Полный текст (3 423 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مُعَيَّنٍ عِنْدَنَا كَانَ خِلَافًا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَجَرَى مَجْرَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. هَذَا مِمَّا لَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَحَدٌ. انْتَهَى، وَقَدْ عَلِمْتَ فَسَادَهُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ فَعَلَهُ الْمُكَلَّفُ فَذَاكَ، وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا وَسَقَطَ الْوَاجِبُ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ أَوْ بِاخْتِيَارِهِ؟ وَجْهَانِ: وَالْأَوَّلُ: حَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ فِي تَمْهِيدِهِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَأَغْرَبَ فَنَسَبَهُ إلَى الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ مُعْظَمِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو يُوسُفَ فِي الْوَاضِحِ "، فَقَالَ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ وَاحِدٌ، وَيَتَعَيَّنُ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الْوَاجِبَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ يَخْتَارُهُ. قِيلَ: وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ عَنْهُ غَيْرُهُ أَنْ لَا وُجُوبَ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَيَجِيءُ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ الْوَقْفُ، فَإِنْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهَا فَهُوَ الْوَاجِبُ، كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: إنَّ مَالِكَ النِّصَابِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ وَمِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا أَخْرَجَهَا مِنْ عَيْنِ الْمَالِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ غَيْرِهَا تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ فِي الْعَيْنِ. وَيَجِيءُ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ الْخِصَالِ أَدْوَنَ كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ،
стр. 247
فَإِنْ فَعَلَ الْأَكْمَلَ سَقَطَ بِهِ، وَهَذَا كَمَا فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ، فَإِنَّ خَبَرَ مُعَاذٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ " وَالْأَصْحَابُ أَنَّ الْوَاجِبَ التَّبِيعُ، وَأَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ التَّبِيعَةَ كَانَ أَوْلَى، وَأَسْقَطَ الْوَاجِبَ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا بِالزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: سَبَبُ ذَلِكَ قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الثَّلَاثِينَ تَبِيعٌ.
إذَا عَلِمْت هَذَا فَالْكَلَامُ بَعْدَهُ فِي مَوَاضِعَ. أَحَدُهَا: تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ. الثَّانِي: هَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ أَوْ لَفْظِيٌّ؟ . الثَّالِثُ: فِي كَيْفِيَّةِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ. الرَّابِعُ: فِي شُرُوطِ التَّخْيِيرِ. [تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ] أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ تَحْقِيقُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَتَحْرِيرُ مَعْنَى الْإِبْهَامِ، فَأَمَّا عِنْدَنَا
стр. 248
فَالْوَاجِبُ أَحَدُ الْخِصَالِ، وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَتَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا هُوَ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ لِلْوُجُودِ لَا لِلْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْجِهَةَ الشَّخْصِيَّةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبٌ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمِئَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ حِقَاقٍ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِأَنَّهُ ﷺ نَطَقَ بِالتَّخْيِيرِ، فَقَالَ: (فَإِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ. أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ) فَأَوْجَبَ أَحَدَهُمَا وَخَيَّرَ فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: مُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ، وَمُتَعَلَّقُ التَّخْيِيرِ خُصُوصِيَّاتُ الْخِصَالِ وَلَا وُجُوبَ فِيهَا. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ ": لَا نَقُولُ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ، بَلْ الْوَاجِبُ هُوَ حِصَّةٌ مِنْهُ يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ. وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوْلِ بِإِيجَابِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَكُونُ مِنْ صُوَرِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْيِيرُ فِي الْوَاحِدِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ: يَجِبُ الْجَمِيعُ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَظَاهِرُهُ مُتَنَاقِضٌ فِي نَفْسِهِ، إذْ مَعْنَى وُجُوبِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِفِعْلِهَا، وَمُقْتَضَى التَّخْيِيرِ أَنْ يَبْرَأَ بِفِعْلِ أَيُّهَا شَاءَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِوُجُوبِ الْجَمِيعِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجَمِيعِ، وَهُوَ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ فِعْلِ الْجَمِيعِ، أَوْ وُجُوبُ الْجَمِيعِ عَلَى الْبَدَلِ لَا عَلَى الْجَمْعِ بِمَعْنَى إنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا فَعَلَ هَذَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ.
стр. 249
وَكَانَ الْغَلَطُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إمَّا مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ التَّخْيِيرِ لَا يَجْتَمِعَانِ، أَوْ مِنْ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ بِأَنْ وَافَقُوهُمْ عَلَى عِبَارَةٍ مُوهِمَةٍ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِ الْإِفَادَةِ " عَنْهُمْ: أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ عَلَى الْبَدَلِ.
وَقَدْ حَرَّرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ فَقَالَ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ يُقَالُ عَلَى الْمُتَوَاطِئِ، كَالرَّجُلِ وَلَا إبْهَامَ فِيهِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهُ مَعْلُومَةٌ مُتَمَيِّزَةٌ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ وَيُقَالُ عَلَى الْمُبْهَمِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ، كَأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ إلَّا الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ مُسَمَّى الرُّجُولِيَّةِ.
وَالثَّانِي فِيهِ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى مُبْهَمًا؛ لِأَنَّهُ انْبَهَمَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِيَّاتِهِ كَالْأَمْرِ بِالْإِعْتَاقِ، فَإِنَّ مُسَمَّى الْإِعْتَاقِ وَمُسَمَّى الرَّقَبَةِ مُتَوَاطِئٌ كَالرَّجُلِ. فَلَا تَعَلُّقَ لِلْأَمْرِ بِالْخُصُوصِيَّاتِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَا عَلَى التَّخْيِيرِ. فَلَا يُقَالُ فِيهِ: وَاجِبٌ مُخَيَّرٌ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمُخَيَّرِ، وَأَكْثَرُ أَوَامِرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ ذَلِكَ. وَالثَّانِي مُتَعَلَّقُ الْخُصُوصِيَّاتِ فَلِذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ وَسُمِّيَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ. قَالَ: وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ تَزْوِيجَ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ، وَإِعْتَاقَ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَكَذَا نَصْبُ أَحَدِ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْإِمَامَةِ إذَا شَغَرَ الْوَقْتُ عَنْ إمَامٍ. الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ فِيهِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْخُصُوصِيَّاتِ، وَإِنَّمَا مِثَالُهُ أَهْلُ الشُّورَى الَّذِينَ جَعَلَ عُمَرُ الْأَمْرَ فِيهِمْ؛ لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِأَعْيَانِهِمْ.
стр. 250
وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي الْمُسْتَوْفَى ": الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ الَّذِي فِي اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُخَيَّرَ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُخَيَّرَ فِي أَنْوَاعِهِ إنْ كَانَ ذَا أَنْوَاعٍ، وَفِي أَشْخَاصِهِ إنْ كَانَ ذَا أَشْخَاصٍ. فَيُقَالُ: لَا شَكَّ إنْ أَرَدْت الْمُخَيَّرَ فِيهِ فَالْعَيْنُ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَإِنْ أَرَدْت التَّخْيِيرَ فِي أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ، فَأَنْوَاعُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ وَأَشْخَاصِهِ يَصِحُّ التَّخْيِيرُ فِيهَا، وَبِهِ يَنْقَطِعُ النِّزَاعُ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ. قُلْت: وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مُحَقَّقٌ، فَإِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْوَاجِبَ كُلُّ خَصْلَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْأُخْرَى، وَبِهِ يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ مِنْ الْجِنْسِ، وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْوَاجِبَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْخِصَالِ، وَهَذَانِ مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ يُمْكِنُ أَنْ يَذْهَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَائِلٌ. وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى إبْهَامًا، وَالْفُقَهَاءِ أَوْلَى أَنْ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ، وَالْمُعْتَزِلَةُ إنَّمَا قَصَدُوا الْفِرَارَ مِنْ قَوْلِنَا: أَحَدُهَا وَاجِبٌ لِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ. وَأَصْحَابُنَا لَا يُرَاعُونَ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ، وَيُجَوِّزُونَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلُوا الْوَاجِبَ مُبْهَمًا. فَإِذَا نَظَرْنَا إلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ فِي الْمَعْنَى.
تَنْبِيهٌ: لَا يَخْفَى تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَطْلُوبًا. أَمَّا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي الْحَقِيقَةِ أَحَدَهَا، وَلَمْ يُقْصَدْ بِالتَّخْيِيرِ ظَاهِرُهُ بَلْ التَّهْدِيدُ، فَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ وَاحِدٌ قَطْعًا. وَمِثَالُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]
стр. 251
وَنَحْوُ هَذَا ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ.
[هَلْ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ؟] وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ؟ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي التَّقْرِيبِ "، وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ "، وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ فِي الْمَحْصُولِ ". قَالُوا: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ لِاتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ إذَا أُتِيَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَفَى ذَلِكَ فِي سُقُوطِ التَّكْلِيفِ. وَلَكِنَّ مُرَادَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ مَا مِنْ وَاحِدٍ يُفْعَلُ إلَّا يَقَعُ وَاجِبًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي الْعُمْدَةِ "، وَلِهَذَا لَمْ يُصَحِّحَ الْإِمَامُ النَّقْلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، فَقَدْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ " وَهُوَ الْقُدْوَةُ عِنْدَهُمْ، وَأُصُولُهُ تَقْتَضِي مَا نُقِلَ عَنْهُ، وَأَنَّ الْوُجُوبَ عِنْدَهُ يَتْبَعُ الْحَسَنَ الْخَاصَّ. فَيَجِبُ عِنْدَ التَّخْيِيرِ اسْتِوَاءُ الْجَمِيعِ فِي الْحَسَنِ الْخَاصِّ، وَإِلَّا وَقَعَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ ": قَدْ أَعْيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْعُلَمَاءَ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ فَمَا أَحَدٌ تَصَوَّرَ الْخِلَافَ فِيهَا.
стр. 252
وَفِي الْجُمْلَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلَّهَا، وَلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا أَنَّهُ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْهَا أَجْزَأَهُ، وَلَا أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ نَدْبٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا أَعْرِفُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": قَدْ دَارَتْ رُءُوسُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَعْيَتْهُمْ، وَلَا فَائِدَةَ لَهَا مَعْنَوِيَّةً لِلِاتِّفَاقِ عَلَى مَا ذَكَرَ. اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: بَلْ الْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّا نُخَطِّئُهُمْ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْوُجُوبِ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَّارَةِ أَحَدُ الْأُمُورِ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ فُورَكٍ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ وَابْنِ التِّلِمْسَانِيِّ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ تَدُلُّ عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ يَقْتَضِي وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ أَيْضًا: الْوَاجِبُ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ وَقَعَ غَيْرُهُ وَقَعَ نَفْلًا وَسَقَطَ بِهِ الْوَاجِبُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوَاجِبُ [أَحَدُهَا] وَلَكِنْ عَلَى الْبَدَلِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تُرَادَ مَعَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الْخُصُوصِيَّاتُ أَوْ لَا، أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ: احْتِمَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْخِصَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ وَاجِبَةٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَفْعَلَ غَيْرَهَا.
стр. 253
وَالْأَوْفَقُ لِقَوَاعِدِ الْمُعْتَزِلَةِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا غَيْرُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْحَسَنِ. وَالْأَوْفَقُ لِقَوَاعِدِنَا أَنْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهَا فِيمَا لَوْ فَعَلَ خَصْلَةً، فَعَلَى هَذَا هُوَ الْوَاجِبُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ تَأَدَّى بِهَا لَا أَنَّهَا هِيَ الْوَاجِبُ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ، وَيَظْهَرُ لَهُ فَوَائِدُ فِي الْخَارِجِ: إحْدَاهَا: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ خَصْلَةً يُقَالُ عَلَى مَا اخْتَرْنَاهُ: إنَّهَا الْوَاجِبُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ يَتَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ. الثَّانِيَةُ: إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ مَعًا يُثَابُ عَلَى الْجَمِيعِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ لَمْ يَسْبِقْهَا غَيْرُهَا، وَعَلَى رَأْيِهِمْ يُثَابُ عَلَى وَاحِدَةٍ فَقَطْ، كَذَا نَقَلَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ " وَالْآمِدِيَّ عَنْهُمْ وَكَأَنَّهُمْ يَعْنُونَ ثَوَابَ الْوَاجِبِ. الثَّالِثَةُ: إذَا تَرَكَ الْجَمِيعَ، وَقُلْنَا: لِلْإِمَامِ الْمُطَالَبَةُ بِالْكَفَّارَاتِ أُجْبِرَ عَلَى فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ عَلَى رَأَيْنَا، كَمَا نَقُولُ: الْقَاضِي يُكْرِهُ الْمُولِيَ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْبِرَهُ عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا.
стр. 254
الرَّابِعَةُ: مَاتَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْمُخَيَّرَةُ وَلَمْ يُوصِ بِإِخْرَاجِهَا، وَعَدَلَ الْوَارِثُ عَنْ أَعْلَى الْأُمُورِ أَيْ الْعِتْقِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَا مُخَرَّجَيْنِ مِنْ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إنْ قُلْنَا: إنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ فَلَهُ إسْقَاطُ الْوُجُوبِ بِإِخْرَاجِ وَاحِدٍ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُهَا لَا بِعَيْنِهِ لَمْ يُجْزِئْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الْوُجُوبِ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ يُقَالُ بِمِثْلِهِ عِنْدَ فِعْلِ أَدْنَاهَا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ عَدَمَ التَّعْيِينِ لَمْ يَخْتَصَّ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَ الْعُدُولُ إلَى الْأَعْلَى مَعَ إمْكَانِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْأَدْنَى فَهَذَا مَأْخَذُ غَيْرِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَأَيْضًا التَّصَرُّفُ عَنْ الْمَيِّتِ لَا ضَرُورَةَ بِهِ إلَى فِعْلِ مَا لَا إثْمَ فِي تَرْكِهِ، وَإِنْ وَصَفْنَاهُ بِالْوُجُوبِ. الْخَامِسَةُ: لَوْ أَوْصَى فِي الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ بِخَصْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَكَانَتْ قِيمَتُهَا تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الْخَصْلَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ تَأْدِيَةُ وَاجِبٍ، وَهَذَا هُوَ قِيَاسُ كَوْنِ الْوَاجِبِ أَحَدَهَا. وَأَصَحُّهُمَا: اعْتِبَارُهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَتِّمٍ، وَتَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ بِدُونِهِ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْكُلُّ وَاجِبٌ فَالْجَمِيعُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ مُبْهَمٌ فَالزَّائِدُ مِنْ الثُّلُثِ وَيَطْرُقُهُ النَّظَرُ السَّابِقُ. السَّادِسَةُ: حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَقَدْ جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ حَنِثَ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَتَوَقَّفَ فِيهِ.
стр. 255
السَّابِعَةُ: لَوْ جَنَى عَلَى الْمُفْلِسِ أَوْ عَلَى عَبْدِهِ، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَأَنَّ فِي الْمُخَيَّرِ يَجِبُ الْجَمِيعُ، فَلَيْسَ لَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالْآخَرِ كَانَ لَهُ. الثَّامِنَةُ: إذَا طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ، إنْ قُلْنَا الْوَاجِبُ مُبْهَمٌ، فَالطَّلَاقُ وَقَعَ مُبْهَمًا، فَلَا يَقَعُ إلَّا عِنْدَ التَّعْيِينِ، وَإِنْ قُلْنَا: وَقَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ فَمِنْ حِينِ اللَّفْظِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. التَّاسِعَةُ: تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا يُجْزِئُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، الْحَجَرِ أَوْ الْمَاءِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ وُجُوبِ الْمَاءِ الطَّلَبُ، فَيَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ، إذْ لَا تَيَمُّمَ مَعَ وُجُوبِ الطَّلَبِ.
[كَيْفِيَّةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ] وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَقَالَ الْقَاضِي: مِنْ حُجَجِ أَصْحَابِنَا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَوْ أَقْدَمَ عَلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِي الْكَفَّارَةِ مَعًا، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِأَنْ يُنَصِّبَ فِي تَأْدِيَتِهَا وُكَلَاءَ، فَتَتَّفِقُ أَفْعَالُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ قَالُوا: أُجْمِعَ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ فَالْوَاجِبُ مِنْهَا وَاحِدٌ. وَانْفَصَلَ أَبُو هَاشِمٍ عَنْ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ بِأَنَّ مَا اتَّصَفَ بِالْوُجُودِ لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُوبِ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِالشَّيْءِ مَعَ حُدُوثِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَبْلَ حُدُوثِهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ قُبَيْلَ الِاسْتِطَاعَةِ عِنْدَهُ.
стр. 256
وَرَدَّهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصِفْهَا بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْوُجُودِ فَنَقُولُ: فِي كُلِّ مَا وَجَبَ قَبْلَ حُدُوثِهِ إذَا حَدَثَ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا، وَإِذَا وُجِدَتْ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ فِي الْكَفَّارَةِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّهَا وَاجِبَةٌ حَتَّى يُثَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثَوَابَ الْوَاجِبِ. وَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ إذَا أُتِيَ بِالْجَمِيعِ مُنْتَقَدٌ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ أُثِيبَ ثَوَابَ أَعْلَاهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْكُلِّ أَثِمَ بِتَرْكِ أَدْنَاهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مُحَقِّقًا لِذَلِكَ: يَأْثَمُ بِمِقْدَارِ عِقَابِ أَدْنَاهَا، لَا أَنَّهُ نَفْسُ عِقَابِ أَدْنَاهَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " نَحْوَهُ، فَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ فَالْوَاجِبُ أَعْلَاهَا؛ لِأَنَّهُ يُثَاب عَلَى جَمِيعِهَا، وَثَوَابُ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ النَّدْبِ، فَانْصَرَفَ الْوَاجِبُ إلَى أَعْلَاهَا؛ لِيَكْثُرَ ثَوَابُهُ، وَإِنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى أَدْنَاهَا لِيَقِلَّ وَبَالُهُ وَوِزْرُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ سَقَطَ بِفِعْلِ الْأَدْنَى. انْتَهَى. وَظَنَّ بَعْضُهُمْ تَفَرُّدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّمَا هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. قُلْت: وَقَدْ سَبَقَ مُوَافَقَةُ ابْنِ بَرْهَانٍ لَهُ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَقَالَهُ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ ": فَقَالَ: إذَا أَتَى بِالْخِصَالِ مَعًا فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَكِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ فَقَطْ، وَهُوَ أَعْلَاهَا إنْ تَفَاوَتَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَحَصَلَ لَهُ ذَلِكَ، فَإِضَافَةُ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا تَنْقُصُهُ، وَإِنْ تَسَاوَتْ فَإِلَى أَحَدِهَا، وَإِنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى أَقَلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَهُ.
стр. 257
قُلْت: وَهَذَا نَظِيرُ الْقَوْلِ الْمَحْكِيِّ فِي الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ أَنَّ الْفَرْضَ أَكْمَلُهَا، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا، وَاَللَّهُ يَحْتَسِبُ مَا شَاءَ مِنْهُمَا نَظِيرَ الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَوَّلًا عَنْ أَصْحَابِنَا، وَحَكَوْا هُنَاكَ وَجْهًا: أَنَّ كِلَيْهِمَا فَرْضٌ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ هُنَا، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا ثَالِثًا: أَنَّ الَّذِي يَقَعُ وَاجِبًا هُوَ الْعِتْقُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ ثَوَابًا؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ وَأَشَقُّ عَلَى النُّفُوسِ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَقَدْ يَجِيءُ فِيمَا سَبَقَ قَوْلٌ رَابِعٌ: أَنَّهُ لَا يُثَابُ وَيُعَاقَبُ إلَّا عَلَى أَحَدِهَا؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ لَا بِعَيْنِهِ. وَيَجِيءُ خَامِسٌ: أَنَّهُ يُثَابُ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى أَدْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى الثَّانِي ثَوَابُ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِيمَا نَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ النَّذْرِ فِيمَا إذَا الْتَزَمَ فِي اللَّجَاجِ، فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْمُلْتَزَمُ مِنْ جِنْسِ مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ، فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْكَفَّارَةِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَفَّى بِمَا قَالَ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا. نَصَّ عَلَيْهِ. اهـ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": قَالَ شُيُوخُنَا: يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ عَلَى أَدْوَنِهَا عِقَابًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَمْ يُعَاقَبْ. قَالَ: لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْإِخْلَالِ بِأَجْمَعِهَا لَا بِوَاحِدٍ مِنْهَا. قَالُوا: وَإِذَا فَعَلَهَا اسْتَحَقَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ عَلَى أَعْظَمِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ
стр. 258
وَحْدَهُ لَكَانَ وَاجِبًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الثَّوَابَ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ": إذَا تَرَكَ الْكُلَّ اسْتَحَقَّ مِقْدَارًا وَاحِدًا مِنْ الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ الْكُلِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَرَكَ ثَلَاثَ وَاجِبَاتٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: يُعَاقَبُ عَلَى أَدْنَاهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْكُلَّ يُضَاعَفُ عَذَابُهُ، فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ مَقَادِيرَ مِنْ الْعِقَابِ بَعْضُهَا أَعْلَى وَبَعْضُهَا أَدْنَى بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَتَضَاعَفُ الثَّوَابُ، فَيَسْتَحِقُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثَوَابًا، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: يُثَابُ عَلَى أَعْلَاهَا، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا فَعَلَ الْجَمِيعَ، فَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ مِنْهَا، فَقِيلَ: أَعْلَاهَا، وَهُوَ رَأْيُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَأَشَارَ عَبْدُ الْجَلِيلِ إلَى مُنَاقَشَةٍ فِي هَذَا، فَقَالَ الْقَاضِي: يَقُولُ: إنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي التَّرْكِ يَنْطَلِقُ الْإِثْمُ بِأَدْنَاهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْفِعْلِ تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ أَيْضًا بِأَدْنَاهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ. انْتَهَى. وَمَا نَاقَضَ فِيهِ عَبْدُ الْجَلِيلِ مَرْدُودٌ، فَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ تَوْجِيهُ الْفَرْقِ.
стр. 259
تَنْبِيهَانِ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَيَشْهَدُ لَهُ اسْتِحْبَابُ إعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَنْ صَلَّاهَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ إذَا فَعَلَ الْكُلّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ أَتَى بِالْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَقَالَ الْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْوَاجِبُ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: بِالْوُقُوعِ كَمَنْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ ثَانِيًا، وَقَدْ يُقَالُ بِاحْتِمَالٍ ثَالِثٍ: إنَّهَا إنْ اقْتَرَنَتْ بِمَعْنًى يَقْتَضِي الطَّلَبَ وَقَعَتْ عَنْ الْكَفَّارَةِ، ثُمَّ هَلْ تَكُونُ وَاجِبَةً؟ يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُعَادَةِ، وَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
[شُرُوطُ التَّخْيِير]
[شُرُوطُ التَّخْيِيرِ] وَأَمَّا الرَّابِعُ: وَهُوَ شُرُوطُ التَّخْيِيرِ، وَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ شُرُوطًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا يَصِحُّ اكْتِسَابُهُ.
стр. 260
الثَّانِي: أَنْ تَتَسَاوَى الْأَشْيَاءُ فِي الرُّتْبَةِ مِنْ جِهَةِ التَّخْيِيرِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُتَضَادَّةً أَوْ مُخْتَلِفَةً، فَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ قَبِيحٍ وَمُبَاحٍ، وَلَا بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ، وَإِلَّا لَانْقَلَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا بَيْنَ حَرَامٍ وَوَاجِبٍ فَإِنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَنَقِيضِهِ يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ، وَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَتَرْكِهِ يَرْفَعُ الْوُجُوبَ. وَلِهَذَا إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ تَسَاقَطَا وَامْتَنَعَ التَّخْيِيرُ. وَلِهَذَا أَيْضًا رَدُّوا عَلَى دَاوُد اسْتِدْلَالَهُ عَلَى وُجُوبِ النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] تَخْيِيرٌ بَيْنَ النِّكَاحِ وَبَيْنَ مِلْكِ الْيَمِينِ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ إجْمَاعًا، فَلِذَلِكَ مَا خُيِّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ عَلَى ذَلِكَ قَضِيَّةُ تَخْيِيرِهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بَيْنَ الْخَمْرِ وَاللَّبَنِ، فَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ فِي تَحْرِيمِ مَا يَحْرُمُ، وَتَحْلِيلُ مَا يَحِلُّ إلَى اجْتِهَادِهِ ﷺ وَسَدَادِ نَظَرِهِ الْمَعْصُومِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَتَحْلِيلِ اللَّبَنِ، فَوَافَقَ الصَّوَابَ.
قُلْتُ: وَأَصْلُ السُّؤَالِ غَيْرُ وَارِدٍ، إذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْيِيرَ وَقَعَ بَيْنَ مُبَاحٍ
стр. 261
وَحَرَامٍ، إذْ تِلْكَ الْخَمْرَةُ مِنْ الْجَنَّةِ، لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجْتَنِبهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمَّا شَابَهَتْ الْخَمْرَةَ الْمُحَرَّمَةَ تَجَنَّبَهَا، وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْوَرَعِ وَأَدَقُّ سَلَّمْنَا. إلَّا أَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ حِينَئِذٍ مُبَاحَةٌ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالْإِسْرَاءُ كَانَ بِمَكَّةَ. فَإِنْ قُلْتَ: قَوْلُ جِبْرِيلَ ﵊ لَهُ حِينَ اخْتَارَ اللَّبَنَ: أَصَبْتَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَ الْخَمْرِ خَطَأٌ عُصِمَ مِنْهُ ﷺ . قُلْتُ: يُؤْنَسُ فِيهَا بِالتَّحْرِيمِ الْمُسْتَقْبَلِ. وَهُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْمُسْتَصْفَى " عِنْدَ الْكَلَامِ فِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ أَشَارَ إلَى احْتِمَالٍ بِالتَّخْيِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الرُّتْبَةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا يُنَاقِضُ جَوَازَ التَّرْكِ مُطْلَقًا، أَمَّا جَوَازُهُ بِشَرْطٍ فَلَا. بِدَلِيلِ: أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِذَا أَخَّرَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ يَعْصِ إذَا أَخَّرَ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الِامْتِثَالِ، فَظَهَرَ أَنَّ تَرْكَهُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ لَا يُنَاقِضُ الْوُجُوبَ، بَلْ الْمُسَافِرُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا فَرْضًا، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ رَكْعَتَيْنِ وَاجِبَتَيْنِ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُمَا، وَلَكِنْ بِشَرْطِ قَصْدِ التَّرَخُّصِ.
ثَانِيهِمَا: لَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِأَنَّهَا مُخَيَّرٌ فِيهَا، وَلَيْسَ الْجَمِيعُ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَا مِنْ وَاحِدَةٍ يُمْكِنُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا إلَّا وَتَقَعُ وَاجِبًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مُرَادُنَا بِالتَّسَاوِي. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُتَمَيِّزَةً لِلْمُكَلَّفِ فَلَا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ مُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ
стр. 262
جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَتَخَصَّصُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِوَصْفٍ، كَمَا لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي كُلِّ النُّعُوتِ. هَذَا مِمَّا لَا يُدْرَكُ فِي حُكْمِ التَّكْلِيفِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَمَاثِلَانِ مُتَغَايِرَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَيْنِ مُتَغَايِرَانِ. الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا وَاحِدًا بِأَنْ يَتَأَتَّى الْإِتْيَانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَدَلًا عَنْ أَغْيَارِهَا، فَلَوْ ذُكِرَ لِلْمُخَاطَبِ فِعْلَانِ مُؤَقَّتَانِ بِوَقْتَيْنِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَخَيُّرًا، فَإِنَّهُ فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْفِعْلِ الثَّانِي لِيَتَنَجَّزَ، وَفِي الثَّانِي لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْأَوَّلِ فَلَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُ التَّخْيِيرِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي وَصْفَيْنِ يَجُوزُ ثُبُوتُ أَحَدِهِمَا بَدَلًا عَنْ الثَّانِي مَعَ تَقْدِيرِ اتِّحَادِ الْوَقْتِ. هَكَذَا شَرَطَهُ الْقَاضِي، وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي وُجُوبِ الْعَزْمِ بَدَلًا عَنْ الْفِعْلِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: خِطْ هَذَا الْقَمِيصَ يَوْمَ السَّبْتِ، أَوْ هَذَا الْقَبَاءَ يَوْمَ الْأَحَدِ كَانَ تَخْيِيرًا صَحِيحًا، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، وَقَدْ يَقَعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، كَقُمْ أَوْ اُقْعُدْ، أَوْ خِلَافَيْنِ، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، أَوْ مِثْلَيْنِ كَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ، وَزَعَمَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ لَا يَرِدُ التَّكْلِيفُ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الرَّافِعِيِّ وَصَاحِبِ الْحَاوِي الصَّغِيرِ " حَيْثُ جَعَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ أَوْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالْعِتْقِ
стр. 263
وَالْإِطْعَامِ مَثَلًا. بَلْ مَسْحُ الْخُفِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِشُرُوطٍ، وَإِذَا لَبِسَهُ بِشَرْطِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ دَوَامِ اللُّبْسِ التَّخْيِيرُ بَلْ وَاجِبُهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ نُزِعَ فَالْغَسْلُ؛ وَلِأَنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ فَوَاتِ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ إلَّا أَنْ يُقَال: إنَّ الرِّجْلَ تُغْسَلُ وَهِيَ فِي الْخُفِّ.
تَنْبِيهٌ [مَنْعُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ] مَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ مَمْنُوعٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَقَصْرِهَا، وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الشَّيْءِ وَبَعْضِهِ. فُرُوعٌ إذَا خُيِّرَ الْعَبْدُ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ فَمَا عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ مِنْهُ فَهُوَ مُرَادُهُ مِنْهُ، فَالْإِرَادَةُ مَعَ الْعِلْمِ فِي قَرْنٍ قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَصْلَنَا فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ إلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعِنْدَهُمْ هُمْ إذَا خُيِّرَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُرَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَوْ أَتَى بِالْجَمِيعِ أُثِيبَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَمَا كَانَ حَسَنًا كَانَ مُرَادًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالتَّزْوِيجِ بَيْنَ الْأَكْفَاءِ، وَنَصْبِ الْأَئِمَّةِ، فَوَاحِدٌ مُرَادٌ، وَالْجَمْعُ مَكْرُوهٌ.
стр. 264
[مَسْأَلَتَانِ فِي الْكَفَّارَة] [ الْأُولَى تَعْيِينُ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ]
مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا [تَعْيِينُ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ] إذَا عَيَّنَ الْمُكَلَّفُ خَصْلَةً مِنْ الْخِصَالِ هَلْ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُخَيَّرَةِ، هَلْ يُعْتَبَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ الثُّلُثِ؟ ثُمَّ رَأَيْت فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي بَابِ النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ خَصْلَةٌ بِالنَّذْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الشُّرُوعُ بخصلة هَلْ يُعَيِّنُهَا]
؟] لَوْ شَرَعَ فِي خَصْلَةٍ هَلْ تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا ثُمَّ أَرَادَ فِعْلَ غَيْرِهَا لَا يُجْزِئُهُ اعْتِبَارُ الْعَارِضِ أَوْ لَا تَتَعَيَّنُ اسْتِصْحَابًا لِلثَّابِتِ؟ لَمْ أَرَ فِيهَا أَيْضًا تَصْرِيحًا. تَذْنِيبٌ: إذَا أَوْجَبَ الشَّارِعُ وَاحِدًا مِنْ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ وَأَمْكَنَ التَّلْفِيقُ، فَهَلْ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا مُبْهَمٌ أَوْ الْوَاجِبُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ جُزْءٌ؟ لَمْ أَرَ لِلْأُصُولِيِّينَ فِيهَا كَلَامًا، وَيُخَرَّجَ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ فِيهَا وَجْهَانِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ شَاةٌ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً. وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْوَاجِبُ مَثَلًا جُزْءٌ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ، أَوْ حَيَوَانٌ مُبْهَمٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَا إذَا بَاعَ الْجَمِيعَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ خَرَجَ عَلَى تَفْرِيقِ
стр. 265
الصَّفْقَةِ، أَوْ بِالثَّانِي فَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ، " يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ". قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ النِّصَابُ مُخْتَلِفًا كَمَا إذَا اشْتَمَلَ عَلَى كِبَارٍ وَصِغَارٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ لِلتَّسَاوِي فِي الْأَسْنَانِ وَتَقَارُبِ الصِّفَاتِ فَيَكُونُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِيمَا عَدَا قَدْرَ الزَّكَاةِ وَجْهَانِ، فَإِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَدْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ بِعَيْنِهِ فِي نَظِيرِهِ وَهُوَ مَا إذَا قَالَ: بِعْتُك هَذِهِ الشَّاةَ. وَمِنْ نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ: مَا لَوْ بَاعَهُ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ مَعْلُومَةِ الصِّيعَانِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهَلْ يَنْزِلُ عَلَى الْإِبْهَامِ فَيَكُونُ الْبَيْعُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ حَتَّى يَبْقَى الْبَيْعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ أَوْ عَلَى الْإِشَاعَةِ وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي ذَلِكَ الصَّاعُ نِسْبَتُهُ إلَى جُمْلَةِ الصُّبْرَةِ، فَيَكُونُ الْمَبِيعُ، عَلَى هَذَا عُشْرَ الصُّبْرَةِ حَتَّى لَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا تَلِفَ مِنْهُ بِقَدْرِهِ؟ وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، وَبِهِ يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ.
[فَائِدَةٌ مُعْظَمُ الْعِبَادَاتِ عَلَى التَّخْيِيرِ]
ِ] قَالَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ فِي التَّخْلِيصِ ": مُعْظَمُ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ عَلَى التَّخْيِيرِ، إلَّا مَا شَذَّ وَنَدَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِأَيِّ مَاءٍ شَاءَ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ مَكَان مَعَ أَيٍّ لَبُوسٍ شَاءَ؟ وَمَنْ لَزِمَهُ عِتْقٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ مِنْ أَيِّ الرِّقَابِ الْمُجْزِئَةِ؟ وَمَنْ لَزِمَتْهُ الصَّدَقَةُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَعْيَانِ الدَّرَاهِمِ.
стр. 266
تَنْبِيهٌ [جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّخْيِيرُ] مَا وَقَعَ فِيهِ التَّخْيِيرُ قَدْ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَقْلًا وَشَرْعًا، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ عَقْلًا وَشَرْعًا، كَالتَّأْجِيلِ وَالتَّعْجِيلِ بِمِنًى، وَقَدْ يُمْكِنُ عَقْلًا لَا شَرْعًا كَالتَّزْوِيجِ مِنْ الْخَاطِبِينَ، وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ عَقِيمٌ. وَقَسَّمَ الصَّيْرَفِيُّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ إلَى مَا يَرْجِعُ لِشَهْوَةِ الْمُكَلَّفِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، إنْ شَاءَ أَعْتَقَ وَإِنْ شَاءَ أَطْعَمَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ وَلَا لِلْمَسَاكِينِ، وَإِلَى مَا يَجِبُ فِيهِ اخْتِيَارُ الْأَصْلَحِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْمَلِينَ، كَتَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي الْكَافِرِ الْأَسِيرِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، وَالرِّقِّ، وَكَأَخْذِ الصَّدَقَةِ إذَا اجْتَمَعَ بَنَاتُ لَبُونٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ فِي فَرْضِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَصْلَحَ لِلْمَسَاكِينِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْوَسَطُ مَالَهُ.
[تَتِمَّةٌ وُجُوبُ الْأَشْيَاءِ قَدْ يَكُونُ عَلَى التَّخْيِيرِ]
ِ] وُجُوبُ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَدْ يَكُونُ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى التَّرْتِيبِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَرَامًا، كَالتَّزْوِيجِ مِنْ الْكُفْأَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ بَعْدَ ثَوْبٍ، وَقَدْ يَكُونُ نَدْبًا، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، كَذَا قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ " وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا مِنْ الْمُخَيَّرِ، نَعَمْ نَظِيرُهُ لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ أَحَدَ
стр. 267
هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ. وَكَذَا تَمْثِيلُهُ الثَّانِي بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ بِثَوْبٍ زَائِدٍ عَلَى الثِّيَابِ الْمُسَوَّمَةِ، وَأَيْضًا فَالْمُبَاحُ لُبْسُ الثَّانِي، ثُمَّ الزَّائِدُ لَيْسَ بِسَاتِرٍ لِلْعَوْرَةِ، وَحُكْمُهُ بِالنَّدْبِ عَلَى الثَّالِثِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ، وَلَمْ نَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِالِاحْتِيَاطِ لَهُ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى تَعْدَادِ الرِّقَابِ فِيمَنْ عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَيُسْتَدَلُّ لِهَذَا بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حِينَ كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانَتْ نَذَرَتْ تَرْكَ كَلَامِهِ أَعْتَقَتْ رِقَابًا كَثِيرَةً. وَلَعَلَّ مُرَادَ الْإِمَامِ أَنَّ الْجَمْعَ قَبْلَ فِعْلِهِ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، بَلْ إذَا فَعَلَهُ بَعْدَ فِعْلِ غَيْرِهِ يَقَعُ مُسْتَحَبًّا بِنَاءً عَلَى ثَوَابِ النَّدْبِ كَالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَيَشْهَدُ لَهُ تَمْثِيلُهُمْ لِلْمُخَيَّرِ الْمُبَاحِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ بِثَوْبٍ بَعْدَ آخَرَ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُمَثَّلَ لَهُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَدْ يَكُونُ الْجَمْعُ حَرَامًا كَالْمُضْطَرِّ الْوَاجِدِ مُذَكَّاةً وَمَيْتَةً كَذَا مَثَّلَهُ فِي الْمَحْصُولِ "، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحَرَامَ إنَّمَا هُوَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، إذْ لَا تَدْخُلُ الْمُذَكَّاةُ فِي الْحُرْمَةِ، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ إنَّمَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ دَائِرَةٍ بَيْنَ الْمُفْرَدَيْنِ. وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، وَمَثَّلَهُ فِي الْمَحْصُولِ " بِالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَغَلِطَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ يَخْتَصُّ بِحَالِ الْعَجْزِ.
وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا خَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِ
стр. 268
الْمَاءِ لِمَرَضٍ وَلَمْ يَنْتَهِ خَوْفُهُ إلَى الْقَطْعِ أَوْ الظَّنِّ بِالضَّرَرِ الْمَانِعِ مِنْ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ التَّيَمُّمُ، لِأَجْلِ الْخَوْفِ، وَلَا يَمْتَنِعُ الْوُضُوءُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ، فَإِذَا تَوَضَّأَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ جَازَ، ثُمَّ خَدَشَ فِيهِ بِأَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ بَطَلَ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ ذَلِكَ، إذْ الْمُبِيحُ قَائِمٌ، وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِصُوَرٍ: أَحَدُهَا: إذَا وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ، فَلَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، أَرَادَ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِشِرَاءِ الْمَاءِ وَالْوُضُوءِ بِهِ جَازَ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِعَطَشٍ، وَلَوْ تَوَضَّأَ بِهِ لَاحْتَاجَ إلَى شِرَائِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ، فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَا مَعَهُ فِي الْوُضُوءِ وَيَشْتَرِي الْمَاءَ لِلشُّرْبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ أَوَّلًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَا مَعَهُ وَشِرَاءَ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ إذَا ارْتَفَعَ سِعْرُهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَحَاجَتُهُ إلَى الشُّرْبِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا تَوَضَّأَ بَطَلَ التَّيَمُّمُ إذْ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانُهُ بَلْ التَّيَمُّمُ الْمُتَقَدِّمُ لَا يُبْطِلُهُ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إدْخَالُ عِبَادَةٍ عَلَى أُخْرَى وَهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: التَّيَمُّمُ لَا يَصِحُّ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ. أَمَّا مَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَهُ كَهَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرْنَاهَا فَلَا.
стр. 269
وَيُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا أَيْضًا مَعَ تَأَخُّرِ التَّيَمُّمِ فِي صُوَرٍ. إحْدَاهَا: إذَا وَجَدَ مَاءً لِلْوُضُوءِ، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ يَغْتَسِلُ بِهِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَنْ الْغُسْلِ، وَمِثْلُهُ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ: جَوَازُ الْفِعْلِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَأَرَادَ التَّجْدِيدَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ عِوَضًا عَنْ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، كَمَا يَتَيَمَّمُ لِلْغُسْلِ عَنْ الْجُمُعَةِ. هَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ.
الثَّالِثَةُ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ الْوَدَائِعِ " فِي الْمَاءِ الْمُخْتَلَفِ فِي طَهُورِيَّتِهِ، كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَالنَّبِيذِ الَّذِي يُجَوِّزُ أَبُو حَنِيفَةَ الطَّهَارَةَ بِهِ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
الرَّابِعَةُ: الرَّائِدُ لِلْجُمُعَةِ إذَا وَجَدَ مَا لَا يَكْفِيهِ لِلْغُسْلِ، وَيَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ تَوَضَّأَ بِهِ وَتَيَمَّمَ، وَكَذَلِكَ مَرِيدُ الْإِحْرَامِ. كُلُّ التَّيَمُّمِ هَاهُنَا عَنْ الْغُسْلِ، وَهَذِهِ صُورَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الدَّوَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ صُورَةَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْوُضُوءِ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ بِعُضْوِهِ جِرَاحَةٌ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ عَنْ الْجَرِيحِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ سَكَتَ فِي هَذَا الْقِسْمِ عَنْ الْمَكْرُوهِ الْجَمْعِ، وَالْوَاجِبِ الْجَمْعِ، فَأَمَّا وُجُوبُ الْجَمْعِ مَعَ التَّرْتِيبِ فَلَا يُمْكِنُ، وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُرَتَّبِ فَكَلَحْمِ الْجَلَّالَةِ وَالْمُذَكَّى لِلْمُضْطَرِّ.
стр. 270
فَائِدَةٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ: الْوَاجِبُ هَذَا وَالْآخَرُ بَدَلٌ عَنْ هَذَا، كَمَا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ، هَلْ الْوَاجِبُ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ أَنَّ الثَّانِيَ فِيهِ تَرْتِيبٌ كَالْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَالْأَوَّلُ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ. فَائِدَةُ ثَانِيَةٌ حُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَمَرَ اللَّه بِأَشْيَاءَ، وَعَطَفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ نَظَرْت، فَإِنْ بَدَأَ بِالْأَغْلَظِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْأَخَفَّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّرْتِيبِ بِدَلِيلِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالْأَخَفِّ كَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّخْيِيرِ بِدَلِيلِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ". وَقَدْ يُورَدُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ قَتْلِ الصَّيْدِ، فَإِنَّهَا مَبْدُوءَةٌ بِالْأَغْلَظِ، وَهُوَ إيجَابُ مِثْلِ الصَّيْدِ مَعَ أَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ. نَعَمْ حَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ؛ لِأَنَّ كَفَّارَاتِ النُّفُوسِ لَا تَخْيِيرَ فِيهَا، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ. وَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ: كَلِمَةُ " أَوْ " مَتَى ذُكِرَتْ بَيْنَ الْأَجْزِيَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَسْبَابِ فَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ، كَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ، وَإِلَّا فَلِلتَّخْيِيرِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
стр. 271
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ " عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ فِيهِ " أَوْ " فَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] فَلَيْسَ بِمُخَيِّرٍ فِيهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَبِمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَقُولُ. أَيْ: إنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ بَلْ لِبَيَانِ أَنْوَاعِ الْعُقُوبَةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْحُرْمَةِ، وَمِثْلُهُ «قَوْلُهُ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» فَإِنَّ أَصَحَّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَخَيَّرُ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ " أَوْ " فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ أَيْ: صَاعًا مِنْ
стр. 272
تَمْرٍ إنْ كَانَ غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ، أَوْ مِنْ شَعِيرٍ إنْ كَانَ غَالِبَ قُوتِ بَلَدِهِ. تَنْبِيهٌ [تَمْثِيلُ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِآيَةِ الْكَفَّارَةِ] اسْتَشْكَلَ الْعَبْدَرِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى " تَمْثِيلَ الْأَئِمَّةِ لِلْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِآيَةِ الْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّحْوِيِّينَ نَصُّوا عَلَى أَنَّ " أَوْ " تَكُونُ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ لِلْإِبَاحَةِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَقَالُوا: إذَا فَعَلَ الْمَأْمُورَ الْفِعْلَيْنِ فِي التَّخْيِيرِ كَانَ عَاصِيًا، وَإِذَا فَعَلَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فِي الْإِبَاحَةِ كَانَ مُطِيعًا. قَالَ: فَالشَّائِعُ فِي اللُّغَةِ: أَنْ تُسَمَّى الْكَفَّارَةُ وَاجِبًا مُبَاحَةٌ أَنْوَاعُهُ، لَا وَاجِبَ مُخَيَّرٍ فِي أَنْوَاعِهِ. وَهَذَا السُّؤَالُ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْبَسِيطِ " عَنْ النَّحْوِيِّينَ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَحْظُورِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْأَمْرُ، وَالْآخَرُ يَبْقَى مَحْظُورًا لَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَا عَدَا الْوَاجِبِ تَبَرُّعًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ التَّبَرُّعِ. وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ فِي الْجَمْعِ الْإِتْيَانُ بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ الْوَاجِبُ، أَمَّا لَوْ أَتَى بِالْجَمِيعِ لَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ جَائِزٌ قَطْعًا، وَأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَجَوَازُ غَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ. حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَمْ يَجُزْ، كَمَا إذَا قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ ذَاكَ.
стр. 273
فَائِدَةٌ [الْأَبْدَالُ تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ] قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ ": الْأَبْدَالُ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلَاتِ فِي وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهَا إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ مُبْدَلَاتِهَا فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْيَانِ بِهَا، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَأَنَّ الْأَجْرَ بِحَسَبِ الْمَصَالِحِ، وَلَيْسَ الصَّوْمُ فِي الْكَفَّارَةِ كَالْإِعْتَاقِ وَلَا الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ. كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ التَّيَمُّمُ كَالْوُضُوءِ إذْ لَوْ تَسَاوَتْ الْأَبْدَالُ وَالْمُبْدَلَاتُ لَمَا شُرِطَ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْأَبْدَالِ فَقْدُ الْمُبْدَلَاتِ. اهـ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أُمُورٌ مِنْهَا: الْجُمُعَةُ بَدَلٌ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ مَعَ أَنَّ حُكْمَهَا عَلَى عَكْسِ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ هُنَا أَعْنِي الْجُمُعَةَ لَا تُعْدَلُ إلَى الْبَدَلِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمُبْدَلِ. فَمَنْ لَازَمَهُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ هَاهُنَا أَفْضَلَ مِنْ الْمُبْدَلِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَعْدِلُ مِنْ شَيْءٍ إلَى آخَرَ لِلْأَفْضَلِيَّةِ غَالِبًا، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الشَّيْخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ سَبَبُ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ مُتَّحِدًا، كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، أَوْ عَلَى الْغَالِبِ، أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْبَدَلُ أَخَصَّ مِنْ الْمُبْدَلِ كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ قِيلَ: إنَّهُ بَدَلٌ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْوَاجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْوُضُوءِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ كَمَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّخْيِيرِ.
стр. 274
مَسْأَلَةٌ [الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عَنْ وَقْتِهِ وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ] الْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى وَقْتِهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ إيقَاعَ الْفِعْلِ جَمِيعِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَا يَسَعُهُ فَهُوَ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ. يُجَوِّزُهُ مَنْ يُجَوِّزُهُ وَيَمْنَعُهُ مَنْ يَمْنَعُهُ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيُتِمَّ بَعْدَهُ، أَوْ أَنْ يَتَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ وَيَفْعَلَهُ كُلَّهُ بَعْدَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ، كَإِيجَابِ الظُّهْرِ عَلَى مَنْ زَالَ عُذْرُهُ آخِرَ الْوَقْتِ، فَأَدْرَكَ قَدْرَ رَكْعَةٍ مِنْ آخِرِهِ، وَكَذَا تَكْبِيرَةٌ عَلَى الْأَظْهَرِ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ قَدْرَ إمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ. وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ وَيُسَمَّى " بِالْمِعْيَارِ " كَالصَّوْمِ الْمُعَلَّقِ بِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَوَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَوْمًا لِلْعَمَلِ فِيهِ، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ.
[الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ] وَقَسَّمَ الْحَنَفِيَّةُ التَّسَاوِيَ إلَى مَا يَكُونُ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَإِلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَضَائِهِ، وَأَثْبَتُوا مِنْ الْأَقْسَامِ مَا لَا يُعْلَمُ زِيَادَتُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْمُشْكِلُ كَالْحَجِّ. وَإِمَّا نَاقِصٌ عَنْهُ كَالصَّلَاةِ، وَيُسَمَّى " الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ ". وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَفَ بِهِ، وَهُمْ الْجُمْهُورُ، وَالْإِشْكَالُ فِيهِ وَفِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ سَوَاءٌ، إذْ لِأَجْلِهِ أَنْكَرَهُ مَنْ أَنْكَرَهُ
стр. 275
هُنَا، وَهُوَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَلْزَمُهُ الْمَنْعُ مِنْ التَّرْكِ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ عَنْ الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ. وَحَلُّ الْإِشْكَالِ فِيهِمَا أَنْ يُقَالَ: كُلُّ فَرْدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْرَادِ أَعْنِي: مِنْ أَفْرَادِ الْوَقْتِ وَأَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَهُ جِهَةُ عُمُومٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَجِهَةُ خُصُوصٍ وَهُوَ مَا بِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمُتَعَلَّقُ الْوُجُوبِ جِهَةُ الْعُمُومِ وَتِلْكَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِوَجْهٍ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُتْرَكُ فِي الْمُوَسَّعِ بِإِخْلَاءِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَفِي الْمُخَيَّرِ تَرْكُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْأَفْرَادِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يُوجَدْ الْمُنَافِي لِلْوُجُوبِ، فَهُوَ جَائِزُ التَّرْكِ فِيمَا جَعَلْنَاهُ مُتَعَلَّقَ الْوُجُوبِ. أَمَّا جِهَةُ الْخُصُوصِ فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لِجَوَازِ تَرْكِهَا إلَى غَيْرِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا.
قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَلِأَجْلِ هَذَا الْإِشْكَالِ اضْطَرَبَ الْمُحَصِّلُونَ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ، فَقِيلَ: إنَّمَا يَعْصِي بِتَفْوِيتِهِ وَلَا تَفْوِيتَ إلَّا بِالْمَوْتِ، وَالزَّمَانُ ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُنْسَبُ إلَى زَمَانٍ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُقَيَّدًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الثَّانِي، فَقِيلَ لَهُمْ: الْعَزْمُ نَتِيجَةُ الِاعْتِقَادِ ضَرُورَةً لَا بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ ذَلِكَ مَعَ التَّمَكُّنِ. اهـ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إنَّ الْمُوَسَّعَ مَوْجُودٌ وَالْوَقْتُ جَمِيعُهُ
стр. 276
ظَرْفٌ لِلْوُجُوبِ عَلَى مَعْنًى فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ أَوْقَعَهُ تَأَدَّى الْوَاجِبُ، وَجَوَّزُوا التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى أَنْ يَضِيقَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنٍّ فَوَاتُهُ بَعْدَهُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ. اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ أَبِي زَيْدٍ مِنْهُمْ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي شُجَاعٍ، وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ الْجِبَائِيَّيْنِ، وَأَصْحَابِنَا.
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَضْعِ الشَّارِعِ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ الِارْتِفَاقُ فِيهِ، كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ الْوَاجِبِ أَحَدُهَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ مِنْهَا شَيْءٌ بِتَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ نَصًّا وَلَا قَصْدًا بِأَنْ يَنْوِيَهُ، بَلْ يَخْتَارُ أَيَّهَا شَاءَ فَيَفْعَلُهُ، فَيَصِيرُ هُوَ الْوَاجِبَ.
[جَوَازُ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَوَّلَ الْوَقْتِ]
[جَوَازُ تَرْكِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ أَوَّلَ الْوَقْتِ] وَهَؤُلَاءِ الْمُعْتَرِفُونَ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَرْكِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ بِلَا بَدَلٍ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي إيقَاعَ الْفِعْلِ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: لَا يُشْتَرَطُ الْبَدَلُ وَلَا يَعْصِي حَتَّى يَخْلُوَ الْوَقْتُ كُلُّهُ عَنْهُ.
стр. 277
الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ] وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَى بَدَلٍ، وَهُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَإِذَا تَضَيَّقَ الْوَقْتُ تَعَيَّنَ الْفِعْلُ حَتَّى يَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ الْوَاجِبُ عَنْ فِعْلِ النَّفْلِ، فَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ مَعَ الْعَزْمِ لَمْ يَعْصِ، وَهَذَا مَا صَارَ إلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، وَأَبِي هَاشِمٍ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيِّينَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى، وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْبَصْرِيُّ فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ إلَى الْعَزْمِ بَلْ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِدُونِهِ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا. حَكَاهُمَا الْقَاضِيَانِ الطَّبَرِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ: وُجُوبُ الْعَزْمِ؛ وَلِهَذَا أَوْجَبُوهُ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ، وَنَظِيرُ هَذَا الْمَدْيُونُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ مَا لَمْ يُطَالَبْ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ الْعَزْمَ عَلَى الْقَاضِي إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِتَخَيُّلِهِ أَمْرَيْنِ نَسَبَهُمَا إلَيْهِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَخَذَ الْعَزْمَ مِنْ الصِّيغَةِ، وَلَا ظُهُورَ لَهُ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَتَوَقَّفُ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ قَاطِعٌ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ، فَكَيْفَ لَا يَتَوَقَّفُ فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهِ احْتِمَالٌ؟ . وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ جَعَلَ الْعَزْمَ بَدَلًا مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى إذَا وَجَبَ الْعَزْمُ سَقَطَ وُجُوبُ نَفْسِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّمَا أَخَذَ الْقَاضِي الْعَزْمَ
стр. 278
مِنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ الصِّيغَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَالْعَزْمُ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنْ تَقْدِيمِ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا عَزَمَ فَقَدْ سَقَطَ وُجُوبُ التَّقْدِيمِ لَا بَدَلٌ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ.
وَكَذَا أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: حُكْمُ الْعَزْمِ الْأَوَّلِ يَنْسَحِبُ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَلَا يَجِبُ تَذَكُّرُهُ فِي كُلِّ حَالٍ، كَالنِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ: وَعِنْدَهُ أَنَّ دَلِيلَ الْعَزْمِ لَا يُتَلَقَّى مِنْ اللَّفْظِ بَلْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ خُرُوجٌ عَظِيمٌ، وَأَدْنَى مَا فِيهِ الْتِزَامُ أَمْرٍ لَمْ يُشْعِرْ بِهِ اللَّفْظُ، قَالَ: وَمِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ تَوَقُّفُ الْقَاضِي فِي صِيغَةِ " افْعَلْ " إذَا وَرَدَتْ عَلَى التَّرَدُّدِ، ثُمَّ الْتِزَامُ إثْبَاتِ الْعَزْمِ الَّذِي لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ وَجَبَ فِي كُلِّ وَقْتٍ الْفِعْلُ أَوْ الْعَزْمُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْفِعْلَ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَى التَّعْيِينِ. قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُخَاطَبِ الِاعْتِنَاءُ بِالْعَزْمِ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَّا تَيَقُّنَ الِامْتِثَالِ فِيهِ. وَأَطْنَبَ إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيّ فِي تَزْيِيفِ الْقَوْلِ بِالْعَزْمِ، وَقَالَ: يَجِبُ طَرْحُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ طَرِيقَةً وُسْطَى وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْغَافِلِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ، وَبَيْنَ مَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ الْفِعْلُ وَالتَّرْكُ، فَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ ضَرُورَةً، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَرَافِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ "، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ لِمَذْهَبِ الْقَاضِي، إذْ لَيْسَ لَنَا قَائِلٌ بِوُجُوبِ الْعَزْمِ مَعَ الْغَفْلَةِ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمَّا كَانَ الْقَاضِي وَابْنُ فُورَكٍ يَرَيَانِ أَنَّ مَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ
стр. 279
الْوَقْتِ قَبْلَ الْفِعْلِ لَا يَأْثَمُ أَلْزَمُوا الْجَمْعَ بَيْنَ إبَاحَةِ الشَّيْءِ وَالتَّأْثِيمِ مِنْهُ؛ لِأَنَّا نُجَوِّزُ لَهُ التَّأْخِيرَ، فَكَيْفَ نُؤَثِّمُهُ؟ اعْتَذَرَ عَنْ هَذَا الْإِلْزَامِ بِأَنْ أَثْبَتُوا الْعَزْمَ عَلَى إيقَاعِ الْفِعْلِ بَدَلًا مِنْ تَقْدِيمِ إيقَاعِهِ، وَرَأَوْا أَنَّ التَّأْخِيرَ لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهُ إلَّا بِإِثْبَاتِ عِوَضٍ مِنْهُ، وَهُوَ الْعَزْمُ، فَأَشْبَهَ تَخْيِيرَ الْحَانِثِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، فَإِنَّ الْإِطْعَامَ وَإِنْ لَمْ نُؤَثِّمْهُ فِي تَرْكِهِ إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَعَوَّضَ عَنْهُ الْكِسْوَةَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَقِيقَةِ الْوُجُوبِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ إلَى بَدَلٍ، وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إثْبَاتَ الْعَزْمِ هُنَا وَلَمْ يَرَهُ انْفِصَالًا عَنْ الْإِلْزَامِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَكَانَ دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ فِي هَذَا مَقَالٌ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ إيجَابَ الْعَزْمِ وَاسْتَبْعَدَهُ كَمَا اسْتَبْعَدَهُ الْإِمَامُ، فَلَمْ يَكُنْ إلَّا قَلِيلًا حَتَّى قَرَأَ الْقَارِئُ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثَ «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ تَعْلِيلُ النَّبِيِّ ﷺ بِكَوْنِ الْمَقْتُولِ فِي النَّارِ، لِكَوْنِهِ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ، فَقُلْت: هَذَا يَدُلُّ لِلْقَاضِي، فَلَمْ يُجِبْ بِغَيْرِ الِاسْتِبْعَادِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ بِالْعَزْمِ، وَتَرَدُّدِ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْعَزْمِ وَالْفِعْلِ كُلَّ وَقْتٍ إلَى آخِرِ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُظَنُّ بِهَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ يَعْنِي الْقَاضِيَ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَزْمَ تَكْرِيرًا، وَإِنَّمَا يَرَاهُ يَجِبُ مَرَّةً وَاحِدَةً،
стр. 280
وَيُسْتَحَبُّ حَالَةَ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، كَالنِّيَّةِ الْمُنْسَحِبِ حُكْمُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعِبَادَةِ عَلَى أَثْنَائِهَا، وَهَذَا خِلَافُ مَا حُكِيَ عَنْهُ أَوَّلًا. اهـ.
وَالْقَائِلُونَ بِالْعَزْمِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الصَّلَاةُ وَغَيْرُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيُّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ "؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَقِيلَ: إنَّمَا وَجَبَ لِيَتَمَيَّزَ الْوَاجِبُ عَنْ غَيْرِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ لَوْ كَانَ بَدَلًا لَسَقَطَ بِهِ الْوُجُوبُ، وَقِيلَ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ فِعْلِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ، لَا مِنْ فِعْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَدَلًا مِنْهَا لَسَقَطَتْ. قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ بَدَلٌ مَنْ فِعْلِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ فِعْلٍ لَوْ وَقَعَ لَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَهُوَ غَيْرُ الْفِعْلِ الَّذِي يَقَعُ مِنْ بَعْدُ. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ هَلْ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَوْ التَّرَاخِيَ؟ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": الْمُثْبِتُونَ لِلْبَدَلِ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْ مِنْ فِعْلِنَا؟ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ: إنَّ بَدَلَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَوَسَطَهُ هُوَ الْعَزْمُ عَلَى أَدَائِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّ لَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَوَسَطِهِ بَدَلًا يَفْعَلُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُومُ مَقَامَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَنْهُ أَنْ لَا يَحْسُنَ لِتَكْلِيفِ الصَّلَاةِ مَنْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ يُخْتَرَمُ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ فِعْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، فَلَوْ كَلَّفَهُ الصَّلَاةَ لَكَانَ إنَّمَا كَلَّفَهُ بِمُجَرَّدِ الثَّوَابِ فَقَطْ.
стр. 281
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اتَّفَقُوا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ: أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ مُوَسَّعٍ لَمَّا كَانَ آخِرُ وَقْتِهِ مَعْلُومًا بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ يُنَافِي الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ الْعَزْمَ فِيهِ يَنُوبُ مَنَابَ تَعْجِيلِ الْفِعْلِ وَتَعْيِينِ الْوَقْتِ. ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ".
[الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ]
[الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ] وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، فَاخْتَلَفُوا عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنْ أُخِّرَ عَنْهُ فَقَضَاءٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا الْإِمَامُ فِي الْمَعَالِمِ "، وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ "، فَلَمْ يَنْفَرِدْ إذَنْ بِنَقْلِهِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ حَتَّى قَالَ السُّبْكِيُّ: سَأَلْت ابْنَ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ أَوْحَدُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، فَقَالَ: تَتَبَّعْت هَذَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ فَلَمْ أَجِدْهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ: هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَلَعَلَّ مَنْ عَزَاهُ إلَيْهِمْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِوَجْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَفْضُلُ فِيمَا زَادَ
стр. 282
عَلَى صَلَاةِ جِبْرِيلَ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ يَكُونُ قَضَاءً. انْتَهَى.
وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَهُ مُوَسَّعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا تَضْيِيقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ، فَوَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ. وَقِيلَ: بَلْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ، وَقِيلَ بَلْ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " فِي الْخَامِسِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَعْضِ مَنْ يُفْتِي: أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا يُصَيِّرُهَا قَضَاءً، وَتَأْخِيرَ الْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَهَذَا الْأَخْذُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يَقُولُ: إنَّ الْوَقْتَ يَخْرُجُ وَيَصِيرُ قَضَاءً بَعْدَ أَوَّلِهِ، كَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ، بَلْ إنَّهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعِصْيَانِ خُرُوجُ الْوَقْتِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ بِالتَّأْثِيمِ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ نَقَلَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَ الْأَدَاءِ، وَمَا نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَثْبَتُ. لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَإِنْ أُخِّرَتْ كَانَتْ قَضَاءً قَالَ: وَهَذَا الْقَائِلُ يُجَوِّزُ التَّأْخِيرَ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَجُمْلَةِ
стр. 283
الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعُمُرِ، وَرَأَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. اهـ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَأَوَّلُهُ سَبَبٌ لِلْجَوَازِ، وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ بَعْضِهِمْ وَهَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ "، وَنَقَلَهُ فِي الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ أَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ حَكَى الْقَوْلَ بِالتَّوْسِعَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِهِ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ: أَنَّ الْوَقْتَ جَمِيعَهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ، وَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِأَحَدِ وَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ بِالْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي " أُصُولِهِ ": نُقِلَ عَنْ ابْنِ شُجَاعٍ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ يُنْكِرُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ: الْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَاضَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ. اهـ.
стр. 284
وَنَصَّ الدَّبُوسِيُّ فِي تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ " عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ، وَأَبْطَلَ الْقَوْلَ بِتَعَلُّقِهِ بِآخِرِهِ. وَقَالَ شَارِحُ الْهِدَايَةِ ": الْقَوْلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَفِي أَوَّلِهِ نَافِلَةٌ قَوْلٌ ضَعِيفٌ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ مَنْقُولًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا. اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَذْهَبِنَا، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِهِ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَقِيلَ: تَقَعُ وَاجِبَةً بِكُلِّ حَالٍ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الصَّلَاةُ إمَّا بِفِعْلِهَا أَوْ بِمَجِيءِ آخِرِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: تَقَعُ نَافِلَةً بِكُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: يُرَاعَى فَإِنْ لَحِقَ آخِرَهُ وَهُوَ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ كَانَ فَرْضًا وَإِلَّا فَلَا. حَكَى الثَّلَاثَةَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالْأَخِيرَيْنِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْهُمْ.
стр. 285
وَقَالَ الْقَاضِي عَنْ الثَّالِثِ: إنَّهُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الدَّهْمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ.
وَالرَّابِعُ: كَذَلِكَ، وَآخِرِهِ إذَا بَقِيَ قَدْرُ صَلَاةٍ. فَإِنْ عَجَّلَ فَنَفْلٌ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ وَاجِبًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ. نُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَعِنْدَهُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا تُوصَفُ بِالنَّفْلِ وَلَا الْفَرْضِ، وَهُوَ نَظِيرُ وَجْهٍ عِنْدَنَا فِي الْمُعَادَةِ أَنَّهُ يَنْوِي بِهَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ كَانَ مَا فَعَلَهُ مُسْقِطًا لِلْفَرْضِ تَعْجِيلًا نَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. وَالسَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ وَقْتًا تَعَيَّنَ إلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ، فَيَتَعَيَّنَ بِالتَّضْيِيقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُخْتَصًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي يَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَآخِرُ الْوَقْتِ الَّذِي يَسَعُ الْفِعْلَ، وَلَا يَفْضُلُ عَنْهُ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ عَنْ الْكَرْخِيِّ. وَادَّعَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ عَلَى الْبَدَلِ إنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِلَّا
следующие страницы →