← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": التَّدْلِيسُ يَتَضَمَّنُ الْإِرْسَالَ لَا مَحَالَةَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي حَذْفِ الْوَاسِطَةِ. وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ التَّدْلِيسَ يُوهِمُ سَمَاعَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُوهِنُ لِأَمْرِهِ، وَالْإِرْسَالُ لَا يَتَضَمَّنُ التَّدْلِيسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوهِمُ ذَلِكَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِهِ، وَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ مَنْ قَبِلَ الْمُرْسَلَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَهُّمِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ لَمْ يُقْبَلُ إذَا أَوْرَدَهُ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ السَّمَاعَ وَغَيْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوهِمْ ذَلِكَ قُبِلَ. وَقَالَ: وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِجَازَةِ قُبِلَ، وَمَنْ لَا يُجَوِّزُهُ لَمْ يَقْبَلْهُ لِإِيهَامِ إرَادَةِ مَا يُجَوَّزُ الْعَمَلُ بِهِ، وَهُوَ لَا يُجَوِّزُهُ. [تَنْبِيهٌ شَرْطُ صِحَّةِ تَحَمُّلِ الرِّوَايَةِ] [فَصْلٌ فِي رِوَايَةُ الْأَعْمَى] تَنْبِيهٌ [شَرْطُ صِحَّةِ تَحَمُّلِ الرِّوَايَةِ] هَذِهِ الشُّرُوطُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَةَ الْأَدَاءِ لَا حَالَةَ التَّحَمُّلِ. وَلِهَذَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَا تَحَمَّلَهُ فِي حَالِ صَبَاهُ وَكُفْرِهِ وَفِسْقِهِ، وَأَدَّاهُ فِي حَالَةِ الْكَمَالِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّحَمُّلِ وُجُودُ التَّمْيِيزِ فَقَطْ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، قَالَا: فَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لَمْ يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ، قَالَا: وَعَلَى مُتَحَمِّلِ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا إذَا سُئِلَ عَنْهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا إذَا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهَا، إلَّا أَنْ يَجِدَ النَّاسَ عَلَى خِلَافِهَا.

стр. 2277

فَصْلٌ [رِوَايَةُ الْأَعْمَى] وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي بَصِيرًا، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْأَعْمَى الضَّابِطِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ سَمَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إذَا حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِهِ، بِأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا لِلصَّوْتِ، بِدَلِيلِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى قَبُولِ حَدِيثِ عَائِشَةَ (﵂) مِنْ خَلْفِ سِتْرٍ، وَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَالْعُمْيَانِ. وَقَدْ قَبِلُوا خَبَرَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَى وَجْهَيْنِ، وَأَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ صَحَّحَا الْمَنْعَ، وَأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازُ لِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا تَحَمَّلَهَا وَهُوَ أَعْمَى، فَأَمَّا مَا سَمِعَهُ قَبْلَ الْعَمَى، فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ فِي الْعَمَى بِلَا خِلَافٍ، أَيْ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى قَبُولِ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ طَرَأَ الْعَمَى عَلَيْهِ. [رِوَايَةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ] [رِوَايَةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ] وَهَلْ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْأَخْرَسِ إذَا كَانَتْ الْإِشَارَةُ مُفْهِمَةً؟ قَالَ بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ ": لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنْ يَنْبَنِيَ ذَلِكَ عَلَى

стр. 2278

الْوَجْهَيْنِ فِي شَهَادَتِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُقْبَلُ، فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَفِي رِوَايَتِهِ وَجْهَانِ، وَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَوْسَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ. [رِوَايَةُ الْمَرْأَةِ] [رِوَايَةُ الْمَرْأَةِ] وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ، بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، وَنَقَلَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ أَخْبَارُ النِّسَاءِ فِي الدِّينِ إلَّا أَخْبَارَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄. قَالَ الرُّويَانِيُّ: هَكَذَا نَقَلَهُ، وَلَا يَصِحُّ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَقْصُ الْأُنُوثَةِ مَانِعًا لَهُنَّ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا فِي الْفَتْوَى، وَهُوَ غَلَطٌ. اهـ. وَهَذَا النَّقْلُ لَا تَعْرِفُهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَقَدْ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ: رِوَايَةُ النِّسَاءِ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ فِي الشَّهَادَةِ فَوْقَ الْأَعْمَى، وَقَدْ قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى، فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ . نَعَمْ، فِي تَعْلِيقِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ فِي قَبُولِ فَتْوَى الْمَرْأَةِ لَا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُمَا فِي رِوَايَتِهَا، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ. نَعَمْ، فِي تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ خِلَافٌ حَكَاهُ فِي " الْمَنْخُولِ ".

стр. 2279

[رِوَايَةُ الْعَبْدِ] اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ] وَلَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ، بَلْ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ. [كَوْنِ الرَّاوِي فَقِيهًا] [اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي فَقِيهًا] وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ سَوَاءٌ خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ الْقِيَاسَ أَمْ لَا. وَشَرَطَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ فِقْهَ الرَّاوِي لِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَلِهَذَا رَدَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ، وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمْ الدَّبُوسِيُّ، وَأَمَّا الْكَرْخِيّ وَأَتْبَاعُهُ فَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، بَلْ قَبِلُوا خَبَرَ كُلِّ عَدْلٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ مِنْهُمْ: وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. قَالَ صَاحِبُ " التَّحْقِيقِ ": وَقَدْ عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا» ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْلَا الرِّوَايَةُ لَقُلْت بِالْقِيَاسِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَا جَاءَنَا عَنْ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ

стр. 2280

فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مُقَلِّدًا لَهُ، فَمَا ظَنُّك بِأَبِي هُرَيْرَةَ مَعَ أَنَّهُ أَفْقَهُ مِنْ أَنَسٍ. قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ فِي الرَّاوِي، فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلٌ مُحْدَثٌ. اهـ. وَكَذَا قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: وَلِهَذَا قُلْنَا بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ، وَأَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ فِيهَا، وَلَيْسَتْ بِحَدَثٍ فِي الْقِيَاسِ، وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبُوا الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ. قُلْت: وَالصَّوَابُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوِيهِ، وَقَالَ شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ: بَلْ كَانَ فَقِيهًا، وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الِاجْتِهَادِ، وَكَانَ يُفْتِي فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَمَا كَانَ يُفْتِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ، وَقَدْ انْتَشَرَ عَنْهُ مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ، فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ حَدِيثِهِ بِالْقِيَاسِ. اهـ. [أُمُورٌ أُخْرَى لَا تُشْتَرَطُ فِي الرُّوَاةِ] [أُمُورٌ أُخْرَى لَا تُشْتَرَطُ فِي الرُّوَاةِ] وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَا عِلْمُهُ بِمَا رَوَاهُ، وَلَا بِكَوْنِهِ لَا يَدْرِي الْمُرَادَ بِهِ كَالْأَعْجَمِيِّ؛ لِأَنَّ جَهْلَهُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يَمْنَعُ مِنْ ضَبْطِهِ لِلْحَدِيثِ، وَلِهَذَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ. كَمَا لَا يُرَدُّ بِكَوْنِهِ لَمْ يَرْوِ غَيْرَ الْقَلِيلِ، كَالْحَدِيثِ وَالْحَدِيثَيْنِ، وَلَا بِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بِطَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي صِدْقِهِ. قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ الرَّاوِي مُخْتَلَفًا فِي اسْمِهِ إلَّا أَنَّ لَهُ كُنْيَةً أَوْ لَقَبًا يُعْرَفُ بِهِ فَلَا يُرَدُّ بِذَلِكَ خَبَرُهُ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ وَيَخْرُجُ عَنْ الْجَهَالَةِ، وَنُقِلَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ مَالِكٍ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَتُهُ بِهَذَا الشَّأْنِ. قَالَ: وَعَنِيَ بِهِ مَعْرِفَةَ الرِّجَالِ

стр. 2281

وَالرُّوَاةِ، وَأَنْ يَعْرِفَ، هَلْ زِيدَ فِي الْحَدِيثِ بِنَفْيٍ، أَوْ نَقْصٍ مِنْهُ؟ وَالصَّحِيحُ، قَبُولُ رِوَايَةِ مَنْ صَحَّتْ رِوَايَتُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْنِ بِهَذَا الشَّأْنِ، وَبِهِ جَزَمَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ. قَالَ: وَلَكِنْ يُرَجَّحُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ اعْتَنَى بِالرِّوَايَاتِ. وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَجْنَبِيًّا، فَلَوْ رَوَى خَبَرًا يَنْفَعُ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَلَدَهُ قُبِلَ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ يَصِيرُ شَرْعًا، وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ. قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: سَمِعْت، وَلَا أَخْبَرَنَا خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ، أَوْ مَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ إلَّا إذَا قَالَ رَاوِيَةً: سَمِعْت أَوْ أَخْبَرَنَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ " الْإِعْذَارِ الرَّادِّ كِتَابَ الْإِنْذَارِ " ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا يَقْتَضِي رَدَّ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ إذْ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَخَافَ إنْ قِيلَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ قَبُولَ الْمُرْسَلِ، وَذَهَبَ عَنْ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اسْتَثْقَلُوا: أَخْبَرَنَا، وَسَمِعْت، فَأَقَامُوا " عَنْ " مَقَامِهِمَا لِأَنَّهَا أَلْحَقَتْ الْخَبَرَ بِالْمُخْبِرِ. اهـ. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ يُرَهِّبُ الرَّاوِي الثِّقَةَ، حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى خَبَرِهِ. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ. وَلَا يُشْتَرَطُ الِاجْتِمَاعُ بِالرَّاوِي فِي كُلِّ رِوَايَةٍ، بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاجْتِمَاعِ

стр. 2282

وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَاشْتَرَطَ الْبُخَارِيُّ الْأَوَّلَ، وَنَقَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي كِتَابِهِ، وَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي أَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ، وَنَقَلُوا عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ، وَشَرَطَ عَلَى الِاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخَبَرُ إلَى السَّامِعِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ ﵄، لِطَلَبِهِمَا الزِّيَادَةَ فِي الرُّوَاةِ، وَنَقَلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْهُ تَعْلِيلَ ذَلِكَ فَإِنَّا لَوْ لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ تَضَاعَفَتْ الْأَعْدَادُ، حَتَّى يَخْرُجَ عَنْ الْحَصْرِ. كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي تَضْعِيفِ أَعْدَادِ بُيُوتِ الشِّطْرَنْجِ، قَالَ: وَلَا يُتَّجَهُ لَهُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَخْبَارٍ صَحَّتْ عَنْ الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ فِي الْتِمَاسِ شَاهِدٍ آخَرَ مَعَ الرَّاوِي الْوَاحِدِ، كَقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِلْمُغِيرَةِ: مَنْ شَهِدَ مَعَهُ؟ وَقَوْلِ عُمَرَ الْفَارُوقِ لِأَبِي مُوسَى

стр. 2283

مِثْلَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي قَبُولِ الصَّحَابِيِّ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ وَحْدَهُ، وَرِوَايَةِ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ، إلَّا أَنَّهُ طَلَبَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَزِيدَ اسْتِقْصَائِهِمْ لِرَيْبٍ اعْتَرَاهُمْ فِي خُصُوصِ أَحْوَالِهِ، كَإِحْلَافِ عَلِيٍّ بَعْضَ الرُّوَاةِ. اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَثْبَتَ مَنْقُولٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ فِي ذَلِكَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي " الْمُعْتَمَدِ " فَقَالَ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: إذَا رَوَى اثْنَانِ خَبَرًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ رَوَاهُ وَاحِدٌ فَقَطْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُعَضِّدَهُ ظَاهِرٌ، أَوْ عَمَلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِهِ أَوْ اجْتِهَادٌ، أَوْ يَكُونَ مُنْتَشِرًا. وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ فِي الزِّنَا إلَّا خَبَرَ أَرْبَعَةٍ، كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ الْوَاحِدَةِ. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا، بَلْ يَعْتَبِرُ مَعَ ذَلِكَ عَاضِدًا لَهُ، وَيَقُومُ الْعَاضِدُ مَقَامَ الرَّاوِي الْآخَرِ. وَهَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ " عَنْهُ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ. قُلْت: وَلَا نَظُنُّ أَنَّ مَا نُقِلَ أَوَّلًا عَنْ الْجُبَّائِيُّ هُوَ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ ذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فِي صَحِيحِهِ اشْتَرَطَ رِوَايَةَ عَدْلَيْنِ عَنْ عَدْلَيْنِ مُتَّصِلَةً، أُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْهُ، وَقَدْ ظَنَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْ. وَأَيْضًا فَذَلِكَ احْتِيَاطٌ مِنْهُ لَا اشْتِرَاطٌ فِي الْعَمَلِ بِهِ.

стр. 2284

وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي، جَامِعِ الْأُصُولِ "، أَنَّ بَعْضَهُمْ اشْتَرَطَ أَرْبَعَةً عَنْ أَرْبَعَةٍ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِسْنَادُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: مِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ عَنْ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ عَصْرٍ إلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِأَصْلِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ رِوَايَةَ ثَلَاثَةٍ عَنْ ثَلَاثَةٍ فِي كُلِّ عَصْرٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ أَرْبَعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ خَمْسَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ سَبْعَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ عِشْرِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ سَبْعِينَ، وَهَذَا غَرِيبٌ وَإِنَّمَا قِيلَ بِبَعْضِهِ فِي الْمُتَوَاتِرِ. [مَسْأَلَةٌ الِاعْتِمَادُ عَلَى كُتُبِ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ الرِّوَايَةِ بِالْإِسْنَادِ] ِ] ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ سَمَاعُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ الْمُحَدِّثِينَ، ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، فَإِذَا صَحَّ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ مَثَلًا، أَوْ مِنْ السُّنَنِ جَازَ لَهُ الْعَمَلُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إذَا وَجَدَ النَّاظِرُ حَدِيثًا مُسْنَدًا فِي كِتَابٍ مُصَحَّحٍ، وَلَمْ يَرْتَبْ فِي ثُبُوتِهِ، يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْكِتَابَ، فَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْعَمَلِ عَلَى أَنْ تَنْتَظِمَ لَهُ الْأَسَانِيدُ، وَمَنَعَهُ الْمُحَدِّثُونَ، وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَإِنَّ مَنْ رَأَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَوْ الْبُخَارِيِّ خَبَرًا، وَعَلِمَ ثِقَةَ النُّسْخَةِ فَلَا يُتَمَارَى فِي أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، وَهُوَ مَحَلُّ إجْمَاعٍ، هَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي كِتَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ التَّعْوِيلُ عَلَى الثِّقَةِ، فَلَوْ رَأَى حَدِيثًا فِي كِتَابِ رَجُلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، عَرَفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجَازِفُ يَجِبُ

стр. 2285

عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ مَذْكُورًا بِإِسْنَادِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَوُجُوبُ الْعَمَلِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِسْنَادِ حِسًّا حَتَّى إذَا رَآهُ فِي مَوْضِعٍ يَنْتَفِي عَنْهُ اللَّبْسُ مِنْهُ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمَرَاسِيلِ. اهـ. وَهَكَذَا جَزَمَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ. قَالَا: وَقَالَ قَائِلُونَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَنِدًا إلَى كِتَابٍ، وَكَمَا أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَاسْتِنَادًا إلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا رُوِيَتْ لِصَحَابِيٍّ غَابَ عَنْ الرَّسُولِ سُنَّةٌ هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عَنْهَا عِنْدَ لُقْيَاهُ] مَسْأَلَةٌ [إذَا رُوِيَتْ لِصَحَابِيٍّ غَابَ عَنْ الرَّسُولِ ﷺ سُنَّةٌ هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عَنْهَا عِنْدَ لُقْيَاهُ] لَوْ رُوِيَتْ سُنَّةٌ لِمَنْ غَابَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَعَمِلَ بِهَا، ثُمَّ لَقِيَهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عَنْهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا ابْنُ فُورَكٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ لِيَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَزِمَهُ السُّؤَالُ إذَا حَضَرَ لَلَزِمَهُ الْهِجْرَةُ إذَا غَابَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنَّهُ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا بِالظَّاهِرِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: لَكِنَّ الْأَوْلَى ذَلِكَ.

стр. 2286

وَقَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي ": الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ وُجُوبَ السُّؤَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَغْلِيظًا لَمْ يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ، وَإِنْ كَانَتْ تَرْخِيصًا لَزِمَهُ السُّؤَالُ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ الْتِزَامٌ، وَالتَّرْخِيصَ إسْقَاطٌ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَابْنُ فُورَكٍ: وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ لَقِيَ خَلْقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمْ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَسْأَلَةٍ مِمَّا كَانَ مُعَاذٌ أَدَّاهُ إلَيْهِمْ، وَلَمَّا أَتَى آتٍ أَهْلَ قُبَاءَ فَأَخْبَرَهُمْ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاعْتِقَادِ فَحَيْثُ يُمْكِنُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، وَأَهْلُ قُبَاءَ اسْتَغْنَوْا عَنْ السُّؤَالِ بِمُشَاهَدَةِ النَّبِيِّ ﷺ التَّحْوِيلَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ، وَمِثْلُهُ بِمَا أَتَاهُمْ آتٍ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَرَاقُوهَا، وَلَمْ يَسْأَلُوا، وَبِأَنَّ شُهُودَ الْأَصْلِ إذَا حَضَرُوا كَانَ السَّمَاعُ لَهُمْ دُونَ الْفَرْعِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ ثُمَّ حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. اهـ. [فَرْعٌ رَوَى تَابِعِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ ثُمَّ ظَفِرَ الْمَرْوِيُّ لَهُ بِالْمَرْوِيِّ عَنْهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ] فَرْعٌ فَلَوْ رَوَى تَابِعِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ، ثُمَّ ظَفِرَ الْمَرْوِيُّ لَهُ بِالْمَرْوِيِّ عَنْهُ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ؟ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الصَّحَابِيِّ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ فَهَاهُنَا وَجْهَانِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا ظَفِرَ الْإِنْسَانُ بِرَاوِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ] مَسْأَلَةٌ إذَا ظَفِرَ الْإِنْسَانُ بِرَاوِي حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ: فَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ

стр. 2287

سُؤَالٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ السُّؤَالِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَوَادِثِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْخَاصَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ لَزِمَ سَمَاعُ الْحَدِيثِ، لِيَكُونَ أَصْلًا فِي اجْتِهَادِهِ. قَالَا: وَنَقْلُ السُّنَنِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا نَقَلَهَا مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ فَرْضُهَا عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِلَّا جُرِّحُوا أَجْمَعُونَ. [فَائِدَةٌ إذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ] ُ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ، لِخَبَرِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، حَكَاهُ عَنْهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الطَّبَقَاتِ. [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الِاقْتِصَارُ عَلَى السَّمَاعِ عَنْ الصَّحَابِيِّ] ِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، وَقِصَّةُ عَلِيٍّ (﵁) فِي أَمْرِهِ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ تُبْطِلُ قَوْلَهُمْ، قَالَهُ السَّفَاقِسِيُّ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ.

стр. 2288

[مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ الشَّيْخِ مَا حَدَّثَ بِهِ] ِ] إذَا رَوَى ثِقَةٌ عَنْ ثِقَةٍ حَدِيثًا، ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ فَأَنْكَرَهُ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُكَذِّبَ الرَّاوِيَ عَنْهُ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ: كَذَبَ عَلَيَّ مَا رَوَيْت لَهُ هَذَا قَطُّ. فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ عَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": إنَّهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَرْعُ جَازِمًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَيَصِيرُ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَيُرَدُّ مَا جَحَدَهُ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ فَرْعُهُ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا قَطْعًا، لَكِنْ لَا يَثْبُتُ كَذِبُ الْفَرْعِ بِتَكْذِيبِ الْأَصْلِ لَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ، بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرْحًا لِلْفَرْعِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُكَذِّبُ شَيْخَهُ فِي نَفْيِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَتَسَاقَطَا. وَيُرَدُّ مِنْ حَدِيثِ الْفَرْعِ مَا نَفَى الْأَصْلُ تَحْدِيثَهُ بِهِ خَاصَّةً، وَلَا يُرَدُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَصْلِ نَفْسِهِ إذَا حَدَّثَ بِهِ، كَمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، وَكَذَا إذَا حَدَّثَ بِهِ فَرْعٌ آخَرُ ثِقَةً عَنْهُ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ

стр. 2289

الْأَصْلُ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَنَقَلَ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الرَّدِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ. أَحَدُهُمَا: التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ أَمْرَانِ، قَطَعَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ بِكَذِبِ الرَّاوِي، وَقَطَعَ النَّاقِلُ بِالنَّقْلِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَنَقَلَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَطَعَ بِالرَّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَقَالَ: الَّذِي الْتَزَمَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " التَّوَقُّفُ، وَهُوَ عَيْنُ مَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ. قَالَ: وَهَذَا كَخَبَرَيْنِ تَعَارَضَا، فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَا أَوْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا إنْ أَمْكَنَ. قُلْت: رَوَى الْخَطِيبُ فِي " الْكِفَايَةِ " بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْقَاضِي مِثْلَ مَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَعَابَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَعْلَمُ أَنِّي مَا حَدَّثْته، فَقَدْ كَذَّبَ، فَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ شَيْخِهِ لَهُ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ. فَيَجِبُ إيقَافُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَيَرْجِعُ فِي الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ، وَيُجْعَلُ بِمَثَابَةِ مَا لَمْ يَرِدْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرْوِيَهُ الشَّيْخُ مَعَ قَوْلِهِ: إنِّي لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ هَذَا الرَّاوِي عَنِّي، فَيُعْمَلُ فِيهِ بِرِوَايَتِهِ دُونَ رِوَايَتِهِ عَنْهُ. اهـ. وَالثَّانِي: أَنَّ تَكْذِيبَ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ لَا يُسْقِطَ الْمَرْوِيَّ، وَلِهَذَا لَوْ اجْتَمَعَا فِي شَهَادَةٍ لَمْ تُرَدَّ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ. وَأَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ". قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلشَّهَادَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الشَّهَادَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، بِخِلَافِ الْخَبَرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَا: لَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَرْعِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْأَصْلِ.

стр. 2290

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ فِعْلًا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ الْخَبَرِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الرِّوَايَةِ، فَلَا يَكُونُ تَكْذِيبًا بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ التَّارِيخَ حُمِلَ عَلَيْهِ تَحَرِّيًا لِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ الرِّوَايَةِ، نُظِرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ مَا عُمِلَ بِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْوِيلِ لَمْ يَكُنْ تَكْذِيبًا؛ لِأَنَّ بَابَ التَّأْوِيلِ فِي الْأَخْبَارِ غَيْرُ مَسْدُودٍ، لَكِنْ لَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بِرَأْيِهِ لَا يَلْزَمُ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ لَا يَحْتَمِلُ مَا عُمِلَ بِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ، هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ ". وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ مُطْلَقًا. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْكِرَهُ تَرْكًا، فَإِنْ امْتَنَعَ الشَّيْخُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ صِحَّتَهُ لَمَا امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلَهُ حُكْمُ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ. الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يُصَرِّحَ الْأَصْلُ بِتَكْذِيبِهِ، وَلَكِنْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ، أَوْ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ أَوْ لَا أَعْرِفُهُ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنِّي مَا حَدَّثْتُك، وَالْفَرْعُ جَازِمٌ بِهِ. فَهَاهُنَا تَوَقَّفَ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ التَّوَقُّفِ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ لِلْفَرْعِ الذَّاكِرِ، أَوْ الْأَصْلِ النَّاسِي؟ فِيهِ قَوْلَانِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى الْأَوَّلِ، وَوَافَقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَنَّ نِسْيَانَ الْأَصْلِ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الدَّهْمَاءِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ

стр. 2291

وَهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ تَارِكًا لَهُ، وَأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي النَّاسِي لِمَا رَوَاهُ وَقْتَ رِوَايَتِهِ بِصِفَةِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ بِأَسْرِهِمْ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَادَّعَاهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِقَبُولِ الْحَدِيثِ وَإِيجَابِ الْعِلْمِ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهِ تَفْصِيلٌ وَنَزَلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَالرَّازِيَّ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» الْخَبَرُ؛ لِأَنَّ رَاوِيَهُ: الزُّهْرِيُّ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ، وَكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ حَكَاهُ وَجْهًا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ شَارِحُ " اللُّمَعِ " عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ، وَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الَّذِي نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. لَنَا أَنَّ الرَّاوِي عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ لِحُصُولِ الْيَقِينِ، وَتَوَقُّفُ الشَّيْخِ لَيْسَ بِمُعَارِضٍ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنِّي، وَيُعْمَلُ بِهِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا حَمَلْتُمْ النِّسْيَانَ عَلَى الْكَلَامِيِّ وَتَعْرِيفَهُمْ؟ قِيلَ لَهُ: النِّسْيَانُ لَمْ يَقَع مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ.

стр. 2292

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلِأَجْلِ هَذَا الْخِلَافِ كَرِهَ جَمَاعَةٌ الرِّوَايَةَ عَنْ الْأَحْيَاءِ، مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي " الْكِفَايَةِ "، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ " أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ رَوَى عَنْ الشَّافِعِيِّ حِكَايَةً، فَأَنْكَرَهَا الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ ذَكَرَهَا، وَقَالَ: لَا تُحَدِّثْ عَنْ حَيٍّ، فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ. وَفَصَّلَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ، وَاعْتَادَ ذَلِكَ فِي مَحْفُوظَاتِهِ، فَيُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رَدَّهُ. وَفَصَّلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ مِنَّا بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَسْتَقِلُّ، فَإِنَّ التَّرَدُّدَ وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْ قَطْعَ الرَّاوِي، لَكِنَّهُ يُورِثُ ضَعْفًا. فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ خَبَرَيْنِ يَتَعَارَضَانِ، وَأَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَوْثَقُ، فَإِنَّ مُعَارَضَةَ الثَّانِي لَهُ تُخْرِجُهُ عَنْ أَحَدِ الْأَدِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَإِنْ وَجَدْنَا وَرَاءَهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، فَهُوَ أَوْلَى، فَإِنَّ مَا فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ مَزِيدِ وُضُوحٍ لَا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا. قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا إلَّا أَنَّا سَنَذْكُرُ تَرَدُّدًا فِي أَنَّ مَزِيَّةَ الْحَدِيثِ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ أَوْ الْقِيَاسِ، وَيَضْطَرِبُ الرَّاوِي فِيهِ، سِيَّمَا إذَا كَانَ الْقِيَاسُ جَلِيًّا كَاَلَّذِي يُقَرِّرُونَهُ فِي مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَكُمْ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَعَلَى مَاذَا تَعْتَمِدُونَ مَا رَوَاهُ؟ فَقِيلَ: رُوِيَ الْخَبَرُ الَّذِي تَرَدَّدَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ مِنْ طَرِيقٍ

стр. 2293

آخَرَ غَيْرِ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: وَكَانَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَرَى الْخَبَرَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، مَعَ تَرَدُّدِ الشَّيْخِ، وَلَكِنْ كَانَ يَرَى إذَا قَطَعَ الشَّيْخُ بِالرَّدِّ أَنَّ ذَاكَ يَمْنَعُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ. قَالَ إلْكِيَا: وَمَنْ لَمْ يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكْنَاهُ لَا يَعْدَمُ مِنْ التَّعَرُّضِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَلَامًا مُخَيِّلًا، فَإِنَّ قَطْعَ النَّافِي قَدْ لَا يُعَارِضُ قَطْعَ الْمُثْبِتِ، فَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ رَوَاهُ، ثُمَّ نَسِيَ، وَظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ. تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: يَجُوزُ لِلرَّاوِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ. الثَّانِي: هَذَا كُلُّهُ فِي أَنَّ الْغَيْرَ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَهُ؛ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ لَهُ؟ وَقَدْ تَمَسَّك الشَّافِعِيُّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ، مَعَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ: لَا أَدْرِي. [الشَّيْخُ نَفْسُهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ رِوَايَتَهُ وَيَرْوِيَهُ] أَمَّا الشَّيْخُ نَفْسُهُ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ، هَلْ لَهُ أَنْ يَتَّبِعَ رِوَايَتَهُ وَيَرْوِيَهُ؟ كَمَا يَقُولُ سُهَيْلٌ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِ " نَقْضِ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ ": هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تُتْبَعُ رِوَايَتُهُ تَشَوُّفًا إلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ " مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ صَاحِبَ " الْأَمْثَالِ " حَكَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الَّذِي نَسِيَهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ الرَّاوِي عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ وَتَابِعٌ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الْفَرْعُ أَصْلًا، وَالتَّابِعُ مَتْبُوعًا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": صَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ رَوَى عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، يَعْنِي بَعْدَ نِسْيَانِهِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ

стр. 2294

وَذَكَرَ مَا أَهْمَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، أَمَّا عَمَلُهُ بِهِ، فَحَكَى الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ اعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا نَسِيَ الْخَبَرَ حَرُمَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ بِمُوجَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يُقَالُ لَهُمْ: مَنْ سَلَّمَ لَكُمْ هَذَا؟ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ، إذَا أَخْبَرَهُ الْعَدْلُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَوَاهُ. الثَّالِثُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي إنْكَارِ لَفْظِ الْحَدِيثِ بِالْجُمْلَةِ، فَأَمَّا فِي اللَّفْظَةِ الزَّائِدَةِ فِيهِ إذَا قَالَ رَاوِيهِ: لَا أَحْفَظُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، أَوْ لَمْ أُحَدِّثْك بِهَا، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَجَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ أَصْلُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: إنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ. قَالَ: وَكَذَا نِسْيَانُ الْإِعْرَابِ. وَكَلَامُ ابْنِ فُورَكٍ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِالْوَاحِدِ. فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ إذَا نَسَبُوا ذَلِكَ كَانَ قَادِحًا قَطْعًا؛ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ. الرَّابِعُ: مَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَجْزِمْ الْأَصْلُ بِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْفَرْعُ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْعُ غَيْرَ جَازِمٍ بِأَنْ كَانَ شَاكًّا فِيهِ " غَيْرَ ظَانٍّ لَهُ، لَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ، وَإِنْ حَذَفَهُ الشَّيْخُ لِفَقْدِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْجَزْمُ بِهَا أَوْ الظَّنُّ، فَإِنْ كَانَ ظَانًّا، وَالْأَصْلُ شَاكٌّ فِيهِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ. وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ ظَانًّا عَدَمَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ. قَالَ: فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ الْقَبُولِ. قَالَ: وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّهُ مَهْمَا كَانَ قَوْلُ الْأَصْلِ مُعَادِلًا لِقَوْلِ الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ، وَمَهْمَا كَانَ الْفَرْعُ رَاجِحًا عَلَى قَوْلِ الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْخِلَافِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَقْبُولًا؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَمْ يُوجَدْ فِي مُقَابَلَتِهِ مَنْ يُعَارِضُهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال.

стр. 2295

الْخَامِسُ: أَنَّ الْخِلَافَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّوَايَةِ، أَمَّا الشَّهَادَةُ فَمَحَلُّ وِفَاقٍ. فَإِذَا أَنْكَرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ هَذَا الْفَرْعِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يُخَالِفُ فِيهَا الْمَذْهَبَانِ أُصُولَهُمْ، وَهِيَ مَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْقَاضِي أَنَّك قَضَيْت لِي أَوْ سَجَّلَتْ فِي الْوَاقِعَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَأَنْكَرَ الْقَاضِي دَعْوَاهُ، وَقَالَ: مَا قَضَيْت، وَمَا سَجَّلْت، وَمَا عِنْدِي خَبَرٌ بِمَا تَدَّعِيهِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ، وَشَهِدَا بِمُوجَبِ دَعْوَاهُ، لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الدَّعْوَى بِشَهَادَتِهِمَا، وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهَا تَثْبُتُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَالْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشُّهُودِ، وَقُصَارَى مَا يَصْدُرُ هَاهُنَا إنْكَارُ الْأَصْلِ، وَإِنْكَارُ الْأَصْلِ عِنْدَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْفَرْعِ فِي مَذْهَبِنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْقَضَاءِ وَالْإِسْجَالِ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ لَا تُقْبَلَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ - أَعْنِي الْقَاضِيَ - أَنْكَرَ وَعِنْدَهُمْ إنْكَارُ الْأَصْلِ يُسْقِطُ الْفَرْعَ. [مَسْأَلَةٌ رَوَى حَدِيثًا عَنْ شَيْخٍ وَلَيْسَ هُوَ مَعْدُودًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْمَشَاهِيرِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ هَلْ يُقْبَلُ] مَسْأَلَةٌ إذَا رَوَى حَدِيثًا عَنْ شَيْخٍ، وَلَيْسَ هُوَ مَعْدُودًا مِنْ أَصْحَابِهِ الْمَشَاهِيرِ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، هَلْ يُقْبَلُ؟ مِثَالُهُ تَمَسَّك الْحَنَفِيَّةُ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ فِي الصَّلَاةِ بِحَدِيثِ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ: «لَيْسَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ سَاجِدًا، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا» . قَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْ

стр. 2296

الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا لِأَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ يُزَاحِمُ أَصْحَابَ قَتَادَةَ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ. أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يُعَدَّ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ دُونَهُمْ، فَأَوْرَثَ شَكًّا. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهَذَا الَّذِي تَخَيَّلَهُ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ وَاقِعٌ فِي رَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ فَتُقْبَلُ سَائِرُ رِوَايَاتِهِ، فَكَيْفَ يُرَدُّ حَدِيثُهُ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا، فَإِنَّا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَهَذَا مِثْلُهُ. [مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ] ِ] إنْكَارُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ حُكْمُهُ مِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَطَّانِ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إذَا رَجَعَ الرَّاوِي عَمَّا رَوَاهُ، وَقَالَ: كُنْت أَخْطَأْت فِيهِ، وَجَبَ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ الصِّدْقُ فِي خَبَرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ فِيهِ كَأَصْلِ رِوَايَتِهِ. فَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدْت الْكَذِبَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي أُصُولِهِ: لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِهِ فِيمَا نُقِلَ. [مَسْأَلَةٌ إذَا تَشَكَّكَ الرَّاوِي فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لَهُ] ُ] فَأَمَّا مَا ذَكَرَ الرَّاوِي شَكًّا مُبْتَدَأً، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَادِحًا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شَكَّ بَعْدَمَا رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ التَّشْكِيكِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ فِي " الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ "، وَنَازَعَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْمَوَّاقِ. وَقَالَ: تَشْكِيكُ الرَّاوِي بَعْدَ الْيَقِينِ عِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا عَلَى الْيَقِينِ. فَإِنَّ شَكَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ

стр. 2297

مَحْمُولٌ عَلَى النِّسْيَانِ، وَتَغَيُّرِ الْحِفْظِ بِالْكِبَرِ وَغَيْرِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَاجِعَ الرَّاوِي أُصُولَهُ، وَيَسْتَرِيبَ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ مَحْفُوظِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ بَيَانُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ حَمَّلَهُ إيَّاهُ، فَيُقْبَلُ ذَلِكَ عَنْهُ وَيُعْرَفُ. [مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الرَّاوِي أَظُنُّ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَنِي أَوْ قَالَ هَلْ يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ] ِ؟ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ ": نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقَالَ صَاحِبُ " الْإِنْصَافِ ": هَذَا فِيهِ نَظَرٌ أُصُولِيٌّ، وَلِتَجْوِيزِهِ وَجْهٌ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ فِي الرِّوَايَةِ إلَى الظَّنِّ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَلَى الْخَطِّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَفِي مُسْلِمٍ فِي بَابِ الِاغْتِسَالِ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ حَدِيثٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: أَكْبَرُ عِلْمِي، وَاَلَّذِي يَخْطُرُ عَلَى بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أَخْبَرَنِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» ، وَقَدْ اعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا اعْتِمَادًا. قُلْت: وَهَلْ يُعْمَلُ بِالرِّوَايَةِ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَنَدَهُ؟ . يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا ذَكَرَهَا فِي مُسْنَدِهِ، هَلْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ؟ .

стр. 2298

[مَسْأَلَةٌ إذَا قَالَ الْعَدْلُ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْعَدْلُ الْمَرَضِيُّ إنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ الْقَدَحِ] ِ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ. قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُعَدِّلَةَ إذَا اجْتَمَعَتْ لَمْ يَبْقَ لِلتُّهْمَةِ مَوْضِعٌ، إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ. قَالَ: وَبِمِثْلِهِ رَدَدْنَا قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: لَمْ يَصِحَّ فِي النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ حَدِيثٌ أَصْلًا، وَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ مُطْلَقَ قَدَحِهِ يُورِثُ تُهْمَةً؟ قُلْنَا إنَّهُ لَا مُبَالَاةَ بِمُخَايِلِ التُّهْمَةِ، إنَّمَا التَّعْوِيلُ عَلَى الْأَسْبَابِ. اهـ. وَيُتَّجَهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فِيهِ أَنَّ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ، هَلْ يُقْبَلُ؟ وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ ذَلِكَ قَادِحٌ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: قَوْلُ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ فِي رِوَايَةِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ: هَذَا لَا يَصِحُّ، غَيْرُ مَقْبُولٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْتَوِ عَلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالْأَسَانِيدِ، وَإِنْ عَنَى بِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ، فَذَلِكَ جَرْحٌ مُطْلَقٌ، فَلَا يُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَ سَبَبَهُ. [مَسْأَلَةٌ زِيَادَةُ الرَّاوِي الثِّقَةِ] ِ] إذَا انْفَرَدَ الثِّقَةُ بِزِيَادَةٍ فِي الْحَدِيثِ، فَتَارَةً تَكُونُ لَفْظِيَّةً، كَقَوْلِهِ فِي (رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ) ، (وَلَك الْحَمْدُ) ، فَإِنَّ الْوَاوَ زِيَادَةٌ فِي اللَّفْظِ، وَتَارَةً تَكُونُ مَعْنَوِيَّةً تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا كَرِوَايَةِ (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فِي حَدِيثِ زَكَاةِ

стр. 2299

الْفِطْرِ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَعَدُّدُ الْمَجْلِسِ، أَوْ اتِّحَادُهُ، أَوْ جُهِلَ الْأَمْرُ. الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُعْلَمَ تَعَدُّدُهُ فَيُقْبَلُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَذْكُرَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَلَامَ فِي أَحَدِ الْمَجْلِسَيْنِ بِدُونِ زِيَادَةٍ وَفِي الْآخَرِ بِهَا، وَزَعَمَ الْإِبْيَارِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَجْرَى فِيهَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ التَّفْصِيلَ الَّذِي سَنَحْكِيهِ عَنْهُ فِي اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُشْكِلَ الْحَالُ، فَلَا يَعْلَمُ هَلْ تَعَدَّدَ الْمَجْلِسَ أَوْ اتَّحَدَ، فَأَلْحَقَهَا الْإِبْيَارِيُّ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا، حَتَّى يُقْبَلَ بِلَا خِلَافٍ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهَا خِلَافٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الِاتِّحَادِ، وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِتَصْدِيقِهِ حَاصِلٌ وَالْمُعَارِضَ لَهُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ. قُلْت: وَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَّحِدِ، وَأَوْلَى بِالْقَبُولِ نَظَرًا إلَى احْتِمَالِ التَّعَدُّدِ.

стр. 2300

وَأَشَارَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " إلَى التَّوَقُّفِ، وَالرُّجُوعِ إلَى التَّرْجِيحِ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى أَنَّهُمَا جَرَيَا فِي مَجْلِسَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَرَى عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ وَاحِدًا لَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ عَدَالَتِهِمَا وَحِفْظِهِمَا أَلَّا تَخْتَلِفَ رِوَايَتُهُمَا، فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَقْوَالٌ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قِيلَ: إنْ احْتَمَلَ تَعَدُّدُ الْمَجْلِسِ قُبِلَتْ الزِّيَادَةُ اتِّفَاقًا. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَتْ الْقَضِيَّةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَلْفَاظٍ وَقَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى الِاتِّحَادِ، فَكَذَلِكَ إذَا رَجَحَتْ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إلَى رَاوٍ وَاحِدٍ مَعَ عَدَدِ الْمَرَاتِبِ فِي الرُّوَاةِ، وَإِنْ طَرَأَ التَّعَدُّدُ فَهَاهُنَا ضَعِيفٌ مَرْجُوحٌ، وَرُبَّمَا جَزَمَ بِبُطْلَانِهِ، كَمَا فِي قَضِيَّتِهِ الْوَاهِيَةِ نَفْسِهَا، فَإِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ فِي أَلْفَاظٍ فِيهَا، فَالْقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الْمَجْلِسِ فِي الْوَاقِعَةِ هَاهُنَا مَعَ اتِّحَادِ السِّيَاقِ، وَتَوَافُقِ أَكْثَرِ الْأَلْفَاظِ، وَاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ لِلْحَدِيثِ بَعِيدٌ جِدًّا، فَالطَّرِيقُ الرُّجُوعُ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرُّوَاةِ.

стр. 2301

[الْمَذَاهِبُ فِي الزِّيَادَةِ مِنْ الرَّاوِي إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ] ُ] الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ، وَيَنْقُلَ بَعْضُهُمْ الزِّيَادَةَ، وَيَسْكُتَ بَعْضُهُمْ عَنْهَا، وَلَا يُصَرِّحُ بِنَفْيِهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ غَيَّرَتْ الْحُكْمَ الثَّابِتَ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَوْجَبَ نَقْصًا ثَبَتَ بِخَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ بِأَنْ رَوَاهُ مَرَّةً نَاقِصًا، وَمَرَّةً بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ، أَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ غَيْرِ مَنْ رَوَاهُ نَاقِصًا، وَهِيَ كَالْحَدِيثِ التَّامِّ، يَنْفَرِدُ بِهِ الثِّقَةُ، فَالزِّيَادَةُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، بَلْ تَابِعَةٌ، وَقَدْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، مَعَ انْفِرَادِهِ بِرُؤْيَتِهِ، وَقَبِلَ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنْ انْفَرَدُوا عَنْ جَمِيعِ الْحَاضِرِينَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسْنِدَ الرَّاوِي لِلزِّيَادَةِ وَالتَّارِكِ لَهَا مَا رَوَيَاهُ إلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ إلَى مَجْلِسَيْنِ، أَوْ يُطْلِقَا إطْلَاقًا. فَتُقْبَلُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ التَّارِكَ لِلزِّيَادَةِ لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْغَفْلَةُ عَنْهَا، وَكَانَ الْمَجْلِسُ وَاحِدًا أَنْ لَا يَقْبَلَ رِوَايَةَ رَاوِي الزِّيَادَةِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": إنَّمَا يُقْبَلُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ نَقَلَ الزِّيَادَةَ وَاحِدٌ، وَمَنْ رَوَاهُ نَاقِصًا جَمَاعَةٌ، لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْوَهْمُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَتْ، هَذَا إذَا رَوَيَاهُ عَنْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَإِنْ رَوَيَاهُ عَنْ مَجْلِسَيْنِ فَإِنْ كَانَا خَبَرَيْنِ عُمِلَ بِهِمَا، قَالَ: فَإِنْ كَانَ النَّاقِلُ لَهَا عَدَدًا

стр. 2302

كَثِيرًا فَهِيَ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا وَاحِدًا فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ الضَّابِطِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَا ضَابِطَيْنِ ثِقَتَيْنِ كَانَ الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى، وَكَلَامُ الْإِمَامِ فِي " الْمَحْصُولِ " قَرِيبٌ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْآمِدِيَّ: إذَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، فَإِنْ كَانَ مَنْ لَمْ يَرْوِ الزِّيَادَةَ قَدْ انْتَهَى إلَى حَدٍّ لَا يَقْضِي فِي الْعَادَةِ بِغَفْلَةِ مِثْلِهِ عَنْ سَمَاعِهَا، وَاَلَّذِي رَوَاهَا وَاحِدٌ، فَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا إلَى هَذَا الْحَدِّ فَاتَّفَقَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ، خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. اهـ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ، فَأَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِقَبُولِ الزِّيَادَةِ مُطْلَقًا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ الْإِطْلَاقَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ "، وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، وَقَالَ: سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَوْ الْمَعْنَى، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ " وَابْنُ بَرْهَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ: وَالِاخْتِيَارُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرَهُ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ. بِقَبُولِ الزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ مِنْ الشُّرُوطِ. وَسَيَأْتِي فِي بَحْثِ الْمُرْسَلِ مِنْ كَلَامِ

стр. 2303

الشَّافِعِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً مُطْلَقًا، وَهُوَ أَثْبَتُ نَقْلٍ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَسَنَذْكُرُ قَرِيبًا عَنْ نَصِّهِ فِي " الْأُمِّ " أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إذَا خَالَفَ الْأَحْفَظَ وَالْأَكْثَرَ. الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ لِبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَنُقِلَ عَنْ مُعْظَمِ الْحَنَفِيَّةِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مِنْ تَنَاقُضِ الْقَوْلِ الْجَمْعُ بَيْنَ قَبُولِ رِوَايَةِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فِي الْقُرْآنِ، وَرَدِّ الزِّيَادَةِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ، وَحَقُّ الْقُرْآنِ أَنْ يُنْقَلَ تَوَاتُرًا بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ. وَمَا كَانَ أَصْلُهُ التَّوَاتُرُ، وَقُبِلَ فِيهِ زِيَادَةُ الْوَاحِدِ، فَلَأَنْ يُقْبَلَ فِيمَا سِوَاهُ الْآحَادُ أَوْلَى، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ. قَالَ: وَعَلَى هَذَا بَنَوْا الْكَلَامَ فِي الزِّيَادَةِ الْمَرْوِيَّةِ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: «وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» . وَالثَّالِثُ: الْوَقْفُ؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ بُعْدًا، وَالْأَصْلُ وَإِنْ كَانَ عَدَمُ الصُّدُورِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا صِدْقُ الرَّاوِي. وَإِذَا تَعَارَضَا وَجَبَ التَّوَقُّفُ. حَكَاهُ الْهِنْدِيُّ. وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَغْفُلُ مِثْلُهُ عَنْ مِثْلِهَا عَادَةً لَمْ تُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَتْ، وَهُوَ قَوْلُ الْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَالْخَامِسُ: إنْ كَانَ غَيْرُهُ لَا يَغْفُلُ، أَوْ كَانَتْ الدَّوَاعِي لَا تَتَوَفَّرُ عَلَى

стр. 2304

نَقْلِهَا، وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ كَمَا سَبَقَ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِمَّنْ رَوَاهُ نَاقِصًا، ثُمَّ رَوَاهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ أَوْ رَوَاهُ بِالزِّيَادَةِ ثُمَّ رَوَاهُ نَاقِصًا، وَتُقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الثِّقَاتِ. نَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ فِرْقَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي، الْعُدَّةِ " فِيمَا إذَا رَوَى الْوَاحِدُ خَبَرًا ثُمَّ رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَبَرَيْنِ فِي مَجْلِسٍ قُبِلَتْ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ عَزَى ذَلِكَ إلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، أَوْ تَكَرَّرَتْ رِوَايَتُهُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ، ثُمَّ رَوَى الزِّيَادَةَ، فَإِنْ قَالَ: كُنْت نَسِيتُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِي الزِّيَادَةِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": إنْ أَسْنَدَ الرِّوَايَتَيْنِ إلَى مَجْلِسَيْنِ قُبِلَ، وَهَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ الْحَالُ حُمِلَ عَلَى التَّعَدُّدِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهَا إلَى مَجْلِسَيْنِ، وَكَانَ قَدْ رَوَى الْخَبَرَ دُفُعَاتٍ كَثِيرَةً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، وَرَوَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً بِالزِّيَادَةِ، فَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ سَهَا فِي إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ؛ وَلِأَنَّ سَهْوَ الْإِنْسَانِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَغْلَبُ مِنْ سَهْوِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً، فَإِنْ قَالَ: كُنْت قَدْ أُنْسِيت هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَالْآنَ ذَكَرْتهَا، قُبِلَتْ الزِّيَادَةُ، وَحُمِلَ أَمْرُهُ عَلَى الْأَقَلِّ النَّادِرِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَوَاهَا مَرَّةً وَاحِدَةً بِرِوَايَتِهَا مَرَّةً، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تُغَيِّرُ إعْرَابَ الْكَلَامِ تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تُغَيِّرُ اللَّفْظَ اُحْتُمِلَ أَنْ يَتَعَارَضَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَدْ وَهِمَ. قَالَ: وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَارِنْهُ اسْتِهَانَةٌ، فَلَوْ رَوَى الْحَدِيثَ تَارَةً بِالزِّيَادَةِ وَتَارَةً بِحَذْفِهَا اسْتِهَانَةً وَقِلَّةَ تَحَفُّظٍ، سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ وَلَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ. السَّابِعُ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تُغَيِّرُ إعْرَابَ الْبَاقِي، كَمَا لَوْ رَوَى رَاوٍ فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَرَوَى الْآخَرُ نِصْفَ شَاةٍ، لَمْ يُقْبَلْ، وَيَتَعَارَضَانِ، وَهُوَ الْحَقُّ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعِهِ، وَحَكَاهُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ:

стр. 2305

لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْوِي غَيْرَ مَا رَوَاهُ الْآخَرُ، فَيَكُونُ مُنَافِيًا لَهُ مُعَارِضًا، فَلَا يُقْبَلُ إلَّا بَعْدَ التَّرْجِيحِ. قَالَ: وَخَالَفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَالْمِزِّيُّ، وَفِي " الْمُعْتَمَدِ " لِأَبِي الْحُسَيْنِ: قَبِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الزِّيَادَةَ سَوَاءٌ أَثَّرَتْ فِي اللَّفْظِ أَمْ لَا، إذَا أَثَّرَتْ فِي الْمَعْنَى، وَقَبِلَهَا الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ إذَا أَثَّرَتْ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَلَمْ يَقْبَلْهَا إذَا أَثَّرَتْ فِي إعْرَابِ اللَّفْظِ. الثَّامِنُ: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا إذَا أَفَادَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ. فَلَوْ لَمْ تُفِدْ حُكْمًا لَمْ تُعْتَبَرْ، كَقَوْلِهِمْ: فِي مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ فِي أَخَافِيقَ جُرْذَانَ. قَالَ: فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَوْضِعَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَقَالَ: وَقِيلَ: إنَّمَا تُقْبَلُ إذَا اقْتَضَتْ فَائِدَةً جَدِيدَةً. التَّاسِعُ: عَكْسُهُ، أَنَّهَا تُقْبَلُ إذَا رَجَعَتْ إلَى لَفْظٍ لَا يَتَضَمَّنُ حُكْمًا زَائِدًا كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. الْعَاشِرُ: تُقْبَلُ لَوْ كَانَتْ بِاللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الَّذِي قَبِلَهُ. الْحَادِيَ عَشَرَ: بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ رَاوِيهَا حَافِظًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ، وَالصَّيْرَفِيِّ. قَالَ الصَّيْرَفِيِّ: وَهُوَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى مَنْ نَقَلَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مُسْتَقِلًّا بِهَا، لَا شَرِيكَ مَعَهُ فِي الرِّوَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَوْ انْفَرَدَ بِحَدِيثٍ يُقْبَلُ فَإِنَّ زِيَادَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَإِنْ خَالَفَ الْحُفَّاظَ. الثَّانِيَ عَشَرَ: إنْ تَكَافَأَ الرُّوَاةُ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، وَزَادَ حَافِظٌ عَالِمٌ بِالْأَخْبَارِ زِيَادَةً، قُبِلَتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَلْحَقُهُمْ فِي الْحِفْظِ لَمْ تُقْبَلْ، وَهُوَ قَوْلُ

стр. 2306

ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُهُ لِمَا قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ. الثَّالِثَ عَشَرَ: إنْ كَانَ ثِقَةً، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بِنَقْلِ الزِّيَادَاتِ فِي الْوَقَائِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ الشُّذُوذِ قُبِلَتْ. كَرِوَايَةِ مَالِكٍ: (مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَإِنْ اُشْتُهِرَ بِكَثْرَةِ الزِّيَادَاتِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ، وَامْتِنَاعِ الِامْتِيَازِ بِسَمَاعٍ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. فَمَذْهَبُ الْأُصُولِيِّينَ قَبُولُ زِيَادَتِهِ، وَمَذْهَبُ الْمُحَدِّثِينَ رَدُّهَا لِلتُّهْمَةِ. قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ ". [شُرُوطُ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ] الرَّابِعَ عَشَرَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي تُقْبَلُ بِشُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مُنَافِيَةً لِأَصْلِ الْخَبَرِ. ذَكَرَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ. ثَانِيهَا: أَنْ لَا تَكُونَ عَظِيمَةَ الْوَقْعِ، بِحَيْثُ لَا يَذْهَبُ عَنْ الْحَاضِرِينَ عِلْمُهَا وَنَقْلُهَا. أَمَّا مَا يَجُلُّ خَطَرُهُ، فَبِخِلَافِهِ. قَالَهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ النَّاقِلُونَ فِي نَقْلِ الزِّيَادَةِ، فَإِنَّهُمْ إذَا قَالُوا: شَهِدْنَا أَوَّلَ الْمَجْلِسِ وَآخِرَهُ مُصْغِينَ إلَيْهِ، مُجَرِّدِينَ لَهُ أَذْهَانَنَا، فَلَمْ نَسْمَعْ الزِّيَادَةَ، فَذَلِكَ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ لَمْ يُكَذِّبُوهُ عَلَى عَدَالَتِهِ، قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ". وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: أَمَّا إذَا صَرَّحَ الْآخَرُونَ بِالنَّفْيِ وَاتَّحَدَ الْمَجْلِسُ. فَقِيلَ: هُوَ مُعَارِضٌ، فَيُقَدَّمُ أَقْوَاهَا. وَقِيلَ الْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ، قَالَ: وَهُوَ الرَّاجِحُ. رَابِعُهَا: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْأَحْفَظَ وَالْأَكْثَرَ عَدَدًا، فَإِنْ خَالَفَتْ، فَظَاهِرُ

стр. 2307

كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ إعْتَاقِ الشَّرِيكِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهَا مَرْدُودَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ بُلُوغِهِمْ إلَى حَدٍّ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ الْغَفْلَةُ وَالذُّهُولُ أَمْ لَا، بَلْ اعْتَبَرَ الْمُطْلَقَ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كَلَامِهِ عَلَى زِيَادَةِ مَالِكٍ وَأَتْبَاعِهِ فِي حَدِيثٍ: «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» : إنَّمَا يَغْلَطُ الرَّجُلُ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ، أَوْ يَأْتِي بِشَيْءٍ فَيَتْرُكُهُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ مَا حَفِظَ مِنْهُ، وَهُمْ عَدَدٌ وَهُوَ مُنْفَرِدٌ. اهـ. وَقَالَ فِي حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ: «وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ» هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَهِيَ ذِكْرُ الِاسْتِسْعَاءِ، تَفَرَّدَ بِهَا سَعِيدٌ، وَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ، فَلَا تُقْبَلُ، وَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُهُ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا عَلِمُوهُ مِنْهُ فِي قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، احْتَاجُوا لِتَأْوِيلِهِ، فَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: لَمْ يَرُدَّ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْجِهَةَ، بَلْ إنَّ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ عَارَضَهَا رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ، فَتُرَجَّحُ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ رَوَاهُ مُطْلَقًا، وَغَيْرُهُ رَوَى الْخَبَرَ، وَقَالَ: " قَالَ قَتَادَةُ: وَيُسْتَسْعَى " فَمَيَّزَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَلَامِ قَتَادَةَ، فَيَكُونُ هَذَا الرَّاوِي قَدْ حَفِظَ مَا خَفِيَ عَلَى الْآخَرِ.

стр. 2308

وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَنَحْنُ وَإِنْ قَبِلْنَا الزِّيَادَةَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالُ الضَّعْفِ، وَيَخْدِشُ وَجْهَ الثِّقَةِ، فَلَوْ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عَلَى مُنَاقَضَةٍ لَقُدِّمَ عَلَيْهِ، فَلِأَجْلِهِ قَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ خَبَرَ السِّرَايَةِ عَلَى خَبَرِ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِنَقْلِ السِّعَايَةِ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ. وَقَسَّمَ ابْنُ الصَّلَاحِ الزِّيَادَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ مُخَالِفًا مُنَافِيًا لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ فَمَرْدُودٌ. ثَانِيهَا: مَا لَا يُنَافِي رِوَايَةَ الْغَيْرِ كَالْحَدِيثِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ جُمْلَتِهِ ثِقَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ، فَيُقْبَلُ تَفَرُّدُهُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ فِيهِ لِمَا رَوَاهُ الْغَيْرُ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْلًا، وَادَّعَى الْخَطِيبُ فِيهِ الِاتِّفَاقَ. ثَالِثُهَا: مَا يَقَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ، كَزِيَادَةٍ فِي لَفْظِ حَدِيثٍ لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ، يَعْنِي وَلَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَلَا نَفَاهَا الْبَاقُونَ صَرِيحًا، وَتَوَقَّفَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي قَبُولِ هَذَا الْقِسْمِ. وَحَكَى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ عَنْهُ اخْتِيَارَ الْقَبُولِ فِيهِ، وَلَعَلَّهُ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا. [قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ] وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إذَا عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فَالْقَوْلُ لِلْأَكْثَرِ، سَوَاءٌ كَانُوا

стр. 2309

رُوَاةَ الزِّيَادَةِ أَوْ غَيْرَهُمْ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْكَثْرَةِ، فَإِنَّهَا عَنْ الْخَطَأِ أَبْعَدُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا قُدِّمَ الْأَحْفَظُ وَالْأَضْبَطُ، فَإِنْ اسْتَوَوْا قُدِّمَ الْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي، وَقِيلَ: النَّافِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ نَافَتْ الْمَزِيدَ عَلَيْهِ اُحْتِيجَ لِلتَّرْجِيحِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ، كَحَدِيثِ: عِتْقِ بَعْضِ الْعَبْدِ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ (﵁) رَوَى الِاسْتِسْعَاءَ، وَابْنُ عُمَرَ لَمْ يَرْوِهِ، بَلْ قَالَ: «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ، وَهِيَ تُنَافِي الِاسْتِسْعَاءَ، وَإِنْ لَمْ تُنَافِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى التَّرْجِيحِ، بَلْ يُعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ إذَا أُثْبِتَتْ كَمَا فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، كَقَوْلِ أَنَسٍ: «رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» رَوَاهُ بَعْضُهُمْ هَكَذَا مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: «فَأَخَذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ» وَهِيَ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ. [مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ] قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ خُصُوصًا الْمُتَقَدِّمِينَ، كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمَا كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، كَالْبُخَارِيِّ، وَأَبِي زُرْعَةَ، وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيَّيْنِ، وَمُسْلِمٍ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَأَمْثَالِهِمْ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، كُلِّ هَؤُلَاءِ مُقْتَضَى تَصَرُّفِهِمْ فِي الزِّيَادَةِ قَبُولًا وَرَدًّا التَّرْجِيحُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَقْوَى عِنْدَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَلَا يَحْكُمُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الصَّوَابُ فِي نَظَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.

стр. 2310

وَمِنْهُمْ مِنْ قَبِلَ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ تَعَدَّدَ، كَثُرَ السَّاكِتُونَ أَوْ تَسَاوَوْا، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ، فَقَدْ أَخْرَجَا فِي كِتَابَيْهِمَا اللَّذَيْنِ الْتَزَمَا فِيهِمَا الصِّحَّةَ كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِلزِّيَادَةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا رَاوٍ وَاحِدٌ، وَخَالَفَ فِيهَا الْعَدَدَ وَالْأَحْفَظَ، وَقَدْ اخْتَارَ الْخَطِيبُ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَحَكَاهُ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ. وَقَدْ نُوزِعَ فِي نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ. وَعُمْدَتُهُمْ هُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَوْ انْفَرَدَ بِنَقْلِ حَدِيثٍ عَنْ جَمِيعِ الْحُفَّاظِ قُبِلَ، فَكَذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنْ تَفَرَّدَ بِأَصْلِ الْحَدِيثِ لَا يَتَطَرَّقُ الْوَهْمُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الثِّقَاتِ، بِخِلَافِ تَفَرُّدِهِ بِالزِّيَادَةِ إذَا خَالَفَ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ، فَإِنَّ الظَّنَّ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِهِمْ دُونَهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ. تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ: لِتَوْجِيهِ إمْكَانِ انْفِرَادِ الرَّاوِي بِالزِّيَادَةِ طُرُقٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَعْرِضَ لِلرَّاوِي النَّاقِصِ التَّشَاغُلُ عَنْ سَمَاعِ الزِّيَادَةِ، مِثْلُ بُلُوغِهِ خَبَرًا مُزْعِجًا أَوْ عَرَضَ لَهُ أَلَمٌ أَوْ حَاجَةُ الْإِنْسَانِ، كَمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَ: دَخَلْت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَقَلْت نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَى نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ؟ . قَالَ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ» ، قَالَ عِمْرَانُ: ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ قَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، فَإِذَا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ.

стр. 2311

الثَّانِي: أَنَّ رَاوِيَ النَّاقِصِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُهُ، فَرَوَاهُ مَنْ سَمِعَهُ دُونَهُ كَمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي أَنْ أَرْعَاهَا فَرَوَّحْتُهَا بَيْتِي، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» . فَقُلْت مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا يَشَاءُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَفِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ كَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ أَوَّلًا بِالزِّيَادَةِ، وَسَمِعَهُ الْوَاحِدُ، ثُمَّ يَذْكُرُهُ بِلَا زِيَادَةٍ اقْتِصَارًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ قَبْلُ، كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ الَّذِي يُمَنِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ، فَيَنْتَهِي حَيْثُ تَنْقَطِعُ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ اللَّهُ : «فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ: «فَإِنَّ لَكَ مَنْ تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ» ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمْ أَسْمَعْ إلَّا وَمِثْلَهُ مَعَهُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ) ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِلَفْظَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ بِوَحْيٍ أَوْ إلْهَامٍ، سَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ: (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، وَشَغَلَ بِعَارِضٍ عَنْ سَمَاعِ الْآخَرِ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ حَضَرَ أَحَدُهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْآخَرُ أَبُو سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:

стр. 2312

حَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ، وَأُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْتُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي سَعِيدٍ كَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ وَافَقَهُ أَوْ تَذَكَّرَهُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، يَعْنِي حَدِيثَ الْمَزَارِعِ، (إنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ اقْتَتَلَا، فَقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ) سَمِعَ مِنْهُ (يَعْنِي رَافِعًا) قَوْلُهُ: (لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ) ، يَعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ الشَّرْطَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنْ الْأَسْبَابِ أَنْ يَسْمَعَ الْجَمْعُ الْحَدِيثَ، فَيَنْسَى بَعْضُهُمْ الزِّيَادَةَ وَيَحْفَظُهَا الْبَاقِي. . الثَّانِي: قَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ رَافِعَةً لِلْإِشْكَالِ مُزِيلَةً لِلِاحْتِمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ الزِّيَادَةِ أَوْ ضِدِّهَا. مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُوَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا يُنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ، أَيْ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لِضَعْفِهِ، كَمَا يُقَالُ: الْمَرِيضُ لَا يَحْمِلُ الْحَرَكَةَ وَالضَّرْبَ، فَجَاءَ فِي لَفْظِ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ: (لَمْ يُنَجِّسْهُ

стр. 2313

شَيْءٌ) ، فَكَانَ هَذَا رَافِعًا لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: حَدِيثُ الْوُلُوغِ، «إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» ، وَفِي لَفْظٍ: (أُولَاهُنَّ) ، وَفِي لَفْظٍ (أُخْرَاهُنَّ) . فَالتَّقْيِيدُ بِالْأُولَى، وَالْأُخْرَى تَضَادٌّ مُمْتَنِعُ الْجَمْعِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ غَسْلُ وَاحِدَةٍ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ. [مَسْأَلَةٌ الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا] ] إذَا اخْتَلَفَ الثِّقَاتُ فِي حَدِيثٍ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا، وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا، فَهَلْ الْحُكْمُ لِلْوَصْلِ أَوْ الْإِرْسَالِ، أَوْ لِلْأَكْثَرِ، أَوْ الْأَحْفَظِ؟ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ، فَقَالَ: إذَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَصَلَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَالْحُجَّةُ لِمَنْ وَصَلَ إذَا كَانَ حَافِظًا. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ أَقُولُ. انْتَهَى.

стр. 2314

وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " فِيهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. قَالَ: وَالْمُرْسَلُ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلًا، فَحَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ، وَقَالَ: الزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، هَذَا مَعَ أَنَّ مُرْسِلَهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ، وَهُمَا مَا هُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ، وَالْخَطِيبُ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ أَسْنَدَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ، فَالْحُكْمُ لِلْإِرْسَالِ، وَإِلَّا فَالْوَصْلُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرْسَلَ الْأَحْفَظُ، فَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ، أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ - أَصَحُّهُمَا وَبِهِ صَدَّرَ

стр. 2315

ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ - الْمَنْعُ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْدَحُ فِي سَنَدِهِ، وَفِي عَدَالَتِهِ وَفِي أَهْلِيَّتِهِ. وَالْخَامِسُ: قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ بِمَثَابَةِ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ، فَيُقَدَّمُ الْوَصْلُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ عَظِيمَ الْوَقْعِ بِحَيْثُ يَزِيدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ رَاوِي الْإِرْسَالِ. [الرَّاوِي يَرْوِي الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا] فَرْعَانِ [الرَّاوِي يَرْوِي الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا] الْأَوَّلُ: لَوْ أَرْسَلَهُ هُوَ مَرَّةً، وَأَسْنَدَهُ أُخْرَى، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ، فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهِ، وَإِلَّا فَاخْتَلَفُوا، فَجَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَصْلِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لِإِرْسَالِهِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ، وَإِنْ وَقَعَ وَصْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ إرْسَالِهِ، فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً مُتَذَكِّرًا لِرَفْعِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ، وَلَا يُعَدُّ اضْطِرَابًا، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِحِفْظِهِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ. [إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا هَلْ يُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ] الثَّانِي: مَنْ شَأْنُهُ إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا، هَلْ يُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ؟ قَوْلَانِ. الصَّحِيحُ الْقَبُولُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا يُقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت، وَلَا يُقْبَلُ مَا يَأْتِي فِيهِ بِلَفْظٍ مُوهِمٍ. وَقَالَ بَعْضُ
следующие страницы →