← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مَا ادَّعَى نَسْخَهُ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ النَّصُّ النَّاسِخُ، وَيَكُونُ حَاصِلُ الصَّحَابِيِّ الْإِعْلَامُ بِالْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ، وَقَوْلُهُ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَوْمَأَ إلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، لَمْ يَصِرْ إلَى قَوْلِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ النَّاسِخَ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: هَذَا مَنْسُوخٌ، فَقِيلَ: يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَقِيلَ بِالْمَنْعِ. وَقِيلَ: إنْ أَطْلَقَ قُبِلَ. وَإِنْ أَضَافَهُ إلَى نَاسِخٍ زَعَمَ أَنَّهُ الَّذِي نَسَخَهُ، نُظِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ النَّسْخَ حُكِمَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: وَلَسْت أَحْفَظُ فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا شَيْئًا، وَلَكِنْ عِنْدِي إنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ وَصِفَتِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُخَرَّجَ فِيهِ قَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي صِفَةِ النَّسْخِ وَشُرُوطِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ النَّسْخَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَكَذَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي مَسْأَلَةِ قَوْلِ الرَّاوِي: أُمِرْنَا، وَجَرَى عَلَيْهِ الْمُحَدِّثُونَ، وَمِنْهُمْ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ ذَكَرَهُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي الرَّضَعَاتِ إنَّ الْعَشْرَ مِنْهَا نُسِخْنَ بِالْخَمْسِ، وَاحْتَجُّوا عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] لِأَجْلِ قَوْلِ عَائِشَةَ: «مَا مَاتَ الرَّسُولُ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ النِّسَاءَ اللَّاتِي حُظِرْنَ عَلَيْهِ» . لَكِنْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْسَخُوا بِقَوْلِ عَائِشَةَ، بَلْ بِحُجَّتِهَا فِي النَّسْخِ، فَلِأَجَلْ الْآيَةِ وَالتَّأَوُّلِ لَهَا قَالُوا وَقَالَتْ ذَلِكَ.

стр. 2067

وَوَرَاءَ ذَلِكَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَسَخْتُ عَنْكُمْ كَذَا. قَالَ الْقَاضِي: وَيَجِبُ قَبُولُهُ إذَا كَانَ الْمَنْسُوخُ مِنْ غَيْرِ الْآحَادِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ، لَمْ يَرْفَعْ مِثْلَ هَذَا، إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ. الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ إذَا صَرَّحَ بِالنَّسْخِ قِيَاسًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ قَوْلًا يُخَالِفُ الْحَدِيثَ، فَلَا يَقْتَضِي نَسْخَ النَّصِّ سَوَاءٌ انْتَشَرَ أَمْ لَا. قَالَهُ الْقَاضِي أَيْضًا. قَالَ: وَمَنْ جَعَلَ قَوْلَهُ حُجَّةً إذَا انْتَشَرَ، وَلَمْ يُحْفَظْ لَهُ مُخَالِفٌ تُرِكَ بِهِ حُكْمُ النَّصِّ، وَتَبَيَّنَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ. الثَّالِثُ: إذَا كَانَ رَاوِي أَحَدِهِمَا مُتَقَدِّمَ الصُّحْبَةِ، وَالْآخَرُ مُتَأَخِّرًا، فَقَسَمَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ صُحْبَةِ الثَّانِي، فَيَكُونُ الْحُكْمُ الَّذِي رَوَاهُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلَّذِي رَوَاهُ الْأَوَّلُ كَرِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسِّ الذَّكَرِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَنْقَطِعَ صُحْبَةُ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ صُحْبَةِ الْمُتَأَخِّرِ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ الْمُتَأَخِّرِ الصُّحْبَةِ نَاسِخَةً لِرِوَايَةِ الْمُتَقَدِّمِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَقَدِّمُ رَاوِيًا لِمَا تَأَخَّرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَاوِيًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَإِثْبَاتُ النَّسْخِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مُمْتَنِعٌ، كَرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي التَّشَهُّدِ، فَلَا تَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ نَاسِخَةً لِرِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَكِنْ يَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مِنْ خَارِجٍ. اهـ. وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ إلْكِيَا، وَصَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " وَمَثَّلَا بِهِ، وَجَزَمَا

стр. 2068

بِهِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ خَالَفَهُمْ. قَالَ فِي " الْمَصَادِرِ ": وَشَرَطَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي صَحِبَهُ آخِرًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا قَبْلَ صُحْبَتِهِ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَاهُ أَوَّلًا وَيَسْمَعَ مِنْهُ، وَهُوَ مُصَاحِبٌ لَهُ، ثُمَّ رَآهُ ثَانِيًا وَيَخْتَصُّ بِهِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَزَمَ بِعَدَمِ النَّسْخِ، وَكَذَا الْهِنْدِيُّ، قَالَ: وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِكَوْنِ رَاوِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ، أَوْ يَكُونُ إسْلَامُهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ إسْلَامِ رَاوِي الْآخَرِ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ بَرْهَانٍ أَنَّ رِوَايَةَ الْمُتَأَخِّرِ صُحْبَةً نَاسِخَةٌ لِرِوَايَةِ الْمُتَقَدِّمِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِأَحَدِهِمَا أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ، أَوْ بَعْدَ قِصَّتِهِ، وَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلشَّيْخِ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَزَمَ سُلَيْمٌ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ بِأَنَّ رِوَايَةَ الْمُتَأَخِّرِ نَاسِخَةٌ. الْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ لِلْوَاقِعَتَيْنِ، كَحَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» . قَالَ الشَّاشِيُّ: هُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا صَحِبَهُ مُحْرِمًا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ شَدَّادٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْحِ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَمَانٍ. السَّادِسُ: كَوْنُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ شَرْعِيًّا، وَالْآخَرِ مُوَافِقًا لِلْعَادَةِ، فَيَكُونُ

стр. 2069

الشَّرْعِيُّ نَاسِخًا لِلْمُعْتَادِ، كَخَبَرِ مَسِّ الْفَرْجِ. ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ. لِأَنَّهُ يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِتَقْرِيرِ الْوَصْفِ، ثُمَّ يَرِدُ نَسْخُهُ، وَرَدُّهُ إلَى مَا كَانَ فِي الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمُوَافِقَ لِلْعَقْلِ لَمْ يَرِدْ بَعْدَ نَقْلِ حُكْمِهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ": دَلَائِلُ النَّسْخِ يُقَدَّمُ أَحَدُهَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ جُهِلَ عُدِلَ إلَى الثَّانِي وَهُوَ بَيَانُ الرَّسُولِ، فَإِنْ ثَبَتَ عَنْهُ عُمِلَ بِهِ، وَكَانَتْ السُّنَّةُ مُبَيِّنَةً لَا نَاسِخَةً، فَإِنْ عُدِمَ عُدِلَ إلَى الثَّالِثِ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنْ فُقِدَ عُدِلَ إلَى الرَّابِعِ، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْتَعْمَلًا وَالْآخَرُ مَتْرُوكًا، كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ نَاسِخًا، وَالْمَتْرُوكُ مَنْسُوخًا، فَإِنْ فُقِدَ عُدِلَ إلَى الْخَامِسِ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ بِشَوَاهِدِ الْأُصُولِ وَالْأَدِلَّةِ وَكَانَ غَايَةُ الْعَمَلِ بِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّابِعِ يُنَازِعُهُ قَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ: إذَا وُجِدَ حُكْمَانِ مُتَمَاثِلَانِ، وَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّ السَّابِقَ مِنْهُمَا نُسِخَ بِالْآخَرِ، وَذَلِكَ كَصَوْمِ عَاشُورَاءَ مَعَ صَوْمِ رَمَضَانَ، جَاءَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ فَرْضُ رَمَضَانَ نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَنَقُولُ: اتَّفَقَ نَسْخُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ فَرْضِ رَمَضَانَ، لَا أَنَّهُ نَسَخَهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ لَهُ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ أَيْضًا. [مَسْأَلَةٌ إذَا لَمْ يُعْلَمْ النَّاسِخُ مِنْ الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ] ِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَالْوَجْهُ التَّوَقُّفُ إلَى التَّبَيُّنِ بِهِ، وَلَا يُتَخَيَّرُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا مَعَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ، وَإِنْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ، وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، فَالْوَاجِبُ إمَّا الْوُقُوفُ عَنْ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا أَوْ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إنْ أَمْكَنَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 2070

وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ يَشْمَلُ مَا إذَا عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا وَذَلِكَ لَا يَقَعُ، وَمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْحَالُ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَأَخِّرٌ، وَلَكِنْ لَمْ تُعْرَفْ عَيْنُهُ، وَمَا إذَا عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ، ثُمَّ نُسِيَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْجُمُعَتَيْنِ، وَالنِّكَاحِ، وَعَقْدِ الْأَمَانِ لِاثْنَيْنِ، وَمَوْتِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَقَارِبِ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ. فَأَمَّا إذَا عُلِمَ عَيْنُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِ ثُمَّ نُسِيَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْوَقْفُ.

стр. 2071

[خَاتِمَةٌ أُمُورٌ لَا يَثْبُتُ بِهَا النَّسْخُ] ُ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالتَّرْتِيبِ فِي الْمُصْحَفِ وَقَدْ سَبَقَ، وَلَا بِكَوْنِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَخَفَّ مِنْ الْآخَرِ خِلَافًا لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ الشَّيْءُ إلَّا بِمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَدِلَّةِ النَّسْخِ، وَأَنَّ الْأَخَفَّ هُوَ النَّاسِخُ وَالْأَغْلَظَ هُوَ الْمَنْسُوخُ، حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَلَا بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا يُوَافِقُ الْحَظْرَ وَالْآخَرِ الْإِبَاحَةَ، خِلَافًا لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسِخَ مَا يَقْتَضِي الْحَظْرَ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ يُعَيِّنُ الْعَوْدَ إلَى الْإِبَاحَةِ ثَانِيًا، فَجُعِلَتْ الْآيَةُ الْمُبِيحَةُ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الْإِبَاحَةِ، وَالْآيَةُ الَّتِي فِيهَا الْحَظْرُ نَاقِلَةً عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْحَظْرِ حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ، فَإِنَّهُ يَجْعَلُ آيَةَ الْإِبَاحَةِ نَاسِخَةً، وَيَجْعَلُ الَّتِي فِيهَا الْحَظْرُ مُؤَكِّدَةً لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَظْرِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَتْ الْأَشْيَاءُ عِنْدَهُ عَلَى الْحَظْرِ وَلَا عَلَى الْإِبَاحَةِ، بَلْ هِيَ عَلَى مَا شَرَعَ اللَّهُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى النَّسْخِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2072

[مَبَاحِثُ السُّنَّةِ] [الْكِتَابُ الثَّانِي] مَبَاحِثُ السُّنَّةِ [تَعْرِيفُ السُّنَّةِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] . السُّنَّةُ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ، وَأَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْت الشَّيْءَ بِالْمِسَنِّ إذَا أَمْرَرْته عَلَيْهِ، حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهِ سُنَنًا أَيْ طَرَائِقَ. وَقَالَ إلْكِيَا: مَعْنَاهَا الدَّوَامُ. فَقَوْلُنَا: سُنَّةٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِإِدَامَتِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْت الْمَاءَ إذَا وَالَيْت فِي صَبِّهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَصْلُهَا الطَّرِيقَةُ الْمَحْمُودَةُ، فَإِذَا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهَا، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ مُقَيَّدَةً، كَقَوْلِهِمْ: مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، وَتُطْلَقُ عَلَى الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي عُرْفِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَأَطْلَقَهَا بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ هُنَا عَلَى الْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُبَاحِ، وَتُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ الْبِدْعَةِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ: وَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: سُنَّةُ

стр. 2073

أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: فَرْضُ اللَّهِ وَسُنَّتُهُ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ. وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ: ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُطْلَقَةَ عِنْدَ صَاحِبِنَا تَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ، وَأَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرَى اتِّبَاعَ الصَّحَابِيِّ إلَّا بِحُجَّةٍ، كَمَا لَا يُتَّبَعُ مَنْ بَعْدَهُ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ اسْتِعْمَالُ السَّلَفِ إطْلَاقَ السُّنَّةِ عَلَى طَرَائِقِ الْعُمَرَيْنِ وَالصَّحَابَةِ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فَتُطْلَقُ عَلَى مَا تَرَجَّحَ جَانِبُ وُجُودِهِ عَلَى جَانِبِ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا لَيْسَ مَعَهُ الْمَنْعُ مِنْ النَّقِيضِ، وَتُطْلَقُ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا: عَلَى مَا صَدَرَ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ وَالتَّقْرِيرِ، وَالْهَمِّ، وَهَذَا الْأَخِيرُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَلَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ. [مَسْأَلَةٌ السُّنَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ بِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ] ِ وَلِهَذَا لَمْ يُفْرِدْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ السُّنَّةَ عَنْ الْكِتَابِ. وَقَالَ: كُلُّ مَا يَقُولُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْنًى، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ مُنَزَّلَةٌ كَالْقُرْآنِ مُحْتَجًّا

стр. 2074

بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فَذَكَرَ السُّنَّةَ بِلَفْظِ التِّلَاوَةِ كَالْقُرْآنِ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ آتَاهُ مَعَ الْكِتَابِ غَيْرَ الْكِتَابِ، وَهُوَ مَا سَنَّهُ عَلَى لِسَانِهِ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : «أَلَا إنِّي قَدْ أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ: «دَخَلَ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمَّا حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ» . قَالَ الْحَافِظُ الدَّارِمِيُّ: يَقُولُ: «أُوتِيتُ الْقُرْآنَ، وَأُوتِيتُ مِثْلَهُ» مِنْ السُّنَنِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الْقُرْآنُ بِنَصِّهِ، وَمَا هِيَ إلَّا مُفَسِّرَةٌ لِإِرَادَةِ اللَّهِ بِهِ، كَتَحْرِيمِ لَحْمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَلَيْسَا بِمَنْصُوصَيْنِ فِي الْكِتَابِ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ فِي الْأَمْرِ بِعَرْضِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْقُرْآنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ": مَا رَوَاهُ أَحَدٌ ثَبَتَ حَدِيثُهُ فِي شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، وَقَدْ حَكَمَ إمَامُ الْحَدِيثِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ.

стр. 2075

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ ": قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: الزَّنَادِقَةُ وَالْخَوَارِجُ وَضَعُوا حَدِيثَ: «مَا أَتَاكُمْ عَنِيفًا عَرِّضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْته، وَإِنْ خَالَفَ فَلَمْ أَقُلْهُ» . قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ، وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْمٌ، وَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِضُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَوَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ: لَا يُقْبَلُ مِنْ الْحَدِيثِ إلَّا مَا وَافَقَ الْكِتَابَ، بَلْ وَجَدْنَا فِيهِ الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ، وَتَحْذِيرَ الْمُخَالَفَةِ عَنْ أَمْرِهِ حَكَمَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ يُقَالُ فِيهَا: آيٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " فِي بَابِ فَرْضِ طَاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ : قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وَكُلُّ فَرِيضَةٍ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لَوْلَا بَيَانُ الرَّسُولِ مَا كُنَّا نَعْرِفُ كَيْفَ نَأْتِيهَا، وَلَا كَانَ يُمْكِنُنَا أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ مِنْ الشَّرِيعَةِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ كَانَتْ طَاعَتُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ طَاعَةً لِلَّهِ. [مَسْأَلَةٌ السُّنَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ] ٍ] قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ": لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

стр. 2076

أَحَدُهَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ نَصِّ الْكِتَابِ. وَالثَّانِي: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَا أَرَادَ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا. وَالثَّالِثُ: مَا سَنَّ الرَّسُولُ ﷺ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ [لَهُ بِمَا] فَرَضَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ، أَنْ يَسُنَّ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ رِسَالَةُ اللَّهِ فَأَثْبَتَ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ كَمَا سَنَّ. انْتَهَى. وَبِالْقَوْلِ الثَّانِي جَزَمَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ بُرْجَانَ، وَبَنَى عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْمُسَمَّى " بِالْإِرْشَادِ "، وَبَيَّنَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا، وَقَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ فَفِي الْقُرْآنِ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ تَعْرِيضًا أَوْ تَصْرِيحًا، وَمَا قَالَ مُنْشِئٌ فَهُوَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِيهِ أَصْلُهُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، فَهِمَهُ مَنْ فَهِمَهُ، وَعَمِهَ عَنْهُ مَنْ عَمِهَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] أَلَا يُسْمَعَ إلَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ» . وَقَضَى بِالرَّجْمِ، وَلَيْسَ هُوَ نَصًّا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَكِنْ تَعْرِيضٌ مُجْمَلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]

стр. 2077

وَأَمَّا تَعْيِينُ الرَّجْمِ مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ الْعَذَابِ، وَتَفْسِيرُ هَذَا الْمُجْمَلِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ بِحُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ، وَبِأَمْرِهِ بِهِ، وَمَوْجُودٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وَهَكَذَا جَمِيعُ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ. وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الطَّالِبُ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِ وَبَذْلِ وُسْعِهِ، وَيَبْلُغُ مِنْهُ الرَّاغِبُ فِيهِ حَيْثُ بَلَّغَهُ رَبُّهُ ﵎؛ لِأَنَّهُ وَاهِبُ النِّعَمِ. قَالَ: وَقَدْ نَبَّهَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا الْمَطْلَبِ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ خِطَابِهِ. مِنْهَا قَوْلُهُ عَنْ الْجَنَّةِ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ» ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لَهَا، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لَهَا» ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥] ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٧] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل: ٨] ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ١٠] . وَمِنْهَا قَوْلُهُ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا» ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] فَأَعْلَمَ ﷺ بِمَوَاضِعِ حَدِيثِهِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى مِصْدَاقِ خِطَابِهِ مِنْ الْكِتَابِ؛ لِيَسْتَخْرِجَ عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ مَعَانِيَ حَدِيثِهِ مِنْهُ، طَلَبًا لِلْيَقِينِ وَحِرْصًا مِنْهُ ﵇ عَلَى أَنْ يُزِيلَ عَنْهُمْ الِارْتِيَابَ، وَأَنْ يَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ.

стр. 2078

[مَسْأَلَةٌ حَاجَةُ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ] ِ] قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: الْكِتَابُ أَحْوَجُ إلَى السُّنَّةِ مِنْ السُّنَّةِ إلَى الْكِتَابِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ، وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رُوِيَ: أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ. فَقَالَ: مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ وَلَكِنْ أَقُولُ: إنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ

стр. 2079

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَام السَّنَة الْأَقْوَالُ] الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْأَقْوَالُ وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي لَا عَلَى وَجْهِ الْإِعْجَازِ، وَيَنْقَسِمُ إلَى نَصٍّ، وَظَاهِرٍ مُجْمَلٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَبَاحِثُ الْأَقْوَالِ بِأَقْسَامِهَا مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. قَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ " فَهْمِ السُّنَنِ ": وَهَذَا الْقِسْمُ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى، فَمِنْهَا: مَا يَبْتَدِئُ ثَمَّ بِتَعْلِيمِ عَامَّتِهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ. وَمِنْهَا: مَا يَسْأَلُهُ بَعْضُهُمْ عَنْهُ فَيُخْبِرُهُمْ. وَمِنْهَا: مَا يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ السَّبَبُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لِيُعْلِمَهُ بِسَبَبِهِ، فَيُبَيِّنُهُ فِي ذَلِكَ تَبْيِينًا لَهُ، أَوْ يَنْهَى عَنْهُ، كَمَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَا سَبَقَهُمْ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، «فَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَبْدَأْ بِمَا سُبِقَ، ثُمَّ قَضَى مَا سُبِقَ بِهِ، لَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ . فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ فَافْعَلُوا ذَلِكَ» ، رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ. وَمِنْهَا: مَا يُحْتَكَمُ فِيهِ إلَيْهِ، فَيَقْضِي بَيْنَ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ إيضَاحًا لِمَا أَحَبَّ اللَّهُ وَتَعْلِيمًا لَهُمْ، وَذَلِكَ كَتَعْلِيمِهِ الصَّلَاةَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ، وَتَعْلِيمِهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 2080

[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَام السَّنَة الْأَفْعَالُ] الْقِسْمُ الثَّانِي الْأَفْعَالُ وَعَادَتُهُمْ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهَا الْكَلَامَ عَلَى الْعِصْمَةِ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهَا وُجُوبُ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ. [عِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ] وَالْكَلَامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا أَمَّا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا تُشْتَرَطُ الْعِصْمَةُ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ فِي السَّمْعِ وُقُوعُهَا. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: الصَّوَابُ عِصْمَتُهُمْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مِنْ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالتَّشْكِيكِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَعَاضَدَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ بِتَبْرِئَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ عَدَمَ امْتِنَاعِهَا عَقْلًا، وَأَنَّ الرَّوَافِضَ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِهَا، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ هَضْمَهُ وَاحْتِقَارَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْحِكْمَةِ، وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَمِنْهُمْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ السَّمْعَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْعِصْمَةِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَأَمَّا دَلَالَةُ الْعَقْلِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى فَاسِدِ أَصْلِهِمْ فِي التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَوُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ وَالْمَصْلَحَةِ.

стр. 2081

وَأَمَّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْإِرْسَالِ بِالْمُعْجِزَةِ، فَقَدْ دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً عَلَى صِدْقِهِ، وَهَلْ دَلَالَتُهَا عَقْلِيَّةٌ أَوْ عَادِيَةٌ؟ خِلَافٌ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ. فَكُلُّ أَمْرٍ يُنَافِي دَلَالَتَهَا فَهُوَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مُحَالٌ عَقْلًا. وَالْكَلَامُ فِي الْعِصْمَةِ يَرْجِعُ إلَى أُمُورٍ. أَحَدُهَا: فِي الِاعْتِقَادِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ عِصْمَتِهِمْ عَمَّا يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْكُفْرُ بِهِ. وَثَانِيهَا: أَمْرُ التَّبْلِيغِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ فِيهِ. وَثَالِثُهَا: فِي الْأَحْكَامِ وَالْفَتْوَى، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ فِيهَا وَلَوْ فِي حَالِ الْغَضَبِ، بَلْ يُسْتَدَلُّ بِشِدَّةِ غَضَبِهِ ﷺ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ. وَرَابِعُهَا: فِي أَفْعَالِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَحَكَى الْقَاضِي إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا عَلَى عِصْمَتِهِمْ فِيهَا، وَيَلْحَقُ بِهَا مَا يُزْرِي بِمَنَاصِبِهِمْ كَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ، وَالدَّنَاءَاتِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ، هَلْ هُوَ الشَّرْعُ أَوْ الْعَقْلُ؟ فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ عَقْلًا؛ لِأَنَّهَا مُنَفِّرَةٌ عَنْ الِاتِّبَاعِ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ. قَالَ: وَإِلَيْهِ مَصِيرُ جَمَاهِيرِ أَئِمَّتِنَا. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ سَمْعًا، وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ رَدَدْنَا إلَى الْعَقْلِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يُحِيلُهَا وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا، وَابْنُ بَرْهَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: إنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ عَلَى أُصُولِنَا. وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: إنَّهُ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهُ، وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لَمْ يُسْنِدْهُ إلَى الْمُعْجِزَةِ فِي التَّحَدِّي، فَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَيْهَا كَانَ امْتِنَاعُهُ عَقْلًا.

стр. 2082

[الْعِصْمَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ] ِ] وَأَمَّا الصَّغَائِرُ: الَّتِي لَا تُزْرِي بِالْمَنَاصِبِ، وَلَا تَقْدَحُ فِي فَاعِلِهَا، فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ مِنْ حَيْثُ السَّمْعُ مَبْنِيٌّ أَوَّلًا عَلَى ثُبُوتِ الصَّغِيرَةِ فِي نَفْسِهَا، فَمَنْ نَفَاهَا كَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الْآمِرِ، فَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ عَلَيْهِمْ. وَالْعَجَبُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَافَقَ الْأُسْتَاذَ عَلَى مَنْعِ تَصَوُّرِ الصَّغَائِرِ فِي الذُّنُوبِ وَخَالَفَهُ هُنَا، وَالصَّحِيحُ تَصَوُّرُهَا. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ، هَلْ تَجُوزُ عَلَيْهِمْ؟ وَإِذَا جَازَتْ، فَهَلْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ أَمْ لَا؟ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا عَنْ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازَ عَقْلًا. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا السَّمَاعُ فَأَبَاهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ وُقُوعِهَا مِنْهُمْ، وَتُتَدَارَكُ بِالتَّوْبَةِ. اهـ. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ عَدَمَ الْوُقُوعِ. قَالَ: وَأَوَّلُوا تِلْكَ الْآيَاتِ، وَحَمَلُوهَا عَلَى مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَصِّلُونَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ قَاطِعٌ فِي ذَلِكَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَالظَّوَاهِرُ مُشْعِرَةٌ بِالْوُقُوعِ. وَنَسَبَ الْإِبْيَارِيُّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ الْوُقُوعَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قَالُوا: لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَجْوِيزَ الصَّغَائِرِ وَوُقُوعَهَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ، وَمِنْهُمْ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ. وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ: إنَّهُ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِهِمْ عَلَيْهِ، إمَّا فِي الْحَالِ عَلَى رَأْيِ

стр. 2083

جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَوْ قَبْلَ وَفَاتِهِمْ عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ. وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ جَمِيعًا، وَعَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ، وَابْنُ فُورَكٍ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمَا ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ". وَنَقَلَهُ فِي " الْوَجِيزِ " عَنْ اتِّفَاقِ الْمُحَقِّقِينَ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي " زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ " عَنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَإِنْ وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْخَبَرِ حُمِلَ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: عَلَى مَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أَوْ فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ الشِّهْرِسْتَانِيّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ، وَالْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرِ فَقَالَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ [البقرة: ١٢٨] : الَّذِي أَقُولُ بِهِ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْجَمِيعِ، وَأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ: «إنِّي لَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ سَبْعِينَ مَرَّةً» ، إنَّمَا هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إلَى أَرْفَعَ مِنْهَا لِمَزِيدِ عُلُومِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَهُوَ يَتُوبُ مِنْ الْمَنْزِلَةِ الْأُولَى إلَى الْأُخْرَى، وَالتَّوْبَةُ هُنَا لُغَوِيَّةٌ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْعِصْمَةَ مِنْهَا عَمْدًا، وَجَوَّزَهَا سَهْوًا،

стр. 2084

وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ تَجُبُّ الْعِصْمَةُ مِنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ؛ لِالْتِحَاقِهَا حِينَئِذٍ بِالْكَبَائِرِ. وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعِصْمَةِ عَنْ الصَّغِيرَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْخِسَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ وَالْحِشْمَةِ. قَالَ: بَلْ الْمُبَاحُ إذَا أَدَّى إلَى ذَلِكَ كَانَ مَعْصُومًا مِنْهُ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِصْمَةَ عِنْدَ قَصْدِ الْمَكْرُوهِ. [مَعْنَى الْعِصْمَةِ] [مَعْنَى الْعِصْمَةِ] ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْعِصْمَةِ، اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا، فَقِيلَ الْمَعْصُومُ مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَعَاصِي. وَقِيلَ: يُمْكِنُهُ ثُمَّ الْأَوَّلُونَ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إنَّهُ يَخْتَصُّ فِي نَفْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ بِخَاصِّيَّةٍ، تَقْتَضِي امْتِنَاعَ إقْدَامِهِ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: هُوَ مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ فِي خَوَاصِّ بَدَنِهِ، وَلَكِنْ فَسَّرَ الْعِصْمَةَ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ حَكَاهُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِإِمْكَانِ الْوُقُوعِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ مَنَعَهُمْ مِنْهَا بِأَلْطَافِهِ بِهِمْ مِنْ صَرْفِ دَوَاعِيهِمْ عَنْهَا بِمَا يُلْهِمُهُمْ إيَّاهُ مِنْ تَرْغِيبٍ أَوْ تَرْهِيبٍ أَوْ كَمَالِ مَعْرِفَةٍ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥] ، وَقَالَ التِّلِمْسَانِيُّ: الْمَعْنِيُّ بِالْعِصْمَةِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ تَهْيِئَةُ الْعَبْدِ لِلْمُوَافَقَةِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ طَاعَةٍ أُمِرُوا بِهَا، وَالْقُدْرَةُ تُقَارِنُ وُقُوعَ الْمَقْدُورِ، كَمَا قَالُوا: إنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَإِذَنْ الْعِصْمَةُ تَوْفِيقٌ عَامٌّ، وَرَدَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعِصْمَةَ إلَى خَلْقِ أَلْطَافٍ

стр. 2085

تُقَرِّبُ فِعْلَ الطَّاعَةِ، وَلَمْ يَرُدُّوهَا إلَى الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَهُمْ عَلَى الشَّيْءِ حَاصِلَةٌ لِضِدِّهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تُطْلَقُ الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ فِي التَّحَمُّلِ بِمَا يُؤَدُّونَهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى. قُلْت: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ ": وَأَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ. [مَسْأَلَةٌ وُقُوعُ النِّسْيَانِ مِنْ النَّبِيِّ] ِّ ﷺ ] وَأَمَّا النِّسْيَانُ: فَلَا امْتِنَاعَ فِي تَجْوِيزِ وُقُوعِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَكَذَلِكَ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّهِ نِسْيَانَهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُكْتَبَ قُرْآنًا. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَاَلَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ عَقْلًا إلَّا أَنْ نَقُولَ: النَّبِيُّ لَا يَقَعُ فِي نِسْيَانٍ، وَنُقِيمُ الْمُعْجِزَةَ عَلَيْهِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُهُ عَقْلًا، فَالظَّوَاهِرُ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، بَلْ يُنَبَّهُونَ عَلَى قُرْبٍ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ فِيهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ التَّرَاخِي فِي التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ لَا يَنْقَرِضُ زَمَانُهُمْ وَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ عَلَى النِّسْيَانِ، وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَنَسِيَ، فَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ: فَأَمَّا مَا أُمِرَ

стр. 2086

بِهِ ثُمَّ نَسِيَ، فَلَا أُبَعِّدُ أَنْ يَنْسَى ثُمَّ لَا يَتَذَكَّرُ حَتَّى يَنْقَرِضَ زَمَانُهُ، وَهُوَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى النِّسْيَانِ، مِثْلُ أَنْ يَنْسَى صَلَاةً، ثُمَّ لَا يَتَذَكَّرُهَا. اهـ. وَفَصَّلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّسْخِ بَيْنَ مَا لَا يَحْفَظُهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ مِنْ النِّسْيَانِ قَبْلَ التَّبْلِيغِ وَبَعْدَهُ، فَإِنْ حَفِظَهُ جَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي: حَسِبْت أَنَّهَا رُفِعَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنْ نُسِّيتُهَا» . وَقَالَ: ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إلَى امْتِنَاعِ النِّسْيَانِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى جَوَازِهِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فَادَّعَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَحَكَى الْخِلَافَ فِي بَعْضِهَا. قَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: الظَّاهِرُ أَنَّ مَا طَرِيقُهُ التَّبْلِيغُ فِيهِ مِمَّا يُقْطَعُ بِدُخُولِهِ تَحْتَ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ، وَمَا طَرِيقُهُ التَّبْلِيغُ وَالْبَيَانُ لِلشَّرَائِعِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الرَّازِيَّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا، وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ هَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى التَّصْدِيقِ، أَمْ لَا؟ فَمَنْ جَعَلَهُ دَاخِلًا فِيهَا مَنَعَهُ، وَقَالَ: لَوْ جَازَ تَبَعَّضَتْ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَمَنْ جَعَلَهُ غَيْرَ دَاخِلٍ فِيهَا جَوَّزَهُ لِعَدَمِ انْتِقَاصِ الدَّلَالَةِ. وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى امْتِنَاعِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ، وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ ذَهَبُوا إلَى الْجَوَازِ، وَأَنَّ الْمَانِعِينَ تَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي سَهْوِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فِيهِ بِالْفِعْلِ، وَخَطَّأَهُمْ فِي ذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِ ﵇ بِالنِّسْيَانِ

стр. 2087

بِقَوْلِهِ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيت فَذَكِّرُونِي» ، وَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَالْبَيَانُ كَافٍ بِالْقَوْلِ، فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْفِعْلِ، وَحَيْثُ [قُلْنَا] بِالْجَوَازِ، فَالشَّرْطُ - بِالِاتِّفَاقِ - أَنْ لَا يُقَرَّ أَحَدُهُمْ عَلَيْهِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ لِمَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِالتَّشْرِيعِ. وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ اتِّصَالًا لِتَنْبِيهٍ بِالْوَاقِعَةِ، وَمِيلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِيهَا، وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكْتُبُ كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْك؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَإِنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا» . قَالَ: وَتَنْزِيهُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ بُرْهَانًا وَإِجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ، وَفِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا يَقْتَضِي وُجُودَ خِلَافٍ فِيهِ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ عَلَى مَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ. وَقَالَ الرَّازِيَّ فِي تَفْسِيرِهِ: وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْعِصْمَةِ فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ عَمْدًا وَسَهْوًا، وَمِنْهُمْ مِنْ جَوَّزَهُ سَهْوًا، وَلَا يَحْسُنُ حِكَايَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ. وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَكَلَامُهُ مُوَافِقٌ لِجُمْهُورِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا مَا لَيْسَ سَبِيلُهُ الْبَلَاغَ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْوَحْيِ وَلَا بِالْأَحْكَامِ، فَاَلَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ تَنْزِيهُ النَّبِيِّ عَنْ أَنْ يَقَعَ خَبَرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ، لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا، وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كُلِّ حَالٍ: رِضَاهُ وَغَضَبِهِ، وَمِزَاحِهِ؛ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّحَابَةِ عَلَى تَصْدِيقِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ.

стр. 2088

[عِصْمَةُ الْمَلَائِكَةِ] ِ] هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَدْ تَكَلَّمَ الْقَاضِي عَلَى عِصْمَتِهِمْ، وَقَالَ: أَمَّا الرُّسُلُ مِنْهُمْ فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ: هُمْ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ كَالْأَنْبِيَاءِ فِي حَقِّ الْأُمَمِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَعَلَّهُ بَنَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى تَفْضِيلِهِ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الرُّسُلِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَأَمَّا مَنْ عَدَّ الرُّسُلَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ بِثُبُوتِ عِصْمَتِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّهُ بِالْمُقَرَّبِينَ مِنْهُمْ، كَالْحَمَلَةِ وَالْكَرُوبِيِّينَ وَنَحْوِهِمْ، وَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْعِصْمَةِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ إبْلِيسَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. [هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ النُّبُوَّةِ] فَرْعٌ [هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ النُّبُوَّةِ؟] ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ. إنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ اللَّهُ نَبِيًّا مِنْ النُّبُوَّةِ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.

стр. 2089

قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ خَلَعَ كَيْفَ يَكُونُ أَحْوَالُ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ؟ قُلْنَا: كَانَتْ تُرَدُّ إذَنْ أَوْ تُزَالُ، وَأَمَّا شَرْعًا فَمَنْ ثَبَتَتْ لَهُ الْعِصْمَةُ لَا تَزُولُ عَنْهُ. قَالَ: وَلَا مُعَوَّلَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الضُّعَفَاءُ مِنْ أَنَّ بَلْعَمَ بْنَ بَاعُورَاءَ كَانَ نَبِيًّا، فَخَلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ. [جَوَازُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ] مَسْأَلَةٌ [جَوَازُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ] أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ جَوَازَ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عَنْ الدَّرْكِ أَنَّ الْإِغْمَاءَ إنَّمَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ سَاعَةً وَسَاعَتَيْنِ. فَأَمَّا الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ فَلَا يَجُوزُ كَالْجُنُونِ. [وُقُوعُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ مِنْ النَّبِيِّ] مَسْأَلَةٌ [وُقُوعُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ] يَمْتَنِعُ فِعْلُ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ الْعِصْمَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ، لَا يَفْعَلُهُ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِيهِ التَّأَسِّي؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَإِذَا فَعَلَهُ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِهِ، وَانْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ، [وَقِيلَ] بَلْ [فِعْلُ الْمَكْرُوهِ] فِي حَقِّهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَفْضَلُ لِأَجْلِ تَكْلِيفِهِ الْبَيَانَ. وَقَدْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْفِعْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا فِي وُضُوئِهِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ، وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا وُضُوءَهُ بِسُؤْرِ الْهِرِّ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

стр. 2090

[شَرْطُ إلْحَاقِ فِعْلِ النَّبِيِّ بِقَوْلِهِ] تَنْبِيهٌ [شَرْطُ إلْحَاقِ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ] شَرَطَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِهِ كَوْنَ فِعْلِهِ ﷺ مُلْحَقًا بِقَوْلِهِ أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَيْهِ، أَوْ بَعْضَهُمْ، أَوْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ هُوَ وَيُظْهِرَهُ لَهُمْ لِيَأْخُذُوهُ عَنْهُ، يَعْنِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مَخْصُوصًا بِهِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ مِنْ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُهُ يَفْعَلُونَهُ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي إظْهَارِ الْبَيَانِ، كَمَا فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَالِاغْتِسَالِ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِدْبَارُهُ الْكَعْبَةَ فِي الْبُنْيَانِ وَنَحْوِهِ، وَشَرَطَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " أَنْ يَكُونَ لَوْلَا مُبَاشَرَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ مَا كُنَّا نَفْعَلُهُ، وَإِنَّمَا نَفْعَلُهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلَى الْفِعْلِ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرُ فِعْلِهِ لَمْ نَكُنْ مُتَأَسِّينَ. [أَقْسَامُ الْأَفْعَالِ] [أَقْسَامُ الْأَفْعَالِ] وَأَمَّا تَقْسِيمُ الْأَفْعَالِ: فَفِعْلُهُ ﷺ يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ هَوَاجِسِ النَّفْسِ وَالْحَرَكَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، كَتَصَرُّفِ الْأَعْضَاءِ وَحَرَكَاتِ الْجَسَدِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: فَلَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَمْرٌ بِامْتِنَاعٍ وَلَا نَهْيٌ عَنْ مُخَالَفَةٍ، أَيْ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ. [الثَّانِي مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ وَوَضَحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ] ِ، كَأَحْوَالِهِ فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ بِخُصُوصِهِ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ". وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَمَّا حَجَّ جَرَّ خِطَامَ نَاقَتِهِ حَتَّى بَرَّكَهَا

стр. 2091

حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقَةُ النَّبِيِّ ﷺ تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ الظَّاهِرَةِ. [الثَّالِثُ مَا احْتَمَلَ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْجَبَلِيَّةِ إلَى التَّشْرِيعِ] ِ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاللُّبْسِ وَالنَّوْمِ، وَهُوَ دُونَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، وَفَوْقَ مَا ظَهَرَ فِيهِ الْجِبِلِّيَّةُ، وَقَدْ يَخْرُجُ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّشْرِيعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ؛ لِكَوْنِهِ مَنْصُوبًا لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: اسْقِنِي قَائِمًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا. وَقَدْ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ بِحِكَايَةِ الْخِلَافِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يَصِيرُ سُنَّةً وَشَرِيعَةً، وَيُتَّبَعُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُتَّبَعُ فِيهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. هَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ فِي " شَرْحِ التَّرْتِيبِ "، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ فِي " الْأُصُولِ ": يُعْلَمُ تَحْلِيلُهُ عَلَى أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، وَيُتَوَقَّفُ فِيهِ فِي الْوَجْهِ الْآخَرِ عَلَى الْبَيَانِ.

стр. 2092

وَهَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ إلْكِيَا، وَعَلَّلَ الْوَقْتَ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْإِيقَاعِ، وَالْمَصَالِحُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ. قَالَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِلْأُصُولِيِّينَ مُتَّجَهٌ إلَّا أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مُبَاحٌ؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سُئِلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَأَجَابَتْ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَبْتَعِدُ عَنْ ذَلِكَ. اهـ. وَجَزَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ «عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: رَأَيْتُك تَصْنَعُ أَرْبَعًا، وَفِيهَا: رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ؟ فَقَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا» . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاِتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَنَبَذَهُ، وَقَالَ: إنِّي لَمْ أَلْبَسْهُ أَبَدًا فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ» . وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مَا يَقْتَضِي انْقِسَامَ هَذَا الْقِسْمِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَتَرَقَّى إلَى الْوُجُوبِ، كَإِيجَابِ الشَّافِعِيِّ الْجُلُوسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ» . وَثَانِيهَا: مَا يَتَرَقَّى إلَى النَّدْبِ، كَاسْتِحْبَابِ أَصْحَابِنَا الِاضْطِجَاعَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَرْءُ تَهَجَّدَ أَوْ

стр. 2093

لَا؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ» ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَمْرِ بِهِ فَمَعْلُولٌ. ثَالِثُهَا: مَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافٌ، كَدُخُولِهِ مَكَّةَ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ وَخُرُوجِهِ مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءَ، وَحَجِّهِ رَاكِبًا، وَذَهَابِهِ إلَى الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ، وَرُجُوعِهِ فِي أُخْرَى، وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْجِبِلِّيِّ، فَلَا

стр. 2094

يُسْتَحَبُّ؟ أَوْ عَلَى الشَّرْعِيِّ فَيُسْتَحَبُّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إذَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلًا لِمَعْنًى، وَلَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهِ فَعَلْنَاهُ، وَمِنْ طَرِيقٍ الْأَوْلَى إذَا عَرَفْنَا أَنَّهُ فَعَلَهُ لِمَعْنًى يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَفْعَلُهَا اتِّبَاعًا لَهُ، سَوَاءٌ عَرَفْنَا أَنَّهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الَّذِي مَالَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ذَكَرَهُ فِي اسْتِحْبَابِ تَخَالُفِ الطَّرِيقَيْنِ فِي الْعِيدِ. وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَعْنًى فَزَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُفْعَلُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالثَّانِي: قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُفْعَلُ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ " الشَّامِلِ ": قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إذَا عَقَلْنَا مَعْنَى مَا فَعَلَهُ، وَكَانَ بَاقِيًا، أَوْ لَمْ نَعْقِلْ مَعْنَاهُ، فَإِنَّا نَقْتَدِي بِهِ فِيهِ، فَأَمَّا إذَا عَقَلْنَا مَعْنَى فِعْلِهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْغَرَضُ بِهِ بَاقِيًا لَمْ نَفْعَلْهُ؛ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ نَقْتَدِي بِهِ، وَإِنْ زَالَ مَعْنَاهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] الْآيَةَ. لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ لِإِظْهَارِ الْقُوَّةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَارَ سُنَّةً، وَإِنْ زَالَ مَعْنَاهُ، وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ لَا يُعْلَمَ السَّبَبُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ ": يُسْتَحَبُّ التَّأَسِّي قَطْعًا. [الرَّابِعُ مَا عُلِمَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ] ِ كَالضُّحَى وَالْوِتْرِ، وَالْمُشَاوَرَةِ وَالتَّخْيِيرِ لِنِسَائِهِ، وَالْوِصَالِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ - فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ. وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ التَّأَسِّي بِهِ؟ وَقَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا نَقْلٌ

стр. 2095

لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ فِي أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِ ﷺ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَنَا مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ التَّوَقُّفِ. وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْمَازِرِيُّ. وَفَصَّلَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْمُحَقَّقِ فِي الْأَفْعَالِ " بَيْنَ الْمُبَاحِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ التَّشَبُّهُ فِيهِ بِهِ كَالزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعٍ، وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فَيُسْتَحَبُّ التَّشَبُّهُ، وَكَذَلِكَ التَّنَزُّهُ عَنْ الْمُحَرَّمِ، كَأَكْلِ ذِي الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ، وَطَلَاقِ مَنْ تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ. قَالَ: وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِمَنْ فَهِمَ الْفِقْهَ وَقَوَاعِدَهُ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّأَسِّي، بَلْ لِأَدِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ. قُلْت: وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. وَقَسَّمَا هَذَا النَّوْعَ إلَى مَا أُبِيحَ لَهُ وَحُظِرَ عَلَيْنَا كَالْمَنَاكِحِ. وَإِلَى مَا أُبِيحَ لَهُ وَكُرِهَ لَنَا كَالْوِصَالِ وَإِلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَنُدِبَ لَنَا كَالسِّوَاكِ، وَالْوِتْرِ وَالضُّحَى. [الْخَامِسُ مَا يَفْعَلُهُ لِانْتِظَارِ الْوَحْيِ] ِ، كَابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ ﷺ بِالْحَجِّ حَيْثُ أَبْهَمَهُ مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إطْلَاقُ الْإِحْرَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَعْيِينِهِ تَأَسِّيًا، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ. قَالَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ ": وَهَذَا عِنْدِي هَفْوَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّ إبْهَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَحْمُولٌ عَلَى انْتِظَارِ الْوَحْيِ قَطْعًا، فَلَا مَسَاغَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ. [السَّادِسُ مَا يَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ عُقُوبَةً] ً، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى قِيَاسًا عَلَيْهِ، أَمْ عَلَى الظَّاهِرِ؟ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: مَا يَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ،

стр. 2096

إنْ تَعَلَّقَ بِهِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ كَالْبُيُوعِ وَالْأَنْكِحَةِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ فِي غَيْرِهِ مُسْتَدَلٌّ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ أَوْصَافِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ عِبَادَاتِهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَيْنَ شَخْصَيْنِ مُتَدَاعِيَيْنِ أَوْ عَلَى جِهَةِ التَّوَسُّطِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ. قَالَ: وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ مِنْ أَمْلَاكِ الْغَيْرِ فَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَةِ السَّبَبِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ وُجُوهِ الِاسْتِبَاحَةِ. [السَّابِعُ مَا يَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ] ِ إعْطَاءً، وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الرَّضْخَ لِلْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مُسْتَحَبٌّ أَوْ وَاجِبٌ. قَالَ: وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُهُ، لَمْ يَتْرُكْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّضْخَ قَطُّ، وَلَنَا فِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [الثَّامِنِ الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ] ُ عَمَّا سَبَقَ، فَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا، كَقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، أَوْ لِآيَةٍ كَالْقَطْعِ مِنْ الْكُوعِ الْمُبَيِّنِ لِآيَةِ السَّرِقَةِ، فَهُوَ دَلِيلٌ فِي حَقِّنَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَحَيْثُ وَرَدَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذَلِكَ الْمُجْمَلِ إنْ كَانَ وَاجِبًا فَوَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ، كَأَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالْكُسُوفِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَمَنْ أَبَاهُ مَنَعَ بَيَانَ الْمُجْمَلِ بِالْفِعْلِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ وَرَدَ مُبْتَدَأً، فَإِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ فِي حَقِّهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ، فَمَا حُكْمُ الْأُمَّةِ فِيهِ؟

стр. 2097

اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ، أَصَحُّهَا: أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ. وَثَانِيهَا: كَمَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَثَالِثُهَا: مِثْلُهُ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ خَلَّادٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ، قَالَهُ الرَّازِيَّ: وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْعًا لَنَا إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْأَصْحَابُ. وَعِنْدِي أَنَّ مَا فَعَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّقَرُّبِ سَوَاءٌ عُرِفَ أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى جِهَةِ التَّقَرُّبِ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ، فَإِنَّهُ شَرْعٌ لَنَا، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يُفْصِحْ عَنْهَا الْمُحَقِّقُونَ، وَأَنَا أَقُولُ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّ فِعْلَهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ عَلِمْنَاهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَعَلَيْنَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا، بَلْ مَرْجِعُنَا إلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ خُصُوصِيَّتِهِ، وَإِنْ عَلِمْنَاهُ مُخْتَصًّا بِهِ، فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي خَصَائِصِهِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فَلَا دَلِيلَ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِيمَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الصِّفَةِ أَوَّلًا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَوْقَعَهُ نَدْبًا فَهُوَ عَلَى اخْتِيَارِنَا النَّدْبَ فِي

стр. 2098

مَجْهُولِ الصِّفَةِ، أَوْ مُبَاحًا، فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ. اهـ مُلَخَّصًا. وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ صِفَتَهُ فِي حَقِّهِ، فَتَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ: فَذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى حَمْلِهِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلَكِنْ يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ. قَالَ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ الْقَفَّالِ، وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَذَهَبَ الْوَاقِفِيَّةُ إلَى الْوَقْفِ، وَنَسَبَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ لِأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَيُحْكَى عَنْ الدَّقَّاقِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَحَكَاهُ فِي " اللُّمَعِ " عَنْ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَلَمْ يَحْكِ الْإِمَامُ قَوْلَ الْإِبَاحَةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْقُرْبَةِ لَا يُجَامِعُ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ، لَكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ حَكَاهُ حَمْلًا عَلَى أَقَلِّ الْأَحْوَالِ، وَكَذَا الْآمِدِيُّ صَرَّحَ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا. وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ بِفِعْلِ الْمُبَاحِ جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، وَيُثَابُ ﵇ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ، فَهُوَ قُرْبَةٌ فِي حَقِّهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَظْهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، بَلْ كَانَ مُجَرَّدًا مُطْلَقًا، وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ الْآتِي، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ فِيمَا إذَا لَمْ يُعْرَفْ حُكْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ دُنْيَوِيٌّ كَالتَّنَزُّهِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ، وَإِلَّا كَانَ ظَاهِرًا فِي النَّدْبِ، وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ. وَأَمَّا حُكْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ

стр. 2099

فِي حَقِّنَا وَحَقِّهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَنَسَبُوهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ زَلَلٌ فِي النَّقْلِ عَنْهُ، وَهُوَ أَجَلُّ قَدْرًا مِنْ ذَلِكَ. وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَابْنِ خَيْرَانَ، وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالطَّبَرِيِّ، وَأَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَقَالَ سُلَيْمٌ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَنَصَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. لَكِنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ إلَّا فِيمَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَنَصَرَ أَدِلَّتَهُ. قَالَ: وَأَخَذُوهُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ [فِي الرَّدِّ] عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَوَامِرِهِ: أَجْمَعْنَا أَنَّ الْأَمْرَ يَخْتَصُّ بِهِ الظَّاهِرُ، فَهُوَ إذَا انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمَعَالِمِ ". وَمِنْ هَذَا الْبَابِ جُلُوسُهُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا فِعْلُهُ ﵇. وَرَأَى الشَّافِعِيُّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ، وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ التَّأَسِّي فِي حَقِّنَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ مَالِكٍ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، وَاخْتَارَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ اللَّائِقُ بِأُصُولِهِمْ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ، وَفُرُوعُ الْمَذْهَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، مِنْهُمْ الْكَرْخِيّ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ عَلَى طَرِيقَيْنِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّا نُدْرِكُ الْوُجُوبَ بِالْعَقْلِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّا نُدْرِكُهُ بِالسَّمْعِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: الصَّحِيحُ

стр. 2100

أَنَّهُ لَا أَقِيسُ مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ، وَالْمُخَالِفُ يُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ يَقُولُ: دَلِيلُ السَّمْعِ دَلَّ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ النِّزَاعُ إلَى دَلِيلِ السَّمْعِ، إذَنْ لَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ، وَالْأَلْفَاظُ دَلَّتْ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ، وَتَهْدِيدُ تَارِكِ التَّأَسِّي بِهِ وَالِاتِّبَاعِ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَسُلَيْمٌ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَفَّالِ الْكَبِيرِ. فَأَمَّا النَّقْلُ عَنْ الْقَفَّالِ فَصَحِيحٌ، فَقَدْ رَأَيْته فِي كِتَابِهِ، وَعِبَارَتُهُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَنَا أُسْوَةٌ بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِ حَتَّى يُوقَفَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فَسَيَأْتِي عَنْهُ الْوَقْفُ، وَنَسَبَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَأَطْنَبَ أَبُو شَامَةَ فِي نُصْرَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَلَا يُفِيدُ إلَّا ارْتِفَاعَ الْحَرَجِ عَنْ الْأُمَّةِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَنَقَلَهُ الدَّبُوسِيُّ فِي " التَّقْوِيمِ " عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ "، وَأَطْنَبَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَوَّلِينَ، وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَنَسَبُوهُ إلَى الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ، فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ: وَلَا أَدْرِي أَفَرْضٌ أَوْ تَطَوُّعٌ؟ وَلَا أَدْرِي الْفَرِيضَةُ تُجْزِئُ عَنْهَا أَمْ لَا؟ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ إنْ صَلَّاهُمَا أَنَّ عَلَيْنَا صَلَاتَهُمَا، وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إيجَابِهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّوَافَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ ﵇ غَيْرُ وَاجِبٍ.

стр. 2101

قَالَ: وَذَكَرَ أَيْضًا فِي الْأَمْرِ قَوْلَ عَائِشَةَ: «فَعَلْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ، اغْتَسَلْنَا» وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إنْزَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَهْرَ. وَلَمْ يَعُدْ إلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، بَلْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] وَبِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى إيجَابِ الْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ، فَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ عِنْدَهُ وَاجِبًا لَكَانَ أَوْلَى مَا يَحْتَجُّ بِهِ ﷺ . قَالَ: وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ أَوَّلُوا هَذَا إلَى قَوْلِهِمْ. اهـ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ عَلَى الْوَقْفِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْوَقْفِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ كَمَا رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ فِي كِتَابِهِ " الدَّلَائِلِ "، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ. قَالَ: وَاخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الدَّقَّاقُ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَكَذَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ "، وَنَقَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمْ ابْنُ كَجٍّ وَالدَّقَّاقُ وَالسُّرَيْجِيُّ قَالَ: وَقَالُوا: لَا نَدْرِي إنَّهُ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدَبِ أَوَلِلْإِبَاحَةِ؛ لِاحْتِمَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ. وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ. وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هَذَا الْقَوْلُ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ الْمَذْهَبِ، إلَّا أَنَّهُ أَقْيَسُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِلْوَقْفِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الْوَقْفُ فِي تَعْدِيَةِ

стр. 2102

حُكْمِهِ إلَى الْأُمَّةِ، وَثُبُوتِ التَّأَسِّي، وَإِنْ عُرِفَتْ جِهَةُ فِعْلِهِ، وَالثَّانِي: الْوَقْفُ فِي تَعْيِينِ جِهَةِ فِعْلِهِ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ اسْتِحْبَابٍ، وَإِنْ كَانَ التَّأَسِّي ثَابِتًا، وَهُوَ بِهَذَا يَئُولُ إلَى قَوْلِ النَّدْبِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَظْرِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ، وَتَبِعَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ جَوَّزَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمَعَاصِي، وَهُوَ سُوءُ فَهْمٍ. فَإِنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ: إنَّ غَيْرَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ فِيهَا. لَا إنْ وَقَعَ مِنْهُ يَكُونُ حَرَامًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَقَالَا: ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ اتِّبَاعُهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا عَلَى الْحَظْرِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَمًا فِي تَثْبِيتِ حُكْمٍ، فَبَقِيَ الْحُكْمُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّةِ الْعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ. تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَجْرِي فِي حُكْمِ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ حُكْمَنَا حُكْمُهُ فِي الْأَفْعَالِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ النَّفِيسِ قَالَ فِي كِتَابِهِ " الْإِيضَاحِ ": الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ أَنَّ مَا يَكُونُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا وَهُوَ دُنْيَوِيٌّ كَالتَّنَزُّهِ، فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ، وَإِلَّا كَانَ ظَاهِرًا فِي النَّدْبِ، وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَحَكَى الْخِلَافَ السَّابِقَ.

стр. 2103

الثَّانِي: مَا أَطْلَقُوهُ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ إذَا وَقَعَ بَيَانًا يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُبَيِّنِ فِي الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ، أَثَارَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ الْمُجْمَلَ مُبَيَّنٌ بِأَوَّلِ الْأَفْعَالِ وُقُوعًا، فَإِذَا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ مَا وَقَعَ بَعْدَهُ بَيَانًا لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِالْأَوَّلِ، فَيَبْقَى فِعْلًا مُجَرَّدًا لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. مِثَالُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَصَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ» ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (﵂) «أَنَّهُ افْتَتَحَهَا بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِالْفَاتِحَةِ» فَيَتَعَارَضَانِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ بَيَانًا، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلَى وُجُودِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، بَلْ قَدْ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ كَرِوَايَةِ مَنْ رَأَى فِعْلًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَسَبَقَنَا لَهُ. هَذِهِ التَّقَاسِيمُ كُلُّهَا فِي الْأَفْعَالِ بَعْدَ السَّمْعِ، وَأَمَّا أَفْعَالُهُ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ فَحُكْمُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا، وَسَيَأْتِي. [مَسْأَلَةٌ حُكْمُ التَّأَسِّي بِالرَّسُولِ فِي فِعْلِهِ] مَسْأَلَةٌ [حُكْمُ التَّأَسِّي بِالرَّسُولِ ﷺ فِي فِعْلِهِ] التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﵇ وَاجِبٌ فِيمَا سِوَى خَوَاصِّهِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَقَالَ عُمَرُ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَفَسَّرُوا التَّأَسِّي بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا فَعَلَ فِعْلًا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ، وَجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ أَنَّهُ كَذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِهَذَا مَنْ عَرَفَ الْفِعْلَ وَحُكْمَهُ، إذْ لَوْ وَجَبَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَكَانَ تَعَلُّمُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ.

стр. 2104

[الطُّرُقِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ جِهَةُ الْفِعْلِ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا مِنْ فِعْلُ النَّبِيِّ] فِي بَيَانِ الطُّرُقِ الَّتِي بِهَا تُعْرَفُ جِهَةُ الْفِعْلِ مِنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا، وَمَنْدُوبًا، وَمُبَاحًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ. اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَهُ ﵇ يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ مِنْهُ إجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ عِنْدَنَا، بَلْ لَا يَتَصَوَّرُ مِنْهُ وُقُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ، فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ التَّرْكِ، وَإِنْ كَانَ فِعْلُهُ مَكْرُوهًا لَنَا، ثُمَّ الطَّرِيقُ قَدْ يَعُمُّ هَذِهِ الْأُمُورَ، وَقَدْ يَخُصُّ الْبَعْضَ. فَالْعَامُّ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَنُصَّ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْفُلَانِيِّ. ثَانِيهَا: أَنْ يُسَوِّيَهُ بِفِعْلٍ عُلِمَتْ جِهَتُهُ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقَعَ امْتِثَالًا لِآيَةٍ مُجْمَلَةٍ، دَلَّتْ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. رَابِعُهَا: أَنْ يَقَعَ بَيَانًا لِآيَةٍ مُجْمَلَةٍ دَلَّتْ عَلَى أَحَدِهَا. وَأَمَّا الْخَاصُّ بِالْوُجُوبِ، فَعُرِفَ بِطُرُقٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَقَعَ عَلَى صِفَةٍ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ أَنَّهَا أَمَارَةُ الْوُجُوبِ، كَالصَّلَاةِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ. ثَانِيهَا: أَنْ يَقَعَ قَضَاءً لِعِبَادَةٍ عُلِمَ وُجُوبُهَا عَلَيْهِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقَعَ جَزَاءَ شَرْطٍ كَفِعْلِ مَا وَجَبَ بِالنَّذْرِ. قُلْنَا: إنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.

стр. 2105

رَابِعُهَا: أَنْ يُدَاوِمَ عَلَى الْفِعْلِ مَعَ عَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ لَأَخَلَّ بِتَرْكِهِ. خَامِسُهَا: ذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَصْلًا بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ جَزَاءً، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَهُ مِنْ مَالِ رَجُلٍ وَأَعْطَاهُ لِآخَرَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَخْذَ وَاجِبٌ. سَادِسُهَا: أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ، كَالْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعَيْنِ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ. فَإِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلَةٌ فِي غَيْرِ الْخُسُوفِ، فَمَشْرُوعِيَّتُهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى نَقَلُوهُ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي إيجَابِ الْخِتَانِ، وَهُوَ مُنْتَقِضٌ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا سُجُودُ السَّهْوِ، وَالتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ، وَلَمَّا جَازَ لَمْ يَجِبْ. وَكَذَلِكَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى التَّوَالِي فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْخَفَّافُ فِي الْخِصَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْنَا إلَّا فِي خَصْلَتَيْنِ، أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ بَيَانًا أَوْ يُقَارِنُهُ دَلَالَةٌ. وَأَمَّا الْخَاصُّ بِالنَّدْبِ فَأُمُورٌ: مِنْهَا قَصْدُ الْقُرْبَةِ مُجَرَّدًا عَنْ أَمَارَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْوُجُوبِ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا، وَبِكَوْنِهِ قَضَاءً لِمَنْدُوبٍ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ ثُمَّ يُخِلُّ بِتَرْكِهِ، كَتَرْكِهِ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا تَرْكُهُ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ فِيهِ. قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَمِنْهَا بِالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلٍ آخَرَ ثَبَتَ [عَدَمُ] وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَقَعُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ النُّدُوبِ آكِدٌ مِنْ بَعْضٍ.
следующие страницы →