← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِهَذَا الْمُحْتَجِّ: مَذْهَبُ دَاوُد أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَا يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ إبَاحَتِهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا تَكُونُ إبَاحَتُهَا بِعَدَمِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَوْلَى مِنْ حَظْرِهَا، وَبَطَلَ بِهَذَا حُجَّةُ الْمُحْتَجِّ. اهـ. وَمِمَّا يَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ الْعَامِّيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا غَيْرِهَا وَاقِعَةً لَهُ، وَلَا نَاقِلَ حُكْمِهَا. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ فَتْرَةِ الشَّرِيعَةِ وَحَمْلُهَا كَمَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَالصَّحِيحُ مِنْهُ: لَا تَكْلِيفَ حَكَاهُ عَنْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ، وَخَرَّجَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " عَلَيْهِ النَّبَاتَ الْمَجْهُولَ سَمِيَّتَهُ، وَاللَّبَنَ الْمَجْهُولَ كَوْنُهُ لَبَنَ مَأْكُولٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَرَجَّحَ الْإِبَاحَةَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ قَدْ عُلِمَ حُكْمُ الشَّرْعِ فِيهِ، وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ. فَالْمَوْجُودُ فِيهِ حُكْمٌ وَلَكِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ تَحْرِيمٍ وَإِبَاحَةٍ فَلَا يَحْسُنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَأَمَّا النَّبَاتُ فَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُهُ فِيهِ كَحَيَوَانٍ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَطْعِمَةِ: أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ خَرَّجَهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ الشَّعْرَ الْمَشْكُوكَ فِي طَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ، وَالنَّهْرَ الْمَشْكُوكَ فِي كَوْنِهِ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا: وَهُوَ تَخْرِيجٌ ضَعِيفٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا فِي اللَّبَنِ الْمَجْهُولِ. وَلَوْ وَقَعَ رَجُلٌ عَلَى طِفْلٍ مِنْ الْأَطْفَالِ إنْ أَقَامَ عَلَى أَحَدِهِمْ قَتَلَهُ، وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ مِنْ جِيرَانِهِ قَتَلَهُ. قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ ": قَدْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ فِي انْتِفَاءِ الشَّرَائِعِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَلَمْ نَرَ لِلشَّرِيعَةِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُسْلِمًا، وَبَعْضُهُمْ كَافِرًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ قَتْلِ الطِّفْلِ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ؟

стр. 212

الْأَظْهَرُ عِنْدِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نُجَوِّزُ قَتْلَ أَوْلَادِ الْكُفَّارِ عِنْدَ التَّتَرُّسِ بِهِمْ حَيْثُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَنَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفِعْلِ مَصْلَحَةٌ مَا، وَلَا مَفْسَدَةٌ مَا كَتَحْرِيكِ الْأُصْبُعِ فِي الْهَوَاءِ لِغَيْرِ دَفْعٍ وَلَا نَفْعٍ. قَالَ: فَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، إذْ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَلَا مَطْلُوبُ التَّرْكِ وَلَا مَأْذُونٌ فِيهِ بَلْ يَكُونُ كَفِعْلِ الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ، وَبَنَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْضًا تَقْرِيرَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَهُ عَلَى فِعْلٍ مِنْ الْأَفْعَالِ هَلْ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَكَوْنُ الْأَصْلِ هُوَ الْإِبَاحَةَ؟ فَإِنْ قُلْنَا: أَصْلُ الْأَشْيَاءِ عَلَى التَّحْرِيمِ دَلَّ التَّقْرِيرُ عَلَى الْجَوَازِ شَرْعًا، وَإِنْ قُلْنَا: أَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ فَلَا. وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ السُّنَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ تَخْرِيجَ هَذِهِ الْفُرُوعِ كُلِّهَا لَا يَسْتَقِيمُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْأَصْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ لِبَيَانِ إبْطَالِ أَصْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ بِالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. فَإِنَّ الشَّرْعَ عِنْدَهُمْ كَاشِفٌ لَا يُمْكِنُ وُرُودُهُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ، وَمَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً أَمْ يَجِبُ التَّوَقُّفُ إلَى الْبَحْثِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ؟ فَإِنْ لَمْ نَجِدْ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَهُوَ حَلَالٌ بَعْدَ الشَّرْعِ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْحَلَالَ هَلْ هُوَ مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ أَوْ مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَتِهِ؟

стр. 213

الثَّانِي: أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَهَذِهِ حَوَادِثُ بَعْدَ الشَّرْعِ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ مَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ يُشْبِهُ الْحَادِثَةَ قَبْلَ الشَّرْعِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا قِيَامُ الدَّلِيلِ بَعْدَ الشَّرْعِ فِيمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَفْوِ. [التَّنْبِيهُ] الثَّالِثُ [تَصْحِيحُ الْوَقْفِ هَلْ يَسْتَقِيمُ؟] قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ تَصْحِيحُ الْوَقْفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ " مَا " سَيَأْتِي فِي الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيهَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ هُوَ الْإِبَاحَةُ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْت: الْخِلَافُ هُنَا فِيمَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَهُنَاكَ فِيمَا بَعْدَ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ سَمْعِيَّةٍ، وَلِهَذَا عَبَّرُوا ثُمَّ بِالْإِبَاحَةِ الَّتِي هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. [مَسْأَلَةٌ جَوَازُ فتور الشَّرِيعَة] أَجْمَعُوا كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي آخِرِ الْمَنْخُولِ " عَلَى جَوَازِ فُتُورِ الشَّرِيعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ قَبْلَنَا خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ، لِأَجْلِ قَوْلِهِ بِالْمَصَالِحِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى شَرِيعَتِنَا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ، وَلَوْ فَتَرَتْ بَقِيَتْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا كَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا فِي ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يُحِيلُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ «يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَخْتَلِفُ رَجُلَانِ فِي فَرِيضَةٍ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ

стр. 214

يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا» وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فَيُمْكِنُ تَخْصِيصُهُ بِالْقُرْآنِ دُونَ سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. هَذَا كُلُّهُ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ. أَمَّا الْوُقُوعُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ: وَهُوَ أَنَّ الْقِيَامَةَ إنْ قَامَتْ عَلَى قُرْبٍ فَلَا تَفْتُرُ الشَّرِيعَةُ، وَلَوْ امْتَدَّتْ إلَى خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الدَّوَاعِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى نَقْلِهَا فِي الْحَالِ فَلَا تَضْعُفُ إلَّا عَلَى التَّدْرِيجِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَنُ فَالْغَالِبُ فُتُورُهُ، إذْ الْهِمَمُ مَصِيرُهَا إلَى التَّرَاجُعِ ثُمَّ إذَا فَتَرَتْ ارْتَفَعَ التَّكْلِيفُ وَهِيَ الْأَحْكَامُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَزَعَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ يُكَلَّفُونَ الرُّجُوعَ إلَى مَحَاسِنِ الْعُقُولِ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِنَا فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ. اهـ. وَهَذِهِ تَرْجِعُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ. [مَسْأَلَةٌ تَقْدِيرُ خُلُوِّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ] فِي تَقْدِيرِ خُلُوِّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ عَلَى نِظَامِهَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: قَدْ جَوَّزَهُ الْقَاضِي حَتَّى كَادَ يُوجِبُهُ. وَقَالَ: الْمَآخِذُ مَحْصُورَةٌ وَالْوَقَائِعُ لَا ضَبْطَ لَهَا فَلَا تَسْتَوْفِيهَا مَسَالِكُ مَحْصُورَةٌ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا: إحَالَةُ ذَلِكَ وُقُوعًا فِي الشَّرْعِ لَا جَوَازًا فِي

стр. 215

الْعَقْلِ؛ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ عَلَى طُولِ الْأَعْصَارِ مَا انْحَجَزُوا عَنْ وَاقِعَةٍ، وَمَا اعْتَقَدُوا خُلُوَّهَا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ كَانُوا يَهْجُمُونَ عَلَيْهَا هُجُومَ مَنْ لَا يَرَى لَهَا حَصْرًا. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ " لِابْنِ سُرَيْجٍ لَيْسَ شَيْءٌ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَخْلُو مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ حَظْرٍ أَوْ إيجَابٍ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَلْبَسٍ أَوْ مَنْكَحٍ أَوْ حُكْمٍ بَيْنَ مُتَشَاجِرَيْنِ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَخْلُو مِنْ حُكْمٍ وَيَسْتَحِيلُ فِي الْعُقُولِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ كَيْفَ دَلَائِلُ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ؟ . [مَسْأَلَةٌ أَحْكَامُ الشَّرْعِ ثَابِتَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] ِ] كُلُّ حُكْمٍ ثَبَتَ لَنَا بِقَوْلِ اللَّهِ أَوْ بِقَوْلِ رَسُولِهِ أَوْ بِإِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ فَهُوَ دَائِمٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ» فَقِيلَ: يَضَعُهَا عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَهَا، فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ، وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ نَزَلَ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا وَمِنْ شَرِيعَتِهِ إقْرَارُهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَقِيلَ: بَلْ مِنْ شَرِيعَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَدَمُ التَّقْرِيرِ، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ مَا أَتَى بِهَا وَهُوَ قَبْلَ شَرْعِ الْجِزْيَةِ، وَقَضِيَّتُهُ بَقَاؤُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمَا سَلَفَ.

стр. 216

وَفِي الْبَابِ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَرْوَزِيِّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، وَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا» وَهَذَا الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ

стр. 217

سُفْيَانَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَكَانَ يَقُولُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُنْكِرُونَهُ عَلَيَّ، وَإِنَّمَا كُنْت مَعَ سُفْيَانَ فَمَرَّ يَمْشِي فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهِ، وَحَكَى الْعَبَّاسُ بْنُ مُصْعَبٍ أَنَّ نُعَيْمًا هَذَا نَاقَضَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَوَضَعَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ كِتَابًا فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ. وَخَرَجَ إلَى مِصْرَ وَأَقَامَ بِهَا نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ حُمِلَ إلَى الْعِرَاقِ مَعَ الْبُوَيْطِيِّ فِي امْتِحَانِ الْقُرْآنِ مُقَيَّدَيْنِ فَمَاتَ نُعَيْمٌ فِي الْحَبْسِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَتَيْنِ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ: يَحْدُثُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يُنَاسِبُهُمْ ، وَقَدْ يَتَأَيَّدُ هَذَا بِمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَتْهُ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ

стр. 218

مِنْ الْمَسَاجِدِ، وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ أَيْ يُجَدِّدُونَ أَسْبَابًا يَقْضِي الشَّرْعُ فِيهَا أُمُورًا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَجْلِ عَدَمِهِ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، لَا لِأَنَّهَا شَرْعٌ مُجَدَّدٌ. فَلَا نَقُولُ: إنَّ الْأَحْكَامَ تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الصُّورَةِ الْحَادِثَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْبَالِسِيُّ: وَكُنْت أَنْفِرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، وَأُعَلِّلُ فَسَادَهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ شَرَعَ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِفَسَادِ الْأَمْرِ فِيهِمْ. ثُمَّ رَأَيْت فِي " النِّهَايَةِ " قَدْ قَرَّرَ مَا فِي نَفْسِي، فَقَالَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: لَوْ كَانَتْ قَضَايَا الشَّرْعِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَتَنَاسُخِ الْعُصُورِ لَانْحَلَّ رِبَاطُ الشَّرْعِ. قَالَ: وَلَمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ " مَقَالَاتِ الْأَصْحَابِ فِي التَّعْزِيرِ، رُوِيَ الْحَدِيثُ فِي نَفْيِ الزِّيَادَةِ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ بَلَغَ الشَّافِعِيُّ لَقَالَ بِهِ. انْتَهَى.

стр. 219

وَقَدْ أَكْثَرَ الرُّويَانِيُّ فِي " الْحِلْيَةِ " مِنْ اخْتِيَارَاتِ خِلَافِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيَقُولُ: فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي فَتَاوِيهِ ": الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ تُحْتَمَلُ فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَأَفْتَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بِالْقِيَامِ لِلنَّاسِ، وَقَالَ: لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، وَكُلُّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِنْبَاطٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ لَا أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ. فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ عَجِيبٌ. [مَسْأَلَةٌ مُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا عَدَا الْمَذْكُورِ] مُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا عَدَا الْمَذْكُورِ ذَكَرَهَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " ذَيَّلَ هَذِهِ، فَقَالَ: مُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عِنْدَنَا عَلَى سُقُوطِ مَا عَدَا الْمَذْكُورِ كَمَا يَدُلُّ عِنْدَ مَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَالِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ. وَذَلِكَ عَلَى ضُرُوبٍ. أَمَّا سُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الشَّيْءِ يُفْعَلُ بِحَضْرَتِهِ وَلَا يُنْكِرُهُ فَدَلِيلُ الْجَوَازِ. وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الشَّيْءُ إذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْ السُّقُوطِ، فَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ

стр. 220

اسْتِغْنَاءٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَيَانِ فِيهِ، وَلَيْسَ تَكْرِيرُ الْبَيَانِ وَاجِبًا فِي كُلِّ حَالٍ. وَمَرَاتِبُ الِاسْتِدْلَالِ بِالسُّكُوتِ تَخْتَلِفُ، فَأَقْوَى مَا يَكُونُ مِنْهُ إذَا كَانَ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ جَاهِلًا بِأَصْلِ الْحُكْمِ فِي الشَّيْءِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ «كَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَقَدْ أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ الْجُبَّةُ فَقَالَ: انْزِعْ عَنْك الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ عَنْك الصُّفْرَةَ وَسَكَتَ عَنْ الْكَفَّارَةِ» فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْ الْجَاهِلِ وَالسَّاهِي، وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَذَكَرَهَا، إذْ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ إهْمَالُ ذِكْرِهَا تَعْوِيلًا عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِالْحُكْمِ، وَدُونَ هَذَا فِي الْمَرْتَبَةِ خَبَرُ الْأَعْرَابِيِّ الْمُجَامِعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَكَانَ قَوْلُهُ: (افْعَلْ كَذَا) دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْهُ وَعَنْ زَوْجَتِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا أَضْعَفُ مِنْ دَلَالَةِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ فِي هَذَا الْخَبَرِ قَدْ أَنْبَأَ عَنْ عِلَّتِهِ، فَإِنَّهُ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً، لِقَوْلِهِ: «هَلَكْت وَأَهْلَكْت» ، وَإِذَا كَانَ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِدْلَالِ كَانَ دَلِيلُ السُّكُوتِ فِيهِ أَوْهَى وَأَضْعَفَ.

стр. 221

وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا خَرَجَ عَنْ السَّبِيلَيْنِ: ذَكَرَ اللَّهُ الْأَحْدَاثَ فِي كِتَابِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فَإِنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِنَا تَعَلَّقُوا بِهِ أَنَّهُ إنَّمَا رَدَّهُ إلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا وَجَّهَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمُتَطَهِّرَ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ إلَّا بِحَدَثٍ وَمَا لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ عَلَى الْحَدَثِ فَأَصْلُ الطُّهْرِ كَافٍ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا» وَمَنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ. فَائِدَةٌ: ادَّعَى الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى " وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ بِتَصْرِيحِهِمْ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي الْإِقْدَامِ إذْ ذَاكَ، إذْ لَا حُكْمَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْإِجْمَاعُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا أَقْدَمَ بِلَا سَبَبٍ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْحَرَجِ مَا إذَا أَقْدَمَ مُسْتَنِدًا إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَقِيلَ: بَلْ الْمَنْفِيُّ فِي كَلَامِهِمْ هُوَ الْجَوَازُ الشَّرْعِيُّ، وَهُوَ حَقٌّ، إذْ الْغَرَضُ أَنْ لَا حُكْمَ فَلَا جَوَازَ، لَكِنَّهُ إذَا أَقْدَمَ فَلَا يُعَاقَبُ إذْ لَا حُكْمَ.

стр. 222

[مَسْأَلَةٌ تَعْرِيفُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ] ِ كَانَ مِنْ حَقِّهَا أَنْ تَذْكُرَ صَدْرَ الْأَصْلِ السَّابِقِ وَهُوَ تَعْرِيفُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ. قَدْ أَطْلَقَ الْأُصُولِيُّونَ الْقَوْلَ بِمُقَابَلَةِ الْحَسَنِ بِالْقَبِيحِ، وَإِنَّمَا يُقَابَلُ الْحَسَنُ بِالسَّيِّئِ وَالْقَبِيحُ بِالْجَمِيلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وَقَالَ: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] وَمِنْ حُكْمِ التَّقَابُلِ مُقَابَلَةُ الْأَعَمِّ بِالْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ بِالْأَخَصِّ، وَالْقَبِيحُ أَخَصُّ مِنْ السَّيِّئِ كَمَا أَنَّ الْجَمِيلَ أَخَصُّ مِنْ الْحَسَنِ، وَأَبْلَغُ مِنْ الْمَدْحِ مَعَهُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَلَا يُقَالُ: جَمِيلٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْزِلُ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَأَمَّا حَقِيقَتُهُمَا فِي الِاصْطِلَاحِ فَيُؤَوَّلُ إلَى تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِالشَّيْءِ عَلَى صِفَةٍ، وَلَيْسَا رَاجِعِينَ إلَى الذَّوَاتِ كَمَا سَبَقَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ وَالرَّوَافِضِ، حَيْثُ قَالُوا: إلَى نَفْسِ الذَّوَاتِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ نُفُوسِهَا. هَذَا قَوْلُ الْقُدَمَاءِ مِنْهُمْ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْمَعْنَى بِالْقَبِيحِ فَرَأَوْهُ رَاجِعًا إلَى الذَّاتِ بِخِلَافِ الْحَسَنِ. وَعَكَسَ بَعْضُهُمْ فَرَأَى الْحَسَنَ يَرْجِعُ إلَى الذَّاتِ بِخِلَافِ الْقَبِيحِ، وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الثَّلَاثَةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُرِيدُونَ بِمَا أَطْلَقُوهُ مِنْ صَرْفِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ إلَى أَعْيُنِ الذَّاتِ أَنَّ ذَلِكَ يُسْتَدْرَكُ فِيهَا بِالْعُقُولِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى بَعْثِ الرَّسُولِ. انْتَهَى.

стр. 223

وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: الْعَقْلُ يَقْتَضِي لِذَاتِهِ صِفَةً وَتِلْكَ الصِّفَةُ تُوجِبُ الْحُسْنَ أَوْ الْقُبْحَ، كَالصَّوْمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى كَسْرِ الشَّهْوَةِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الْمَفْسَدَةِ. وَكَالزِّنَى الْمُشْتَمِلِ عَلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُقْتَضِي تَرْكَ تَعَهُّدِ الْأَوْلَادِ. قَالَ الْجُبَّائِيُّ وَأَتْبَاعُهُ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ بِمَعْنَى أَنَّ لِكُلٍّ صِفَةً لَكِنْ هِيَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ. وَفِي كَلَامِ الْأَحْكَامِ " مَا يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ مَذْهَبَ الْجُبَّائِيُّ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَقَدْ اضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا فِي الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ: الْحَسَنُ: مَا طَلَبَهُ الشَّرْعُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَيَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَالْقَبِيحُ: مَا طَلَبَ تَرْكَهُ وَذَمَّ فَاعِلَهُ فَيَتَنَاوَلُ الْحَرَامَ وَالْمَكْرُوهَ. قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ". وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَوْرَدَ الْمُبَاحَ، وَأُجِيبُ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ، وَأَنَّهُ لَا حَسَنَ وَلَا قَبِيحَ، كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَجَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " فِي الْبَابِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالْأَمْرِ، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: بَلْ أَذِنَ الشَّارِعُ فِي إطْلَاقِ الثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَسَنِ. اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَلَى رَأْيِ الْكَعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ فِي كُلِّ مُبَاحٍ تَرْكَ حَرَامٍ. وَلِهَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْحَسَنُ هُوَ الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا فَدَخَلَ الْمُبَاحُ، وَنُوقِشَ بِأَنَّ الْمُبَاحَ يَقْتَضِي وَصْفًا زَائِدًا عَلَى الْمَاهِيَّةِ، وَمُجَرَّدُ الْإِذْنِ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي التَّلْخِيصِ ": الْحَسَنُ: كُلُّ فِعْلٍ لَنَا الثَّنَاءُ شَرْعًا عَلَى فَاعِلِهِ بِهِ، وَالْقَبِيحُ: كُلُّ فِعْلٍ لَنَا الذَّمُّ شَرْعًا لِفَاعِلِهِ بِهِ.

стр. 224

قَالَ: وَالْقَاضِي يَقُولُ: مَا أُمِرَ بِمَدْحِ فَاعِلِهِ وَفِيهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ وَلَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ، وَاَلَّذِي ارْتَضَيْنَاهُ أَسَدُّ، وَقَدْ سَبَقَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ لَا حَسَنَ وَلَا قَبِيحَ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ ": الْقَبِيحُ: مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا، وَالْحَسَنُ: مَا لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ شَرْعًا، وَيَنْدَرِجُ فِيهِ أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَفْعَالُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ، وَأَفْعَالُ السَّاهِي، وَالنَّائِمِ وَالْهَائِمِ. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْحَسَنُ: مَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا تَكُونَ أَفْعَالُ اللَّهِ حَسَنَةً. وَخَصَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ التَّقْسِيمَ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَقَالَ: أَمَّا مَا لَا صِفَةَ زَائِدَةً عَلَى وُجُودِهِ كَبَعْضِ أَفْعَالِ السَّاهِي، وَالنَّائِمِ فَلَا يُوصَفُ بِحَسَنٍ وَلَا قَبِيحٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ، فَإِنْ كَانَ، فَقَدْ قِيلَ: يُوصَفُ بِهِمَا، وَقِيلَ: لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ يَتْبَعُ التَّكْلِيفَ، فَمَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ لَا يُوصَفُ فِعْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا. قَالَ: وَهَكَذَا كُلُّ فِعْلٍ يَصْدُرُ مِمَّنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ. قُلْت: هَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَعْلِ الْإِمَامِ وَالْبَيْضَاوِيِّ لَهُ مِنْ قِسْمِ

стр. 225

الْحَسَنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْآمِدِيُّ هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْأَصْحَابِ بَلْ إطْلَاقَاتُ الْأَصْحَابِ بِاعْتِبَارَاتٍ. فَقَالَ: فِي الْأَبْكَارِ ": مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ لَيْسَ وَصْفًا ذَاتِيًّا بَلْ لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ عِنْدَهُمْ بِاعْتِبَارَاتٍ غَيْرِ حَقِيقِيَّةٍ بَلْ إضَافِيَّةٌ يُمْكِنُ تَغَيُّرُهَا وَتَبَدُّلُهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَفْعَالَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا وَافَقَ الْغَرَضَ فَيُسَمَّى حَسَنًا، وَإِلَى مَا خَالَفَ الْغَرَضَ فَيُسَمَّى قَبِيحًا، وَإِلَى مَا لَا يُوَافِقُ وَلَا يُخَالِفُ عَبَثًا. الثَّانِي: إطْلَاقُ الْحَسَنِ عَلَى مَا أَمَرَ الشَّرْعُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَفِعْلُ اللَّهِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمُبَاحُ، وَلَوْ قِيلَ: مَا يَجُوزُ الثَّنَاءُ عَلَى فَاعِلِهِ لَدَخَلَ الْمُبَاحُ، وَإِطْلَاقُ الْقَبِيحِ عَلَى مَا أَمَرَ الشَّارِعُ بِذَمِّ فَاعِلِهِ وَيَدْخُلُ الْحَرَامُ، وَيَخْرُجُ الْمَكْرُوهُ، وَالْمُبَاحُ. لَكِنَّ الْمَكْرُوهَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَلَيْسَ حَسَنًا بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْغَرَضِ. الثَّالِثُ: إطْلَاقُ الْحَسَنِ عَلَى مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَعَ فِعْلِ اللَّهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ. قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ حَسَنٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِذَلِكَ أَبَدًا سَرْمَدًا وَافَقَ الْغَرَضَ أَوْ خَالَفَ. وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ بِنَفْسِهِ وَلَا إضَافَةٍ لَكِنْ إنْ كَانَ بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَفِعْلُهُ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ

стр. 226

حَسَنًا بِالِاعْتِبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ فَمَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ حَسَنًا بِالِاعْتِبَارِ الْأَخِيرِ فِيهِمَا. اهـ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَاخْتَلَفُوا أَيْضًا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَبِيحُ، مَا لَيْسَ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَالْحَسَنُ مَا يُقَابِلُهُ، فَعَلَى هَذَا الْمُبَاحُ حَسَنٌ. وَنَازَعَ الْمَازِرِيُّ فِي دُخُولِ الْوَاجِبِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَهُوَ قَرِيبٌ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": الْوَاقِعُ عَلَى صِفَةٍ تُوجِبُ الْمَدْحَ حَسَنٌ، وَعَلَى صِفَةٍ تُوجِبُ الذَّمَّ قَبِيحٌ، وَمَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَى أَحَدِهِمَا كَالْمَكْرُوهِ، وَالْمُبَاحِ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ وَلَا قَبِيحٍ، وَأَصْلُ هَذَا التَّفْسِيرِ مِنْهُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَهُ التَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ، وَالْمُرَادُ مِنْ الذَّمِّ كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ الْإِخْبَارُ الْمُنْبِئُ عَنْ نَقْصِ حَالِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ مَعَ الْقَصْدِ لِذَلِكَ، وَلَوْلَا الْقَصْدُ لَمَا كَانَ ذَمًّا. قَالَ: وَقَدْ زِيدَ فِي الْقَبِيحِ مَا يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الذَّمَّ مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَقَيَّدُوهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ أَصْلُهُمْ أَنَّ الصَّغَائِرَ قَبِيحَةٌ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ عَلَى فِعْلِهَا الذَّمَّ إذَا صَدَرَتْ مِمَّنْ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ. وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْهُمْ يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ هَلْ يَخْتَصُّ بِصِفَةٍ مُوجِبَةٍ لِتَحْسِينِهِ وَتَقْبِيحِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُبَّائِيُّ، أَوْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: يَخْتَصُّ، فَسَّرَهُ بِالْأَوَّلِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَخْتَصُّ فَسَّرَهُ بِالثَّانِي. اهـ.

стр. 227

وَالْمُخْتَارُ: أَنَّ حُسْنَ الشَّيْءِ شَرْعًا لَا يَرْجِعُ إلَى وَصْفٍ تَضَمَّنَهُ مِنْ الْحُسْنِ، وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ إذْنُ الشَّرْعِ فِيهِ وَدَفْعُ الْعِقَابِ عَنْهُ. [أَقْسَامُ الْحَسَنِ] [أَقْسَامُ الْحَسَنِ] وَقَسَّمَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ، كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ، وَضِدُّهُ مِنْ الْقَبِيحِ الزِّنَى وَالْقَتْلُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَتَغَيَّرُ عَنْ وَصْفِهِ بِتَقْدِيرٍ. الثَّانِي: مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ لِمَالِ الْغَيْرِ، وَحُسْنُهَا مِنْ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَكَذَا الصَّوْمُ فَإِنَّهُ تَرْكُ الْأَكْلِ وَلَكِنْ حَسُنَ بِوَاسِطَةِ قَهْرِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَضِدُّهُ مِنْ الْقَبِيحِ كَلِمَةُ الرِّدَّةِ، فَإِنَّهَا قَبُحَتْ، لِدَلَالَتِهَا عَلَى سُوءِ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا النَّوْعُ قَدْ يُزَايِلُهُ وَصْفُ الْقُبْحِ بِالْإِكْرَاهِ، وَكَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ نَظَرًا إلَى التَّنَاوُلِ، وَقَدْ يَحِلُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. الثَّالِثُ: مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَتِمُّ إلَّا بِفِعْلٍ مَقْصُودٍ مِنْ الْعَبْدِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ، وَالْوُضُوءِ عَلَى رَأْيٍ، فَلَا جُرْمَ انْحَطَّ عَنْ الْقِسْمَيْنِ لِلتَّوَسُّطِ حَتَّى اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ عِبَادَةً أَمْ لَا، وَيَأْتِي ضِدُّهُ فِي الْقَبِيحِ. فَائِدَةٌ [الْأَفْعَالُ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ] تَلَخَّصَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْأَفْعَالَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: حَسَنٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبَقَ نَقْلُ الْآمِدِيِّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ

стр. 228

الثَّانِي: حَسَنٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ الْمُبَاحُ. الثَّالِثُ: قَبِيحٌ بِلَا خِلَافٍ وَهُوَ الْحَرَامُ. الرَّابِعُ: قَبِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ الْمَكْرُوهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ إنْ فَسَّرْنَا الْقَبِيحَ بِمَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا، وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِمَا يُذَمُّ فَلَا يُوصَفُ بِهِ، وَكَذَا لَا يُوصَفُ بِالْحَسَنِ، إذْ لَا يُثْنَى عَلَى فَاعِلِهِ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَثْبَتَ بِهِ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقُبْحِ. الْخَامِسُ: مَا لَا يُوصَفُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وِفَاقًا لِابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَالْخِلَافُ فِيهِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا. حَكَاهُ الْآمِدِيُّ فِي الْأَبْكَارِ ". [مَسْأَلَةٌ الْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ] الْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ لَا يَرْجِعُ إلَى وَصْفِ الْفِعْلِ بَلْ إلَى الْأَمْرِ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَقْتَضِيهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَحِكَايَتُهُ هَكَذَا غَلَطٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ مُرَادًا لِلْآمِرِ، ثُمَّ قَالُوا: لَمَّا تَعَلَّقَتْ إرَادَتُنَا بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لَمْ يَدُلَّ تَعَلُّقُ أَمْرِنَا بِالْمَأْمُورِ عَلَى حُسْنِهِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يُرِيدُ إلَّا الْحَسَنَ، وَتَعَلُّقُ أَمْرِهِ بِالْمَأْمُورِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُرَادًا لَهُ، ثُمَّ حَيْثُ عَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يُرِيدُ الْقَبِيحَ فَيُتَوَصَّلُ إلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَبِيحًا، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ: إنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقْتَضِي حُسْنَهُ، وَلَكِنْ إنْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالثَّنَاءِ عَلَى فَاعِلِهِ فَنَحْكُمُ بِحُسْنِهِ لِلْأَمْرِ الثَّانِي.

стр. 229

[فَصْلٌ خِطَابُ التَّكْلِيفِ] إذَا ثَبَتَ بُطْلَانُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا حَاكِمَ إلَّا الشَّرْعُ، فَلْنَشْرَعْ فِي تَبْيِينِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، ثُمَّ خِطَابِ الْوَضْعِ، فَنَقُولُ: الْخِطَابُ إنْ اقْتَضَى الْفِعْلَ اقْتِضَاءً جَازِمًا فَإِيجَابٌ، أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ فَنَدْبٌ. وَإِنْ اقْتَضَى التَّرْكَ جَازِمًا فَتَحْرِيمٌ أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ فَكَرَاهَةٌ، وَإِنْ اقْتَضَى التَّخْيِيرَ فَإِبَاحَةٌ، فَالْأَحْكَامُ إذَنْ خَمْسَةٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَرَأَيْت فِي تَعْلِيقِ " الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ: وَاجِبٌ وَمَحْظُورٌ وَمُبَاحٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالْوَاجِبِ الطَّلَبَ بِالْمَحْظُورِ الْمَمْنُوعِ، وَقِيلَ: اثْنَانِ: حَرَامٌ وَمُبَاحٌ، وَفُسِّرَتْ الْإِبَاحَةُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ، فَيَنْدَرِجُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ. وَبَقِيَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: خِلَافُ الْأَوْلَى، وَهُوَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْمَكْرُوهِ، لَكِنْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ وَخِلَافُ الْأَوْلَى بِخِلَافِهِ، فَتَرْكُ صَلَاةِ الضُّحَى خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا يُقَالُ: مَكْرُوهٌ، وَالتَّقْبِيلُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ صَوْمَ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ وَكَذَا الْحِجَامَةُ إنْ لَمْ نَقُلْ تُفْطِرُ، وَكَذَا تَفْصِيلُ أَعْضَاءِ الْعَقِيقَةِ.

стр. 230

قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ. الثَّانِي: أَنَّ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا لَا يُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ عَلَى أَصَحِّ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمًا.

стр. 231

[فَصْلٌ فِي الْوَاجِبِ] الْوُجُوبُ لُغَةً: اللُّزُومُ، وَمِنْهُ وَجَبَ الْبَيْعُ إذَا لَزِمَ، وَالسُّقُوطُ، وَمِنْهُ ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] وَالثُّبُوتُ وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك» . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: لَنَا إيجَابٌ وَوُجُوبُ وَاجِبٍ. فَالْإِيجَابُ: الطَّلَبُ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ مِنْهُ صِفَةٌ، فَإِنَّ الْقَوْلَ لَيْسَ لِمُتَعَلَّقِهِ مِنْهُ صِفَةٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَعْدُومِ. وَالْوُجُوبُ: تَعَلُّقُهُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ. فَالْوَاجِبُ: نَفْسُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا بِالتَّحْدِيدِ. وَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ حُدُودًا فَقَالَتْ الْقُدَمَاءُ: مَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ. وَاعْتُرِضَ بِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَأُجِيبُ: إنَّمَا يَرِدُ لَوْ أُرِيدَ إيجَابُ الْعِقَابِ، وَأَمَّا إذَا أُرِيدَ أَنَّهُ أَمَارَةٌ أَوْ سَبَبٌ لِلْعِقَابِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ الْعَفْوُ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَذَرَ بِأَنَّ الْخُلْفَ فِي الْوَعِيدِ كَرَمٌ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ الْخُلْفُ فِيهِ لِذَاتِهِ.

стр. 232

وَأَجَابَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِحَمْلِ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ جِنْسِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَبْطُلُ بِاحْتِمَالِ الْعَفْوِ إلَّا إذَا وَقَعَ الْعَفْوُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ التَّارِكِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ الْأَفْرَادِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ لَا يَصِحُّ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عِقَابِ بَعْضِ الْعُصَاةِ. وَأَجَابَ الْعَبْدَرِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى " بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ تَوَعُّدٌ بِالْعِقَابِ مُطْلَقٌ بَلْ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتُوبَ الْمُكَلَّفُ وَلَا يُعْفَى عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي ﵀: لَوْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا شَيْئًا لَوَجَبَ وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، فَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِإِيجَابِهِ لَا بِالتَّوَعُّدِ لَكِنَّ هَذَا مَرْدُودٌ، إذْ لَا يُعْقَلُ وُجُوبٌ بِدُونِ تَوَعُّدٍ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ عَرَّفُوهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ اللَّوْمَ عَلَى تَرْكِهِ، وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ تَعْلِيقِهِ " عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ حَدُّوا الْوَاجِبَ بِمَا يُخْشَى الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ. قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَهُ إلَى بَدَلٍ. انْتَهَى. وَزَيَّفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِمَا يُظَنُّ وُجُوبُهُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَإِنَّهُ يَخَافُ الْعِقَابَ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ. وَقِيلَ: هُوَ الْمَطْلُوبُ جَزْمًا، ثُمَّ الْعِقَابُ، أَوْ اللَّوْمُ، أَوْ الذَّمُّ يَكُونُ مِنْ إشَارَةِ تَعْرِيفٍ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَلَا يَجُوزُ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِآثَارِهِ، وَأَمَّا الْمُتَأَخِّرُونَ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَنَّهُ الَّذِي يُذَمُّ

стр. 233

تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا. فَالْمُرَادُ بِالذَّمِّ مَا يُنَبِّئُ عَنْ اتِّضَاحِ حَالِ الْغَيْرِ، وَتَارِكُ الْوَاجِبِ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ فَالذَّمُّ مِنْ الشَّارِعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ وَأَقَلُّهُ أَنَّهُ يُسَمِّيهِ عَاصِيًا، وَهُوَ ذَمٌّ قَطْعًا، وَلَا يُكْرِمُهُ مِثْلَ إكْرَامِ الْآتِي بِهِ، وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ، إذْ يَسْلُبُهُ مَنْصِبَ الْعَدَالَةِ. وَقِيلَ: شَرْعًا لِيُوَافِقَ مَذْهَبَنَا، وَبِوَجْهٍ مَا لِيَدْخُلَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ، وَالْمُخَيَّرُ، وَالْفَرْضُ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُذَمُّ تَارِكُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ اتِّصَافِهَا بِالْوُجُوبِ فِيهِ لَوْ وَقَعَتْ، لَكِنْ لَوْ تَرَكَهَا فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ أَوْ فِي أَوَّلِهِ وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى فِعْلِهِ فِيمَا بَعْدَهُ لَاسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ عَلَى رَأْيِ الْجَاعِلِ لِلْعَزْمِ بَدَلًا عَنْهُ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ كُلَّ الْخِصَالِ اسْتَحَقَّ الذَّمَّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْكِ بَعْضِهَا وَفِعْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ الْبَعْضُ وَقَامَ بِهِ الْبَعْضُ لَا يُذَمُّ تَارِكُهُ. أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ الْجَمِيعُ حَرَجُوا جَمِيعًا، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّائِمُ، وَالنَّاسِي، وَصَوْمُ الْمُسَافِرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إذْ لَا وُجُوبَ فِي حَقِّهِمْ عَلَى قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَالْقَاضِي مِنْهُمْ. أَمَّا عَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَقَدْ أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ لَا يُذَمُّونَ عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّهُ لَوْ انْتَبَهَ أَوْ تَذَكَّرَ ذُمَّ. فَإِنْ قُلْت: الذَّامُّ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الشَّرْعِ أَوْ أَهْلُ الشَّرْعِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مَا نَصَّ عَلَى ذَمِّ كُلِّ تَارِكٍ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّرْعِ فَإِنَّمَا يَذُمُّونَ مَنْ عَلِمُوا أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا، فَذَمُّهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى مَعْرِفَتِهِمْ بِالْوَاجِبِ، فَلَوْ عَرَفَ بِهِ لَدَارَ. وَالْجَوَابُ: مَا قَالَهُ السُّهْرَوَرْدِيّ: نَخْتَارُ أَنَّ الذَّامَّ هُوَ الشَّارِعُ بِصِيَغِ

стр. 234

الْعُمُومِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وَلِأَنَّ التَّارِكَ عَاصٍ، وَكُلُّ عَاصٍ مَذْمُومُ الْعَامَّةِ. سَلَّمْنَا، وَلَا دَوْرَ؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْوَاجِبِ مَوْقُوفٌ عَلَى تَصَوُّرِ الذَّمِّ، وَتَصَوُّرُ الذَّمِّ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى تَصَوُّرِ الْوَاجِبِ، فَلَا دَوْرَ، وَأَوْرَدَ فِي الْمَحْصُولِ " السُّنَّةَ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا: إنَّ أَهْلَ مَحَلَّةٍ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ سُنَّةِ الْفَجْرِ بِالْإِصْرَارِ فَإِنَّهُمْ يُحَارَبُونَ بِالسِّلَاحِ، وَهَذَا لَمْ يَقُولُوهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ بَلْ بِالْآذَانِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ: أَنَّا إذَا قُلْنَا بِسُنِّيَّتِهَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهَا خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَإِنْ جَرَيْنَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْمُقَاتَلَةُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّرْكُ مِنْ الِاسْتِهَانَةِ بِالدِّينِ لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ تَرْكِ السُّنَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ. تَنْبِيهَانِ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ قَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الْفَرْضَ عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ دُونَ مَا يَلْحَقُ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ، كَقَوْلِهِمْ: وُضُوءُ الصَّبِيِّ فَرْضٌ. وَلِهَذَا حَكَمُوا عَلَى مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ بِالِاسْتِعْمَالِ كَوُضُوءِ الْبَالِغِ لِلنَّفْلِ، وَقَدْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى مَا قُصِدَ بِهِ مُشَاكَلَةُ الْفَرْضِ؛ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِهِ كَالصَّلَاةِ

стр. 235

الْمُعَادَةِ. وَلِهَذَا يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ فِي الْأَصَحِّ. وَصَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَيِّتِ تَقَعُ فَرْضًا، وَإِنْ سَقَطَ الطَّلَبُ بِالْأُولَى وَغَيْرِ ذَلِكَ. [تَنْبِيه أَقْسَامُ الْوَاجِبِ] [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي [أَقْسَامُ الْوَاجِبِ] الْوُجُوبُ يُطْلَقُ تَارَةً بِمَعْنَى الثُّبُوتِ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ شَائِعٌ فِي إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَتَارَةً بِمَعْنَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَالْوَاجِبُ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا: مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَيُطَالَبُ بِأَدَائِهِ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُوسِرِ وَنَحْوِهِ. وَثَانِيهَا: مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يُطَالَبُ بِأَدَائِهِ، كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ. الثَّالِثُ: مَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلَكِنْ يَجِبُ أَدَاؤُهُ كَقَوْلِ أَصْحَابِنَا: إنَّ الدَّعْوَى بِالدِّيَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ الْعَاقِلَةِ لَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ بَلْ عَلَى الْجَانِي نَفْسِهِ. ثُمَّ هُمْ يَدْفَعُونَهَا بَعْدَ ثُبُوتِهَا كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ " فِي بَابِ صِفَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْبَتِّ، وَفِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَكَقَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي اللُّقَطَةِ: إذَا تَلِفَتْ لَا يَضْمَنُ حَتَّى يُطَالِبَ بِهَا الْمَالِكُ، وَقَدْ يَجِيءُ خِلَافُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، أَعْنِي هَلْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ مَعَ عُسْرِ الْأَدَاءِ أَوْ يُشْتَرَطُ لَهُ إمْكَانُ الْأَدَاءِ؟ مِنْ الْخِلَافِ فِي زَكَاةِ الثَّمَرِ أَنَّهَا تَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ مَعَ أَنَّ الْأَدَاءَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْجَفَافِ.

стр. 236

وَحَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ " قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالْجَفَافِ، وَزَعَمَ أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي وَقْتِ وُجُوبِ تَأْدِيَتِهَا، وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِمْكَانَ مِنْ شَرَائِطِ الرُّجُوبِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ لَا يُنْكَرُ بِثُبُوتِ الْوُجُوبِ مَعَ عُسْرِ الْأَدَاءِ، كَمَا فِي الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ. وَجَزَمَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ بَلْ الضَّمَانَ، قَالَ فِي الْبَسِيطِ ": وَوُجُوبُ الْحَقِّ فِي الذِّمَّةِ يَتَمَيَّزُ عَنْ أَدَائِهِ، وَإِخْرَاجِهِ، فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْإِمْكَانِ، أَمَّا ثُبُوتُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ فَيَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ وَقَدْ جَرَى. [مَسْأَلَةٌ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ] لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِتْيَانُ بِالْفِعْلِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، وَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إلَى التَّفْرِقَةِ. وَقَالُوا: الْوُجُوبُ شَغْلُ الذِّمَّةِ بِالْمَلْزُومِ، وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ وَوُجُودِ السَّبَبِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ

стр. 237

عَنْ الْوَاجِبِ بِوَاسِطَةِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ وَالسَّبَبِ وَالْخِطَابِ وَاسْتِطَاعَةِ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ مَعَ تَوَهُّمِ الِاسْتِطَاعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: لَيْسَ كُلُّ وَاجِبٍ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا كُلُّ مُحَرَّمٍ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَنَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ فَكُلُّهَا وَاجِبَةٌ، وَإِذَا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ غَافِلًا عَنْ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا وَقَعَتْ وَاجِبَةً مُجْزِئَةً، وَلَا يُثَابُ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ عُهْدَتِهَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ إلَيْهَا حَتَّى يَنْوِيَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا فَلَا ثَوَابَ حِينَئِذٍ. نَعَمْ مَتَى اقْتَرَنَ قَصْدُ الِامْتِثَالِ فِي الْجَمِيعِ حَصَلَ الثَّوَابُ. انْتَهَى. وَظَاهِرُهُ تَقْسِيمُ الْوَاجِبِ إلَى مَا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِلَى مَا يَنْتَفِي عَنْهُ الثَّوَابُ، وَكَذَا الْحَرَامُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ جَزْمًا، وَشَرْطُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ فِيهِ. فَتَرَتُّبُ الثَّوَابِ وَعَدَمُهُ فِي فِعْلِ الْوَاجِبِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ وَعَدَمِهِ رَاجِعٌ إلَى وُجُودِ الثَّوَابِ، وَعَدَمُهُ ذُهُولُ النِّيَّةِ، لَا أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْحَرَامَ مُنْقَسِمَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا.

стр. 238

[مَسْأَلَةٌ أَسْمَاءُ الْوَاجِبِ] مِنْ أَسْمَاءِ الْوَاجِبِ الْمَحْتُومُ وَالْمَكْتُوبُ وَالْفَرْضُ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي اللُّغَةِ. إذْ الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ. وَمِنْهُ فَرَضَ الْقَاضِي النَّفَقَةَ، وَالْوُجُوبُ لُغَةً قَدْ سَبَقَ، وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَرَادُفِهِمَا حَدِيثُ: «قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَاسِطَةً، بَلْ الْخَارِجُ عَنْ الْفَرْضِ دَاخِلٌ فِي التَّطَوُّعِ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْفَرْضَ، مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ تَشَوُّفًا مِنْهُمْ إلَى رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيْنَا. وَالْوَاجِبُ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ سَاقِطٌ عَلَيْنَا، وَلَا نُسَمِّيهِ بِالْفَرْضِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيْنَا كَالْوِتْرِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالْأُضْحِيَّةِ، وَخَصَّهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ بِالثَّابِتِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ: وَهُوَ كَالْفَرْضِ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ وَالنَّافِلَةِ فِي حَقِّ الِاعْتِقَادِ حَتَّى لَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ.

стр. 239

قَالَ: وَمِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَالْمَكْتُوبَاتُ مَعْلُومَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ نَسْخِهَا عُلِمَ تَحْرِيمَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلِذَلِكَ لَمْ تُجْعَلْ رُتْبَتُهَا فِي الْوُجُوبِ رُتْبَةَ الْفَرِيضَةِ حَتَّى لَا تَصِيرَ زِيَادَةً عَلَيْهَا. قُلْنَا: الْفَرْضُ الْمُقَدَّرُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، وَالْوَاجِبُ هُوَ السَّاقِطُ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، فَتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ تَحَكُّمٌ. قَالَ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلَوْ عَكَسُوا الْقَوْلَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوُجُوبِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْفَرْضِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَنْدُوبِ. فَإِنْ أَرَادُوا إلْزَامَ غَيْرِهِمْ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ لِمُوَافَقَةِ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا بَيَّنَّا. وَإِنْ قَصَدُوا اصْطِلَاحَهُمْ عَلَيْهِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ، وَلَا يُنْكَرُ انْقِسَامُ الْوَاجِبِ إلَى مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَظْنُونٍ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": إنْ كَانَ مَا قَالَهُ رَاجِعًا إلَى

стр. 240

مُجَرَّدِ الِاصْطِلَاحِ فَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ فِي مِثْلِهِ التَّحَرُّزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى عَنْ اخْتِلَاطِ الِاصْطِلَاحَيْنِ، فَإِنَّهُ يُوقِعُ غَلَطًا مَعْنَوِيًّا. وَأَيْضًا فَالْمُصْطَلَحُ عَلَى شَيْءٍ يَحْتَاجُ إلَى أَمْرَيْنِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحُهُ حَسَنًا. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْوَضْعَ الْعَامَّ لُغَةً أَوْ عُرْفًا. الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا فَرَّقَ بَيْنَ مُتَقَارِنَيْنِ يُبْدِي مُنَاسَبَةً لِلَفْظِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَاهُ، وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصُهُ لِأَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ بِعَيْنِهِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي فَعَلَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُمْ خَصُّوا الْفَرْضَ بِالْمَعْلُومِ قَطْعًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاجِبَ هُوَ السَّاقِطُ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ لَفْظَةٍ مَعَ مَعْنَاهَا الَّذِي ذَكَرُوهُ، وَلَوْ عَكَسُوا الْأَمْرَ لَمَا امْتَنَعَ. فَالِاصْطِلَاحُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِذَلِكَ الْحَسَنِ. اهـ. وَقَدْ نُقِضَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَعْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَرْضًا، وَمَسْحَ رُبْعِ الرَّأْسِ فَرْضًا. وَلَمْ يَثْبُتْ بِقَاطِعٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَجَعَلُوا الْوُضُوءَ مِنْ الْفَصْدِ فَرْضًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِقَطْعِيٍّ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ بَعْدَمَا أَدَّى الصَّلَاةَ، وَالْعُشْرَ فِي الْأَقْوَاتِ، وَفِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. قَالَ إِلْكِيَا: وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ عِنْدَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا أَمَّا عِنْدَ اللَّهِ فَهُوَ سَوَاءٌ. ثُمَّ قِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ رَاجِعٌ إلَى التَّسْمِيَةِ. وَقِيلَ: بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي التَّكْفِيرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجُحُودِ فَإِنَّ مَنْ جَحَدَ

стр. 241

قَطْعِيًّا كَفَرَ، أَوْ ظَنِّيًّا فَلَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الْفَرْقِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ عِنْدَنَا بِأَسْرِهَا قَطْعِيَّةٌ، وَعِنْدَهُمْ تَنْقَسِمُ إلَى مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ وَإِلَى مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْفَرْضَ مَا أُجْمِعَ عَلَى وُجُوبِهِ وَالْوَاجِبَ مَا كَانَ مُخْتَلِفًا فِي وُجُوبِهِ. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَرْضَ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَالْوَاجِبَ مَا ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَحْيٍ مُصَرِّحٍ بِهِ. حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَأَلْزَمَهُمْ الْقَاضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِالسُّنَّةِ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَدِيَةِ الْأَصَابِعِ، وَالْعَاقِلَةِ فَرْضًا، وَأَنْ يَكُونَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ التَّبَايُعِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ فَرْضًا. وَفَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اللَّهِ وَالْإِيجَابَ يَكُونُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ غَيْرِهِ. يُقَالُ: فَرَضَ اللَّهُ كَذَا وَأَوْجَبَ، وَلَا يُقَالُ: فَرَضَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا يُقَال: أَوْجَبَ، أَوْ فَرَضَ الْقَاضِي لَهُ كَذَا، وَقَدْ فَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فَسَمَّوْا الْفَرْضَ رُكْنًا، وَالْوَاجِبَ شَرْطًا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِي بَابِ الْحَجِّ حَيْثُ قَالُوا: الْوَاجِبُ مَا يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَالرُّكْنُ مَا لَا يُجْبَرُ، وَهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ فَرْقًا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى تَخْتَلِفُ الذَّوَاتُ بِحَسَبِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْضَاعٌ نُصِبَتْ لِلْبَيَانِ،

стр. 242

وَعِبَارَةُ التَّنْبِيهِ " تَقْتَضِي أَنَّ الْفَرْضَ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَابِ فُرُوضِ الْحَجِّ: وَذِكْرُ أَرْكَانِ الْحَجِّ مِنْ وَاجِبَاتِهِ وَهِيَ مُؤَوَّلَةٌ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْعَبَّادِيِّ فِيمَنْ قَالَ: " الطَّلَاقُ وَاجِبٌ عَلَيَّ " تَطْلُقُ. أَوْ فَرْضٌ لَا تَطْلُقُ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُنَافٍ لِلتَّرَادُفِ، بَلْ لِأَنَّ الْعُرْفَ اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ اللُّغَةِ الْمَهْجُورِ. وَقَدْ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ فِي الزِّيَادَاتِ " وَخَصَّهَا بِأَهْلِ الْعِرَاقِ لِلْعُرْفِ فِيهِمْ بِذَلِكَ. قَالَ: وَهَكَذَا جَوَابُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. [مَسْأَلَةٌ بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ أَوْجَبُ مِنْ بَعْضٍ] قَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بَعْضُ الْوَاجِبَاتِ أَوْجَبُ مِنْ بَعْضٍ كَالسُّنَنِ بَعْضُهَا آكَدُ مِنْ بَعْضٍ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَنْصَرِفُ عِنْدَهُمْ إلَى صِفَةِ الذَّاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَنَا فَمَا كَانَ اللَّوْمُ عَلَى تَرْكِهِ أَكْثَرَ كَانَ أَوْجَبَ فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ أَوْجَبُ مِنْ الْوُضُوءِ. [مَسْأَلَةٌ تَرَتُّبُ الذَّمِّ أَوْ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ يَتَحَقَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ] ُ] لَا يَتَحَقَّقُ وُجُوبٌ بِدُونِ تَرْجِيحٍ فِي فِعْلِهِ بِتَرَتُّبِ ذَمٍّ أَوْ عِقَابٍ عَلَى تَرْكِهِ.

стр. 243

وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَوْجَبَ اللَّهُ شَيْئًا وَجَبَ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَعَّدْ بِالْعِقَابِ عَلَى تَرْكِهِ، إذْ الْوُجُوبُ بِإِيجَابِهِ لَا بِالْعِقَابِ، بَلْ يَكْفِي فِي الْوُجُوبِ الطَّلَبُ الْجَازِمُ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْعِقَابِ وَالتَّوَعُّدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّجْحَانَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا فِيهَا، بَلْ قَدْ يَكُونُ بِأَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ سَبَبًا لِلذَّمِّ، وَفِعْلُهُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ فَهَذَا حَقٌّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ يَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَأَنْ يَتَرَجَّحَ الْفِعْلُ عَلَى التَّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، وَيَكُونُ مَقْصُودًا مِنْ نَفْيِ التَّوَعُّدِ نَفْيُ الْمُرَجِّحِ لَا نَفْيُ خُصُوصِهِ. إذْ قَوْلُهُ: إذْ الْوُجُوبُ بِإِيجَابِهِ مُشْعِرٌ بِهِ فَمَمْنُوعٌ لِمَا مَرَّ فِي تَعْرِيفِهِ الْوَاجِبَ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي الْمُسْتَوْفَى ": إنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي إذَا حُقِّقَ هُوَ مَقَامُ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ مَقَامُ الصَّالِحِينَ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ الرَّازِيَّ فِي الْمُنْتَخَبِ ": تَحَقُّقُ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا وَهْمٌ عَلَى الْغَزَالِيِّ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ الْعِقَابَ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَرْكِ كُلِّ الْوَاجِبِ بَلْ مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ هَلْ يَكْفِي فِي تَصَوُّرِ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ الطَّلَبُ الْجَازِمُ الَّذِي لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِ الطَّالِبِ الْإِذْنَ بِالتَّرْكِ كَمَا فِي دُعَائِنَا لِلَّهِ تَعَالَى؟ أَوْ يُقَال: الْوُجُوبُ مُرَكَّبٌ مِنْ رُجْحَانِ الْفِعْلِ مَعَ قَيْدِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى التَّرْكِ إمَّا الذَّمَّ أَوْ غَيْرُهُ. هَذَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا النَّقْلُ عَنْ الْغَزَالِيِّ سَهْوٌ مِنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْغَزَالِيَّ نَفَى الْوُجُوبَ عِنْدَ نَفْيِ التَّرْجِيحِ مُطْلَقًا لَا عِنْدَ نَفْيِ الْعِقَابِ.

стр. 244

[فَصْلٌ انْقِسَامُ الْوَاجِبِ] [ مَسْأَلَة الواجب الْمُخَيَّرِ] انْقِسَامُ الْوَاجِبِ] الْوَاجِبُ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ فَاعِلِهِ إلَى: وَاجِبٍ عَلَى الْعَيْنِ، وَوَاجِبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ: وَبِحَسَبِ ذَاتِهِ إلَى وَاجِبٍ مُعَيَّنٍ، وَوَاجِبٍ مُخَيَّرٍ، وَبِحَسَبِ وَقْتِهِ إلَى وَاجِبٍ مُضَيَّقٍ وَوَاجِبٍ مُوَسَّعٍ، وَيَجِبُ فِعْلُهُ فِي وَقْتِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ. فَنَقُولُ: مَسْأَلَةُ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ إيجَابُ شَيْءٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مَحْصُورَةٍ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى جَائِزٌ عَقْلًا. خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا زَاعِمًا لُزُومَ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ؛ لِتَنَاقُضِ الْوُجُوبِ وَالتَّخْيِيرِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمَا هُوَ مُخَيَّرٌ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَيَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَعَلَ، سَقَطَ الْفَرْضُ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ، لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَا يُوصَفُ الْجَمِيعُ بِالْوُجُوبِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا، كَمَا قَالَهُ

стр. 245

الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ مَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ كَافَّةً، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ إجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَنَعْنِي بِهَذَا أَنَّ مَا مِنْ وَاحِدٍ إلَّا وَيَتَعَلَّقُ بِهِ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَسْنَا نَعْنِي أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ فِي حُكْمِ اللَّهِ مُلْتَبِسٌ عَلَيْنَا، وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَحُكِيَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَيْضًا، وَالثَّانِي: وَبِهِ قَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: الْكُلُّ وَاجِبٌ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ، وَقَالَ: الْكُلُّ وَاجِبٌ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالْبَدَلِ، وَإِذَا فُعِلَ بَعْضُهَا سَقَطَ بِهِ وُجُوبُ بَاقِيهَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَاخْتَارَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْ مَالِكِيَّةِ الْعِرَاقِ. قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، لَكِنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا فِعْلَ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَاخْتِيَارُهُ مُعَرِّفٌ، لَنَا أَنَّهُ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ، وَعَلَى هَذَا فَيَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ. حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مَعَ جَلَالَتِهِ. وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": إنَّ أَصْحَابَنَا يَنْسُبُونَهُ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَصْحَابِنَا، وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى فَسَادِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": لَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ

стр. 246

مُعَيَّنٍ عِنْدَنَا كَانَ خِلَافًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَجَرَى مَجْرَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. هَذَا مِمَّا لَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَحَدٌ. انْتَهَى، وَقَدْ عَلِمْتَ فَسَادَهُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ فَعَلَهُ الْمُكَلَّفُ فَذَاكَ، وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا وَسَقَطَ الْوَاجِبُ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِ؟ وَجْهَانِ: وَالْأَوَّلُ: حَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ فِي تَمْهِيدِهِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَأَغْرَبَ فَنَسَبَهُ إلَى الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ مُعْظَمِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْوَاضِحِ "، فَقَالَ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْوَاجِبَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَخْتَارُهُ. قِيلَ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ عَنْهُ غَيْرُهُ أَنْ لَا وُجُوبَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَيَجِيءُ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الْوَقْفُ، فَإِنْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهَا فَهُوَ الْوَاجِبُ، كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إنَّ مَالِكَ النِّصَابِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَهَا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ فِي الْعَيْنِ. وَيَجِيءُ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْخِصَالِ أَدْوَنَ كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ،

стр. 247

فَإِنْ فَعَلَ الْأَكْمَلَ سَقَطَ بِهِ، وَهَذَا كَمَا فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، فَإِنَّ خَبَرَ مُعَاذٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ " وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْوَاجِبَ التَّبِيعُ، وَأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ التَّبِيعَةَ كَانَ أَوْلَى، وَأَسْقَطَ الْوَاجِبَ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: سَبَبُ ذَلِكَ قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الثَّلَاثِينَ تَبِيعٌ. إذَا عَلِمْت هَذَا فَالْكَلَامُ بَعْدَهُ فِي مَوَاضِعَ. أَحَدُهَا: تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ. الثَّانِي: هَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ أَوْ لَفْظِيٌّ؟ . الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ. الرَّابِعُ: فِي شُرُوطِ التَّخْيِيرِ. [تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ] أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَتَحْرِيرُ مَعْنَى الْإِبْهَامِ، فَأَمَّا عِنْدَنَا

стр. 248

فَالْوَاجِبُ أَحَدُ الْخِصَالِ، وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَتَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا هُوَ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ لِلْوُجُودِ لَا لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْجِهَةَ الشَّخْصِيَّةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبٌ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمِئَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَطَقَ بِالتَّخْيِيرِ، فَقَالَ: (فَإِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ. أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ) فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا وَخَيَّرَ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَمُتَعَلَّقُ التَّخْيِيرِ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ وَلَا وُجُوبَ فِيهَا. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ ": لَا نَقُولُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، بَلْ الْوَاجِبُ هُوَ حِصَّةٌ مِنْهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ. وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَكُونُ مِنْ صُوَرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْيِيرُ فِي الْوَاحِدِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: يَجِبُ الْجَمِيعُ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَظَاهِرُهُ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، إذْ مَعْنَى وُجُوبِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِفِعْلِهَا، وَمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ أَنْ يَبْرَأَ بِفِعْلِ أَيُّهَا شَاءَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ فِعْلِ الْجَمِيعِ، أَوْ وُجُوبُ الْجَمِيعِ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْجَمْعِ بِمَعْنَى إنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا فَعَلَ هَذَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.

стр. 249

وَكَانَ الْغَلَطُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إمَّا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ التَّخْيِيرِ لَا يَجْتَمِعَانِ، أَوْ مِنْ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ بِأَنْ وَافَقُوهُمْ عَلَى عِبَارَةٍ مُوهِمَةٍ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِ الْإِفَادَةِ " عَنْهُمْ: أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَدَلِ. وَقَدْ حَرَّرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ فَقَالَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ يُقَالُ عَلَى الْمُتَوَاطِئِ، كَالرَّجُلِ وَلَا إبْهَامَ فِيهِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَعْلُومَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ وَيُقَالُ عَلَى الْمُبْهَمِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ، كَأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ إلَّا الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى الرُّجُولِيَّةِ. وَالثَّانِي فِيهِ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى مُبْهَمًا؛ لِأَنَّهُ انْبَهَمَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّاتِهِ كَالْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ، فَإِنَّ مُسَمَّى الْإِعْتَاقِ وَمُسَمَّى الرَّقَبَةِ مُتَوَاطِئٌ كَالرَّجُلِ. فَلَا تَعَلُّقَ لِلْأَمْرِ بِالْخُصُوصِيَّاتِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَا عَلَى التَّخْيِيرِ. فَلَا يُقَالُ فِيهِ: وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمُخَيَّرِ، وَأَكْثَرُ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ. وَالثَّانِي مُتَعَلَّقُ الْخُصُوصِيَّاتِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ وَسُمِّيَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ. قَالَ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَزْوِيجَ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ، وَإِعْتَاقَ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَذَا نَصْبُ أَحَدِ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْإِمَامَةِ إذَا شَغَرَ الْوَقْتُ عَنْ إمَامٍ. الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ فِيهِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْخُصُوصِيَّاتِ، وَإِنَّمَا مِثَالُهُ أَهْلُ الشُّورَى الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ فِيهِمْ؛ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِأَعْيَانِهِمْ.

стр. 250

وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي الْمُسْتَوْفَى ": الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ الَّذِي فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُخَيَّرَ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُخَيَّرَ فِي أَنْوَاعِهِ إنْ كَانَ ذَا أَنْوَاعٍ، وَفِي أَشْخَاصِهِ إنْ كَانَ ذَا أَشْخَاصٍ. فَيُقَالُ: لَا شَكَّ إنْ أَرَدْت الْمُخَيَّرَ فِيهِ فَالْعَيْنُ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَإِنْ أَرَدْت التَّخْيِيرَ فِي أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، فَأَنْوَاعُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ وَأَشْخَاصِهِ يَصِحُّ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَبِهِ يَنْقَطِعُ النِّزَاعُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ. قُلْت: وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُحَقَّقٌ، فَإِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَاجِبَ كُلُّ خَصْلَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْأُخْرَى، وَبِهِ يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ مِنْ الْجِنْسِ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَائِلٌ. وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى إبْهَامًا، وَالْفُقَهَاءِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ، وَالْمُعْتَزِلَةُ إنَّمَا قَصَدُوا الْفِرَارَ مِنْ قَوْلِنَا: أَحَدُهَا وَاجِبٌ لِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ. وَأَصْحَابُنَا لَا يُرَاعُونَ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ، وَيُجَوِّزُونَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلُوا الْوَاجِبَ مُبْهَمًا. فَإِذَا نَظَرْنَا إلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى. تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبًا. أَمَّا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَقِيقَةِ أَحَدَهَا، وَلَمْ يُقْصَدْ بِالتَّخْيِيرِ ظَاهِرُهُ بَلْ التَّهْدِيدُ، فَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ وَاحِدٌ قَطْعًا. وَمِثَالُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
следующие страницы →