← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الْآيَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الْخَاصُّ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلَةً لَهُ فَلَا يُقَالُ فِيهَا بِمَا لَا تَحْتَمِلُ الْآيَةَ، وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ» ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي نَسْخِ السُّنَّةِ الْقُرْآنَ. الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا الْمَنْعُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: السُّنَّةُ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ لَا يَقْضِي عَلَى السُّنَّةِ. تَنْبِيهٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّسْخِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَنْسَخُهَا الْقُرْآنُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهَا سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَإِلَّا خَرَجَتْ السُّنَنُ عَنْ أَيْدِينَا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَنَا هُنَا اشْتِرَاطَهُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ التَّخْصِيصِ. الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَكَذَا السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ، وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ. قَالَ

стр. 1682

الْآمِدِيُّ: لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا، وَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ بَعْضُ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ، لَا بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ حَكَى الْإِمَامُ بْنُ الْقُشَيْرِيّ الْخِلَافَ هَاهُنَا، فَقَالَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ، فَالْإِجْمَاعُ مُخَصِّصٌ لَهُ كَمَا قُلْنَا فِي دَلِيلِ الْعَقْلِ. وَالْمُخَالِفُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يُخَالِفُ فِي هَذِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا رُفِعَ عَنْ الْعَامِّ خَارِجٌ مِنْهُ، وَجَبَ الْقَطْعُ بِخُرُوجِهِ وَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا وَأَنْ يَكُونَ نَسْخًا انْتَهَى. فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ لِأَنَّ الْخَاصَّ، لِأَنَّ النَّصَّ يُحْتَمَلُ نَسْخُهُ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ وَجَعَلَ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ. وَمَثَّلَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ بَذَلُوا فَلْسًا أَوْ فَلْسَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِذَلِكَ حَقْنُ دِمَائِهِمْ، كَمَا قَالَ: " الْجِزْيَةُ " بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ جِزْيَةً مَعْلُومَةً.

стр. 1683

[الْبَحْثُ الثَّانِي فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَفِيهِ مَسَائِلُ] [ الْأُولَى تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] الْبَحْثُ الثَّانِي فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأَوَّلُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ الْخَبَرَ يَتَسَلَّطُ عَلَى فَحْوَاهُ، وَفَحْوَاهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمَنْ شَكَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنْ الْمُصْطَفَى فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ لَابْتَدَرَهُ الصَّحَابَةُ قَاطِبَةً بِالْقَبُولِ، فَلَيْسَ عَلَى دِرَايَةٍ فِي قَاعِدَةِ الْأَخْبَارِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ عَلَى الْجَوَازِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ خَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» فَإِنْ قَالُوا: إنَّ فَاطِمَةَ (﵂) طَلَبَتْ الْمِيرَاثَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا طَلَبَتْ النُّحْلَى لَا الْمِيرَاثَ وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْمُسْلِمِينَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]

стр. 1684

[بِمَا وَرَدَ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ. وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَالْمَجُوسُ مُشْرِكُونَ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ (﵁) : لَا نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا نَدَعُ كِتَابَ نَبِيِّنَا نَسْخًا، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ خَصَّ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ. أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ ادَّعَى النَّسْخَ انْتَهَى. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يُقْطَعُ بِأَصْلِهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَنَّهُمْ لِأَجْلِهِ مَنَعُوا الْحُكْمَ بِالْقُرْعَةِ، وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

стр. 1685

أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلظَّاهِرِ أَوْ مُبْتَدِئًا، وَلَا مَعْنَى لِإِمْكَانِ التَّخْصِيصِ مَعَ الْقَوْلِ بِحُجِّيَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ " بِهِ " فِي الْجُمْلَةِ وَخَالَفُونَا فِي التَّفْصِيلِ، فَقَالُوا: وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» وَهُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ فَقَالُوا: بِتَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْهُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمَا دَخَلَهُ بَقِيَ مَجَازًا، وَضَعُفَتْ دَلَالَتُهُ، وَنَقَلُوهُ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ. وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا سَبَقَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حُجَّةً لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ، إذْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا حُكْمُ الْعُمُومِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ، أَوْ لَهُ حُكْمٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ لَا يَبْقَى حُجَّةً، مَعَ قَوْلِهِ بِجَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،. وَقَدْ حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ مِنْ كِتَابِ التَّقْرِيبِ " عَنْهُ أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ جَازَ تَخْصِيصُ بَاقِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ افْتِتَاحُ تَخْصِيصِهِ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَهُ قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ بَعْضُهُ صَارَ مُجْمَلًا فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يُسَوِّغُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ فِيهَا. فَجُعِلَ الْخَبَرُ عَلَى التَّحْقِيقِ مُثْبِتًا حُكْمًا ابْتِدَاءً، وَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ التَّخْصِيصِ إذَا حَقَّقْته، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ فِي عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ قَبْلَ وُرُودِ الْخَبَرِ وَبَعْدَهُ. انْتَهَى.

стр. 1686

وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي وَإِنَّمَا حُكِيَ عَنْهُ تَجْوِيزُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الَّذِي أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهِ، أَوْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّهُ بِالتَّخْصِيصِ حِينَئِذٍ مُجْمَلًا وَمَجَازًا، فَيَجُوزُ لِذَلِكَ إعْمَالُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي تَخْصِيصِ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْهُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إنْ كَانَتْ الْآيَةُ الْعَامَّةُ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ جَازَ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِالتَّخْصِيصِ كَالْمُجْمَلَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْبَيَانِ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ. وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": فَأَمَّا قَوْلُ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَالْكَرْخِيِّ فَيُبْنَيَانِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ عِنْدَ عِيسَى مَجَازٌ، وَالْمَخْصُوصَ بِالدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ مَجَازٌ، وَإِذَا صَارَ مَجَازًا صَارَتْ دَلَالَتُهُ مَظْنُونَةً، وَمَتْنُهُ مَقْطُوعًا، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَتْنُهُ مَظْنُونٌ وَدَلَالَتُهُ مَقْطُوعَةٌ، فَيَحْصُلُ التَّعَادُلُ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ، فَيَكُونُ قَاطِعًا فِي مَتْنِهِ وَدَلَالَتِهِ، فَلَا يُرَجَّحُ عَلَيْهِ الْمَظْنُونُ. وَهَذَا الْمَأْخَذُ الَّذِي ذَكَرُوهُ تَرَدَّدَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي أُصُولِهِ، فَقَالَ: إنْ لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ، لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ، وَإِلَّا فَإِنْ ثَبَتَ وَاحْتَمَلَ اللَّفْظُ مَعَانِيَ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهَا، وَكَانَ اللَّفْظُ يَفْتَقِرُ عَلَى الْبَيَانِ جَازَ تَخْصِيصُهُ، وَتَبْيِينُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ أُصُولُهُمْ وَمَسَائِلُهُمْ، وَاحْتَجَّ بِكَلَامِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَذَكَرَهُ. قَالَ: فَنَصَّ عِيسَى عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ لَا يُخَصُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِيمَا عَدَا الْمَخْصُوصَ عَلَى مَا كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ الْكَرْخِيّ؛ وَيُحْتَمَلُ

стр. 1687

أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ الْقَوْلَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِيمَا عَدَا الْمَخْصُوصَ، لِأَنَّهُ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْبَاقِي مَعَ ذَلِكَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ مِمَّا سَوَّغَ الِاجْتِهَادَ فِي تَرْكِ حُكْمِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا، أَمَّا إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَعَانٍ فَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ بِهِ. انْتَهَى. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ عُمُومُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ فَيُزَادُ فِي تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ: وَقَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ مُجْمَلَةً، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي تَأْوِيلِهَا، قُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي تَفْسِيرِهَا وَتَخْصِيصِهَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَرَاخِيًا، وَأَمَّا الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ابْتِدَاءً بِدَلِيلٍ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ مُتَرَاخِيًا ابْتِدَاءً، كَمَا يَجُوزُ مُتَّصِلًا قَالَ: وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَأَخِّرِ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يَكُونُ بَيَانًا؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعَامِّ بَعْضُهُ ابْتِدَاءً كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّخْصِيصِ؛ بَلْ يَكُونُ نَاسِخًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ حُكْمِ الْعَامِّ؛ بَلْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْحَالِ. الرَّابِعُ: إنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ بِمُتَّصِلٍ فَلَا، قَالَهُ الْكَرْخِيّ، لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ بِمُنْفَصِلٍ يُصَيِّرُهُ مَجَازًا عَلَى مَذْهَبِهِ، فَتَضْعُفُ دَلَالَتُهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَمَا قَالَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: ظَنِّيَّةٌ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ:

стр. 1688

مَا قَالَهُ ابْنُ أَبَانَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَا نُوَافِقُهُ عَلَيْهِ الْخَامِسُ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِوُرُودِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ؛ بَلْ وَرَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ. السَّادِسُ: الْوَقْفُ. ثُمَّ قِيلَ: بِمَعْنَى لَا أَدْرِي. وَقِيلَ: بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ التَّعَارُضُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي دَلَّ الْعُمُومُ عَلَى إثْبَاتِهِ وَالْخُصُوصُ عَلَى نَفْيِهِ، وَيَجْرِي اللَّفْظُ الْعَامُّ مِنْ الْكِتَابِ. فِي بَقِيَّةِ مُسَمَّيَاتِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ أَصْلُهُ قَطْعِيٌّ، وَفَحْوَاهُ مَظْنُونٌ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عَكْسُهُ، فَيَتَعَارَضَانِ، فَلَا رُجْحَانَ، فَيَجِبُ الْوَقْفُ. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ "، وَحَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَقَالَ هُوَ مُتَّجَهٌ جِدًّا، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ الْجَوَازُ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلَ، كَنَفْيِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ: «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ» ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] وَالنَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ [الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَغَايَةُ الْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَعَلَّ الْخَبَرَ كَانَ مُتَوَاتِرًا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ اسْتَغْنَى عَنْهُ فَصَارَ آحَادًا، فَقِيلَ لَهُمْ: قَدْ رَوَى الصِّدِّيقُ؛ «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» وَطَرَحُوا بِهِ مِيرَاثَ فَاطِمَةَ (﵂) ، فَقَالُوا: كَانُوا عَلِمُوا ذَلِكَ، وَإِنَّمَا ذَكَّرَهُمْ الصِّدِّيقُ. قُلْنَا: لَوْ كَانَ مُتَوَاتِرًا لَمْ يَخْفَ عَلَى فَاطِمَةَ. اهـ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: يَجِبُ عَلَى أَصْلِ الْقَاضِي أَنْ يَجْزِمَ بِالتَّخْصِيصِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ مُسَاوٍ لِعُمُومِ الْكِتَابِ لِوُقُوفِهِ فِي تَخْصِيصِهِ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي، فَكَيْفَ يُسَاوِي هُوَ مَا دُونَهُ؟

стр. 1689

الثَّانِي: ذَكَرَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي [لَا] تُجْمِعُ الْأُمَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، أَمَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: «لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ، وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَكَنَهْيِهِ عَنْ الْجَمْعِ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ قَطْعًا، وَيَصِيرُ ذَلِكَ كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُتَوَاتِرِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى حُكْمِهَا، وَلَا يَضِيرُ عَدَمُ انْعِقَادِهِ عَلَى رِوَايَتِهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ أَلْحَقَ هَذَا الْقِسْمَ بِالْمُتَوَاتِرِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُخَصُّ بِهِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عِنْدَنَا، إذَا كَانَ لَمْ يَجْتَمِعْ عَلَى تَخْصِيصِهِ كَآيَةِ الرَّضَاعِ، فَإِنْ أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهِ جَازَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا عَدَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. [الثَّانِيَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] ِ، وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " وَغَيْرُهُمَا، فَإِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ ذَلِكَ، غَلَطٌ. فَرْعٌ: هَلْ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي حُجِّيَّتِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ امْتَنَعَ، أَوْ حُجَّةً فَكَخَبَرِ الْوَاحِدِ. ثُمَّ رَأَيْت فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ تَجْوِيزَهُ إذَا اشْتَهَرَتْ وَاسْتَفَاضَتْ. قَالَ: وَلِهَذَا أَخَذْنَا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ، وَمَنَعْنَا بِهِ إطْلَاقَ مَا فِي بَاقِي الْآيَةِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ كَالْخَبَرِ سَوَاءً.

стр. 1690

[الثَّالِثَةُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْقِيَاسِ] الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْقِيَاسِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَقَالَ ابْنُ دَاوُد فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ ": إنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يُصَرِّحُ بِالْجَوَازِ. وَحَكَى الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو هَاشِمٍ آخِرًا. وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَسُلَيْمٌ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ طَرِيقِ الْعُمُومِ لَا الْقِيَاسِ، وَبِنَاءً عَلَى رَأْيِهِ فِي جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ. وَبِهَذَا كُلِّهِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَكَذَلِكَ حَكَوْا الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " حَكَاهُ هَكَذَا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ الْأَشْعَرِيِّ قَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: لَا يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْعُمُومِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ كَمَا تَقَرَّرَ، فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانُ مَا أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ انْتَهَى. وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ الْقَائِلِينَ بِإِنْكَارِ الصِّيَغِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَحْصُولِ "، وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلَى تَرْجِيحِهِ حَيْثُ قَالَ: لَنَا أَنَّ الْعُمُومَ وَالْقِيَاسَ. إلَخْ، لَكِنَّهُ اخْتَارَ فِي الْمَعَالِمِ " الْمَنْعَ، وَأَطْنَبَ فِي نُصْرَتِهِ، وَهَذَا الْكِتَابُ مَوْضِعٌ لِاخْتِيَارَاتِهِ، بِخِلَافِ الْمَحْصُولِ " فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِنَقْلِ الْمَذَاهِبِ وَتَحْرِيرِ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ إنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ " فِي

стр. 1691

أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيمَا سَيَأْتِي فِي السَّادِسِ. وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ ثُمَّ رَجَعَ ابْنُهُ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِنَّمَا هِيَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، قَالَ بِهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ؛ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ ": مِنْهُمْ ابْنُ مُجَاهِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ " عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْأَشْعَرِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: زَعَمُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ "؛ فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّمَا الْقِيَاسُ الْجَائِزُ أَنْ يُشَبَّهَ مَا لَمْ يَأْتِ فِيهِ حَدِيثٌ بِحَدِيثٍ لَازِمٍ، فَأَمَّا أَنْ يُعْمَدَ إلَى حَدِيثٍ عَامٍّ فَيُحْمَلُ عَلَى الْقِيَاسِ، فَأَيْنَ الْقِيَاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؟ إنْ كَانَ الْحَدِيثُ قِيَاسًا فَأَيْنَ الْمُسَمَّى؟ قَالَ: فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَعْمَلُ فِي الْحَدِيثِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ فِي أَنَّهُ يُبْتَدَأُ بِهِ الْحُكْمُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكُونُ فِيهِ حَدِيثٌ، أَوْ قِيَاسٌ عَلَى مَوْضِعٍ فِيهِ حَدِيثٌ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ مَنْعُ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ. وَرَدَّهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَقَالَ: قَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ " قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَاحْتَمَلَ أَمْرُهُ تَعَالَى فِي الْإِشْهَادِ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، كَقَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى النَّدْبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَقَالَ الشَّافِعِيُّ. لَمَّا

стр. 1692

جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَبَيْنَ الرَّجْعَةِ وَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِيهِمَا، ثُمَّ كَانَ الْإِشْهَادُ عَلَى الطَّلَاقِ غَيْرَ وَاجِبٍ، كَذَلِكَ الْإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: قَدْ قَاسَ الشَّافِعِيُّ الْإِشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ عَلَى الْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَخَصَّ بِهِ ظَاهِرَ الْأَمْرِ بِالْإِشْهَادِ إذْ ظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. قَالَ: وَإِمَّا الْكَلَامُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الْقَائِلُ، فَلَمْ يَقْصِدْ الشَّافِعِيُّ مَنْعَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الظَّاهِرِ بِالْقِيَاسِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، فَرَوَى حَدِيثَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ» ، ثُمَّ حَكَى عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْعِلَّةُ فِي طَلَبِ الْوَلِيِّ أَنَّهُ يَطْلُبُ الْحَظَّ لِلْمَنْكُوحَةِ، وَيَضَعُهَا فِي كُفْءٍ، فَإِذَا تَوَلَّتْ هِيَ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْوَلِيِّ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا الْقِيَاسُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ يَعْمِدُ إلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَيُسْقِطُهُ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ يُفْضِي إلَى سُقُوطِ اعْتِبَارِ الْوَلِيِّ وَذَلِكَ يُسْقِطُ نَصَّ الْخَبَرِ، وَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ هُنَا لَا يَجُوزُ، إنَّمَا يَجُوزُ حَيْثُ يُخَصُّ الْعُمُومُ انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ الْعُمُومَ. الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: إنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ خُصَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَكَذَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ "، وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْهُ إنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ

стр. 1693

بِغَيْرِ الْقِيَاسِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " عَنْ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ. الرَّابِعُ: إنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ بِمُنْفَصِلٍ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْكَرْخِيّ. وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: كُلُّ مَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ، فَمَا لَا يَخُصُّهُ أَوْلَى أَنْ لَا يُخَصَّ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ: هَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَنَقَلَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ بِوَجْهٍ قَطْعِيٍّ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِمِثْلِهِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي التَّقْوِيمِ ": لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا تَخْصِيصُ الْعَامِّ ابْتِدَاءً بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ يَجُوزُ رَفْعُ الْكُلِّ لَهَا مِنْ خَبَرٍ تَأَيَّدَ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ، لَمْ يَقَعْ الْإِشْكَالُ فِي صَارِفِهِ إنَّمَا مِنْ جِنْسٍ دَخَلَ تَحْتَ الْخُصُوصِ، أَوْ مِنْ جِنْسِ مَا بَقِيَ تَحْتَ الْعُمُومِ، فَيَتَعَرَّفُ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ. الْخَامِسُ: إنْ كَانَ الْقِيَاسُ جَلِيًّا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قِيَاسَ شَبَهٍ أَوْ عِلَّةٍ فَلَا، نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ، زَادَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْوَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ، وَمُبَارَكِ بْنِ أَبَانَ وَابْنِ عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَراييِنِيِّ الْقِيَاسُ إنْ كَانَ جَلِيًّا مِثْلُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا، وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جَمِيعِ مَعْنَى الْأَصْلِ، كَقِيَاسِ الرِّبَا، فَالتَّخْصِيصُ بِهِ جَائِزٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا، إلَّا طَائِفَةً شَذَّتْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِمْ. وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا وَهُوَ قِيَاسُ عِلَّةِ الشَّبَهِ فَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ شَذَّ فَجَوَّزَهُ.

стр. 1694

وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: قِيَاسُ الْأَصْلِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِهِمَا سَائِغٌ جَائِزٌ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ، وَمَنَعَهُ دَاوُد؛ وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى الْمُرَادِ بِالتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ أَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعُمُومِ فِي اللَّفْظِ بَيْنَ الْقِيَاسِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي اللَّفْظِ، لَا أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْمُرَادِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ نَسْخًا وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَفِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ جَوَازُهُ أَيْضًا. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْخَفِيِّ فِي مَوَاضِعَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْجَلِيِّ وَهُوَ الَّذِي قَضَى الْقَاضِي بِخِلَافِهِ. وَقِيلَ: هُوَ قِيَاسُ الْمَعْنَى، وَالْخَفِيُّ قِيَاسٌ وَقِيلَ: مَا تَتَبَادَرُ عِلَّتُهُ إلَى الْفَهْمِ مِثْلُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . السَّادِسُ: إنْ تَفَاوَتَ الْقِيَاسُ وَالْعَامُّ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ رُجِّحَ الْأَقْوَى، فَيَرْجِعُ الْعَامُّ بِظُهُورِ قَصْدِ التَّعْمِيمِ فِيهِ وَيَكُون الْقِيَاسُ الْعَارِضُ لَهُ قِيَاسَ شَبَهٍ، وَيُرَجَّحُ الْقِيَاسُ بِالْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. فَإِنْ تَعَادَلَا فَالْوَقْفُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُطَرِّزِيُّ فِي الْعُنْوَانِ " وَاعْتَرَفَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ، وَكَذَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ " وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ

стр. 1695

وَابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَرَافِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ: لَقَدْ أَحْسَنَ فِي هَذَا الِاخْتِيَارِ أَبُو حَامِدٍ، فَكَمْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ شَاكِرٍ وَحَامِدٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": أَنَّهُ مَذْهَبٌ جَيِّدٌ، فَإِنَّ الْعُمُومَ قَدْ تَضْعُفُ دَلَالَتُهُ لِبُعْدِ قَرِينَتِهِ، فَيَكُونُ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ رَاجِحًا عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي وَصَفْنَاهُ، وَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ قَوِيَّ الرُّتْبَةِ، وَيَكُونَ الْقِيَاسُ قِيَاسَ شَبَهٍ، وَالْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الْعَمَلَ بِأَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ لَيْسَ مَذْهَبًا، وَلَمْ يَقُلْهُ الرَّجُلُ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُسْتَقِلٌّ، فَتَأَمَّلْ الْمُسْتَصْفَى " تَجِدُ ذَلِكَ. وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ: إنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ الْعُمُومِ أَقْوَى، ثُمَّ يَقُولُ: الْقِيَاسُ تَخْصِيصٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ أَرْجَحَ الظَّنَّيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ مُعْتَبَرٌ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْمُسْتَوِي ضَرُورِيٌّ، إنَّمَا الشَّأْنُ فِي بَيَانِ الْأَرْجَحِ مَا هُوَ؟ فَفَرِيقٌ قَالُوا: إنَّ الْأَرْجَحَ الْعُمُومُ، فَلَا يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ الْإِمَامُ فِي الْمَعَالِمِ " وَقَوْمٌ قَالُوا: الْأَرْجَحُ الْقِيَاسُ، فَيُخَصُّ الْعُمُومَ. وَالْقَوْلَانِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ. السَّابِعُ: الْوَقْفُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَعَارَضَا فِيهِ، وَالرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ سِوَاهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ. قَالَ: وَلَا يَظْهَرُ فِيهِ دَعْوَى الْقَطْعِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِهِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ شَارَكَ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ مِنْ وَجْهٍ، وَبَايَنَهُ مِنْ وَجْهٍ، أَمَّا الْمُشَارَكَةُ فَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ إسْقَاطُ الِاحْتِجَاجِ، وَالْوَاقِفُ يَقُولُ بِهِ، وَأَمَّا الْمُبَايَنَةُ، فَهِيَ أَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّخْصِيصِ يَحْكُمُ بِمُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَالْوَاقِفُ لَا يَحْكُمُ بِهِ.

стр. 1696

الثَّامِنُ: إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً مُجْزِئَةً عَلَيْهَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ الْآمِدِيُّ التَّاسِعُ: إنْ كَانَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُخْرَجًا مِنْ عَامٍّ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. الْعَاشِرُ: إنْ كَانَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُخْرَجًا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْعُمُومِ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ. وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ " فِي بَابِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ: لَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ بِالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ، إذَا كَانَ التَّأْوِيلُ مُسَاغًا لَا يَنْبُو نَظَرُ الْمُنْتَصِبِ عَنْهُ، وَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ صَدَرَ عَنْ غَيْرِ الْأَصْلِ الَّذِي فِيهِ وَرَدَ الظَّاهِرُ، فَإِنْ لَمْ يُتَّجَهُ قِيَاسٌ مِنْ مَوْرِدِ الظَّاهِرِ لَمْ يَجُزْ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ، يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَهُ وَقَصْرَهُ عَلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ، كَمَا فِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ فِي الزَّكَوَاتِ. قُلْت: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَهَذَا يَصْلُحُ تَقَيُّدًا لِلْجَوَازِ، لَا مَذْهَبًا آخَرَ. وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ قَطْعًا، وَالْقِيَاسُ الظَّاهِرُ كَالْمَعْرُوفِ بِالِاسْتِدْلَالِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ وَفِي الْعِتْقِ، فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، لِخُرُوجِهِ عَنْ الْخِلَافِ بِالْإِشْكَالِ وَقَالَ شَارِحُ اللُّمَعِ ": الْجَلِيُّ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ قَطْعًا، وَأَمَّا الْخَفِيُّ

стр. 1697

فَإِنْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ الْأَصْلِ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ قَطْعًا، كَعِلَّةِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الرِّبَا أَنَّهُ الْكَيْلُ، فَإِنَّهُمْ اسْتَنْبَطُوهَا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْعِلَّةُ الَّتِي اسْتَنْبَطُوهَا تُوجِبُ التَّخْصِيصَ فِيمَا لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يَعْتَرِضُ الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَنْبَطٍ مِنْ الْأَصْلِ جَازَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ، لَكِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَيْسَ الْقِيَاسَ الْمُعَارِضَ لِلنَّصِّ الْعَامِّ مُطْلَقًا، فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى عُمُومِ النَّصِّ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ حُكْمُ الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَعِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا مَعَ تَصَادُقِهِمَا فِي الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ صَارِفٍ قَطْعًا، فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقِيَاسِ لَا أَوَفُقُ الْخِلَافُ فِيهِ فِي أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ النَّصِّ، فَيَجِبُ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ " الْبُرْهَانِ " وَغَيْرُهُ. وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي قِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قِيَاسَ نَصٍّ عَامٍّ لَمْ يُخَصَّ بِهِ، بَلْ يَتَعَارَضَانِ، كَالْعُمُومَيْنِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ الثَّانِي. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي الْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، أَوْ عُمُومِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، أَوْ عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ أَيْضًا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَمَنْ لَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ لَا يُجَوِّزُ

стр. 1698

بِالْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ وَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجَوِّزَ ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الضَّعْفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَوِّزَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا فِي الْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ، إذْ قَدْ يَكُونُ قِيَاسُهُ أَقْوَى مِنْ عُمُومِ الْكِتَابِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ لِتَعَادُلِهِمَا إذْ قَدْ يَظْهَرُ لَهُ ذَلِكَ الثَّانِي: مَثَّلَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ لِلتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، وَقَوْلِهِ فِي الْإِمَاءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ لَمْ تَدْخُلْ فِي عُمُومِ مَنْ أُمِرَ بِجَلْدِهَا مِائَةً مِنْ النِّسَاءِ، ثُمَّ قِيسَ الْعَبْدُ عَلَى الْأَمَةِ، فَجُعِلَ حَدُّهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً. فَكَانَتْ الْأَمَةُ مَخْصُوصَةً، وَالْعَبْدُ مَخْصُوصًا مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمَةِ قَالَ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] فَاحْتَمَلَتْ إبَاحَةَ الْأَكْلِ فِي جَمِيعِ الْهَدْيِ، وَاحْتَمَلَ فِي الْبَعْضِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَدْيَ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهُ؛ فَكَانَ هَذَا مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ. وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ الْوَجْهُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَاجِبٌ، كَوُجُوبِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَوُجُوبِ مَا يَنْذُرُ الْمَرْءُ إخْرَاجَهُ مِنْ مَالِهِ، فَقِيسَ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الْمَعْنَى، وَهُوَ الْوُجُوبُ وَكَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ خَارِجًا مِنْ الْعُمُومِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ مَخْصُوصٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي ذَلِكَ

стр. 1699

وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الَّذِي لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ إذَا مَاتَ، وَالْمَرْأَةُ حَامِلٌ لَا تَعْتَدُّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ حَمْلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجِهَا، وَمَنْفِيٌّ عَنْهُ قَطْعًا فَلَا تَعْتَدُّ مِنْهُ، قِيَاسًا عَلَى الْحَمْلِ الْحَادِثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَيُخَصَّصُ بِهَذَا الْقِيَاسِ عُمُومُ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَصْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْخِلَافِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ؛ أَوْ مِنْ الْمُجْتَهَدَاتِ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى عُمُومِ الْكِتَابِ، وَفِي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عَلَى الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ فِيهِ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى، فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ فِيهِ مِنْ الْجَوَانِبِ مُتَفَاوِتَةٌ، غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ انْتَهَى. وَحِينَئِذٍ فَتَوَقُّفُ الْقَاضِي إنَّمَا هُوَ عَنْ الْقَطْعِ، وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ الْأَرْجَحَ التَّخْصِيصُ، وَلَكِنْ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ لَا تَكْفِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّ مَسَائِلَ هَذَا الْفَنِّ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةٌ لَا ظَنِّيَّةٌ، وَحِينَئِذٍ فَنَحْنُ نُوَافِقُهُ عَلَى انْتِفَاءِ الْقَطْعِ، وَإِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِي الْعَمَلِ، فَلَا نَتَوَقَّفُ؛ وَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِالظَّنِّ، فَيَتَوَقَّفُ. الرَّابِعُ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى، فَإِنَّ تِلْكَ لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ، وَلِهَذَا تَرَدَّدَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَحَارِمِ، لِأَجْلِ عُمُومِ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] وَالتَّخْصِيصُ بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الشَّهْوَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِمْ، وَكَذَا فِي الْقَاتِلِ بِحَقٍّ مَعَ حَدِيثِ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» . وَقَوْلُهُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» اسْتَنْبَطُوا مِنْهُ مَا خَصَّصَ جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. وَقَدْ نَقَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ " الْفَارِقَ بَيْنَ الْمَسَائِلِ، فَقَالَ بَعْدَ

стр. 1700

تَجْوِيزِهِ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ: هَذَا فِيمَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْمَعْنَى، وَأَمَّا مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مَعْنًى مُسْتَمِرٌّ جَائِزٌ عَلَى السَّيْرِ، فَالْأَصْلُ فِيهِ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ، وَتَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ النَّصِّ، وَلَكِنْ قَدْ يَلُوحُ مَعَ هَذَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ، فَيَتَعَيَّنُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَهَذَا لَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُلَامَسَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فَجَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ عَلَى الْجَسِّ بِالْيَدِ، ثُمَّ تَرَدَّدَ نَصُّهُ فِي لَمْسِ الْمَحَارِمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا جَرَيَانَ لَهُ فِي الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ وَمَا لَا يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي إثْبَاتِهِ، فَلَا يَكَادُ يَجْرِي فِي نَفْيِهِ. فَمَالَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ إلَى اتِّبَاعِ اسْمِ النِّسَاءِ، وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ: أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُنْقَضُ بِمَسِّهِنَّ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُلَامَسَةِ الْمُضَافَةِ إلَى أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْدَاثِ يُشْعِرُ بِلَمْسِ اللَّاتِي يُقْصَدْنَ بِاللَّمْسِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يُتَّجَهْ مَعْنًى صَحِيحٌ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ، كَقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ» ، فَالْحِرْمَانُ لَا يَنْسَدُّ فِيهِ تَعْلِيلٌ، فَإِذَا انْسَدَّ مَسْلَكُ التَّعْلِيلِ اقْتَضَى الْحَالُ التَّعَلُّقَ بِلَفْظِ الشَّارِعِ: تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا إذَا صَدَرَ مِنْ الْوَارِثِ فَهَلْ يَقْتَضِي حِرْمَانَهُ؟ فَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْحِرْمَانِ بِكُلِّ قَتْلٍ، التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ مَعَ حَسْمِ التَّعْلِيلِ، وَوَجْهُ إثْبَاتِ الْإِرْثِ التَّطَلُّعُ إلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ، وَلَيْسَ بِخَفِيٍّ أَنَّ قَصْدَهُ مُضَادَّةُ غَرَضِ الْمُسْتَعْجِلِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْقَتْلِ الْحَقِّ؛ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فَمَنْ عَمَّمَ تَعَلَّقَ بِالظَّاهِرِ، وَمَنْ فَصَّلَ بَيْنَ الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ تَشَوَّفَ إلَى دَرْكِ مَقْصُودٍ. وَهُوَ أَنَّ فِي الْحَيَوَانِ كَمَا نَبِيعُ الشَّاةَ بِهِ نَبِيعُ الشَّاةَ بِلَحْمِهِ. اعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُعَمِّمُهُ قَطْعًا، كَاسْتِنْبَاطِ

стр. 1701

مَا يُشَوِّشُ الْفِكْرَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» ، وَكَاسْتِنْبَاطِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجَامِدِ الظَّاهِرِ الْقَالِعِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْأَحْجَارِ وَهُوَ غَالِبُ الْأَقْيِسَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْبُطْلَانِ، وَلِهَذَا ضَعُفَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ، أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ، لِأَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِالشَّاةِ أَوْ الْقِيمَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَجِبَ الشَّاةُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إذْ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَمْ تَجِبْ الشَّاةُ، فَلَا تَكُونُ مُجْزِئَةً، وَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَقَدْ عَادَ الِاسْتِنْبَاطُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْبُطْلَانِ، وَاعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ هَذِهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ كَمَا يُجَوِّزُ الْقِيمَةَ يُجَوِّزُ الشَّاةَ، مَرْدُودٌ بِمَا سَأَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. تَرَدَّدَ فِيهِمَا التَّرْجِيحُ وَقَالَ إلْكِيَا فِي الْمَدَارِكِ ": الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى، لِأَنَّ الْعُمُومَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ، ثُمَّ يُبْحَثَ عَنْ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ فَهْمَ مَعْنَى اللَّفْظِ سَابِقٌ عَلَى فَهْمِ مَعْنَاهُ الْمُسْتَنْبَطِ، وَإِذَا فُهِمَ عُمُومُهُ، فَكَيْفَ يُتَّجَهُ بِنَاءُ عِلَّةٍ عَلَى خِلَافِ مَا فُهِمَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَيُتَّجَهُ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: الْمَعْنَى الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الْعُمُومِ فِي النَّظَرِ الثَّانِي رُبَّمَا نَرَاهُ أَوْفَقَ لِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَمِنْهَاجِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ إمَّا بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ، وَإِمَّا بِأَمَارَةٍ أُخْرَى تَفْصِلُ بِالْكَلَامِ، وَذَلِكَ رَاجِحٌ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ اللَّفْظِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَدَّرُ مُخَالِفًا لِلَّفْظِ، وَلَكِنْ يُقَدَّرُ بَيَانًا لَهُ، فَاَلَّذِي فَهِمْنَاهُ أَوَّلًا الْعُمُومَ، ثُمَّ النَّظَرُ الثَّانِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ

стр. 1702

الْخُصُوصُ، فَغَلَبَ مَعْهُودُ الشَّرْعِ عَلَى مَعْنَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ. فَرْعٌ وَلَّدْته: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْ الْمُقَيَّدِ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِطْلَاقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ جَوَّزَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الِاسْتِنْجَاءَ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ لَهُ ثَلَاثُ أَحْرُفٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَهُوَ الْإِزَالَةُ بِطَاهِرٍ، فِيهِ رَفْعُ قَيْدِ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ ﵇: «فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ»

стр. 1703

[الْبَحْثُ الثَّالِثُ فِي تَخْصِيصِ الْمَظْنُونِ بِالْقَطْعِ] يَجُوزُ تَخْصِيصُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقُرْآنِ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا هَاهُنَا، وَأَمْثِلَتُهُ عَزِيزَةٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ ﵇: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨٠] قُلْت: هَذِهِ إنْ جَعَلْنَا الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ: «حُبِّبَ إلَيْهِ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ» ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا خُصُوصَ السَّبَبِ فَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَامًّا، وَكَذَا قَوْلُهُ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩] وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» فَإِنَّهُ خُصَّ مِنْ الْكَلَامِ سَبْقُ اللِّسَانِ بِالْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ : «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقِيَاسِ] مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقِيَاسِ، وَفِي هَذَا الْخِلَافُ أَيْضًا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: قَالَا: وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ هُنَا التَّوَقُّفُ.

стр. 1704

[مَسْأَلَةٌ مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْإِجْمَاعَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي التَّخْصِيصِ] مَسْأَلَةٌ مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْإِجْمَاعَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْخِلَافَ فِي تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَكَذَا هُنَا. [مَسْأَلَةٌ هَلْ يُتْرَكُ الْعُمُومُ لِأَجْلِ السِّيَاقِ] مَسْأَلَةٌ هَلْ يُتْرَكُ الْعُمُومُ لِأَجْلِ السِّيَاقِ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، فَإِنَّهُ تَرَدَّدَ قَوْلُهُ فِي الْأَمَةِ الْحَامِلِ إذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا: هَلْ يَجِبُ لَهَا النَّفَقَةُ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يُشْعِرُ بِإِرَادَةِ الْحَرَائِرِ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَضَرَبَ أَجَلًا تَعُودُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مُضِيِّهِ إلَى الِاسْتِقْلَالِ بِنَفْسِهَا وَالْأَمَةُ لَا تَسْتَقِلُّ. وَأَطْلَقَ الصَّيْرَفِيُّ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالسِّيَاقِ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " يَقْتَضِيهِ، بَلْ بَوَّبَ عَلَى ذَلِكَ بَابًا، فَقَالَ: بَابُ الَّذِي يُبَيِّنُ سِيَاقُهُ مَعْنَاهُ، وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فَإِنَّ السِّيَاقَ أَرْشَدَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " نَصَّ بَعْضُ أَكَابِرِ الْأُصُولِيِّينَ

стр. 1705

عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ يُخَصُّ بِالْقَرَائِنِ. قَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ مُخَاطَبَاتُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، حَيْثُ يَقْطَعُونَ فِي بَعْضِ الْمُخَاطَبَاتِ بِعَدَمِ الْعُمُومِ بِنَاءً عَلَى الْقَرِينَةِ، وَالشَّرْعُ يُخَاطِبُ النَّاسَ بِحَسَبِ تَعَارُفِهِمْ. [الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْقَرَائِنِ وَالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ] قَالَ: وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْك التَّخْصِيصُ بِالْقَرَائِنِ بِالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ، كَمَا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِالسَّبَبِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، فَإِنَّ السَّبَبَ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُورَدَ لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَا يَنْتَهِضُ السَّبَبُ بِمُجَرَّدِهِ قَرِينَةً لِرَفْعِ هَذَا، بِخِلَافِ السِّيَاقِ فَإِنَّ بِهِ يَقَعُ التَّبْيِينُ وَالتَّعْيِينُ، أَمَّا التَّبْيِينُ فَفِي الْمُجْمَلَاتِ، وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَفِي الْمُحْتَمَلَاتِ. وَعَلَيْك بِاعْتِبَارِ هَذِهِ فِي أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُحَاوَرَاتِ تَجِدُ مِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُك حَصْرُهُ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ] مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ، سَوَاءٌ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، فَقَالَ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُلْت: إنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ، وَقَدْ يَرِدُ مِنْ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْعُمُومِ؟ قِيلَ: لِأَنَّ دَلِيلَ الْخِلَافِ يَجْرِي مَجْرَى الْقِيَاسِ فِي بَابِ الْقُوَّةِ، فَلِهَذَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ. قَالَ:

стр. 1706

وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّلِيلُ مُسْتَخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ الْخِطَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنَّهُ يَخُصُّهُ انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ " يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ أَوْ مِنْ اللَّفْظِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ. فَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْكِتَابِ تَوَاتُرًا، كَانَتْ السُّنَّةُ أَوْ آحَادًا، وَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَآحَادُ السُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ السُّنَّةِ، وَأَمَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِفَحْوَى آحَادِ السُّنَّةِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْسُنُ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ مَنْعِهِمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي إنْكَارِ الْمَفْهُومِ، لَكِنْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ فِي الْمُنْتَخَبِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَقَالَ: دَلَالَتُهُ، إنْ قُلْنَا بِكَوْنِهِ أَضْعَفَ مِنْ النُّطْقِ، فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ، وَتَوَقَّفَ فِي الْمَحْصُولِ " فَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " قَدْ رَأَيْت فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْعُمُومِ، وَفِي كَلَامِ صَفِيِّ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَى التَّخْصِيصِ بِهِ. قُلْت: وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ مِنْ الْحَاوِي "، فَقَالَ: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَذَا يَجُوزُ

стр. 1707

تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي جَوَازِ النَّسْخِ وَجْهَانِ. اهـ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، أَعْنِي قَطْعَهُ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ مَعَ تَرْجِيحِهِ كَوْنَهُ قِيَاسًا. وَكَانَ يَتَّجِهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ، لَكِنَّهُ هُنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ، وَرُبَّمَا أَيَّدَ ذَلِكَ بِدَعْوَى الْآمِدِيَّ وَالْإِمَامِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِيهِمَا، أَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَمَا إذَا وَرَدَ عَامٌّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ، كَقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ، ثُمَّ قَالَ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» . فَإِنَّ الْمَعْلُوفَةَ خَرَجَتْ بِالْمَفْهُومِ، فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْأَوَّلِ. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ، وَمَثَّلَ بِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا مِنْ صِفَةٍ، ثُمَّ أُعِيدَ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ: اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ، وَيُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُخَصَّصُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْعُمُومِ. اهـ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَا، فَفِي شَرْحِ اللُّمَعِ "، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، امْتَنَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: حُجَّةٌ، ابْتَنَى عَلَى أَنَّهُ فِي أَنَّهُ كَالنُّطْقِ أَوْ كَالْقِيَاسِ؛ فَإِنْ قُلْنَا: كَالنُّطْقِ، جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: قِيَاسٌ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي التَّخْصِيصِ بِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ كَجٍّ بِالْخِلَافِ، فَقَالَ: عِنْدَنَا دَلِيلُ الْخِطَابِ يَخُصُّ

стр. 1708

الْعُمُومَ، مِثْلُ قَوْلِهِ «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ثُمَّ قَالَ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لَا زَكَاةَ فِيهَا، فَخَصَّصْنَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَيَنْقُلُ الْأَوَامِرَ مِنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ لَا يَخُصُّ الْعُمُومَ، بَلْ يَكُونُ الْعُمُومُ مُقَدَّمًا، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْعُمُومَ نُطْقٌ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ مَفْهُومٌ مِنْ النُّطْقِ، فَكَانَ النُّطْقُ أَوْلَى، وَلَنَا إجْمَاعُنَا نَحْنُ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، فَجَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ انْتَهَى. قَالَتْ: قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ قَوْلَيْنِ، وَأَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّصِّ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَكَانَ عَامًّا فِي كُلٍّ مُطَلَّقَةٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَكَانَ مَفْهُومُهُ أَنْ لَا مُتْعَةَ لِمَدْخُولٍ بِهَا، فَخُصَّ بِهَا فِي - أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ - عُمُومُ الْمُطَلَّقَاتِ، وَامْتَنَعَ مِنْ التَّخْصِيصِ [عَلَى الْقَوْلِ] الْآخَرِ. قُلْت: وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَجَعَلَهَا مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ: قَالَ: فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، فَكَانَ مَرَّةً يَذْهَبُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً الَّتِي فُرِضَ لَهَا أَوْ طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] عَامٌّ، وَقَوْلُهُ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] بَعْضُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعُمُومُ، لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ يَقْضِي بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] لِأَنَّهَا أَخَصُّ

стр. 1709

قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ آيَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ فِي تَعْرِيفِ حُكْمِ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ، وَإِنَّمَا يُخَصُّ الْعَامُّ إذَا كَانَ فِي الْأَخَصِّ مُرَادُ التَّخْصِيصِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّخْصِيصِ إرَادَةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فَلَيْسَ هُوَ حُجَّةٌ فِي إبَاحَةِ كُلِّ مِلْكِ يَمِينٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا تَعْرِيفُ الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَا الْمَدْحُ. اهـ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمِنْ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُوَ مَا كَانَ لَهُ وَصْفَانِ، فَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ، فَهَذَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَوْلًا وَاحِدًا. اهـ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ ": الْعَامُّ إنْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِذَا ذُكِرَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ الْمَذْكُورَةِ، كَقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» . وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْجِنْسِ، فَالْحُكْمُ لِلْعُمُومِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] فَهَذَا عَامٌّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الْآيَةَ. فَلَمَّا احْتَمَلَ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِمَنْ لَمْ يُمَسَّ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا هُوَ ذِكْرٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ الَّذِي أُرِيدَ بِالْمُتْعَةِ، وَلَمْ يَنْفِ - مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا - أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي لَفْظٍ وَلَا دَلِيلَ، اقْتَضَى الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَقُلْ هَذِهِ فِي قَوْلِهِ ﵊: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» مَعَ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ. وَقُلْ: سَائِمَةُ الْغَنَمِ وَالْعَامِلَةِ كَامِلَيْنِ هُنَا. قِيلَ: لَمَّا كَانَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَكَمَا لَوْ رَفَعْنَا دَلَالَةَ مَا وَرَدَ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» أَسْقَطْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ، صَلُحَ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ.

стр. 1710

ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّك تَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ، فَمَا أَوْجَبَهُ حُكْمُهُمَا فَالْحُكْمُ لَهُ، وَحَقُّ الْكَلَامِ مَا يُقَيَّدُ بِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ التَّوْكِيدُ فَإِنْ كَانَ إذَا ثَبَتَ الْعُمُومُ سَقَطَ دَلَالَةُ الشَّرْطِ، فَالْحُكْمُ لِمَا فِيهِ الشَّرْطُ، وَإِنْ كُنْت إذَا أَثْبَتَهُ لَمْ تَنْفِ دَلَالَةَ الْعُمُومِ أَجْرَيْته عَامًّا إلَى أَنْ تَقُومَ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْعَامِلَةِ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمَفْهُومِ الْمُحْتَمَلِ، لَكِنْ ثَبَتَ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لَهُ. قَالَ: وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلَى جَوَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] مُرَتَّبًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٦] مَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ، وَقَدْ قَامَتْ الدَّلَالَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُنَّ مَدْخُولٌ بِهِنَّ، فَتَثْبِيتُ الْمُتْعَةِ لِلْمَمْسُوسَةِ وَغَيْرِهَا بِهَذَا الدَّلِيلِ. اهـ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْمَنْطُوقِ، فَإِذَا قَالَ: أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَ: إنْ دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، كَانَ الثَّانِي أَقْوَى. وَالدَّلِيلَانِ إذَا تَعَارَضَا قُضِيَ بِأَقْوَاهُمَا، وَهَذَا عَكْسُ قَوْلِ الرَّازِيَّ فِي دَعْوَاهُ ضَعْفَ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ. وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، يَعْنِي بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُهُ، لِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآيَةِ فَأَشْبَهَ الْقِيَاسَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: إذَا قُلْنَا: بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، فَهَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْقِيَاسِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا سُلَيْمٌ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ، لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَخْصِيصِ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ. وَالثَّانِي:

стр. 1711

بِمَنْزِلَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ مَعْنَاهُ. وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَا إذَا عَارَضَهُ لَفْظُ آيَةٍ أَوْ خَبَرٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ أَوْ خَبَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ. وَعَلَى الثَّانِي يُقَدَّمُ النُّطْقُ الْمُحْتَمَلُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ أَوْ أَخَصَّ. الثَّانِي: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إذَا عَارَضَهُ غَيْرُ النُّطْقِ الَّذِي هُوَ أَصْلُهُ، فَأَمَّا إذَا عَارَضَ نُطْقَهُ وَأَصْلَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُسْقِطَهُ وَيُبْطِلَهُ، أَوْ يَخُصَّهُ فَقَطْ. فَإِنْ اعْتَرَضَ بِالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْطَالِ سَقَطَ الْمَفْهُومُ، وَذَلِكَ مِثْلُ حَدِيثِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» . نَصَّ عَلَى الْبُطْلَانِ بِغَيْرِ " إذْنٍ "، وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِالْإِذْنِ، إلَّا أَنَّهُ إذْ أُثْبِتَ النُّطْقُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، وَبَيْنَ أَنْ تُنْكِحَ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ، فَعِنْدَنَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ فِيهِمَا، وَعِنْدَ الْخَصْمِ يَصِحُّ فِيهِمَا، فَإِذَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ جَوَازُ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ جَوَازُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَقَطَ النُّطْقُ، فَيَكُونُ هَذَا الْمَفْهُومُ مُسْقِطًا لِأَصْلِهِ، وَيَثْبُتُ، فَيَسْقُطُ النُّطْقُ. وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مُعْتَرِضًا عَلَى أَصْلِهِ بِالتَّخْصِيصِ كَمَفْهُومِ قَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْكَلْبَ، وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ» فَقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْكَلْبَ، يَقْتَضِي تَحْرِيمَ جِهَاتِ الِانْتِقَاعِ بِهِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: حَرَّمَ ثَمَنَهُ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الثَّمَنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، فَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ ذَلِكَ النُّطْقِ الْمُحَرَّمِ. فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَفْهُومَ سَقَطَ، وَلَا يُخَصَّصُ عُمُومُ أَصْلِهِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ جَوَّزَ تَخْصِيصَ أَصْلِهِ بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. لِأَنَّهُ فَرْعُ الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ، وَيُسْقِطَ شَيْئًا مِنْ حُكْمِهِ. وَأَصْحَابُ

стр. 1712

أَبِي حَنِيفَةَ يُجِيزُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْقِيَاسِ إذَا خَصَّ أَصْلَهُ، وَلَا نُجِيزُهُ نَحْنُ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا نَحْنُ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، فَأَمَّا دَلِيلُ الْخِطَابِ فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ حَتَّى نَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي التَّخْصِيصِ بِهِ. اهـ. وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي دَلِيلِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الثَّالِثُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ دَلِيلٌ مِنْ الْمَفْهُومِ، فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ الْمَفْهُومُ، وَيَبْقَى الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ مِثَالُهُ: نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، مَعَ قَوْلِهِ: «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» فَإِنَّا لَمْ نَقُلْ بِالْمَفْهُومِ، وَخَصَّصْنَا بِهِ الْعَامَّ، كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ حَيْثُ قَصَرَ الْعُمُومَ عَلَى الطَّعَامِ، لِأَنَّ مَعَنَا دَلِيلًا أَقْوَى مِنْ الْمَفْهُومِ، وَهُوَ التَّنْبِيهُ، لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ، فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ غَيْرُهُ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَالْقِيَاسُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الطَّعَامِ بِمَنْزِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ، هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ. عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ اسْمٌ، وَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يُخَصِّصُ مَا عَدَاهُ. قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الِاسْمِ اللَّقَبِ أَمَّا الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ، فَإِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ، كَالْفَاسِقِ وَالنَّائِمِ. وَاعْتَرَضَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى هَذَا. وَقَالُوا: تَرَكَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ

стр. 1713

فِي قَوْلِهِ ﷺ : «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ» وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَفْهُومِهِ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ» . وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ التَّنْبِيهَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ، لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالتَّحَالُفِ، وَهُنَاكَ سِلْعَةٌ قَائِمَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِدْقِ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا كَانَتْ تَالِفَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا، فَهَذِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ تَرْكَ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْأَمْرِ بِالتَّحَالُفِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعٍ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ مَعَ التَّلَفِ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ لَهُ الْمَفْهُومُ، لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّخْصِيصِ. لِأَنَّهُ إسْقَاطُ بَعْضِ حُكْمِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ يُوجِبُ إثْبَاتًا وَنَفْيًا، فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا بِالْقِيَاسِ يُمْكِنُ لَهُ التَّخْصِيصُ بِهِ. [مَسْأَلَةٌ التَّخْصِيصُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﵊ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْعٌ لِأُمَّتِهِ] مَسْأَلَةٌ [التَّخْصِيصُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْعٌ لِأُمَّتِهِ] إذَا قُلْنَا بِأَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ ﷺ شَرْعٌ لِأُمَّتِهِ، فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى التَّخْصِيصِ بِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هَذِهِ إذَا قُلْنَا: إنَّهَا عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالتَّوَقُّفِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ، لِأَنَّهَا غَيْرُ دَالَّةٍ عَلَى شَيْءٍ. انْتَهَى.

стр. 1714

وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ مِنْهُمْ الْكَرْخِيّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. وَنَقَلَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الْمَنْعَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا إذَا تَكَرَّرَ الْفِعْلُ، فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ بِالْإِجْمَاعِ. وَالثَّالِثُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ "، التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْفِعْلِ الظَّاهِرِ فَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ، وَبَيْنَ الْفِعْلِ الْمُسْتَتِرِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ. الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ لَا يَظْهَرَ كَوْنُ الْفِعْلِ مِنْ خَصَائِصِهِ، فَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ، فَإِنْ اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ مِنْ خَصَائِصِهِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ، وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ ". وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: إنَّهُ الْأَصَحُّ. قَالَ: وَلِهَذَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ «تَزْوِيجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَالْخَامِسُ: الْوَقْفُ وَنُقِلَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَشَرَطَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ لِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ كَوْنَهُ مُنَافِيًا لِلظَّاهِرِ. قَالَ: فَأَمَّا الْفِعْلُ الْمُوَافِقُ لِلظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ،

стр. 1715

كَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] فَلَوْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَارِقِ مِجَنٍّ أَوْ رِدَاءٍ فَقَطَعَهُ، لَمْ يَدُلَّ عَلَى تَخْصِيصِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ الْمَسْرُوقِ، لِأَنَّهُ بَعْضُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ. قُلْت: وَيَنْبَغِي لِأَبِي ثَوْرٍ أَنْ يُخَالِفَ فِي هَذَا كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنَّمَا يُخَصُّ الْفِعْلُ إذَا عُرِفَ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْأَحْكَامِ، كَقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْبَيَانَ فَلَا يَرْتَفِعُ أَصْلُ الْحُكْمِ بِفِعْلِهِ الْمُخَالِفِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، «كَنَهْيِهِ عَنْ الْوِصَالِ، ثُمَّ وَاصَلَ» . وَقَالَ: «إنِّي لَسْت كَأَحَدِكُمْ» . فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِفِعْلِهِ بَيَانَ الْحُكْمِ. وَكَذَلِكَ «نَهْيُهُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا ثُمَّ رَآهُ ابْنُ عُمَرَ

стр. 1716

مُسْتَدْبِرًا لِلْكَعْبَةِ» ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ، لِأَنَّهُ كَانَ بَيَانًا لِلْحُكْمِ وَالنَّهْيِ. وَالنَّهْيُ مُطْلَقًا، وَيُحْمَلُ أَنَّهُ كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ. وَفَصَّلَ الْآمِدِيُّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ شَامِلًا لَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: تَرْكُ الْوِصَالِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ثُمَّ رَأَيْنَاهُ قَدْ وَاصَلَ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ؛ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: التَّأَسِّي بِهِ وَاجِبٌ ارْتَفَعَ الْعُمُومُ، وَصَارَ نَسْخًا؛ وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِوَاجِبٍ بَقِيَ الْعُمُومُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَهُ فَفِعْلُهُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا؛ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ وَإِنْ قِيلَ أَيْضًا بِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ عَلَى الْأُمَّةِ كَانَ نَسْخًا فِي حَقِّ الْأَمَةِ لَا تَخْصِيصًا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا [هُوَ] التَّفْصِيلُ وَلَا أَرَى لِلْخِلَافِ فِي التَّخْصِيصِ بِفِعْلِهِ وَجْهًا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ تَخْصِيصَهُ وَحْدَهُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ خِلَافٌ، أَوْ تَخْصِيصَ غَيْرِهِ فَلَا تَخْصِيصَ؛ بَلْ نَسْخٌ، مَعَ أَنَّهُمْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِي التَّخْصِيصِ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّأَسِّي عَامٌّ، فَلَيْسَ مُرَاعَاةُ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْآخَرِ، وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ فِي النِّهَايَةِ " هَذَا التَّفْصِيلَ وَحَكَى فِيمَا إذَا كَانَ عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَهُ، فَالْفِعْلُ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ، لِعَدَمِ دُخُولِهِ. وَهَلْ يَكُونُ تَخْصِيصًا أَوْ نَسْخًا فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، فِيهِ التَّفْصِيلُ. وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ خَصَّتْ قَوْلَهُ ﵇ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ بِفِعْلِهِ فِي رَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ:

стр. 1717

وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ بِالنَّسْخِ أَشْبَهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَمَثَّلَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ بِرَجْمِهِ ثُمَّ قَالَ: فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ آيَةِ الْجَلْدِ بِالْأَبْكَارِ. [مَسْأَلَةٌ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَامِّ] مَسْأَلَةٌ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ وَاحِدًا مِنْ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَامِّ، هَلْ يَكُونُ مُخَصِّصًا إذَا وُجِدَتْ شَرَائِطُ التَّقْرِيرِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فِي حَقِّ ذَلِكَ الْفَاعِلِ؟ قَاطَعَ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ فِي حَقِّهِ إذْ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ كَانَ نَسْخًا فِي حَقِّهِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ. فَإِنْ ثَبَتَتْ مُسَاوَاتُهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ) وَنَحْوِهِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَامِّ عَنْ الْبَاقِي أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا، إنْ خَالَفَ ذَلِكَ جَمِيعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَامُّ، وَيَكُونُ تَخْصِيصًا إنْ خَالَفَ فِي فَرْدٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ شَخْصًا قَتَلَ مُسْلِمًا، وَأَقَرَّهُ ﵇ عَلَى ذَلِكَ. فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَقْتُولَ كَانَ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ. وَمَثَّلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ»

стр. 1718

مَخْصُوصٌ «بِتَرْكِهِ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ» . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَكَذَا «تَرْكُهُ أَخْذَ الزَّكَاةِ فِي النَّوَاضِحِ» وَإِقْرَارُهُ «تَرْكَ الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ قَاعِدًا» وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّخْصِيصِ بِالتَّقْرِيرِ، فَهَلْ نَقُولُ وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِنَفْسِ التَّقْرِيرِ، أَمْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ خُصَّ بِقَوْلٍ سَابِقٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ فُورَكٍ وَإِلْكِيَا، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﵇ قَالَ لَهُمْ، إذْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ إلَّا بِأَمْرٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْرِيرَ وَقَعَ بِهِ التَّخْصِيصُ. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَالطَّبَرِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْحَالِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَطَّانِ يَقْتَضِيَ تَرْجِيحَهُ قَالَا: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي «صَلَاةِ النَّبِيِّ ﵇ قَاعِدًا مَعَ صَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَهُ قِيَامًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَسَخَ قَوْلَهُ: «إذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ

стр. 1719

يَكُونُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ، وَيَنْتَقِلُوا عَنْ الْحَالَةِ الْأُولَى إلَّا لِشَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ نَقْلًا عَنْ الْحَالِ إنَّمَا هُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَيُتَوَصَّلُ بِالْحَالِ إلَى الْعِلْمِ بِهِ. [مَسْأَلَةٌ الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ وَلَمْ يُدْرَ مَا خَصَّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ] مَسْأَلَةٌ الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ، وَلَمْ يُدْرَ مَا خَصَّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ؟ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ مِنْ أَصْحَابِنَا: مَنْ يَقُولُ: الْبَيَانُ لَا يَتَأَخَّرُ، فَيُحِيلُ هَذَا، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ هَذَا، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُمُومُ إلَّا مَوْضِعًا خُصَّ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِأَمْرٍ يَشْتَمِلُ عَلَى الْعُمُومِ أَمْضَيْنَاهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ خُصُوصٌ لَخَصَّهُ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقِفُ فِي هَذَا.

стр. 1720

[فَصْلٌ فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ] ِ [التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ] وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: أَطْلَقَ جَمْعٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُخَصِّصُ وَنَقَلَهُ فِي الْقَوَاطِعِ " عَنْ الْأَصْحَابِ، وَحَكَوْا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﵇ أَوْجَبَ شَيْئًا أَوْ أَخْبَرَ بِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ، ثُمَّ رَأَيْنَا الْعَادَةَ جَارِيَةً بِتَرْكِ بَعْضِهَا أَوْ بِفِعْلِ بَعْضِهَا، فَهَلْ تُؤَثِّرُ تِلْكَ الْعَادَةُ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ، حَتَّى يُقَالَ: الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ مَا عَدَا ذَلِكَ الْبَعْضَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرْكِهِ أَوْ بِفِعْلِهِ أَمْ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وَلِغَيْرِهِ؟ انْتَهَى. وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ فِيهَا صَاحِبُ الْمَحْصُولِ " وَأَتْبَاعُهُ، وَاخْتَارَ فِيهَا التَّفْصِيلَ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ عُلِمَ جَرَيَانُ الْعَادَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇، مَعَ عَدَمِ مَنْعِهِ عَنْهَا فَيُخَصُّ، وَالْمُخَصِّصُ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْرِيرُهُ ﵇. وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ جَرَيَانِهَا لَمْ يُخَصَّ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ عَلَى فِعْلِهَا، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا بِالْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ، وَإِنْ جُهِلَ فَاحْتِمَالَاتٌ.
следующие страницы →