← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

الْمُسْلِمُونَ أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عَلَى الصَّائِمِ مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] انْتَهَى. وَدَعْوَاهُ النَّسْخَ فِي الثَّانِي بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] صَرِيحٌ فِي التَّقْيِيدِ بِالْفَجْرِ، فَهُوَ النَّاسِخُ حِينَئِذٍ لَا الْإِجْمَاعُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْأُمَّةَ لَمَّا أَجْمَعَتْ عَلَى تَرْكِ ظَاهِرِهِ دَلَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى نَسْخِهِ لَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ هُوَ النَّاسِخُ. وَقَالَ إلْكِيَا: يُتَصَوَّرُ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ إذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَحَدِهِمَا، فَنَقُولُ: إنَّ الْخِلَافَ نُسِخَ وَجُزِمَ الْقَوْلُ بِهِ مَعَ إجْمَاعِ الْأَوَّلِينَ عَلَى جَوَازِ الِاخْتِلَافِ. قُلْنَا: الصَّحِيحُ أَنَّ الْخِلَافَ الْأَوَّلَ يَزُولُ بِهِ، وَمَنْ قَالَ: يَزُولُ بِهِ، قَالَ: هَذَا لَا يُعَدُّ نَاسِخًا، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا سَوَّغُوا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ، كَالْغَائِبِ عَنْ الرَّسُولِ لَا يَجْتَهِدُ إلَّا بِشَرْطِ فَقْدِ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعُ كَالنَّصِّ فِي ذَلِكَ، وَالِاخْتِلَافُ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ. وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنْ نَصَّ الرَّسُولُ ذَلِكَ الْحُكْمَ الْمُخَالِفَ لَمْ يَكُنْ حُكْمَ اللَّهِ، وَهُنَا الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الْخِلَافِ لَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَكُنْ شَرْعِيًّا، وَإِنَّمَا اُعْتُرِضَ عَلَى دَوَامِ حُكْمِ الْخِلَافِ نَسْخًا، فَإِنْ قِيلَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، فَهُوَ نَسْخُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخِلَافِ لَا مَحَالَةَ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": وَأَمَّا إجْمَاعُ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمَهْجُورَ بَطَلَ فِي نَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا، وَأَيْضًا فَلِفَقْدِ شَرْطِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ ذَابٌّ وَنَاصِرٌ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": وَأَمَّا نَسْخُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ فَمِثْلُ أَنْ تُجْمِعَ الصَّحَابَةُ فِي حُكْمٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُمَّ يُجْمِعُ الْمَانِعُونَ بَعْدَهُمْ عَلَى قَوْلٍ

стр. 2032

وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الصَّحَابَةُ مُجْمِعِينَ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ، وَالْمَانِعُونَ مُجْمِعِينَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاجْتِهَادِ. قَالَ: وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، وَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ لَا يَكُونُ نَاسِخًا، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ وَإِنْ سَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فَشَرْطُهُ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ. . [مَسْأَلَةُ الْقِيَاسِ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ] ِ أَمَّا كَوْنُهُ نَاسِخًا فَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ، وَمِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَإِلْكِيَا فِي " التَّلْوِيحِ "، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَسُلَيْمٌ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي " التَّحْصِيلِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَكَلَامِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي " تَعْلِيقِهِ " فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، قَالُوا: فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ النَّصُّ. وَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ، وَالنَّسْخُ يَكُونُ بِأَمْرٍ مَقْطُوعٍ، وَلِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْأُصُولِ مَا يُخَالِفُهُ، فَفِي نَسْخِ الْأُصُولِ بِالْقِيَاسِ تَحْقِيقُ الْقِيَاسِ دُونَ شَرْطِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَلِأَنَّهُ إنْ عَارَضَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا فَالْقِيَاسُ فَاسِدُ الْوَضْعِ،

стр. 2033

وَإِنْ عَارَضَ قِيَاسًا آخَرَ، فَتِلْكَ الْمُعَارَضَةُ إنْ كَانَتْ بَيْنَ أَصْلِيِّ الْقِيَاسِ، فَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ النَّسْخُ قَطْعًا، إذْ هُوَ مِنْ بَابِ نَسْخِ النُّصُوصِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَا مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: لَا يَقَعُ النَّسْخُ إلَّا بِدَلِيلٍ تَوْقِيفِيٍّ، وَلَا حَظَّ لِلْقِيَاسِ فِيهِ أَصْلًا، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرِدَ خَبَرٌ لِمَعْنًى، ثُمَّ يَرِدُ نَاسِخٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَيَرْتَفِعُ هُوَ وَدَلَالَتُهُ، كَمَا لَوْ حُرِّمَ بَيْعُ الْبُرِّ بِالْبُرِّ لِلْأَكْلِ، فَقِسْنَا كُلَّ مَأْكُولٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُحِلَّ الْبُرُّ بِالْبُرِّ، فَيَصِيرُ مَا قِسْنَاهُ عَلَيْهِ حَلَالًا، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِلْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَهُ مَا أَوْجَبَهُ فِي غَيْرِهَا، فَمَتَى أَزَالَ حُكْمَهَا بَطَلَ حُكْمُ مَا تَعَلَّقَ بِهَا، وَلَيْسَ هَذَا نَسْخًا بِالْقِيَاسِ، إنَّمَا هُوَ نَسْخٌ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ. وَقَالَ: كَذَلِكَ مَا أَقَرَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ تَحْلِيلُ عَيْنِهِ، وَالْقِيَاسُ يَقَعُ فِيهِ الْخَطَأُ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا بِكُلِّ دَلِيلٍ يَقَعُ بِهِ التَّخْصِيصُ. حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي أَجْوِبَةِ " التَّحْصِيلِ ": لَوْ دَلَّ نَصٌّ عَلَى إبَاحَةِ النَّبِيذِ مَثَلًا كَمَا يَقُولُ: مَنْ يُبِيحُهُ، ثُمَّ دَلَّ نَصٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَكَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْ إبَاحَةِ النَّبِيذِ، ثُمَّ قِسْنَا التَّحْرِيمَ فِي النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ، كَانَ الْقِيَاسُ الثَّانِي نَاسِخًا. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ: تَقَدُّمِ إبَاحَةِ النَّبِيذِ، وَكَوْنِ التَّحْرِيمِ فِي النَّبِيذِ بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِلنَّصِّ. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْمُتَوَاتِرُ وَنَصُّ الْقُرْآنِ، وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْسَخُ بِهِ أَخْبَارُ الْآحَادِ فَقَطْ. الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْجَلِيِّ، فَيَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ، وَبَيْنَ الْخَفِيِّ فَلَا يَجُوزُ. حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ، إجْرَاءً لَهُ مُجْرَى التَّخْصِيصِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَحَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ

стр. 2034

عَنْ الْأَنْمَاطِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْقِيَاسُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْقُرْآنِ يُنْسَخُ بِهِ الْقُرْآنُ، وَالْقِيَاسُ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ السُّنَّةِ يُنْسَخُ بِهِ السُّنَّةُ. وَحَكَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْهُ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ، وَقَالَ: مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا. وَقَالَ: جَوَّزَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ. وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ الْأَنْمَاطِيِّ التَّفْصِيلَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ مَفْهُومُ الْخِطَابِ، وَهُوَ لَيْسَ بِقِيَاسٍ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي مُجْرَى النَّصِّ. وَقَسَمَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ الِاسْتِدْلَالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا لَا لَفْظًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَفِي جَوَازِ النَّسْخِ بِهِ وَجْهَانِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْمَنْعِ. الثَّانِي: مَا عُرِفَ كَنَهْيِهِ عَنْ الضَّحِيَّةِ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ، فَكَانَتْ الْعَمْيَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْعَوْرَاءِ، وَالْعَرْجَاءِ عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ نَقْصَهَا أَكْثَرُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ، وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالِاتِّفَاقِ، لِجَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ فِي الْفَرْعِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ. الثَّالِثُ: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ بِاسْتِدْلَالٍ ظَاهِرٍ بِتَأَدِّي النَّظَرِ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، وَقِيَاسِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا فِي تَنْصِيفِ الْحَدِّ، فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ

стр. 2035

بِهِ، وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. اهـ. الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً، كَقَوْلِهِ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِأَجْلِ الشِّدَّةِ، فَهَذَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ مَعَ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، وَيُرْفَعُ بِهِ حُكْمُ تَحْلِيلِ الْأَنْبِذَةِ الَّتِي فِيهَا الشِّدَّةُ، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُسْتَنْبَطَ مِنْ خِطَابٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْخِطَابِ الْمُعَارِضِ لَهَا، فَهَذَا قَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِنَسْخِهَا لِلْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ. وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْعُ. وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُسْتَخْرَجَةً مِنْ خِطَابٍ سَابِقٍ عَلَى الْخِطَابِ الْمُعَارِضِ لَهَا، فَهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ شَرْعٌ بِنَسْخِهَا لِلْخِطَابِ الْمُتَأَخِّرِ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ تَحْرِيمُ الْمُبَاحِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، ثُمَّ يَرِدُ الْخِطَابُ الْمَنْسُوخُ بَعْدَ الْعِلَّةِ النَّاسِخَةِ بِالْإِبَاحَةِ فَيَجْتَمِعُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ. قَالَ الْبَاجِيُّ فِي أَحْكَامِهِ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَفَصَلَ الْآمِدِيُّ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً فَيَصِحُّ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا، لَكِنْ لَيْسَ نَسْخًا، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِخِطَابٍ، وَالنَّسْخُ عِنْدَهُ هُوَ الْخِطَابُ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْنِي الْعِلَّةَ مَنْصُوصَةً، فَالْأَقْرَبُ أَنَّ النَّاسِخَ هُوَ مَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ، وَلَكِنْ فَعَلْنَا بِشَرْطٍ، وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ. وَقَالَ: أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَنْسَخُ بِالِاتِّفَاقِ.

стр. 2036

وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَفِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا نُسِخَ الْأَصْلُ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْقِيَاسِ؟ قَالَ: وَصُورَتُهُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي عَيْنٍ بِعِلَّةٍ، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، ثُمَّ يُنْسَخُ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْعَيْنِ الْمَقِيسِ عَلَيْهَا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّ الْفَرْعَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، فَإِذَا بَطَلَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بَطَلَ فِي الْفَرْعِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ أُصُولِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ لَمْ تُنْسَخْ. وَنُقِلَ عَنْهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ. قَالَ: وَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ بِالْكِتَابِ، لَا السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ. وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يَجُوزُ. اهـ. وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا: قِيلَ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ، لِأَنَّهُ مَعَ الْأُصُولِ، فَمَا دَامَتْ الْأُصُولُ ثَابِتَةً فَنَسْخُهُ لَا يَصِحُّ. قَالَ: وَهَذَا عِنْدَنَا بَعْدَ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ النَّسْخِ فِي شَيْءٍ، بَلْ يَظْهَرُ مُخَالِفٌ أَوْ لَا يَظْهَرُ، وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلْغَائِبِ عَنْهُ، بِنَاءً عَلَى الْأُصُولِ. فَإِذَا طَرَأَ نَاسِخٌ بَعْدَهُ صَحَّ نَسْخُ الْقِيَاسِ، ثُمَّ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ نَسْخُ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُصُولِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ ارْتَفَعَ التَّبَعُ. وَأَطْلَقَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقِيَاسِ. قَالَ: لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ أَصْلِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ أَصْلِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ ": مَنَعَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ نَسْخِ الْقِيَاسِ. قَالَ: لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُصُولِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ ثُبُوتِهَا رَفْعُهُ، وَلِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ.

стр. 2037

وَقَالَ فِي الدَّرْسِ: إنْ كَانَ مَعْلُومَ الْعِلَّةِ جَازَ نَسْخُهُ. قَالَ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْ نَصَّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْبُرِّ هِيَ الْكَيْلُ، وَأَمَرَ بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ ذَلِكَ كَالنَّصِّ فِي تَحْرِيمِ الْأُرْزِ، فَكَمَا جَازَ أَنْ يُحَرِّمَ الْأَرُزَّ ثُمَّ يَنْسَخَهُ جَازَ أَنْ يَنْسَخَ عَنَّا تَحْرِيمَ الْأُرْزِ الْمُسْتَفَادِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْبُرِّ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ ": إنَّمَا يُنْسَخُ بِقِيَاسٍ أَجْلَى مِنْهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَحْصُولِ " تَبَعًا لِصَاحِبِ " الْمُعْتَمَدِ "، وَابْنِ الصَّبَّاغِ: يُنْسَخُ الْقِيَاسُ إنْ كَانَ فِي حَيَاتِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ رَفْعُهُ بِالنَّصِّ، وَبِالْإِجْمَاعِ، وَبِالْقِيَاسِ، أَمَّا بِالنَّصِّ فَبِأَنْ يَنُصَّ ﵇ فِي الْفَرْعِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْقِيَاسِ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ، وَأَمَّا بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَوْلَيْنِ قِيَاسًا، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَانَ إجْمَاعُهُمْ رَافِعًا لِحُكْمِ الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِلْقَوْلِ الْآخَرِ، وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ فَبِأَنْ يَنُصَّ عَلَى صُورَةٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَيَجْعَلَهُ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ. وَيَكُونَ أَمَارَةُ عِلِّيَّتِهَا أَقْوَى مِنْ أَمَارَةِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى نَسْخًا فِي اللَّفْظِ، كَمَا إذَا أَفْتَى الْمُجْتَهِدُ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ ظَفِرَ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، كَانَ هَذَا الْوُجْدَانُ نَسْخًا لِقِيَاسِهِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ مُتَعَبَّدًا بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ النَّصُّ الَّذِي وَجَدَهُ آخِرًا نَاسِخًا لِذَلِكَ الْقِيَاسِ.

стр. 2038

قَالَ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ ": وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَفِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ نَظَرٌ، فَلْيَتَأَمَّلْهُ النَّاظِرُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ تَجْوِيزَهُ نَسْخَ الْقِيَاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْإِجْمَاعِ، يُنَاقِضُ قَوْلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ: إنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ فِي زَمَانِهِ، كَمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى بُطْلَانِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، بَلْ الْخِلَافُ ثَابِتٌ فِي تَجْوِيزِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ كَمَا سَبَقَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مُطْلَقًا، فَإِنَّا وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، كَالْقِبْلَةِ إذَا لَمْ يُعَيِّنْهَا، فَإِنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَنَّهُ مَنَعَ نَسْخَ الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا تُنْسَخُ أُصُولُهُ، وَأُصُولُهُ بَاقِيَةٌ لَمْ تُنْسَخُ. وَنُقِلَ عَنْهُ الْجَوَازُ، وَالْحَقُّ الْبَيِّنُ مَا قَسَمَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ جَازَ نَسْخُهُ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْقِيَاسِ، فَإِذَا قَالَ: لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَنَبَّهَ عَلَى عِلَّتِهِ فَعَدَّيْنَاهَا إلَى الْأُرْزِ، ثُمَّ وُجِدَ نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ بَيْعِ الْأُرْزِ بِالْأُرْزِ مُتَفَاضِلًا، فَإِنَّهُ نَسْخٌ لِحُكْمِ ذَلِكَ الْقِيَاسِ، أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ بَعْدَ الْوَفَاةِ تَجَدُّدُ شَرْعٍ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِي الْقِيَاسِ إنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً، فَهِيَ فِي مَعْنَى النَّصِّ، وَيُمْكِنُ نَسْخُهُ بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ فِي مَعْنَاهُ لَوْ ذَهَبَ إلَيْهِ ذَاهِبٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى نَاسِخِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا ظَنَّهُ، فَرُفِعَ حُكْمُهُ فِي حَقِّهِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى النَّاسِخِ لَا يَكُونُ

стр. 2039

نَسْخًا مُتَجَدِّدًا، بَلْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَنْسُوخًا، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَحُكْمُهَا فِي حَقِّهِ غَيْرُ ثَابِتٍ بِالْخِطَابِ، فَرَفْعُهُ فِي حَقِّهِ عِنْدَ الظَّفَرِ بِذَلِكَ مُعَارَضَةٌ، وَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا، لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِخِطَابٍ، لِأَنَّ النَّسْخَ هُوَ الْخِطَابُ. . [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ نَسْخُ أَصْلِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ نَسْخُ أَصْلِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَصُورَتُهُ مَا لَوْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى حُكْمٍ، وَعَلَّلَهُ بِعِلَّةٍ، وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ فِي الْفَرْعِ؟ عِنْدَنَا يَرْتَفِعُ. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يَبْقَى، لِأَنَّهُ لَوْ زَالَ لَكَانَ زَوَالُهُ نَسْخًا بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ لَا يَكُونُ فَرْعًا. وَفَصَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ بَيْنَ أَنْ يُنْسَخَ الْأَصْلُ لَا إلَى بَدَلٍ. فَلَا يَبْقَى الْفَرْعُ. وَبَيْنَ أَنْ يُنْسَخَ إلَى بَدَلٍ فَيَبْقَى. وَهُوَ غَرِيبٌ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْحَقُّ أَنَّ الْمَعْنَى يَبْقَى اسْتِدْلَالًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ شَرْطَ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ بِهِ أَنْ لَا يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَصْلٌ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ أَلْغَاهُ النَّاسِخُ. وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْبَحْثُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً شَرْعًا، هَلْ هُمَا مُتَلَازِمَانِ تَلَازُمَهُمَا؟ وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَقِدُونَهُمَا مُنْفَكَّيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ أَحَدِهِمَا بُطْلَانُ الْآخَرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْبِيرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّفْعِ وَقَعَ فِي عِبَارَاتٍ لِسُلَيْمٍ فِي.

стр. 2040

التَّقْرِيبِ "، وَابْنِ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ "، وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ تَعْبِيرِ غَيْرِهِمْ كَابْنِ بَرْهَانٍ، وَالْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا بِالنَّسْخِ، لِأَنَّ أَصْحَابَنَا لَا يَقُولُونَ: إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يُنْسَخُ بِارْتِفَاعِ حُكْمِ الْأَصْلِ، بَلْ يَزُولُ لِزَوَالِ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُعْتَبَرَةً، وَالْحُكْمُ إذَا زَالَ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ، لَا يُقَالُ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ. قَالُوا: لَوْ كَانَ نَسْخُ الْأَصْلِ نَسْخَ الْفَرْعِ لَكَانَ ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ إذَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ لِلْفَرْعِ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ، إذْ لَا جَامِعَ وَهُوَ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ، بَلْ هُوَ لِزَوَالِ حُكْمِ الْأَصْلِ إذْ الْعِلَّةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِي زَوَالِ الْحُكْمِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَسْخٌ حَقِيقَةً، إذْ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ لَيْسَ نَسْخًا بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَغَيْرُهُمْ: قَدْ بَنَتْ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَصْلِهِمْ فَرَعَيْنَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ الْمُسْكِرِ النِّيءِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مَطْبُوخًا. وَقَدْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّيءِ، وَأَلْحَقُوا بِهِ الْمَطْبُوخَ قِيَاسًا، ثُمَّ نُسِخَ التَّوَضُّؤُ بِالنِّيءِ، وَبَقِيَ التَّوَضُّؤُ بِالْمَطْبُوخِ. وَالثَّانِي: ادَّعَوْا أَنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَانَ يَجِبُ صَوْمُهُ، وَيَجُوزُ إيقَاعُ النِّيَّةِ فِيهِ نَهَارًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي يَوْمَ عَاشُورَاءَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ، فَلِيَصُمْ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إيقَاعُ النِّيَّةِ مِنْ النَّهَارِ، وَأُلْحِقَ بِهِ

стр. 2041

رَمَضَانُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْمٌ. ثُمَّ نُسِخَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَبَقِيَ الْقِيَاسُ مُسْتَمِرًّا فِي رَمَضَانَ. وَقَدْ نُوزِعَ فِي هَذَا الْمِثَالِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ مُغَايِرٌ لِلْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ تَرْكُ التَّبْيِيت، وَالْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الصَّوْمِ، وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَقَالَ إلْكِيَا: ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ الْمَنْسُوخِ فِي أَمْثِلَةٍ، لَا بُدَّ مِنْ مُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى بَعْضِهَا. كَقَوْلِهِمْ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ: كَانَ وَاجِبًا، وَجَوَّزَهُ الرَّسُولُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ، فَادَّعَوْا أَنَّ النَّسْخَ يَرْجِعُ إلَى تَبْدِيلِ النِّيَّةِ، وَمَا فَهِمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ النِّيَّةِ مِنْ النَّهَارِ بَاقٍ بِحَالِهِ، لَا يَتَأَثَّرُ بِنَسْخِهِ، فَإِذَا عَرَفْنَا تَمَاثُلَ الْحُكْمَيْنِ عِنْدَ وُجُوبِهَا مِنْ النِّيَّةِ، فَالنَّسْخُ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِهِمَا فِي الْوُجُوبِ، لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمَنْقُولُ مِنْهُ. قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا حَسَنٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. نَعَمْ، لَوْ نُسِخَ الْأَصْلُ لَا إلَى بَدَلٍ، فَالْفَرْعُ لَا يَبْقَى دُونَ الْأَصْلِ. وَهَاهُنَا نَسْخٌ إلَى بَدَلٍ كَمَا إذَا نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ فِي الْمَطْعُومَاتِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ فَرْعًا بِلَا أَصْلٍ، وَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ: إنَّ التَّوَضُّؤَ بِالنَّبِيذِ جَائِزٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَإِنْ تَمَّ أَدَاؤُهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ نَقْعُ

стр. 2042

التَّمْرِ، وَلَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ إجْزَاؤُهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ، حَيْثُ إنَّ هَذَا فَرْعٌ بِلَا أَصْلٍ. قَالَ: وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِهَذَا مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَيْثُ وُجُوبُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَلَقِّيًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ثُمَّ فَعَلَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَكَانَ التَّيَمُّمُ بِذَلِكَ أَوْلَى، ثُمَّ رَوَى الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. فَلَمْ يَعْقِلْ مِنْ حُكْمِ النَّسْخِ مَا عَقَلَ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ الظَّانِّ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ دَلَّ عَلَيْهَا. . [مَسْأَلَةٌ فِي نَسْخِ الْمَفْهُومِ] وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ وَمَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ. أَمَّا الْمُخَالَفَةُ، فَيَجُوزُ نَسْخُهُ مَعَ نَسْخِ الْأَصْلِ وَبِدُونِهِ، كَقَوْلِهِ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» ، فَإِنَّهُ نُسِخَ مَفْهُومُهُ بِقَوْلِهِ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» ، وَبَقِيَ أَصْلُهُ وَهُوَ وُجُوبُ الْغُسْلِ مِنْ الْإِنْزَالِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: دَلِيلُ الْخِطَابِ يَجُوزُ نَسْخُ مُوجِبِهِ، وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِمُوجِبِهِ، لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِهِ. اهـ.

стр. 2043

وَمَا ذَكَرَهُ فِي نَسْخِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَأَمَّا النَّسْخُ بِهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ ": يَجُوزُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النُّطْقِ عَلَى الْمَذْهَبِ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهُ كَالْقِيَاسِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. اهـ. وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَقْوَى الْمَفَاهِيمِ، وَهُوَ مَا قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ مَنْطُوقٌ كَالْحَصْرِ وَالشَّرْطِ، وَبَيْنَ مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ. وَأَمَّا نَسْخُ الْأَصْلِ بِدُونِهِ فَفِي جَوَازِهِ احْتِمَالَانِ لِلصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ: قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا بَطَلَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْقَيْدُ بَطَلَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا نَسْخُ الْأَصْلِ نَسْخُ الْمَفْهُومِ. وَلَيْسَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يُرْفَعَ الْعَدَمُ، وَيَحْصُلَ الْحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ، بَلْ الْمَعْنَى فِيهِ أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَدَمُ الَّذِي كَانَ شَرْعِيًّا، وَيَرْجِعَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلُ. وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " فِي بَابِ الْمَفْهُومِ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ اللَّفْظُ، وَيَبْقَى دَلِيلُ الْخِطَابِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلَّفْظِ، فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَفَرْعٌ عَنْهُ، فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْقُطَ الْأَصْلُ، وَيَكُونَ الْفَرْعُ بَاقِيًا. . [نَسْخُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَالنَّسْخُ بِهِ] وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، فَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ وَالنَّسْخُ بِهِ؟ أَمَّا كَوْنُهُ نَاسِخًا، فَجَزَمَ الْقَاضِي بِجَوَازِهِ، فِي " التَّقْرِيبِ " وَقَالَ: لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الْكِتَابِ، وَظَاهِرُهُ، وَجَوَازُهُ بِمَا اقْتَضَاهُ فَحْوَاهُ، وَلَحْنُهُ، وَمَفْهُومُهُ، وَمَا أَوْجَبَهُ الْعُمُومُ، وَدَلِيلُ الْخِطَابِ عِنْدَ مُثْبِتِهَا، لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ أَوْ.

стр. 2044

أَقْوَى مِنْهُ. انْتَهَى. وَكَذَا جَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، قَالَ: لِأَنَّهُ مِثْلُ النُّطْقِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. قَالَ: لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهُ قِيَاسًا، فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ نَسْخُ النَّصِّ بِهِ. وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ مَا يُنْسَخُ بِمَنْطُوقِهِ، وَهُوَ عَجِيبٌ. فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا، وَغَيْرِهِمْ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي "، وَالشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَسُلَيْمٌ، وَصَحَّحَا الْمَنْعَ. قَالَ سُلَيْمٌ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ قِيَاسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، فَلَا يَقَعُ النَّسْخُ بِهِ. وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ النَّصِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ. قَالَ: وَالثَّانِي، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ: الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ فِي فَرْعِهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ، صَارَ الْفَرْعُ كَالنَّصِّ، فَجَازَ بِهِ النَّسْخُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَصًّا فِي الْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ نَصًّا فِي السُّنَّةِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ السُّنَّةُ دُونَ الْقُرْآنِ. قَالَ: وَمِنْ هَاهُنَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٦٥] مَعَ قَوْلِهِ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] الْآيَةَ أَنَّ نَسْخَ مُصَابَرَةِ عِشْرِينَ مِئَتَيْنِ بِمُصَابَرَةِ عِشْرِينَ أَرْبَعِينَ عُلِمَ

стр. 2045

بِالْقِيَاسِ أَوْ بِاللَّفْظِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عُلِمَ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ الْعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا قِسْنَاهُ عَلَى حُكْمِ الْمِئَتَيْنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عُلِمَ بِاللَّفْظِ. اهـ. وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ أَوْ لَا: أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ أَوْ عَقْلِيَّةٌ الْتِزَامِيَّةٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَفْظِيَّةٌ جَازَ نَسْخُهَا، وَالنَّسْخُ بِهَا كَالْمَنْطُوقِ، وَإِنْ كَانَتْ عَقْلِيَّةً، كَانَتْ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَالْقِيَاسُ لَا يُنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا، فَتَارَةً يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ إلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ اللَّفْظِ، وَتَارَةً يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّفْظِ، فَإِنْ تَوَجَّهَ إلَى اللَّفْظِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، وَيَكُونُ نَسْخًا لِلْفَحْوَى عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي، وَإِنْ تَوَجَّهَ إلَى الْفَحْوَى فَقَطْ، وَحُكْمُ اللَّفْظِ بَاقٍ، فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالنَّصَّيْنِ، يَجُوزُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا مَعَ بَقَاءِ الْآخَرِ. وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ: بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ اللَّفْظِ، فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ لَفْظَيْنِ، فَجَازَ نَسْخُ أَحَدِهِمَا مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الْآخَرِ. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ، قَالَ: لِأَنَّهُمَا فِي الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ مِنْ الْمُشْتَبِهَاتِ، وَنَسْخُ بَعْضِ ذَلِكَ مَعَ بَقَاءِ بَعْضٍ سَائِغٌ. قَالَ: وَيُفَارِقُ الْقِيَاسُ حَيْثُ يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَصْلِ صِحَّةُ الْفَرْعِ، فَمَا دَامَ الْأَصْلُ بَاقِيًا وَجَبَتْ صِحَّتُهُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَصَحَّحَهُ سُلَيْمٌ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ نُطْقِهِ مُوجِبٌ لِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ، فَلَمْ يَجُزْ نَسْخُ الْفَحْوَى مَعَ بَقَاءِ مُوجِبِهِ كَمَا لَا يُنْسَخُ الْقِيَاسُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": فَأَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ.

стр. 2046

فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي " الْعُمَدِ ". وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ، وَمَنَعَ مِنْهُ فِي الدَّرْسِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ إلَّا وَقَدْ انْتَقَضَ الْغَرَضُ، لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ التَّأْفِيفُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْظَامِ لِلْأَبَوَيْنِ كَانَتْ إبَاحَةُ مَضَرَّتِهِمَا نَقْضًا لِلْغَرَضِ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمَنْطُوقِ لَا تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ، كَإِكْرَامِ الْوَالِدِ بِالنَّهْيِ عَنْ تَأْفِيفِهِ، فَيَمْتَنِعُ نَسْخُ الْفَحْوَى لَتَنَاقُضِ الْمَقْصُودِ. وَإِنْ احْتَمَلَتْ النَّقْضَ جَازَ، لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَالِ مِنْ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ: لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ لِغَضَبِهِ، فَفَحْوَاهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ. فَإِذَا نَسَخَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: أَعْطِهِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا جَازَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ عِلَّةِ حِرْمَانِهِ إلَى عِلَّةِ مُوَاسَاتِهِ. وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْجَوَازِ، فَفِي اسْتِتْبَاعِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا نَسْخَ الْآخَرِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ نَسْخَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الْآخَرِ، وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، لِتَلَازُمِهِمَا. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ أَحَدِهِمَا نَسْخُ الْآخَرِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الْفَحْوَى، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ التَّابِعِ بِدُونِ مَتْبُوعِهِ، وَنَسْخُ الْمَفْهُومِ لَا يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْأَصْلِ، وَجَعَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " الْمَذْهَبَ، وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ نَسْخَ الْمَنْصُوصِ لَا يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمَفْهُومِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ. قَالَ: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ إذَا نُسِخَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ انْتِسَاخُ الْمَفْهُومِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ التَّابِعِ مَعَ فَقْدِ الْأَصْلِ. وَوَجَّهَ غَيْرُهُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ مِنْ النَّصِّ، فَلَا يَكُونُ رَفْعُ الْأَصْلِ مُسْتَلْزِمًا لِرَفْعِهِ.

стр. 2047

قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ. وَلِهَذَا لَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، وَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ لَمْ يَكُنْ تَنَاقُضًا، وَهُوَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: نَسْخُ الْوُجُوبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ أَلْزَمُ. وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّ نَسْخَ قَوْلِهِ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ» لَا يَقْتَضِي نَسْخَ مَفْهُومِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَتْلِ عَبْدِ غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّا إنْ قُلْنَا: الْفَحْوَى ثَبَتَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، فَهِيَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ صَرِيحَةٌ، وَعَلَى الضَّرْبِ الْتِزَامِيَّةٌ فَهُمَا دَلَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ إحْدَاهُمَا رَفْعُ الْأُخْرَى، وَإِنْ قُلْنَا: ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ مُوجِبًا لِرَفْعِ حُكْمِ الْفَرْعِ، لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الْفَرْعِ دُونَ أَصْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ نَسْخًا، وَإِنَّ رَفْعَ حُكْمِ الْفَرْعِ لَا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ التَّابِعِ رَفْعُ الْمَتْبُوعِ. [زَوَالَ الْحُكْمِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا] فَرْعَانِ الْأَوَّلُ: زَعَمَ فِي " الْمَحْصُولِ " أَنَّ الْعَقْلَ يَكُونُ نَاسِخًا فِي حَقِّ مَنْ سَقَطَتْ رِجْلَاهُ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ سَاقِطٌ عَنْهُ. وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ زَوَالَ الْحُكْمِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا كَمَا سَبَقَ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": لَا خِلَافَ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ إلَى مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ مِنْ نَاحِيَةِ ضَرُورَتِهِ أَوْ دَلِيلِهِ نَعَمْ، حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحُكْمِ لِارْتِفَاعِ شَرْطِهِ أَوْ سَبَبِهِ يُسَمَّى نَسْخًا. الثَّانِي: وَقَعَ فِي الْمَحْصُولِ فِي مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ مَا يَقْتَضِي جَعْلَ الْمَوْتِ نَسْخًا، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ كُلُّ حُكْمٍ مَنْسُوخًا وَانْتَقَضَ

стр. 2048

حَدُّ النَّسْخِ. وَأَشْكَلَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ النَّسْخُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَكَمْ مَوْتٍ وَقَعَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ، وَلَوْ صَحَّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ نَسْخًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جُمْلَةِ الْحُكْمِ، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَيِّتٍ، وَيَصِحُّ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ غَيْرَ الشَّرْعِ، وَهَذَا كُلُّهُ تَشْوِيشٌ لِلْقَوَاعِدِ. [مَسْأَلَةٌ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ هَلْ تَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ النَّسْخِ] ِ؟ اعْلَمْ أَنَّ الزَّائِدَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ أَوْ لَا، الْأَوَّلُ الْمُسْتَقِلُّ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ كَزِيَادَةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَيْسَ بِنَسْخٍ، لِمَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ التَّنَافِي. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ كَزِيَادَةِ صَلَاةٍ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَلَيْسَ بِنَسْخٍ أَيْضًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهَا تَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] لِأَنَّهَا تَجْعَلُهَا غَيْرَ الْوُسْطَى. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَيَلْزَمُهُمْ زِيَادَةُ عِبَادَةٍ عَلَى الْعِبَادَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّهَا تَجْعَلُهَا غَيْرَ الْأَخِيرَةِ، وَتُغَيِّرُ عَدَّهَا وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَلَى الرَّكَعَاتِ، وَالتَّغْرِيبِ،

стр. 2049

وَصِفَةُ رَقَبَةِ الْكَفَّارَةِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا، وَكَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّ اشْتِرَاطَهَا يَكُونُ تَغْيِيرًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَذْكُورِ فِيهِ. فَاخْتَلَفُوا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَا تَكُونُ نَسْخًا مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَسَوَاءٌ اتَّصَلَتْ بِالْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَمْ لَا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ مَانِعَةً مِنْ إجْرَاءِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ مَانِعَةٍ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ، وَإِلْكِيَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ: إنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هِيَ تَخْصِيصُ عُمُومٍ، يَعْنِي حَتَّى يَجُوزَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي السَّبَبِ أَوْ الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالُوا: إنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ تُوجِبُ النَّسْخَ، حَكَاهُ الصَّيْمَرِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَاخْتَارَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ، وَإِلْكِيَا: عُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» : مَنْسُوخٌ فِي وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ تَضَمَّنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَصُّهُ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا غُسْلَ فِيمَا سِوَاهُ،

стр. 2050

وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَإِنَّمَا صَارَ مَنْسُوخًا بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَصْلِ، وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» إنَّمَا دَلَّ مِنْ حَيْثُ دَلِيلُ الْخِطَابِ، فَهُوَ نَسْخٌ لِلْمَفْهُومِ لَا نَسْخٌ لِلنَّصِّ مِنْ حَيْثُ الزِّيَادَةُ. انْتَهَى. وَلَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْآتِي الْقَائِلُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَا نَفَاهُ الْمَفْهُومُ، وَمَا لَمْ يَنْفِهِ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ يَجْعَلُ مَا نَفَاهُ الْمَفْهُومُ نَسْخًا لِلنَّصِّ، وَأَصْحَابُنَا لَا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلنَّصِّ أَلْبَتَّةَ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَسْخٌ لِلْمَفْهُومِ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ نَسْخَ النَّصِّ. وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُجْعَلُ نَسْخًا لِلنَّصِّ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَّا بِذَلِكَ فِي نَسْخِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ إلَّا هَذَا الْوَجْهَ الضَّعِيفَ. وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ يَنْفِي الزِّيَادَةَ بِفَحْوَاهُ، فَإِنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ، كَقَوْلِهِ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ دَلِيلُهُ نَفْيَ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، فَإِنْ زِيدَتْ الزَّكَاةُ فِي الْمَعْلُوفَةِ كَانَ نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ ذِكْرُهَا لَا يَنْفِي تِلْكَ الزِّيَادَةَ فَوُجُودُهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرُهُمَا. وَالرَّابِعُ: إنْ غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ تَغْيِيرًا شَرْعِيًّا حَتَّى صَارَ لَوْ فُعِلَ بَعْدَ الزِّيَادَةِ عَلَى حَدِّ مَا كَانَ يُفْعَلُ مِثْلَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا، كَزِيَادَةٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ لَوْ فُعِلَ عَلَى حَدِّ مَا يَكُونُ يُفْعَلُ قَبْلَ الزِّيَادَةِ يَصِحُّ فِعْلُهُ، لَمْ يَكُنْ نَسْخًا كَزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ. حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " " وَالْقَوَاطِعِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ والإستراباذيِّ وَالْبَصْرِيِّ.

стр. 2051

قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رَأَيْته فِي " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِأُمُورٍ، ثُمَّ شَرَطَ الْقَاضِي لِكَوْنِهَا نَسْخًا إذَا غَيَّرَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلَمَ وُرُودُهَا بَعْدَ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْغَرَضِ عَارِيًّا مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ فَهُوَ نَسْخٌ، كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ رَابِعَةٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ انْفَصَلَتْ لَمْ يَكُنْ، كَضَمِّ التَّغْرِيبِ إلَى الْجَلْدِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ. وَالْخَامِسُ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُغَيِّرَةً حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَتْ نَسْخًا. وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ حُكْمَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ كَانَتْ مُقَارِنَةً لَهُ لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، فَزِيَادَةُ التَّغْرِيبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْجَلْدِ نَسْخٌ، وَكَذَا لَوْ زِيدَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ عِشْرُونَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي لَا تَسْقُطُ مِنْ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَكَوُجُوبِ سَتْرِ الْفَخِذِ، ثُمَّ يَجِبُ سَتْرُ بَعْضِ الرُّكْبَةِ، فَلَا يَكُونُ وُجُوبُ سَتْرِ بَعْضِهَا نَسْخًا، حَكَاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ ": وَبِهِ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ. وَالسَّادِسُ: أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ رَفَعَتْ حُكْمًا عَقْلِيًّا، أَوْ مَا ثَبَتَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَمْ تَكُنْ نَسْخًا، لِأَنَّا لَا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ الْأَحْكَامَ، وَمَنْ يَعْتَقِدُ إيجَابَهُ لَا يَعْتَقِدُ رَفْعَهَا نَسْخًا، وَإِنْ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ تَكُونُ نَسْخًا، كَقَوْلِهِ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَفَحْوَاهُ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، فَلَوْ وَرَدَ خَبَرٌ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ كَانَ نَاسِخًا لِهَذِهِ الْفَحْوَى، لِأَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.

стр. 2052

حَكَى هَذَا التَّفْصِيلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَنَقَلَاهُ عَنْ اخْتِيَارِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، يَعْنِي فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ ". وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ أَجْوَدُ الطُّرُقِ وَأَحْسَنُهَا. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: لَا يَتَّجِهُ عَلَى قَوْلِنَا إنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ، وَحِينَئِذٍ لَا يَتَّجِهُ لِلْآمِدِيِّ، وَالرَّازِيِّ الْقَوْلُ بِهِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " عَنْ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ شَرْطًا فِي الْمَزِيدِ عَلَيْهِ كَانَتْ نَسْخًا، وَإِلَّا فَلَا. وَاَلَّذِي فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " خِلَافُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَرَّرَ مَا سَبَقَ. نَعَمْ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ زِيَادَةُ شَرْطٍ لِلْعِبَادَةِ لَا تَصِحُّ إلَّا بِهَا نَسْخًا لَهَا، لِأَنَّهَا إنْ فُعِلَتْ مَعَ عَدَمِهِ لَمْ تَكُنْ عِبَادَةً، فَإِذَا فُعِلَتْ مَعَ عَدَمِهَا لَمْ تَكُنْ صَلَاةً. قَالَ: وَأَمَّا زِيَادَةُ التَّرْتِيبِ وَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ مِنْ بَابِ النُّقْصَانِ فِي حُكْمِ النَّصِّ لَا الزِّيَادَةِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ الْإِجْزَاءُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ، فَإِذَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِإِيجَابِ النِّيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ، جَعَلَتْ بَعْضَ مَا كَانَ مُجْزِئًا غَيْرَ مُجْزِئٍ، فَصَارَ بِمَثَابَةِ تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْكَفَّارَةِ بِالْأَيْمَانِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ إطْلَاقِهَا وَإِجْزَاءِ جَمِيعِ الرَّقَبَاتِ مُؤْمِنَةً وَكَافِرَةً. فَإِنْ قُلْت: لَهَا حُكْمٌ وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا. قِيلَ: إذَا أُورِدَ بِالنَّصِّ كَانَ تَخْصِيصَ عُمُومٍ، وَإِلَّا فَهُوَ نَسْخٌ. انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ لَا حَاصِلَ لَهَا، وَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ عِنْدَ الْكُلِّ أَنَّ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَانَ نَسْخًا، لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامِ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ، وَمَا لَا فَلَيْسَ

стр. 2053

بِنَسْخٍ. فَالْقَائِلُ: أَنَا أَفْصِلُ بَيْنَ مَا رَفَعَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَمَا لَمْ يَرْفَعْ، كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ نَسْخًا فَهِيَ نَسْخٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا لَا حَاصِلَ لَهُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ بَيْنَهُمْ، هَلْ يَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَكُونُ نَسْخًا، أَوْ لَا، فَلَا يَكُونُ؟ فَلَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تَرْفَعُ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تَنْسَخُ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرْفَعُ، لَوَقَعَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَسْخٍ، وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي أَنَّهَا: هَلْ هِيَ رَفْعٌ أَوْ لَا؟ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِيمَا لَوْ لَطَّخَ ثَوْبَ الْعَبْدِ بِالْمِدَادِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَجْهَانِ، مَنْشَؤُهُمَا أَنَّ مِثْلَ هَذَا هَلْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَغْرِيرًا؟ وَالْأَصَحُّ: لَا، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْبَسُ ثَوْبَ غَيْرِهِ عَارِيَّةً، فَلَوْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ، لَوَقَعَ عَلَى إثْبَاتِ الْخِيَارِ، أَوْ عَلَى عَدَمِهِ لَوَقَعَ عَلَى عَدَمِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَجْعَلُوا مَذَاهِبَهُمْ مُغَايِرَةً لِلْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ، بَلْ عَرَضُوا الْأَمْرَ عَلَى حَقِيقَةِ النَّسْخِ لِيُعْتَبَرَ بِهِ، وَذَكَرَ السَّمَّانِيُّ فِي " الْكِفَايَةِ " أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي أَنَّ الْأَمْرَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَدُلُّ كَانَتْ نَسْخًا، وَإِلَّا فَلَا. وَاعْلَمْ أَنَّ فَائِدَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَكَانَ مَقْطُوعًا بِهِ، فَلَا يُنْسَخُ إلَّا بِقَاطِعٍ كَالتَّغْرِيبِ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ نَسْخًا نَفَاهُ، لِأَنَّهُ نَسْخٌ لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ نَسْخًا قَبِلُوهُ إذْ لَا مُعَارَضَةَ. وَقَدْ رَدُّوا بِذَلِكَ أَخْبَارًا صَحِيحَةً لَمَّا اقْتَضَتْ زِيَادَةً عَلَى الْقُرْآنِ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْآحَادِ. فَرَدُّوا أَحَادِيثَ تَعْيِينِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَأَيْمَانِ الرَّقَبَةِ، وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ. وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا حَدِيثَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ نَاسِخًا لِآيَةِ الْوُضُوءِ، وَالْحَدِيثَ الْوَارِدَ بِالتَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، وَقَدْ رَجَعَ فِيهِ إلَى الْحَدِيثِ، وَخَالَفَ عَادَتَهُ فِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، وَحَدِيثِ الْقُرْعَةِ

стр. 2054

بَيْنَ الْعَبِيدِ لَمَّا خَالَفَ الْأُصُولَ وَالْقِيَاسَ. فَتَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبِهِ طَرْحُ حَدِيثٍ لَمْ يُخَالِفْهُ قِيَاسٌ، وَاسْتِعْمَالُ حَدِيثٍ جَاءَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ. وَإِنَّمَا قَصَرْنَا حَدِيثَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِالْأَمْوَالِ دُونَ غَيْرِهَا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ مَعَنَا قَائِلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْكُهُ أَصْلًا كَالْحَنَفِيَّةِ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ بِهِ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ. وَإِذَا قَالَتْ الْأُمَّةُ فِي مَسْأَلَةٍ بِقَوْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ إحْدَاثُ ثَالِثٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْحَاجَةِ، لِأَنَّهُ سَهْمٌ مِنْ الْخُمُسِ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِالْحَاجَةِ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ السِّهَامِ. فَقُلْت لَهُ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْقِيَاسُ، لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِي النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالْقِيَاسِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ جَوَابٌ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: وَمَنْ زَادَ الْخَلْوَةَ عَلَى الْآيَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ، وَتَكْمِيلِ الْمَهْرِ بِخَبَرِ عُمَرَ مَعَ مُخَالَفَةِ غَيْرِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ، كَانَ حَاكِمًا فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِرَأْيِهِ. وَنَقَضَ عَلَيْهِمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ أَيْضًا، فَإِنَّ زِيَادَةَ التَّغْرِيبِ إنْ كَانَتْ نَسْخًا لَزِمَكُمْ أَنْ يَكُونَ إدْخَالُ نَبِيذِ التَّمْرِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ نَسْخًا لِآيَتَيْ الْوُضُوءِ

стр. 2055

وَالتَّيَمُّمِ، فَهُوَ مُسَاوٍ لِزِيَادَةِ التَّغْرِيبِ وَإِنْظَارِهِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ انْفَصَلُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ: «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ» قِيلَ لَهُمْ: فَيَكُونُ حِينَئِذٍ رَافِعًا لِإِطْلَاقِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْمِيَاهِ، وَتَقْيِيدُ مَدْلُولِ النَّصِّ الْمُطْلَقِ نَسْخٌ لِلنَّصِّ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ: فَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جَوَازُ الزِّيَادَةِ بِالْقِيَاسِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ بَعْدَمَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ. وَفَصَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ "، فَقَالَ: الْمَزِيدُ عَلَيْهِ إنْ ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَازَ إثْبَاتُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ مِمَّا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الزِّيَادَةِ بِهِ. قَالَ: وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَقِدُ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُقْبَلُ إذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَعْتَبِرُ لِلْعَمَلِ بِهِ شَرَائِطَ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ أَطْلَقَ النَّصَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ إذَا سَمَّيْنَا الظَّوَاهِرَ نُصُوصًا، فَإِنْ قُلْنَا: الظَّاهِرُ لَا يُسَمَّى نَصًّا، فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مُسْتَدْرَكَةٌ، لِأَنَّ تَغْيِيرَ النُّصُوصِ الَّتِي لَا احْتِمَالَ فِيهَا نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ. فُرُوعٌ الْأَوَّلُ: لَوْ أَوْجَبَ الشَّارِعُ الزَّكَاةَ فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَهَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِهَا فِي السَّائِمَةِ؟ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ نَفْيُ إيجَابِهَا فِي الْمَعْلُوفَةِ، فَلَوْ وَجَبَتْ فِيهَا لَكَانَتْ زِيَادَةً نَفَاهَا الْمَفْهُومُ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ لَا يَكُونُ نَسْخًا، لِأَنَّهُ

стр. 2056

لَمْ يَرْفَعْ شَيْئًا مِنْ مَدْلُولِهِ، وَإِنَّمَا رَفَعَ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ. وَمَنْ قَالَ بِهِ كَانَ نَسْخًا لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مُرَادٌ مِنْ الْكِتَابِ. الثَّانِي: لَوْ زِيدَتْ رَكْعَةٌ فِي الصُّبْحِ بِحَيْثُ صَارَتْ ثَلَاثًا، قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: لَيْسَ بِنَسْخٍ لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الصُّبْحِ، لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَلَا بِإِجْزَائِهَا، لِأَنَّهُمَا يَجْزِيَانِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: نَسْخُ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَالتَّحْرِيمُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَقَدْ ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هَذَا لَيْسَ بِحَقٍّ. لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالرَّكْعَتَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلنَّهْيِ عَنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُمْكِنُ اسْتِفَادَتُهُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ. فَزِيَادَةُ الرَّكْعَةِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ. انْتَهَى. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ، فَإِنَّ كَلَامَنَا فِي أَنَّ الزِّيَادَةَ هَلْ هِيَ نَسْخٌ لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ، لَا فِي كَوْنِهَا نَسْخًا لِأَمْرٍ آخَرَ. وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": إنَّهُ نَسْخٌ، كَوُجُوبِ التَّشَهُّدِ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَوَافَقَهُ الْآمِدِيُّ لِلرَّدِّ بِهِ عَلَى أَبِي الْحُسَيْنِ، وَنَازَعَهُ الْهِنْدِيُّ. الثَّالِثُ: زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ عَلَى الْجَلْدِ لَا يُزِيلُ نَفْيَ وُجُوبِ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ، وَهَذَا النَّفْيُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالشَّرْعِ، لِأَنَّ إيجَابَ الْمِائَةِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إيجَابِهَا مَعَ نَفْيِ الزَّائِدِ وَثُبُوتِهِ، وَمَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ لَا إشْعَارَ لَهُ بِمَا بِهِ الِامْتِيَازُ، لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ، وَرَفْعُ الثَّابِتِ بِالْعَقْلِ لَيْسَ بِنَسْخٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: هُوَ نَسْخٌ، فَقَالَ: زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِهِ، إذْ كَانَ يَحْرُمُ التَّغْرِيبُ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ كَلَامَنَا، إلَّا فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ نَسْخٌ لِلْمَزِيدِ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْجَلْدُ لَا غَيْرُهُ.

стр. 2057

الرَّابِعُ: إذَا أَوْجَبَ اللَّهُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَيْنًا، ثُمَّ خَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، أَوْ أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، ثُمَّ زَادَ ثَالِثًا وَهُوَ الْعِتْقُ، فَهَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ؟ قَالَ الْإِمَامُ، وَالْآمِدِيَّ: لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْكُلِّ وَاجِبًا عَلَى التَّعْيِينِ وُجُوبُهُ، وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَوُجُوبُهُ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ عَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَإِنَّمَا يُنْتَقَضُ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ، فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ نَسْخٌ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّعْيِينَ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ، وَقَدْ رُفِعَ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وَهُوَ الصَّوَابُ. الْخَامِسُ: إذَا زِيدَ فِي الطَّهَارَةِ اشْتِرَاطُ غَسْلِ عُضْوٍ زَائِدٍ عَلَى الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ، فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِهَا، إذْ هِيَ وَاجِبَةٌ مَعَ وُجُوبِ غَسْلِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ، وَلَا لِإِجْزَائِهَا. السَّادِسُ: قَبِلَ أَصْحَابُنَا خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَرَدَّهُ الْحَنَفِيَّةُ، لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَالُوا: فَإِنَّ الْأَمْرَ كَانَ دَائِرًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَزِيدَ ثَالِثٌ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَةِ فِي الِاسْتِشْهَادِ، وَالْحَدِيثَ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ حَسَنٌ. لَا يُقَالُ: مَفْهُومُ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ، وَيَمْنَعُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَمْتَنِعُ اسْتِشْهَادُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِذَلِكَ، إذْ يَمْتَنِعُ الْإِرْشَادُ فِي الِاسْتِشْهَادِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهِ.

стр. 2058

السَّابِعُ: تَقْيِيدُ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْأَيْمَانِ. [مَسْأَلَةٌ النُّقْصَانُ مِنْ الْعِبَادَةِ هَلْ هُوَ نَسْخٌ لَهَا] لَا خِلَافَ أَنَّ النُّقْصَانَ مِنْ الْعِبَادَةِ نَسْخٌ لِمَا أُسْقِطَ مِنْهَا، لِأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا فِي جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ، ثُمَّ أُزِيلَ وُجُوبُهُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَسْخِ الْبَاقِي فَيَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَيْهِ كَسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهَا، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِلْعِبَادَةِ، نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ، وَالرَّازِيَّ. لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ فِي كَلَامِهِ مَا يُشْعِرُ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ ". وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا مِنْ شَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ، أَصَحِّهَا أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ لِلْعِبَادَةِ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ، وَالْآمِدِيَّ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الْكَرْخِيِّ. وَقِيلَ: نَسْخٌ لَهَا. وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَفَصَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بَيْنَ الشَّرْطِ الْمُنْفَصِلِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لَهَا، فَنَسْخُ الْوُضُوءِ لَا يَنْسَخُ الصَّلَاةَ، وَبَيْنَ الْجُزْءِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ نَسْخًا لَهَا، وَوَافَقَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْجُزْءِ، وَتَرَدَّدَ فِي الشَّرْطِ، وَصَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ الْجُزْءِ. أَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ، وَقِيلَ بِهِ مُطْلَقًا لِزَوَالِ إجْزَائِهَا

стр. 2059

بِدُونِهِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ مِمَّا لَا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قَبْلَ النَّسْخِ إلَّا بِهِ فَيُنْسَخُ، سَوَاءٌ الْجَزَاءُ وَالشَّرْطُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قَبْلَ النَّسْخِ مَعَ عَدَمِهِ كَالْوُقُوفِ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَسَتْرِ الرَّأْسِ، فَلَيْسَ بِنَسْخٍ حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ ". وَقَالَ إلْكِيَا: الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ هُنَا نَحْوُ مَا سَبَقَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ الْخِلَافَ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ نَحْوِ الِاسْتِقْبَالِ، فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ كَالْوُضُوءِ، قَالَ: فَإِيرَادُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِلَافِ فِي الْكُلِّ. قُلْت: وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ صَاحِبُ " الْمُسَوَّدَةِ "، فَقَالَ: الْخِلَافُ فِي الْمُتَّصِلِ كَالتَّوَجُّهِ، فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ كَالْوُضُوءِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لَهَا إجْمَاعًا، لَكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ طَرَدَ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ، فَقَالَ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لَوْ قَدَّرْنَا نَسْخَ الْوُضُوءِ أَوْ نَسْخَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَفِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ يَكُونُ الْكَلَامُ ظَاهِرًا فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلصَّلَاةِ. قَالَ: فَأَمَّا فِي إسْقَاطِ الْجُزْءِ كَالرُّكُوعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إذَا زِيدَتْ رَكْعَةٌ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجِيءُ هُنَا مَذْهَبُ عَبْدِ الْجَبَّارِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ [يَكُونَ النَّسْخُ] لِغَيْرِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ أَوْ لَا. [دَعْوَى ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ النَّسْخَ يَرِدُ عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْعِبَادَةِ] تَنْبِيهٌ [دَعْوَى ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ النَّسْخَ يَرِدُ عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْعِبَادَةِ] نَازَعَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي " نُكَتِ الْمُسْتَصْفَى " [فِي] تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ بِنَسْخِ بَعْضِ الْعِبَادَةِ، وَقَالَ إنَّمَا نَشَأَ هَذَا مِنْ ظَنِّهِمْ كَوْنَ الْعِبَادَةِ تُنْسَخُ، وَهُوَ فَاسِدٌ

стр. 2060

لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ لَا عَلَى الْعِبَادَةِ، كَالْخِطَابِ الْوَارِدِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ تُجْزِئُ، ثُمَّ يَرِدُ خِطَابٌ آخَرُ بِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، بَلْ يُجْزِئُ بَدَلًا مِنْهَا رَكْعَتَانِ، فَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَهِيَ الْمَحِلُّ الْقَابِلُ. قَالَ: فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: إذَا رَفَعَ الْخِطَابُ الْإِجْزَاءَ عَنْ عِبَادَةِ لَهَا أَجْزَاءٌ، وَلَا يُوجِبُهُ لِبَعْضِهَا، مِنْ حَيْثُ هُوَ بَعْضٌ لَهَا، بَلْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ لِمَا هُوَ مُسَاوٍ لِبَعْضِهَا، فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَرْفَعْ حُكْمَهَا رَأْسًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ النَّسْخَ وَارِدٌ عَلَى الْحُكْمِ، لَا عَلَى الْعِبَادَةِ، فَيَنْدَفِعُ هَذَا الْخَيَالُ.

стр. 2061

[فَصْلٌ فِي دَلَائِلِ النَّسْخِ] ِ إذَا وَرَدَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُمَا اُسْتُدِلَّ عَلَى نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: اقْتِضَاءُ اللَّفْظِ لَهُ، بِأَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْمُتَقَدِّمُ مَنْسُوخًا، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْمُرَادُ بِالتَّقَدُّمِ التَّقَدُّمُ فِي التَّنْزِيلِ، لَا التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ سَابِقَةٌ فِي التِّلَاوَةِ عَلَى الْعِدَّةِ بِالْحَوْلِ، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لَهَا، وَاقْتِضَاءُ اللَّفْظِ إمَّا بِالتَّصْرِيحِ كَقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَسْخَهُ لِثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَسْخَ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] الْآيَةَ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَسْخَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمُنَاجَاةِ، وَإِمَّا بِأَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَّنْبِيهَ عَلَى النَّسْخِ، كَمَا نَسَخَ الْإِمْسَاكَ فِي الْبُيُوتِ حَدَّ الزِّنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٥] فَنَبَّهَ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِدَامَةِ فِي الْإِمْسَاكِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» ، وَإِمَّا بِالِاسْتِدْلَالِ بِأَنْ تَكُونَ إحْدَى الْآيَتَيْنِ مَكِّيَّةً، وَالْأُخْرَى مَدَنِيَّةً فَعُلِمَ أَنَّ الْمُنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ نَاسِخٌ لِلْمُنْزَلِ بِمَكَّةَ. قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ. الثَّانِي: بِقَوْلِهِ ﵇: هَذَا نَاسِخٌ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» . الثَّالِثُ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ كَرَجْمِ مَاعِزٍ، وَلَمْ يَجْلِدْهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمُهُ بِالْحِجَارَةِ» مَنْسُوخٌ، ذَكَرَهُ

стр. 2062

ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قَالُوا: إنَّ الْفِعْلَ لَا يَنْسَخُ الْقَوْلَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِالْفِعْلِ عَلَى تَقَدُّمِ النَّسْخِ بِالْقَوْلِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ مَنْسُوخًا بِمِثْلِهِ مِنْ الْقَوْلِ، لَكِنَّ فِعْلَهُ بَيَّنَ ذَلِكَ الْقَوْلَ. الرَّابِعُ: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، كَنَسْخِ رَمَضَانَ صَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَنَسْخِ الزَّكَاةِ سَائِرَ الْحُقُوقِ فِي الْمَالِ، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَيْضًا، وَكَذَا حَدِيثُ: «مَنْ غَلَّ صَدَقَتَهُ، فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» وَاتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى تَرْكِ اسْتِعْمَالِهِمْ هَذَا، فَدَلَّ عُدُولُهُمْ عَنْهُ عَلَى نَسْخِهِ. انْتَهَى. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، فَقَالَ: وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ إلَّا بِخَبَرٍ - عَنْ الرَّسُولِ - آخَرَ مُؤَقَّتٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، أَوْ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَ الْحَدِيثَ أَوْ الْعَامَّةِ. انْتَهَى. وَجَرَى عَلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِي " النَّاسِخِ " مِنْ كِتَابِهِ، وَالشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي "، وَقَالَ: يَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُبَيِّنًا لَا نَاسِخًا. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي: يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَعَهُ خَبَرًا بِهِ وَقَعَ النَّسْخُ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْسَخُ. وَلَمْ يَجْعَلْ الصَّيْرَفِيُّ

стр. 2063

الْإِجْمَاعَ دَلِيلًا عَلَى تَعْيِينِ النَّصِّ لِلنَّسْخِ، بَلْ جَعَلَهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ النَّسْخِ وَالْغَلَطِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: فَإِنْ أُجْمِعَ عَلَى إبْطَالِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ غَلَطٌ، وَالْأَمْرُ ثَابِتٌ. انْتَهَى. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَوْ غَلَطٌ، أَيْ مِنْ جِهَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: إذَا رُوِيَ حَدِيثٌ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مَنْسُوخٌ أَوْ غَلَطٌ مِنْ الرَّاوِي. هَذَا لَفْظُهُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بَعْدَ الرَّسُولِ، وَبَعْدَهُ يَرْتَفِعُ النَّسْخُ، وَإِنَّمَا النَّسْخُ يُرْفَعُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ. الْخَامِسُ: نَقْلُ الرَّاوِي الصَّحَابِيِّ تَقَدُّمَ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَتَأَخُّرَ الْآخَرِ، إذْ لَا مَدْخَلَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، كَمَا لَوْ رُوِيَ أَنَّ أَحَدَهُمَا شُرِعَ بِمَكَّةَ، وَالْآخَرَ بِالْمَدِينَةِ، أَوْ أَحَدَهُمَا عَامَ بَدْرٍ وَالْآخَرَ عَامَ الْفَتْحِ، فَإِنْ وُجِدَ مِثَالُ هَذَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، كَقَوْلِ جَابِرٍ: «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» ، وَكَقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَانَ «الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ كَانَ الْخَبَرَانِ غَيْرَ مُتَوَاتِرَيْنِ، أَمَّا إذَا قَالَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ: إنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْآخَرِ، فَفِي قَوْلِهِ خِلَافٌ، وَجَزَمَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: يُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ الْمَظْنُونُ فِي نَسْخِ الْعُلُومِ، إذْ الشَّيْءُ يُقْبَلُ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ وَالتَّبَعِ، وَلَا يُقْبَلُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ بِالْوِلَادَةِ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ ثُبُوتَ النَّسَبِ وَإِنْ كُنَّ لَوْ شَهِدْنَ بِالنَّسَبِ ابْتِدَاءً لَمْ يُقْبَلْ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هَذَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ فِي قَبُولِهِ لَا فِي وُقُوعِهِ، مَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ ثُبُوتُ الْآخَرِ، وَالْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ لَا نِزَاعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": لَا فَرْقَ فِي ثُبُوتِ النَّسْخِ

стр. 2064

بِالْمُتَأَخِّرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ [الرَّاوِي] لِلْحَدِيثَيْنِ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُهُمَا الِاثْنَانِ فِي وَقْتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَشَرَطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ كَوْنَ الرَّاوِي لَهُمَا وَاحِدًا، قَالَ: فَإِنْ كَانَ رَاوِي الْمُتَقَدِّمِ غَيْرَ رَاوِي الْمُتَأَخِّرِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ خَبَرَ وَاحِدٍ كَانَ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرِ، لَمْ يَصِرْ مَنْسُوخًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُتَأَخِّرِ، وَإِنْ كَانَا مُتَوَاتِرَيْنِ أَوْ آحَادًا، فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ. هَذَا كُلُّهُ إنْ أَخْبَرَ أَنَّ هَذَا مُتَأَخِّرٌ، فَإِنْ قَالَ: هَذَا نَاسِخٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرَ دَلِيلَهُ فَوَاضِحٌ. قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسْخُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَوْ ذَكَرَ دَلِيلَهُ، لَكِنْ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ اقْتَضَى النَّسْخَ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ أَرْسَلَهُ إرْسَالًا، فَفِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي النَّسْخِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ. قُلْت: وَاَلَّذِي فِي " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَهُ، فَقَالَ: هَذَا نَسْخٌ لِهَذَا، لَمْ يُرْجَعْ إلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَالَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بَلْ قَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ قَبْلُ. وَحَكَى الدَّبُوسِيُّ فِي " التَّقْوِيمِ " هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي النَّسْخِ مَا لَمْ يَذْكُرْ دَلِيلَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ بِنَسْخٍ نَسْخًا، وَلِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُخْتَلِفُونَ فِي أَسْبَابِ النَّسْخِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ، وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ، وَكَاعْتِقَادِ آخَرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ: «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ» مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ مَنْ

стр. 2065

قَالَ: إنَّ مَسْحَ الْخُفِّ نَسْخٌ بِالْكِتَابِ. وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَعَلَّلَهُ بِمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي " اللُّمَعِ "، وَسُلَيْمٌ، وَصَرَّحَ ابْنُ بَرْهَانٍ بِأَنَّهُ الْمَذْهَبُ، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْأَوْسَطِ ": إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ هَذَا مَنْسُوخٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، لِأَنَّ مَذَاهِبَ النَّاسِ فِي النَّسْخِ مُخْتَلِفَةٌ، فَرُبَّ شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ نَاسِخًا، وَلَيْسَ بِنَاسِخِ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ إسْقَاطٌ لِلْحَدِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَجَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى، وَإِلْكِيَا فِي " التَّلْوِيحِ " وَعَلَّلَهُ بِمَا سَبَقَ، ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: إنْ كَذَا كَانَ حُكْمًا ثَابِتًا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّهُ نُسِخَ الْآنَ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بِهِ نُسِخَ، فَإِنَّ الْكَرْخِيّ كَانَ يُتَابِعُهُ، كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ ذُكِرَ لَهُ فِي التَّشَهُّدِ: التَّحِيَّاتُ الزَّاكِيَاتُ. قَالَ: كَانَ هَذَا ثُمَّ نُسِخَ. وَنَحْوُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّضَاعِ أَنَّهُمَا قَالَا: قَدْ كَانَ التَّوْقِيتُ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا. قَالَ: وَاَلَّذِي رَآهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُرْجَعُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ بِأَنَّهُ نَاسِخًا لِلْأَيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ نَاسِخًا لَهَا فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ إطْلَاقًا، وَلَا يَذْكُرُ مَا لِأَجْلِهِ النَّسْخُ، وَلَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ مِمَّا لَا يُنْسَخُ بِهِ. قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَمْرٍ لَا يَلْتَبِسُ، وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِ. قَالَ: وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّاوِي مَضْمُونَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ انْتَهَى. وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَصٌّ آخَرُ يُخَالِفُ

стр. 2066

مَا ادَّعَى نَسْخَهُ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ النَّصُّ النَّاسِخُ، وَيَكُونُ حَاصِلُ الصَّحَابِيِّ الْإِعْلَامُ بِالْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَقَوْلُهُ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَوْمَأَ إلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، لَمْ يَصِرْ إلَى قَوْلِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: هَذَا مَنْسُوخٌ، فَقِيلَ: يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَقِيلَ بِالْمَنْعِ. وَقِيلَ: إنْ أَطْلَقَ قُبِلَ. وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَاسِخٍ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي نَسَخَهُ، نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ النَّسْخَ حُكِمَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: وَلَسْت أَحْفَظُ فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا شَيْئًا، وَلَكِنْ عِنْدِي إنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ وَصِفَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُخَرَّجَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي صِفَةِ النَّسْخِ وَشُرُوطِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ النَّسْخَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَكَذَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَسْأَلَةِ قَوْلِ الرَّاوِي: أُمِرْنَا، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ، وَمِنْهُمْ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ ذَكَرَهُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي الرَّضَعَاتِ إنَّ الْعَشْرَ مِنْهَا نُسِخْنَ بِالْخَمْسِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لِأَجْلِ قَوْلِ عَائِشَةَ: «مَا مَاتَ الرَّسُولُ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّسَاءَ اللَّاتِي حُظِرْنَ عَلَيْهِ» . لَكِنْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْسَخُوا بِقَوْلِ عَائِشَةَ، بَلْ بِحُجَّتِهَا فِي النَّسْخِ، فَلِأَجَلْ الْآيَةِ وَالتَّأَوُّلِ لَهَا قَالُوا وَقَالَتْ ذَلِكَ.

стр. 2067

وَوَرَاءَ ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَسَخْتُ عَنْكُمْ كَذَا. قَالَ الْقَاضِي: وَيَجِبُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ الْمَنْسُوخُ مِنْ غَيْرِ الْآحَادِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ، لَمْ يَرْفَعْ مِثْلَ هَذَا، إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ. الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ إذَا صَرَّحَ بِالنَّسْخِ قِيَاسًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ قَوْلًا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ، فَلَا يَقْتَضِي نَسْخَ النَّصِّ سَوَاءٌ انْتَشَرَ أَمْ لَا. قَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا. قَالَ: وَمَنْ جَعَلَ قَوْلَهُ حُجَّةً إذَا انْتَشَرَ، وَلَمْ يُحْفَظْ لَهُ مُخَالِفٌ تُرِكَ بِهِ حُكْمُ النَّصِّ، وَتَبَيَّنَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ. الثَّالِثُ: إذَا كَانَ رَاوِي أَحَدِهِمَا مُتَقَدِّمَ الصُّحْبَةِ، وَالْآخَرُ مُتَأَخِّرًا، فَقَسَمَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ صُحْبَةِ الثَّانِي، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي رَوَاهُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلَّذِي رَوَاهُ الْأَوَّلُ كَرِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ صُحْبَةِ الْمُتَأَخِّرِ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ الْمُتَأَخِّرِ الصُّحْبَةِ نَاسِخَةً لِرِوَايَةِ الْمُتَقَدِّمِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ رَاوِيًا لِمَا تَأَخَّرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاوِيًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِثْبَاتُ النَّسْخِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مُمْتَنِعٌ، كَرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَاسِخَةً لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ خَارِجٍ. اهـ. وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ إلْكِيَا، وَصَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " وَمَثَّلَا بِهِ، وَجَزَمَا

стр. 2068

بِهِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ خَالَفَهُمْ. قَالَ فِي " الْمَصَادِرِ ": وَشَرَطَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَحِبَهُ آخِرًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا قَبْلَ صُحْبَتِهِ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَاهُ أَوَّلًا وَيَسْمَعَ مِنْهُ، وَهُوَ مُصَاحِبٌ لَهُ، ثُمَّ رَآهُ ثَانِيًا وَيَخْتَصُّ بِهِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَزَمَ بِعَدَمِ النَّسْخِ، وَكَذَا الْهِنْدِيُّ، قَالَ: وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِكَوْنِ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، أَوْ يَكُونُ إسْلَامُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ إسْلَامِ رَاوِي الْآخَرِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ بَرْهَانٍ أَنَّ رِوَايَةَ الْمُتَأَخِّرِ صُحْبَةً نَاسِخَةٌ لِرِوَايَةِ الْمُتَقَدِّمِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِأَحَدِهِمَا أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ، أَوْ بَعْدَ قِصَّتِهِ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلشَّيْخِ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَزَمَ سُلَيْمٌ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمُتَأَخِّرِ نَاسِخَةٌ. الْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ لِلْوَاقِعَتَيْنِ، كَحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» . قَالَ الشَّاشِيُّ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا صَحِبَهُ مُحْرِمًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ شَدَّادٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ. السَّادِسُ: كَوْنُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ شَرْعِيًّا، وَالْآخَرِ مُوَافِقًا لِلْعَادَةِ، فَيَكُونُ

стр. 2069

الشَّرْعِيُّ نَاسِخًا لِلْمُعْتَادِ، كَخَبَرِ مَسِّ الْفَرْجِ. ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ. لِأَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِتَقْرِيرِ الْوَصْفِ، ثُمَّ يَرِدُ نَسْخُهُ، وَرَدُّهُ إلَى مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمُوَافِقَ لِلْعَقْلِ لَمْ يَرِدْ بَعْدَ نَقْلِ حُكْمِهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ": دَلَائِلُ النَّسْخِ يُقَدَّمُ أَحَدُهَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ جُهِلَ عُدِلَ إلَى الثَّانِي وَهُوَ بَيَانُ الرَّسُولِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ عُمِلَ بِهِ، وَكَانَتْ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لَا نَاسِخَةً، فَإِنْ عُدِمَ عُدِلَ إلَى الثَّالِثِ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنْ فُقِدَ عُدِلَ إلَى الرَّابِعِ، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَعْمَلًا وَالْآخَرُ مَتْرُوكًا، كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَاسِخًا، وَالْمَتْرُوكُ مَنْسُوخًا، فَإِنْ فُقِدَ عُدِلَ إلَى الْخَامِسِ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِشَوَاهِدِ الْأُصُولِ وَالْأَدِلَّةِ وَكَانَ غَايَةُ الْعَمَلِ بِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّابِعِ يُنَازِعُهُ قَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ: إذَا وُجِدَ حُكْمَانِ مُتَمَاثِلَانِ، وَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّ السَّابِقَ مِنْهُمَا نُسِخَ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ كَصَوْمِ عَاشُورَاءَ مَعَ صَوْمِ رَمَضَانَ، جَاءَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فَرْضُ رَمَضَانَ نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَنَقُولُ: اتَّفَقَ نَسْخُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ فَرْضِ رَمَضَانَ، لَا أَنَّهُ نَسَخَهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لَهُ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ أَيْضًا. [مَسْأَلَةٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ النَّاسِخُ مِنْ الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ] ِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَالْوَجْهُ التَّوَقُّفُ إلَى التَّبَيُّنِ بِهِ، وَلَا يُتَخَيَّرُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ، وَإِنْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، فَالْوَاجِبُ إمَّا الْوُقُوفُ عَنْ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا أَوْ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 2070

وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ يَشْمَلُ مَا إذَا عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا وَذَلِكَ لَا يَقَعُ، وَمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْحَالُ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَأَخِّرٌ، وَلَكِنْ لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ، وَمَا إذَا عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ، ثُمَّ نُسِيَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْجُمُعَتَيْنِ، وَالنِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْأَمَانِ لِاثْنَيْنِ، وَمَوْتِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَقَارِبِ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ. فَأَمَّا إذَا عُلِمَ عَيْنُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ ثُمَّ نُسِيَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْوَقْفُ.
следующие страницы →