← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

كَالِاسْتِثْنَاءِ. قُلْت: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً يَقَعُ. وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً. قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ. وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا فِيهِ] [الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا فِيهِ، وَيُبَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] . [الشَّرْطُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحْوَالِ لَا لِلْأَعْيَانِ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ: نَقَلَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مَنْعَ كَوْنِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَقَالَ: الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ. وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " فَقَالَ: لَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي التَّخْصِيصِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَقْلِيلٌ فِي الْعَدَدِ قَطْعًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَك: أَعْطِ الْقَوْمَ إنْ دَخَلُوا الدَّارَ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ خَارِجٌ مِنْ الْعَطِيَّةِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فَيَسْتَحِقُّوا الْعَطِيَّةَ، فَإِذَنْ الشَّرْطُ غَيْرُ مُخَصِّصٍ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لِأَحْوَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَطِيَّةِ لَوْ كَانَ مُطْلَقًا لَا يَسْتَحِقُّونَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِذَا شُرِطَ بِدُخُولِ الدَّارِ يُخَصَّصُ بِتِلْكَ الْحَالِ الَّتِي هِيَ دُخُولُ الدَّارِ. قَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ أَنَّ الشَّرْطَ بِ " إنْ " يُخَصِّصُ مَا دَخَلَهُ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلتَّأْكِيدِ فَلَا، كَقَوْلِهِ: إنْ تَطَهَّرْت فَصَلِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّحْقِيقِ. انْتَهَى.

стр. 1647

وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَالشَّرْطَ جُمْلَتَانِ صَيَّرَهُمَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَلَامًا وَاحِدًا، فَيَتَقَيَّدُ إحْدَاهُمَا بِقَيْدِ الْأُخْرَى وَتَخْصِيصُهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَذَلِكَ، وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَإِذَا قُلْت: أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ، صَارَ كَقَوْلِك أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا. وَكَذَا إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَك مِنْ النَّاسِ فَأَكْرِمْهُ، وَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ. غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إخْرَاجٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالشَّرْطُ يُقَيَّدُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْرَاجُ إلَّا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي النُّكَتِ ": الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ يَخُصَّ الْمَشْرُوطَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لِلتَّخْصِيصِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَحُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ مَعَ وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ. وَقَالَ. ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَكُونُ تَخْصِيصًا إلَّا أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ، أَوْ غَالِبُ الْحَالِ يُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَنْ حُكْمِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإِنَّ الْخَوْفَ تَأْكِيدٌ لَا شَرْطٌ وَقَوْلُهُ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وُجُوبُ اتِّصَالِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ] [الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَقَيُّدُ الْكَلَامِ

стр. 1648

بِشَرْطٍ يَكُونُ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، قَالَهُ الْإِمَامُ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يُجْهَلُ فِيهِ الْحَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ، وَلَوْ بِشَرْطٍ لَا يَبْقَى مِنْ مَدْلُولَاتِهِ شَيْءٌ، كَقَوْلِك: أَكْرِمْ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ إنْ أَكْرَمَك وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُكْرِمْهُ. [الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ] [الْمَسْأَلَةُ] الْعَاشِرَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ، هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ؟ عَلَى طَرِيقَيْنِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِمَّنْ حَكَاهَا الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ ثُمَّ اخْتَارَ الصَّيْرَفِيُّ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ آخِرَ الْمَعْطُوفَاتِ أَوْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَأُمْضِيَ عَلَى عُمُومِهِ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ. قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي النُّكَتِ ": الَّذِي فِي كُتُبِ عُلَمَائِنَا كَثِيرًا رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ. وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ، قَالَ: وَوَجَدْت بَعْضَ الْأُدَبَاءِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الرُّجُوعِ إلَى مَا يَلِيهِمَا. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَطْعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مَنْزِلَتُهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا أُخِّرَ لَفْظًا كَانَ كَالْمَصْدَرِ فِي الْكَلَامِ، وَلَوْ صَدَرَ

стр. 1649

لَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ، فَكَذَا الْمُتَأَخِّرُ. وَعَلَى هَذَا جَرَى ابْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ شَرْح التَّسْهِيلِ "، فَقَالَ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ فِي نَحْوِ: لَا تَصْحَبْ زَيْدًا وَلَا تَزُرْهُ وَلَا تُكَلِّمْهُ إنْ ظَلَمَنِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ. انْتَهَى. وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَا: إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا. لَكِنْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَنَّ الشَّرْطَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ. وَنَقَلَ أَصْحَابُ الْمُعْتَمَدِ " وَالْمَصَادِرِ " وَالْمَحْصُولِ " وِفَاقَ أَبِي حَنِيفَةَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيَّ حَكَيَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأَخِيرَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ غَلَطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَا إلَى الرَّقَبَةِ. وَمَثَّلَ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَرَ الشَّرْطَ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ رَدُّهُ إلَى الْأُمَّهَاتِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَوْ اقْتَرَنَ بِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ مَعْنًى، لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا أُمَّهَاتُ أَزْوَاجِنَا، وَهِيَ نِسَاؤُكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ

стр. 1650

مِنْ أَزْوَاجِكُمْ فَكَيْفَ تَرَوْنَ أُمَّهَاتِ أَزْوَاجِنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؟ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَصْفٌ لِلرَّبِيبَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ رَبِيبَةٌ لِامْرَأَةٍ لِي، قَدْ دَخَلْتُ بِهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ أُمُّ امْرَأَتِي مِنْ امْرَأَةٍ لَمْ أَدْخُلْ بِهَا، وَلِهَذَا بَطَلَ رُجُوعُهُ إلَى الْأُولَى. وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ إذَا صَلُحَ أَنْ يُذْكَرَ مَقْرُونًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا سَبَقَ. انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ. وَشَرَطَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ لِلْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ مَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. فَقَالَ: إذَا كَانَ الْخِطَابُ عَلَى جُمَلٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٍّ، وَلَوْ نِيطَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِشَرْطٍ لَمْ يَقْتَضِ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ، وَكَذَا إذَا تَوَالَتْ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ يَثْبُتُ الْمُخَصِّصُ فِي بَعْضِهَا لَمْ يُوجِبْ التَّخْصِيصَ فِيمَا عَدَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ. وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ التَّوَقُّفَ هُنَا، وَلَا بُعْدَ فِي تَوَقُّفِ الْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَتَكَلُّفُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا ضَعِيفٌ. [حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْطُوفِ] تَنْبِيهَاتٌ [حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْطُوفِ] الْأَوَّلُ: هَذَا إذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ فَإِنْ تَقَدَّمَ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ عِنْدَ مَنْ خَصَّهُ بِجُمْلَةٍ. قُلْت: وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَعْطُوفَاتِ كَحُكْمِهِ إذَا تَأَخَّرَ فِي الْعَدَدِ إلَى الْكُلِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، وَمَالِي

стр. 1651

صَدَقَةٌ، وَقَصْدُ الشَّرْطِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ. وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهُ إذَا قُدِّرَ لِلْعُمُومِ شَرْطٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُتَأَخِّرٌ اقْتَضَى تَخْصِيصَ الْمَشْرُوطِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ ": مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ عَوْدُ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الشَّرْطُ الْجُمَلَ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ رَجَعَ إلَى جَمِيعِ مَا يُذْكَرُ عَقِبَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ. انْتَهَى. وَهَذَا التَّفْصِيلُ غَرِيبٌ. وَجَعَلَ شَارِحُ اللُّمَعِ " الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ، " فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمِيعِ تَعَيَّنَ قَطْعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ فَإِنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا رَجَعَ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ يَا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الطَّلَاقِ لَا إلَى الزِّنَا، لِأَنَّهُ صِفَةٌ، فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ. [إذَا لَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ فَهَلْ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ] الثَّانِي: هَذَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ؛ وَلَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ فِي بَعْضِ الْمَذْكُورَاتِ، فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَنْطُوقِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَرِيبَةٌ لَمْ أَرَهَا إلَّا فِي تَعْلِيقِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ. إنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى

стр. 1652

يَسْتَحِقُّونَهُ مَعَ الْغِنَى، بِخِلَافِ الْيَتَامَى فَإِنَّهُ شَرَطَ فِيهِمْ الْحَاجَةَ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ الشَّرْطَ عِنْدَكُمْ إذَا نِيطَ بِآخِرِ الْكَلَامِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً رَجَعَ إلَى أَوَّلِهِ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَكُمْ فِي الْيَتَامَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مَعَ الْحَاجَةِ، فَوَجَبَ عَوْدُ هَذَا الشَّرْطِ إلَى ذَوِي الْقُرْبَى. قِيلَ لَهُ: هَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ خَطَأٌ، وَنَحْنُ نُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُهُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ] [الْمَسْأَلَةُ] الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَمَا يُفَارِقُ فِيهِ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ، فَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِهَةِ إثْبَاتِهِمَا حُكْمًا وَنَفْيِهِمَا آخَرَ وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ. قَالَهُ ابْنُ الْفَارِضِ فِي النُّكَتِ ". وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ يُثْبِتُ الْحُكْمَ فِي حَالِ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ فِي حَالِ عَدَمِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرُبَّمَا يَتَقَدَّمُ الْحُكْمَ شَرْطٌ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إثْبَاتٌ وَلَا نَفْيٌ، وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ كَآيَةِ الْعِدَّةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ فِي الزَّمَانِ عَنْ الْمَشْرُوطِ قَطْعًا، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلَ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَيَجُوزَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطَ كَلَامٌ يُبْطِلُ جَمِيعَهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ، فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَيَبْطُلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ انْتَهَى.

стр. 1653

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي بِلَا نِزَاعٍ، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ. [دُخُولُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: يَصِحُّ دُخُولُ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، فَيَكُونُ الثَّانِي شَرْطًا فِي الْأَوَّلِ وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ عَلَى الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي، إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ. وَشَرَطَ ابْنُ مَالِكٍ فِي تَوَالِي الشَّرْطَيْنِ عَدَمَ الْعَطْفِ. قَالَ: فَلَوْ عُطِفَا فَالْجَوَابُ لَهُمَا مَعًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ - إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٦ - ٣٧] وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مِنْ تَوَالِي فِعْلَيْ شَرْطٍ لَا مِنْ تَوَالِي شَرْطَيْنِ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ " أَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَطْفِ كَحُكْمِهِ مَعَ عَدَمِهِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْمَشْرُوطُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الشَّرْطِ أَوْ عَقِبَهُ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْمَشْرُوطُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الشَّرْطِ أَوْ عَقِبَهُ؟ قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ ": ذَكَرَ أَبُو هَاشِمٍ فِي الْبَغْدَادِيَّاتِ " أَنَّهُ يَقَعُ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ. قَالَ: وَالْمَحْكِيُّ عَنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي الْإِيقَاعِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْإِيقَاعِ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي قَوْلِهِمْ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَ أَبِي هَاشِمٍ، وَيُلْغَى الشَّرْطُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ مَعَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هُوَ الْعَقْدُ وَالْمَشْرُوطُ حَلُّهُ، وَالْعَقْدُ وَحَلُّهُ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَجَبَ أَنْ يَلْغُوَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْعَقْدُ، وَعَلَى قَوْلِ مُخَالِفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْأَوَّلِ، وَيَنْحَلُّ فِي الثَّانِي.

стр. 1654

وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ " شَارِحُ الْمَحْصُولِ ": الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تَتَقَدَّمُ عَلَى مَعْلُولِهَا بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْمَعْقُولِ. وَالشَّرْطُ مَعَ الْمَشْرُوطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، فَإِذَا وُجِدَ وُجِدَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ، وَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يُقَارِنُهُ وُجُودُ الْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ الشَّرْعِيَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤَثِّرِ الْعَقْلِيِّ، وَذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الشَّرِيعَةِ الْحَقِيقَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُمَا مَعًا، وَلَا بُدَّ مِنْ تَرَتُّبِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَقِبَهُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ عَلَى الْأَصَحِّ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لَا يَلْزَمُ فِي الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيًّا بِالْعَقْلِ] [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَا يَلْزَمُ فِي الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيًّا بِالْعَقْلِ، بَلْ تَكْفِي الْمُلَازَمَةُ بِالْوَضْعِ، فَإِذَا قُلْت: إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرَمْته، فَهَذَا لَازِمٌ بِالْوَضْعِ، أَيْ وَضْعِ الْمُتَكَلِّمِ، وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الْإِكْرَامُ لَازِمًا لِلْمَجِيءِ، وَكَلَامُ ابْنِ خَرُوفٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ الْعَقْلِيَّ؛ فَإِنَّهُ قُدِّرَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل: ١٢] أَنَّ الْمَعْنَى: وَأَخْرِجْهَا، تَخْرُجُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إدْخَالِهَا خُرُوجُهَا، وَ " تَخْرُجْ " مَجْزُومٌ عَلَى الْجَوَابِ، فَاحْتَاجَ أَنْ يُقَدِّرَ جَوَابًا لَازِمًا وَشَرْطًا مَلْزُومًا حَذْفًا، لِأَنَّهُمَا نَظِيرَا مَا أَثْبَتَ لَكِنْ وَقَعَ فِي تَقْدِيرِ مَا لَا يُفِيدُ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ إنْ أَدْخَلَهَا تَدْخُلُ. وَالصَّوَابُ - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الصَّائِغِ مِنْ النَّحْوِيِّينَ - أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِدْخَالَ سَبَبٌ فِي خُرُوجِهَا بَيْضَاءَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَيْضًا مِنْ إخْرَاجِهَا أَنْ تَخْرُجَ بَيْضَاءَ لُزُومًا ضَرُورِيًّا إلَّا بِضَرُورَةِ صِدْقِ الْوَعْدِ؟ [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْحُكْمَ هُوَ الْجَزَاءُ وَحْدَهُ وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَالْحَالِ] [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْجَزَاءُ

стр. 1655

وَحْدَهُ، وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَالْحَالِ، حَتَّى إنَّ الْجَزَاءَ إنْ كَانَ خَبَرًا فَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرِيَّةٌ. وَإِنْ كَانَ إنْشَاءً فَإِنْشَائِيَّةٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ، دَلَّ عَلَى رَبْطِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ، وَثُبُوتُهُ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الِانْتِقَاءِ عِنْدَ الِانْتِفَاءِ، وَكُلٌّ مِنْ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَفَرَّعُ مَذْهَبُنَا فِي مَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَعَلَى الثَّانِي يَتَفَرَّعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي إنْكَارِهِ، وَسَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 1656

[الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ] وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَعْنَوِيَّةُ لَا النَّعْتُ بِخُصُوصِهِ، نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ الزُّهَّادَ، فَإِنَّ التَّقْيِيدَ بِالزُّهَّادِ يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مِنْ النِّهَايَةِ ": الْوَصْفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ التَّخْصِيصُ، فَإِذَا قُلْت: رَجُلٌ، شَاعَ هَذَا فِي ذِكْرِ الرِّجَالِ، فَإِذَا قُلْتَ: طَوِيلٌ اقْتَضَى ذَاكَ تَخْصِيصًا، فَلَا تَزَالُ تَزِيدُ وَصْفًا، فَيَزْدَادُ الْمَوْصُوفُ اخْتِصَاصًا، وَكُلَّمَا كَثُرَ الْوَصْفُ قَلَّ الْمَوْصُوفُ. اهـ. وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي وُجُوبِ الِاتِّصَالِ وَعَوْدِهَا إلَى الْجُمَلِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِي اتِّصَالِ التَّوَابِعِ وَهِيَ النَّعْتُ، وَالتَّوْكِيدُ، وَالْعَطْفُ، وَالْبَدَلُ؛ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِلَافُ فِي الصِّفَةِ النَّحْوِيَّةِ، وَهِيَ التَّابِعُ لِمَا قَبْلَهُ فِي إعْرَابِهِ، أَمَّا الصِّفَةُ الشَّرْطِيَّةُ فَلَا خِلَافَ فِيهَا. وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: فَأَمَّا الصِّفَاتُ وَعَطْفُ الْبَيَانِ وَالتَّوْكِيدُ وَالْبَدَلُ وَنَحْوُهَا مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إذَا تَعَقَّبَتْ الصِّفَةُ شَيْئَيْنِ، فَإِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ إحْدَاهُمَا

стр. 1657

بِالْأُخْرَى، نَحْوُ أَكْرِمْ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ الْمُؤْمِنِينَ عَادَتْ إلَيْهِمَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ، وَجَالِسْ الْفُقَهَاءَ الزُّهَّادَ، فَهَاهُنَا الصِّفَةُ عَائِدَةٌ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ. وَلِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنْ كَانَتْ الصِّفَاتُ كَثِيرَةً، وَذُكِرَتْ عَلَى الْجَمْعِ عَقِبَ جُمْلَةٍ تَقَيَّدَتْ بِهَا أَوْ عَلَى الْبَدَلِ فَلِوَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مِنْهَا، وَإِنْ ذُكِرَتْ عَقِبَ جُمَلٍ فَفِي الْعَوْدِ إلَى كُلِّهَا أَوْ إلَى الْأَخِيرَةِ الْخِلَافُ. [مَسْأَلَةٌ تَوَسُّطُ الْوَصْفِ بَيْنَ الْجُمَلِ] فَأَمَّا إذَا تَوَسَّطَ الْوَصْفُ بَيْنَ الْجُمَلِ. فَفِي عَوْدِهِ إلَى الْأَخِيرَةِ خِلَافٌ حَكَاهُ ابْنُ دَاوُد، مِنْ أَصْحَابِنَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ ". قَالَ: وَبُنِيَ عَلَيْهِمَا الْقَوْلَانِ فِي إيجَابِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ اسْتِنْبَاطًا مِنْ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] . قَالَ: وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ رَفْعُ الْجُنَاحِ عَنْ الْمُطَلِّقِينَ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ، ثُمَّ إنَّهُ عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَإِنْ أَعَدْنَا الصِّفَةَ إلَيْهِ أَيْضًا لَمْ تَجِبْ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَتِّعُوا الْمَذْكُورَاتِ، فَإِنْ لَمْ نَعُدَّهُ وَجَبَتْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَمَتِّعُوا النِّسَاءَ. وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ تَرْجِيحِ عَوْدِهِ إلَيْهِمَا.

стр. 1658

[مَسْأَلَةٌ فَائِدَةُ الصِّفَةِ] الْوَصْفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْرِفَةٍ أَوْ نَكِرَةٍ، فَإِنْ كَانَ لِنَكِرَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ، نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ. وَمِنْهُ ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] وَإِنْ كَانَ لِمَعْرِفَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّوْضِيحُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ، وَمِنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ الْمُفَارَقَةَ. وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ تِلْمِيذُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ "، فَقَالَ: إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَانَتْ لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لَوْ أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ كَانَ الْوَصْفُ لَهَا نَسْخًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِهَا الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ، فَشَرِبَ الْحَارَّ لَمْ يَحْنَثْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، إذْ لَمْ تُفِدْ الصِّفَةُ فِيهِ تَقْيِيدًا، وَهُوَ حَسَنٌ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ، لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ عِنْدَهُمْ فِي الْمَعْنَى. وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا وَقَعَتْ لِلنَّكِرَةِ فَهِيَ لِلتَّوْضِيحِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا لِلتَّخْصِيصِ، وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَارِيَّةُ عِنْدَنَا عَلَى الضَّمَانِ وَعِنْدَهُ عَلَى الْأَمَانَةِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ» ، هَلْ مَضْمُونَةٌ لِلتَّخْصِيصِ أَوْ لِلتَّوْضِيحِ؟ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ

стр. 1659

وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ يَمْلِكُ، وَمُدْرِكُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] هَلْ هَذَا الْوَصْفُ لِلتَّوْضِيحِ أَوْ لِلتَّخْصِيصِ؟ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ إذْ الْعَبْدُ لَا يَخْرُجُ حَالُهُ عَنْ هَذَا، وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ. تَنْبِيهٌ: اتَّفَقُوا عَلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ الصِّفَةِ، نَحْوُ «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» . فَلِمَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَاتَّفَقُوا هُنَا؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الصِّفَةَ تَأْتِي لِرَفْعِ احْتِمَالٍ فِي أَحَدِ مُحْتَمَلَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ، لِأَنَّ الرَّقَبَةَ تَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ، فَإِذَا قُيِّدَتْ زَالَ الِاحْتِمَالُ.

стр. 1660

[الرَّابِعُ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ] وَهِيَ نِهَايَةُ الشَّيْءِ وَمُنْقَطَعُهُ وَهِيَ حَدٌّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا وَانْتِفَائِهِ بَعْدَهَا. وَلَهَا لَفْظَانِ " حَتَّى، وَإِلَى " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَنَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، حَتَّى يَدْخُلُوا أَوْ إلَى أَنْ يَدْخُلُوا، فَيَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَالْمَقْصُودُ بِالْغَايَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِمَا قَبْلَهَا، وَالْمَعْنَى يَرْتَفِعُ بِهَذِهِ الْغَايَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ الْغَايَةِ لَمْ تَكُنْ الْغَايَةُ مُنْقَطِعًا، فَلَمْ تَكُنْ الْغَايَةُ غَايَةً؛ لَكِنْ هَلْ يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ ضِدِّ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَمْ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَقَطْ؟ هُوَ مَوْضُوعُ الْخِلَافِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ. وَأَمَّا مَا جُعِلَ غَايَةً فِي نَفْسِهِ فَهَلْ يَنْدَرِجُ فِي حُكْمِ الْمَعْنَى أَمْ لَا؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْمَفْهُومِ. فَإِذَا قُلْت: اشْتَرَيْت مِنْ كَذَا إلَى كَذَا، أَوْ مِنْ كَذَا حَتَّى كَذَا، فَلَا خِلَافَ فِيمَا قَبْلَ الْغَايَةِ أَنَّهُ. دَاخِلٌ وَأَنَّ مَا بَيْنَ مُبْتَدَأِ الْغَايَةِ وَمُنْتَهَاهَا دَاخِلٌ إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ، مِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ " حَتَّى " فَتَدْخُلَ وَ " إلَى " فَلَا تَدْخُلْ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: وَيَتَعَلَّقُ بِالْغَايَةِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ

стр. 1661

وَالشَّرْطِ، إذْ الشَّرْطُ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَعْدَهُ، وَلَا يَبْقَى بِهِ قَبْلَهُ، وَالْغَايَةُ مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا لَا بَعْدَهَا. فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْغَايَةِ شَرْطُ الْإِثْبَاتِ بِهِمَا وَالنَّفْيُ بِأَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَهَذَا غَايَةٌ. ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَهَذَا شَرْطٌ، فَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا إلَّا بِالْغُسْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَتَنْتَفِي الِاسْتِبَاحَةُ بِعَدَمِهِمَا، أَوْ عَدَمِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَايَةٍ أَوْ شَرْطٍ. وَكَذَا جَعَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْآيَةَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِغَايَةٍ وَشَرْطٍ، وَالْغُسْلُ شَرْطٌ، فَكَانَا مُعْتَبَرَيْنِ فِي إبَاحَةِ الْإِصَابَةِ. وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْحُكْمِ غَايَتَانِ كَهَذِهِ الْآيَةِ. وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": الْغَايَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ، لِأَنَّهَا الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ، وَسُمِّيَتْ الْأُولَى غَايَةً مَجَازًا لِقُرْبِهَا مِنْ الْغَايَةِ وَاتِّصَالِهَا بِهَا، وَنُوزِعَ بِأَنَّ هَاتَيْنِ غَايَتَانِ لِشَيْئَيْنِ فَمَا اجْتَمَعَ غَايَتَانِ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ النَّاشِئَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ غَايَتُهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ، فَإِذَا انْقَطَعَ حَدَثَ تَحْرِيمٌ آخَرُ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ الْغَسْلِ، فَالْغَايَةُ الثَّانِيَةُ غَايَةُ هَذَا التَّحْرِيمِ الثَّانِي. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ هُنَا غَايَتَانِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَهَا حَرْفَانِ " حَتَّى، وَإِلَى " وَلَيْسَ هُنَا غَيْرُ " حَتَّى "، فَلَوْ كَانَ الْحَرْفَانِ هُنَا لَأَمْكَنَ مَا قَالُوا، وَإِنَّمَا هُوَ نَظِيرُ قَوْلِك لَا تُكْرِمْ زَيْدًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ فَأَكْرِمْهُ وَأَيْضًا فَإِنْ كَانَ عَلَى قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ فِي (يَطَّهَّرْنَ) فَالْغَايَةُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ عَلَى قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ، أَيْ يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ، فَبَعْدَهُ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَيْ اغْتَسَلْنَ، وَهُوَ شَرْطٌ، فَيَتَعَارَضُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ، فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ الظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَفْهُومِ الشَّرْطِ،

стр. 1662

وَحَمْلُ الْقُرْآنِ عَلَى تَكْثِيرِ الْفَوَائِدِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى التَّأْكِيدِ. وَحَكَى التَّبْرِيزِيُّ فِي اخْتِصَارِ الْمَحْصُولِ ": فِيمَا إذَا كَانَتْ الْغَايَةُ لَهَا جُزْءَانِ أَوْ أَجْزَاءٌ خِلَافًا فِي أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ الْأُولَى أَمْ الْأَخِيرَةُ؟ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ إلَّا فِيهِ، وَغَيْرُهُ يَحْكِي الِانْدِرَاجَ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَجْزَاءِ. قُلْت: وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ فِي أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِ الْأَعْضَاءِ؟ الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ. فَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» فَالْحَدَثُ مُغَيًّا بِالْوُضُوءِ، وَالْوُضُوءُ ذُو أَجْزَاءٍ فَهَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِهِ، أَمْ لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى تُوجَدَ الْغَايَةُ بِتَمَامِهَا؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ «إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ» هَلْ الْمُرَادُ تَطَهَّرَ طُهْرًا كَامِلًا، أَوْ طُهْرًا مَا حَتَّى غَسَلَ رِجْلًا. وَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ أُخْرَى وَأَدْخَلَهَا جَازَ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، هَذَا مَأْخَذُهُ. وَحَكَى غَيْرُهُ مَذْهَبًا ثَالِثًا بِالتَّفْصِيلِ، فَقَالَ: إنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ ذِي الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَالْغَايَةُ أَوَّلُ جُزْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنْفَصِلَةً كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فَالْغَايَةُ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ أَطْلَقُوا كَوْنَ الْغَايَةِ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَهَذَا الْكَلَامُ مُقَيَّدٌ بِغَايَةٍ تَقَدَّمَهَا لَفْظٌ يَشْمَلُهَا، لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لَوْ لَمْ يُؤْتَ بِهَا لَقَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ، أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أَوْ لَمْ يُعْطُوهَا. وَوَرَاءَهُ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: غَايَةٌ لَمْ يَشْمَلْهَا الْعُمُومُ وَلَا صَدَقَ عَلَيْهَا اسْمُهُ، فَلَا يُؤْتَى بِهَا

стр. 1663

إلَّا لِعَكْسِ مَا يُؤْتَى بِالْغَايَةِ فِي الْقِسْمِ قَبْلَهُ، فَإِنَّ تِلْكَ يُؤْتَى بِهَا لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ أَوْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ؛ وَهَذِهِ يُؤْتَى بِهَا لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ وَتَأَكُّدِهِ وَإِعْلَامِ أَنَّهُ لَا خُصُوصَ فِيهِ، وَأَنَّ الْغَايَةَ فِيهِ ذَاكِرَةٌ بِحَالِ قَصْدٍ مِنْهُ أَنْ يَتَعَقَّبَ الْحَالَ الْأُولَى بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُهَا شَيْءٌ. وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ ﵊: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» . فَحَالَةُ الْبُلُوغِ وَالِاسْتِيقَاظِ وَالْإِفَاقَةِ تُضَادُّ حَالَاتِ الصِّبَا وَالنَّوْمِ وَالْجُنُونِ، وَقُصِدَ بِالْغَايَةِ هُنَا اسْتِيعَابُ رَفْعِ الْقَلَمِ لِتِلْكَ الْأَزْمِنَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَدَعْ وَلَا آخِرَ الْأَزْمِنَةِ الْمُلَاصِقَةِ لِلْبُلُوغِ وَالِاسْتِيقَاظِ وَالْإِفَاقَةِ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْعُمُومِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] قُصِدَ بِهِ تَحْقِيقُ أَنَّ الْحَالَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِمَّا شَمِلَهُ " سَلَامٌ " بِمَا قَبْلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّ حَالَةَ الطُّهْرِ لَا يَشْمَلُهَا اسْمُ الْحَيْضِ. وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: غَايَةٌ شَمِلَهَا الْعُمُومُ، أَتَتْ أَوْ لَمْ تَأْتِ، فَهَذِهِ أَيْضًا لَا يُؤْتَى بِهَا إلَّا لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ، كَقَوْلِك: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ مِنْ فَاتِحَتِهِ إلَى خَاتِمَتِهِ. الْمُرَادُ تَحْقِيقُ قِرَاءَتِك لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ لَمْ تَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ قَطَعْت أَصَابِعَهُ مِنْ الْخِنْصَرِ إلَى الْبِنْصِرِ، الْمُرَادُ تَحْقِيقُ الْعُمُومِ وَاسْتِغْرَاقُهُ لَا تَخْصِيصُهُ. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَشْمَلُهُ الْعُمُومُ لَوْ لَمْ يَأْتِ هُوَ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ، وَوَرَاءَهُ صُورَتَانِ: مَا لَمْ يَشْمَلْهُ أَلْبَتَّةَ، وَمَا يَشْمَلُهُ وَإِنْ أَتَتْ. وَهَاتَانِ لَا تَكُونُ الْغَايَةُ فِيهِمَا لِلتَّخْصِيصِ هَذَا كُلُّهُ فِي حُكْمِ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ نَفْسِهَا، هَلْ يَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا، كَقَوْلِك: أَكَلْت حَتَّى قُمْتُ؟ هَلْ يَكُونُ الْقِيَامُ مَحَلًّا لِلْأَكْلِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:

стр. 1664

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَدْخُلُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي بَرْهَانٍ ". وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ. وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ دَخَلَ وَإِلَّا فَلَا، نَحْوُ بِعْتُك التُّفَّاحَ إلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَيُنْظَرُ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ أَهِيَ مِنْ التُّفَّاحِ فَتَدْخُلُ أَمْ لَا، فَلَا تَدْخُلُ؟ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فِي بَابِ الْوُضُوءِ، وَحَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ الْمُبَرِّدِ. وَالْخَامِسُ: قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: وَهُوَ الْأَوْلَى إنْ تَمَيَّزَ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْحِسِّ، نَحْوُ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَهَا خِلَافُ مَا قَبْلَهَا، وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ حِسًّا اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى مَا بَعْدَهُ، مِثْلُ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّ الْمِرْفَقَ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ عَنْ الْيَدِ بِمِفْصَلٍ مَحْسُوسٍ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ: يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا مَدْخُولٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَعْدَ الْغَايَةِ. وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْخِلَافُ لَيْسَ إلَّا فِي الْغَايَةِ نَفْسِهَا. وَالسَّادِسُ: إنْ اقْتَرَنَ " بِمِنْ " لَمْ يَدْخُلْ، نَحْوُ بِعْتُك مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْدِيدًا وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى " مَعَ ".

стр. 1665

قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ": إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ خَرُوفٍ وَقَالَ: لَمْ يَذْكُرْ سِيبَوَيْهِ مِنْهُ حَرْفًا، وَلَا هُوَ مَذْهَبُهُ؛ وَاَلَّذِي قَالَهُ فِي كِتَابِهِ: إنَّ " إلَى " مُنْتَهَى الِابْتِدَاءِ. تَقُولُ: مِنْ مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا، وَكَذَلِكَ " حَتَّى " قَالَ: وَلَهَا فِي الْفِعْلِ حَالُ لَيْسَ " لِإِلَى ". تَقُولُ: قُمْت إلَيْهِ، فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك، وَلَا تَكُونُ " حَتَّى " هُنَا. فَهَذَا أَثَرُ " إلَى "، وَأَصْلُهَا، وَإِنْ اتَّسَعَتْ فَهِيَ أَعَمُّ فِي الْكَلَامِ مِنْ " حَتَّى ": تَقُولُ: قُمْتُ إلَيْهِ، فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك مِنْ مَكَانِك. وَلَا تَقُولُ " حَتَّاهُ ". هَذَا لَفْظُ سِيبَوَيْهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كِتَابِهِ غَيْرَ ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَايَةِ الِانْتِهَاءِ، أَمَّا غَايَةُ الِابْتِدَاءِ فَفِيهَا قَوْلَانِ فَقَطْ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ. وَطَرَدَ الْأَصْفَهَانِيُّ الْخِلَافَ فِيهَا، فَقَالَ: وَفِيهَا مَذَاهِبُ: يَدْخُلَانِ. لَا يَدْخُلَانِ، ثَالِثُهَا: تَدْخُلُ غَايَةُ الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ. رَابِعُهَا: إنْ قَرُبَ حِسًّا خَرَجَتْ، وَإِلَّا دَخَلَتْ. خَامِسُهَا: إنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ خَرَجَتْ. ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا الْخِلَافُ مَخْصُوصٌ " بِإِلَى " وَلَا يَجْرِي فِي " حَتَّى " لِقَوْلِ النُّحَاةِ: إنَّ الْمَعْطُوفَ بِحَتَّى شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا، وَدَاخِلًا فِي حُكْمِهِ، وَآخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ مُتَّصِلًا بِهِ، أَوْ فِيهِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ أَوْ التَّحْقِيرِ، فَقَطَعُوا بِانْدِرَاجِ مَا بَعْدَهَا فِي الْحُكْمِ، وَخَالَفَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ. قَالَ: بَلْ يَجْرِي فِيهَا وَهِيَ إذَا جَاءَتْ عَاطِفَةً لَيْسَتْ بِمَعْنَى " إلَى " فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ. وَهَاهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ مَحَلُّهُ فِي غَايَةٍ يَتَقَدَّمُهَا لَفْظٌ يَشْمَلُهَا عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.

стр. 1666

الثَّانِي: أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُغَيَّا أَنْ يَثْبُتَ قَبْلَ الْغَايَةِ، وَيَتَكَرَّرَ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا، كَقَوْلِك: سِرْت مِنْ الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ؛ فَإِنَّ السَّيْرَ الَّذِي هُوَ الْمُغَيَّا ثَابِتٌ قَبْلَ الْكُوفَةِ، وَيَتَكَرَّرُ فِي طَرِيقِهَا. وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] غَايَةً لِغَسْلِ الْيَدِ، لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْإِبِطِ. فَلَيْسَ ثَابِتًا قَبْلَ الْمِرْفَقِ الَّذِي هُوَ غَايَةٌ، فَلَا يَنْتَظِمُ غَايَةً لَهُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِمُ أَنْ لَوْ قِيلَ: اغْسِلُوا إلَى الْمَرَافِقِ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْغُسْلِ ثَابِتٌ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمُتَكَرِّرٌ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُغَيَّا غَيْرَ الْغُسْلِ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: اُتْرُكُوا مِنْ آبَاطِكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَيَكُونُ مُطْلَقُ التَّرْكِ ثَابِتًا قَبْلَ الْمِرْفَقِ، وَيَتَكَرَّرُ إلَيْهِ، وَيَكُونُ الْغُسْلُ نَفْسُهُ لَمْ يُغَيَّ، فِي هَذَا يَتَعَارَضُ الْمَجَازُ وَالْإِضْمَارُ، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَجَوَّزَ بِلَفْظِ الْيَدِ إلَى جُزْئِهَا حَتَّى يَثْبُتَ قَبْلَ الْغَايَةِ، وَلَا يُضْمَرُ. وَإِمَّا أَنْ يُضْمَرَ كَمَا يَقُولُ: هَذَا الْحَنَفِيُّ، وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] يَقْتَضِي ثُبُوتَ الصِّيَامِ بِوَصْفِ التَّمَامِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَيَتَكَرَّرُ إلَى غُرُوبِهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَيُشْكَلُ كَوْنُ اللَّيْلِ غَايَةً لِلصَّوْمِ التَّامِّ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِمُ، لَوْ قِيلَ صُومُوا إلَى اللَّيْلِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَتِمُّوا كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّوْمِ بِسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ. وَكَرِّرُوا ذَلِكَ إلَى اللَّيْلِ، وَالْكَمَالُ فِي الصَّوْمِ قَدْ يَحْصُلُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الصَّوْمِ دُونَ جُزْءٍ، مِنْ جِهَةِ اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْبَاهُ الصَّوْمُ، وَكَذَلِكَ آدَابُهُ الْخَاصَّةُ: كَتَرْكِ السِّوَاكِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ النِّسَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَأُمِرْنَا بِتَكْرِيرِ هَذَا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. الثَّالِثُ: أَنَّ أَصْحَابَنَا فِي الْفُرُوعِ صَحَّحُوا عَدَمَ دُخُولِهَا فِيهَا إذَا

стр. 1667

قَالَ: بِعْتُك مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إلَى هَذَا الْجِدَارِ، لَمْ يَدْخُلْ الْجِدَارَانِ فِي الْبَيْعِ وَصَحَّحُوا دُخُولَ غَايَةِ الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ، أَوْ ضَمِنْت مَالَك عَلَيْهِ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ. فَالصَّحِيحُ لُزُومُ تِسْعَةٍ، وَلَوْ شُرِطَ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ إلَى اللَّيْلِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ أَثْبَتَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ إلَى شَهْرٍ لَمْ يَدْخُلْ الشَّهْرُ الثَّانِي فِي الْأَجَلِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَيْنٍ بِعَشَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى يَوْمِ الْخَمِيسِ، لَمْ يَدْخُلْ يَوْمُ الْخَمِيسِ فِي الْأَجَلِ. قَالَهُ فِي الْبَحْرِ " وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن حَقَّهُ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، لَمْ يَدْخُلْ رَأْسُ الشَّهْرِ فِي الْيَمِينِ؛ بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: أَرَدْت " بِإِلَى " مَعْنَى " عِنْدَ " فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ " وَرَجَّحَ الْقَبُولَ. [التَّخْصِيصُ بِالْبَدَلِ] أَعْنِي بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ، نَحْوُ أَكَلْت الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَأَنْكَرَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ. قَالَ: لِأَنَّ الْمُبْدَلَ كَالْمَطْرُوحِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِيهِ مَعْنَى الْإِخْرَاجِ، وَالتَّخْصِيصُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِخْرَاجِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَلِلَّهِ حِجُّ الْبَيْتِ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ، وَكَذَا أَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ ". وَهَذَا أَحَدُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ.

стр. 1668

قَالَ السِّيرَافِيُّ: زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ تَنْحِيَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ، وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلْغَاءَهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ الْبَدَلَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ تَبْيِينًا لِلْأَوَّلِ كَتَبْيِينِ النَّعْتِ الَّذِي هُوَ تَمَامُ الْمَنْعُوتِ، وَهُوَ مَعَهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَحْسُنُ عَدْلُ الْبَدَلِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي قَوْلِنَا: أَكَلْت الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ، يُشْبِهُ الْعَامَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ، لَا الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: إذَا جَعَلْنَاهُ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ فَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْأَكْثَرِ؛ بَلْ سَوَاءٌ قَلَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْ سَاوَاهُ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ، كَأَكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ ثُلُثَيْهِ. الثَّانِي: يُلْتَحَقُ بِبَدَلِ الْبَعْضِ ذَلِكَ بَدَلُ الِاشْتِمَالِ، لِأَنَّ فِي كِلَيْهِمَا بَيَانًا وَتَخْصِيصًا لِلْمُبْدَلِ مِنْهُ. [التَّخْصِيصُ بِالْحَالِ] هُوَ فِي الْمَعْنَى كَالصِّفَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ، وَنَحْوُ أَكْرِمْ رَبِيعَةَ، وَأَعْطِ مُضَرَ، نَازِلِينَ بِك. لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ " بِأَنَّا نَخُصُّهُ بِالْأَخِيرَةِ عَلَى قَاعِدَةِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. [التَّخْصِيصُ بِالظَّرْفَيْنِ وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ] ِ نَحْوُ أَكْرِمْ زَيْدًا الْيَوْمَ، أَوْ فِي مَكَانِ كَذَا، وَلَوْ تَعَقَّبَ جُمَلًا، فَظَاهِرُ

стр. 1669

كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ الِاتِّفَاقُ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ. وَصَرَّحَ فِي الْمَحْصُولِ " فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ بِأَنَّا نَخُصُّهُ بِالْأَخِيرَةِ، أَمَّا لَوْ تَوَسَّطَ فَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مَسْأَلَةِ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» أَنَّ قَوْلَنَا: ضَرَبْت زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا، مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُقَيِّدُونَ بِهِ الثَّانِي أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: فَأَمَّا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مِثْلُ أَنْ تَذْكُرَ جُمَلًا، ثُمَّ تَقُولَ: عَلَى أَنَّهُ أَوْ بِشَرْطِ أَنَّهُ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ قَوْلًا وَاحِدًا، لِتَعَلُّقِهِ بِالْكَلَامِ لَا بِالِاسْمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ. التَّمْيِيزُ نَحْوُ لَهُ عِنْدِي مِلْءُ هَذَا ذَهَبًا. وَإِنْ تَعَقَّبَ جُمَلًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْحَالِ، وَيَشْهَدُ لِلْخِلَافِ عِنْدَنَا مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَفِي قَوْلٍ دِرْهَمٌ وَشَيْءٌ وَالْأَوَّلُ: ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَالثَّانِي: ظَاهِرٌ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ. وَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، هَلْ قَوْلُهُ: دِرْهَمًا، تَفْسِيرٌ لِمَا يَلِيهِ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ، أَوْ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَحَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ فِي " الْحِلْيَةِ " وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ خَيْرَانَ. وَالثَّانِي: لِلْجُمْهُورِ. وَبَنَى عَلَيْهِمَا مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا. فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ.

стр. 1670

[مَسْأَلَةٌ الْمُمَيِّزِ إذَا وَرَدَ عَلَى شَيْئَيْنِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِلْمَجْمُوعِ] مَسْأَلَةٌ الْمُمَيِّزِ إذَا وَرَدَ عَلَى شَيْئَيْنِ، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِلْمَجْمُوعِ، فِيهِ خِلَافٌ، يَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ: إنْ حِضْتُمَا حَيْضَةً، فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَالثَّانِي لِلْمَجْمُوعِ، وَهُوَ مُحَالٌ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمُسْتَحِيلٍ، وَمِثْلُهُ: إنْ دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ. الْمَفْعُولُ مَعَهُ وَلَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيِّدٌ لِلْفِعْلِ، وَيَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَفْعُولَ لَهُ هُوَ الْغَرَضُ الْحَامِلُ عَلَى الْفِعْلِ، فَهُوَ لَازِمٌ لِلْفِعْلِ فِي الْمَعْنَى، بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ مَعَهُ قَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: وَفِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ الْفَاعِلُ مُصَاحِبٌ لَهُ، لَا أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ مَعَ صَاحِبِ الْفِعْلِ فِي الْفِعْلِ. [مَسْأَلَةٌ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِلَفْظِهَا وَحُكْمِهَا] مَسْأَلَةٌ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ بِلَفْظِهَا وَحُكْمِهَا، وَقَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِ إحْدَاهُمَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ أَوْ وَصْفٍ مُتَّصِلٍ بِهِمَا، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا اتَّصَلَ بِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى حُكْمِهِ إلَّا بِمِثْلِ دَلِيلِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْحُكْمِ وَاللَّفْظِ كَانَتَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عَامِلٌ فِيهَا مَعًا، وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِإِحْدَاهُمَا.

стр. 1671

[مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ فِي الضَّمِيرِ إذَا اتَّصَلَ بِأَحَدِ الْأَجْنَاسِ مَعَ الْعَطْفِ] مَسْأَلَةٌ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الضَّمِيرِ، وَإِذَا اتَّصَلَ بِأَحَدِ الْأَجْنَاسِ مَعَ الْعَطْفِ فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ، كَقَوْلِهِمْ: أَعْطَيْتُ بَنِي زَيْدٍ، وَأَكْرَمْتُ بَنِي عَمْرٍو، وَأَكْرَمُونِي وَأَعْطَوْنِي. وَكَقَوْلِهِمْ: جَاءَنِي بَنُو فُلَانٍ، وَهُمْ أَكَلُوا، فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْأَلِفُ فِي الْجَمِيعِ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، لَا يُخَصُّ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِدَلِيلٍ. فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فَإِنْ وُصِلَ الْكَلَامُ بِسِمَةِ الْجَمْعِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِنَاثِ كَانَتْ لِلْجِنْسِ الْمُخْتَصِّ بِهَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، كَقَوْلِك: جَاءَنِي مُسْلِمُونَ وَمُؤْمِنَاتٌ، فَأَكَلْنَ. وَيَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْجَمِيعِ بِدَلِيلٍ نَحْوُ فَأَكَلْنَ، وَأَكَلُوا عَلَى الِاخْتِصَارِ. وَإِنْ وُصِلَ بِالسِّمَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِجَمْعِ الذُّكُورِ. فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهَا إلَى الذُّكُورِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْجَمِيعِ إلَّا بِدَلِيلٍ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ تَقْدِيمِهِمْ مَا تَعُودُ الْكِنَايَةُ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، أَوْ تَقْدِيمِ جِنْسِهِ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ الضَّمِيرِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ حُكْمٌ وَعُقِّبَ بِشَرْطٍ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ إشَارَةٌ هَلْ تَعُودُ لِلشَّرْطِ أَوْ لِلْأَصْلِ] مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ حُكْمٌ، وَعُقِّبَ بِشَرْطٍ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ إشَارَةٌ، هَلْ تَعُودُ لِلشَّرْطِ أَوْ لِلْأَصْلِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ، أَصْلُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْمَكِّيِّ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يُكْرَهُ، وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلَى أَنْ قَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَعِنْدَنَا ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الدَّمِ وَعِنْدَهُ إلَى أَصْلِ التَّمَتُّعِ.

стр. 1672

[التَّخْصِيصُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ] التَّخْصِيصُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِهِ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ الْعَامِّ مَعَهُ. وَقَدْ ذَكَرُوهَا ثَلَاثَةً: الْحِسُّ، وَالْعَقْلُ، وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْحَصْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَقَدْ بَقِيَ التَّخْصِيصُ بِالْعَوَائِدِ، كَقَوْلِك: رَأَيْت النَّاسَ أَفْضَلَ مِنْ زَيْدٍ، الْعَادَةُ تَقْتَضِي بِأَنَّك لَمْ تَرَ كُلَّ النَّاسِ. وَكَذَا التَّخْصِيصُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَقَوْلِك لِغُلَامِك: ائْتِنِي بِمَنْ يُحَدِّثُنِي، فَإِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَصْلُحَ لِحَدِيثِهِ فِي مِثْلِ حَالِهِ وَالتَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ دُخُولَهُ فِي السَّمْعِيِّ قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ. فِي بَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْقَرَائِنَ قَدْ تَقْوَى فَيَتْرُكُ لَهَا إطْلَاقَ اللَّفْظِ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ فِي الصَّيْفِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ لَا يَشْتَرِيهِ فِي الشِّتَاءِ. قَالَ: وَقَدْ يَتَعَادَلُ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ وَيَنْشَأُ مِنْ تَعَادُلِهِمَا خِلَافٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ أَوْرَاقٍ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ هَلْ يُوَكِّلُ؟ أَنَّ الْخِلَافَ نَاظِرٌ إلَى اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ، وَفِي الْقَرِينَةِ تَرَدُّدٌ فِي التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ وَفِي هَذَا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْقَرَائِنَ " قَدْ " يَثْبُتُ فِيهَا الْعُمُومُ. [التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ] الْأَوَّلُ (التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ) الْعَقْلِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ضَرُورِيًّا كَانَ أَوْ نَظَرِيًّا، فَالْأَوَّلُ:

стр. 1673

كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لَيْسَ خَالِقًا لِنَفْسِهِ. وَالثَّانِي: كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الْآيَةَ فَإِنَّا نُخَصِّصُ الطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا الْخِطَابَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصِّيغَةَ الْعَامَّةَ إذَا وَرَدَتْ وَاقْتَضَى الْعَقْلُ امْتِنَاعَ تَعْمِيمِهَا، فَيُعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا خُصُوصُ مَا لَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ صِلَةٌ لِلصِّيغَةِ نَازِلَةٌ لَهُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْكَلَامِ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ، أَنَّا نَعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَنَّ مُطْلَقَ الصِّيغَةِ لَمْ يُرَدْ تَعْمِيمُهَا. وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُهُمْ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ: مَا نَزَلَ مِنْ كِتَابٍ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ اللَّهُ : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] فَهَذَا عَامٌّ لَا خُصُوصَ فِيهِ، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَاَللَّهُ خَالِقُهُ، وَكُلُّ دَابَّةٍ فَعَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا. انْتَهَى.

стр. 1674

وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ مِنْ الْعُمُومِ لِمَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِيهِ، لَوْلَا دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، فَأَمَّا الَّذِي يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ الْخِطَابِ فَلَيْسَ خُرُوجُهُ عَنْهُ تَخْصِيصًا وَقَالَ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ ": إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] : إنَّهُ عَامٌّ لَا خُصُوصَ فِيهِ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ دَاوُد عَلَيْهِ بِتَخْصِيصِ كَلَامِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَأَجَابَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالصَّيْرَفِيُّ عَنْهُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ مَعْنَاهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ بِالدَّلِيلِ مَا كَانَ يَجُوزُ دُخُولٌ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَقْلِ؛ فَأَمَّا الَّذِي يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ خُرُوجَهُ عَنْ الْخِطَابِ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا. انْتَهَى. وَفَصَّلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ " بَيْنَ مَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ، وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَيَمْتَنِعُ التَّخْصِيصُ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ الشَّرْعِ، فَإِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ وَصَارَ الْحُكْمُ لِلشَّرْعِ، فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ كَاَلَّذِي دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى نَفْيِهِ، فَيَجُوزُ نَحْوُ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فَإِنَّ الْمُرَادَ مَا خَلَا الصِّفَاتِ لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَهَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ مَنْ أَطْلَقَ، لَا مَذْهَبًا آخَرَ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ: النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ، إذْ مُقْتَضَى الْعَقْلِ ثَابِتٌ دُونَ اللَّفْظِ إجْمَاعًا؛ لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا، فَالْخَصْمُ لَا يُسَمِّيهِ، لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي التَّخْصِيصِ، وَهُوَ الْإِرَادَةُ لَا الْعَقْلُ، وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ سَابِقٌ، فَلَا

стр. 1675

يَعْمَلُ فِي اللَّفْظِ؛ بَلْ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهُ مُخَصِّصٌ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَلِذَلِكَ الْعَقْلُ هَذَا الْحَظُّ، وَالدَّلِيلُ لَا يُخَصُّ؛ وَلَكِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ الْقَصْدُ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بَيْنَ دَلِيلِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ فِي ذَلِكَ. وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ حُكْمِ الْعُمُومِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وَجْهُهُ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ، أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يُوضَعُ لِغَيْرِ الْمَعْقُولِ، فَيَكُونُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي، وَهُوَ حُجَّةٌ، وَحَقِيقَةٌ عِنْدَهُ قَطْعًا. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مُخَصِّصٌ كَانَ مَجَازًا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ، فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ عَلَى هَذَا، وَلَا يَجْرِي عَلَى الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: بَلْ الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ. قَالَ: الْمَنْعُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ، وَأَنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ. وَأَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ. وَقَالَ النَّقْشَوَانِيُّ: الْكَلَامُ لَيْسَ فِي مُطْلَقِ الْعُمُومِ؛ بَلْ فِي الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. فَإِنَّ الْفَقِيهَ لَا يَنْظُرُ فِي غَيْرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، وَكَذَا الْأُصُولِيُّ. وَحِينَئِذٍ فَالْعَقْلُ لَا مَجَالَ لَهُ فِي تَحْصِيلِ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ إلَّا بِالنَّظَرِ فِي دَلِيلٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ؛ فَإِذَا فَرَضْنَا نَصًّا يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْقَتْلِ، فَالْعَقْلُ إنَّمَا يُخَصِّصُهُ لَوْ أَدْرَكَ الْمَصْلَحَةَ، وَكَيْفَ يُدْرِكُهَا؟ فَلَا يُخَصِّصُهَا. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَرْدُودٌ بِمَا سَبَقَ عَنْ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: اخْتَلَفُوا هَلْ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ مَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ إجْرَاءَ الْحُكْمِ فِيهِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ، فَيُخْرِجُهُ بِهِ دَلِيلُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ كَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ أَوْجَبَ إخْرَاجَهُ عَنْهُ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ هُنَا: أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وَرَدَ عَنْهُ ﵊ -

стр. 1676

فِي إسْقَاطٍ أَوْ إيجَابٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ إبَاحَةٍ، فَهَلْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ هَذَا كَلَامُهُ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَعْقُولٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: مِنْ أَمْثِلَتِهِمْ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّيْءَ مَصْدَرُ شَاءَ يَشَاءُ، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ، فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الذَّوَاتِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أَيْ مَخْلُوقُ اللَّهِ، وَنَحْوُ دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ، أَيْ مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ. فَقَوْلُنَا: هَذَا شَيْءٌ فِي الذَّوَاتِ، أَيْ مُشَاءٌ، فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ مَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ، إمَّا بِالْفِعْلِ كَالْمَوْجُودَاتِ أَوْ بِالْقُوَّةِ كَالْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ. فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ - إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٧٥] وَمَا شَاكَلَهُ عَلَى عُمُومِهِ، لِأَنَّ إلَهًا ثَابِتًا وَنَحْوَهُ مِنْ الْمُحَالَاتِ، فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ لَا بِالْفِعْلِ، وَلَا بِالْقُوَّةِ، فَلَا يُسَمَّى شَيْئًا، فَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠] فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ. وَالشَّيْءُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَخُصُّ الْمَوْجُودَ لَا الْمَعْدُومَ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي يَصِحُّ وُجُودُهُ شَيْءٌ وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ وَغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، فَأَدْخَلَ الْمُسْتَحِيلَ فِي اسْمِ الشَّيْءِ، وَإِنَّمَا هَذَا مَذْهَبُ النُّحَاةِ، فَإِنَّ سِيبَوَيْهِ وَقَعَ لَهُ أَنَّ الشَّيْءَ عَامٌّ مُتَنَاوِلٌ. قَالَ: هُوَ كَمَا تَقُولُ: مَعْلُومٌ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْمَعْلُومَ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْتَحِيلُ، عَلَى أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ يَقُولُ: الْعِلْمُ بِالْمُسْتَحِيلِ عِلْمٌ لَا مَعْلُومَ لَهُ

стр. 1677

وَمِمَّا يُحَقِّقُ أَنَّ الشَّيْءَ مُخْتَصٌّ بِالْمَوْجُودَاتِ أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ شَاءَ يَشَاءُ إذَا قُصِدَ، فَكَأَنَّ الشَّيْءَ هُوَ الْمَقْصُودُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ الْمَوْجُودُ، لَا الْمَعْدُومُ وَالْمُسْتَحِيلُ. وَأَيْضًا فَإِطْلَاقُ الشَّيْءِ عَلَى الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ فِيهِ خِلَافٌ، وَلَئِنْ سُلِّمَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُشْكَلِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ، لَا يُشَاكِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقِيلَ: بَلْ يُسَمَّى شَيْئًا بِمَعْنَى الشَّائِي، وَالْمَخْلُوقَاتُ تُسَمَّى شَيْئًا بِمَعْنَى الْمُشَاءِ، فَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ. فَيَكُونُ مُشْتَرِكًا. الثَّانِي: مِنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنْ لَا يُخَصَّصَ إلَّا بِالْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ، وَمِنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أَنْ لَا يُخَصَّصَ إلَّا بِالْقَضَايَا السَّمْعِيَّةِ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إخْرَاجُ أَمْرٍ خَاصٍّ مِنْ خِطَابٍ عَامٍّ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَقَدِّمًا، بِخِلَافِ السَّمْعِيِّ. ذَكَرَهُ الْعَبْدَرِيّ فِي " شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ".

стр. 1678

[الثَّانِي التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْحِسِّ] الثَّانِي [دَلِيلُ] الْحِسِّ كَقَوْلِهِ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] مَعَ أَنَّهَا لَمْ تُؤْتَ مَا كَانَ فِي يَدِ سُلَيْمَانَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَقَوْلُهُ ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وَفِي عَدِّ هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهُوَ خُصُوصُ مَا أُوتِيَتْهُ هَذِهِ، وَدَمَّرَتْهُ الرِّيحُ، لَا مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. وَلَمْ يَحْكُوا هُنَا الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ، وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ وَنَازَعَ الْغَزَالِيُّ فِي تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ دَلِيلِ الْحِسِّ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْعُلُومِ كُلِّهَا الْحِسُّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُسْتَصْفَى "

стр. 1679

[الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَفِيهِ مَبَاحِثُ] [ الْبَحْثُ الْأَوَّلُ فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَقْطُوعِ] الثَّالِثُ: الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ وَفِيهِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَقْطُوعِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمُخَصِّصَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ إلَّا مِنْ السُّنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وَلَنَا أَنَّهُ وَقَعَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْحَوَامِلِ وَغَيْرِهِنَّ، فَخَصَّ أُولَاتِ الْحَمْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَخَصَّ بِهِ أَيْضًا الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] . وَمَا قَالُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ الْبَيَانَ تَحَصَّلَ مِنْ الرَّسُولِ ﵇، وَذَلِكَ أَعَمُّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَوْ عَلَى لِسَانِهِ وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي الذَّرِيعَةِ ": الْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ، وَالْمُخَالِفُ يُسَمِّي التَّخْصِيصَ بَيَانًا. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِمِثْلِهَا وَالْخِلَافُ فِيهِ أَيْضًا،

стр. 1680

وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ دَاوُد أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ، لَا يَنْبَنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَنَعَ قَوْمٌ تَخْصِيصَ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ مُبَيِّنًا، فَلَوْ احْتَاجَتْ إلَى بَيَانٍ لَمْ يَكُنْ لِلرَّدِّ إلَيْهِ مَعْنًى. الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، قَوْلًا وَاحِدًا بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا، لَكِنْ حَكَى بَعْضُهُمْ فِي الْفِعْلِيَّةِ خِلَافًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مَا يَحْكِي دَاوُد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا شَكَّ فِي الْجَوَازِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ الْعِلْمَ كَمَا أَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ يُوجِبُهُ. وَأَلْحَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِالْمُتَوَاتِرِ الْأَخْبَارَ الَّتِي يُقْطَعُ بِصِحَّتِهَا. كَتَخْصِيصِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِحَدِيثِ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» وَهُوَ مِثَالٌ لِلْقَوْلِيَّةِ. وَمَثَّلُوا لِلْفِعْلِيَّةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] مَخْصُوصٌ بِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ رَجْمِ الْمُحْصَنِ تَنْبِيهٌ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " يَقْتَضِي أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَخُصُّ الْقُرْآنَ إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ، فَإِنْ قَالَ فِيهَا: وَيُقَالُ خَاصٌّ حَتَّى تَكُونَ

стр. 1681

الْآيَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهَا الْخَاصُّ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلَةً لَهُ فَلَا يُقَالُ فِيهَا بِمَا لَا تَحْتَمِلُ الْآيَةَ، وَهُوَ الثَّابِتُ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ» ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي نَسْخِ السُّنَّةِ الْقُرْآنَ. الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا الْمَنْعُ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: السُّنَّةُ تَقْضِي عَلَى الْكِتَابِ، وَالْكِتَابُ لَا يَقْضِي عَلَى السُّنَّةِ. تَنْبِيهٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ النَّسْخِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَنْسَخُهَا الْقُرْآنُ إلَّا إذَا كَانَ مَعَهَا سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَإِلَّا خَرَجَتْ السُّنَنُ عَنْ أَيْدِينَا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لَنَا هُنَا اشْتِرَاطَهُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ التَّخْصِيصِ. الْخَامِسَةُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ، وَكَذَا السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فِيهِ، وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ. قَالَ

стр. 1682

الْآمِدِيُّ: لَا أَعْرِفُ فِيهِ خِلَافًا، وَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ بَعْضُ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ، لَا بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ، لَكِنْ حَكَى الْإِمَامُ بْنُ الْقُشَيْرِيّ الْخِلَافَ هَاهُنَا، فَقَالَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ، فَالْإِجْمَاعُ مُخَصِّصٌ لَهُ كَمَا قُلْنَا فِي دَلِيلِ الْعَقْلِ. وَالْمُخَالِفُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يُخَالِفُ فِي هَذِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا رُفِعَ عَنْ الْعَامِّ خَارِجٌ مِنْهُ، وَجَبَ الْقَطْعُ بِخُرُوجِهِ وَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا وَأَنْ يَكُونَ نَسْخًا انْتَهَى. فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ احْتِمَالِ النَّسْخِ نَظَرٌ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ النَّصِّ لِأَنَّ الْخَاصَّ، لِأَنَّ النَّصَّ يُحْتَمَلُ نَسْخُهُ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ وَجَعَلَ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] قَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ. وَمَثَّلَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ بَذَلُوا فَلْسًا أَوْ فَلْسَيْنِ لَمْ يَجُزْ بِذَلِكَ حَقْنُ دِمَائِهِمْ، كَمَا قَالَ: " الْجِزْيَةُ " بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ جِزْيَةً مَعْلُومَةً.

стр. 1683

[الْبَحْثُ الثَّانِي فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَفِيهِ مَسَائِلُ] [ الْأُولَى تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ] الْبَحْثُ الثَّانِي فِي تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأَوَّلُ: يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِنَّ الْخَبَرَ يَتَسَلَّطُ عَلَى فَحْوَاهُ، وَفَحْوَاهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمَنْ شَكَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ لَوْ رَوَى خَبَرًا عَنْ الْمُصْطَفَى فِي تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ لَابْتَدَرَهُ الصَّحَابَةُ قَاطِبَةً بِالْقَبُولِ، فَلَيْسَ عَلَى دِرَايَةٍ فِي قَاعِدَةِ الْأَخْبَارِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ عَلَى الْجَوَازِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُمْ خَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بِقَوْلِهِ ﵇: «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ» فَإِنْ قَالُوا: إنَّ فَاطِمَةَ (﵂) طَلَبَتْ الْمِيرَاثَ؟ قُلْنَا: إنَّمَا طَلَبَتْ النُّحْلَى لَا الْمِيرَاثَ وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْمُسْلِمِينَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]

стр. 1684

[بِمَا وَرَدَ] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ. وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الْمَجُوسِ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَالْمَجُوسُ مُشْرِكُونَ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ (﵁) : لَا نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا نَدَعُ كِتَابَ نَبِيِّنَا نَسْخًا، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ خَصَّ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ. أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ ادَّعَى النَّسْخَ انْتَهَى. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يُقْطَعُ بِأَصْلِهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَنَّهُمْ لِأَجْلِهِ مَنَعُوا الْحُكْمَ بِالْقُرْعَةِ، وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى

стр. 1685

أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلظَّاهِرِ أَوْ مُبْتَدِئًا، وَلَا مَعْنَى لِإِمْكَانِ التَّخْصِيصِ مَعَ الْقَوْلِ بِحُجِّيَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ " بِهِ " فِي الْجُمْلَةِ وَخَالَفُونَا فِي التَّفْصِيلِ، فَقَالُوا: وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» وَهُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ فَقَالُوا: بِتَحْرِيمِ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ. الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْهُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهُ يَبْقَى عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَمَا دَخَلَهُ بَقِيَ مَجَازًا، وَضَعُفَتْ دَلَالَتُهُ، وَنَقَلُوهُ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ. وَهُوَ مُشْكِلٌ بِمَا سَبَقَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حُجَّةً لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ، إذْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا حُكْمُ الْعُمُومِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ، أَوْ لَهُ حُكْمٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ، فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ لَا يَبْقَى حُجَّةً، مَعَ قَوْلِهِ بِجَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،. وَقَدْ حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ مِنْ كِتَابِ التَّقْرِيبِ " عَنْهُ أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ جَازَ تَخْصِيصُ بَاقِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ افْتِتَاحُ تَخْصِيصِهِ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَهُ قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ بَعْضُهُ صَارَ مُجْمَلًا فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يُسَوِّغُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ فِيهَا. فَجُعِلَ الْخَبَرُ عَلَى التَّحْقِيقِ مُثْبِتًا حُكْمًا ابْتِدَاءً، وَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ التَّخْصِيصِ إذَا حَقَّقْته، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ فِي عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ قَبْلَ وُرُودِ الْخَبَرِ وَبَعْدَهُ. انْتَهَى.
следующие страницы →