Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
أَمَّا وِفَاقُ مَنْ سَيُوجَدُ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا. فَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ لِمَنْ سَلَفَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ اُعْتُبِرَ لَمَا انْعَقَدَ أَبَدًا إجْمَاعٌ، حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأٍ» فَلَا يُخَالِفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَنْ صَدَّقَ بِهِ وَقْتَ مَبْعَثِهِ وَإِلَى الْأَبَدِ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِقَصْدِهِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ، وَالِالْتِزَامِ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
[انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ]
[الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ [انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ] لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِهِ ﷺ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ قَوْلُهُمْ دُونَهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ النَّسْخِ، إذْ جَوَّزْنَا لَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَانِهِ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَلَعَلَّهُمْ اجْتَهَدُوا فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِمْ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنِ بَرْهَانٍ جَوَازَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَانِهِ. قَالَ: وَشُهُودُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعِصْمَةِ مُتَنَاوِلٌ لِمَا فِي زَمَانِهِ، وَمَا بَعْدَهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ، وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي الْأَوْسَطِ " لِابْنِ بَرْهَانٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2522
[الْإِجْمَاعُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْإِجْمَاعُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا؟ لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَصْرَنَا هَلْ يَخْلُو عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَخْلُو، فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: خِلَافٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْعَقِدُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُجْتَهِدُونَ فِي الْمَذَاهِبِ وَنَاظِرُونَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَتَرَقَّوْا إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةَ اعْتِبَارِ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ، إمَّا مِنْ السَّمْعِ وَهُوَ عَدَمُ اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ مِنْ الْعَقْلِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قَاطِعٍ، وَهَؤُلَاءِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَهَذَا الْمَوْجُودُ فِيهِمْ.
ظُهُورُ الْإِجْمَاعِ وَانْتِشَارُهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي الْعَصْرِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي، وَقَدْ يُقْتَرَنُ ظُهُورُهُ بِالْعَمَلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا. فَأَمَّا ظُهُورُهُ بِالْقَوْلِ إذَا وُجِدَ صَحَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِهِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْفِعْلُ، لِيَكْمُلَ فِي نَفْسِهِ. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ آكَدُ مِنْ حُجَجِ الْأَفْعَالِ.
стр. 2523
[حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ]
ِّ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْقَوْلُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَلَا شَكَّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَسُكُوتُ الْبَاقِينَ بَعْدَ انْتِشَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مَعَهُمْ اعْتِرَافٌ أَوْ رِضًا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد وَابْنِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ "، وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ إلَى الشَّافِعِيِّ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ. وَقَالَ: إنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "، وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَالْآمِدِيَّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. قَالَ: وَهِيَ مِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ. قُلْت: وَمَعْنَاهُ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ تَعْيِينُ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ التَّصْوِيبَ، أَوْ لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ أَوْ الشَّكِّ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعْيِينٌ، وَإِلَّا
стр. 2524
فَهُوَ قَائِلٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْجِهَاتِ قَطْعًا، ثُمَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، أَعْنِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ إلَّا بِدَلِيلِ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ أَوْ حَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحْكَامُ لَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْعَدَمِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتْلَفَ إنْسَانٌ مَالَ غَيْرِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، يَضْمَنُ الْمُتْلَفُ. أَمَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نِسْبَةِ الْقَوْلِ إلَى السَّاكِتِ عُمِلَ بِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْبِكْرِ: «إذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَقَوْلُنَا: إنَّ إقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى إنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَسُكُوتُ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَنْ الْجَوَابِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا فِي التَّحْقِيقِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ، وَتَرَفُّعِهِ عَنْ الْخَصْمِ؛ لِظُهُورِ بَلَادَتِهِ، أَوْ تَعْظِيمِهِ، أَوْ إجْلَالِهِ عَنْ انْقِطَاعِهِ مَعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَشَيْخِنَا أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْكَرْخِيّ. وَنَصَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ "، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَاكِسَيْنِ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ، قَالَ: وَعِلَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إجْمَاعًا، وَهَذَا مُفَسَّرٌ بِقَوْلِ
стр. 2525
الشَّافِعِيِّ: إنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ إذَا انْتَشَرَ فَإِجْمَاعٌ، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، هَذَا كَلَامُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ": لَا تَغْتَرَّنَّ بِإِطْلَاقِ الْمُتَسَاهِلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ الصَّوَابُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَإِجْمَاعٌ. وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْأُصُولِ، وَمُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ فِي الْفُرُوعِ، كَتَعْلِيقَةِ " الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْحَاوِي "، وَمَجْمُوعِ الْمَحَامِلِيِّ ". وَالشَّامِلِ " وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - احْتَجَّ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ " لِإِثْبَاتِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْبَاقِينَ إنْكَارٌ لِذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ نَصًّا عَنْ جَمِيعِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مَعَ الِاشْتِهَارِ بِسُكُوتِ الْبَاقِينَ لَكِنَّهُ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ " بِخِلَافِهِ، فَقَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَسَّمَ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلَا نَسَبٍ، ثُمَّ قَسَّمَ عُمَرُ، فَأَلْغَى الْعَبْدَ، وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ، ثُمَّ قَسَّمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ، وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَوْهُ. قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لِحَاكِمِهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ. قَالَ: فَلَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ، وَلَكِنْ يُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلُهُ، وَإِلَى عُمَرَ فِعْلُهُ، وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ، وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ
стр. 2526
مِنْهُمْ مُوَافَقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَى كُلٍّ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ.
وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ فِي كَثِيرٍ مِنْ خَاصِّ الْأَحْكَامِ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَدَّعِيهِ. اهـ وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْقَوْلَانِ عَلَى حَالَيْنِ، فَقَوْلُ النَّفْيِ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ مِنْ حَاكِمٍ، وَقَوْلُ الْإِثْبَاتِ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَالنَّصُّ الَّذِي سُقْنَاهُ مِنْ الرِّسَالَةِ " شَاهِدٌ لِذَلِكَ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ تَفْصِيلَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ الْآتِيَ. وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي تَنْزِيلِ الْقَوْلَيْنِ طَرِيقِينَ: أَحَدَهُمَا: حَيْثُ أَثْبَتَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ، أَرَادَ بِذَلِكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَحَيْثُ قَالَ: لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ أَرَادَ بِذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ.
وَهَذَا أَوْلَى مِنْ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ، كَمَا ظَنَّ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَعَالِمِ "، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا سَيَأْتِي مِنْ كَلَامِ جَمَاعَةٍ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ. وَالثَّانِيَ: أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهُ عَلَى مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْقَضَايَا الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى، وَيُحْمَلُ الْقَوْلُ الْآخَرُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ، كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ، وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. وَكُلٌّ مِنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقِينَ مُحْتَمَلٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ الثَّانِيَ مِنْهُمَا. قُلْت: النَّصُّ الَّذِي سُقْنَاهُ مِنْ الْأُمِّ يَدْفَعُ كُلًّا مِنْ الطَّرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ نَفَاهُ
стр. 2527
فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَفِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَيَحْتَمِلُ ثَالِثَةً: وَهِيَ التَّعْمِيمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ فِي مَعْنَى الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كُنَّا نُسَمِّيهِ إجْمَاعًا، فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ: مَنْ نَسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِنَّا لَمْ نَقُلْ: إنَّهُمْ قَالُوا: وَإِنَّمَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ أُمَّتَنَا بِأَنَّهُمْ آمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، نَاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْقَوْلُ خَطَأً، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، لَزِمَ وُقُوعُ خِلَافِ الْخَبَرِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ ": الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ. وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ " إنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي أَوَائِلِ الْبَحْرِ ": إنَّهُ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا. وَهَلْ يَكُونُ إجْمَاعًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: - وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ - إنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عَلَى الْمُنْكَرِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ: لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَيَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ قَطْعًا. وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي ": إذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ رِضًا وَلَا إنْكَارٌ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ، فَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ. وَقَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ حَتَّى انْقَرَضُوا مَعَ إضْمَارِهِمْ الْإِنْكَارَ بَعِيدٌ. وَهَلْ يَكُونُ إجْمَاعًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا، مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَالْقَطْعُ بِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 2528
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ فِي الْفِقْهِ ": هُوَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا وَفِي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ وَإِنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ كَالْخَبَرِ. وَالثَّانِي: يُسَمَّى إجْمَاعًا، وَهُوَ قَوْلٌ لَنَا. اهـ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ ": الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْفَرْعِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ حُجَّةٌ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. وَحَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي هَاشِمٍ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا كَمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ "، وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ، وَكَذَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: هُوَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ إجْمَاعٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مَا عَلِمْنَا فِيهِ مُوَافَقَةَ الْجَمَاعَةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
وَإِنَّمَا قِيلَ بِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَعْدُومٌ، وَالْقَوْلُ فِي أَهْلِ الْحُجَّةِ شَائِعٌ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ ": عَمَلُ الصَّحَابِيِّ مُنْتَشِرٌ فِي الصَّحَابَةِ لَا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ حَتَّى انْقَرَضَ الْعَصْرُ، فَهُوَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ، لَا مِنْ جِهَةِ الِاتِّفَاقِ، وَلَكِنْ لِعَدَمِ الْخِلَافِ مِنْ أَهْلِ الْحُجَّةِ. وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَوَافَقَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الْكَبِيرِ ". وَرَدَّدَ فِي الصَّغِيرِ " اخْتِيَارَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا أَوْ حُجَّةً. وَقَيَّدَ الْآمِدِيُّ هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا قَبْلَ انْقِرَاضِ أَهْلِ الْعَصْرِ، فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا.
стр. 2529
وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَائِلِينَ بِهَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِلَافِ هُنَا وَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، أَيْ قَطْعِيٍّ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ، وَكَذَا ابْنُ الْحَاجِبِ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، فَكَيْفَ يَنْقَسِمُ الشَّيْءُ إلَى نَفْسِهِ وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِي أَنَّ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ هَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ، أَوْ يَخْتَصُّ بِالْقَطْعِيِّ؟ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ مُثِيرَةٌ لِلظَّنِّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ قَطْعِيٌّ أَمْ ظَنِّيٌّ؟ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَالْبَنْدَنِيجِيّ: إنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، أَيْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى مَا ظَنَنَّاهُ، لَا الْقَطْعَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ظَنِّيٌّ. تَنْبِيهٌ [لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ إجْمَاعٌ لَا حُجَّةٌ] قَالَ الْهِنْدِيُّ: لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ إلَى عَكْسِ هَذَا، أَعْنِي إلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ، لَا حُجَّةٌ وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ، كَالْإِجْمَاعِ الْمَرْوِيِّ بِالْآحَادِ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ.
[الشَّرْطُ] الرَّابِعُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ لَا عَنْ رِضًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، مِثْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ.
стр. 2530
وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ. قَالَ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ. فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَصْرَ إذَا انْقَرَضَ، وَلَمْ يُخَالِفُوا، أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَيْضًا، وَكَذَا الرُّويَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْبَحْرِ "، بِشَرْطٍ فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ عَلَيْهِ، حَتَّى يُحْكَمَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً قَطْعًا وَإِجْمَاعًا، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ صَحَّ رُجُوعُهُ، وَعُدَّ خِلَافُهُ خِلَافًا. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: إنَّهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ. قَالَ: فَأَمَّا مَا قَبْلَ الِانْقِرَاضِ، فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا. وَالثَّانِيَةُ: عَلَى وَجْهَيْنِ. وَكَلَامُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا هُمْ الْمُشْتَرِطُونَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ.
[الشَّرْطُ] الْخَامِسُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ إنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالرَّافِعِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيُّ، وَالْآمِدِيَّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ " لِلرُّويَانِيِّ، وَالْأَوْسَطِ " لِابْنِ بَرْهَانٍ، وَالْمَحْصُولِ " لِلْإِمَامِ الرَّازِيَّ عَنْهُ: " لَا إنْ كَانَ مِنْ حَاكِمٍ ". وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُدُورِهِ عَنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ. وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْقَطَّانِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذْ أَجْرَى سُكُوتَهُمْ عَلَى حُكْمٍ حَكَمَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ.
стр. 2531
وَعِبَارَةُ الرُّويَانِيُّ عَنْهُ: " لَا إنْ كَانَ مِنْ إمَامٍ أَوْ حَاكِمٍ ". قَالَ: وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ خَالَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْجَدِّ، وَعُمَرُ فِي الْمُشْتَرِكَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. عَلَى أَنَّا إنْ اعْتَبَرْنَا فِي هَذَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَمُحَابَاةَ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ اخْتَصَّ مَجْلِسُ حُكْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَحْدَهُ هَلْ يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ؟ قَوْلَانِ. وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي ": لَوْ ظَهَرَ هَذَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ الْحَاكِمِ إمَّا بِطَرِيقِ الْفَتْوَى أَوْ الْقَضَاءِ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ الرِّضَا. قَالَ: وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، وَمُحَابَاةُ الْحَاكِمِ وَالْإِمَامِ مُخْتَصٌّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ. اهـ.
وَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ احْتَجَّ بِهَذَا، بِأَنَّا نَحْضُرُ مَجْلِسَ بَعْضِ الْحُكَّامِ، وَنَرَاهُمْ يَقْضُونَ بِخِلَافِ مَذْهَبِنَا، وَلَا نُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَكُونُ سُكُوتُنَا رِضًا مِنَّا بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ تَقْرِيرٌ حَسَنٌ، لَا بَأْسَ بِهِ، وَهُوَ نَافِعٌ جِدًّا فِي صُورَتَيْ الْإِيرَادِ فِي مَسْأَلَةِ مِيرَاثِ الْمَبْتُوتَةِ، وَمَسْأَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مَعَ وُجُودِ الصِّغَارِ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ انْتَشَرَ قَضَاءُ عُثْمَانَ فِي مِيرَاثِ الْمَبْتُوتَةِ. وَكَذَلِكَ قَتَلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنَ مُلْجِمٍ قِصَاصًا، مَعَ وُجُودِ الْوَرَثَةِ الصِّغَارِ، وَانْتَشَرَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُقَدِّمُوا ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَوْفٍ مُخَالَفَةُ عُثْمَانَ، وَأَمَّا قَتْلُ الْحُسَيْنِ لِابْنِ مُلْجِمٍ، فَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ؛ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ إذْ ذَاكَ. قَالَ: وَمِمَّا يُضَمُّ إلَى هَذَا أَنَّ الْحُكْمَ الصَّادِرَ
стр. 2532
مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا يُمَاثِلُ الْفَتْوَى الصَّادِرَةَ مِنْ الْمُفْتِي، وَحِفْظُ الْأَدَبِ فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَئِمَّةِ.
[الشَّرْطُ] السَّادِسُ عَكْسُهُ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مُعْتَلًّا بِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الصَّادِرَ مِنْ الْحَاكِمِ يَكُونُ عَلَى مُشَاوَرَةٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَالصَّيْرَفِيِّ، إلَّا أَنَّهُ خَصَّهُ بِشَيْءٍ، وَعِبَارَتُهُ: إذَا سَكَتُوا عَنْ حُكْمِ الْأَئِمَّةِ حَتَّى انْقَرَضَ الْعَصْرُ، فَإِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إذَا جَرَى عَلَى حُكْمِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ إجْمَاعٌ. انْتَهَى. ثُمَّ اخْتَارَ آخِرًا قَوْلَ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي هَذَا النَّقْلِ فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، لَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ أَقْدَمُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهِنْدِيَّ فِي نِهَايَتِهِ " نَقَلَهُ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الَّتِي أَوْرَدَهَا ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ: إنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْفُتْيَا، فَهُوَ إجْمَاعٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عَنْ شَيْءٍ فِيهِ تَرْكُ الدِّينِ، وَهَلْ يُقْطَعُ عَلَى اللَّهِ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ حُكْمًا وَانْقَرَضَ ذَلِكَ الْعَصْرُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ إجْمَاعٌ كَالْفُتْيَا، وَالثَّانِي: لَا.
стр. 2533
الشَّرْطُ] السَّابِعُ إنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ، كَانَ إجْمَاعًا، وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ، وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ. [الشَّرْطُ] الثَّامِنُ إنْ كَانَ السَّاكِتُونَ أَقَلَّ كَانَ إجْمَاعًا، وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ، وَحَكَاهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُهُ.
[الشَّرْطُ] التَّاسِعُ إنْ كَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ كَانَ إجْمَاعًا، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي "، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": إنْ كَانَ فِي غَيْرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَلَا يَكُونُ انْتِشَارُ قَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ مَعَ إمْسَاكِ غَيْرِهِ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، وَإِنْ كَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا قَالَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ قَوْلًا أَوْ حَكَمَ بِهِ فَأَمْسَكَ الْبَاقُونَ، فَهَذَا ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِرَاقَةِ دَمٍ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا خِلَافَهُ لَأَنْكَرُوهُ، إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَرْكِ إنْكَارِ مُنْكَرٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ كَانَ حُجَّةً؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ غَيْرِهِمْ. وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا:
стр. 2534
أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إجْمَاعًا لَا يَسُوغُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ، وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ إجْمَاعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَوْلُ فُتْيَا أَوْ حُكْمًا عَلَى الصَّحِيحِ. انْتَهَى. عَلَى أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ أَلْحَقَ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ. ذَكَرَهُ فِي بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ الْحَاوِي "، وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُمَاثَلَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْوَافِي " هُنَاكَ إلْحَاقَ تَابِعِي التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَثْنَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ» ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ كَذَلِكَ.
[الشَّرْطُ] الْعَاشِرُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُومُ وَيَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ وَالْخَوْضُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ السُّكُوتُ إجْمَاعًا وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا فُرِضَ السُّكُوتُ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْمَنْخُولِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا فِي صُورَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا: سُكُوتُهُمْ، وَقَدْ قَطَعَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاطِعٌ، لَا فِي مَظِنَّةِ الْقَطْعِ، وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ.
стр. 2535
الثَّانِيَةُ: مَا يَسْكُتُونَ عَلَيْهِ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْعَصْرِ، وَيَكُونُ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَا يُبْدِي أَحَدٌ خِلَافًا، فَأَمَّا إذَا حَضَرُوا مَجْلِسًا، فَأَفْتَى وَاحِدٌ وَسَكَتَ آخَرُونَ، فَذَلِكَ اعْتِرَاضٌ؛ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَظْنُونَةً، وَالْأَدَبُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ.
[الشَّرْطُ] الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ أَوْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ فَيُحْتَجُّ بِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ، وَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الصَّغِيرِ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ حِكَايَةُ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ، فَإِنَّهُ حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ إنْ كَانَ حُكْمًا، فَهُوَ إجْمَاعٌ، أَوْ فَتْوَى فَقَوْلَانِ، وَحَكَى عَكْسَهُ أَيْضًا.
[الشَّرْطُ] الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ إفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا أَيْ يُوجَدُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَا يَدُلُّ عَلَى رِضَى السَّاكِتِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى ". وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّهُ أَحَقُّ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّ إفَادَةَ الْقَرَائِنِ الْعِلْمُ بِالرِّضَا، كَإِفَادَةِ النُّطْقِ لَهُ، فَيَصِيرُ كَالْإِجْمَاعِ
стр. 2536
الْقَطْعِيِّ مِنْ الْجَمِيعِ. وَسَيَأْتِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَوْطِنِ الْخِلَافِ. قَالَ فِي الْقَوَاطِعِ ": وَالْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الطَّيِّبِ فِي إثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَرْتِيبًا فِي الِاسْتِدْلَالِ اسْتَحْسَنَهُ، فَأَوْرَدْتُهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِمْ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ، فَلَا يَخْلُو الْقَوْلُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، فَإِنْ كَانَ حَقًّا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَلَا يَخْلُو عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ. إمَّا أَنْ لَا يَكُونُوا اجْتَهَدُوا، أَوْ اجْتَهَدُوا وَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، أَوْ أَدَّى إلَى صِحَّةِ الَّذِي ظَهَرَ خِلَافُهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتَهَدُوا؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا؛ وَلِأَنَّ النَّازِلَةَ إذَا نَزَلَتْ فَالْعَادَةُ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ النَّظَرِ يَرْجِعُونَ إلَى النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ؛ وَلِأَنَّ هَذَا يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ، وَبَعْضُهُمْ بِالْعُدُولِ عَنْ طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ عَلَى الْخَطَأِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ اجْتَهَدُوا فَلَمْ يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خَفَاءِ الْحَقِّ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ اجْتَهَدُوا، فَأَدَّى اجْتِهَادُهُمْ إلَى خِلَافِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ كَتَمُوا؛ لِأَنَّ إظْهَارَ الْحَقِّ
стр. 2537
وَاجِبٌ، لَا سِيَّمَا مَعَ ظُهُورِ قَوْلٍ هُوَ بَاطِلٌ. وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا لِرِضَاهُمْ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الْقَوْلِ فَصَارَ كَالنُّطْقِ.
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: [قُيُودٌ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيُّ] لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قُيُودٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ: عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ، لَا يَدُلُّ السُّكُوتُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ. قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ "، وَغَيْرُهُمْ. الْقَيْدُ الثَّانِي: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَغَ جَمِيعَ أَهْلِ الْعَصْرِ، وَلَمْ يُنْكِرُوا، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا. قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ، وَوَرَاءَهُ حَالَتَانِ. إحْدَاهُمَا: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بُلُوغُهُمْ. فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَاخْتَارَهُ وَجَعَلَهُ دَرَجَةً دُونَ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَحْتَمِلَ بُلُوغُهُ وَعَدَمُهُ، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَقِمْ لِلْحَنَفِيَّةِ الِاحْتِجَاجُ فِي وَطْءِ الثَّيِّبِ، هَلْ يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ؟ وَقِيلَ: حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَفَصَّلَ الرَّازِيَّ، وَالْبَيْضَاوِيُّ، وَالْهِنْدِيُّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، كَنَقْضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، كَانَ كَالسُّكُوتِيِّ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً.
стр. 2538
وَإِذَا قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَلَيْسَ بِالْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: إجْمَاعٌ لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعَصْرُ عَنْ قَائِمٍ بِالْحَقِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ قَوْلًا، وَلَمْ يَنْتَشِرْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قِيَاسٌ خَفِيٌّ، قُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُ خَبَرٌ مُرْسَلٌ، فَإِنْ كَانَ مُتَجَرِّدًا عَنْ الْقِيَاسِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَيْهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": هَذَا إذَا بَلَغَ كُلَّ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ فِي كُلِّهِمْ، وَلَمْ يَرَ فِيهِ خِلَافًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. وَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً يُعْتَبَرُ بِمَا يُوَافِقُهُ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ يُخَالِفُ؟ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُوَافِقًا، ثُمَّ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً بِالْقِيَاسِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، فَالْقِيَاسُ أَوْلَى. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وَيُخَالِفُهُ قِيَاسٌ خَفِيٌّ، فَقَوْلُهُ مَعَ الْقِيَاسِ أَوْلَى. وَرَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ قَوْلِهِ قِيَاسٌ خَفِيٌّ، وَيُخَالِفُهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ. قَالَ فِي الْقَدِيمِ: قَوْلُهُ مَعَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ أَوْلَى وَأَلْزَمُ مِنْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ أَوْلَى بِالْعَمَلِ مِنْ قَوْلِهِ مَعَ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: هَذَا إذَا نُقِلَ السُّكُوتُ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ قَوْلٌ وَلَا سُكُوتٌ، فَيَجُوزُ أَنْ لَا يُلْحَقَ بِهَذَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى السُّكُوتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ شَيْئًا لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ. وَقَالَ فِي بَابِ الْفَرَائِضِ: إنَّهُ يُتْرَكُ لِلْقَوْلِ الْمُنْتَشِرِ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَيُعْتَضَدُ بِهِ الْخَفِيُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ، كَنَقْلِ السُّكُوتِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ. الْقَيْدُ الثَّالِثُ: كَوْنُ الْمَسْأَلَةِ مُجَرَّدَةً عَنْ الرِّضَى وَالْكَرَاهَةِ. فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ الرِّضَا بِمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ فَهُوَ إجْمَاعٌ بِلَا خِلَافٍ. قَالَهُ الْقَاضِيَانِ الروياني
стр. 2539
فِي الْبَحْرِ " وَعَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي "، وَجَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ السُّخْطِ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا قَطْعًا، وَكَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ. أَمَّا إذَا اُسْتُصْحِبَ فِعْلٌ يُوَافِقُ الْفَتْوَى فَالْأُمَّةُ حِينَئِذٍ مُنْقَسِمَةٌ إلَى قَائِلٍ وَعَامِلٍ وَذَلِكَ إجْمَاعٌ فَلَا نِزَاعَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ". الْقَيْدُ الرَّابِعُ: مَضَى زَمَنٌ يَسَعُ قَدْرَ مُهْلَةِ النَّظَرِ عَادَةً فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَلَوْ احْتَمَلَ أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا، ذَكَرَهُ الدَّبُوسِيُّ وَغَيْرُهُ. الْقَيْدُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ، فَإِنْ تَكَرَّرَتْ الْفُتْيَا، وَطَالَتْ الْمُدَّةُ مَعَ عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ، فَإِنْ ظُنَّ مُخَالَفَتُهُمْ يَتَرَجَّحُ، بَلْ يُقْطَعُ بِهَا، ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا. قَالَ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ، أَرَادَ بِهِ مَا إذَا كَانَ السُّكُوتُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ السُّكُوتُ إلَّا كَذَلِكَ، وَفِي غَيْرِهِ لَا سُكُوتَ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ "، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، بَلْ هُوَ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ: وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ عَلَى إثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْآحَادِ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي وَقَائِعَ. وَتَوَهَّمَ الْإِمَامُ فِي الْمَعَالِمِ " أَنَّ ذَلِكَ تَنَاقُضٌ مِنْ الشَّافِعِيِّ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ مَعَ تَكَرُّرِ الْوَقَائِعِ، فَإِنْ تَكَرَّرَتْ مَعَ الطُّولِ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْقَاضِي جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ. الْقَيْدُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ. فَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهَا فَلَا أَثَرَ لِلسُّكُوتِ قَطْعًا، كَإِفْتَاءِ مُقَلِّدٍ سَكَتَ عَنْهُ الْمُخَالِفُونَ لِلْعِلْمِ بِمَذْهَبِهِمْ
стр. 2540
وَمَذْهَبِهِ، كَشَافِعِيِّ يُفْتِي بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، فَلَا يَدُلُّ سُكُوتُ الْحَنَفِيِّ عَنْهُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ لِلْعِلْمِ بِاسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، ذَكَرَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ لَهُمْ فِي تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ إحْدَاهُمَا: جَعْلُ ذَلِكَ عَامًّا فِي حَقِّ كُلِّ عَصْرٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَهُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ "، وَالشَّيْخُ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ "، وَالرَّازِيَّ فِي كُتُبِهِ وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ، وَالْآمِدِيَّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْقَرَافِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ": إذَا انْتَشَرَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ، وَلَمْ يُخَالَفْ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالصَّحَابِيِّ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا. قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ ": الصَّحِيحُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. هَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرَ فِي الصَّحَابَةِ مَوْجُودٌ فِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ قَوْلُ التَّابِعِيِّ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ بِلَا خِلَافٍ. انْتَهَى.
الثَّانِيَةَ: قَوْلُ مَنْ خَصَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ "، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي "، وَالصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابَيْهِمَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ " وَإِلْكِيَا، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى " وَالْمَنْخُولِ " وَابْنُ بَرْهَانٍ،
стр. 2541
وَالْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي "، وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ، وَالْمُوَفَّقُ الْحَنْبَلِيُّ فِي الرَّوْضَةِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ: وَخَصَّصَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَا. قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ، وَالْأَوْلَى التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَحْصُولِ "، فَأَطْلَقَ الْمَسْأَلَةَ، ثُمَّ لَمَّا انْتَهَى إلَى فُرُوعِ انْتِشَارِ الْقَوْلِ وَاحْتِمَالِ بُلُوغِهِ لِلْبَاقِينَ خَصَّهُ بِالصَّحَابَةِ. وَتَوَهَّمَ الْبَيْضَاوِيُّ، وَالْهِنْدِيُّ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَأَنَّ الْفَرْعَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالصَّحَابَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ دَلِيلُ الرِّضَا، فَانْتَهَضَ فِي الْإِجْمَاعِ. وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ هَذَا الْفَرْعُ يَخْتَصُّ بِهِمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ، فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْقَوْلِ إلَّا إذَا كَانَ الْقَائِلُ صَحَابِيًّا، فَيَقَعُ الْخِلَافُ نَاشِئًا عَنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ، هَلْ هِيَ حُجَّةٌ؟ وَلِذَلِكَ أَشَارَ الْقَاضِي، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُمَا، إلَى أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ هُوَ نَفْسُ الْكَلَامِ فِي أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟ وَأَجْرَوْا الْكَلَامَ فِيهِ إلَى مَوْضِعِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ بُلُوغُهُ الْجَمِيعَ فَمَسْأَلَةُ السُّكُوتِيِّ، وَإِنْ ظُنَّ فَفِيهَا خِلَافٌ مُفَرَّعٌ عَلَى مَسْأَلَةِ السُّكُوتِيِّ، كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالْحُجِّيَّةِ فِيهَا إلَّا إنْ كَانَ مِنْ صَحَابِيٍّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ، وَمَنْ عَمَّمَ الْقَوْلَ فِيهَا لَمْ يُصِبْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمَلًا أَصْلًا فَلَا وَجْهَ.
стр. 2542
وَقِيلَ بَلْ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ كَمَا فَعَلَهُ الْأَقْدَمُونَ أَظْهَرُ مِنْ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ قَالَ: يَكُونُ حُجَّةً لَا إجْمَاعًا، إنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُهُ فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّ مَنْصِبَهُمْ لَا يَقْتَضِي السُّكُوتَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ فِيهِ، وَهَذَا لَا يَجِيءُ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ.
كَيْفَ وَالتَّعَلُّقُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بِقَوْلِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السَّاكِتَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ قَوْلٌ، كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الشَّافِعِيِّ. وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا فَكَيْفَ يَكُونُ حُجَّةً بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ قَوْلَ صَحَابِيٍّ، فَإِنْ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُمْ عَنْ مِثْلِهِ إجْمَاعًا فَيَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ.
[مَسْأَلَةٌ ظُهُورُ الْإِجْمَاعِ بِالْفِعْلِ وَسُكُوتُ الْآخَرِينَ عَلَيْهِ]
ِ] وَأَمَّا ظُهُورُهُ بِالْفِعْلِ وَحْدَهُ بِأَنْ يَتَّفِقَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى عَمَلٍ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ قَوْلٌ، فَاخْتَلَفُوا عَلَى مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ تَابِعَةٌ لِإِجْمَاعِهِمْ كَثُبُوتِهَا لِلشَّارِعِ، فَكَانَتْ أَفْعَالُهُمْ كَأَفْعَالِهِ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": يَجُوزُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالرِّضَى، وَيُخْبِرُونَ عَنْ الرِّضَى فِي أَنْفُسِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى حُسْنِ مَا رَضُوا بِهِ، وَقَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ، وَتَرْكُ الْفِعْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَيَجُوزُ أَنَّ مَا تَرَكُوهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وَتَابَعَهُ فِي الْمَحْصُولِ ".
стр. 2543
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْمَنْعُ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي، قَالَ: بَلْ رُبَّمَا أَنْكَرَ تَصَوُّرَهُ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُ قَوْمٌ لَا يُحْصَوْنَ عَدَدًا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ أَرْبٍ، فَالتَّوَاطُؤُ عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. نَعَمْ، آحَادُهُمْ يَرْتَكِبُونَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُتَغَايِرَةٍ، وَذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَوَافُقًا أَصْلًا، فَإِنْ تَكَلَّفَ مُتَكَلِّفٌ تَصَوُّرَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَلَا احْتِفَالَ بِهِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى انْتِسَابِهِ إلَى الشَّرْعِ، وَالْقَوْلُ مُصَرِّحٌ بِانْتِسَابِهِ إلَى الشَّرْعِ، فَإِذَنْ لَيْسَ فِي الْفِعْلِ دَلَالَةٌ عَلَى كَوْنِهِ صَوَابًا. اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي التَّصْرِيحَ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ: كُلُّ مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ يَقَعُ بِوَجْهَيْنِ: إمَّا قَوْلٌ، وَإِمَّا فِعْلٌ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ. انْتَهَى. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْإِبَاحَةِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ التَّابِعِينَ لَوْ بَاشَرَ فِعْلًا، فَرُوجِعَ فِيهِ، فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَفْعَلُهُ، وَقَدْ فَعَلَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَبْلَ الْمَشُورَةِ عَلَيْهِ، وَالْعَادَةُ أَيْضًا تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ إذَا اتَّفَقَتْ عَلَى فِعْلٍ، وَتَكَرَّرَ الْفِعْلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً، وَلَا يَخْفَى، قَالَ إلْكِيَا: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ، فَلْيُلْتَحَقْ بِمَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ. وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: قَوْلُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ: إنَّ كُلَّ فِعْلٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ، كَمَا أَنَّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَفْعَالِ الرَّسُولِ مَخْرَجَ الشَّرْعِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ الشَّرْعُ، وَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْأَفْعَالِ مَخْرَجَ الْحُكْمِ وَالْبَيَانِ يَصِحُّ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهِ الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يُؤْخَذُ مِنْ فِعْلِ الرَّسُولِ ﵇، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَجِيءِ التَّفْصِيلِ بَيْنَ أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَصْرُ أَوْ لَا، وَمَنْ اشْتَرَطَهُ فِي الْقَوْلِيِّ فَهَاهُنَا أَوْلَى.
стр. 2544
مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ يَتَرَكَّبُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ: هَذَا مُبَاحٌ، وَيُقَدَّمُ الْبَاقِي عَلَى إبَاحَتِهِ بِالْفِعْلِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ قَائِلًا، وَبَعْضُهُمْ فَاعِلًا، قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ. تَنْبِيهٌ إذَا فَعَلَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ فِعْلًا، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ. فَعَلَامَ يُحْمَلُ؟ تَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِيهَا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْفِعْلِ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ، كَمَا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ .
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: عَدَمُ النَّصِّ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ لَا اعْتِبَارَ بِالْإِجْمَاعِ. هَكَذَا قَالَهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ فِي كِتَابِ شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ ". فَإِنْ أَرَادَ حَمَلَهُ إذَا كَانَ النَّصُّ عَلَى خِلَافِهِ. فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ، وَبِهِ تَبَيَّنَّا نَسْخَ النَّصِّ، وَإِنْ أَرَادَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَفْقِهِ، فَالنَّصُّ بَيَّنَ لَنَا مُسْتَنَدَ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَسْبِقَهُ خِلَافٌ فَلَوْ اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَيَأْتِي.
فَصْلٌ فِي أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهَا.
стр. 2545
[الْمُرَادُ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ]
لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ] الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ وَمَوْتُ الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، بَلْ يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقَرِضُوا، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ مَعَ قَوْلِ الْآخَرِينَ حُجَّةً عَلَيْهِ كَمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ نَشَأَ فِي الْعَصْرِ مُخَالِفٌ قَبْلَ انْقِرَاضِ أَهْلِهِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ " فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَحَجْبُهُ الْأُمَّ بِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ قَدْ وُجِدَ، وَهُوَ صُورَةُ الْإِجْمَاعِ وَلَا مَانِعَ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ. قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْصُورُ عِنْدَنَا.
стр. 2546
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهُ أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْضِيَةِ: إنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ ". فِي بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَجَرَى عَلَيْهِ الدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ "، وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَحَكَاهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: يُشْتَرَطُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَسُلَيْمٌ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ فَائِدَةَ اشْتِرَاطِهِ إمْكَانُ رُجُوعِ الْمُجْمِعِينَ أَوْ بَعْضِهِمْ. وَالثَّانِي: جَوَازُ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْعِلَّتَيْنِ، مَا لَوْ وُجِدَ مُجْتَهِدٌ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ، يُعْتَبَرُ وَفَاقُهُ.
قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": وَالْمُشْتَرِطُونَ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ جَمِيعِ أَهْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ أَكْثَرِهِمْ، فَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ خَبَرِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِبَقَائِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ فَقَطْ. حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى دُخُولِ الْعَامَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ ": اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِطُونَ، فَقِيلَ: يُكْتَفَى
стр. 2547
بِمَوْتِهِمْ تَحْتَ هَدْمٍ دُفْعَةً، إذْ الْغَرَضُ انْتِهَاءُ عُمُرِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ مُدَّةٍ تُفِيدُ فَائِدَةً، فَإِنَّهُمْ قَدْ يُجْمِعُونَ عَلَى رَأْيٍ، وَهُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّغْيِيرِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ أَبْدَى الْخِلَافَ فِي مَسَائِلَ بَعْدَ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: هُوَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ: شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الِانْقِرَاضَ شَرْطٌ، فَعَلَامَ يُعْتَبَرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، فَيَتَسَاهَلُ الْأَمْرُ فِيهِ. فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِتْلَافِ: مِنْ قَتْلٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ". ثُمَّ قَالَ إلْكِيَا: مُقْتَضَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاحِدٌ، وَلَوْ لَحِقَهُمْ زُمْرَةٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ قَبْلَ أَنْ [يَنْقَرِضُوا] فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ صَارُوا مُعْتَبَرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَصَارَ خِلَافُهُمْ مُعْتَبَرًا، وَمَعَ هَذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ اللَّاحِقِينَ، فَإِنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّاحِقَ صَارَ كَالسَّابِقِ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِهِ، وَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ قَوْلِهِ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ فَيَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لَوْ خَالَفَ قَبْلَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الْأَوَّلِينَ اُعْتُبِرَ خِلَافُهُمْ، فَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِيرَ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: إنْ كَانَ سُكُوتِيًّا اُشْتُرِطَ لِضَعْفِهِ، بِخِلَافِ الْقَوْلِيِّ،
стр. 2548
وَهُوَ رَأْيُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَأَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ، فَقَالَ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ ": إنَّهُ قَوْلُ الْحُذَّاقِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَيْضًا.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ": إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَعَلَ سُلَيْمٌ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْقَوْلِيِّ قَالَ: وَأَمَّا السُّكُوتِيُّ فَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ، وَحَاصِلُهُ اخْتِيَارُ هَذَا الْمَذْهَبِ، وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْآمِدِيُّ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا نَقَلْته عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ تَابَعْت فِيهِ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي تَعْلِيقَةِ الْأُسْتَاذِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى قَاطِعٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَمَادِي زَمَانٍ، وَيَنْتَهِضُ حُجَّةً عَلَى الْفَوْرِ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى ظَنِّيٍّ، فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، حَتَّى يَطُولَ الزَّمَانُ، وَتَتَكَرَّرَ الْوَاقِعَةُ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ، وَلَمْ يَتَكَرَّرْ، فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ "، وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمَّا اسْتَنَدَتْ إلَى ظَنِّيٍّ، وَطَالَتْ الْمُدَّةُ، وَتَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِأَحَدٍ خِلَافٌ. اُلْتُحِقَ بِالْمَقْطُوعِ، وَصَرَّجَ بِأَنَّهُمْ لَوْ هَلَكُوا عَقِبَ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ. وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الِانْقِرَاضَ عِنْدَهُ غَيْرُ شَرْطٍ وَلَا مُعْتَبَرٌ فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ وَهْمُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الصَّادِرِ عَنْ قِيَاسٍ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الِانْقِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ كَلَامُهُ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الِانْقِرَاضِ أَلْبَتَّةَ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ فِي الظَّنِّيِّ
стр. 2549
حَكَمَ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ، وَيَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ [وَ] اشْتِرَاطُهُ طُولُ الزَّمَانِ فِي الظَّنِّيِّ، إنَّمَا هُوَ لِيَصِلَ إلَى الْقَطْعِ، لَا أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ فِي نَفْسِهِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى ضَابِطِ قَدْرِ الزَّمَانِ بِمَا لَا يُفْرَضُ فِي مِثْلِهِ اسْتِقْرَارُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ عَلَى رَأْيٍ إلَّا عَنْ حَامِلٍ قَاطِعٍ، أَوْ نَازِلٍ مَنْزِلَةَ الْقَاطِعِ عَلَى الْإِصْرَارِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمَنْخُولِ "، وَقَالَ: الرُّجُوعُ فِي مِقْدَارِهِ إلَى الْعُرْفِ، وَرَدَّهُ فِي الْقَوَاطِعِ " بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَى أَيِّ شَيْءٍ اسْتِنَادُ الْمُجْمِعِينَ، وَلَوْ عُرِفَ اسْتِنَادُهُمْ إلَى الْمَقْطُوعِ كَانَ هُوَ الْحُجَّةَ دُونَ الْإِجْمَاعِ. وَقَالَ إلْكِيَا: قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ قَطْعَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ، فَلَا يَعْتَبِرُوا انْقِرَاضَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَتَقْدِيرٍ يَقْتَضِيهِ خَرْقُ الْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ لَا تُخْرَقُ لَا فِي لَحْظَةٍ وَلَا فِي أَمَدٍ طَوِيلٍ.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْإِمَامُ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَوْ قَطَعَ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ كَانَ كَذَلِكَ، وَلَا فَائِدَةَ لَهُ كَبِيرَةٌ هُنَا. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ فِي الْحُكْمِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِاسْتِنَادِهِ إلَى اجْتِهَادِهِ فَمَا دَامُوا فِي مُهْلَةِ الْبَحْثِ فَلَا مَذْهَبَ لَهُمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا، وَإِنْ جَزَمُوا الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ النَّظَرَيْنِ، فَهَذَا مِمَّا يُبْعِدُ الْإِمَامُ، وَيَرَى أَنَّ الرَّأْيَ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ التَّوَاتُرِ مُسْتَنِدٌ لِلْقَاطِعِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ تَصَوُّرَهُ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ إصْرَارِهِمْ، وَالْإِصْرَارُ قَدْ يَتَبَيَّنُ بِالْقَرَائِنِ، إمَّا فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ. وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: يَنْعَقِدُ قَبْلَ الِانْفِرَاضِ فِيمَا لَا مُهْلَةَ فِيهِ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ. حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ فِي السُّكُوتِيِّ. وَالْمَذْهَبُ السَّادِسُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُجْمِعِينَ إلَّا عَدَدٌ يَنْقُصُونَ عَنْ
стр. 2550
أَقَلِّ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، فَلَا عِبْرَةَ بِبَقَائِهِمْ: وَعُلِمَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ. حَكَاهُ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ "، وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي، الْوَجِيزِ "، وَالْمَذْهَبُ السَّابِعُ: إنْ شَرَطُوا فِي إجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَجَوَّزُوا الْخِلَافَ، اُعْتُبِرَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ، لَمْ يُعْتَبَرْ. حَكَاهُ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ "، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ، ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، دُونَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ الَّتِي يُقْطَعُ فِيهَا بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّامِنُ: إنْ كَانَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ، اُشْتُرِطَ قَطْعًا، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ، فَوَجْهَانِ، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْحَاوِي ".
قَالَ سُلَيْمٌ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّ مَنْ اعْتَبَرَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ جَوَّزَ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى حُكْمٍ، ثُمَّ يَرْجِعُوا عَنْهُ، أَوْ بَعْضُهُمْ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: [الْمُرَادُ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ] قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِانْقِرَاضِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، بَلْ مَوْتُ الْمُجْمِعِينَ الْمُجْتَهِدِينَ. فَالْعَصْرُ فِي لِسَانِهِمْ الْمُرَادُ بِهِ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ، وَالِانْقِرَاضُ عِبَارَةٌ عَنْ مَوْتِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ، حَتَّى لَوْ قُدِّرَ مَوْتُهُمْ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فِي سَفِينَةٍ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ. الثَّانِي: صَوَّرَ الطَّبَرِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ إجْمَاعَ
стр. 2551
التَّابِعِينَ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِهِمْ، وَبِهِ صَرَّحَ بَعْدُ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي التَّعْمِيمِ. وَمِنْ الْمُشْتَرِطِينَ مَنْ أَحَالَ عَدَمَ بُلُوغِ الْأُمَّةِ فِي عَصْرٍ حَدَّ التَّوَاتُرِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحِينَئِذٍ فَيَخْرُجُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُشْتَرِطِينَ قَالُوا: يُحْتَجُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا، كَمَا يَجِبُ عَلَيْنَا طَاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ، وَإِنْ جَازَ تَبْدِيلُهُ بِنَسْخٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ، ثُمَّ إذَا رَجَعُوا فَغَايَتُهُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى خَطَأٍ لَمْ يُقَرُّوا عَلَيْهِ.
[لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْمِعِينَ بُلُوغُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ] الْأَمْرُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْمِعِينَ بُلُوغُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي، بَلْ يَجُوزُ انْحِطَاطُهُمْ عَنْهُ عَقْلًا، وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا. وَإِذَا جَوَّزْنَا، فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِهِ؟ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً، كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَجُوزُ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً، فَإِنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ
стр. 2552
مُسْتَنِدٌ إلَى طَرْدِ الْعَادَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحْسِنْ اسْتِنَادَ الْإِجْمَاعِ إلَيْهِ، لَمْ يَسْتَقِرَّ لَهُ قَدَمٌ فِيهِ، وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ دَلَالَةِ الْعَادَةِ أَوْ السَّمْعِ، فَمَنْ أَخَذَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ شَرَطَ التَّوَاتُرَ، وَمَنْ أَخَذَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ صُورَةَ الْإِجْمَاعِ الْمَشْهُودِ بِعِصْمَتِهِ عَنْ الْخَطَأِ قَدْ وَجَبَتْ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمُهَا. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الْمُشْتَرِطُونَ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقُصَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ مَا دَامَ التَّكْلِيفُ بِالشَّرِيعَةِ بَاقِيًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُتَصَوَّرُ، لَكِنْ يُقْطَعُ بِأَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّ إخْبَارَهُمْ عَنْ إيمَانِهِمْ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، فَلَا يَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعْلَمَ إيمَانُهُمْ بِالْقَرَائِنِ، لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الظُّهُورُ. لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً لِكَوْنِهِ كَاشِفًا عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَهُوَ يُوجِبُ كَوْنَهُ مُتَوَاتِرًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَاطِعًا، فَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ نَقَلَهُ مُتَوَاتِرًا، وَهُوَ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ عَدَدِ التَّوَاتُرِ، وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ بِوُجُودِهِ.
فَرْعٌ [إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ، فَهَلْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ كَالْإِجْمَاعِ] وَطَرَدَ الْأُسْتَاذُ قِيَاسَهُ، فَقَالَ: يَجُوزُ أَلَّا يَبْقَى فِي الدَّهْرِ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ اتَّفَقَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ حُجَّةٌ، كَالْإِجْمَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْوَاحِدِ: أُمَّةٌ،
стр. 2553
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ. قُلْت: وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ " الْوَدَائِعِ "، فَقَالَ: وَحَقِيقَةُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ، فَإِذَا حَصَلَ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ مِنْ وَاحِدٍ، فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَكَذَا إنْ حَصَلَ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَالْحُجَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ إجْمَاعٌ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي أَبِي بَكْرٍ لَمَّا مَنَعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ، فَكَانَتْ بِمُطَالَبَةِ أَبِي بَكْرٍ لَهَا بِالزَّكَاةِ حَقًّا عِنْدَ الْكُلِّ، وَمَا انْفَرَدَ بِمُطَالَبَتِهَا غَيْرُهُ. هَذَا كَلَامُهُ، وَخِلَافُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حُجَّةٌ.
وَقَالَ إلْكِيَا: الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَصَوُّرِ اشْتِمَالِ الْعَصْرِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْوَاحِدِ، وَالصَّحِيحُ تَصَوُّرُهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِهِ، فَفِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ خِلَافٌ، وَبِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. قَالَ: وَاَلَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ فِي اخْتِصَاصِ الْإِجْمَاعِ بِمَحَلٍّ مَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَسَوَّى بَيْنَ الْعَدَدِ وَالْفَرْدِ. وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ سِوَاهُ فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْعَدَدَ، ثُمَّ يَقُولُونَ الْمُعْتَبَرُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، فَإِذَنْ مُسْتَنِدُ الْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدٌ إلَى طَرْدِ الْعَادَةِ بِتَوْبِيخِ مَنْ يُخَالِفُ الْعَصْرَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ يَسْتَدْعِي وُفُورَ عَدَدٍ مِنْ الْأَوَّلِينَ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِيهِ اسْتِيعَابُ مَدَارِكِ الِاجْتِهَادِ. قَالَ: وَيَنْشَأُ مِنْ هَذَا خِلَافٌ فِي مَسْأَلَتَيْنِ
стр. 2554
إحْدَاهُمَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِخِلَافٍ، وَالْمُجْمِعُونَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ؟ فَقِيلَ: لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ. وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ إنْ كَانَ اسْتِنَادُ الْإِجْمَاعِ إلَى قِيَاسٍ، إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: الْجَمَاعَةُ إذَا ابْتَدَرُوا أَجْلَى الْقِيَاسِ وَظَهَرَ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ بِقِيَاسٍ غَامِضٍ يُخَالِفُ فِيهِ. نَعَمْ.
إنْ قَطَعُوا فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ، فَأَهْلُ التَّوَاتُرِ لَا يَقْطَعُونَ فِي مَظِنَّةِ الظَّنِّ إلَّا بِقَاطِعٍ، ثُمَّ ذَلِكَ الْقَاطِعُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ لِلْمُخَالِفِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ، هَلْ يَكُونُ حُجَّةً؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إجْمَاعِ الصِّحَابِ وَمَنْ عَدَاهُمْ، خِلَافًا لِدَاوُدَ.
[التَّوَاتُرُ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ]
[لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ] الْأَمْرُ الثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ فِي نَقْلِهِ، بَلْ يُحْتَجُّ بِالْإِجْمَاعِ الْمَرْوِيِّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَبِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْآمِدِيَّ، وَنُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ اشْتِرَاطُهُ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ عِنْدَ كَوْنِهِ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا.
стр. 2555
[مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا هَلْ هُوَ إجْمَاعٌ]
ٌ] قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كَذَا. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: لَا يَكُونُ إجْمَاعًا، لِجَوَازِ الِاخْتِلَافِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِحْكَامِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِعْرَابِ ": إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ " وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَإِنَّمَا يَسُوغُ هَذَا الْقَوْلُ لِمَنْ بَحَثَ الْبَحْثَ الشَّدِيدَ، وَعَلِمَ أُصُولَ الْعِلْمِ، وَحَمَلَهُ، فَإِذَا عَلِمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَظْهَرْ، وَلِهَذَا لَا نَقُولُ لِلْإِنْسَانِ عَدْلٌ قَبْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِذَا عَلِمْنَاهُ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ مُسْلِمٌ حَكَمْنَا بِعَدَالَتِهِ، وَإِنْ جَازَ خِلَافُ مَا عَلِمْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا يَظْهَرُ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الَّذِينَ كَشَفُوا الْإِجْمَاعَ وَالِاخْتِلَافَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا قَالَ: لَا أَعْرِفُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَمِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ، لَمْ يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَأَثْبَتَ الْإِجْمَاعَ بِهِ قَوْمٌ، وَنَفَاهُ آخَرُونَ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قَالَ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا، فَهُوَ إجْمَاعٌ، وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، إنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَجْمَعَ مِنْهُ لِأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَكِنْ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
стр. 2556
وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ مِنْهَا تَبِيعٌ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ، فَإِنَّ قَوْمًا يَرَوْنَ الزَّكَاةَ عَلَى الْخَمْسِ كَزَكَاةِ الْإِبِلِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ " ": وَقَدْ ذَكَرَ الْحُكْمَ بِرَدِّ الْيَمِينِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ شَهِيرٌ، وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ لَا يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ، وَيَقْضِي بِالنُّكُولِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمِنْ التَّابِعِينَ الْحَكَمُ وَغَيْرُهُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ كَانُوا الْقُضَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَإِذَا كَانَ مِثْلَ مَنْ ذَكَرْنَا يَخْفَى عَلَيْهِ الْخِلَافُ، فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ [تَعْرِيفُ الشُّذُوذِ] اُخْتُلِفَ فِي الشُّذُوذِ، وَمَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَتَرْكُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ أَنْ يَرْجِعَ الْوَاحِدُ عَنْ قَوْلِهِ، فَمَتَى رَجَعَ عَنْهُ سُمِّيَ شَاذًّا، كَمَا يُقَالُ: شَذَّ الْبَعِيرُ عَنْ الْإِبِلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِيهَا، يُسَمِّي شَاذًّا، فَأَمَّا قَوْلُ الْأَقَلِّ فَلَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهِ شَاذًّا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَاذًّا لَكَانَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ شَاذًّا.
стр. 2557
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْإِجْمَاعُ] [ الْمُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ]
ُ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَيَسْتَقِرُّ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِمْ عَمَلٌ أَمْ لَا، وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُحَقِّقٌ لِلْقَوْلِ. قَالَ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ آكَدُ مِنْ الْأَفْعَالِ. نَعَمْ، إنْ أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَمَلِ، يُبْطِلُ الْإِجْمَاعَ. ثَانِيهَا: أَنْ يَسْتَدِيمُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَلَا يَحْدُثُ مِنْ أَحَدِهِمْ خِلَافٌ، فَإِنْ خَالَفَهُمْ الْوَاحِدُ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ بَطَلَ الْإِجْمَاعُ، وَسَاغَ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ حُدُوثُ إجْمَاعٍ بَعْدَ خِلَافٍ، جَازَ حُدُوثُ خِلَافٍ بَعْدَ إجْمَاعٍ كَمَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ. قُلْت: هَذَا رَأْيٌ مَرْجُوحٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ رُجُوعَ الْوَاحِدِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ، بَلْ يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ. وَقَدْ وَافَقَ هُوَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَحْرِ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَنْقَرِضَ عَصْرُهُمْ حَتَّى يُؤْمَنَ الْخِلَافُ مِنْهُمْ، فَإِنْ بَقِيَ الْعَصْرُ رُبَّمَا أَحْدَثَ بَعْضُهُمْ خِلَافًا، كَابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلَّا قُلْته فِي أَيَّامِهِ؟ قَالَ: كَانَ رَجُلًا مَهِيبًا، فَهِبْتُهُ.
стр. 2558
الْمُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ] قَالَ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مَوْتُ جَمِيعِ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ، وَقَدْ تَتَدَاخَلُ الْأَعْصَارُ. وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِي انْقِرَاضِهِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْعَصْرِ الثَّانِي غَيْرُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْقَضِيَ فِيهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَاشَا إلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ، وَتَطَاوَلَا إلَى أَنْ جَمَعَا بَيْنَ عَصْرَيْنِ، فَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ. قَالَ: ثُمَّ إذَا كَانَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا فِي اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْإِجْمَاعِ انْعِقَادًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. قُلْت: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِانْقِرَاضَ شَرْطٌ فِي اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ قَطْعًا، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي انْعِقَادِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. رَابِعُهَا: أَنْ لَا يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ الْأَوَّلِ مَنْ يُنَازِعُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي، فَإِنْ لَحِقَ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ بَعْضُ التَّابِعِينَ، فَخَالَفَ فِي إجْمَاعِهِمْ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَفَصَّلَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَةَ حُدُوثِ الْوَاقِعَةِ فَيُعْتَبَرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ.
стр. 2559
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ]
ِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ فِيهِ دَلِيلًا وَحُجَّةً وَهُوَ كُلُّ أَمْرٍ دِينِيٍّ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوتِهِ لَا كَإِثْبَاتِ الْعَالَمِ لِلصَّانِعِ، وَكَوْنِهِ قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا، كَالنُّبُوَّاتِ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ إثْبَاتُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِجْمَاعِ لِلُّزُومِ الدَّوْرِ، لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ عَلَى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ. [جَرَيَانُ الْإِجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ] وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. وَالشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ " وَغَيْرُهُمْ: الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِصِحَّةِ السَّمْعِ، كَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَإِثْبَاتِ صِفَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فِيهَا، كَمَا لَا يَثْبُتُ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ، وَالْكِتَابُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ السُّنَّةِ. وَالثَّانِي: مَا لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ عَلَى السَّمْعِ، كَجَوَازِ الرِّوَايَةِ، وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَالتَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسِ، فَالْإِجْمَاعُ فِيهِ حُجَّةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَلَخَّصُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي جَرَيَانَ الْإِجْمَاعِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ.
стр. 2560
أَحَدُهَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَاضِي فَقَالَ: وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ الْأَشْعَرِيُّ: يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلَى نَفْيِ قَدِيمٍ عَاجِزٍ أَوْ مَيِّتٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعُقُولِ عَلَى نَفْيِهِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَبِهِ جَزَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا اسْتِغْنَاءً بِدَلِيلِ الْعَقْلِ عَنْ الْإِجْمَاعِ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ، نَعَمْ يُسْتَعْمَلُ الْإِجْمَاعُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، لَا لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ، بَلْ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ وَإِفْحَامِهِ. وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَثْبُتُ حُجَّةً بِالسَّمْعِ، لَا بِالْعَقْلِ.
وَقَالَ إلْكِيَا: يَنْشَأُ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ السَّمْعُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَفَ بِالْإِجْمَاعِ مَا يَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَ مَعْرِفَتُهُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ، كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَالنُّبُوَّاتِ. وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ كُلِّيَّاتِ أُصُولِ الدِّينِ، كَحُدُوثِ الْعَالَمِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ، وَبَيْنَ جُزْئِيَّاتِهِ كَجَوَازِ الرُّؤْيَةِ فَيَثْبُتُ بِهِ. ثُمَّ فِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْإِجْمَاعِ كُلُّ مَا يَصِحَّ أَنْ يُعْلَمَ بِالنُّصُوصِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَيَصِحُّ أَنْ تُعْلَمَ السَّمْعِيَّاتُ كُلُّهَا مِنْ نَاحِيَتِهِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ". الثَّانِيَةُ: قَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا عَلَى كَوْنِهِ ﵎ مُتَكَلِّمًا صَادِقًا فِي كَلَامِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَلْزَمَ الدَّوْرُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْمُعْجِزَةُ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الْمُتَحَدِّي مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْقَوْلِ، فَالدَّوْرُ لَازِمٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَدُلُّ دَلَالَةَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، لَمْ يَلْزَمْ. الثَّالِثَةُ: قِيلَ: يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُدُوثِ الْعَالَمِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا إثْبَاتُ
следующие страницы →