← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

الثَّانِي: أَنَّ رَاوِيَ النَّاقِصِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ فَاتَهُ بَعْضُهُ، فَرَوَاهُ مَنْ سَمِعَهُ دُونَهُ كَمَا رَوَى عُتْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ، فَكَانَتْ نَوْبَتِي أَنْ أَرْعَاهَا فَرَوَّحْتُهَا بَيْتِي، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» . فَقُلْت مَا أَجْوَدَ هَذَا، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا يَشَاءُ» ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ وَقَعَ فِي مَجْلِسَيْنِ، وَفِي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ كَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ أَوَّلًا بِالزِّيَادَةِ، وَسَمِعَهُ الْوَاحِدُ، ثُمَّ يَذْكُرُهُ بِلَا زِيَادَةٍ اقْتِصَارًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ قَبْلُ، كَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ الَّذِي يُمَنِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ، فَيَنْتَهِي حَيْثُ تَنْقَطِعُ بِهِ الْأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ اللَّهُ : «فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ: «فَإِنَّ لَكَ مَنْ تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ» ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَمْ أَسْمَعْ إلَّا وَمِثْلَهُ مَعَهُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ) ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِلَفْظَيْنِ: أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ بِوَحْيٍ أَوْ إلْهَامٍ، سَمِعَ أَبُو سَعِيدٍ: (وَمِثْلَهُ مَعَهُ) ، وَشَغَلَ بِعَارِضٍ عَنْ سَمَاعِ الْآخَرِ الَّذِي سَمِعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسَيْنِ حَضَرَ أَحَدُهُمَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَالْآخَرُ أَبُو سَعِيدٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ:

стр. 2312

حَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ، وَأُحَدِّثُ بِمَا سَمِعْتُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي سَعِيدٍ كَرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ وَافَقَهُ أَوْ تَذَكَّرَهُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أَنَا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، يَعْنِي حَدِيثَ الْمَزَارِعِ، (إنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ اقْتَتَلَا، فَقَالَ: إنْ كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ) سَمِعَ مِنْهُ (يَعْنِي رَافِعًا) قَوْلُهُ: (لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ) ، يَعْنِي وَلَمْ يَسْمَعْ الشَّرْطَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي مِنْ الْأَسْبَابِ أَنْ يَسْمَعَ الْجَمْعُ الْحَدِيثَ، فَيَنْسَى بَعْضُهُمْ الزِّيَادَةَ وَيَحْفَظُهَا الْبَاقِي. . الثَّانِي: قَدْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي الْحَدِيثِ رَافِعَةً لِلْإِشْكَالِ مُزِيلَةً لِلِاحْتِمَالِ، وَقَدْ تَكُونُ دَالَّةً عَلَى إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لَا عَلَى خُصُوصِيَّةِ الزِّيَادَةِ أَوْ ضِدِّهَا. مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ لِقُوَّتِهِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ، وَهُوَ تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا يُنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ، أَيْ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لِضَعْفِهِ، كَمَا يُقَالُ: الْمَرِيضُ لَا يَحْمِلُ الْحَرَكَةَ وَالضَّرْبَ، فَجَاءَ فِي لَفْظِ أَحْمَدَ، وَابْنِ مَاجَهْ: (لَمْ يُنَجِّسْهُ

стр. 2313

شَيْءٌ) ، فَكَانَ هَذَا رَافِعًا لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ، وَمِثَالُ الثَّانِي: حَدِيثُ الْوُلُوغِ، «إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» ، وَفِي لَفْظٍ: (أُولَاهُنَّ) ، وَفِي لَفْظٍ (أُخْرَاهُنَّ) . فَالتَّقْيِيدُ بِالْأُولَى، وَالْأُخْرَى تَضَادٌّ مُمْتَنِعُ الْجَمْعِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ غَسْلُ وَاحِدَةٍ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ. [مَسْأَلَةٌ الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا] ] إذَا اخْتَلَفَ الثِّقَاتُ فِي حَدِيثٍ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا، وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا، فَهَلْ الْحُكْمُ لِلْوَصْلِ أَوْ الْإِرْسَالِ، أَوْ لِلْأَكْثَرِ، أَوْ الْأَحْفَظِ؟ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَ، وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ، فَقَالَ: إذَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَوَصَلَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، فَالْحُجَّةُ لِمَنْ وَصَلَ إذَا كَانَ حَافِظًا. هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ أَقُولُ. انْتَهَى.

стр. 2314

وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " فِيهِ اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. قَالَ: وَالْمُرْسَلُ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَدِيثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْهُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مُتَّصِلًا، فَحَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ، وَقَالَ: الزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، هَذَا مَعَ أَنَّ مُرْسِلَهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ، وَهُمَا مَا هُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ، وَالْخَطِيبُ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ، فَإِنْ كَانَ مَنْ أَسْنَدَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ، فَالْحُكْمُ لِلْإِرْسَالِ، وَإِلَّا فَالْوَصْلُ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرْسَلَ الْأَحْفَظُ، فَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي عَدَالَةِ مَنْ وَصَلَهُ، أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ - أَصَحُّهُمَا وَبِهِ صَدَّرَ

стр. 2315

ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ - الْمَنْعُ، قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَقْدَحُ فِي سَنَدِهِ، وَفِي عَدَالَتِهِ وَفِي أَهْلِيَّتِهِ. وَالْخَامِسُ: قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ بِمَثَابَةِ الزِّيَادَةِ مِنْ الثِّقَةِ، فَيُقَدَّمُ الْوَصْلُ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ عَظِيمَ الْوَقْعِ بِحَيْثُ يَزِيدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ رَاوِي الْإِرْسَالِ. [الرَّاوِي يَرْوِي الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا] فَرْعَانِ [الرَّاوِي يَرْوِي الْحَدِيثَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا] الْأَوَّلُ: لَوْ أَرْسَلَهُ هُوَ مَرَّةً، وَأَسْنَدَهُ أُخْرَى، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ، فَلَا شَكَّ فِي قَبُولِهِ، وَإِلَّا فَاخْتَلَفُوا، فَجَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَصْلِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لِإِرْسَالِهِ، وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِمَا يَقَعُ فِيهِ أَكْثَرُ، وَإِنْ وَقَعَ وَصْلُهُ أَكْثَرُ مِنْ إرْسَالِهِ، فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرَّاوِي ثِقَةً مُتَذَكِّرًا لِرَفْعِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ، وَلَا يُعَدُّ اضْطِرَابًا، وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِحِفْظِهِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ. [إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا هَلْ يُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ] الثَّانِي: مَنْ شَأْنُهُ إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا، هَلْ يُقْبَلُ أَوْ يُرَدُّ؟ قَوْلَانِ. الصَّحِيحُ الْقَبُولُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنَّمَا يُقْبَلُ مِنْ حَدِيثِهِ مَا قَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي أَوْ سَمِعْت، وَلَا يُقْبَلُ مَا يَأْتِي فِيهِ بِلَفْظٍ مُوهِمٍ. وَقَالَ بَعْضُ

стр. 2316

الْمُحَدِّثِينَ: لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا قَالَ: سَمِعْت فُلَانًا. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي، فَيَجْعَلُونَ الْأَوَّلَ دَالًّا عَلَى الْمُشَافَهَةِ، وَالثَّانِي مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَهَذَا عَادَةٌ لَهُمْ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أَخْبَرَنِي، يُفِيدُ أَنَّهُ تَوَلَّى إخْبَارَهُ بِالْحَدِيثِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشَافَهَةً. [مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ الْوَقْفُ وَالرَّفْعُ] ُ] أَمَّا تَعَارُضُ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ، فَالْحُكْمُ عَلَى الْأَصَحِّ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ - لِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مِنْ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ، وَغَيْرُهُ سَاكِتٌ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوِيَيْنِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ رَفَعَ حَدِيثًا فِي وَقْتٍ، ثُمَّ وَقَفَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَالْحُكْمُ لِرَفْعِهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنْ " الْحَاوِي ": مَذْهَبُنَا أَنْ يُحْمَلَ الْمَوْقُوفُ عَلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي، وَالْمُسْنَدُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 2317

[فَصْلٌ الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ الْحَدِيثِ] ِ] وَإِذَا انْقَضَى الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ الرَّاوِي، فَالْكَلَامُ فِي الثَّانِي وَهُوَ الْمَتْنُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ كَوْنُهُ، وَلَا يَسْتَحِيلُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ، فَإِنْ أَحَالَهُ الْعَقْلُ رُدَّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ، إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَأَمَّا أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ فَكُلُّ مَا صَحَّ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ قُبِلَ، وَمَا لَا يُؤَوَّلُ، وَأَوْهَمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ، وَلَا مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابَةِ، فَإِنْ كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، فَهُوَ إمَّا غَلَطٌ مِنْ الرَّاوِي أَوْ مَنْسُوخٌ حُكْمُهُ، وَأَنْ لَا يُخَالِفُهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ عَلَى الْمَظْنُونِ، فَإِنْ خَالَفَهُ قَاطِعٌ عَقْلِيٌّ وَلَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ عُلِمَ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَى الشَّارِعِ، وَإِنْ قَبِلَهُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَمْعِيًّا، وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ الْمَقْطُوعِ عَنْهُ حُمِلَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهِ، وَأَنْ لَا يَنْفَرِدَ رَاوِيهِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَنْقُلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ، أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ، فَإِنْ انْفَرَدَ لَمْ يُقْبَلْ. قَالَهُ فِي " اللُّمَعِ "، وَكَذَا الْأُسْتَاذَانِ: ابْنُ فُورَكٍ وَأَبُو مَنْصُورٍ قَالَا: وَلِهَذَا رَدَدْنَا رِوَايَةَ الْإِمَامِيَّةِ فِي النَّصِّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَقُلْنَا: لَوْ كَانَ حَقًّا لَظَهَرَ نَقْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهَا. قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ عَلْمُهُ فَجَاءَ بِنَقْلِهِ الْخَاصَّةُ، وَيَرْجِعُ فِيهِ الْعَامَّةُ إلَيْهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَمَلًا، فَإِنْ اقْتَضَى عِلْمًا، وَكَانَ فِي الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُرَدَّ، وَإِلَّا رُدَّ، سَوَاءٌ اقْتَضَى مَعَ الْعِلْمِ عَمَلًا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ مِنْهُ، فَالْعِلْمُ مَعَ عَدَمِ

стр. 2318

صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ لَكِنْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ ﵇ قَصَدَ بِذَلِكَ إيجَابَ الْعِلْمِ عَلَى مَنْ شَافَهَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَمِنْ هَذَا إثْبَاتُ الْقِرَاءَةِ عَبْرَ الْآحَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُكْمِ وَهُوَ الْعَمَلُ، لَا الْقُرْآنُ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ يَجِدْ مُعْتَصِمًا مَقْطُوعًا بِهِ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يُقْطَعُ بِرَدِّهِ، وَمِثَالُهُ إذَا وَرَدَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهُمْ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ نَصٌّ لِلرَّدِّ، وَلَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي الْقَبُولِ، قُطِعَ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ مُعْتَمَدَنَا فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْإِجْمَاعُ، فَحَيْثُ لَا نَجِدُ قَاطِعًا لَا نَحْكُمُ بِالْعَمَلِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ: يَلْتَحِقُ بِالْمُجْتَهِدَاتِ، وَتَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِيهِ الْجَرَيَانُ عَلَى اجْتِهَادِهِ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ يَقَعُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَحَادِيثَ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ، وَتَوَقَّفَ فِيهَا آخَرُونَ، ثُمَّ كَانَ الْعَامِلُونَ لَا يُعَابُونَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَدَمُ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، بَلْ يَجُوزُ إنْ عَارَضَهُ الْقِيَاسُ إذَا تَبَايَنَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّمَاتُ الْقِيَاسِ قَطْعِيَّةً قُدِّمَ الْقِيَاسُ قَطْعًا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا ظَنِّيَّةً قُدِّمَ الْخَبَرُ قَطْعًا لِقِلَّةِ مُقَدَّمَاتِهِ، وَحَكَى الْآمِدِيُّ فِيهِ الْخِلَافَ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْبَعْضُ قَطْعِيًّا وَالْبَعْضُ ظَنِّيًّا، قُدِّمَ الْخَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِهِ، وَالْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ: إنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ، وَهَذَا رَأْيٌ، وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثٍ هَلْ يَأْخُذُ

стр. 2319

بِهِ؟ فَقَرَأَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] الْآيَةَ. وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيّ، وَأَبُو الْفَرَجِ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى، وَقَالُوا: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ: إنْ كَانَ الرَّاوِي ضَابِطًا عَالِمًا قُدِّمَ خَبَرُهُ، وَإِلَّا كَانَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رَدِّ الْخَبَرِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا أَرَى ثُبُوتَهُ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ يَعِمَنْ: لَا خِلَافَ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ، فَإِنْ كَانَتْ أَمَارَةُ الْقِيَاسِ أَقْوَى، وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَإِلَّا فَالْعَكْسُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي إفَادَةِ الظَّنِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: لَمْ أَجِدْ مَنْ سَوَّى بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَظْنُونٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ صَارَ إلَيْهِ صَائِرٌ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا. قُلْت: وَقَدْ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ. قَالَ إلْكِيَا: لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَدَّمُوا خَبَرَ الضَّابِطِ عَلَى الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةُ الزَّلَلِ، وَالْوَجْهُ التَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ تَرْكُ الرَّأْيِ لِلْخَبَرِ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ دِيَةِ الْأَصَابِعِ لِلْحَدِيثِ. . . أَبُو بَكْرٍ حُكْمًا حَكَمَهُ بِرَأْيِهِ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنْ بِلَالٍ، وَمِنْ هَذَا قَدَّمْنَا رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُصَرَّاةِ وَالْعَرَايَا عَلَى الْقِيَاسِ.

стр. 2320

قَالَ: الْعَجَبُ مِنْهُمْ فِي رَدِّهِ مَعَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ رَوَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الرَّاوِي إذَا كَانَ فَقِيهًا كَابْنِ مَسْعُودٍ قُبِلَ حَدِيثُهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ لَا، وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ لَيْسَ حُجَّةً خِلَافًا لِقَوْمٍ، لَكِنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ، فَتُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا عَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ خَبَرًا آخَرَ مِثْلَهُ مُعْتَضِدًا بِعَمَلِ الْأَكْثَرِ قُدِّمَ عَلَى الْآخَرِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عَمَلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ كَالصَّلَاةِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ الْأَكَابِرُ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا رَأَيْنَاهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يُخَالِفُونَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَتْرُوكٌ، قَالَ: وَهَذَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، حَتَّى يَقُومَ مُعَارِضٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ تَأْوِيلٍ، وَقَدْ وَجَدْنَا الْأَكَابِرَ مِنْهُمْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَشْيَاءُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: وَلَا يُرَدُّ بِأَنْ يَفْعَلَ الرَّسُولُ ﷺ بِخِلَافِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لِمَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ إثْبَاتَهُ فَيُرَدُّ. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] ِ] وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ مَعَ أَنَّهُ الرَّاوِي لَهُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِذَا فُسِّرَ عَمَلُهُمْ بِالْمَنْقُولِ تَوَاتُرًا

стр. 2321

كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْمُدِّ وَالصَّاعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ، لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَظْنُونِ إذَا عَارَضَهُ قَاطِعٌ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: هَذَا لَهُ صُوَرٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بَلَغَهُمْ، فَقَدْ وَافَقَ الْإِمَامُ عَلَى سُقُوطِ الْخَبَرِ فِيهِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْخَبَرَ، وَهُوَ لَوْ بَلَغَهُمْ لَمَا خَالَفُوهُ. وَثَالِثُهَا: أَنْ نَجِدَ عَمَلَهُمْ عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْبُلُوغُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ، فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْخَبَرَ مَتْرُوكٌ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ، لِقُرْبِ دِيَارِهِمْ فِي زَمَانِهِمْ، وَكَثْرَةِ بَحْثِهِمْ، وَشِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِحِفْظِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَيَقَعُ فِي قِسْمِ مَا إذَا ظَنَنَّا بُلُوغَ الْخَبَرِ، وَلَمْ نَقْطَعْ بِهِ. وَقَدْ اخْتَرْنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ سُقُوطَ التَّمَسُّكِ بِالْخَبَرِ، وَلُزُومَ التَّمَسُّكِ بِالْفِعْلِ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَرَوَى حَدِيثَ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وَقَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ: لَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ إلَّا بِمُعَامَلَةٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ، وَهَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ فِي تَعْمِيمِ مُوجَبِ الْيَمِينِ عَلَى حَسْبِ مَا اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ: إنْ تَحَقَّقَ بُلُوغُهُ لَهُمْ، وَخَالَفُوهُ

стр. 2322

مَعَ الْعِلْمِ بِهِ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَقْدِيمًا لِأَقْضِيَتِهِمْ عَلَى الْخَبَرِ، بَلْ هُوَ تَمَسُّكٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وُجُوبِ حَمْلِهِ عَلَى وَجْهٍ مُمْكِنٍ مِنْ الصَّوَابِ، فَكَانَ تَعَلُّقًا بِالْإِجْمَاعِ فِي مُعَارَضَةِ الْحَدِيثِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُهُمْ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ، فَالتَّعَلُّقُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ، وَظَنِّيٌّ بِدِقَّةِ نَظَرِ الشَّافِعِيِّ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْخَبَرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ بَلَغَهُمْ وَتَحَقَّقْنَا مُخَالَفَةَ عَمَلِهِمْ لَهُ، فَهَذَا مَقَامُ التَّوَقُّفِ، فَإِنْ لَمْ نَجِدْ فِي الْوَاقِعَةِ سِوَى الْخَبَرِ وَالْأَقْضِيَةِ تَعَلَّقْنَا بِالْخَبَرِ، وَإِنْ وَجَدْنَا غَيْرَهُ تَعَيَّنَ التَّعَلُّقُ بِهِ. قَالَ: وَمِنْ بَدِيعِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهُ لَهُ أَنَّ مَذَاهِبَ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ إذَا نُقِلَتْ مِنْ غَيْرِ إجْمَاعٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَإِذَا نُقِلَتْ فِي مُعَارَضَةِ خَبَرٍ نَصَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ تَعَلَّقْنَا بِهَا، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقٌ بِالْمَذَاهِبِ، بَلْ بِمَا صَدَرَتْ عَنْهُ مَذَاهِبُهُمْ. قَالَ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ يَطَّرِدُ فِي أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ، وَفِي أَئِمَّةِ كُلِّ عَصْرٍ مَا لَمْ يُوقَفْ عَلَى خَبَرٍ. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِعَمَلِ الرَّاوِي بِخِلَافِهِ] ِ] وَلَا يَضُرُّ عَمَلُ الرَّاوِي بِخِلَافِهِ، خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، حَيْثُ قَدَّمُوا رَأْيَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبُوا التَّسْبِيعَ بِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ، لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِمَذْهَبِهِ وَتَأْوِيلِهِ وَجْهٌ إلَّا أَنَّهُ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ ﵇ أَرَادَ ذَلِكَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْخَبَرِ

стр. 2323

وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، بَلْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَارَ إلَيْهِ لِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ وَجَبَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ اقْتَضَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَأْخَذِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ، لَا فِي مَذْهَبِ الرَّاوِي، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَى غَيْرِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الرَّاوِي، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": إنْ أَمْكَنَ حَمْلُ مَذْهَبِهِ عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ أَوْ عَلَى نِسْيَانِهِ فُعِلَ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ قَبُولِ الْحَدِيثِ وَإِحْسَانِ الظَّنِّ، وَإِنْ نُقِلَ مُقَيَّدًا أَنَّهُ خَالَفَ الْحَدِيثَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، فَالْحَدِيثُ مَتْرُوكٌ. وَلَوْ نُقِلَ مَذْهَبُهُ مُطْلَقًا، فَلَا يُتْرَكُ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ. نَعَمْ، يُرَجَّحُ عَلَيْهِ حَدِيثٌ يُوَافِقُهُ مَذْهَبُ الرَّاوِي. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إذَا رَوَى خَبَرًا يَقْتَضِي رَفْعَ الْحَرَجِ، ثُمَّ رَأَيْنَاهُ مُتَحَرِّجًا، فَالِاسْتِمْسَاكُ بِرِوَايَتِهِ وَعَمَلِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّعَلُّقِ بِالْأَفْضَلِ، وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرًا ثُمَّ خَالَفَهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَيِّدًا لِخَبَرِهِ لِإِمْكَانِ تَأْوِيلِهِ، أَوْ خَبَرٍ يُعَارِضُهُ، أَوْ مَعْنًى بِفَارِقٍ عِنْدَهُ. فَمَتَى لَمْ يَنْكَشِفْ لَنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَمْضَيْنَا الْخَبَرَ حَتَّى نَعْلَمَ خِلَافَهُ. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِطَعْنِ السَّلَفِ فِيهِ] ِ] وَلَا يَضُرُّهُ طَعْنُ بَعْضِ السَّلَفِ فِيهِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ

стр. 2324

الْقَسَامَةِ بِطَعْنِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِيهِ، ثُمَّ نَاقَضُوا، فَعَمِلُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ مَعَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ طَعَنَ فِيهِ، وَعَارَضَهُ بِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِكَوْنِهِ مِمَّا تَعُمُّ الْبَلْوَى بِهِ] ِ] وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. حَكَاهُ صَاحِبُ " الْوَاضِحِ "، وَلِابْنِ خُوَيْزٍ الْخَارِجِيِّ حَكَاهُ الْبَاجِيُّ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَبَنَى الْحَنَفِيَّةُ عَلَى هَذَا رَدَّ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْهَوِيِّ إلَى الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ،

стр. 2325

وَإِيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَالْإِفْرَادِ فِي الْإِقَامَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَحَقُّهُ الِاشْتِهَارُ. وَقَالَ الْكَرْخِيّ: كُلُّ شَرْطٍ لَا تَتِمُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِهِ يَجِبُ نَقْلُهُ، كَالْقِبْلَةِ الَّتِي ظَهَرَ نَقْلُهَا نَقْلُ الصَّلَاةِ، وَمَا يَعْرِضُ لِلصَّلَاةِ أَحْيَانَا، فَنَقْلُهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ: وَمَعْنَى قَوْلِنَا: تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ ": مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا غَيْرَ خَاصٍّ. [تَحْقِيقُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ] قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَخْبَارَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ الْكَافَّةَ عِلْمُهُ، فَذَلِكَ يَجِبُ ظُهُورُهُ لَا مَحَالَةَ. وَالثَّانِي: مَا يَلْزَمُ أَفْرَادُ النَّاسِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعِلْمُ بِهِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَالْعَامَّةُ كُلِّفُوا الْعَمَلَ بِهِ دُونَ الْعِلْمِ، أَوْ لَمْ يُكَلَّفُوا بِأَسْرِهِمْ الْعَمَلَ بِهِ، نَحْوُ مَا يَرْجِعُ الْعَوَامُّ فِيهِ إلَى الْعُلَمَاءِ مِنْ الْحَوَادِثِ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ وَغَيْرِهِ. فَيَجُوزُ أَنْ تَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى، وَلَكِنَّ الْعَامَيَّ فِيهِ مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ إلَى الْعَالِمِ، وَإِذَا ظَهَرَ لِلْعَالِمِ لَمْ يَجِبْ نَقْلُهُ إلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْ شَيْءٍ اُشْتُهِرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْكَرَّاتِ، كَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَكَانَ النَّاقِلُ مُنْفَرِدًا فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَكْثَرُونَ

стр. 2326

عَلَى رَدِّهِ، وَلِأَجْلِهِ قَالُوا: إنَّهُ ﵇ كَانَ يَجْهَرُ مَرَّةً، وَيُخَافِتُ أُخْرَى، وَهَذَا مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَمْ يُنْقَلْ أَصْلًا، وَقَدْ يُقَالُ: لَعَلَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِظَامِ الْعَزَائِمِ، وَأُمَّهَاتِ الْمُهِمَّاتِ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، فَقَلَّ الِاعْتِنَاءُ بِهِ. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ] ِ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الْجَصَّاصُ. قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ: وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَخَالَفَ الْكَرْخِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَاوِيَهُ كَذَبَ أَوْ سَهَا أَوْ أَخْطَأَ، فَكَانَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ، وَهَذَا يُشْكِلُ بِإِثْبَاتِ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَقَوْلِ الْمُفْتِي. [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِدَعْوَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ] ِّ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ بِالزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ كَانَ نَسْخًا لَا يُقْبَلُ، كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِ، وَسَبَقَ فِي النَّسْخِ.

стр. 2327

[مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ بِدَعْوَى مُخَالَفَتِهِ الْأُصُولَ] َ] وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْأُصُولِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا، أَوْ إجْمَاعٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ فِي زَعْمِهِمْ، وَرَدُّوا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ وَالْقُرْعَةِ، وَخَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فِي نَفْيِ السُّكْنَى لِلْمُتَغَرِّبَةِ، وَلِذَلِكَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ كَمَا لَا يَنْسَخُهُ. [السِّرُّ فِي رَدِّ الْحَنَفِيَّةِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ] قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَهَذِهِ أُصُولٌ مَهَّدُوهَا مِنْ أَجْلِ أَخْبَارٍ احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ فِي مَوَاضِعَ عَجَزُوا عَنْ دَفْعِهَا، فَرَدُّوهَا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَقَالُوا بِأَمْثَالِهَا فِي الضَّعْفِ كَخَبَرِ نَبِيذِ التَّمْرِ مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ، إذْ الْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ، وَلِلْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنَّ مَا امْتَنَعَ التَّوَضُّؤُ بِهِ فِي الْحَضَرِ امْتَنَعَ فِي السَّفَرِ. وَقَبِلُوا خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ ضَعْفِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنَّ مَا كَانَ حَدَثًا فِي الصَّلَاةِ كَانَ حَدَثًا فِي غَيْرِهَا، وَمَا لَمْ يَنْقُضْ الطُّهْرَ فِي غَيْرِهَا لَا يَنْقُضُ فِيهَا، وَقَبِلُوا خَبَرًا ضَعِيفًا فِي إيجَابِ رُبُعِ قِيمَةِ الْبَقَرَةِ فِي

стр. 2328

عَيْنِهَا تَخْصِيصًا لَهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَطْرَافِهَا؟ وَقَالُوا أَيْضًا: بِإِلْزَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ الدِّيَةَ مَعَ الْيَمِينِ فِي الْقَسَامَةِ، تَخْصِيصًا لَهَا مِنْ بَيْنِ الْأَيْمَانِ، فَكَيْفَ أَنْكَرُوا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ مَعَ صِحَّتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ؟ . أَتَرَاهُ أَعْظَمَ مِنْ تَرْكِهِمْ الْقِيَاسَ بِالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي قَالُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَلَا أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهُ، وَقَالُوا لَنَا مَا لَا بِهِ نَقْلٌ ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَزِدْتُمْ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ. فَقُلْنَا لَهُمْ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] فَنَقَلَ مِنْ الْمَاءِ إلَى التُّرَابِ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً فَزِدْتُمْ نَبِيذَ التَّمْرِ مَعَ إجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ، وَقُوَّةِ حَدِيثِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ. فَنَحْنُ لَمْ نَجْعَلْ وَاسِطَةً بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ، وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إذَا عُدِمَ ذَلِكَ جَازَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَالْقُرْآنُ لَا يَنْفِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ بَدَلًا مِنْ الشَّاهِدَيْنِ. وَقَالُوا بِحَدِيثِ الْعِينَةِ، وَتَرَكُوا ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَخَصَّصُوا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ. وَقَسَّمَ الْهِنْدِيُّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا خَصَّصَ عُمُومَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ

стр. 2329

أَوْ قَيَّدَ مُطْلَقَهُمَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: إلَى مَا لَا يُعْلَمُ مُقَارَنَتُهُ لَهُ، وَلَا تَرَاخِيهِ عَنْهُ. فَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَفَعَتْ كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَلَمْ يَسْأَلُوا أَنَّهَا هَلْ كَانَتْ مُقَارِنَةٍ أَمْ لَا؟ . قَالَ: وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى كَوْنِهِ مُخَصِّصًا مَقْبُولًا أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى كَوْنِهِ نَاسِخًا مَرْدُودًا. الثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ مُقَارَنَتُهُ لَهُ، فَيَجُوزُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُعْلَمَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ لَمْ يَقْبَلْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَهُ لَقَبِلَ نَاسِخًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَهُ إنْ كَانَ وَرَدَ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا وَرَدَ بَعْدَهُ فَلَا يُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: لَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِكَوْنِ رَاوِيهِ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِمُجَالَسَتِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ تَنْقُلُ الْأَخْبَارَ عَنْ الْأَعْرَابِ، وَعَمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِمُجَالَسَتِهِ ﷺ . [مَسْأَلَةٌ رَدُّ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ أَحَدُ رَاوِيهِ وَاحِدًا] ] وَلَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِكَوْنِ أَحَدِ رُوَاتِهِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ، خِلَافًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ، وَحَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ، فَإِنَّهُ طَعَنَ

стр. 2330

فِي حَدِيثِ: «أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ» ، فَقَالَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَحْدَهُ، عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ. قَالَ: وَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا إذَا كَانَ رَاوِيهِ وَاحِدًا، فَهُوَ مَجْهُولٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَهَذَا لَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ ثِقَةً مَعْرُوفًا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِصِفَةِ الْوَاحِدِ. [مَسْأَلَةٌ عَرْضُ الْحَدِيثِ عَلَى الْقُرْآنِ] ِ] لَا يَجِبُ عَرْضُ الْخَبَرِ عَلَى الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى وُجُوبِ عَرْضِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي أُصُولِهِ: خَبَرُ الْوَاحِدِ يُعْتَقَدُ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ: الْعَرْضُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَوَاجُهُ بِمُوَافَقَتِهِ، فَالْتَبَسَ بِمُخَالَفَتِهِ، ثُمَّ عَلَى السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ الثَّابِتَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ، ثُمَّ الْعَرْضُ عَلَى الْحَادِثَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا، وَالْخَبَرُ شَاذٌّ كَانَ ذَلِكَ وَمُحْرِبُ، وَكَذَا إنْ كَانَ حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ، خِلَافًا ظَاهِرًا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُحَاجَّةُ بِالْحَدِيثِ كَانَ عَدَمُ ظُهُورِ الْحِجَاجِ وَمُحْرِبُ فِيهِ. قَالَ: وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» . فَلَوْ صَحَّتْ لَاحْتِيجَ إلَى عَرْضِهَا عَلَى الْكِتَابِ، وَقَدْ عَرَضْنَاهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا بَلْ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] .

стр. 2331

وَرَدَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ كَلَامَهُ، وَقَالَ: الْخَبَرُ حُجَّةٌ فِي نَفْسِهِ إذَا ثَبَتَ، وَلَا يَجِبُ عَرْضُهُ، وَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَخْصِيصَ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ. اهـ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ: قَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ، وَالْخَبَرُ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى عَامًّا لَهُ بِقَبُولِهِ وَاعْتِقَادِ صِحَّتِهِ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُوجَدَ فِي الْكِتَابِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ مِنْ اللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنْ ذَهَبَ عَنَّا وَجْهُهُ. قَالَ: فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إذَا رَوَيْت سُنَّةً عَرَضْتهَا عَلَى الْقُرْآنِ. قَالَ: فَإِنْ خَالَفَتْهُ عَلَى مَعْنَى وُرُودِ الْكِتَابِ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَفِي السُّنَّةِ النَّهْيُ عَنْهُ، أَوْ حَظْرُهُ، فَهَذَا لَمْ يُوجَدْ صَحِيحًا، إلَّا فِيمَا نَسَخَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سُنَّتِهِ. قُلْت: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَقَدْ سُئِلَ عَنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا وَافَقَهُ فَأَنَا قُلْته، وَمَا خَالَفَهُ فَلَمْ أَقُلْهُ» : مَا رَوَى هَذَا أَحَدٌ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ فِي شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، وَعَمَّنْ لَا يُقْبَلُ [عَنْهُ] مِثْلُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي شَيْءٍ. انْتَهَى. ثُمَّ ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا» ، الْحَدِيثَ. ثُمَّ قَالَ:

стр. 2332

فَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي اتِّبَاعِهِ، وَكَانَتْ مَعَهُ دَلَالَتَانِ: دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ بِحَالٍ، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ عَامًّا وَخَاصًّا وَدَلَالَةً، عَلَى أَنَّهُمْ قَبِلُوا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ، فَلَا نَعْلَمْ أَحَدًا رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁. اهـ. وَفِي ظَنِّي أَنَّهُ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ.

стр. 2333

[فَصْلٌ يَجْمَعُ بَعْضَ مَا سَبَقَ جُمْلَةُ الشُّبُهَاتِ الَّتِي رُدَّتْ بِهَا أَحَادِيثُ الْآحَادِ] ِ] لَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِنِسْيَانِ الرَّاوِي، وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ لِلْخَبَرِ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي: ضَعِيفٌ، وَلَا يُبَيِّنُ سَبَبَ الضَّعْفِ، أَوْ كَوْنَهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا، أَوْ أَنْ يَقُولَ: بَعْضُ الْأَلْفَاظِ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي فِي الْحَدِيثِ، كَمَا قَالَهُ الرَّازِيَّ، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ قَوْلِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مُرَتَّبٌ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ يَأْبَاهُ، وَلَا أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تُنْقَلْ نَقْلَ الْأَصْلِ؛ لِاحْتِمَالِ ذِكْرِهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يَحْضُرْهُ الْجَمَاعَةُ، وَلَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ فِي الرَّفْعِ، كَقَوْلِ سُهَيْلٍ: مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَةُ سُنَّةِ الرَّسُولِ، وَلَا بِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ مَا لَيْسَ بِأَمْرٍ أَمْرًا، كَقَوْلِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ قَوْلًا فَظَنَّهُ أَمْرًا، وَلَمْ يَكُنْ أَمْرًا؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فَلَنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ، فَالْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى النَّسْخِ، فَيَذْهَبُ إلَى أَثْبَتِ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ تَكَافَأَتَا ذَهَبَ إلَى أَشْبَهِ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ سُنَّتِهِ، وَلَا نَقْلُهُ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوجَدَ فِيهِمَا هَذَا أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَثْبَتِ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ يُرْوَى مِنْ دُونِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ لَمْ أَلْتَفِتْ إلَى مَا خَالَفَهُ.

стр. 2334

[خَاتِمَةٌ أَخْذُ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ] ِ] قِيلَ: الْأَحْكَامُ لَا تُؤْخَذُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ. فَإِنَّهُ مَوْضِعُ تَجَوُّزٍ، حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَأَنَّهُ رَدَّ بِذَلِكَ احْتِجَاجَ الْحَنَفِيَّةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَدِيثِ عَمِلْنَا مَعَ عَمَلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَنَا. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ تَجَوُّزٍ وَتَوَسُّعٍ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا تَمَثَّلَ أَوْ تَوَسَّعَ. قُلْت: وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّوَسُّعِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَلَوْ قَالَ: لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ التَّشْرِيعِ، فَيَكُونُ قَرِينَةً صَارِفَةً عَنْ الْحُكْمِ لَمْ يَبْعُدْ، وَقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْعَامِّ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ، لَا يَكُونُ عَامًّا؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ. وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا، كَاحْتِجَاجِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ بِحَدِيثِ «لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهُ» قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْت ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَدَحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هَذَا خَبَرٌ مِنْهُ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بَعْدُ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ، وَفِي الْحَدِيثِ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْت مَكَانَهُ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَمَّنِي الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لَكِنَّهُ خَبَرٌ مِنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِجَوَازِهِ، كَالْإِخْبَارِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا.

стр. 2335

وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالِامْتِنَانِ بِإِظْهَارِ الدِّينِ، وَلِهَذَا أَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِنْفَاقِ كُنُوزِ كِسْرَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟ قُلْت: لَا. قَالَ: أَمَا إنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ» . قَالَ: فَأَنَا أَقُولُ لَهَا - يَعْنِي امْرَأَتَهُ -: أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَك. فَتَقُولُ لَهُ: أَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ سَتَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ؟ فَأَدَعُهَا. وَالْأَنْمَاطُ ضَرْبٌ مِنْ الْبُسُطِ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ. فَفَهِمَ الصَّحَابِيُّ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ الْأَشْرَاطِ الْجَوَازَ أَيْضًا.

стр. 2336

[فَصْلٌ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ] ِ] وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ فِي الْخَبَرِ وَكَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ. فَلِلرَّاوِي فِي نَقْلِ مَا سَمِعَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: [رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِلَفْظِهِ] أَحَدُهَا: أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَفْظِهِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: وَيَنْظُرُ فِي هَذَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَهُ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا، فَإِنْ كَانَ قَالَهُ ابْتِدَاءً وَحَكَاهُ، فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَقَوْلِهِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، وَإِنْ كَانَ جَوَابًا، فَإِنْ كَانَ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . فَالرَّاوِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ ذِكْرِ السُّؤَالِ وَتَرْكِهِ. فَإِنْ كَانَ مُفْتَقِرًا إلَى ذِكْرِ السُّؤَالِ كَمَا «سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَلَا إذَنْ» . فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ السُّؤَالِ، وَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، فَإِذَا نَقَلَ السُّؤَالَ تَعَيَّنَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ، كَمَا «سُئِلَ عَنْ النَّاقَةِ تُذْبَحُ، فَيُوجَدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ، فَقَالَ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ

стр. 2337

ذَكَاةُ أُمِّهِ» ، وَلَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَاتُهُ مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ. فَإِذَا ذَكَرَ السُّؤَالَ صَارَ الْجَوَابُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ، فَالْإِخْلَالُ بِالسُّؤَالِ نَقْصٌ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذِكْرُهُ. قَالَ: وَيَسْتَوِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَذِكْرُ السَّبَبِ حَسَنٌ. وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: أَكْثَرُ مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِسَبَبِ السَّبَبِ. [نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى] [نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى] الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقُرْآنُ، وَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ نَقْلِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الْإِعْجَازُ. وَالثَّانِي: الْأَخْبَارُ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى، وَإِذَا نَقَلَهَا بِالْمَعْنَى وَجَبَ قَبُولُهُ كَالنَّقْلِ بِاللَّفْظِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبَ عَشَرَةٍ سَتَأْتِي. وَنُقِلَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ بِشَرَائِطَ.

стр. 2338

[شُرُوطُ جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى] أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَوَاقِعِ الْكَلَامِ امْتَنَعَ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". قَالَ: وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ": يَجِبُ أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُرُوفِهِ كَمَا سَمِعَهُ، وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ يُحِيلُ الْحَلَالَ إلَى الْحَرَامِ، أَوْ الْحَرَامَ إلَى الْحَلَالِ، وَإِذَا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ إحَالَةً. قَالَ الْقَاضِي: وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلَى الْجَاهِلِ. قُلْت: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ ": الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ مَعَ مَا أَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ سَرَدَهُ. قَالَ الْأَصْحَابُ فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ لَفْظُ الْحَدِيثِ، فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى. وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى عَنْهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ ": يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: صَادَفَ أَوْ قَاصَّ الْغَنَمَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ فَلَمْ يَتَأَنَّقَ فِي نَقْلِ لَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ قَوْلٌ بَيْنَ أَنْ يَقْوَى بِدَلِيلٍ آخَرَ فَيَجُوزُ، وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ. ثَانِيهَا: أَنْ يُبَدِّلَ اللَّفْظَ بِمَا يُرَادِفُهُ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ، وَالِاسْتِطَاعَةِ

стр. 2339

بِالْقُدْرَةِ، وَالْعِلْمِ بِالْمَعْرِفَةِ، وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ هَذَا مَحَلَّ وِفَاقٍ فِي الْجَوَازِ، وَلَيْسَ كَالْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ مِنْهُ الْإِعْجَازُ، وَشَرْطُ هَذَا أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى النَّظَرِ فِي التَّرَادُفِ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، فَلَوْ اُحْتِيجَ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا. ثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ التَّرْجَمَةُ مُسَاوِيَةً لِلْأَصْلِ فِي الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ، فَيُبْدِلُ اللَّفْظَ بِمِثْلِهِ فِي الِاحْتِمَالِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يُبْدِلُ الْأَجْلَى بِالْجَلِيِّ وَعَكْسُهُ، وَلَا الْعَامَّ بِالْخَاصِّ، وَلَا الْمُطْلَقَ بِالْمُقَيَّدِ، وَلَا الْأَمْرَ بِالْخَبَرِ، وَلَا الْعَكْسُ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَارَةً يَقَعُ بِالْمُحْكَمِ، وَتَارَةً يَقَعُ بِالْمُتَشَابِهِ، لِحِكَمٍ وَأَسْرَارٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا. رَابِعُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا تُعُبِّدَ بِلَفْظِهِ، فَأَمَّا مَا تُعُبِّدْنَا بِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ بِاللَّفْظِ قَطْعًا، كَأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ. وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ، نَقَلَهُ إلْكِيَا وَالْغَزَالِيُّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا، وَعَبَّرَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ هَذَا بِأَنْ يَكُونَ سَامِعَ لَفْظِهِ ﵇ عَالِمًا بِمَوْضُوعِ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي اللِّسَانِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدُ بِهِ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَإِنْ عُلِمَ تَجَوُّزُهُ بِهِ، وَاسْتَعَارَ تَرْكَهُ، وَجَبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ، لِيَنْظُرَ فِيهِ. خَامِسُهَا:: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُتَشَابِهِ، كَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ، أَمَّا هِيَ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى بِالْإِجْمَاعِ، حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ مَا أَطْلَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ وُجُوهِ التَّأْوِيلِ، لَا نَدْرِي أَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ هَلْ يُسَاوِيهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُشَكِّكُ وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَنْقُلُهُ أَحَدٌ بِالْمَعْنَى؛ لِتَعَذُّرِ نَقْلِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ. سَادِسُهَا:: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِنْ كَانَ كَقَوْلِهِ ﵊: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، «وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ،

стр. 2340

«الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» ، «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وَنَحْوُهُ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَرْكُ جَمِيعِ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ. حَكَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا إذَا كَانَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى كَغَيْرِهِ مِنْ الظَّوَاهِرِ. وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ صُوَرٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُبْدِلَ اللَّفْظَ بِمُرَادِفِهِ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَظُنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ، فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ التَّبْدِيلِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَقْطَعَ بِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَيُعَبِّرَ عَمَّا فَهِمَ بِعِبَارَةٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَرَادِفَةً، فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَطْعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى مُسْتَنِدًا إلَى اللَّفْظِ إمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَوْ بِهِ مَعَ الْقَرَائِنِ الْتَحَقَ بِالْمُرَادِفِ، وَكَلَامُ أَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيّ يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ عَلَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْجَوَازِ فِي الْأُولَى، وَعَلَى الْمَنْعِ فِي الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْعَبْدَرِيّ فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ": يَجُوزُ لِلْعَالِمِ فِيمَا عَلِمَهُ قَطْعًا لَا فِي عِلْمِهِ بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَفِي حَقِّ مَنْ يُقَلِّدُهُ مِنْ الْعَوَامّ خَاصَّةً. قَالَ:

стр. 2341

وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَجُوزُ تَفْسِيرُ مَقَالِ الشَّرْعِ بِلُغَةِ الْعَجَمِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ لَهُمْ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى يَنْقُلَ إلَيْهِ لَفْظَ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَبِلَهُ بِالْمَعْنَى صَارَ مُقَلِّدًا، وَفِي الصَّحَابِيِّ إذَا نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى فَلَا فَرْقَ. اهـ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا، بَلْ يَجِبُ نَقْلُ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ، سَوَاءٌ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ، وَأَهْلِ التَّحَرِّي فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ، وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ. وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (﵄) وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ ابْنُ سِيرِينَ، وَبِهِ أَجَابَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَوَهَمَ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ "، فَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ، أَيْ لِأَجْلِ إنْكَارِ أَصْلِ التَّرَادُفِ فِي اللُّغَةِ. وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُنْقَلُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَعْنَى، بِخِلَافِ حَدِيثِ النَّاسِ، لَكِنْ قَالَ الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ، فَقَدْ نَجِدُ الْحَدِيثَ عَنْهُ تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ لِلْعَالِمِ النَّقْلُ عَلَى الْمَعْنَى.

стр. 2342

وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، فَالْمُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى، وَلَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ مِنْهَا، فَمِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِلَفْظِهِ، كَقَوْلِهِ ﵇: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» ، «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» . حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ بِكُلِّ حَالٍ. الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا، فَيَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهَا مَجَالٌ، فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَدَاءُ اللَّفْظِ، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَجَرَى عَلَيْهِ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ. وَالْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَحْفَظَ اللَّفْظَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ مِنْ الْفَصَاحَةِ مَا لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ اللَّفْظَ جَازَ أَنْ يُورِدَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ تَحَمَّلَ أَمْرَيْنِ: اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى. فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِمَا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُمَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ اللَّفْظِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَعْنَى لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ. وَبِهَذَا الْقَوْلِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَجَعَلَ الْخِلَافَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. قَالَ: أَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي، فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُمَا بِالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ» ، وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ. وَقَوْلُهُ: «اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَا: فَهَذَا جَائِزٌ يَعْنِي بِلَا

стр. 2343

خِلَافٍ؛ لِأَنَّ " افْعَلْ " أَمْرٌ، وَ " لَا تَفْعَلْ " نَهْيٌ، فَيَتَخَيَّرُ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خَفِيَّ الْمَعْنَى مُحْتَمِلًا، كَقَوْلِهِ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» ، وَجَبَ نَقْلُهُ بِلَفْظِهِ، وَلَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِغَيْرِهِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا إلَّا لِلْمَصْلَحَةِ، وَلِيَكِلَ اسْتِنْبَاطَهُ إلَى الْعُلَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى جَلِيًّا غَيْرَ مُحْتَمَلٍ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ مِنْ التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُغَيِّرَ لَفْظَهُ، وَيَنْقُلَ مَعْنَاهُ. وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ شَاهَدَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنْ يُورِدَ الْمَعْنَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِفَحْوَاهُ مِنْ غَيْرِهِ. اهـ. وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالصَّحَابِيِّ، وَبِالْجَلِيِّ مِنْ غَيْرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالْجَزْمُ فِي الْجَلِيِّ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ غَرِيبٌ لَكِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي عُلَمَائِنَا: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنَّظَرِ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ فِي مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الذَّوْقِيَّةِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إذْ الطِّبَاعُ قَدْ تَغَيَّرَتْ، وَالْفُهُومُ قَدْ تَبَايَنَتْ، وَالْعَوَارِفُ قَدْ اخْتَلَفَتْ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. اهـ. وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَذْهَبٌ آخَرُ هُوَ السَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

стр. 2344

وَالثَّامِنُ: إنْ كَانَ مُحْكَمًا فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِلْعَارِفِ بِاللُّغَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ كَعَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ، أَوْ حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ جَازَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فَقَطْ. وَإِنْ كَانَ وَجَبَّارُ أَوْ مُشْتَرَكًا فَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّقْلُ بِالْمَعْنَى أَصْلًا، إذْ الْمُرَادُ بِهِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ. وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ النَّقْلُ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَالْمُتَشَابِهُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا اُبْتُلِينَا بِالْكَفِّ عَنْ طَلَبِ الْمَعْنَى فِيهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى: قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ. قَالَ: وَأَمَّا مَا يَكُونُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ كَقَوْلِهِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، وَ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَنَحْوُهُ، فَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا نَقْلَهُ بِالْمَعْنَى بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاخْتِصَاصِهِ ﷺ بِهَذَا النَّظْمِ، وَكَأَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا) ، وَذَكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِهِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ: اللَّفْظُ الْمَسْمُوعُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا تَأْوِيلَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ: لَا تَقْرَبْ كَذَا، وَافْعَلْ كَذَا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ، يَنْكَرُهُمَا وَقَعَدَ، وَقَامَ وَمَضَى، وَذَهَبَ وَصَبَّ، وَأَرَاقَ، وَهَذَا يَجُوزُ تَأْدِيَتُهُ بِالْمَعْنَى. وَالثَّانِي: مُودَعٌ فِي جُمْلَةٍ لَا يَفْهَمُ الْعَامِّيُّ إلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ. وَيَكُونُ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَظُنُّهُ الْحَاكِي قَائِمًا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِاللَّفْظِ الْمُتَعَلَّقِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى، فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْمَعْنَى إلَى لَفْظٍ آخَرَ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَلَا يُقْبَلُ خَبَرٌ حَتَّى يَكُونَ رَاوِيهِ عَدْلًا عَاقِلًا مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَعَانِي، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَعَانِي فَحُكْمُهُ فِي الْأَدَاءِ عَلَى

стр. 2345

الْأَلْفَاظِ، وَكُلُّ مَنْ أَدَّى إلَيْنَا شَيْئًا قَبِلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَفْظُ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ، حَتَّى عَلِمْنَا أَنَّهُ حُكِيَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ حَدِيثٍ يَكُونُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُحْذَفُ فَيَذْهَبُ مَعْنَاهُ. اهـ. وَالتَّاسِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يُورِدَهُ عَلَى قَصْدِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالْفُتْيَا، فَيَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى، إذَا كَانَ عَارِفًا بِمَعْنَاهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ التَّبْلِيغَ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ، وَيَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ، «وَآمَنْتُ بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْتَ» قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ ". وَالْعَاشِرُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ، فَيَجُوزُ فِيهَا الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ، دُونَ الْقِصَارِ. حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، ثُمَّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ خَصَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَجَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى فِي كَلَامِ النَّاسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الْإِشْكَالِ " عَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزَهُ فِي حَدِيثِ النَّاسِ، وَمَنْعَهُ فِي كَلَامِ النُّبُوَّةِ. فَرْعٌ إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ وَرُوِيَ بِالْمَعْنَى لَا تَسْقُطُ رِوَايَتُهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ وَاجْتِهَادٍ، فَلَا تَسْقُطُ بِهِ الرِّوَايَةُ، قَالَهُ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ". [يُنْقِصَ الرَّاوِي مِنْ لَفْظِ الْحَدِيث وَيَحْذِفَهُ] الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنْقِصَ مِنْ لَفْظِهِ وَيَحْذِفَهُ، فَيُنْظَرُ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَحْذُوفُ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا لَمْ يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَالتَّعَلُّقُ اللَّفْظِيُّ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ. وَالْمَعْنَوِيِّ كَمَا إذَا كَانَ الْمُتَعَلَّقُ مَذْكُورًا بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، لَا يَتَعَلَّقُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ بِهَا،

стр. 2346

كَمَا فِي بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ، وَبَيَانِ الْمُجْمَلِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَكَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ فَيَنْقُصُ عَنْ الْخِلَافِ الْآتِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، فَالْمَانِعُونَ ثَمَّ مَنَعَ أَكْثَرُهُمْ هَاهُنَا، وَأَمَّا الْمُجَوَّزُونَ ثَمَّ فَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا عَلَى أَقْوَالٍ. [الْمَذَاهِبُ فِي جَوَازِ حَذْفِ شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيثِ] أَحَدُهَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ نَقَلَ ذَلِكَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مَرَّةً بِتَمَامِهِ، جَازَ أَنْ يَنْقُلَ الْبَعْضَ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ، هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَالشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ "، وَغَيْرُهُمَا، وَقَيَّدَ الْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ بِأَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ سُوءُ الظَّنِّ بِالتُّهْمَةِ بِاضْطِرَابِ النَّقْلِ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمْ لَا، كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ "، وَكَذَا الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَا حَكَيَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ أَوَّلًا، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُجَوِّزَ حَذْفَ الْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاقْتِصَارَ عَلَى أَصْلِ الْكَلَامِ، وَحَكَى سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ طَرِيقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إجْرَاءُ خِلَافِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى. وَالثَّانِيَةُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، قَالَ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ: أَمَّا إذَا رَوَى بَعْضَ الْخَبَرِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ بِتَمَامِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُفْهَمُ بِأَنَّهُ زَادَ فِي حَدِيثِهِ قُبِلَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ كَانَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِهِ الزِّيَادَةَ وَكِتْمَانِهَا.

стр. 2347

وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": مَتَى خَافَ رَاوِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّمَامِ أَنَّهُ إذَا رَوَاهُ مَرَّةً نَاقِصًا أَنْ يُتَّهَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ رِوَايَتُهُ عَلَى التَّمَامِ، دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ التُّهْمَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلرِّوَايَةِ. وَشَرَطَ أَيْضًا لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مُتَذَكِّرًا لِتَمَامِهِ، فَإِنْ خَافَ غَفْلَتَهُ أَوْ نِسْيَانَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إلَّا رِوَايَتُهُ تَامًّا. قَالَ: فَإِنْ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ غَيْرُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى السَّامِعِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ إلَّا تَامًّا. وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا. وَالرَّابِعُ: الْحَدِيثُ إنْ كَانَ مَشْهُورًا بِتَمَامِهِ جَازَ نَقْلُ بَعْضِهِ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ ". وَالْخَامِسُ: إنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ النَّاقِلُ فَقِيهًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ فَقِيهٍ امْتَنَعَ. قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، فِي كِتَابَيْهِمَا. قَالَا: وَإِنْ كَانَ تَقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ، كَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵇ رَدَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إلَى آيَةِ الْكَلَالَةِ. فَقَالَ: تَكْفِيَك آيَةُ الصَّيْفِ» ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِفَايَةٌ لَمَا وَكَّلَهُ إلَيْهَا. وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ فِي حَدِيثِ الْوَاطِئِ فِي رَمَضَانَ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ، وَلِحَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ: أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ، فَرَمَى الرَّوْثَةَ وَتَرَكَ نَقْلَ الْحَجَرِ الْآخَرِ اكْتِفَاءً» ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مُسْنَدًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ائْتِنِي

стр. 2348

بِحَجَرٍ ثَالِثٍ» . وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ حُكْمًا مُتَمَيِّزًا عَمَّا قَبْلَهُ، وَالنَّاقِلُ فَقِيهٌ عَالِمٌ بِوَجْهِ التَّمْيِيزِ فَيَجُوزُ، كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَحَيْثُ لَمْ يَنْقُلْ الْحَجَرَ الثَّالِثَ كَانَ مَقْصُودُهُ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ مُرَاعَاةَ الْعَدَدِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ نَقْلُ جَمِيعِهِ. وَإِنْ كَانَ النَّاقِلُ ظَاهِرُ حَالِهِ الِاعْتِنَاءُ بِنَقْلِهِ وَاسْتِيفَاءُ رِوَايَتِهِ، فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنْ لَا يَنْقُلَ سِوَاهُ كَقَضِيَّةِ مَاعِزٍ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ اسْتَوْفَاهَا وَلَمْ يَذْكُرْ رَجْمَهُ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَسْأَلَةُ نَقْلِ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى فِي الْمَأْخَذِ وَالْمَنْشَأِ سَوَاءٌ، وَقَدْ يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِيهِمَا إلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ الرَّاوِي الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ الرَّاوِي الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ نَاقِصًا لِمَنْ رَوَاهُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ تَامًّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ حَافِظٌ لِتَمَامِهِ، فَيَذْكُرُ لَهُ، فَإِنْ بَانَتْ غَفْلَتُهُ وَنِسْيَانُهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إلَّا رِوَايَتُهُ عَلَى الْكَمَالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُسْتَقِلًّا بِمَفْهُومِ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: «الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، فَيَجُوزُ لَهُ رِوَايَةُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَا عَلَيْهِ لِلْإِبْلَاغِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَيَلْزَمُهُ الْجَمْعُ، كَالشَّهَادَةِ. فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، فَلَا يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لِتَتِمَّ فَائِدَةُ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَتْرُوكِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ: «أَعِدْ أُضْحِيَّتَك، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي إلَّا جَذَعَةٌ مِنْ الْمَعْزِ،

стр. 2349

فَقَالَ: تُجْزِئُكَ، وَلَمْ تُجْزِئْ لِأَحَدٍ بَعْدَك» ، فَلَوْ رَوَى أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُك، لَفُهِمَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ. اهـ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ اخْتِصَارِهِ بِشَرْطِ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ فِي صِفَةِ الْحَجِّ، سَاقَهُ جَابِرٌ سِيَاقًا وَاحِدًا عِنْدَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ دَخَلَهَا. ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُد عَلَى هَذَا السِّيَاقِ، وَجَزَّأَهُ مَالِكٌ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَلَى الْأَبْوَابِ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: هُوَ عِنْدِي جَائِزٌ، إذَا كَانَ مُفِيدًا وَمُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ وَغَيْرَ مُحْتَاجٍ فِي فَهْمِهِ إلَى مَا قَبْلَهُ، أَوْ كَانَ لَيْسَ يُوجِبُ صِدْقَ مَا حُذِفَ مِنْهُ، تَرَدَّدَ الْمَفْهُومُ عَنْهُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَسَوَاءٌ جَوَّزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى أَوْ لَا، وَاسْتَحْسَنَهُ الْعَبْدَرِيّ. أَمَّا إذَا كَانَ تَرْكُ بَعْضِهِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ بَيَانِ مَا أَوَّلَهُ، وَيُوهِمُ مِنْهُ شَيْئًا يَزُولُ بِذِكْرِ الزِّيَادَةِ لَمْ يَجُزْ حَذْفُهَا، مِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: نَقَلَ بَعْضُ النَّقَلَةِ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ يَسْتَنْجِي، فَرَمَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: إنَّهَا رِكْسٌ» . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَمَى الرَّوْثَةَ، ثُمَّ قَالَ: ابْغِ لَنَا ثَالِثًا، وَالسُّكُوتُ عَنْ ذِكْرِ الثَّالِثِ لَيْسَ يُخِلُّ بِذِكْرِ رَمْيِ الرَّوْثَةِ وَبَيَانِ أَنَّهَا رِكْسٌ، لَكِنْ يُوهِمُ النَّقْلُ كَذَلِكَ جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِحَجَرَيْنِ، وَقَالَ

стр. 2350

الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَجُوزُ مَعَ هَذَا الْإِيهَامِ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ، وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْمُقْتَصِرِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الزِّيَادَةُ. وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الرَّاوِي مَنْعَ اسْتِعْمَالِ الرَّوْثِ، فَيَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ. وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، بِأَنَّ الْإِيهَامَ حَاصِلٌ، وَإِنْ قَصَدَ الرَّاوِي مَنْعَ اسْتِعْمَالِ الرَّوْثِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ) » وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يُنْقَلْ إلَّا الرَّجْمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَتَلَقَّى سُقُوطَ الْجَلْدِ عَنْ الثَّيِّبِ مِنْ اقْتِصَارِ الرَّاوِي إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، فَاسْتَحْضَرَ الرَّاوِي الرَّجْمَ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَضِيَّةِ مَاعِزٍ، وَفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى الزَّوَائِدِ مِنْ الْحُرُوفِ الَّتِي لَا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَكَانَ عَالِمًا بِمَصَادِرِ الْكَلَامِ وَمَوَارِدِهِ جَازَ إنْ قُلْنَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى، وَإِلَّا فَلَا. قَالَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ". [فَرْعٌ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ لَفْظٌ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ] ُ] أَطْلَقَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي الْخَبَرِ لَفْظٌ لَا يُفِيدُ إلَّا التَّأْكِيدَ لَمْ يَجُزْ لِلرَّاوِي إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا ذَكَرَهُ إلَّا لِفَائِدَةٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ.
следующие страницы →