَالَفَهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ؛ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ ذَاتٍ وَصِفَةٍ أَخَصُّ
стр. 137
مِنْهَا، كَالْحَيَوَانِ الْكَاتِبِ يَكُونُ الذَّاتُ جِنْسَهَا، وَالصِّفَةُ فَصْلَهَا مَعَ امْتِنَاعِ كَوْنِ الصِّفَةِ عِلَّةً لِلذَّاتِ لِتَأَخُّرِهَا عَنْهَا، وَهَذَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ الْمَاهِيَّةَ اعْتِبَارِيَّةٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْعِلَّةِ أَحْكَامٌ: مِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّوْعِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ جِنْسًا لَهُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ، كَمَا ظَنَّ جَمَاعَةٌ أَنَّ النَّاطِقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ فَصْلٌ لِلْإِنْسَانِ، وَإِلَى الْمَلَكِ جِنْسٌ لَهُ، وَالْحَيَوَانُ بِالْعَكْسِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ لَوْ كَانَ جِنْسًا، لَكَانَ مَعْلُولًا لِلْجِنْسِ الْمَعْلُولِ لَهُ، فَيَكُونُ الْمَعْلُولُ عِلَّةً لِعِلَّتِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَارِنُ إلَّا جِنْسًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ لَوْ قَارَنَ جِنْسَيْنِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَلْتَئِمَ مِنْ الْفَصْلِ وَأَحَدِ الْجِنْسَيْنِ مَاهِيَّةٌ، وَمِنْهُ وَمِنْ الْآخَرِ أُخْرَى؛ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ لِمَاهِيَّةٍ وَاحِدَةٍ جِنْسَانِ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْفَصْلِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَاهِيَّتَيْنِ، وَعَدَمِ جِنْسِ مَا لَزِمَهَا فِي الْأُخْرَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَوِّمُ إلَّا نَوْعًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ امْتِنَاعُ أَنْ يُقَارِنَهُ إلَّا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَصْلَ الْقَرِيبَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا، فَإِنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ لَزِمَ تَوَارُدُ عِلَّتَيْنِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ تَكْثِيرَ الْفُصُولِ، وَالْحَقُّ: أَنَّ الْفَصْلَ لَا تَجُوزُ زِيَادَتُهُ عَلَى وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ لِوُجُودِ حِصَّةِ النَّوْعِ مِنْ الْجِنْسِ، فَإِنْ كَفَى الْوَاحِدُ فِي التَّقْوِيمِ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْآخَرِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَصْلًا، وَحَيْثُ وُجِدَ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ تَعَدُّدُ الْفُصُولِ بِقَوْلِهِمْ: فَصْلٌ ثَانٍ
стр. 138
وَثَالِثٌ، فَلَا تَحْقِيقَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ. فَإِنَّ الْمَجْمُوعَ فَصْلٌ وَاحِدٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّا جَعَلُوهُ فَصْلًا هُوَ جُزْءُ الْفَصْلِ، وَلَمَّا ذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى بُطْلَانِ قَاعِدَةِ الْعِلِّيَّةِ جَوَّزَ الْفُرُوعَ الثَّلَاثَةَ. الْأَوَّلُ: لِجَوَازِ تَرْكِيبِ الشَّيْءِ مِنْ أَمْرَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ كَالْحَيَوَانِ، وَالْأَبْيَضِ. فَالْمَاهِيَّةُ إذَنْ تَرَكَّبَتْ مِنْهُمَا، لِكَوْنِ الْحَيَوَانِ جِنْسًا وَالْأَبْيَضِ فَصْلًا لَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَيَوَانِ الْأَسْوَدِ وَبِالْعَكْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمَادِ الْأَبْيَضِ. فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسًا وَفَصْلًا، وَهُوَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ. وَفَصْلًا يُقَارِنُ جِنْسَيْنِ لَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ. وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّانِي الْمُسْتَلْزِمُ لِلثَّالِثِ. وَقَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: ذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْفَصْلَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ قَدْ يَكُونُ جِنْسًا لَهُ، وَيَجُوزُ اقْتِرَانُهُ بِجِنْسَيْنِ، فَيَكُونُ مُقَوِّمًا لِنَوْعَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْ قَيْدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ، كَالْحَيَوَانِ الْأَبْيَضِ، فَإِنَّ الْحَيَوَانَ يَصْدُقُ عَلَى الْأَبْيَضِ وَغَيْرِهِ، وَالْأَبْيَضَ يَصْدُقُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ جَعَلْت الْحَيَوَانَ جِنْسًا لِهَذِهِ الْمَاهِيَّةِ كَانَ الْأَبْيَضُ فَصْلًا لَهَا. وَإِنْ جَعَلْت الْأَبْيَضَ جِنْسًا لَهَا كَانَ الْحَيَوَانُ فَصْلًا. قَالَ ابْنُ وَاصِلٍ: وَاَلَّذِي نَقُولُهُ: إنَّا نَمْنَعُ أَنَّ مَاهِيَّتَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ تَتَأَلَّفُ عَنْ هَذَيْنِ الْمَفْهُومَيْنِ وَإِنَّمَا يَتَأَلَّفُ عَنْهُمَا مَاهِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ. وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْخَارِجِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا يَتَرَكَّبُ مِمَّا هَذَا شَأْنُهُ.
стр. 139
[أَقْسَامُ الْحَدِّ]
[أَقْسَامُ الْحَدِّ] وَأَمَّا أَقْسَامُهُ: فَحَقِيقِيٌّ وَرَسْمِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ثَلَاثَةٌ، وَيَزِيدُ اللَّفْظِيَّ، وَعَلَيْهِ جَرَى ابْنُ الْحَاجِبِ، وَمَا ذَكَرْنَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ نُطْقٌ يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْمَنْطُوقِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ حَاصِلٍ مِنْ اللَّفْظِيِّ، لِمَا سَنَذْكُرُهُ. فَالْحَقِيقِيُّ هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْخَاصَّةِ. وَالرَّسْمِيُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى عَوَارِضِهِ وَخَوَاصِّهِ اللَّازِمَةِ. وَرُبَّمَا قِيلَ: إنَّهُ اللَّفْظُ الشَّارِحُ لِلشَّيْءِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي أَكْثَرِ التَّعْرِيفَاتِ، فَإِنَّ الْحَدَّ الْحَقِيقِيَّ يَعِزُّ وُجُودُهُ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَكْثَرُ هُوَ الرَّسْمِيُّ. فَإِنَّ الْحَقِيقِيَّ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ وَغَيْرِهَا وَتَرْتِيبِهَا عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ بَعْضُ ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ الْحَدُّ إلَّا وَاحِدًا، وَهُوَ الْحَقِيقِيُّ، وَأَمَّا التَّعْرِيفُ بِالرَّسْمِ وَاللَّفْظِ فَلَا يُسَمَّى حَدًّا. فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْحَدَّ يُطْلَقُ عَلَى مُسَمَّيَاتِهِ بِالِاشْتِرَاكِ، كَدَلَالَةِ الْعَيْنِ عَلَى الْبَاصِرَةِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِهِمَا.
стр. 140
وَالْحَقُّ: أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهَا دَلَالَةُ التَّوَاطُؤِ، كَدَلَالَةِ لَفْظِ الْحَيَوَانِ عَلَى مَا تَحْتَهُ مِنْ الْأَنْوَاعِ. ثُمَّ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ التَّعْرِيفَ إنْ كَانَ بِالْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَالْفَصْلِ فَهُوَ الْحَدُّ التَّامُّ، وَهُوَ تَعْرِيفٌ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ. وَإِنْ كَانَ بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ، وَذَلِكَ الْبَعْضُ مُسَاوٍ لِلْمَاهِيَّةِ فَهُوَ الْحَدُّ النَّاقِصُ، كَالتَّعْرِيفِ بِالْفَصْلِ فَقَطْ، كَالنَّاطِقِ أَوْ بِالْجِنْسِ بِالْبَعِيدِ مَعَهُ كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ بِجُزْءِ الْمَاهِيَّةِ مَعَ الْخَارِجِ عَنْهَا فَهُوَ الرَّسْمُ التَّامُّ، كَالْحَيَوَانِ الضَّاحِكِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَعَمَّ.
أَمَّا لَوْ قُلْت: النَّاطِقُ الضَّاحِكُ فَالْحَدُّ هُوَ النَّاطِقُ، وَالضَّاحِكُ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ التَّعْرِيفَاتِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْرِيفُ بِالْخَارِجِ وَحْدَهُ فَهُوَ الرَّسْمُ النَّاقِصُ، كَالضَّاحِكِ، وَإِنْ كَانَ بِتَبْدِيلِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَجْلَى مِنْهُ عِنْدَ السَّامِعِ فَهُوَ اللَّفْظِيُّ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اللُّغَةِ، وَلَيْسَ مِنْ الْحُدُودِ فِي شَيْءٍ. وَمَنْ اشْتَرَطَ الْأَجْلَى يَعْلَمُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مِنْ تَعْرِيفِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ بِالْآخَرِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الشُّهْرَةِ لَا يُسَمَّى حَدًّا لَفْظِيًّا اصْطِلَاحًا.
[كَيْفِيَّةُ تَرْكِيبِ الْحَدِّ] وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ تَرْكِيبِهِ فَمِنْ شَيْئَيْنِ، وَهُمَا مَادَّتُهُ وَصُورَتُهُ. وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِنْسُهُ وَفَصْلُهُ، وَأَمَّا جِنْسُهُ: فَيَقُومُ مَقَامَ مَادَّتِهِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ، وَأَمَّا فَصْلُهُ: فَيَقُومُ مَقَامَ صُورَتِهِ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ. كَذَا اقْتَصَرَ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ
стр. 141
تَبِعَهُ كَالْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى ذِكْرِ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلْفَاعِلِيَّةِ وَالْغَائِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا وُضِعَ لِيُبَيِّنَ صُورَةَ الشَّيْءِ، إذْ الصُّورَةُ إنَّمَا هِيَ كَمَالُ وُجُودِ الشَّيْءِ، وَهِيَ أَشْرَفُ مَا بِهِ قِوَامُهُ، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ تُوجَدَ أَجْزَاءُ الْحَدِّ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ لَا مِنْ جِهَةٍ غَيْرِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا أُوجِدَ الْحَدُّ بِجِنْسِهِ وَفَصْلِهِ صُوِّرَ الشَّيْءُ بِصُورَتِهِ الَّتِي هِيَ أَكْمَلُ مِنْ مَادَّتِهِ، وَأَرَدْنَا كَمَالَ الْحَدِّ بِذِكْرِ بَاقِي أَسْبَابِ وُجُودِهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تُذْكَرَ فِي الْحَدِّ عَلَى جِهَةِ التَّبَعِ، فَيَكُونُ الْحَدُّ حِينَئِذٍ كَامِلًا قَدْ كَمُلَتْ فِيهِ جَمِيعُ أَسْبَابِ الشَّيْءِ الدَّاخِلَةِ فِي ذَاتِهِ، وَهُمَا مَادَّتُهُ وَصُورَتُهُ، وَالْخَارِجَةُ عَنْ ذَاتِهِ وَهُمَا فَاعِلُهُ وَغَايَتُهُ. وَكَذَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ". قَالَ: وَتَرْتِيبُهُ فِيهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي السَّبَبِيَّةِ، فَتُؤْخَذُ الصُّورَةُ أَوَّلًا الَّتِي هِيَ أَقْوَى سَبَبَيْ الشَّيْءِ الدَّاخِلَيْنِ فِي ذَاتِهِ، ثُمَّ تُتْبَعُ بِالْمَادَّةِ، ثُمَّ بِالْخَارِجَيْنِ عَنْ ذَاتِهِ. فَيَكُونُ هَذَا الْحَدُّ أَكْمَلَ الْحُدُودِ، وَلَوْ اقْتَصَرْنَا عَلَى صُورَتِهِ لَكَفَى لَكِنَّ هَذَا أَكْمَلُ. انْتَهَى.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَدِّ]
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْحَدِّ] وَأَمَّا شُرُوطُ صِحَّتِهِ: فَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ، وَمِنْهَا مَا يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى. فَمِنْ الْمَعْنَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا لِسَائِرِ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الِاطِّرَادُ، وَمَانِعًا عَنْ دُخُولِ غَيْرِ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: الِانْعِكَاسُ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ.
стр. 142
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ: الْمُطَّرِدُ هُوَ الْمَانِعُ وَالْمُنْعَكِسُ هُوَ الْجَامِعُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَوْفَقُ لِلِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ. فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا: اطَّرَدَ كَذَا أَنَّهُ وُجِدَ وَاسْتَمَرَّ. فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الطَّرْدِ الْوُجُودَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا صَوَّبْنَا الثَّانِيَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى وَصْفِهِ بِالِاطِّرَادِ أَنَّ تَعْرِيفَهُ لِلْمَحْدُودِ. مُطَّرِدٌ، وَهَذَا الَّذِي تَحَقَّقَ وَصْفُهُ بِالْحَدِّ، فَالْمُرَادُ اطِّرَادُ التَّعْرِيفِ.
تَنْبِيهٌ هَلْ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ شَرْطُ الصِّحَّةِ أَوْ دَلِيلُهَا؟ خِلَافٌ. حَكَاهُ الْأَنْبَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ "، فَإِنْ كَانَ شَرْطًا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ وُجُودِهِ صِحَّةُ الْحَدِّ، وَيَلْزَمُ مِنْ الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلُ الصِّحَّةِ لَزِمَ مِنْ الْوُجُودِ الصِّحَّةُ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ الِانْتِفَاءِ الْفَسَادُ. قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ؛ لِأَنَّا نَجِدُ حُدُودًا مُطَّرِدَةً وَمُنْعَكِسَةً، وَلَا يَحْصُلُ مِنْهَا مَقْصُودُ الْبَيَانِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ، كَقَوْلِنَا: الْعِلْمُ مَا عَلِمَهُ اللَّهُ عِلْمًا. فَهَذَا وَإِنْ كَانَ يَطَّرِدُ وَيَنْعَكِسُ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: عُرِفَتْ صِحَّتُهُ بِاطِّرَادِهِ وَانْعِكَاسِهِ فَتَجَوُّزٌ. اهـ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْحَدِّ الِاطِّرَادُ وَالِانْعِكَاسُ، وَمَا اطَّرَدَ وَلَمْ يَنْعَكِسْ جَرَى مَجْرَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَوْ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ أَخْفَى مِنْ الْمَحْدُودِ، وَلَا مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْخَفَاءِ، وَعِبَارَةُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ بِأَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ أَوْضَحَ مِنْهُ وَأَسْبَقَ
стр. 143
إلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَأَنْ يَكُونَ شَائِعًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِمَا يَكُونُ عِلَّتَهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
[الْخَفَاءُ هَلْ يُعْتَبَرُ الْخَفَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ أَوْ إلَى كُلِّ أَحَدٍ]
تَنْبِيهٌ [الْخَفَاءُ] هَلْ يُعْتَبَرُ الْخَفَاءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَادِّ أَوْ إلَى كُلِّ أَحَدٍ؟ مِثَالُهُ النَّفْسُ أَخْفَى مِنْ النَّارِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ شَخْصًا عَرَّفَ نَفْسَهُ أَجْلَى مِنْ النَّارِ، فَهَلْ تُحَدُّ لَهُ النَّارُ بِأَنَّهَا جِسْمٌ كَالنَّفْسِ؟ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ، وَالظَّاهِرُ: الْجَوَازُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُرَكَّبًا عَلَى اخْتِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ، فَعِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ لَا بُدَّ فِي الْحَدِّ مِنْ التَّرْكِيبِ، وَمَنَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَإِلَيْهِ يَمِيلُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ ": الصَّحِيحُ: جَوَازُهُ، وَمَنْ مَنَعَهُ اعْتَبَرَهُ بِالْعِلَّةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَرْكِيبِ الْحَدِّ مِنْ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ. فَمَنَعَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْجَمْعَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَلِهَذَا اخْتَارَ فِي حَدِّ الْجِسْمِ أَنَّهُ الطَّوِيلُ الْعَرِيضُ الْعَمِيقُ، وَاخْتَارَ الْبَاقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا تَرْكِيبَ الْحَدِّ مِنْ وَصْفَيْنِ وَأَكْثَرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا.
стр. 144
وَزَعَمَتْ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُرَكَّبًا مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ. وَزَعَمُوا أَنَّ مَا اطَّرَدَ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَانْعَكَسَ فَهُوَ رَسْمٌ لَا حَدٌّ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ قَوْلَنَا: الْإِنْسَانُ هُوَ الضَّاحِكُ رَسْمٌ، وَقَوْلُهُمْ: الْإِنْسَانُ حَيٌّ نَاطِقٌ مَائِتٌ حَدٌّ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِمَنْعِ التَّرْكِيبِ تَكْلِيفَ الْمَسْئُولِ أَنْ يَأْتِيَ فِي حَدِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ، إذْ الْمَقْصُودُ اتِّحَادُ الْمَعْنَى بِدُونِ اللَّفْظِ، وَالْعِبَارَاتُ لَا تُقْصَدُ لِأَنْفُسِهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ حُدُودًا بَلْ مُنْبِئَةٌ عَنْ الْحُدُودِ. ﴿تَنْبِيهٌ﴾ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَنَّ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: لَمْ يَتَوَارَدْ كَلَامُهُمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. بَلْ الْمُرَادَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَمُرَادُ الْمَنْطِقِيِّينَ بِالتَّرْكِيبِ هُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْحَدِّ، وَالتَّرْكِيبُ الَّذِي أَرَادَهُ الْأُصُولِيُّونَ هُوَ تَدَاخُلُ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلْمَحْدُودِ. مِثَالُهُ: إذَا حُدَّ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ الْمُتَّصِفِ بِهِ إحْكَامُ الْفِعْلِ وَإِتْقَانُهُ، فَيُقَالُ: هَذَا فِيهِ تَرْكِيبٌ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ، فَتَكُونُ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ عِلْمًا؛ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ دَاخِلَتَيْنِ فِي الْعِلْمِ لَزِمَ التَّرْكِيبُ الْمُفْسِدُ لِلْحَدِّ، وَإِنْ كَانَتَا خَارِجَتَيْنِ عَنْ الْعِلْمِ، فَالْعِلْمُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَصِحُّ بِهِ الْإِحْكَامُ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ الْعَاجِزَ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِحْكَامُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ.
стр. 145
[فَرْعٌ التَّحْدِيدُ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ]
ِ] قَالَ الْأُسْتَاذُ: اخْتَلَفُوا فِي التَّحْدِيدِ بِمَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْسِيمِ، فَالْمَانِعُونَ مِنْ تَرْكِيبِ الْحَدِّ مَنَعُوهُ، وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ مَنْ أَجَازَ التَّرْكِيبَ. نَحْوَ: الْخَبَرُ مَا كَانَ صِدْقًا أَوْ كَذِبًا، وَحَقِيقَةُ الْوُجُودِ مَا كَانَ قَدِيمًا أَوْ مُحْدَثًا، وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ فِي أَنَّ التَّقْسِيمَ فِي الْحَدِّ هَلْ يُفْسِدُهُ؟ أَحَدُهَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالتَّقْسِيمُ يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّرَدُّدِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلتَّعْرِيفِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُهُمَا وَلَا تَرَدُّدَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ: وَصَحَّحَهُ، إنْ كَانَ التَّقْسِيمُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِّ أَفْسَدَهُ، وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهُ لِمَقْصُودِ الْبَيَانِ لَمْ يُفْسِدْهُ. قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّقْسِيمُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِّ إذَا كَانَ بِحَيْثُ إذَا أُسْقِطَ مِنْ الْحَدِّ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا يُبْطِلُهُ، وَمِنْهَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَدَّرَ الْحُدُودُ بِلَفْظَةِ " كُلٍّ " هَكَذَا أَطْلَقُوهُ. وَكَانَ مَقْصُودُهُمْ بِاعْتِبَارِ الْكُلِّيَّةِ، أَيْ كُلِّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِكُلِّ فَرْدٍ، فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا لِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ صَادِقًا عَلَى كُلٍّ مِنْهَا. مِثَالُهُ: الْإِنْسَانُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ بِاعْتِبَارِ كُلِّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الْحَدُّ مَنْطِقِيًّا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، فَيَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا صَادِقًا عَلَى ذَوَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّك تَكُونُ حَكَمْت عَلَى زَيْدٍ مَثَلًا بِأَنَّهُ كُلُّ حَيَوَانٍ نَاطِقٌ، وَغَيْرُهُ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ، وَيَجِبُ تَنْزِيلُ إطْلَاقِهِمْ الْمَنْعَ عَلَى هَذَا
следующие страницы →