Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا أَشَارَ إلَى مَنْ جَهِلَ شَيْخَهُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْكِتَابَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ شَيْخَهُ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْكِتَابِ لَمْ يَشْتَرِطْ حِفْظَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ شَيْخَهُ الَّذِي حَدَّثَهُ بِهِ، وَعَلِمَ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ لِلْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِمَا فِي كِتَابِهِ، وَهَذَا الَّذِي تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى الشَّافِعِيِّ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَسَيَأْتِي.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنْ رَوَى مِنْ كِتَابِهِ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ كَاذِبًا، وَالثَّانِي يُقْبَلُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الْإِلْمَاعِ ": اُخْتُلِفَ فِي الْعَمَلِ بِمَا وُجِدَ فِي الْخَطِّ الْمَضْبُوطِ الْمُحَقَّقِ لِإِمَامٍ إذَا عَمِلَ بِهِ، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَنْعِ النَّقْلِ وَالدِّرَايَةِ بِهِ، فَمُعْظَمُ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفُقَهَاءِ لَا يَرَوْنَ الْعَمَلَ بِهِ، وَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْعَمَلِ، وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ نُظَّارِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ. وَحَكَى أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْخَبَرِ مِنْ حِفْظِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ. قَالَ: وَحُجَّتُهُ أَنَّ حِفْظَهُ لِمَا فِي كِتَابِهِ، كَحِفْظِهِ لِمَا سَمِعَهُ، فَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَا نُورٌ وَلَا بَهْجَةٌ لِهَذِهِ الْحُجَّةِ، وَلَا ذَكَرَ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ، لَا الرِّوَايَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَوْ يَكُونُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِخَطِّهِ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ سَمَاعَهُ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ. اهـ. وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعَهُ وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُسْمِعِ الْتَحَقَ بِالْمُرْسَلِ،
стр. 2382
وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ سَمِعَ الْجَمِيعَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ، وَلَا يَذْكُرُ سَمَاعَهُ لِعَيْنِ كُلِّ لَفْظٍ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ السَّمَاعَ وَإِنَّمَا عَوَّلَ عَلَى خَطِّهِ كَمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الطَّبَقَاتِ فَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ. فَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ قَضِيَّةُ أُصُولِ مَالِكٍ. وَأَشَارَ إلَى تَخْرِيجِهَا عَلَى مَنْعِ الشَّاهِدِ مِنْ شَهَادَةِ أَمْرٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنَّمَا عَوَّلَ عَلَى خَطِّهِ، فَلَا يُعْمَلُ بِهَا. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَوَّزَهُ، كَقَوْلِهِ فِي " الرِّسَالَةِ ": إنَّهُ لَا يُحَدِّثُ الْمُحَدِّثُ بِمَا فِي كِتَابِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَإِنْ كَانَ الْخَطُّ لَيْسَ بِيَدِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِخَطِّ غَيْرِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: يُعَوِّلُ ثُمَّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا الْكِتَابَ وَيُطْلِقَ الرِّوَايَةَ عَنْ شَيْخِهِ بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَبَ أَنَّهُ سَمِعَ، وَعَلِمَ ثِقَةٌ الْكِتَابَ، فَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالْمُحَدِّثُونَ يَقْبَلُونَهَا. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا: لَا يُعَوِّلُ عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ، فَفِي خَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَإِنْ قُلْنَا: يُعَوِّلُ ثَمَّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْوِيَ هَذَا الْكِتَابَ وَيُطْلِقَ الرِّوَايَةَ عَنْ شَيْخِهِ، بِأَنَّهُ حَدَّثَهُ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَلْبِيسٌ، بَلْ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْحَالِ، فَيَقُولُ: أَخَذْت هَذَا الْكِتَابَ عَنْ فُلَانٍ لَا شِفَاهًا، وَلَكِنْ تَعْوِيلًا عَلَى خَطِّ فُلَانٍ أَنِّي سَمِعْتُهُ مَعَهُ عَنْ فُلَانٍ، وَخَطُّ فُلَانٍ أَتَحَقَّقُهُ، وَأَتَحَقَّقُ عَدَالَتَهُ، فَيُقْبَلُ حِينَئِذٍ، وَلَا يَفْتَقِرُ هُنَا إلَى إذْنِ الْكَاتِبِ أَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ عَنْهُ، كَمَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الشَّاهِدِ فِي أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ شَهَادَتَهُ، إذَا تَحَقَّقْنَا هُنَا أَنَّ هَذَا مَا وَضَعَ خَطَّهُ عَنْ لَبْسٍ.
стр. 2383
وَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ بِيَدِهِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ بِيَدِ قَارِئٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ تَرَدَّدَ فِي الْعَمَلِ بِهَذَا الْخَبَرِ، وَصِحَّةِ إسْنَادِهِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ الشَّيْخُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ صِحَّةِ مَا حَمَلُوهُ التَّلَامِذَةُ، وَخَالَفَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ: إنَّ الشَّيْخَ يَصِيرُ مُعَوِّلًا فِيمَا يَرْوِيهِ وَيَحْمِلُهُ لِتَلَامِذَتِهِ عَلَى نَقْلِ غَيْرِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ رَوَى كَذَا. اهـ. وَقَطَعَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعَهُ، وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُسْمِعِ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ رِوَايَتُهُ، حَتَّى يَعْلَمَ قَطْعًا مَنْ بَلَّغَهُ، وَنَقَلَهُ عَنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي، وَحَكَى عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ جَوَّزَ لَهُ رِوَايَتَهُ، وَعُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَنْبَغِي لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْحَدِيثَ رِوَايَتُهُ مِنْ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ يَحْفَظُهُ فَالْأَوْلَى ذَلِكَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ وَعِنْدَهُ كِتَابٌ فِيهِ سَمَاعُهُ بِخَطِّهِ، وَهُوَ يَذْكُرُ سَمَاعَهُ لِلْخَبَرِ، جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ ". وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ رَوَى عَلَى خَطِّهِ. قَالَ: وَلَا بُدَّ مِنْ شَيْئَيْنِ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْكِتَابِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِكِتَابِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِخَطِّهِ أَوْ خَطِّ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ. اهـ.
وَمَا صَحَّحَهُ مِنْ الْمَنْعِ عِنْدَ عَدَمِ الذِّكْرِ صَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ. قَالَ: لِأَنَّ الْخَطَّ قَدْ يَشْتَبِهُ بِالْخَطِّ.
стр. 2384
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ، بَلْ وَجَدَهُ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ شَيْخِهِ، أَوْ خَطِّ مَوْثُوقٍ بِهِ، فَهَلْ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ؟ ثُمَّ نَقَلَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الْمَنْعَ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الْمُحَدِّثِينَ جَوَازُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَظْهَرْ قَرِينَةُ التَّغْيِيرِ، لَكِنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ انْتِشَارِ الْأَحَادِيثِ وَالرِّوَايَةِ انْتِشَارًا يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْحِفْظُ لِكُلِّهِ عَادَةً، وَاللَّازِمُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى الظَّنِّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِمَّا أَنْ يَبْطُلَ حَمْلُهُ مِنْ السُّنَّةِ، أَوْ أَكْثَرِهَا، وَالثَّانِي: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً مِنْ الْبِنَاءِ عَلَى الظَّنِّ، فَوَجَبَ دَفْعُهُ دَرْءًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَتَحَرَّى بِزِيَادَةِ شَرْطٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنْ لَا يَخْرُجَ الْكِتَابُ عَنْ يَدِهِ بِعَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَهُوَ احْتِيَاطٌ حَسَنٌ، وَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ إذَا كَتَبُوا أَحَادِيثَ الْإِجَازَةِ إلَى غَائِبٍ عَنْهُمْ يَخْتِمُونَهُ بِالْخَاتَمِ، إمَّا كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ. اهـ.
[أَحْوَالُ الشَّيْخِ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ]
[أَحْوَالُ الشَّيْخِ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ] وَاعْلَمْ أَنَّ لِلشَّيْخِ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ. أَعْلَاهَا: أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي رِوَايَةِ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ نُطْقًا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُ: هَلْ سَمِعْت؟ فَيُشِيرُ الشَّيْخُ بِأُصْبُعِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ، فَهِيَ كَالْعِبَارَةِ فِيمَا سَبَقَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إنْ قَالَ الْقَارِئُ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ: ائْذَنْ لِي أَنْ أَرْوِيَ عَنْك مَا قَرَأْته عَلَيْك. فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، أَوْ أَشَارَ بِرَأْسِهِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَقْبُولٌ، وَقِيلَ: لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ تُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ.
стр. 2385
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْكُتَ الشَّيْخُ وَيَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْقَارِئِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ إجَابَتُهُ لَهُ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا، وَكَذَا جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَشَرَطَ قَوْمٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ إقْرَارَ الشَّيْخِ بِهِ نُطْقًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَوْعُ احْتِيَاطٍ، وَسُكُوتُهُ مَعَ سَلَامَةِ الْأَحْوَالِ مِنْ إكْرَاهٍ وَغَفْلَةٍ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ "، وَنَقَلَهُ عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ، وَإِذَا نَصَبَ الشَّيْخُ نَفْسَهُ لِلْقِرَاءَةِ، وَانْتَصَبَ لَهَا مُخْتَارًا، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ فَهُوَ بِمَثَابَةِ إقْرَارِهِ، وَيَمْتَنِعُ فِي صُورَةِ إشَارَةِ الشَّيْخِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي عَنْهُ: حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي، وَسَمِعْته؛ لِأَنَّهُ مَا حَدَّثَهُ، وَلَا أَخْبَرَهُ وَلَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَكَانَ كَذِبًا، وَهَذَا مِنْهُ عَجِيبٌ، كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ يُنَاقِضُهُ مَا عَلَّلَهُ بِهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ.
وَمِمَّنْ شَرَطَ النُّطْقَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ". قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": قَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ لِتَرَدُّدِ السُّكُوتِ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُنْسَبُ إلَى السَّاكِتِ قَوْلٌ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ، وَظَاهِرِ الْحَالِ. قَالَ: وَهَذَا أَلْيَقُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ، وَنُقِلَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ. اهـ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: إذَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ وَيُصْغِي، حَلَّتْ الرِّوَايَةُ إذَا قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا الْكِتَابُ سَمَاعِي، وَلَا يُشْتَرَطُ
стр. 2386
لَفْظُ الْإِجَازَةِ، وَلَا الْمُنَاوَلَةِ، وَلَكِنْ اصْطَلَحَ الْمُحَدِّثُونَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَقُولُ: هَذَا سَمَاعِي، وَيَعْنِي بِهِ أَكْثَرَهُ، أَوْ رُبَّمَا كَانَ أَحْكَمَ حُرُوفَهُ، فَإِذَا قَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي، كَانَ دَالًّا عَلَى الثَّبْتِ، وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي شُهُودِ الْأَصْلِ تَحَمُّلُ الْفَرْعِ شَهَادَتَهُ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ مُحْتَمَلٌ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِقْصَاءِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ إذَا قَالَ: هُوَ سَمَاعِي، صَارَ مُخْبِرًا عَنْ آحَادِ مَا فِي الْكِتَابِ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ: قَرَأْت عَلَى فُلَانٍ، وَلِلسَّامِعِ أَنْ يَقُولَ: قَرَأَ عَلَيَّ فُلَانٌ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا، قِرَاءَةً عَلَيْهِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي، أَوْ حَدَّثَنِي قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ قَرَأْت عَلَيْهِ، وَهُوَ سَاكِتٌ مُقَرِّرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَرَأَهُ تَصْرِيحًا، وَأَنْ يَكُونَ مُكْتَفِيًا بِالسُّكُوتِ، فَالِاحْتِيَاطُ التَّمْيِيزُ وَأَمَّا إطْلَاقُ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرْنَا فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: الْمَنْعُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالنَّسَائِيُّ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ تَوَلَّى الْقِرَاءَةَ بِنَفْسِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ. قَالَ: وَلِذَلِكَ لَا يَقُولُ: سَمِعْت وَالثَّانِي: التَّجْوِيزُ، وَأَنَّهُ كَالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَبِهِ قَالَ: الزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَالْبُخَارِيُّ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَكَانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: أَخْبَرَنَا فِيمَا سَمِعُوهُ، وَهِيَ
стр. 2387
عِبَارَةُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَهُشَيْمٍ، وَنَقَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ: الْأَوْلَى فِي عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدَّثَنَا فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، وَأَخْبَرَنَا فِيمَا قَرَأَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَمِعَ هُوَ قَالَ: حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي، أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ قَالَ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا؛ لِتَكُونَ هَذِهِ الْفُرُوقُ مُذَكِّرَةً بِأَحْوَالِ السَّمَاعِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فَلَا يَقُولُ: سَمِعْت فُلَانًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: كَلَامُ الْإِمَامِ يَعْنِي فَخْرَ الدِّينِ - يَقْتَضِي وُجُودَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ سَمِعْت، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهَا. وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مِنْ إطْلَاقِ حَدَّثَنَا، وَتَجْوِيزُ أَخْبَرَنَا، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ، إذَا قَرَأْت عَلَى الْعَالِمِ، فَقُلْ: أَخْبَرَنَا، وَإِذَا قَرَأَ عَلَيْك، فَقُلْ: حَدَّثَنَا، وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ فِيمَا إذَا قَرَأَ الشَّيْخُ نُطْقًا؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ مَا يَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ، وَالتَّحْدِيثَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا سَمِعَ مِنْ فِيهِ.
قَالَ: ابْنُ دَقِيقِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْآخِرِ وَالِاحْتِجَاجُ لَهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ لُغَوِيٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ. وَمَنَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي صُورَةِ إشَارَةِ الشَّيْخِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي عَنْهُ: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، أَوْ سَمِعْته؛ لِأَنَّهُ مَا حَدَّثَهُ، وَلَا أَخْبَرَهُ، وَلَا
стр. 2388
سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَكَانَ كَاذِبًا، وَهَذَا مِنْهُ عَجِيبٌ كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ، يُنَاقِضُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ فِي صُورَةِ السُّكُوتِ مِنْ أَنَّ الْإِخْبَارَ لُغَةً لِإِفَادَةِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ، وَهَذَا السُّكُوتُ قَدْ أَفَادَهُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي، وَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ السُّكُوتِ يُعْطِي ذَلِكَ، فَلَأَنْ يُعْطِيَهُ السُّكُوتُ مَعَ الْإِشَارَةِ بِالرِّضَى مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: بَيْنَ قَوْلِهِ: حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي فَرْقٌ؛ لِأَنَّ أَخْبَرَنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ إلَيْهِ، وَحَدَّثَنِي لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ السَّمَاعِ.
[كِتَابَةُ الشَّيْخِ إلَى غَيْرِهِ]
[كِتَابَةُ الشَّيْخِ إلَى غَيْرِهِ] الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إلَى غَيْرِهِ: سَمِعْت مِنْ فُلَانٍ كَذَا، فَلِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إذَا عَلِمَ خَطَّهُ، أَوْ ظَنَّهُ، بِأَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِأَنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ شَاهَدَهُ يَكْتُبُ. أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَرْوِيَهُ عَنْهُ، إذَا اقْتَرَنَتْ الْكِتَابَةُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ، بِأَنْ قَالَ: أَجَزْت لَك مَا كَتَبْته إلَيْك، فَإِنْ تَجَرَّدَتْ الْكِتَابَةُ فَأَجَازَ الرِّوَايَةَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبَالَغَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: إنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْإِجَازَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ. قَالَ: لِأَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ، وَكَانَ ﷺ يُبَلِّغُ بِالْكِتَابِ الْغَائِبَ، وَبِالْخِطَابِ الْحَاضِرَ. قَالَ: وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا وَأَخْبَرَهُ بِالْحَدِيثِ، حَلَّتْ لَهُ الرِّوَايَةُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ
стр. 2389
كَلَامَ الْمُرْسِلِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ، بَلْ أَوْثَقُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِمَا فِيهِ، وَالرَّسُولُ نَاطِقٌ، وَكَانَ ﵇ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ تَارَةً وَيُرْسِلُ أُخْرَى، وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: كَانَ مَالِكٌ يَكْتُبُ إلَى الرَّجُلِ بِالْبَلَدِ الْآخَرِ: قَدْ كَتَبْت كِتَابِي هَذَا، وَخَتَمْته بِخَاتَمِي، فَارْوِهِ عَنِّي.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّةُ ذَلِكَ عَمِلَ بِهِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ عَلَى شَرْطِ كِتَابِ الْقَاضِي، وَيَصِيرُ كَأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ هُمَا الْوَاسِطَةُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ ": الْآثَارُ فِي هَذِهِ كَثِيرَةٌ عَنْ التَّابِعِينَ، وَالِاتِّبَاعُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ، وَكُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إلَى عُمَّالِهِ بِالْأَحْكَامِ شَاهِدَةٌ لِقَوْلِهِمْ. اهـ. قَالَ: إلَّا أَنَّ مَا سَمِعَهُ مِنْ الشَّيْخِ فَوَعَاهُ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِهِ فَحَفِظَهُ، يَكُونُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِمَّا كُتِبَ بِهِ إلَيْهِ لِمَا يُخَافُ عَلَى الْكِتَابِ مِنْ التَّغْيِيرِ وَالْإِحَالَةِ اهـ. وَكَيْفِيَّةُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ: كَتَبَ إلَيَّ، وَأَخْبَرَنِي كِتَابَةً، لِأَنَّ الْكَاتِبَ قَدْ ذَكَرَ الْإِخْبَارَ فِي كِتَابِهِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ أَخْبَرَنَا. وَجَوَّزَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ قَوْلَهُ: أَخْبَرَنِي مُجَرَّدًا عَنْ قَوْلِهِ كِتَابَةً لِصِدْقِ ذَلِكَ لُغَةً، وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ". قَالَ: وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِكِتَابَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا أَدَبًا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ إذَا كَانَ مُطَابِقًا جَازَ إطْلَاقُهُ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَهِيَ بَيْنَ كَوْنِهِ كِتَابَةً وَإِجَازَةً.
وَجَوَّزَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إطْلَاقَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فِي الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْمُخْتَارُ
стр. 2390
خِلَافُهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: الْمُجَوِّزُونَ لِلْكِتَابَةِ تَوَسَّعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَجَوَّزَ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي، وَحَدَّثَنِي، كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ، وَشَرَطَ آخَرُونَ هُنَا التَّعْيِينَ اسْتِعْمَالًا لِلصِّدْقِ فِي الرِّوَايَةِ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا، وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُسْنَدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِهَا وَوُثُوقُهُ بِأَنَّهَا عَنْ كَاتِبِهَا. وَمَنَعَ قَوْمٌ مِنْ الرِّوَايَةِ بِهَا، مِنْهُمْ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، قَالَا: وَأَمَّا كُتُبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَانَتْ تَرِدُ عَلَى يَدِ مُرْسَلِهِ، فَيُعَوَّلُ عَلَى خَبَرِهِمْ، وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ إنْكَارُ قَبُولِهَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ ": كُلُّ كِتَابٍ لَمْ يَذْكُرْهُ حَامِلُهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِالْمُرْسَلِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا، فَقَالَ: لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ، وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ. نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْته مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْت أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ. فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ قَطْعًا بِأَنْ سَمِعَ مِنْهُ يَقُولُ: هَذَا خَطِّي أَوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَا لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ، أَوْ قَرَائِنَ تُفِيدُ ذَلِكَ، كَالْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَهُ، ثُمَّ يَتَشَكَّكُ فِيهِ، وَلَا يَرَى رِوَايَتَهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا سَمِعَهُ الْإِنْسَانُ، فَإِنَّهُ يَرَى نَقْلَهُ عَنْهُ، وَمَعَهُ كَيْفَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ؟ . وَأَمَّا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْعَمَلَ بِهِ،
стр. 2391
وَأَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَلَا يَقُولُ: سَمِعْت وَلَا حَدَّثَنِي، وَقَدْ جَمَعَ الْهِنْدِيُّ بَيْنَ هَذَا وَكَلَامِ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ كَوْنَهُ كَتَبَ إلَيْهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى التَّسْلِيطِ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنْهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيُّ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، إذْ لَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ عَنْ ذَلِكَ، مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُ. وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ الْآمِدِيُّ أَيْضًا. هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْأَكْمَهِ، فَأَمَّا الْأَكْمَهُ مِثْلُ قَتَادَةَ، فَالْمَنْعُ فِيهِ أَقْوَى.
[الْمُنَاوَلَةُ]
[الْمُنَاوَلَةُ] الرَّابِعَةُ: مُنَاوَلَةُ الصَّحِيفَةِ وَالْإِقْرَارُ بِمَا فِيهَا دُونَ قِرَاءَتِهَا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ «النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وَقَالَ: لَا تَقْرَؤُهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ » ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ
стр. 2392
إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ، وَلَهَا صُوَرٌ: إحْدَاهَا: أَنْ يَقْرُنَهَا بِالْإِجَازَةِ، بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعًا مُقَابِلًا بِهِ، وَيَقُولَ: هَذَا سَمَاعِي فَارْوِهِ عَنِّي. وَمِنْ صُوَرِهَا أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ إلَى الشَّيْخِ بِجُزْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ فَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، فَيَتَأَمَّلَهُ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الْمُتَيَقِّظُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ، وَيَقُولُ: وَقَفْت عَلَى مَا فِيهِ، وَهُوَ حَدِيثِي عَنْ فُلَانٍ أَوْ ثَبَتَ عَلَيَّ مَا نَاوَلْتَنِيهِ وَهُوَ مَسْمُوعِي عَنْ فُلَانٍ فَارْوِهِ عَنِّي. وَهَذَا يُسَمَّى عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ، كَمَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى الشَّيْخِ تُسَمَّى عَرْضَ الْقِرَاءَةِ، وَلَهُ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الْإِلْمَاعِ ".
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِهِ، فَكَتَبَ لَهُ مَالِكٌ بِيَدِهِ أَحَادِيثَ وَأَعْطَاهَا لَهُ، فَقِيلَ لِابْنِ وَهْبٍ: أَقَرَأَهَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَلَى مَالِكٍ؟ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: هُوَ أَفْقَهُ مِنْ ذَلِكَ. يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَا كَتَبَهُ مَالِكٌ بِيَدِهِ وَنَاوَلَهُ إيَّاهَا يُغْنِي عَنْ قِرَاءَتِهِ إيَّاهَا عَلَى مَالِكٍ. قُلْت: لَكِنَّ الصَّيْرَفِيَّ حَكَى الْخِلَافَ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ كِتَابًا، فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَحَدَّثَنِي بِجَمِيعِهِ فُلَانٌ، فَاحْمِلْ عَنِّي جَمِيعَ مَا فِيهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى مَا قَالَ، وَلَا يَقُولُ: حَدَّثَنَا، وَلَا أَخْبَرَنَا فِي كُلِّ حَدِيثٍ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ هَذَا الرَّجُلَ كَرَجُلٍ اعْتَرَفَ بِمَا فِي صَكٍّ، وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِ، لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، فَأَجَازَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا.
стр. 2393
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ، حَتَّى يَقْرَأَ عَلَيْهِ أَوْ يَقْرَأَهُ، وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي: لَا يَقْبَلُهُ حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَشْهَدَا عَلَيْهِ إذَا كَانَ مَخْتُومًا حَتَّى يُقْرَأَ عَلَيْهِمَا، وَالْحَدِيثُ أَخَفُّ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، إذَا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ حَدِيثُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ فِي الصِّكَاكِ. انْتَهَى. وَكَلَامُ الْبَيْهَقِيّ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ، فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ السَّلَفِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ نَصَّ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَحَتَّى يَفْتَحَهُ وَيَقْرَأَهُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْخَاتَمَ قَدْ يُصْنَعُ عَلَى الْخَاتَمِ، وَحَكَى فِي تَبْدِيلِ الْكِتَابِ حِكَايَةً، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَفِي ذَلِكَ جَوَابٌ عَنْ احْتِجَاج مَنْ احْتَجَّ بِقِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّ التَّبْدِيلَ فِيهَا كَانَ غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ، وَهُوَ بَعْدَهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ النَّاسِ مُتَوَهَّمٌ. انْتَهَى.
وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الرِّوَايَةِ أَيْضًا فَلْتَمْتَنِعْ. نَعَمْ، اخْتَلَفُوا فِي شَيْئَيْنِ. أَحَدُهُمَا: هَلْ هِيَ حَالَّةٌ مَحَلَّ السَّمَاعِ؟ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مُنْحَطَّةٌ عَنْهُ، وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَصَاحِبَيْهِ: الْمُزَنِيّ، وَالْبُوَيْطِيُّ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مُوَازِيَةٌ لِلسَّمَاعِ، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ قَالَ: الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ عِنْدِي كَالسَّمَاعِ الصَّحِيحِ. وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي. الثَّانِي: أَنَّهَا هَلْ تُفِيدُ تَأْكِيدًا عَلَى الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ؟ فَالْمُحَدِّثُونَ عَلَى إفَادَتِهَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُصُولِيُّونَ، وَرَأَوْا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ تَأْكِيدًا، صَرَّحَ
стр. 2394
بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْغَزَالِيُّ. قَالُوا: الْمُنَاوَلَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا، وَلَا فِيهَا مَزِيدُ تَأْكِيدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ تَكَلُّفٍ أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: نَاوَلَنِي فُلَانٌ كَذَا وَأَخْبَرَنِي، وَحَدَّثَنِي مُنَاوَلَةً بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ. فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِنُطْقِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ، وَهُوَ كَذِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، كَمَا فِيمَا إذَا قُرِئَ عَلَيْهِ، هُوَ سَاكِتٌ، بَلْ أَوْلَى.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنْ الْإِجَازَةِ بِأَنْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ نَاوَلَهُ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي، فَلَا تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ بِالِاتِّفَاقِ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا سَمَاعِي مِنْ فُلَانٍ، وَلَا يَقُولُ: ارْوِهِ عَنِّي. فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ: لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا. قُلْت: وَجَوَّزَ ابْنُ الصَّبَّاغِ الرِّوَايَةَ بِهَا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَكَلَامُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ صَرِيحٌ فِيهِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَلِّطُهُ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ، ثُمَّ تَشَكَّكَ فِيهِ، وَمَعَهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ، فَلَا يُرْوَى عَنْهُ، هَذَا كُلُّهُ إذَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ الْكِتَابَ، فَلَوْ قَالَ: حَدِّثْ عَنِّي، أَوْ ارْوِ عَنِّي مَا فِي الْكِتَابِ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّنِي قَدْ سَمِعْته، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ، كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ السَّمَاعُ، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ، وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ فِيهِ.
قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلشَّيْخِ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ إذَا عَلِمَ أَنَّ النُّسْخَةَ
стр. 2395
الْمُشَارَ إلَيْهَا هِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي سَمِعَهَا بِعَيْنِهَا، أَوْ عَلِمَ مُوَافَقَتَهَا لَهَا بِالْمُقَابَلَةِ الْمُتْقَنَةِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ. فَعَلَى هَذَا إذَا سَمِعَ الشَّيْخُ نُسْخَةً مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى مِنْهُ إلَّا بِشَرْطِهِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّ النُّسَخَ تَتَفَاوَتُ. فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْوِيَ إلَّا مَا يَقْطَعُ بِسَمَاعِهِ، وَحِفْظِهِ وَضَبْطِهِ، إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ أَنَّ مَا أَدَّاهُ هُوَ مَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ، فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَفِيهِ خِلَافٌ. فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا: قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْمُنَاوَلَةُ حَقِيقَةٌ فِيمَا يُعْطَى بِالْيَدِ، وَهِيَ صِيغَةٌ اسْتَعْمَلَهَا الْمُحَدِّثُونَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الرِّوَايَةِ، وَجَعَلُوا الْمُنَاوَلَةَ الْإِشَارَةَ وَالْإِخْبَارَ. فَإِذَا وُجِدَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ الْمُسَوِّغُ لِلرِّوَايَةِ، وَإِنْ حَصَلَتْ الْمُنَاوَلَةُ وَحْدَهَا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا. نَعَمْ لَوْ كَانَ مُنَاوَلَةً مِنْ غَيْرِ الْإِعْطَاءِ، فَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ. الثَّانِيَةُ: نَازَعَ الْعَبْدَرِيّ فِي إفْرَادِ الْمُنَاوَلَةِ، وَقَالَ: لَا مَعْنَى لَهَا حَتَّى يَقُولَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي، وَحِينَئِذٍ فَهِيَ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْإِجَازَةِ، وَهِيَ جَارِيَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ إنْكَارِ مَزِيدِ التَّأْكِيدِ فِيهَا.
[حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْإِجَازَةِ]
[حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْإِجَازَةِ] الرَّابِعَةُ: الْإِجَازَةُ: بِأَنْ يَقُولَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ، أَوْ هَذَا الْكِتَابَ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْعَمَلِ بِهَا وَالرِّوَايَةِ، أَمَّا الْعَمَلُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْعَمَلِ بِأَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ، وَقِيلَ: كَالْمُرْسَلِ، حَكَاهُ
стр. 2396
الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ مَا سِوَاهَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى حُصُولِ الثِّقَةِ بِالْخَبَرِ، وَهِيَ هَاهُنَا حَاصِلَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعُ الشَّيْخِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُتَلَقِّي مِنْهُ سَمَاعُهُ، وَسَوَّغَ لَهُ إسْنَادَ مَسْمُوعَاتِهِ إلَى أَخْبَارِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُعَلِّقَ الْأَخْبَارَ بِهَا جُمْلَةً أَوْ تَفْصِيلًا، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ، فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ الِاتِّفَاقَ، وَلَكِنْ فِيهِ مَذَاهِبُ.
[مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ]
[مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ] أَحَدُهَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ شُعْبَةُ، وَقَالَ لَوْ صَحَّتْ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتْ الرِّحْلَةُ، وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّ، وَقَالَ: لَوْ صَحَّتْ لَذَهَبَ الْعِلْمُ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيُّ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ مِنَّا، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ ". وَقَالَ: إنَّهَا بِدْعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ أَجَزْت لَك أَبَحْتُ لَك مَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يَسْمَعْ. وَحَكَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا أَرَى هَذَا يَجُوزُ، وَلَا يُعْجِبُنِي، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، يَعْنِي؛ لِأَنَّ
стр. 2397
الرَّبِيعُ قَالَ: هَمَّ الشَّافِعِيُّ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، وَكَانَ قَدْ فَاتَنِي مِنْ الْبُيُوعِ مِنْ كِتَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثُ وَرَقَاتٍ، فَقُلْت لَهُ: أَجِزْهَا لِي. قَالَ: فَاقْرَأْهَا عَلَيَّ كَمَا قُرِئَ عَلَيَّ، وَرَدَّدَ عَلَيَّ ذَلِكَ، حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ، فَجَلَسَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ. وَسَمِعْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتُوُفِّيَ عِنْدَنَا، وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ بِزِيَادَةٍ، يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ الْإِجَازَةَ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَذَا فِي الْحِكَايَةِ، يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ الْإِجَازَةَ. قَالَ الْحَاكِمُ: فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، لَقَدْ كَرِهَ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، ثُمَّ عَابَ شَيْخُنَا رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لَهُ بِأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا، قَالَ: وَبِمِثْلِهِ يَذْهَبُ بَهَاءُ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ وَالرِّحْلَةِ. الثَّانِي: - وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ - الصِّحَّةُ، وَحَمَلُوا كَلَامَ الْمَانِعِينَ عَلَى الْكَرَامَةِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ مَالِكٍ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِأَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْعَهُ إنَّمَا هُوَ وَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُجِيزَ الْعِلْمَ لِمَنْ لَيْسَ أَهْلَهُ، وَلَا خَدَمَهُ، وَلَا عَانَى التَّعَبَ، وَلِهَذَا قَالَ: إنَّمَا يُرِيدُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُقِيمَ الْمَقَامَ الْيَسِيرَ، وَيَحْمِلَ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ كَرَاهَةُ الِاتِّكَالِ عَلَى الْإِجَازَةِ بَدَلًا عَنْ السَّمَاعِ، وَقَدْ قَالَ الْكَرَابِيسِيُّ: لَمَّا كَانَ قَدْمَةُ الشَّافِعِيُّ الثَّانِيَةِ إلَى بَغْدَادَ آتَيْته، فَقُلْت لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك الْكُتُبَ؟ قَالَ: خُذْ كُتُبَ الزَّعْفَرَانِيِّ فَانْسَخْهَا، فَقَدْ أَجَزْتُهَا لَك، فَأَخَذْتُهَا إجَازَةً. قُلْت: هَذَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ، وَالْأَوَّلُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ، فَكَيْفَ يُقْضَى لِلْقَدِيمِ عَلَى الْجَدِيدِ؟ نَعَمْ، الْمَنْقُولُ عَنْ الْجَدِيدِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَنْعِ. فَلَا تَعَارُضَ، وَقَدْ رَوَى الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْإِجَازَةَ لِمَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أُصُولَهُ، أَوْ فُرُوعًا كُتِبَتْ عَنْهَا، وَيَنْظُرُ فِيهَا، وَيُصَحِّحُهَا، حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ.
стр. 2398
وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَ الْمُجِيزُ وَالْمُسْتَجِيزُ كِلَاهُمَا يَعْلَمَانِ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ الْأَحَادِيثِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلُوهُ عَنْ مَالِكٍ فَإِنَّهُ شَرَطَ فِي الْمُجِيزِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ، وَفِي الْمُجَازِ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ مَسْمُوعِ الشَّيْخِ ضَرُورَةً أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ جَمِيعَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ. وَالْخَامِسُ: لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْمُخَاطَبَةِ، فَإِنْ خَاطَبَهُ بِهَا صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ " الْأُصُولِ ".
التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَاخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ. إحْدَاهَا: هَلْ تَجُوزُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطٍ؟ فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ، وَسَبَقَ عَنْ مَالِكٍ اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْمُجِيزِ وَالْمُجَازِ لَهُ، وَعَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ إلَّا لِمَاهِرٍ بِالصِّنَاعَةِ، وَفِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكِلُ إسْنَادُهُ. وَقَسَّمَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ الْإِجَازَةَ إلَى قِسْمَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ الْمُجَازُ لَهُ مَا فِي الْكِتَابِ فَلَهُ الرِّوَايَةُ بِهَا. وَالثَّانِي: لَا يَعْلَمُ، وَلَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي، فَلَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ، إذَا كَانَ الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُمَا فَالْمُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ، وَلَمْ يَعْلَمْ وَإِذَا كَانَ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ لَهُ إذَا سَمِعَ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَهَذَا أَوْلَى.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَرْوِي عَنْهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ مَسْمُوعَاتِهِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ، وَدَفْعًا
стр. 2399
لِلْحَرَجِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِمَا فِي الْكِتَابِ إخْبَارًا إجْمَالِيًّا، كَمَا إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِ كِتَابًا مُشْتَمِلًا عَلَى عِدَّةِ مُهِمَّاتٍ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ: لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُجَازُ لَهُ مَا فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلرَّاوِي: أَتَعْلَمُ مَا فِيهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، ثُمَّ يُجِيزُ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ. قُلْت: وَعَلَى هَذَا فَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ، إلَّا لِمَنْ يَصِحُّ سَمَاعُهُ، وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَأَنَّهُ مَنَعَ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ. قَالَ: وَسَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ، هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهَا سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ؟ فَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا دُونَ السَّمَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّهُ كَالسَّمَاعِ؛ لِأَنَّ الثِّقَةَ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ، وَهُوَ غَرِيبٌ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَقُولُ فِيهَا: حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي، وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزٍ مَنْدَادٍ: إنَّا إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ أُطْلِقَ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ لَمْ يَقُلْ إلَّا: أَجَازَنِي، أَوْ حَدَّثَنِي، أَوْ أَخْبَرَنِي إجَازَةً. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": الْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُعْتَبَرَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ، وَيُنْظَرَ مُطَابَقَتُهُ لِنَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْوَضْعِ. فَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ لَا يَمْنَعُهُ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، فَقَوْلُهُ: حَدَّثَنَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَيَلِيهِ قَوْلُهُ: أَخْبَرَنَا، وَأَجْوَدُ الْعِبَارَاتِ فِي الْإِجَازَةِ أَنْ يُقَالَ: أَجَازَ لَنَا فُلَانٌ، أَوْ كَتَبَ إلَيْنَا، إنْ كَانَ كِتَابَةً؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ صَحِيحٌ. اهـ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي الْإِجَازَةِ: يَحْكِيهِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا، أَوْ أَخْبَرَنَا. قَالَ: وَذَهَبَ إلَى هَذَا أَبُو بَكْرٍ اهـ.
стр. 2400
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: هَلْ يَقُولُ: حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي مُطْلَقًا؟ مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، حَتَّى يُقَيِّدَهُ بِالْإِجَازَةِ، وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْأَوْلَى التَّصْرِيحُ بِهِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ فَلَا لَبْسَ فِيهِ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَأَقَرَّهُ.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَجَازَنِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ أَخْبَرَنِي، وَحَدَّثَنِي، وَهِيَ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُجِيزَ بِمُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ، بِأَنْ يَقُولَ: أَجَزْت لَك الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ، وَهُوَ أَعْلَاهَا. وَثَانِيهَا: لِمُعَيَّنٍ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لَك، أَوْ لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي. وَالْخِلَافُ فِي هَذَا أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَجْوِيزِهِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَ: أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا صَحَّ عِنْدِي مِنْ مَسْمُوعَاتِي: فَهَذِهِ إجَازَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلَى عَمَايَةٍ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ لِهَذَا الْفَرْعِ بِصِحَّةِ سَمَاعِ الشَّيْخِ إلَّا بِالتَّعْوِيلِ عَلَى خُطُوطٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى سَمَاعِ الشَّيْخِ. قَالَ: وَإِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ مُقْنِعًا، فَإِنْ تَحَقَّقَ ظُهُورُ سَمَاعِ مَوْثُوقٍ بِهِ فَإِذْ ذَاكَ، وَهَيْهَاتَ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يُجِيزَ مُعَيَّنٌ لِمُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ، مِثْلُ أَجَزْت لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي، فَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَجَوَّزَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ. وَجَوَّزَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الْإِجَازَةَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِمْ عِنْدَ الْإِجَازَةِ.
وَرَابِعُهَا: الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ أَوْ بِالْمَجْهُولِ، مِثْلُ أَجَزْت
стр. 2401
لِمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيِّ، وَفِي وَقْتِهِ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ فِي هَذَا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ، ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ الْمُجَازَ لَهُ، أَوْ يَقُولُ: أَجَزْت لِفُلَانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ، وَهُوَ يَرْوِي جَمَاعَةٌ مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ بِذَلِكَ، وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُ لِبَعْضِهَا، فَهِيَ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ، وَلَا فَائِدَةَ لَهَا. هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " وَغَيْرِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ، وَيَسْتَبِيحُ رِوَايَتَهُ جَمِيعَهَا؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، وَلَا مَانِعَ فِيهِ. خَامِسُهَا: الْإِجَازَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِشَرْطٍ، مِثْلُ: أَجَزْت لِمَنْ شَاءَ فُلَانٌ أَوْ نَحْوُهُ، وَهُوَ كَالنَّوْعِ الرَّابِعِ، وَفِيهِ جَهَالَةٌ، وَتَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ، وَقَدْ أَفْتَى أَبُو الطَّيِّبِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ إجَازَةٌ لِمَجْهُولٍ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لِبَعْضِ النَّاسِ، وَجَوَّزَهُ أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَمْرُوسٍ الْمَالِكِيُّ. وَسَادِسُهَا: الْإِجَازَةُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ، وَلَمْ يَتَحَمَّلْهُ فِيمَا مَضَى لِرِوَايَةِ الْمُجَازِ لَهُ إذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ بِالْمُجَازِ جُمْلَةً، أَوْ هِيَ إذْنٌ، فَلَا يَصِحُّ إنْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِ الْإِخْبَارِ، إذْ كَيْفَ يُجِيزُ مَا لَا خَبَرَ عِنْدَهُ مِنْهُ؟ وَإِنْ جُعِلَتْ إذْنًا بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَصْحِيحِ الْوَكَالَةِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُوَكِّلُ، وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ هَذِهِ الْإِجَازَةِ. سَابِعُهَا: إجَازَةُ الْمُجَازِ، مِثْلُ: أَجَزْت لَك مُجَازَاتِي أَوْ رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لِي رِوَايَتُهُ، وَقَدْ مَنَعَهُ بَعْضُ
стр. 2402
الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ، وَقَدْ كَانَ الْفَقِيهُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عَنْ الْإِجَازَةِ.
ثَامِنُهَا: الْإِذْنُ فِي الْإِجَازَةِ وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَذِنْت لَك أَنْ تُجِيزَ عَنِّي مَنْ شِئْت، وَهَذَا نَوْعٌ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ فِي عَصْرِنَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَكِّلْ عَنِّي. تَاسِعُهَا: الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا حِينَ الْإِجَازَةِ، وَهُوَ يَشْمَلُ صُوَرًا: مِنْهَا الصَّبِيُّ، وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: سَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ: هَلْ يُعْتَبَرُ فِي صِحَّةِ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ، كَمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي صِحَّةِ سَمَاعِهِ؟ فَقَالَ: لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. فَقُلْت لَهُ: إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قَالَ: لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ. فَقَالَ: قَدْ يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ لِلْغَائِبِ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ لَهُ، وَاحْتَجَّ الْخَطِيبُ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا هِيَ إبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ، وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهَا: الْمَجْنُونُ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ لَهُ، ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ. وَمِنْهَا: الْكَافِرُ، وَقَدْ صَحَّحُوا تَحَمُّلَهُ إذَا أَدَّاهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَقِيَاسُ إجَازَتِهِ كَذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي زَمَنِ
стр. 2403
الْحَافِظِ أَبِي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ وَكَانَ طَبِيبٌ يُسَمَّى عَبْدَ السَّيِّدِ بْنَ الزَّيَّاتِ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ فِي حَالِ يَهُودِيَّتِهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الصُّورِيِّ، وَكَتَبَ اسْمَهُ فِي طَبَقَةِ السَّمَاعِ مَعَ السَّامِعِينَ، وَأَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِمَنْ سَمِعَ، وَهُوَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَكَانَ السَّمَاعُ وَالْإِجَازَةُ بِحُضُورِ الْمِزِّيِّ، وَبَعْضُ السَّمَاعِ بِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ هَدَى اللَّهُ ابْنَ عَبْدِ السَّيِّدِ الْمَذْكُورِ لِلْإِسْلَامِ، وَحَدَّثَ وَتَحَمَّلَ الطَّالِبُونَ عَنْهُ، وَمِنْهَا: الْإِجَازَةُ لِلْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ، وَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهَا، وَأَوْلَى مِنْ الْكَافِرِ. وَمِنْهَا: الْإِجَازَةُ لِلْحَمْلِ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا غَيْرَ أَنَّ الْخَطِيبَ قَالَ: لَمْ نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلُودًا فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِكَوْنِهِ إذَا وَقَعَ: هَلْ تَصِحُّ؟ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ الْمَعْدُومِ، وَيَقْوَى إذَا أُجِيزَ لَهُ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، وَيُحْمَلُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ يُعْلَمُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْلَمُ كَانَتْ كَالْإِجَازَةِ لِلْمَجْهُولِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، وَإِنْ قُلْنَا: يُعْلَمُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، صَحَّتْ.
وَمِنْهَا: الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ
стр. 2404
جَوَّزَهُ ابْنُ الْفَرَّاءِ، وَابْنُ عَمْرُوسٍ، وَالْخَطِيبُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَمَأْخَذُهُمْ اعْتِقَادُ أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ فِي الرِّوَايَةِ لَا مُحَادَثَةٌ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ، أَمَّا إجَازَتُهُ عَطْفًا عَلَى الْحَيِّ كَقَوْلِهِ: أَجَزْت لَك، وَلِوَلَدِك، فَهِيَ إذْنٌ إلَى الْجَوَازِ أَوْلَى، وَلِهَذَا أَجَازَهُ أَصْحَابُنَا فِي الْوَقْفِ.
[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِجَازَةِ]
ِ] وَإِذَا جَوَّزْنَا الْإِجَازَةَ فَالشَّرْطُ تَحَقُّقُ رِوَايَةِ الشَّيْخِ لِمَا أَجَازَهُ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ، فَهَلْ يُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: نَعَمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا. كَذَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ. قَالَ: فَلَوْ شَكَّ فِي الرِّوَايَةِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْمَرْوِيُّ بِغَيْرِهِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ رِوَايَةُ شَيْءٍ مِنْ الْمُخْتَلَطِ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّة أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا شَرَطَا فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ عِلْمَ الْمُجِيزِ بِمَا أَجَازَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهِ لَا يَجُوزُ، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَهَذَا لِخَطَرِ أَمْرِ السُّنَّةِ، وَتَصْحِيحُ الْإِجَازَةِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ قَبِيحٌ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِهِ: شَرْطُ الْإِجَازَةِ أَنْ يَكُونَ مَا فِي الْكِتَابِ مَعْلُومًا لِلْمُجَازِ، وَالْمُجِيزُ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَجِيزُ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَا فِي الْكِتَابِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ. قَالَ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْإِجَازَةَ لَا تَصِحُّ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
стр. 2405
[فَصْلٌ فِي الْمُرْسَلِ مِنْ الْحَدِيثِ]
ِ] شَرْطُ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ الِاتِّصَالُ فَالْمُنْقَطِعُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا وَأَمَّا الْمُرْسَلُ، وَهُوَ تَرْكُ التَّابِعِيِّ ذِكْرَ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ. فَلَوْ سَقَطَ وَاحِدٌ قَبْلَ التَّابِعِيِّ، كَقَوْلِ الرَّاوِي عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ سَقَطَ أَكْثَرُ سُمِّيَ مُعْضَلًا، هَذِهِ طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: الْمُرْسَلُ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، سَوَاءٌ التَّابِعِيُّ أَمْ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ، فَتَعْبِيرُ الْأُصُولِيِّينَ أَعَمُّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهُوَ رِوَايَةُ التِّلْمِيذِ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ، كَقَوْلِ مَالِكٍ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَ عَنْ الْآخِذِينَ عَنْهُ، وَهَذَا قَدْ يَقَعُ مِنْ الرَّاوِي، بِأَنْ يَحْذِفَ ذِكْرَ مَنْ رَوَى عَنْهُ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا، وَقَدْ يَتَعَرَّضُ لِذِكْرِهِ ذِكْرًا لَا يُفِيدُ، فَيُسَمَّى ذَلِكَ إرْسَالًا أَيْضًا، كَقَوْلِك: حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ فُلَانٍ، وَكَذَا لَوْ أَضَافَ إلَيْهِ الْعَدَالَةَ، كَقَوْلِك: حَدَّثَنِي عَدْلٌ، وَهَذَا يَلْتَحِقُ بِالْمُرْسَلَاتِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ
стр. 2406
الْأُسْتَاذِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكٍ أَنَّهُ سَمَّى حَذْفَ الرَّاوِي شَيْخَهُ مُنْقَطِعًا، كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَقَوْلِ تَابِعِ التَّابِعِيِّ: قَالَ الصَّحَابِيُّ، وَسَمَّى ذِكْرَهُ عَلَى الْإِجْمَالِ مُرْسَلًا، مِثْلُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ: سَمِعْت رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ إشَارَةٌ إلَى هَذَا، وَلَيْسَ فِيهِ فَرْقٌ مَعْنَوِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ. وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ فُورَكٍ بِأَنَّ الَّذِي فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْمُرْسَلَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ كَذَا وَكَذَا. انْتَهَى. فَذَكَرَ أَنَّ حَقِيقَتَهُ مَا حُذِفَ فِيهِ اسْمُ الرَّاوِي، وَلَمْ يَذْكُرْهُ لَا مُعَيَّنًا وَلَا مُجْمَلًا، لَكِنَّ الْإِمَامَ ثِقَةٌ فِيمَا يَنْقُلُ، فَلَعَلَّ الْمَازِرِيَّ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ ذَلِكَ، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَلَى هَذَا النَّقْلِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: الْمُرْسَلُ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ يَرْوِي رَجُلٌ عَمَّنْ لَمْ يَرَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": هُوَ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ تَابِعِ التَّابِعِيِّ عَنْ الصَّحَابِيِّ، فَأَمَّا إذَا قَالَ تَابِعُ التَّابِعِيِّ أَوْ وَاحِدٌ مِنَّا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَلَا يَقَعُ بِهِ تَرْجِيحٌ فَضْلًا عَنْ الِاحْتِجَاجِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَرْهَانٍ. اهـ. وَقِيلَ: الْمُرْسَلُ: مَا رَفَعَهُ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ، وَمَرَاسِيلُ صِغَارِهِمْ تُسَمَّى مُنْقَطِعَةً. حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ، وَقِيلَ: مَا سَقَطَ رَاوٍ مِنْ إسْنَادِهِ فَأَكْثَرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. فَعَلَى هَذَا الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَاحِدٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: رِوَايَتُهُ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا مَنْ رَوَى عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ لَيْسَ بِإِرْسَالٍ، بَلْ تَدْلِيسٌ.
стр. 2407
إذَا عَلِمْت هَذَا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إرْسَالِ الْحَدِيثِ، كَقَوْلِ مَالِكٍ: بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَوْلِ الْوَاحِدِ: قَالَ مَالِكٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ، إذَا وَقَعَ هَلْ يَلْزَمُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ؟ .
[حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ]
[حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ] ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى ضَعْفِهِ، وَسُقُوطِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ. وَنَقَلَهُ مُسْلِمٌ فِي صَدْرِ صَحِيحِهِ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لِاحْتِمَالِ سَمَاعِهِ مِنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ، أَوْ مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِصُحْبَتِهِ. وَقَالَ بِقَبُولِهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَكَذَا أَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ، مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، ثُمَّ غَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً فَزَعَمَ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ الْمُسْنَدِ، لِثِقَةِ التَّابِعِيِّ بِصِحَّتِهِ فِي إرْسَالِهِ. وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْوَاضِحِ " عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَغَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَأَنْكَرَ مُرْسَلَ الصَّحَابَةِ إذَا احْتَمَلَ سَمَاعَهُ مِنْ تَابِعِيٍّ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَفَصَّلَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، فَقَبِلَ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَتَابِعِي التَّابِعِينَ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ مُطْلَقًا دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ.
стр. 2408
وَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَالسَّرَخْسِيُّ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، وَقَالَ: إنَّمَا يَعْنِي بِهِ إذَا حَمَلَ النَّاسُ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَجَبَ قَبُولُ مُرْسَلِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ ابْنُ أَبَانَ بِحَمْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبُولَهُمْ مِنْهُ، لَا عَلَى السَّمَاعِ. قَالَ: وَمَنْ حَمَلَ النَّاسُ عَنْهُ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ، وَلَمْ يَحْمِلُوا عَنْهُ الْمُرْسَلَ، فَمُرْسَلُهُ مَوْقُوفٌ. اهـ.
وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا، لَنَا أَنَّهُ لَوْ قُبِلَ الْحَدِيثُ بِلَا إسْنَادٍ لَفَسَدَ الدِّينُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَوْلَا الْأَسَانِيدُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ؛ وَلِأَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ يُرْسِلُ عَمَّنْ هُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ وَمَجْرُوحٌ عِنْدَ غَيْرِهِ. فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَسْمِ. أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْدِيلَ لِلْحَاكِمِ لَا إلَى غَيْرِهِ. فَكُلُّ الْعَدَالَةِ إنَّمَا هِيَ عَلَى مَا عِنْدَ الْمَرْوِيِّ لَهُ، لَا عَلَى مَا عِنْدَ الرَّاوِي؛ لِأَنَّ مَذَاهِبَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْذَبَ مِنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، مَا الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ إلَّا قَالَ: حَدَّثَنِي، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا أَصْدَقَ مِنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، وَكَانَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الضُّعَفَاءِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ شُهُودِ الْفَرْعِ مِنْ الْمَجَاهِيلِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنُوا أَسَامِيَهُمْ، فَيَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: الشَّهَادَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالِاحْتِيَاطِ؟ قُلْنَا: فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعَدَالَةِ سَوَاءٌ. وَأَمَّا كَلَامُ الْمُحَدِّثِينَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ إذَا كَانَ مُرْسِلُهُ غَيْرَ مُحْتَرِزٍ، يُرْسِلُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ
стр. 2409
قَالَ: وَهَذَا الِاسْمُ وَاقِعٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى حَدِيثِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ مَنْ دُونَ هَؤُلَاءِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ. وَكَذَلِكَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقُ
стр. 2410
بْنُ الْأَجْدَعِ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ الَّذِينَ صَحَّ لَهُمْ لِقَاءُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمُجَالَسَتِهِمْ، وَنَحْوُهُ مُرْسَلُ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ، كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي حَازِمٍ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيّ ﷺ فَيُسَمَّى مُرْسَلًا، كَمُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: حَدِيثُ هَؤُلَاءِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يُسَمَّى مُنْقَطِعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْقَوْا مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِمْ عَنْ التَّابِعِينَ. انْتَهَى.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ فِي بَعْضِهِ مُنَاقَشَةٌ، فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ سَمِعَ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَأَشْهَبِ بْنِ سَعْدٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَسُنَيْنٍ أَبَا جَمِيلَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَزْهَرَ
стр. 2411
وَرَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَمَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ - بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - وَأَبِي الطُّفَيْلِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ - بِضَمِّ الْحَاءِ - وَرَجُلًا مِنْ بَلِيٍّ، - بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ -، وَكُلُّهُمْ صَحَابَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِهِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ، فَأَثْبَتَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَنَفَاهُ الْجُمْهُورُ. وَأَمَّا قَتَادَةُ فَسَمِعَ أَنَسًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْجِسَ، وَأَبَا الطُّفَيْلِ، وَهُمْ صَحَابَةٌ، وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، فَسَمِعَ أَنَسًا، وَالسَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، وَرَبِيعَةَ، وَأَبَا أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. فَلَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ: أَنَّهُمْ لَمْ يَلْقَوْا مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ. وَتَمْثِيلُ أَبِي عَمْرٍو أَوَّلًا بِأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَنَّهُمْ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُتَّجَهُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ كَوْنِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، كَمَا نَقَلْنَاهُ. إلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ، أَوْ خَمْسٌ. وَلِهَذَا مَا أَخْرَجَا حَدِيثَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، إنَّمَا رَوَيَا لَهُ عَنْ أَبِيهِ عَامِرٍ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَعَائِشَةَ، وَرَوَى لَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2412
وَأَبُو أُمَامَةَ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ سَمَّاهُ، وَرَوَى لَهُ النَّسَائِيّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ.
وَكَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَبُو الطُّفَيْلِ وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَبَا أُمَامَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ تَابِعِيِّينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ، وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ، كَمَا تَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءٌ. قَالَ: مَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ الْعَمَلُ الظَّاهِرُ بِالْمَدِينَةِ. وَالثَّانِي: قَالَ: - وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا - مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ أَوْلَى، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ مَنْ أَسْنَدَ لَك، فَقَدْ أَحَالَك عَلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ مَنْ سَمَّاهُ لَك، وَمَنْ أَرْسَلَ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَثِقَتِهِ فَقَدْ قَطَعَ لَك بِصِحَّتِهِ. قَالَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْحُجَّةِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ فَعَلُوا الْأَمْرَيْنِ. قَالَ: وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو الْفَرَجِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ. وَزَعَمَ الطَّبَرِيِّ أَنَّ التَّابِعِينَ بِأَسْرِهِمْ أَجْمَعُوا عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُمْ إنْكَارُهُ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ، كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوَّلَ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ. وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، فَلَا إجْمَاعَ سَابِقٌ، فَفِي مُقَدَّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مُرْسَلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ الثِّقَاتِ الْمُحْتَجِّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ عَنْ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَنَنْظُرُ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَنَأْخُذُ
стр. 2413
عَنْهُمْ، وَإِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا نَأْخُذُ عَنْهُمْ.
وَنَقَلَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ أَنَّ الْمُرْسَلَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَنْ إمَامِ التَّابِعِينَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ يُعْمَلُ بِهِ، وَلَكِنْ دُونَ الْمُسْنَدِ، كَالشُّهُودِ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْعَدَالَةِ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيِّ الْبَصْرِيِّ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، بَلْ هُوَ مَرْدُودٌ، وَنَقَلَهُ عَنْ سَائِرِ أَهْلِ الْفِقْهِ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي كُلِّ الْأَمْصَارِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثُمَّ إنِّي تَأَمَّلْت كُتُبَ الْمُنَاظِرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ. فَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْهُمْ مَنْ خَصَمَهُ إذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِمُرْسَلٍ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ خَبَرًا مَقْطُوعًا، وَكُلُّهُمْ عِنْدَ تَحْصِيلِ الْمُنَاظَرَةِ يُطَالِبُ خَصْمَهُ بِالِاتِّصَالِ فِي الْأَخْبَارِ. قَالَ: وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ التَّنَازُعَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ، وَبَيْنَ مَنْ يَقْبَلُهُ. فَإِنْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقْبَلُهُ عَلَى مَنْ لَا يَقْبَلُهُ يَقُولُ لَهُ: فَأْتِ بِحُجَّةٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ عَلَى مَنْ يَقْبَلُهُ، قَالَ لَهُ كَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَيَّ بِمَا لَيْسَ حُجَّةً عِنْدَك؟ وَنَحْوُ هَذَا، وَلَمْ نُشَاهِدْ نَحْنُ مُنَاظَرَةً بَيْنَ مَالِكِيٍّ يَقْبَلُهُ، وَبَيْنَ حَنَفِيٍّ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَهُ. وَيَلْزَمُ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِمَا فِي ذَلِكَ قَبُولُ كُلِّ وَاحِدٍ خَبَرَ صَاحِبِهِ الْمُرْسَلَ إذَا أَرْسَلَهُ ثِقَةٌ عَدْلٌ مَا لَمْ يَعْتَرِضْهُ مِنْ الْأُصُولِ مَا يَدْفَعُهُ. قَالَ: وَأَمَّا الْإِرْسَالُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْأَخْذِ مِنْ الضُّعَفَاءِ وَالْمُسَامَحَةِ فِي ذَلِكَ،
стр. 2414
فَلَا يَحْتَجُّ بِهِ، تَابِعِيًّا كَانَ أَوْ مَنْ دُونَهُ وَكُلُّ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَتَدْلِيسُهُ وَمُرْسَلُهُ مَقْبُولٌ. اهـ.
قُلْت: وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ نَعْلَمْ هَلْ يَأْخُذُ عَنْ ثِقَةٍ أَوْ لَا؟ تَوَقَّفْنَا فِيهِ، وَلَا نَقْبَلُهُ لِلْجَهْلِ بِحَالِ شَيْخِهِ. فَمَرَاسِيلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، عِنْدَهُمْ صِحَاحٌ، وَقَالُوا: مَرَاسِيلُ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، لَا يُحْتَجُّ بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَكَذَا مَرَاسِيلُ أَبِي قِلَابَةَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ. هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ إرْسَالَ الْحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ بِتَدْلِيسٍ هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ، أَوْ لَمْ يَلْقَهُ، كَرِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ التَّابِعِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَثَابَتِهِ فِي غَيْرِ التَّابِعِينَ، كَمَالِكٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَذَا حُكْمُ مَنْ أَرْسَلَ حَدِيثًا عَنْ شَيْخٍ لَقِيَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ الْحَدِيثَ مِنْهُ، وَسَمِعَ مَا عَدَاهُ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مَقْبُولٌ، إذَا كَانَ الْمُرْسِلُ ثِقَةً عَدْلًا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ مِنْ نُقَّادِ الْأَثَرِ.
стр. 2415
[مُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ]
ِّ] وَاخْتَلَفَ مُسْقِطُو الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ خَبَرًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ، كَقَوْلِ أَنَسٍ: ذُكِرَ لِي أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» الْحَدِيثَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ لَا لِلشَّكِّ فِي عَدَالَتِهِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْوِي الرَّاوِي عَنْ تَابِعِيٍّ، وَعَنْ أَعْرَابِيٍّ لَا يَعْرِفُ صُحْبَتَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَا أَرْوِي لَكُمْ إلَّا مِنْ سَمَاعِي أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ، وَجَبَ عَلَيْنَا قَبُولُ مُرْسَلِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ جَمِيعِهِمْ عُدُولًا، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا أَرْسَلُوهُ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَمَّا مَا رَوَوْهُ عَنْ التَّابِعِينَ، فَقَدْ بَيَّنُوهُ، وَهُوَ أَيْضًا قَلِيلٌ نَادِرٌ، لَا اعْتِبَارَ بِهِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ. قَالَ: وَمَنْ قَبِلَ الْمُرْسَلَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ مَا أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابِيِّ، وَإِنَّمَا يُرَدُّ مَنْ بَعْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْمَلُ بِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ قَصُرَ عَنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ جَمِيعِ التَّابِعِينَ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ مَنْ عُرِفَ فِيهِ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ، دُونَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ ذَلِكَ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ سُقُوطُ فَرْضِ اللَّهِ بِالْمُرْسَلِ؛ لِجَهَالَةِ رُوَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ الْخَبَرِ إلَّا مِمَّنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْسِلُ: حَدَّثَنِي الْعَدْلُ الثِّقَةُ عِنْدِي بِكَذَا، لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَذْكُرُوا اسْمَهُ. اهـ.
стр. 2416
[الْمَذَاهِبُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُرْسَلِ]
ِ] وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي الْمُرْسَلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: أَحَدُهَا: عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ مُرْسَلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُطْلَقًا، وَقَبُولُ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ كَذَا قُبِلَ، إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ. وَالثَّانِي: قَبُولُهُ مِنْ الْعَدْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ حَكَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي " شَرْحِ الْعُدَّةِ "، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَأَمَّا مَرَاسِيلُ التَّابِعِينَ، فَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُ. وَالرَّابِعُ: لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَحُكِيَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَرْهَانٍ فَقَالَ فِي " كِتَابِ الْأَوْسَطِ ": إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " تَصْرِيحًا عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَالْخَامِسُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَالسَّادِسُ: لَا تُقْبَلُ إلَّا إنْ اُعْتُضِدَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ بِأَنْ يُرْسِلَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ، أَوْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ يُرْسِلُهُ، أَوْ يُرْسِلَهُ رَاوٍ آخَرُ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ شُيُوخِ
стр. 2417
الْأَوَّلِ، أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ فِعْلُهُ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ الْقِيَاسُ، أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، فَهُوَ حُجَّةٌ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ.
السَّابِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ صَغُرَ عَنْهُمْ. وَالثَّامِنُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ وَالتَّابِعِيَّ إذَا عُرِفَ بِصَرِيحِ خَبَرِهِ، أَوْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ قُبِلَ مُرْسَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَبُولِ رَدِّ الْمُرْسَلِ. وَالتَّاسِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ. وَالْعَاشِرُ: يُقْبَلُ مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: مِنْ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِهِ يُقَدَّمُ مَا أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي دَرَجَتِهِمْ. حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. وَالثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الثِّقَاتِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدَاتِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُرْسَلُ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ مُسْنَدِهِ. وَالثَّالِثَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُرْسَلُ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدِ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لِلْمُسْنَدِ مَزِيَّةُ فَضْلٍ لِوَضْعِ الِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ، فَيَقْبَلُ مَرَاسِيلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ دُونَ بَعْضٍ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ.
стр. 2418
السَّادِسَ عَشَرَ: مِنْ الْمُنْكَرِينَ لِلْمُرْسَلِ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ الصَّحَابَةِ. السَّابِعَ عَشَرَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَخْتَارُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُرْسَلَاتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . الثَّامِنَ عَشَرَ: لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يُعَضِّدَهُ إجْمَاعٌ فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْنَدِ. قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ ". هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ، وَفِي بَعْضِهَا تَدَاخُلٌ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لَا يُقْبَلُ إرْسَالُهُ، فَإِنْ كَانَ ثِقَةً، وَعُرِفَ أَنَّهُ يَأْخُذُ عَنْ الضُّعَفَاءِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِمَا أَرْسَلَهُ سَوَاءٌ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، حَتَّى يُصَرِّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَمُرْسَلُهُ وَتَدْلِيسُهُ، هَلْ يُقْبَلُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ - وَهُوَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ - تَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ مِنْهُمْ: الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُ الْحَدِيثَ عَمَّنْ لَا يَوْثُقُ بِرِوَايَتِهِ، لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَنْهُ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَنْ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِيُعْلَمَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُرْسِلُ ثِقَةً مُتَحَرِّزًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُ عَنْ غَيْرِ الْعُدُولِ قَالَ: وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْقَوْلُ بِالْمُرْسَلِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَبِلَا التَّعْدِيلَ بِالْمُطْلَقِ، وَالْمُرْسِلُ إذَا عُلِمَ
стр. 2419
مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَيَرْتَفِعُ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فَقَالَ: إذَا تَبَيَّنَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ تَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ عَلَى تَعْدِيلِهِ صَارَ حُجَّةً، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُوجِبُ التَّقْلِيدَ، وَلَا يُنْكِرُ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ فِي التَّعْدِيلِ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ غَيْرَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ قَبُولُهُ. وَإِنَّمَا قَالَ الْأَصْحَابُ: مَذْهَبُهُ وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَمَذْهَبُهُ فِي التَّعْدِيلِ مَذْهَبُهُمْ. اهـ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ، فَأَمَّا مَرَاسِيلُ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِشُرُوطٍ. ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا مَرَاسِيلُ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، فَكَانَ الْكَرْخِيّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَرَاسِيلِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقُولُ: مَنْ اُشْتُهِرَ فِي النَّاسِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسِلًا وَمُسْنِدًا، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَأَمْثَالَهُ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ يَحْمِلُ النَّاسُ الْعِلْمَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ مُسْنَدَهُ يَكُونُ حُجَّةً، وَمُرْسَلُهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى مَنْ اُشْتُهِرَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: وَأَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ فِي هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: أَنَّ مُرْسَلَ مَنْ كَانَ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ (لَيْسَ) حُجَّةً، إلَّا مَنْ اُشْتُهِرَ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْمُرْسِلُ عَدْلًا يَقِظًا، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ، فَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ، وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ تَقْتَضِي مَنْعَ الْقَوْلِ بِهِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
стр. 2420
فَصْلٌ [تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ] وَأَمَّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ النَّقْلَ قَدْ اضْطَرَبَ عَنْهُ، فَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِالْمَرَاسِيلِ إلَّا عِنْدَ شَرِيطَةِ أَنْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ يَعْمَلَ بِهِ صَاحِبُهُ، أَوْ الْعَامَّةُ، أَوْ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ، وَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمُرْسَلَ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ يَتَطَلَّبُ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، لِيَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي الثِّقَةِ، وَاسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ فِي قَبُولِ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَاسْتِحْسَانِهِ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَرَأَى أَنَّ الرَّاوِيَ الْمَوْثُوقَ بِهِ، الْعَالِمَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَأَرْضَاهُ، يُوجِبُ الثِّقَةَ بِحَدِيثِهِ، وَإِنْ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، تَوَقَّفَ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْإِمَامُ الرَّاوِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَهَذَا بَالِغٌ فِي ثِقَةِ مَنْ رَوَى لَهُ. قَالَ: وَقَدْ عَثَرْت فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا الْمُرْسَلَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالتَّعْدِيلِ عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ، فَكَانَ إضْرَابُهُ عَنْ الْمُرْسَلِ فِي حُكْمِ تَقْدِيمِ الْمَسَانِيدِ عَلَيْهَا. اهـ. وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ، وَهُوَ شَيْءٌ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا. وَقَدْ تَنَاهَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا عِنْدِي خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ عَلَى أَصْلِهِ لَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ حُجَّةً مَعَهُ بِحَالٍ. قَالَ: وَأَنَا لَا أَعْجَبُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ إنْ كَانَ يَنْصُرُ الْقَوْلَ بِالْمُرْسَلِ
следующие страницы →