Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
[الْمَذَاهِبُ فِي قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُرْسَلِ]
ِ] وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي الْمُرْسَلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: أَحَدُهَا: عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ مُرْسَلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُطْلَقًا، وَقَبُولُ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ كَذَا قُبِلَ، إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ. وَالثَّانِي: قَبُولُهُ مِنْ الْعَدْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ حَكَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي " شَرْحِ الْعُدَّةِ "، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَأَمَّا مَرَاسِيلُ التَّابِعِينَ، فَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُ. وَالرَّابِعُ: لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَحُكِيَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ بَرْهَانٍ فَقَالَ فِي " كِتَابِ الْأَوْسَطِ ": إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي " شَرْحِ الْبُخَارِيِّ " تَصْرِيحًا عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَالْخَامِسُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَئِمَّةُ النَّقْلِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَالسَّادِسُ: لَا تُقْبَلُ إلَّا إنْ اُعْتُضِدَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ بِأَنْ يُرْسِلَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ، أَوْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ يُرْسِلُهُ، أَوْ يُرْسِلَهُ رَاوٍ آخَرُ يَرْوِي عَنْ غَيْرِ شُيُوخِ
стр. 2417
الْأَوَّلِ، أَوْ عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ فِعْلُهُ، أَوْ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ الْقِيَاسُ، أَوْ عُرِفَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي عَنْ غَيْرِ عَدْلٍ، فَهُوَ حُجَّةٌ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ.
السَّابِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ مَنْ صَغُرَ عَنْهُمْ. وَالثَّامِنُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ وَالتَّابِعِيَّ إذَا عُرِفَ بِصَرِيحِ خَبَرِهِ، أَوْ عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ قُبِلَ مُرْسَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَبُولِ رَدِّ الْمُرْسَلِ. وَالتَّاسِعُ: تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ مَنْ عُرِفَ مِنْهُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِذَلِكَ. وَالْعَاشِرُ: يُقْبَلُ مُرْسَلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: مِنْ الْقَائِلِينَ بِقَبُولِهِ يُقَدَّمُ مَا أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَنْ لَيْسَ فِي دَرَجَتِهِمْ. حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. وَالثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الثِّقَاتِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدَاتِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُرْسَلُ الْإِمَامِ أَوْلَى مِنْ مُسْنَدِهِ. وَالثَّالِثَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُرْسَلُ أَوْلَى مِنْ الْمُسْنَدِ، بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لِلْمُسْنَدِ مَزِيَّةُ فَضْلٍ لِوَضْعِ الِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْسَلُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ. الْخَامِسَ عَشَرَ: مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ، فَيَقْبَلُ مَرَاسِيلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ دُونَ بَعْضٍ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ.
стр. 2418
السَّادِسَ عَشَرَ: مِنْ الْمُنْكَرِينَ لِلْمُرْسَلِ مَنْ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ الصَّحَابَةِ. السَّابِعَ عَشَرَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَخْتَارُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الصَّحَابَةِ عَلَى الْمُرْسَلَاتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . الثَّامِنَ عَشَرَ: لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يُعَضِّدَهُ إجْمَاعٌ فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْمُسْنَدِ. قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ ". هَذَا حَاصِلُ مَا قِيلَ، وَفِي بَعْضِهَا تَدَاخُلٌ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لَا يُقْبَلُ إرْسَالُهُ، فَإِنْ كَانَ ثِقَةً، وَعُرِفَ أَنَّهُ يَأْخُذُ عَنْ الضُّعَفَاءِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِمَا أَرْسَلَهُ سَوَاءٌ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا مَنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، حَتَّى يُصَرِّحَ بِالتَّحْدِيثِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَمُرْسَلُهُ وَتَدْلِيسُهُ، هَلْ يُقْبَلُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ - وَهُوَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ - تَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ مِنْهُمْ: الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ. وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُ الْحَدِيثَ عَمَّنْ لَا يَوْثُقُ بِرِوَايَتِهِ، لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَنْهُ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَنْ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ الثِّقَاتِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لِيُعْلَمَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُرْسِلُ ثِقَةً مُتَحَرِّزًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُ عَنْ غَيْرِ الْعُدُولِ قَالَ: وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّ، وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْقَوْلُ بِالْمُرْسَلِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَبِلَا التَّعْدِيلَ بِالْمُطْلَقِ، وَالْمُرْسِلُ إذَا عُلِمَ
стр. 2419
مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ عَدْلٍ قُبِلَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَيَرْتَفِعُ النِّزَاعُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فَقَالَ: إذَا تَبَيَّنَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ تَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ عَلَى تَعْدِيلِهِ صَارَ حُجَّةً، وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُوجِبُ التَّقْلِيدَ، وَلَا يُنْكِرُ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ فِي التَّعْدِيلِ، وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ غَيْرَ أَهْلِ مَذْهَبِهِ قَبُولُهُ. وَإِنَّمَا قَالَ الْأَصْحَابُ: مَذْهَبُهُ وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَمَذْهَبُهُ فِي التَّعْدِيلِ مَذْهَبُهُمْ. اهـ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ، فَأَمَّا مَرَاسِيلُ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِشُرُوطٍ. ثُمَّ قَالَ: فَأَمَّا مَرَاسِيلُ مَنْ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، فَكَانَ الْكَرْخِيّ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَرَاسِيلِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ يَقُولُ: مَنْ اُشْتُهِرَ فِي النَّاسِ بِحَمْلِ الْعِلْمِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسِلًا وَمُسْنِدًا، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَأَمْثَالَهُ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ يَحْمِلُ النَّاسُ الْعِلْمَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، فَإِنَّ مُسْنَدَهُ يَكُونُ حُجَّةً، وَمُرْسَلُهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى مَنْ اُشْتُهِرَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: وَأَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ فِي هَذَا مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: أَنَّ مُرْسَلَ مَنْ كَانَ مِنْ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ (لَيْسَ) حُجَّةً، إلَّا مَنْ اُشْتُهِرَ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْمُرْسِلُ عَدْلًا يَقِظًا، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو الْفَرَجِ، فَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ، وَالشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْمَنْعِ، فَإِنَّ كُتُبَهُمْ تَقْتَضِي مَنْعَ الْقَوْلِ بِهِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
стр. 2420
فَصْلٌ [تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ] وَأَمَّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ النَّقْلَ قَدْ اضْطَرَبَ عَنْهُ، فَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِالْمَرَاسِيلِ إلَّا عِنْدَ شَرِيطَةِ أَنْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ، أَوْ يَعْمَلَ بِهِ صَاحِبُهُ، أَوْ الْعَامَّةُ، أَوْ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ، وَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمُرْسَلَ مُطْلَقًا، وَلَكِنْ يَتَطَلَّبُ فِيهِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، لِيَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي الثِّقَةِ، وَاسْتُنْبِطَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ فِي قَبُولِ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَاسْتِحْسَانِهِ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَرَأَى أَنَّ الرَّاوِيَ الْمَوْثُوقَ بِهِ، الْعَالِمَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ وَأَرْضَاهُ، يُوجِبُ الثِّقَةَ بِحَدِيثِهِ، وَإِنْ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، تَوَقَّفَ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْإِمَامُ الرَّاوِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَهَذَا بَالِغٌ فِي ثِقَةِ مَنْ رَوَى لَهُ. قَالَ: وَقَدْ عَثَرْت فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ إلَّا الْمُرْسَلَ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالتَّعْدِيلِ عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ، فَكَانَ إضْرَابُهُ عَنْ الْمُرْسَلِ فِي حُكْمِ تَقْدِيمِ الْمَسَانِيدِ عَلَيْهَا. اهـ. وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ، وَهُوَ شَيْءٌ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا. وَقَدْ تَنَاهَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ. وَقَالَ: هَذَا عِنْدِي خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ عَلَى أَصْلِهِ لَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ حُجَّةً مَعَهُ بِحَالٍ. قَالَ: وَأَنَا لَا أَعْجَبُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ إنْ كَانَ يَنْصُرُ الْقَوْلَ بِالْمُرْسَلِ
стр. 2421
فَإِنَّهُ كَانَ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ. اهـ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ ": الْمُرْسَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِخَبَرِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ الصَّحَابَةِ. وَقِيلَ: إنَّ الْمُسْنَدَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ عَمَّا أَسْنَدَهُ غَيْرُهُ. قَالَ: وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا. وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيَّ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَيْسَ الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ، مَا عَدَا مُنْقَطِعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَعْنِي مَا عَدَا مُنْقَطِعَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ بِهِ. اهـ. فَلَمْ يَحْمِلْ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِمُرْسَلِ سَعِيدٍ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَبِرُ بِهِ خَاصَّةً. وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَصْفَى " أَنَّ الْمُرْسَلَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي. قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
وَقَالَ فِي الْمَنْخُولِ " الْمَرَاسِيلُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْمُرْسَلَ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ ثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ " أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ بِنَقْلٍ عَنْهُ وَيَعْتَقِدُهُ، فَيَعْتَمِدُ مَذْهَبَهُ، وَعَنْ هَذَا قَبِلَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْإِمَامَ الْعَدْلَ إذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ قُبِلَ، فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَوَسَّعُونَ فِي كَلَامِهِمْ، فَقَدْ يَقُولُونَهُ لَا عَنْ ثَبْتٍ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ.
стр. 2422
وَمَنْ قَبِلَ هَذَا قَالَ: هَذَا مَقْبُولٌ مِنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، فَلَا يُقْبَلُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، وَقَدْ كَثُرَتْ الرِّوَايَةُ، وَطَالَ الْبَحْثُ، وَاتَّسَعَتْ الطُّرُقُ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ اسْمِ الرَّجُلِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، إلَّا فِي هَذَا الْأَخِيرِ، فَإِنَّا لَوْ صَادَفْنَا فِي زَمَانِنَا مُتْقِنًا فِي نَقْلِ الْأَحَادِيثِ مِثْلَ مَالِكٍ قَبِلْنَا قَوْلَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْأَعْصَارِ. اهـ.
وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي غَرِيبٌ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ " لَهُ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ مُطْلَقًا، حَتَّى مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ، لَا لِأَجْلِ الشَّكِّ فِي عَدَالَتِهِمْ، وَلَكِنْ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ قَدْ يَرْوُونَ عَنْ تَابِعِيٍّ، إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُرْسَلِهِ، وَنُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّ الْمَرَاسِيلَ، وَقَالَ بِهَا بِشُرُوطٍ أُخَرَ. وَقَالَ فِي آخِرِ الشُّرُوطِ: فَاسْتُحِبَّ قَبُولُهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، قَالَ: وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ بِهَا ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ، فَنَصَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبُولَهَا عِنْدَ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. هَذَا لَفْظُهُ.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: قَبِلَ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ دُونَ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إذَا تَبَيَّنَ مِنْ حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ تَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ عَلَى تَعْدِيلِهِ، صَارَ حُجَّةً. قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: أَقْبَلُ مِنْ الْمَرَاسِيلِ مَا أَرْسَلَهُ كُلُّ مُعْتَبَرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا قُلْنَاهُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ ": مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَرَاسِيلَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا إلَّا مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَمَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ، وَمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ": مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرْسَلَ بِنَفْسِهِ
стр. 2423
لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَا سَنُبَيِّنُ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا رَدَّ الْمُرْسَلَ، لِدُخُولِ التُّهْمَةِ فِيهِ. فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يُزِيلُ التُّهْمَةَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَافِقَ مُرْسَلُهُ مُسْنَدَ غَيْرِهِ، أَوْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أَوْ انْتَشَرَ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ نَكِيرٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَذَلِكَ إذَا اُشْتُرِطَ فِي إرْسَالِهِ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ، فَيَقْوَى بِهِ حَالُ الْمُرْسَلِ، أَوْ يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَجَّحَ إنَّمَا هُوَ فِي مُسْنَدٍ آخَرَ، أَوْ تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ، أَوْ اشْتِهَارِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ الْمُرْسَلِ. انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ ": حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ خَصَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا، قَبِلَتْ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ. اهـ. وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " فَإِنَّهُ يُعْرَفُ مِنْهُ مَذْهَبُهُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ ": أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَعْنِي فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ ": الْمُنْقَطِعُ يَخْتَلِفُ، فَمَنْ شَاهَدَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَوَى حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اُعْتُبِرَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: مِنْهَا: أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا أَرْسَلَهُ مِنْ الْحَدِيثِ، فَإِنْ شَرَكَهُ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ فَأَسْنَدُوهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رَوَى، كَانَتْ هَذِهِ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى صِحَّةِ مَنْ قَبِلَ عَنْهُ، وَحَفِظَهُ، وَإِنْ انْفَرَدَ بِهِ مُرْسَلًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ مَنْ يُسْنِدُ قُبِلَ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَيُعْتَبَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُنْظَرَ هَلْ يُوَافِقُهُ مُرْسَلٌ آخَرُ، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَوِيَ، وَهِيَ أَضْعَفُ مِنْ الْأُولَى.
стр. 2424
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ نَظَرَ إلَى بَعْضِ مَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا لَهُ، فَإِنْ وَجَدْنَا مَا يُوَافِقُ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ شَاهِدَةَ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مُرْسَلَهُ إلَّا عَنْ أَصْلٍ يَصِحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ عَوَامُّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُفْتُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رُوِيَ لَمْ يُعْتَبَرْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ إذَا سَمَّى مَنْ رَوَى عَنْهُ لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا وَاهِيًا، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ، وَيَكُونُ إذَا شَرَكَ أَحَدًا مِنْ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثِهِ لَمْ يُخَالِفْهُ، وَوُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ كَانَتْ فِي هَذِهِ دَلَائِلُ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ. وَمَتَى خَالَفَ مَا وَصَفْت أَضَرَّ بِحَدِيثِهِ، حَتَّى لَا يَسَعَ أَحَدًا قَبُولُ مُرْسَلِهِ.
قَالَ: وَإِذَا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وُصِفَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَقْبَلَ مُرْسَلَهُ، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ مَغِيبٌ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ عَمَّنْ يُرْغَبُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ إذَا سُمِّيَ، وَأَنَّ بَعْضَ الْمُنْقَطِعَاتِ، وَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ مِثْلُهُ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخَرِّجُهُمَا وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ لَوْ سُمِّيَ لَمْ يُقْبَلْ، وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إذَا قَالَ بِرَأْيِهِ لَوْ وَافَقَهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ دَلَالَةً قَوِيَّةً إذَا نَظَرَ فِيهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا غَلَطَ بِهِ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِمُوَافِقِهِ.
قَالَ: فَأَمَّا مِنْ بَعْدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ فَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا يَقْبَلُ مُرْسَلَهُ، لِأُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَشَدُّ تَجَوُّزًا مِمَّنْ يَرْوُونَ عَنْهُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجَدْ عَلَيْهِمْ الدَّلَائِلُ فِيمَا أَرْسَلُوا لِضَعْفِ مُخَرِّجِهِ، وَالْآخَرُ كَثْرَةُ الْإِحَالَةِ فِي الْأَخْبَارِ، وَإِذَا كَثُرَتْ الْإِحَالَةُ كَانَ أَمْكَنَ لِلْوَهْمِ وَضَعْفِ مَنْ يُقْبَلُ عَنْهُ. انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ ﵁ أُمُورًا:
стр. 2425
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرْسَلَ إذَا أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْمُرْسَلِ، وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ اشْتِرَاطُ صِحَّةِ ذَلِكَ الْمُسْنَدِ. الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْنَدْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نُظِرَ، هَلْ يُوَافِقُهُ مُرْسَلٌ آخَرُ، فَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ آخَرُ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُ يَكُونُ أَنْقَصَ دَرَجَةً مِنْ الْمُرْسَلِ الَّذِي أُسْنِدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَإِنْ قِيلَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: إنْ كَانَ الْوَجْهُ الْآخَرُ إسْنَادًا، فَالْعَمَلُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَإِنْ كَانَ إرْسَالًا فَضَمُّ غَيْرِ مَقْبُولٍ إلَى غَيْرِ مَقْبُولٍ، كَانْضِمَامِ الْمَاءِ النَّجِسِ إلَى مِثْلِهِ، وَشَهَادَةِ الْفَاسِقِ مَعَ مِثْلِهِ، لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ وَالْقَبُولَ، وَهَذَا اعْتَرَضَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَتَبِعُوهُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُسْنَدِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ بِالْمُسْنَدِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ إسْنَادِ الْإِرْسَالِ، حَتَّى تَحْكُمَ لَهُ مَعَ إرْسَالِهِ بِأَنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَأَيْضًا لَوْ عَارَضَ الْمُسْنَدَ الَّذِي دُونَ الْمُرْسَلِ مُسْنَدٌ آخَرُ يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ الْمُرْسَلِ، إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَأَيْضًا فَالِاحْتِجَاجُ بِالْمُسْنَدِ إنَّمَا يَنْتَهِضُ إذَا كَانَ بِنَفْسِهِ حُجَّةً، وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ هُنَا بِالْمُسْنَدِ مَا لَا يَنْتَهِضُ بِنَفْسِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ، وَإِذَا ضُمَّ إلَى الْمُرْسَلِ قَامَ بِهِ الْمُرْسَلُ، وَصَارَ حُجَّةً، وَهَذَا لَيْسَ عَمَلًا بِالْمُسْنَدِ، بَلْ بِالْمُرْسَلِ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عَنْهُ، وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ قَبُولِهِ إذَا كَانَ الْقَوِيُّ مُرْسَلًا، لِجَوَازِ تَأْكِيدِ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ بِالْآخَرِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوَافِقْهُ مُرْسَلٌ آخَرُ لَمْ يُسْنَدْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَلَكِنَّهُ وُجِدَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَوْلٌ لَهُ يُوَافِقُ هَذَا الْمُرْسَلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَلَا يُطْرَحُ، وَلَا يُرَدُّ اعْتِرَاضُ الْقَاضِي بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، لِأَنَّ مُرَادَهُ التَّقْوِيَةُ بِهِ، لَا الِاسْتِقْلَالُ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا وُجِدَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِمَا يُوَافِقُ هَذَا الْمُرْسَلَ،
стр. 2426
دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ الْأُمَّةَ فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَالْحُجَّةُ حِينَئِذٍ فِيهِ لَا فِي الْمُرْسَلِ، وَإِنْ أَرَادَ بَعْضَ الْأُمَّةِ فَقَوْلُهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ الثَّانِيَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى عِنْدَهُ، وَكَذَا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ، وَإِذَا قَوِيَ الظَّنُّ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ، فَمُجَرَّدُهُ ضَعِيفٌ، وَكَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحَالَةُ الِاجْتِمَاعِ قَدْ يَقُومُ مِنْهَا ظَنٌّ غَالِبٌ، وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ ضَعِيفَيْنِ اجْتَمَعَا. الْخَامِسُ: أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي حَالِ الْمُرْسَلِ، فَإِنْ كَانَ إذَا سَمَّى شَيْخَهُ سَمَّى ثِقَةً لَمْ يُحْتَجَّ بِمُرْسَلِهِ، وَإِنْ كَانَ إذَا سَمَّى لَمْ يُسَمِّ إلَّا ثِقَةً، وَلَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا وَاهِيًا، كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْمُرْسَلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ، لَكِنَّهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ.
السَّادِسُ: أَنْ يَنْظُرَ إلَى هَذَا الْمُرْسَلِ لَهُ، فَإِنْ كَانَ إذَا أَشْرَكَ غَيْرَهُ مِنْ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثٍ وَافَقَهُ فِيهِ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ، دَلَّ عَلَى حِفْظِهِ، وَإِنْ خَالَفَهُ وَوُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ إمَّا فِي الْإِسْنَادِ أَوْ الْمَتْنِ، كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ، وَأَنَّ لَهُ أَصْلًا، فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى حِفْظِهِ وَتَحَرِّيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مُخَالَفَتُهُ بِزِيَادَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ وَالِاعْتِبَارَ، وَهَذَا دَلِيلٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ (﵁) عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً مُطْلَقًا كَمَا يَظُنُّ جَمَاعَةٌ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ هَذَا الْمُخَالِفِ أَنْقَصَ مِنْ حَدِيثِ مَنْ خَالَفَهُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْمُخَالِفَ بِالزِّيَادَةِ، وَجَعَلَ نُقْصَانَ هَذَا الرَّاوِي مِنْ الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ مَا وُصِفَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِحَدِيثِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ عِنْدَهُ مَقْبُولَةً مُطْلَقًا، لَمْ تَكُنْ مُخَالَفَتُهُ بِالزِّيَادَةِ مُضِرًّا بِحَدِيثِهِ. السَّابِعُ: هَذَا الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ عِنْدَهُ بِمُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَزَعَمَ
стр. 2427
بَعْضُ الْأَصْحَابِ اخْتِصَاصَهُ بِسَعِيدٍ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْأُمِّ " فِي كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ قَبِلْتُمْ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُنْقَطِعًا، وَلَمْ تَقْبَلُوهُ عَنْ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا: لَا نَحْفَظُ لِسَعِيدٍ مُنْقَطِعًا إلَّا وَجَدْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْدِيدِهِ، وَلَا يَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ فِيمَا عَرَفْنَاهُ عَنْهُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ مَعْرُوفٍ. انْتَهَى. وَهَذَا الْقَائِلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: فَمَنْ كَانَ مِثْلَ حَالِهِ قَبِلْنَا مُنْقَطِعَهُ.
وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ كِبَارِ التَّابِعِينَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا مَا يُؤَكِّدُهَا، وَمِمَّنْ وَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَلَى مُرْسَلِ سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. فَقَالَا: أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مُرْسَلُ سَعِيدٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ. فَقِيلَ: إنَّ مَرَاسِيلَ التَّابِعِينَ كُلِّهِمْ حُجَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ نَصَّ عَلَى مُرْسِلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: مُرْسَلُ سَعِيدٍ حَسَنٌ، فَقِيلَ حَسَنٌ فِي التَّرْجِيحِ بِهِ، لَا فِي الِاسْتِدْلَالِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقِيلَ: إنَّمَا قَبِلَهَا؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيدَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمَّا رَوَى حَدِيثَهُ الْمُرْسَلَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. قَالَ: وَإِرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ، وَجَعَلَ الْخَبَرَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ مَرَاسِيلَهُ مُتَّبَعَةٌ، فَوُجِدَتْ كُلُّهَا عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ.
وَرَدَّ الْخَطِيبُ هَذَا بِأَنَّ مِنْهَا مَا لَمْ يُوجَدْ مُسْنَدًا بِحَالٍ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي الْجَدِيدِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ فِي الرَّدِّ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ فِي الْقَدِيمِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَكَذَا نَقَلَ التَّسْوِيَةَ عَنْ الْجَدِيدِ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِ الرُّويَانِيِّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ مِنْ الْأُمِّ " زَعَمَ أَنَّ
стр. 2428
مُرْسَلَ سَعِيدٍ حُجَّةٌ فَقَطْ، وَيَشْهَدُ لَهُ عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ " أَنَّهُ حَسَنٌ، لَكِنْ أَشَارَ ابْنُ الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ الصَّغِيرَ مِنْ الْقَدِيمِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ كُتُبِ الْأُمِّ "، قَالَ: وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْمَاوَرْدِيُّ قَبُولَ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إلَى الْقَدِيمِ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كِتَابِ الرِّبَا فِي تَعْلِيقِهِ: اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَكَانَ فِي الْقَدِيمِ يَقُولُ بِهِ، وَفِي الْجَدِيدِ يُحَسِّنُهُ وَيُقَوِّي بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأُصُولُ، وَإِنَّمَا قَالَ بِهِ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ مَرَاسِيلِهِ إذَا تُتُبِّعَ وُجِدَ مُتَّصِلًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ: لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: إنَّ إرْسَالَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ كَشَفَ عَنْ حَدِيثِهِ، فَوَجَدَهُ مُتَّصِلًا، فَاكْتَفَى عَنْ طَلَبِ كُلِّ حَدِيثٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ، وَيَتَقَوَّى بِهِ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ لَا مَحَالَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَى آخِرِهِ، فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُ فِي الْجَدِيدِ فِي رَدِّهِ مُطْلَقًا، وَأَنَّهُ فِي الْقَدِيمِ اسْتَثْنَى سَعِيدًا وَفِيهِ مَا سَبَقَ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا مُرْسَلُ سَعِيدٍ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِهِ فِي كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ تَخْصِيصَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ مَنْ مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ ظَهَرَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ حَدِيثًا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الْمُتَّصِلِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِثْلُ هَذَا فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ عُرِفَ هَذَا فِي مُرْسَلِ غَيْرِهِ كَمُرْسَلِ عَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَالنَّخَعِيِّ، وَمَكْحُولٍ، كَانَ الْكَلَامُ فِيهِمْ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْخَفَّافَ فِي كِتَابِ الْخِصَالِ ": لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْمُرْسَلِ عِنْدَنَا إلَّا فِي صُورَتَيْنِ:
стр. 2429
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَرْوِيَ الصَّحَابِيُّ عَنْ صَحَابِيٍّ، وَلَا يُسَمِّيهِ، فَذَلِكَ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ. وَالثَّانِي: التَّابِعِيُّ إذَا أَرْسَلَ وَسَمَّى، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا أَنْ لَا يَرْوِيَ إلَّا عَنْ صَحَابِيٍّ مِثْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَإِرْسَالُهُ وَإِسْنَادُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. انْتَهَى.
وَهَذَا مَعْنًى آخَرُ فِي قَبُولِ مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ ": مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ يُغْنِي، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَبَدًا، وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي جَعَلَهُ، أَرَادَ بِهِ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: الْمُرْسَلُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَإِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ، مِنْهَا بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَنَا: " إرْسَالُهُ حَسَنٌ "، أَنَّهُ تَتَبَّعَ أَخْبَارَهُ كُلَّهَا، فَوَجَدَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا مُتَّصِلَةً، فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ تَطَلُّبِ كُلِّ حَدِيثٍ بَعْدَ مُرَادِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَخْصِيصَهُ عَنْ سَائِرِ الْمَرَاسِيلِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ: قَدْ كَانَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ يَسْتَحْسِنُ إرْسَالَ سَعِيدٍ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَى أَنَّ عَامَّةَ مَرَاسِيلِهِ إذَا انْعَقَدَتْ وُجِدَ لَهَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمَوْصُولَةِ أَصْلٌ، وَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الضُّعَفَاءِ أَرْسَلَ عَنْهُ، وَلَا رَوَى عَنْهُ، بَلْ جُمْلَةُ رِوَايَاتِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالثِّقَاتِ، مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ " أَنَّ الْحَدِيثَ يُعْتَبَرُ بِأُمُورٍ: مِنْهَا: أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا أَرْسَلَ فَإِنْ شَرَكَهُ فِيهِ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ، فَأَسْنَدَ
стр. 2430
قَوْلَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ مَعْنَى مَا رَوَى كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يُسْنِدُ. وَمِنْهَا: مَا يُؤْخَذُ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ وَمَا يُوَافِقُ الْخَبَرَ الْمُرْسَلَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ إذَا سَمَّى مَنْ رَوَى عَنْهُ، لَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا، وَلَا مَرْغُوبًا عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ إذَا أَشْرَكَ أَحَدًا مِنْ الْحُفَّاظِ فِي حَدِيثِهِ لَمْ يُخَالِفْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ: وَإِذَا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْت أَحْبَبْنَا أَنْ يُقْبَلَ مُرْسَلُهُ، وَلَا نَزْعُمُ أَنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ.
وَقَالَ: فَأَمَّا مَنْ بَعْدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَلَا أَعْلَمُ مِنْهُمْ وَاحِدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ، وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الشَّرَائِطِ مَا ذُكِرَ.
قَالَ: وَأَشَارَ إلَى قُوَّةِ مَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ عَلَى مَرَاسِيلِ مَنْ دُونَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُجَّةُ بِالْمُنْقَطِعِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْمَرَاسِيلِ عِنْدَهُ ضَعِيفٌ، وَمَشْهُورٌ عَلَى لِسَانِ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ تَضْعِيفُهُ لِلْمَرَاسِيلِ، وَالْوَجْهُ فِي تَضْعِيفِهِ مَا أَوْمَأْنَا إلَيْهِ مِنْ جَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ. انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ النَّفَقَةِ مِنْ الْحَاوِي " إنَّ مُرْسَلَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَسَنٌ، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الشَّوَاهِدُ أَوْ بَعْضُهَا يُسَوَّغُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ لُزُومَ الْحُجَّةِ بِالْمُتَّصِلِ، وَكَأَنَّهُ ﵁ يُسَوِّغُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ": لَمْ نَجِدْ حَدِيثًا ثَابِتًا مُتَّصِلًا خَالَفَهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، وَقَدْ وَجَدْنَا مَرَاسِيلَ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهَا، وَذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ الْآتِي قَرِيبًا، وَظَنَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
стр. 2431
فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ " أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالِاسْتِحْبَابِ قَسِيمَ الْوُجُوبِ. قَالَ: فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقَبُولَ عِنْدَ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. انْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّ الْحُجَّةَ فِيهَا ضَعِيفَةٌ، وَلَيْسَتْ بِحُجَّةِ الْمُتَّصِلِ، فَإِذَا انْتَهَضَتْ الْحُجَّةُ، وَجَبَ الْأَخْذُ لَا مَحَالَةَ، فَإِذَا عَارَضَهُ مُتَّصِلٌ كَانَتْ التَّقْدِمَةُ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ، إذْ لَيْسَتْ الْأَدِلَّةُ مَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِهِ مُسْتَحَبًّا أَبَدًا، وَلَكِنَّ فِيهَا مَا يَتَفَاوَتُ، وَيَنْفَعُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّعَارُضِ. وَقَالَ الرَّبِيعِيُّ فِي " الْمَدْخَلِ " قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: وَأَحْبَبْنَا أَنْ تُقْبَلَ مُرْسَلُهُ، أَرَادَ بِهِ: اخْتَرْنَا، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَفَّالِ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ " فِي بَابِ اللُّقَطَةِ: إنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أُحِبُّ وَأُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ، إذَا لَمْ يُوجَدْ دَلَالَةٌ سِوَاهُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي الْكِفَايَةِ ": الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّابِعِينَ، وَإِنَّمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهِ، وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً بِمُفْرَدِهِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ الْمُرْسَلَ الْعَارِيَ مِنْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ وَالشَّوَاهِدِ الَّتِي ذَكَرَهَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ. وَلِهَذَا قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مَالًا وَعِيَالًا وَإِنَّ لِأَبِي مَالًا وَعِيَالًا، فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي فَيُطْعِمَ عِيَالَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ غَايَةٌ فِي الثِّقَةِ وَالْفَضْلِ، وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ، وَلَكِنْ لَا نَدْرِي عَمَّنْ قَبِلَ هَذَا الْحَدِيثَ.
стр. 2432
الْعَاشِرُ: أَنَّ مَأْخَذَ رَدِّ الْمُرْسَلِ عِنْدَهُ إنَّمَا هُوَ احْتِمَالُ ضَعْفِ الْوَاسِطَةِ، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ لَوْ سَمَّاهُ لَبَانَ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِهِ، وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ فَإِذَا كَانَ الْمَعْلُومُ مِنْ عَادَةِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَمْ يُسَمِّ إلَّا ثِقَةً، وَلَمْ يُسَمِّ مَجْهُولًا، كَانَ مُرْسَلُهُ حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ يَرْوِي عَنْ الثِّقَةِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ - وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ فِي الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ مُرْسَلًا - قَالَ: يَقُولُونَ: يُحَابِي، وَلَوْ حَابَيْنَا حَابَيْنَا الزُّهْرِيَّ، وَإِرْسَالُ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَذَاكَ أَنَّا نَجِدُهُ يَرْوِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عَنْ غَيْرِهِ، هَلْ هِيَ تَعْدِيلٌ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ، وَهُوَ أَنَّ الثِّقَةَ إنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ كَانَتْ تَعْدِيلًا وَإِلَّا فَلَا، كَمَا سَبَقَ، وَمِنْ هُنَا ظَنَّ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي قَبُولِ الشَّافِعِيِّ لِمُرْسَلِ سَعِيدٍ كَوْنُهُ اعْتَبَرَهَا فَوَجَدَهَا مَسَانِيدَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِلَّا كَانَ الِاحْتِجَاجُ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ فِيهَا، وَيَجِيءُ اعْتِرَاضُ الْقَاضِي السَّابِقِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ حَالُ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عَنْ ثِقَةٍ، حُمِلَ هَذَا الْمُرْسَلُ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ صَحِيحٌ بِهِ، وَلِهَذَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ عَنْ تَابِعِيٍّ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ لَا يَرْوُونَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ عَنْ صَحَابِيٍّ، لَا سِيَّمَا حَالَةَ الْإِطْلَاقِ فَحُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ مُرْسَلَ مَنْ بَعْدَ التَّابِعِينَ لَا يُقْبَلُ، وَلَمْ يُحْكَ عَنْ أَحَدٍ قَبُولُهُ لِتَعَدُّدِ الْوَسَائِطِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ لَقُبِلَ مُرْسَلُ الْمُحَدِّثِ الْيَوْمَ، وَبَيْنَهُ.
стр. 2433
وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَفَاوِزُ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إلَّا مَا سَبَقَ عَنْ الْغَزَالِيِّ فِي الْمَنْخُولِ " وَقَدْ رَدَدْنَاهُ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ ظَاهِرَهُ قَبُولُ مُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ صِغَارِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ " بَعْدَ النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ بِكَلَامٍ: وَمَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ بِخِبْرَةٍ وَقِلَّةِ غَفْلَةٍ، اسْتَوْحَشَ مِنْ مُرْسَلِ كُلِّ مَنْ دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِدَلَائِلَ ظَاهِرَةٍ فِيهَا. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: فَلِمَ فَرَّقْت بَيْنَ كِبَارِ التَّابِعِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ شَاهَدُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَنْ شَاهَدَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) : فَقُلْت: لِبُعْدِ إحَالَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَكْثَرَهُمْ قَالَ: فَلِمَ يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ مِنْهُمْ وَمِنْ كُلِّ ثِقَةٍ دُونَهُمْ؟ فَقُلْت: لِمَا وَصَفْت انْتَهَى. فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَيَكُونُ لَهُ قَوْلَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِمُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَزِيَّةً عَلَى مَنْ دُونَهُمْ كَمَا جَعَلَ لِمُرْسَلِ سَعِيدٍ مَزِيَّةً عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِنْهُمْ، لَكِنْ هَذَا كُلُّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ كَلَامِهِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵁) فِي الرِّسَالَةِ ": فَكُلُّ حَدِيثٍ كَتَبْته مُنْقَطِعًا، فَقَدْ سَمِعْته مُتَّصِلًا، أَوْ مَشْهُورًا عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ بِنَقْلِ عَامَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَعْرِفُونَهُ عَنْ عَامَّةٍ، وَلَكِنْ كَرِهْت وَضْعَ حَدِيثٍ لَا أُتْقِنُهُ حِفْظًا خَوْفَ طُولِ الْكِتَابِ، وَغَابَ عَنِّي بَعْضُ كُتُبِي. انْتَهَى. فَنَبَّهَ (﵁) عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُورِدُهُ مِنْ الْمُنْقَطِعَاتِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ، سَوَاءٌ ابْنُ الْمُسَيِّبِ أَوْ غَيْرُهُ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا أَنَّ مَا وَجَدْنَاهُ فِي كُتُبِهِ مِنْ الْمَرَاسِيلِ لَا يَقْدَحُ فِي مَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا، فَأَبَانَ بِهَذَا أَنَّ مَا نَجِدُهُ
стр. 2434
مِنْ الْمُرْسَلِ هُوَ عِنْدَهُ مُتَّصِلٌ، وَلَكِنْ تَرَكَ إسْنَادَهُ لِمَا ذَكَرَ. الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْمُرْسَلِ إذَا لَمْ يَعْتَضِدْ بِمَا سَبَقَ، وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ أَنَّهُ يَقُولُ بِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي الْبَابِ سِوَاهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَيَعْضُدُهُ عَمَلُ الشَّافِعِيِّ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ إذَا لَمْ نَجِدْ دَلِيلًا، لَكِنْ يَلْزَمُهُ طَرْدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ضَعِيفٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ.
[أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ تَرَكَهَا الْمَالِكِيَّةُ]
تَنْبِيهٌ [أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ تَرَكَهَا الْمَالِكِيَّةُ] قَدْ تَرَكَتْ الْمَالِكِيَّةُ مُرْسَلَ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا عِلَّةَ لَهُ سِوَى الْإِرْسَالِ، وَتَرَكُوا مُرْسَلَ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالنَّاسِ جَالِسًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَيْنِ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ تَابِعُوا فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَرْبَعَتِهِمْ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 2435
فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ، مَكَانَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ» وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَمَلَ النَّاسِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄.
[أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ تَرَكَهَا الْحَنَفِيَّةُ] وَكَذَلِكَ أَعْرَضَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ مُرْسَلِ سَعِيدٍ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُرْسَلُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ.
مَسْأَلَةٌ [أُمُورٌ مُلْحَقَةٌ بِالْمُرْسَلِ، أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهَا] أَلْحَقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْمُرْسَلِ قَوْلَهُ فِي الْإِسْنَادِ عَنْ رَجُلٍ أَوْ شَيْخٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَرَأَيْته كَذَلِكَ فِي كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، لَكِنْ قَالَ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: إنَّهُ لَا يُسَمَّى مُرْسَلًا، بَلْ مُنْقَطِعًا. قَالَ الْإِمَامُ: وَقَوْلُ الرَّاوِي أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، أَوْ عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ، مِنْ الْمُرْسَلِ أَيْضًا. وَكَذَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": إذَا سَمَّى الرَّاوِي الْأَصْلَ بِاسْمٍ لَا يُعْرَفُ، فَهُوَ كَالْمُرْسَلِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَكَذَلِكَ إضَافَةُ الْخَبَرِ إلَى كِتَابٍ كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ حَمَلَهُ وَنَقَلَهُ.
стр. 2436
وَأَلْحَقَ بِهِ الْمَازِرِيُّ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ: «نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ» ، وَقَوْلُهُ: «نَادَى مُنَادٍ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لُحُومُ الْحُمُرِ» ؛ لِأَنَّ الْمُنَادِيَ إذَا لَمْ يُسَمَّ صَارَ كَكِتَابٍ أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَلَمْ يُسَمِّ حَامِلَهُ وَنَاقِلَهُ، وَلَكِنْ عَلِمَ الْمُحَدِّثُ عَيْنَ النِّدَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، حَتَّى يُعْلَمَ ضَرُورَةً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ، فَنُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ سَمَاعِ الْأَمْرِ مِنْهُ ﷺ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ ": كُلُّ كِتَابٍ لَمْ يُذْكَرْ حَامِلُهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ، وَالشَّافِعِيِّ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِالْمُرْسَلِ.
وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَمِثْلُهُ مَا يَقَعُ فِي الْأَسَانِيدِ أَنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِجَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ كَالْمُرْسَلِ، لَكِنْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرُهُمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُسْنَدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لَهَا وَوُثُوقِهِ بِأَنَّهَا عَنْ كَاتِبِهَا.
стр. 2437
[فَصْلٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ]
ِ قَالَ الْقَرَافِيُّ: أَقَمْت زَمَانًا أَتَطَلُّبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِيقَةِ حَتَّى وَجَدْته مُحَقَّقًا فِي كَلَامِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ "، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَحْقِيقِ فَصْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ خَبَرَانِ، غَيْرَ أَنَّ الْخَبَرَ إنْ كَانَ عَنْ حُكْمٍ عَامٍّ تَعَلَّقَ بِالْأُمَّةِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ، مُسْتَنَدُهُ السَّمَاعُ، فَهُوَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا جُزْئِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ مُسْتَنَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ أَوْ الْعِلْمُ فَهُوَ الشَّهَادَةُ. فَالرِّوَايَةُ تَعُمُّ حُكْمَ الرَّاوِي وَغَيْرِهِ عَلَى مَمَرِّ الْأَزْمَانِ، وَالشَّهَادَةُ مَحْضُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَلَهُ، وَلَا يَتَعَدَّاهُمَا إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ بَابُ الرِّوَايَةِ أَوْسَعَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى التَّضْيِيقِ، وَالرِّوَايَةُ تَقْتَضِي شَرْعًا عَامًّا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ، فَتَبْعُدُ فِيهِ التُّهْمَةُ، فَلِذَلِكَ تُوُسِّعَ فِيهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ انْتِفَاءُ الْقَرَابَةِ وَالْعَرَافَةِ، وَلَا وُجُودُ الْعَدَدِ، وَالذُّكُورَةُ، وَالْحُرِّيَّةُ. وَاسْتَشْكَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي هَذَا الْفَرْقِ بِأَنَّ عُمُومَ الْحُكْمِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِظْهَارَ بِالْعَدَدِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ يُثْبِتُ حُكْمًا عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ. بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ، فَاحْتِيطَ لَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ وُجُوهًا لِمُنَاسَبَةِ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ:
стр. 2438
مِنْهَا: أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَهَابَةُ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخِلَافِ شَهَادَةِ الزُّورِ، فَاحْتِيجَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ فِيهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ قَدْ يَنْفَرِدُ بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَفَاتَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ تِلْكَ
الْمَصْلَحَةُ
الْعَامَّةُ، بِخِلَافِ فَوَاتِ حَقٍّ وَاحِدٍ عَلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي الْمُحَاكَمَاتِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْعَمَلَ بِتَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ فِي الرِّوَايَةِ أَحْوَطُ. وَمِنْهَا: أَنَّ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إحَنًا وَعَدَاوَاتٍ، قَدْ تَحْمِلُهُمْ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي مُنَاظَرَةٍ لَهُ مَعَ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فِي بَابِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْخَبَرُ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ وَالْعَامَّةُ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَالشَّهَادَةُ مَا كَانَ الشَّاهِدُ فِيهِ خَلِيًّا وَالْعَامَّةُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَةَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْخَبَرُ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ، وَمِنْ الْأَخْبَارِ مَا لَا يَلْزَمُ الرَّاوِيَ بِهِ حُكْمٌ، وَيَلْزَمُ غَيْرَهُ، وَمِنْ الشَّهَادَاتِ مَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ بِهَا الْحُكْمُ، كَمَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ عَلَى الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ؟ قُلْنَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا، وَأَرَادَ مَا فَسَّرَهُ بِهِ مِنْ تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ اللَّذَيْنِ هُمَا مُؤَبَّدَانِ لَا يَنْقَطِعَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْطَعُ. وَحَكَى ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ
стр. 2439
يَسْتَوِي الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ مَا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُمَا مِنْ الدَّيْنِ مَا يَلْزَمُ الْجَاحِدَ مِنْ الْوَرَثَةِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأَخْبَارِ مَنْ يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّاوِي بِهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِمَا قَالَهُ الْغَالِبَ مِنْ أَمْرِهِمَا، فَإِنَّ الْغَالِبَ مِنْ الشَّهَادَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَدْخُلُ فِيمَا يَجِبُ لَهُ، وَالْغَالِبُ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ اسْتِوَاءُ الْمُخْبِرِ، وَسَائِرِ النَّاسِ فِيهِ. انْتَهَى.
[مَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ] وَأَمَّا مَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَكَثِيرٌ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةَ فِي الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَثَانِيهَا: أَنَّ التَّزْكِيَةَ فِي الشَّهَادَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِاثْنَيْنِ، وَيُكْتَفَى فِي التَّعْدِيلِ فِي الرِّوَايَةِ بِوَاحِدٍ. وَثَالِثُهَا: عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. وَرَابِعُهَا: اشْتِرَاطُ الْبَصَرِ، وَعَدَمِ الْقَرَابَةِ وَالْعَدَاوَةِ فِي الشَّهَادَةِ، دُونَ الرِّوَايَةِ وَقَدْ قَبِلَتْ الصَّحَابَةُ خَبَرَ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ. وَخَامِسُهَا: مَنْ كَذَبَ ثُمَّ تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَذَبَ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ تَابَ لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَوَافَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَالْقَفَّالُ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ كَمَا سَبَقَ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَذَبَ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رُدَّتْ جَمِيعُ أَحَادِيثِهِ السَّالِفَةِ، وَوَجَبَ نَقْضُ مَا عُمِلَ بِهِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْقَضْ الْحُكْمُ
стр. 2440
بِشَهَادَةِ مَنْ حَدَثَ فِسْقُهُ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ". سَابِعُهَا: تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِمَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى الرَّاوِي وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ، لِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِي السُّنَنِ وَالرِّوَايَاتِ. قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ، وَنَقَلَا ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْ رَوَى عَدْلٌ خَبَرًا فِي أَثْنَاءِ خُصُومَةٍ، وَكَانَ فَحْوَاهُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ، فَالرِّوَايَةُ مَقْبُولَةٌ، وَلَا يَجْعَلُ لِلتُّهْمَةِ مَوْضِعًا، وَكَذَا الرِّوَايَةُ الْجَارَّةُ لِلنَّفْعِ وَالدَّفْعِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، هَذَا لَفْظُهُ.
وَمِثْلُهُ خَبَرُ الرَّاوِي لِنَفْسِهِ نَفْعًا رَاجِحًا لَمْ يَسْتَحْضِرْ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوعِهِ فِيهَا نَقْلًا، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قَبْلَ بَابِ الصِّيَالِ أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ رَوَى خَبَرًا يَقْتَضِي إعْتَاقَهُ، لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ إعْتَاقَ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ كَذَا وَكَذَا وَكَانَتْ فِيهِ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ ضِمْنٌ لَا قَصْدًا وَهَذَا أَحْسَنُ. ثَامِنُهَا: إذَا حَدَّثَ الْعَدْلُ بِحَدِيثٍ رَجَعَ عَنْهُ لِغَلَطٍ وَجَدَهُ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ، أَوْ حِفْظٍ عَادَ إلَيْهِ، قُبِلَ مِنْهُ رُجُوعُهُ، وَكَذَا الزِّيَادَةُ بِاللَّفْظِ. قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ. قَالَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ يَحْكُمُ بِهَا الْقَاضِي، ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّاهِدُ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ حُقُوقًا لِلْآدَمِيِّينَ لَا تَزُولُ بِالرُّجُوعِ وَمَضَى الْحُكْمُ بِهَا، وَالْمُخْبِرُ بِهَا يَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُخْبِرِينَ وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَدْعًى يُؤَدِّي مَا اسْتَدْعَى، وَلَيْسَ يُطَعْنَ عَلَى الْمُحَدِّث إلَّا قَوْلُهُ: تَعَمَّدْت الْكَذِبَ، فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. تَاسِعُهَا: أَنَّ إنْكَارَ الْأَصْلِ رِوَايَةَ الْفَرْعِ، لَا يَضُرُّ الْحَدِيثَ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ كَمَا سَبَقَ. عَاشِرُهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: لَا يُعَوَّلُ عَلَى شَهَادَةِ
стр. 2441
الْفَرْعِ مَعَ إمْكَانِ السَّمَاعِ مِنْ الْأَصْلِ، وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ رِوَايَةِ الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةِ شَيْخِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ ": لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مَعَ حُضُورِ الْأَصْلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ رِوَايَةَ الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ، وَشَيْخُهُ فِي الْبَلَدِ. قَالَ: وَكُلُّ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ تَعَبُّدِيٌّ غَيَّرَ الشَّهَادَةَ فِيهِ عَنْ الرِّوَايَةِ، فَلَا يُعَدُّ فِي وَجْهِ الرَّاوِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.
حَادِي عَشَرَهَا: لَوْ أَشْكَلَتْ الْحَادِثَةُ عَلَى الْقَاضِي، فَرَوَى لَهُ خَبَرًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا، وَقَتَلَ بِهِ الْقَاضِي رَجُلًا، ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي، وَقَالَ: تَعَمَّدْت الْكَذِبَ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْحَادِثَةِ، وَالْخَبَرُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا. قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وُجُوبُ الْقِصَاصِ كَالشَّاهِدِ، وَهُوَ أَحْوَطُ. ثَانِي عَشَرَهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ " وَالرِّسَالَةِ ": أَقْبَلُ فِي الْحَدِيثِ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَلَا أَقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ إلَّا سَمِعْتُ، أَوْ رَأَيْتُ، أَوْ أَشْهَدَنِي. ثَالِثَ عَشَرَهَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا: إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ أَخَذْت بِبَعْضِهَا اسْتِدْلَالًا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُؤْخَذُ بِبَعْضِهَا بِحَالٍ. رَابِعَ عَشَرَهَا: قَالَ أَيْضًا: يَكُونُ بَشَرٌ كُلُّهُمْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ، وَلَا أَقْبَلُ حَدِيثَهُمْ مَنْ قِبَلِ مَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ مِنْ كَثْرَةِ الْإِحَالَةِ، وَإِزَالَةِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَعَانِيَ، هَذَا لَفْظُهُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ ": لَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ عَالِمٍ حَافِظٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. قَالَ: وَلِهَذَا احْتَطْت فِي
стр. 2442
الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِمَّا احْتَطْت بِهِ فِي الشَّهَادَاتِ. وَإِنَّمَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ لَا أَقْبَلُ حَدِيثَهُ لِكِبَرِ أَمْرِ الْحَدِيثِ، وَمَوْقِعِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يُتْرَكُ مِنْ الْحَدِيثِ، فَيَخْتَلُّ مَعْنَاهُ، فَإِذَا كَانَ الْحَامِلُ لِلْحَدِيثِ يَجْهَلُ الْمَعْنَى لَمْ يُقْبَلْ حَدِيثُهُ، هَذَا لَفْظُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ حُكْمٌ فَاخْتِلَافُ اللَّفْظِ فِيهِ لَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ، وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ فِي اللَّفْظِ، فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُخِلَّ مَعْنًى، ذَكَرَهُ فِي الْأُمِّ " فِي بَابِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَالَ: إنَّمَا صِرْت لِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ غَيْرِهِ، لِمَا رَأَيْته وَاسِعًا، وَسَمِعْته عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا، كَانَ عِنْدِي أَجْمَعُ، وَأَكْثَرُ لَفْظًا مِنْ غَيْرِهِ، فَأَخَذْت بِهِ. انْتَهَى.
خَامِسَ عَشَرَهَا: تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يُؤَدِّيَا مَا سَمِعَاهُ مَشْرُوحًا، فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ رَهْنٌ بِأَلْفَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ نَاقِلٌ، وَالِاجْتِهَادُ إلَى الْحَاكِمِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ أَنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّ فِي ذِمَّةِ هَذَا دِرْهَمًا. هَلْ تُسْمَعُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الْمَذْهَبُ أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَيُعْمَلُ بِهَا. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ وَظِيفَةِ الْحَاكِمِ. وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ مُتَمَذْهِبًا بِمَذْهَبِ الْقَاضِي سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: زَنَيْت، وَآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا زَانِي، لَمْ يَثْبُتْ الْقَذْفُ. كَمَا لَوْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَذْفٍ بَلَغَهُ.
حَكَاهُ فِي الْكِفَايَةِ " فِي بَابِ الْإِقْرَارِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ.
стр. 2443
قَالَ: وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ وَكَّلْتُك فِي كَذَا، وَآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَذِنْت لَك فِي التَّصَرُّفِ، لَمْ تَثْبُتْ الْوَكَالَةُ؛ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ، وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الْمُدَّعِي بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، وَآخَرُ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ، فَالْمَذْهَبُ فِي الْإِقْرَارِ مِنْ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، لَا تَلْفِيقَ، وَلَوْ شَهِدَ الثَّانِي أَنَّهُ بَرِئَ إلَيْهِ مِنْهُ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ: تَلَفُّقٌ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الدُّيُونِ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيفَاءِ، وَقِيلَ بِخِلَافِهِ. قُلْت: لَكِنَّ ابْنَ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: لَا فَرْقَ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَاتِ يُكْتَفَى فِيهَا بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. سَادِسَ عَشَرَهَا: يُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ الشَّاهِدِ مُضِيُّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، وَلَوْ حُدَّ بَعْضُ شُهُودِ الزِّنَا لِنَقْصِ النِّصَابِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، حَتَّى يَتُوبُوا، وَفِي قَبُولِ رِوَايَتِهِمْ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَجْهَانِ فِي " الْحَاوِي ". قَالَ: الْأَشْهَرُ الْقَبُولُ، وَالْأَقْيَسُ الْمَنْعُ كَالشَّهَادَةِ.
سَابِعَ عَشَرَهَا: لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَلَى الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ ": يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ حَافِظًا لِكِتَابِهِ إنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ. قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا يَحْفَظُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ سَمَاعَهُ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَهُ؛ لِأَجْلِ إفْتَائِهِمْ مِنْ عِلْمِ سَمَاعِهِ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِحِفْظِهِ بِمَا سَمِعَهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ إمَامُهُ لِحِفْظِهِ مَقَامَ عِلْمِهِ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ حَدَّثَ عَنْهُ.
قَالَ: وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ مِمَّنْ هَذَا حَالُهُ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ كَالشَّهَادَةِ سَوَاءٌ، وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ. ثَامِنَ عَشَرَهَا: عَكْسُ مَا قَبْلِهِ، لَوْ تَحَقَّقَ مِنْ عِلْمِ سَمَاعِ ذَلِكَ الْخَبَرِ،
стр. 2444
لَكِنَّ اسْمَهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُجَوِّزْ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَتَهُ، وَيَجُوزُ عَنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ كَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ ".
وَقَالَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا: لَوْ رَأَى اسْمَهُ مَكْتُوبًا فِي خَبَرٍ بِخَطِّ ثِقَةٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْمَسْمُوعَ مِنْهُ، وَلَا يَذْكُرُ سَمَاعَهُ مِنْهُ، جَوَّزَ لَهُ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَتَهُ كَالْإِجَازَةِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ. تَاسِعَ عَشَرَهَا: أَنَّ الْأَخْبَارَ إذَا تَعَارَضَتْ، وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ صِرْنَا إلَيْهِ، وَإِلَّا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا لِمُرَجِّحٍ، وَأَمَّا فِي الشَّهَادَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ، فَالْمَذْهَبُ التَّسَاقُطُ، وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ. الْعِشْرُونَ: عِنْدَ الرِّوَايَةِ فِي الرِّوَايَةِ تُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ، عَلَى خِلَافٍ فِيهِ يَأْتِي فِي التَّرَاجِيحِ. الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَفِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّحْدِيثِ خِلَافٌ، وَأَفْتَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِجَوَازِ أَخْذِهَا لِمَنْ يَنْقَطِعُ عَنْ الْكَسْبِ.
ضَابِطٌ [أَسْمَاءُ الْخَبَرِ فِي مُخْتَلِفِ أَحْوَالِهِ] الْخَبَرُ إنْ كَانَ حُكْمًا عَامًّا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ السَّمَاعَ، فَهُوَ الرِّوَايَةُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَدُهُ الْفَهْمَ مِنْ الْمَسْمُوعِ، فَهُوَ الْفَتْوَى، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا جُزْئِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ مُسْتَنَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ أَوْ الْعِلْمُ، فَهُوَ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ وَالْمُخْبَرِ بِهِ، هُوَ مُسْتَحِقُّهُ، أَوْ نَائِبُهُ، فَهُوَ الدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ تَصْدِيقِ هَذَا الْخَبَرِ، فَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ كَذِبِهِ فَهُوَ الْإِنْكَارُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا نَشَأَ عَنْ دَلِيلٍ، فَهُوَ النَّتِيجَةُ، وَيُسَمَّى قَبْلَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ مَطْلُوبًا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ شَيْءٍ يُقْصَدُ مِنْهُ نَتِيجَتُهُ، فَهُوَ دَلِيلٌ، وَجُزْؤُهُ مُقَدِّمَتُهُ.
стр. 2445
[كِتَابُ الْإِجْمَاعِ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ] [ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي مُسَمَّى الْإِجْمَاعِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا]
ِ وَفِيهِ فُصُولٌ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: وَفِيهِ عَشَرَةُ مَبَاحِثَ فِي النَّظَرِ فِي مُسَمَّاهُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، ثُمَّ فِي إمْكَانِهِ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي جَوَازِ الْعِلْمِ بِهِ، وَجَوَازِ نَقْلِهِ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، ثُمَّ بِمَاذَا ثَبَتَتْ حُجِّيَّتُهُ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا، ثُمَّ فِي اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ فِيهِ، ثُمَّ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، ثُمَّ فِي اسْتِصْحَابِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَهَذِهِ عَشَرَةُ مَقَاصِدَ.
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ [فِي مُسَمَّاهُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] هُوَ لُغَةً يُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْعَزْمُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْإِمْضَاءُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] أَيْ اعْزِمُوا، وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا
стр. 2446
صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِعْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ» ، وَنَقَضَ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ هَذَا بِأَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ يَتَعَدَّى بِعَلَى، وَالْإِجْمَاعُ بِمَعْنَى الْعَزِيمَةِ وَقَطْعِ الرِّوَايَةِ لَا يَتَعَدَّى بِعَلَى. قُلْت: حَكَى ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمَقَايِيسِ: أَجْمَعْت عَلَى الْأَمْرِ، إجْمَاعًا وَأَجْمَعْته. نَعَمْ، تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ أَفْصَحُ. وَالثَّانِي: الِاتِّفَاقُ، وَمِنْهُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ: إذَا صَارُوا ذَوِي جَمْعٍ. قَالَ الْفَارِسِيُّ: كَمَا يُقَالُ: أَلْبَنَ وَأَتْمَرَ، إذَا صَارَ ذَا لَبَنٍ وَتَمْرٍ. وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " عَنْ قَوْمٍ مَنْعَ كَوْنِهِ بِمَعْنَى الْإِجْمَاعِ كَمَا ظَنَّهُ ظَانُّونَ لِتَغَايُرِهِمَا، إذْ يَصِحُّ مِنْ الْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ: أَجْمَعْت رَأْيِي عَلَى كَذَا، أَيْ عَزَمْت عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ. وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ. ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي: الْعَزْمُ يَرْجِعُ إلَى الِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ مَنْ اتَّفَقَ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ عَزَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِاللُّغَةِ، وَالثَّانِي: أَشْبَهُ بِالشَّرْعِ. قَالَا: وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ الْوَاحِدِ هَلْ يَصِحُّ؟ فَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ جَمَاعَةٍ، وَعَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فَهُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي
стр. 2447
حَادِثَةٍ عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ. فَخَرَجَ اتِّفَاقُ الْعَوَامّ، فَلَا عِبْرَةَ بِوِفَاقِهِمْ وَلَا خِلَافِهِمْ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا اتِّفَاقُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَبِالْإِضَافَةِ إلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ اتِّفَاقُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى رَأْيٍ، لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ الَّذِي هُوَ حُجَّةٌ. وَقَوْلُنَا: بَعْدَ وَفَاتِهِ، قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى رَأْيِهِمْ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ فِي زَمَانِهِ ﵇ كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَخَرَجَ بِالْحَادِثَةِ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَقَوْلُنَا: عَلَى أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ، يَتَنَاوَلُ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْعُرْفِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ. وَقَوْلُنَا: فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ؛ لِيَرْفَعَ وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْتَهِدِينَ مَنْ يُوجَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا التَّوَهُّمُ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ تَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَصْرِ مِنَّا: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَدَثَتْ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ، وَظَهَرَ الْكَلَامُ فِيهِ. فَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَمَنْ بَلَغَ هَذَا بَعْدَ حُدُوثِهَا فَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ الزَّجَّاجُ فِي كِتَابِهِ: الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْفِقْهِ " وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
стр. 2448
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ هَذَا التَّعْرِيفِ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " بِقَوْلِهِ: وَحَدُّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَجْهَلُوا حُكْمَ اللَّهِ.
تَنْبِيهٌ [الْعَبْدَرِيُّ يَرَى أَنَّ التَّعْرِيفَ السَّابِقَ غَيْرُ جَامِعٍ] قَالَ الْعَبْدَرِيّ: هَكَذَا رَسَمَ الْأُصُولِيُّونَ الْإِجْمَاعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ، يُقَالُ عَلَى مَا هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى الْعَمَلِ يَسْتَنِدُ الْحُكْمُ، أَيْ بِدَلِيلِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُقَالُ: مَا هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ، وَاَلَّذِي هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى الْعَمَلِ بِمُسْتَنَدِ الْحُكْمِ يَنْقَسِمُ إلَى إجْمَاعٍ نُقِلَ مُسْتَنَدُهُ إلَى الْمُجْتَهِدِينَ، وَإِلَى إجْمَاعٍ دَرَسَ مُسْتَنَدُهُ فَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْهِمْ. فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ، فَيَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ رُسُومٍ.
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِي إمْكَانِ الْإِجْمَاع]
الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِي إمْكَانِهِ: وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ إمْكَانَ الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا، وَشَبَّهُوهُ بِإِجْمَاعِ النَّاسِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَأْكُولٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا اسْتِبْعَادٌ بَاطِلٌ، وَالدَّوَاعِي وَالْمَآكِلُ مُخْتَلِفَةٌ قَطْعًا، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْبَوَاعِثَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى طَلَبِهَا.
стр. 2449
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْحِكَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ فَجَائِزٌ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ فَبَاطِلٌ. حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ. وَقَالَ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِهِ فِي عِلَّتِهِ، فَقِيلَ: إمْكَانُ الْخَطَأِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ اسْتِحَالَةُ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا بِلُقْيَا الْكُلِّ، وَتَوَاتُرِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي إجْمَاعِ الْخَاصَّةِ، أَمَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ، فَلَيْسَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ. قُلْت: وَلَوْ عَكَسَ هَذَا لَمْ يَبْعُدْ.
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِي إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ]
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ] فِي إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، فَاخْتَلَفُوا فِي إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. فَمَنَعَهُ قَوْمٌ لِاتِّسَاعِ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِشَارِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَتَهَاوُنِ الْفَطِنِ، وَتَعَذُّرِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ فِي تَفَاصِيلَ لَا تَتَوَافَرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا، وَلِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِبَقَاءِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إلَى أَنْ يَفْنَى الْآخَرُ. وَالصَّحِيحُ إمْكَانُهُ عَادَةً، فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَى الشَّبَهِ خَلْقٌ كَثِيرُونَ زَائِدُونَ عَلَى عَدَدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْحَقِّ مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّتِهِ أَوْلَى. نَعَمْ، الْعَادَةُ مَنَعَتْ اجْتِمَاعَ الْكَافَّةِ، فَأَمَّا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فَلَا تَمْنَعُ الْعَادَةُ اتِّفَاقَهُمْ بِوَجْهٍ مَا.
وَاشْتَدَّ نَكِيرُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ أَنْكَرَ تَصَوُّرَ وُقُوعِهِ عَادَةً، وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ. فَلَا يَمْنَعُ مِنْ تَصَوُّرِ الدَّوَاعِي الْمُسْتَحَثَّةِ، وَكَمَا صَوَّرَهُ الْقَاضِي فِي اجْتِمَاعِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ، وَبَيْنَ الْمَسَائِلَ الْمَظْنُونَةِ مَعَ تَفَرُّقِ
стр. 2450
الْعُلَمَاءِ وَانْتِفَاءِ الدَّوَاعِي فَلَا تُتَصَوَّرُ عَادَةً، وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي إنْكَارَهُ، قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ، لَعَلَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا، وَلَكِنْ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ النَّاسُ اخْتَلَفُوا إذْ لَمْ يَبْلُغْهُ. قَالَ أَصْحَابُهُ: وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا عَلَى جِهَةِ الْوَرَعِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ لَمْ يَبْلُغْهُ، أَوْ قَالَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِخِلَافِ السَّلَفِ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ قَدْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَأَجْرَاهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَرَادَ غَيْرَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ مَعْلُومٌ تَصَوُّرُهُ. أَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَقَدْ كَثُرَ الْمُجْتَهِدُونَ، وَانْتَشَرُوا. قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ الْحَدِيثَ فَيُعَارَضُ بِالْإِجْمَاعِ، فَيَقُولُ: إجْمَاعُ مَنْ؟ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ حَتَّى قَالَ: ابْنُ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمُّ يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ. وَجَعَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: الْحَقُّ تَعَذُّرُ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْإِجْمَاعِ، لَا إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، حَيْثُ كَانَ الْمُجْمِعُونَ، وَهُمْ الْعُلَمَاءُ فِي قِلَّةٍ، أَمَّا الْآنَ وَبَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ، وَكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ، فَلَا مَطْمَعَ لِلْعِلْمِ بِهِ. قَالَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ أَحْمَدَ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقُوَّةِ حِفْظِهِ، وَشِدَّةِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ. قَالَ: وَالْمُصَنِّفُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَبَرَ لَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ إلَّا مَا يَجِدُهُ مَكْتُوبًا فِي الْكُتُبِ، وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ
стр. 2451
الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ، أَوْ بِنَقْلِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إلَيْنَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَلَا. انْتَهَى.
وَعَقَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بَابًا فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وُقُوعُهُ وَقَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ طَرِيقَةٌ يُعْلَمُ بِهَا حُصُولُهُ، ثُمَّ زَيَّفَهُ. قَالَ: وَالطَّرِيقُ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمُشَاهَدَةُ، وَالْآخَرُ النَّقْلُ. فَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُتَقَدِّمًا فَلَيْسَ إلَّا النَّقْلُ، لِتَعَذُّرِ الْمُشَاهَدَةِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَالْأَمْرَانِ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْعَقْلِ، وَلَا بِخَبَرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﵇، لِتَعَذُّرِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي " شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ. وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ الْمُلْحِدَةِ إنَّ هَذَا الدِّينَ كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ، إذْ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَنَقُولُ: أَخْطَأْت بَلْ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ. ثُمَّ لَهَا مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي يَقَعُ الِاتِّفَاقُ مِنْهَا وَعَلَيْهَا، وَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ، يَبْقَى قَدْرُ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَالْخِلَافُ فِي بَعْضِهَا يَحْكُمُ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ عَلَى الْقَطْعِ وَبِفِسْقِهِ، وَفِي بَعْضِهَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ، وَفِي بَعْضِهَا يُتَسَامَحُ، وَلَا يَبْلُغُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَبْقَى عَلَى الشُّبْهَةِ إلَى مِائَتَيْ مَسْأَلَةٍ. انْتَهَى.
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاع حُجَّةً]
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ] فِي كَوْنِهِ حُجَّةً الرَّابِعُ: وَإِذَا ثَبَتَ إمْكَانُ الْعَمَلِ بِهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ غَيْرُ النَّظَّامِ وَالْإِمَامِيَّةِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَوَّلُ مَنْ بَاحَ بِرَدِّهِ النَّظَّامُ،
стр. 2452
ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْضُ الرَّوَافِضِ، أَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْإِمَامِ دُونَ الْأُمَّةِ. وَالنَّظَّامُ يُسَوِّي بَيْنَ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَبَيْنَ قَوْلِ آحَادِهَا فِي جَوَازِ الْخَطَأِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَرَى فِي الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي مُسْتَنِدِهِ إنْ ظَهَرَ لَنَا، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ دَلِيلًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَتَبِعَهُمْ الرَّازِيَّ، وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُحِيلُ الْإِجْمَاعَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّحِيحُ عَنْ النَّظَّامِ أَنَّهُ يَقُولُ بِتَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَلَكِنْ فَسَّرَهُ بِكُلِّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلَ وَاحِدٍ، وَيُسَمَّى بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ إجْمَاعًا، وَمَنَعَ الْحُجِّيَّةَ عَنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نُفَسِّرُهُ نَحْنُ بِمَا نُفَسِّرُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بِاصْطِلَاحِنَا غَيْرَ حُجَّةٍ، وَتَوَاتَرَ عِنْدَهُ لَمْ يُخْبِرْ بِمُخَالَفَتِهِ، فَحَسَّنَ الْكَلَامَ وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
هَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، هَذَا تَحْرِيرُ النَّقْلِ عِنْدَهُ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ " نُقِلَ عَنْ النَّظَّامِ إنْكَارُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَرَأَيْت أَبَا الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطَ أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي نَقْضِهِ لِكِتَابِ الرَّاوَنْدِيُّ، وَنَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ، إلَّا أَنَّ النَّقْلَ مَشْهُورٌ عَنْ النَّظَّامِ بِذَلِكَ. اهـ. وَحَكَى الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ " الْفُتْيَا " عَنْ النَّظَّامِ أَنَّهُ قَالَ: الْحُكْمُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَوْ الْكِتَابِ أَوْ إجْمَاعِ النَّقْلِ. اهـ. لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ عَنَى بِهِ التَّوَاتُرَ
стр. 2453
وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ عِيسَى الْوَرَّاقِ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُخَالِفَهُمْ فِيهِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ وَافَقَهُمْ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةُ اللَّهِ فِي شَرِيعَتِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي شُرُوطِهِ.
[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ مَا ثَبَتَ بِهِ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ]
ِ] . الْخَامِسُ: فِي أَنَّهُ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ السَّمْعُ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": إنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَمَنَعُوا ثُبُوتَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَإِنْ بَعُدَ فِي الْعَقْلِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَلَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ، كَاجْتِمَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى جَحْدِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَلَا الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِالْمَظْنُونِ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " الْبَغْدَادِيَّةِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّهُ
стр. 2454
قَالَ عَقِبَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَدِلَّةِ السُّنَّةِ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا يَرْضَاهُ، وَحَمَلَ عَنْهُ إلَّا صَارَ إلَى قَوْلِهِمْ مِمَّا لَا سُنَّةَ فِيهِ. اهـ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِالْقِيَاسِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا دَلِيلُ النَّقْلِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ. وَزَادَ الْغَزَالِيُّ ثَالِثًا، وَهُوَ طَرِيقُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ إذَا قَضَوْا بِقَضِيَّةٍ وَقَطَعُوا بِهَا، فَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ تَثْبِيتَهُمْ قَاعِدَةَ الدِّينِ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْحُ فِيهِمْ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَحَكَى سُلَيْمٌ، وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا، أَنَّ الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ دَلَّا عَلَيْهِ.
وَفَرَّعَ عَلَيْهِ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمُحِيطِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، هَلْ هُوَ كَإِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ، فَإِنَّ إجْمَاعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ. وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ سَمْعِيٌّ، وَالْعَقْلِيُّ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وَهُوَ إحَالَةُ الْعَادَةِ خَطَأُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي حُكْمٍ لَا يُثْبِتُهُ أَحَدٌ؛ لِمَوْقِعِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَأَنَّ النُّصُوصَ شَهِدَتْ بِعِصْمَتِهِمْ، فَلَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا، سَوَاءٌ اسْتَنَدُوا فِي قَوْلِهِمْ إلَى قَاطِعٍ أَوْ مَظْنُونٍ، وَطَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، لَكِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الدَّلِيلِ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَادِيَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا سَبَقَ عَنْ الْغَزَالِيِّ.
стр. 2455
تَنْبِيهٌ [وَجْهُ وَضْعِ الْإِجْمَاعِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ] قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِنَاعَةِ الْأُصُولِيِّ، كَمَا لَا يَلْزَمُ تَثْبِيتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ تَثْبِيتُ الْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا كَانَ أَمْرًا رَاجِعًا إلَى السُّنَّةِ مَوْجُودًا فِيهَا بِالِاسْتِرْوَاحِ لَا بِالنَّصِّ، وَبِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، احْتَاجَ إلَى تَثَبُّتِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ تِلْكَ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ حَتَّى يَصِيرَ أَصْلًا ثَالِثًا مِنْ الْأُصُولِ الْأُوَلِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي التِّبْيَانِ وَالظُّهُورِ.
[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ فِي أَنَّ الْإِجْمَاع حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ]
[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ] فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ أَدِلَّتِهِ، فَهَلْ يُقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِيَصِحَّ قِيَامُ الْحُجَّةِ. الثَّانِي: الْمَنْعُ اعْتِبَارًا بِأَهْلِهِ فِي انْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ عَنْ آحَادِهِمْ، فَكَذَا عَنْ جَمِيعِهِمْ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. مِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ، وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الدَّبُوسِيُّ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَا: كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَنَسَبَهُ إلَى الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: بِحَيْثُ يُكَفَّرُ أَوْ يُضَلَّلُ
следующие страницы →