Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
مَقْبُولٌ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْكَذِبِ، وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَكَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِنَصِّهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْهَوَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالرَّافِضَةِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْفِقْهِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي الْكَلَامِ، هَكَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ فِي مَنْثُورَاتِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. اهـ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: هَلْ يَقْدَحُ خِلَافُ الْخَوَارِجِ فِي الْإِجْمَاعِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. قَالَ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِجْمَاعِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ الْأَهْوَاءُ كَمَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ مِنْ حَمَلَةِ الْآثَارِ، وَمَنْ رَأَى الْإِرْجَاءَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ آرَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ. فَإِذَا قِيلَ: قَالَتْ الْخَطَّابِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ كَذَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَؤُلَاءِ فِي الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ. قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْخَوَارِجِ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ يَنْقُلُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ سَلَفَنَا الَّذِينَ أَخَذْنَا عَنْهُمْ أَصْلَ الدِّينِ. انْتَهَى.
стр. 2487
وَمِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ، وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَاسْتَقْرَأَهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: لَا يَشْهَدُ رَجُلٌ عِنْدِي لَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِعَدْلٍ، وَكَيْفَ أُجَوِّزُ حُكْمَهُ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي الْجَهْمِيَّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ، وَيَنْعَقِدُ عَلَى غَيْرِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ مَنْ عَدَاهُ إلَى مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ، حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: أَرَى حِكَايَتَهُ لِغَيْرِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَمَنَعَ مِنْ بَقَائِهِمَا عَلَى إطْلَاقِهِمَا؛ لِوُقُوعِ مَسْأَلَتَيْنِ فِي بَابَيْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، تَنْفِي ذَلِكَ.
إحْدَاهُمَا: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَالْقَوْلُ هُنَا بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ مُعَارِضٌ لِذَلِكَ الِاتِّفَاقِ. وَثَانِيهِمَا: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مَنْ عُرِفَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا اسْتَحَالَ بَقَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إطْلَاقِهِمَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، يَعْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: فَيَنْعَقِدُ، يَعْنِي عَلَى غَيْرِهِ، وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظًا، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ.
стр. 2488
وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيُعْتَدُّ بِهِ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ "، وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاهِيرِ سَلَفِهِمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى الْعَقِيدَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِينَ خُصُوصًا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولُوا عَنْ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ: خِلَافًا لِمَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّنَاقُضِ مِنْ حَيْثُ ذِكْرُهُ. وَقَالَ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ. فَرْعَانِ. أَحَدُهُمَا: إذَا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مَنْ كَفَّرْنَاهُ. فَلَوْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا حَالَ تَكْفِيرِهِ، ثُمَّ تَابَ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ الْآنَ؟ فَلْيُبْنَ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. وَسَنَذْكُرُهُ. الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ الْمُبْتَدِعَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِدْعَتِهِ، أَوْ عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُوجِبُ الْكُفْرَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، هَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِدْعَتَهُ فَمَعْذُورٌ، إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِيهِ حَيْثُ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلتَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وَإِنْ عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ اقْتِضَاءَهَا التَّكْفِيرَ، فَغَيْرُ مَعْذُورٍ، بَلْ كَانَ يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاعْتِقَادِ هَلْ يُكَفِّرُ أَمْ لَا؟
стр. 2489
[مَسْأَلَةٌ الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ الْفَسَقَةُ هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ]
ِ؟] فِي اعْتِبَارِ الْوَرَعِ فِي أَهْلِ الْإِجْمَاعِ خِلَافٌ، فَالْفَسَقَةُ بِالْفِعْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ إذَا بَلَغُوا فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، هَلْ يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُمْ أَوْ خِلَافُهُمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ، وَقَالَ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَنُقِلَ عَنْ شِرْذِمَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُزِيلُ اسْمَ الْإِيمَانِ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَنْ عَدَاهُمْ قَوْلَ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَا كُلِّهِمْ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَإِلَيْهِ مَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، فَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّهِ مُشْكِلٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَجْزِئَةُ الْإِجْمَاعِ، حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّهِ، وَاسْتَحْسَنَهُ إلْكِيَا، وَقَالَ: الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ.
стр. 2490
وَاخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ فِي تَعْلِيلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ إخْبَارَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَوْثُقُ بِهِ لِفِسْقِهِ، فَرُبَّمَا أَخْبَرَ بِالْوِفَاقِ وَهُوَ مُخَالِفٌ أَوْ بِالْخِلَافِ وَهُوَ مُوَافِقٌ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ سَقَطَ أَثَرُهُ، وَشَبَّهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِسُقُوطِ أَثَرِ قَوْلِ الْخَضِرِ ﵇ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَيٌّ؛ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَدَالَةَ رُكْنٌ فِي الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فَاتَتْ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ". وَفَرَّعُوا عَلَيْهَا مَا إذَا أَدَّى الْفَاسِقَ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، هَلْ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ مَنْ عَلِمَ صِدْقَهُ فِي فَتْوَاهُ بِقَرَائِنَ؟ . وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ يَدْخُلُ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ سُئِلَ عَنْ دَلِيلِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْمِلَهُ فِسْقُهُ عَلَى اعْتِقَادِ شَرْعٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ مَأْخَذِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهِ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ كَانَ مُدَرِّسًا مَشْهُورًا أَوْ خَامِلًا مَسْتُورًا، وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَمِينًا أَوْ فَاسِقًا مُتَهَتِّكًا، يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْمَسْتُورُ كَالْمَشْهُورِ. قَالَ: وَالْأَحْسَنُ هُوَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا الْفِسْقُ بِتَأْوِيلٍ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي اعْتِقَادِ بِدْعَةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى التَّكْفِيرِ، فَإِنْ أَدَّتْهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَلَا وِفَاقِهِ. وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمُبْتَدِعِ.
стр. 2491
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ]
ِ] ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَنَسَبَهُ إلَى الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فِي الْحَوَادِثِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَابَعَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، قَالُوا؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهُ لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمَسِّكٌ بِالظَّوَاهِرِ، فَهُوَ كَالْعَامِّيِّ الَّذِي لَا مَعْرِفَةَ لَهُ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ ": يَلْزَمُ الْقَائِلَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ خِلَافَ مُنْكِرِ الْعُمُومِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا ذَاهِبَ إلَيْهِ. قُلْت: نَقَلَ الْأُسْتَاذُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵀ أَنَّهُ طَرَدَ قَوْلَهُ فِي مُنْكِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي الظَّوَاهِرِ وَالْعُمُومِ. قَالَ: لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ، فَمَنْ أَنْكَرَهَا وَتَوَقَّفَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُعْتَبَرُ بِخِلَافِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ السِّوَاكِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ": إنَّ مُخَالَفَةَ دَاوُد لَا تَقْدَحُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ " الْمُفْهِمِ " جُلُّ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، بَلْ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ، وَإِنَّ مَنْ اعْتَدَّ بِهِمْ فَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ خِلَافَ الْعَوَامّ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ فِي الشَّرْعِيَّاتِ كَالسُّوفِسْطَائِيَّةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، وَلَا يُؤْنَسُ بِوِفَاقِهِمْ.
стр. 2492
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ": يُعْتَبَرُ كَمَا يُعْتَبَرُ خِلَافُ مَنْ يَنْفِي الْمَرَاسِيلَ، وَيَمْنَعُ الْعُمُومَ وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ مَدَارَ الْفِقْهِ عَلَى هَذِهِ الطُّرُقِ، وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ أَنَّهُ حَكَى عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ، وَيُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ فِي الْأُصُولِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْمُحَقِّقُونَ لَا يُقِيمُونَ لِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ وَزْنًا؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيعَةِ صَادِرَةٌ عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَلَا تَفِي النُّصُوصُ بِعُشْرِ مِعْشَارِهَا.
وَقَالَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ: إنَّ قَوْلَ دَاوُد بِإِجْزَاءِ الرَّقَبَةِ الْمَعِيبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ. قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَوْ عَاصَرَ دَاوُد لَمَا عَدَّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ إنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِالْآثَارِ وَالتَّوْقِيفِ وَاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ، وَلَا مُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَتَجَزَّأُ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالتَّجَزُّؤِ، لَمْ يَمْنَعْ أَنْ يَقَعَ النَّظَرُ فِي فَرْعٍ هُمْ فِيهِ مُحِقُّونَ، كَمَا نَعْتَبِرُ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامِيَّةِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ مَدْخَلًا، كَذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مَا اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَحَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ الِاعْتِدَادُ بِخِلَافِهِمْ، وَلِهَذَا يَذْكُرُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أَصْحَابِنَا خِلَافَهُمْ فِي الْكُتُبِ الْفَرْعِيَّةِ.
стр. 2493
ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي أُجِيبُ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ: أَنَّ دَاوُد يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَيُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ إلَّا مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْقِيَاسِيُّونَ مِنْ أَنْوَاعِهِ أَوْ بَنَاهُ عَلَى أُصُولِهِ الَّتِي قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى بُطْلَانِهَا، فَاتِّفَاقُ مَنْ سِوَاهُ عَلَى خِلَافِهِ إجْمَاعٌ يَنْعَقِدُ، فَقَوْلُ الْمُخَالِفِ حِينَئِذٍ خَارِجٌ عَنْ الْإِجْمَاعِ، كَقَوْلِهِ فِي التَّغَوُّطِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَتِلْكَ الْمَسَائِلِ الشَّنِيعَةِ، وَفِي " لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ " الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَخِلَافُهُ فِي هَذَا وَشَبَهُهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ. اهـ. فَتَحَصَّلْنَا عَلَى خَمْسَةِ آرَاءً فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَلَى إطْلَاقِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابَةِ: لَا أَمْتَنِعُ مِنْ كِتَابَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ جَمْعِ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِنَّمَا أَسْتَحِبُّ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ دَاوُد أَوْجَبَ كِتَابَةَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَدَاوُد مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَقَدْ أَقَامَ الشَّافِعِيُّ لِخِلَافِهِ وَزْنًا، وَاسْتَحَبَّ كِتَابَةَ مَنْ ذَكَرَهُ لِأَجْلِ خِلَافِهِ. اهـ. وَهَذَا وَهْمٌ عَجِيبٌ مِنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّ دَاوُد إنَّمَا وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ الشَّافِعِيِّ بِسَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِئَتَيْنِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ خِلَافَهُ، فَغَلِطَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِأَجْلِ فَهْمِهِ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ هُوَ، بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْمُسْتَحِبُّ هُوَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ، لَكِنَّهُ عَلَّلَهُ بِتَعْلِيلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
نَعَمْ، أَوْجَبَهَا قَبْلُ غَيْرُ دَاوُد، فَالْمُرَادُ الْخِلَافُ الَّذِي عَلَيْهِ دَاوُد لَا خُصُوصُ دَاوُد عَلَى أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ كَلَامَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ مُسْتَقِيمٌ، وَالْجُمْلَةُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ صَاحِبَ الظَّاهِرِ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ
стр. 2494
دَاوُد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ شَيْخُ الشَّافِعِيِّ بِمَكَّةَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْت أَوْرَعَ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُ الَّذِي نَقَلَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْعَقِيقَةِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ ": فِي بَابِ الْعَقِيقَةِ أَفْرَطَ فِي الْعَقِيقَةِ رَجُلَانِ، رَجُلٌ قَالَ بِوُجُوبِهَا، وَهُوَ دَاوُد، وَرَجُلٌ قَالَ بِبِدْعَتِهَا وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَكَلَامُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي التَّعْلِيقِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هُوَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَسْتَحِبُّ كِتَابَةَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ دَاوُد يُوجِبُ كِتَابَةَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَلَمْ يَقُلْ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
مَسْأَلَةٌ [عَدَمُ اشْتِرَاطِ الشُّهْرَةِ فِي مَنْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ] . لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا فِي الْفُتْيَا، بَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْخَامِلِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّاذِّينَ حَيْثُ فَصَلَ بَيْنَ الْمَشْهُورِ بِالْفَتْوَى، فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِيهِ مِنْ الصِّفَاتِ، لَا بِشُهْرَتِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ مَذْهَبٍ، بَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مَهْمَا عُلِمَ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مَقْبُولُ الْفُتْيَا، بِدَلِيلِ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مُتَنَاوِلٌ لَهُ، وَلَا مَخْرَجَ عَنْهُ، فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ.
стр. 2495
مَسْأَلَةٌ [هَلْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ] مَنْ أَحْكَمَ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا أَدَاةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَنْ أَحْكَمَ عُلُومَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا اللُّغَةُ أَوْ عِلْمُ التَّفْسِيرِ، فَهَلْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ؟ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ؟ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع مَعَ خِلَافِهِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ سِوَى الْقَاضِي، وَتَرْجَمَ إلْكِيَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: مَنْ أَشْرَفَ عَلَى رُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ، قَالَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ: لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَصَارَ قَاضِينَا أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ يُعْتَدُّ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ فِي رُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ.
مَسْأَلَةٌ [لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ إذَا أَحْكَمَا أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ] الصَّبِيُّ إذَا أَحْكَمَ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَّى يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقَدَّرُ عَلَى الْبُعْدِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ خِلَافَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّبِيِّ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ. وَلِهَذَا أَلْغَى أَقْوَالَهُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ، وَلِهَذَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْفَاسِقِ، وَقَدْ سَبَقَ.
стр. 2496
مَسْأَلَةٌ [الِاعْتِدَادُ فِي الْإِجْمَاعِ بِمَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ] قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَأَمَّا مَنْ بَلَغَ مِنْ النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ خِلَافِهِ " وَالرِّقُّ وَالْأُنُوثَةُ لَا يُؤَثِّرَانِ فِي اعْتِبَارِ الْخِلَافِ، كَمَا لَا يُؤَثِّرَانِ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى. وَقَدْ رَجَعَ أَعْلَامُ الصَّحَابَةِ إلَى فَتَاوَى عَائِشَةَ، وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِلَى فَتَاوَى نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَبْلَ عِتْقِهِمَا.
стр. 2497
الشَّرْطُ الثَّانِي اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْبِقَاعِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إذَا اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ وَخَالَفَ وَاحِدٌ، فَلَا يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ الْكَرْخِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِمْ. وَاحْتَجَّ الْقَفَّالُ بِمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ، وَدَعْوَتِهِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ، وَاعْتَدُّوا بِهِ خِلَافًا، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ لِهَذَا: شَاذٌّ؛ لِأَنَّ الشَّاذَّ مَا كَانَ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ شَذَّ عَلَيْهِمْ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَحْجُوجًا بِهِمْ وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِهِ. قَالَ: إلَّا أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ جِهَةِ الْحِكَايَةِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِمْ، أَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فَلَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ، وَدَلِيلُ النَّظَرِ بَاقٍ. وَاحْتَجَّ جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ. قَالَ فِي " الْبَيَانِ ": لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَلَمْ يَكُنْ
стр. 2498
قَوْلُهُمْ حُجَّةً. اهـ.
وَهَذَا لَيْسَ مَحَلَّ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ مَا دَامَ فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ لَا يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إلَى وَاحِدٍ، قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ اسْمَ الْإِجْمَاعِ يَسْتَدْعِي عَدَدًا، فَلَا أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَالْمَذْهَبُ: انْعِقَادُ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ ﵀، وَأَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْخَيَّاطِ مِنْ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ أُسْتَاذِ الْكَعْبِيِّ، وَزَادَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ الْأَخْشَادِ مِنْ أَصْحَابِ الْجُبَّائِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ثُمَّ رَدَّهُ بِمُخَالَفَةِ الصِّدِّيقِ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي قِتَالِ الرِّدَّةِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ، وَإِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَمِيلُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُحِيطِ ": وَالشَّرْطُ أَنْ يُجْمِعَ جُمْهُورُ تِلْكَ الصَّنْعَةِ، وَوُجُوهُهُمْ وَمُعْظَمُهُمْ، وَلَسْنَا نَشْتَرِطُ قَوْلَ جَمِيعِهِمْ، وَكَيْفَ نَشْتَرِطُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ، فَإِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيَسْتَسِرُّونَ بِالْعِلْمِ، فَرُبَّمَا كَانَ الرَّجُلُ قَدْ أَخَذَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ جَارُهُ. قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اسْتَخْلَفُوا أَبَا بَكْرٍ انْعَقَدَتْ خِلَافَتُهُ، بِإِجْمَاعِ الْحَاضِرِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ غَابَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ، وَمِنْ حَاضِرِي الْمَدِينَةِ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ السَّقِيفَةَ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَكْثَرِينَ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ، وَبِهِ
стр. 2499
يُشْعِرُ إيرَادُ بَعْضِهِمْ، وَاحْتَجَّ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْأَقَلِّ بِارْتِكَابِهِ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ الشَّاقُّ لِعَصَا الْمُسْلِمِينَ، لَا فِي أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قَدْ شَذَّ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ، وَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ بِعَيْنِ مَا ذَكَرَ.
وَالثَّالِثُ: حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ عُدَّ الْمُخَالِفُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُجْمِعِينَ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ مُتَمَسَّكَ الْمُخَالِفِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ عَدَدَ الْأَقَلِّ إنْ بَلَغَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ لَمْ يُعْتَبَرْ بِالْإِجْمَاعِ دُونَهُ وَإِلَّا اُعْتُدَّ بِهِ. حَكَاهُ الْآمِدِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ. قِيلَ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ الْعَقْلُ لَا السَّمْعُ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُشْتَرَطُ لَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ، إذْ التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مَعَ الْأَقَلِّ الْمُخَالِفِ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ إذَنْ.
وَالْخَامِسُ: اتِّبَاعُ الْأَكْثَرِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ خِلَافُهُ، حَكَاهُ الْهِنْدِيُّ. وَالسَّادِسُ: يَضُرُّ الِاثْنَانِ لَا الْوَاحِدُ. وَالسَّابِعُ: يَضُرُّ الثَّلَاثَةُ لَا الْوَاحِدُ، وَلَا الِاثْنَانِ، وَخَصَّ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ خِلَافَ ابْنِ جَرِيرٍ بِالْوَاحِدِ، وَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ خِلَافَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يَجْعَلُ الْمَسْأَلَةَ خِلَافًا، وَيَخْرُجُ مِنْهُ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِضَرَرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ. وَالثَّامِنُ: إنْ سَوَّغَتْ الْجَمَاعَةُ الِاجْتِهَادَ فِي مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ كَانَ خِلَافَهُ مُعْتَدًّا بِهِ، كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ، وَإِنْ أَنْكَرُوهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، كَخِلَافِهِ فِي رِبَا الْفَضْلِ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ.
стр. 2500
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. قِيلَ: وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَكْثَرِ، أَعْنِي تَسْوِيغَهُمْ الْمُخَالَفَةَ وَعَدَمَهُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ اتِّفَاقُهُمْ لَمْ يَكُنْ تَسْوِيغُهُمْ الْمَذْكُورُ حُجَّةً، وَإِيجَابُ اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ خِلَافُهُ. وَالتَّاسِعُ: إنْ كَانَ يَدْفَعُ خِلَافَ الْوَاحِدِ نَصٌّ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ، كَخِلَافِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلصَّحَابَةِ فِي الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ الْقُرْآنِ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ لِوُجُودِ النَّصِّ. وَإِنْ كَانَ لَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَخَالِفِهِ نَصٌّ كَانَ خِلَافُهُ مَانِعًا مِنْ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الْعَصْرِ أَوْ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ سِنًّا، كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي الْعَوْلِ، فَصَارَ خِلَافُهُ خِلَافًا، وَجَزَمَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ. الْعَاشِرُ: لَا يُعْتَبَرُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَالتَّأْثِيمِ، وَالتَّضْلِيلِ، بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ ابْنِ الْأَخْشَادِ، وَيَجِيءُ مَذْهَبٌ آخَرُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ، التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ تَابِعِيًّا وَالْمُجْمِعُونَ صَحَابَةً وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ، وَآخَرُ مُفَصِّلٌ بَيْنَ أَنْ يَنْشَأَ مَعَهُمْ وَيُخَالِفَهُمْ أَوْ يَنْشَأَ بَعْدَهُمْ.
стр. 2501
مَسْأَلَةٌ [لَا اعْتِبَارَ لِلْخِلَافِ الثَّانِي] الْخِلَافُ الثَّانِي لَا اعْتِبَارَ لَهُ، كَمَا أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْبَعِيدَ لَا يُخْرِجُ النَّصَّ عَنْ كَوْنِهِ نَصًّا، وَلِهَذَا عَدَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ جُمْلَةً مِنْ التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَهَكَذَا يَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْخِلَافِ فِي الشَّاذِّ: إنَّهُ لَا خِلَافَ، وَلَا اخْتِلَافَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ الْقَرِيبُ الْمَأْخَذِ بِخِلَافِ الشَّاذِّ الْبَعِيدِ، فَهُوَ خِلَافٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ.
مَسْأَلَةٌ [الْأَوْجُهُ الْمَحْكِيَّةُ هَلْ تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ] الْأَوْجُهُ الْمَحْكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ، هَلْ تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِلْأُصُولِيِّينَ، وَيُشْبِهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّهُ لَازِمُ الْمَذْهَبِ، أَمْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوْجُهَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوَاعِدَ عَامَّةٍ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَلَا، لَكِنْ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ " فِي أَوَّلِ الْقَضَاءِ صَرَّحَ بِحِكَايَةِ خِلَافٍ فِي أَنَّهَا هَلْ تَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ أَمْ لَا؟ وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَقْدَحُ.
стр. 2502
[التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إذَا أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ [التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ] [إذَا أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ؟] إذَا أَدْرَكَ التَّابِعِيُّ عَصْرَ الصَّحَابَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ دَخَلَ مَعَهُمْ فِيهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا بِهِ عَلَى أَصَحِّ الْوُجُوهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنِ الصَّبَّاغِ، وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيِّ فِي كِتَابِ " أَدَبِ الْجَدَلِ " لَهُ. قَالَ: لِأَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَلِفَا إلَّا فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْحَقِّ مَعَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " اللُّبَابِ "، وَالسَّرَخْسِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لَا يَثْبُتُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي الْإِشْعَارِ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانَ يَكْرَهُهُ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، فَلَا يَثْبُتُ إجْمَاعُهُمْ بِدُونِ قَوْلِهِ، وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ إذْ ذَاكَ بَعْضُ الْأُمَّةِ، وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِجَمِيعِهِمْ. وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ فَرِيضَةٍ فَقَالَ: سَلُوا ابْنَ جُبَيْرٍ، فَإِنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَكَانَ أَنَسٌ يُسْأَلُ فَيَقُولُ: سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ سَمِعَ وَسَمِعْنَا، وَحَفِظَ وَنَسِينَا، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ فَأَشَارَ إلَى مَسْرُوقٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ جَوَابُهُ تَابَعَهُ عَلَيْهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ "، وَنَقَلَهُ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَنُفَاةِ الْقِيَاسِ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ.
стр. 2503
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقْتَ حُدُوثِ تِلْكَ النَّازِلَةِ فَيُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالصَّيْرَفِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ "، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ". قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَتَّبَ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: إنْ بَلَغَ التَّابِعِيُّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ، فَأَجْمَعُوا، وَخَالَفَهُمْ، اُعْتُدَّ بِخِلَافِهِ، وَإِنْ أَجْمَعُوا عَلَى قَوْلٍ ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ، وَخَالَفَهُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِ، وَمَنْ اعْتَبَرَ انْقِرَاضَهُ فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ. اهـ. وَصَوَّرَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " الْمَسْأَلَةَ بِالْمَعَاصِرِ الْمُجْتَهِدِ، فَقَالَ: يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ فِي حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْحَادِثَةِ، فَاعْتُبِرَ وِفَاقُهُ كَالْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ عَاصَرَهُمْ وَهُوَ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ بَلَغَهَا وَخَالَفَهُمْ، فَهَلْ يُعَدُّ خِلَافُهُ خِلَافًا؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: يُعَدُّ خِلَافًا لِقِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْعَوْلِ. اهـ. وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ مَا نَصُّهُ: وَمَتَى أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ حَدَثَ فِي عَصْرِهِمْ مَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الِاسْتِدْلَالِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مُخَالَفَةُ
стр. 2504
إجْمَاعِهِمْ، فَإِنْ حَدَثَتْ حَادِثَةٌ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدْ جَاءَ فِيهِ التَّابِعِيُّ مُسْتَدِلًّا فَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ اسْتِنْبَاطًا، وَرَأَى خِلَافَهُ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِلَافٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، هَذَا كَلَامُهُ. وَحَكَى فِي " الْقَوَاطِعِ " الْوَجْهَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا إذَا بَلَغَ التَّابِعِيُّ فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ التَّابِعِيُّ مَحْجُوجًا بِذَلِكَ قَطْعًا، وَقَدْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ هَذَا الِاعْتِبَارَ يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ. اهـ. وَكَلَامُ الْآمِدِيَّ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلَافِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُهُمْ دُونَهُ اخْتَلَفُوا، فَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ، قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، لَمْ يَنْعَقِدْ إجْمَاعُهُمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ، وَإِنْ بَلَغَ الِاجْتِهَادَ بَعْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ.
قَالَهُ: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَمَنْ شَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ، قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا حَالَ إجْمَاعِهِمْ أَوْ صَارَ مُجْتَهِدًا بَعْدَ ذَلِكَ فِي عَصْرِهِمْ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْلًا، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ إجْمَاعُهُمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ. انْتَهَى. وَتَحَصَّلَ أَنَّ اللَّاحِقَ إمَّا أَنْ يَتَأَهَّلَ قَبْلَ الِانْقِرَاضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ أَوْ يَسْكُتَ، وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ
стр. 2505
اعْتِبَارِهِ لَا يَجْعَلُ لِذَلِكَ أَثَرًا، وَالْقَائِلُ بِهِ اثْنَانِ: قَائِلٌ إنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ، بَلْ يُعْتَبَرُ عَدَمُ خِلَافِهِ. وَقَائِلٌ يَعْتَبِرُهُمَا. تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّلُ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مَعَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خِلَافَ الْأَقَلِّ يَنْدَفِعُ بِهِ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ، فَلِهَذَا ذُكِرَتْ. الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالتَّابِعِيِّ مَعَ الصَّحَابَةِ، بَلْ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ عَلَى حُكْمٍ، فَنَشَأَ قَوْمٌ مُجْتَهِدُونَ قَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ، فَخَالَفُوهُمْ، وَقُلْنَا: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ الْإِجْمَاعُ؟ عَلَى مَذْهَبَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُعْتَبَرُ الِانْقِرَاضُ فَلَا.
[إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ [إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ] إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهَكَذَا إجْمَاعُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ خِلَافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ حَيْثُ قَالَ: إجْمَاعُ اللَّازِمِ يَخْتَصُّ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ، فَأَمَّا إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيِّ مِنَّا فِي صَحِيحِهِ، وَقِيلَ: إنَّ أَحْمَدَ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، فَقَالَ:
стр. 2506
الْإِجْمَاعُ أَنْ يُتَّبَعَ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ الصَّحَابَةِ وَهُوَ بَعْدُ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ، لَكِنَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى سَوَّى بَيْنَ الْكُلِّ. فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَجْرَى لَهُ قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالثَّانِي، وَحَمَلَ الْأَوَّلَ عَلَى آحَادِ التَّابِعِينَ، لَا إجْمَاعِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى شَيْءٍ سَلَّمْنَاهُ، وَإِذَا أَجْمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِدَاوُدَ؛ لِأَنَّهُ رَأَى نَفْسَهُ مِنْ التَّابِعِينَ، فَقَدْ رَأَى أَنَسًا ﵁. وَقِيلَ: أَدْرَكَ أَرْبَعَةً مِنْهُمْ، وَلَنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَصْلٍ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكُلِّ، وَبِالشَّهَادَةِ بِالْعِصْمَةِ، وَهُوَ عَامٌّ، فَتَخْصِيصُهُ تَحَكُّمٌ، وَهُوَ كَالْقَائِلِ لَا حُجَّةَ إلَّا فِي قِيَاسِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] ، وَخَصَّ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي " أَدَبِ الْجَدَلِ " النَّقْلَ عَنْ دَاوُد بِمَا إذَا أَجْمَعُوا عَنْ نَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ قَالَ: فَأَمَّا إذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقَدْ سَبَقَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: ذَهَبَ دَاوُد وَأَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا هُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَالصَّحَابَةُ هُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا التَّوْقِيفَ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا يَقُولُونَ فِي إجْمَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ. أَيَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى خَطَأٍ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ
стр. 2507
أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» . وَالثَّانِي: أَنَّ سَعَةَ أَقْطَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا ضَبْطَ أَقْوَالِهِمْ، وَمَنْ ادَّعَى هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ كَذِبُهُ.
[إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ [إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَجْمَعُوا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ": قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ حُجَّةٌ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا ذَكَرَ قَوْلَهُ إلَّا عَابَهُ، وَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدِي مَعِيبٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ
стр. 2508
فِي كِتَابِ " فَهْمِ السُّنَنِ ": قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا مَعْمُولًا بِهِ لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ خِلَافَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ. اهـ. وَنَقَلَ عَنْهُ الصَّيْرَفِيُّ فِي الْأَعْلَامِ " وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى " أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا هُوَ إجْمَاعُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الْجُرْجَانِيِّ " أَنَّهُ أَرَادَ الْفُقَهَاءَ السَّبْعَةَ وَحْدَهُمْ، وَقَالَ: إنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَسْأَلَةٍ انْعَقَدَ بِهِمْ الْإِجْمَاعُ، وَلَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِمْ مُخَالَفَتُهُمْ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْأَوَّلُ. لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي " الْمُوَطَّأِ " فِي بَابِ الْعَيْبِ فِي الرَّقِيقِ نَقَلَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ الْعَيْبِ أَصْلًا، عَلِمَهُ أَوْ جَهِلَهُ. ثُمَّ خَالَفَهُمْ، فَلَوْ كَانَ يَرَى أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ لَمْ تَسَعْ مُخَالَفَتُهُ.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: إنَّمَا أَرَادَ فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ، كَالصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالْأَذَانِ، وَالْإِمَامَةِ، وَعَدَمِ الزَّكَوَاتِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ مِمَّا تَقْضِي الْعَادَةُ بِأَنْ يَكُونَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَوْ تَغَيَّرَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ لَعُلِمَ، فَأَمَّا مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ فَهُمْ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ. وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ شَيْخِهِ الْأَبْهَرِيُّ. وَقِيلَ: يُرَجَّحُ نَقْلُهُمْ عَلَى نَقْلِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إلَى هَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَرَجَّحَ رِوَايَةَ أَهْلِ الدِّينِ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي
стр. 2509
التَّابِعِينَ. حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَعَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَادَّعَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا: إنَّ اجْتِهَادَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ مُرَجَّحٌ عَلَى اجْتِهَادِ غَيْرِهِمْ، فَيُرَجَّحُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ مَرَّةً: إنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى إجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ ﵁: إذَا وَجَدْت مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ، فَلَا يَدْخُلْ قَلْبَك شَكٌّ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَكُلَّمَا جَاءَك شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَلَا تَعْبَأْ بِهِ، فَقَدْ وَقَعْتَ فِي الْبِحَارِ، وَوَقَعْتَ فِي اللُّجَجِ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ: إذَا رَأَيْت أَوَائِلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا تَشُكَّنَّ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَاَللَّهِ إنِّي لَك نَاصِحٌ، وَالْقُرْآنِ لَك نَاصِحٌ، وَإِذَا رَأَيْت قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي حُكْمٍ أَوْ سُنَّةٍ، فَلَا تَعْدِلْ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ شِهَابٍ قَدْمَةً، فَقُلْت لَهُ: طَلَبْتَ الْعِلْمَ حَتَّى إذَا كُنْتُ وِعَاءً مِنْ أَوْعِيَتِهِ تَرَكْت الْمَدِينَةَ فَقَالَ: كُنْت أَسْكُنُ الْمَدِينَةَ، وَالنَّاسُ نَاسٌ، فَلَمَّا تَغَيَّرَتْ النَّاسُ تَرَكْتُهُمْ. رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. اهـ. وَقِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَمَا سَبَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْتَخَبِ " وَصُحِّحَ فِي مَكَان آخَرَ التَّعْمِيمُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ،
стр. 2510
وَفِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَلَا فَرْقَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ، إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عِصْمَةِ بَعْضِ الْأُمَّةِ. نَعَمْ، مَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ إذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ، وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ، وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، وَلَوْ بِالتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ عَادِيٍّ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ﵀. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: نَقْلِيٌّ، وَاسْتِدْلَالِيٌّ. فَالْأَوَّلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مِنْهُ نَقْلُ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ . إمَّا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ إقْرَارٍ. فَالْأَوَّلُ: كَنَقْلِهِمْ الصَّاعَ، وَالْمُدَّ وَالْأَذَانَ، وَالْإِقَامَةَ وَالْأَوْقَاتِ، وَالْأَحْبَاسِ وَنَحْوِهِ. وَالثَّانِي: نَقْلُهُمْ الْمُتَّصِلَ كَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ: كَتَرْكِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَضْرَاوَاتِ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُزْرَعُ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لَا يَأْخُذُونَهَا مِنْهَا. قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ إجْمَاعِهِمْ حُجَّةٌ يَلْزَمُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَتَرْكُ الْأَخْبَارِ وَالْمَقَايِيسِ لَهُ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِيهِ.
قَالَ: وَالثَّانِي: وَهُوَ إجْمَاعُهُمْ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَلَا مُرَجَّحٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي يَعْقُوبَ الرَّازِيَّ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ، وَالطَّيَالِسِيِّ، وَأَبِي الْفَرَجِ، وَالْأَبْهَرِيُّ، وَأَنْكَرُوا كَوْنَهُ مَذْهَبًا لِمَالِكٍ
стр. 2511
ثَانِيهَا: أَنَّهُ مُرَجَّحٌ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ خِلَافُهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحُسَيْن بْنُ عُمَرَ. انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ نَقْلٌ مُحَصِّلٌ لِلْعَمَلِ الْقَطْعِيِّ، وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، تُحِيلُ الْعَادَةُ عَلَيْهِمْ التَّوَاطُؤَ عَلَى خِلَافِ الصِّدْقِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ أَوْلَى مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ وَالظَّوَاهِرِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْأَوَّلُ مِنْهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ، وَمُرَجِّحٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ، وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ مُفْرَزُ الْإِيمَانِ، وَمَنْزِلُ الْأَحْكَامِ، وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْمُشَافِهُونَ لِأَسْبَابِهَا، الْفَاهِمُونَ لِمَقَاصِدِهَا، ثُمَّ التَّابِعُونَ نَقَلُوهَا وَضَبَطُوهَا، وَعَلَى هَذَا فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ حَيْثُ إجْمَاعُهُمْ، بَلْ إمَّا هُوَ مِنْ جِهَةِ نَقْلِهِمْ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ شَهَادَتِهِمْ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ، قَالَ: وَهَذَا النَّوْعُ الِاسْتِدْلَالِيُّ إنْ عَارَضَهُ خَبَرٌ، فَالْخَبَرُ أَوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الطَّرِيقُ، وَعَمَلُهُمْ الِاجْتِهَادِيُّ مَظْنُونٌ مِنْ جِهَةِ مُسْتَنَدِ اجْتِهَادِهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ، وَكَانَ الْخَبَرُ أَوْلَى، وَقَدْ صَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْعِصْمَةِ كُلُّ الْأُمَّةِ لَا بَعْضُهَا. اهـ. وَقَدْ تَحَرَّرَ بِهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَهَؤُلَاءِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ.
стр. 2512
[اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَاتِبُ عِدَّةٌ]
ٌ] وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ جُمْهُورُهُمْ. وَمِنْهَا مَا يَقُولُ بِهِ بَعْضُهُمْ. فَالْمَرَاتِبُ أَرْبَعَةٌ: إحْدَاهَا: مَا يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، كَنَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ، فَهَذَا حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَلِهَذَا رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إلَى مَالِكٍ فِيهِ، وَقَالَ: لَوْ رَأَى صَاحِبِي كَمَا رَأَيْت لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْت، وَرَجَعَ إلَيْهِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. فَقَالَ: هَذِهِ بِقَائِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا صَدَقَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ، وَسَأَلَ عَنْ الْأَحْبَاسِ. فَقَالَ: هَذَا حَبِيسُ فُلَانٍ، وَهَذَا حَبِيسُ فُلَانٍ، فَذَكَرَ أَعْيَانَ الصَّحَابَةِ. فَقَالَ لَهُ: أَبُو يُوسُفَ: وَكُلُّ هَذَا قَدْ رَجَعْت إلَيْك. الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَهَذَا كُلُّهُ هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ عِنْدَنَا أَيْضًا. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. فَقَالَ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى: إذَا رَأَيْت قُدَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَبْقَ فِي قَلْبِك رَيْبٌ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ أَنَّ مَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ بَيْعَةٍ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعْقَدْ بِهَا بَيْعَةٌ، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ.
الثَّالِثَةُ: إذَا تَعَارَضَ فِي الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ فَهَلْ يُرَجَّحُ
стр. 2513
أَحَدُهُمَا بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؟ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ مُرَجَّحٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْمَنْعِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَابْنُ عَقِيلٍ. وَالثَّانِي: مُرَجَّحٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ، وَمِنْ كَلَامِهِ: إذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ. الرَّابِعَةُ: النَّقْلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ". فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَيْسَ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَئِمَّةِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ، وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ تَقْلِيدٍ. وَجَعَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْإِبْيَارِيُّ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً: أَحَدُهَا: الْأَعْمَالُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، فَلَا خِلَافَ فِي اعْتِمَادِهَا. ثَانِيهَا: أَنْ يَرْوُوا أَخْبَارًا وَيُخَالِفُوهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الرَّاوِيَ الْوَاحِدَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَقَطَ التَّمَسُّكُ بِرِوَايَتِهِ، وَيَرْجِعُ إلَى عَمَلِهِ فَمَا الظَّنُّ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جُمْلَةً. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَنْقُلُوا الْخَبَرَ، وَلَكِنْ يُصَادَفُ خَبَرٌ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِمْ، فَهَذِهِ أَضْعَفُ مِنْ الْأُولَى، وَلَكِنْ غَلَبَةُ الظَّنِّ حَاصِلَةٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْفَى عَنْ جَمِيعِهِمْ؛ لِهُبُوطِ الْوَحْيِ فِي بَلَدِهِمْ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسُّنَّةِ، وَلِهَذَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ. وَيَبْعَثُونَ يَسْأَلُونَ مِنْهُمْ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ رَأَوْا وَخَالَفُوا.
стр. 2514
رَابِعُهَا: أَنْ لَا يُنْقَلَ خَبَرٌ عَلَى خِلَافِ قَضَائِهِمْ، وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا الْقِيَاسَ مَعَ كَوْنِهِ حُجَّةً شَرْعِيَّةً إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا يُوَافَقُونَ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، كَالْقِصَاصِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي الْأَطْرَافِ. خَامِسُهَا: أَنْ يُصَادِفَ قَضَاؤُهُمْ عَلَى خِلَافِ خَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنْهُمْ أَوْ عَنْ غَيْرِهِمْ، لَا عَنْ خِلَافِ قِيَاسِ، حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى خَبَرٍ لِأَجْلِ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ، فَالصَّوَابُ عِنْدِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَنْقُولِ، وَيُتَّبَعُ الدَّلِيلُ. اهـ.
[الرَّدُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ] وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لَكِنْ نَبَّهَ الْإِبْيَارِيُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ، فَلَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، حَتَّى يُفَسَّقَ الْمُخَالِفُ، وَيُنْقَضَ قَضَاؤُهُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: هُوَ حُجَّةٌ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَأْخَذٍ مِنْ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ، كَالْمُسْتَنِدِ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
[رُدُودُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَعْوَى إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ]
[رُدُودُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَعْوَى: إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ] وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَوْصُوفَةً بِالْإِشْكَالِ، وَقَدْ دَارَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي عُمَرَ [بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ] مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. وَصَنَّفَ الصَّيْرَفِيُّ فِيهَا وَطَوَّلَ فِي كِتَابِهِ " الْأَعْلَامِ " الْحِجَاجَ فِيهَا مَعَ الْخَصْمِ، وَقَالَ: قَدْ تَصَفَّحْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْعَمَلُ عَلَى كَذَا، فَوَجَدْنَا أَهْلَ بَلَدِهِ فِي عَصْرِهِ يُخَالِفُونَهُ، كَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ مِنْ قَبْلِهِ، فَإِنَّهُ مُخَالِفُهُمْ، وَلَوْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى مَا وَصَفَهُ لَمَا جَازَ لَهُ
стр. 2515
خِلَافُهُمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَمَلِ كَعِلْمِهِمْ لَوْ كَانَ مُسْتَفِيضًا.
قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ عَمَلُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُ، وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ فِي قَوْلٍ: ادَّعَى مَالِكٌ الْعَمَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَبِيعَةُ: وَقَالَ قَوْمٌ: - وَهُمْ الْأَقَلُّ - مَا ادَّعَى مَالِكٌ أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْبَلَدِ. وَقَالَ مَالِكٌ: التَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا أَعْرِفُهُ، حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ، ثُمَّ إنَّا رَأَيْنَا مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعَمَلِ إنَّمَا عَلِمْنَا عَنْهُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ، كَرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ، وَابْنِ بُكَيْر، وَالسُّبْكِيِّ، وَابْنِ مُصْعَبٍ، وَابْنِ أَبِي إدْرِيسَ، وَابْنِ وَهْبٍ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ الْعِلْمُ.
وَوَجَدْنَا فِي كِتَابِ الْمُوَطَّإِ هَذِهِ الْحِكَايَةَ، وَلَمْ نُشَاهِدْ الْعَمَلَ الَّذِي حَكَاهُ، وَوَجَدْنَا النَّاسَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ فِي " الْبَصَائِرِ ": سَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ يَقُولُ: لَيْسَ الِاعْتِمَادُ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا رَآهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ تَكُنْ دُونَ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﵊ بِهَا كَمَا أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، وَمَنْ عَدَلَ عَنْ مَكَّةَ وَأَهْلِهَا مَعَ قِيَامِ النَّبِيِّ ﵇ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَسُكَّانُهَا الْغَايَةُ فِي حَمْلِ الشَّرِيعَةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، جَازَ أَنْ يَعْدِلَ خَصْمُهُ عَنْ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا بِحُجَّةٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَمُلَتْ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا النَّبِيَّ ﵊، وَحَفِظُوا عَنْهُ، وَابْتُلُوا بِالْحَوَادِثِ، فَاسْتَفْتَوْهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَحْكَامِ فَاسْتَقْضَوْهُ، وَتَخَوَّفُوا الْعَوَاقِبَ فَاسْتَظْهَرُوا بِهِ، ثُمَّ إنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ صَارَ إلَى اللَّهِ كَانُوا بَيْنَ مُقِيمٍ بِالْمَدِينَةِ، وَمُقِيمٍ بِمَكَّةَ، وَنَازِلٍ بَيْنَهُمَا، وَظَاهِرٍ عَنْهُمَا إلَى الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ، وَاسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الشَّائِعَةِ، وَالْقِيَاسِ الْمُنْتَزِعِ، وَالرَّأْيِ الْحَسَنِ، وَالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ، فَلَمْ
стр. 2516
يَكُنْ بَلَدٌ أَوْلَى مِنْ بَلَدٍ، وَلَا مَكَانٌ أَوْلَى مِنْ مَكَان، وَلَا نَاسٌ أَوْلَى وَأَحْفَظَ لِدِينِ اللَّهِ مِنْ نَاسٍ، وَهُمْ فِي الْإِصَابَةِ شُرَكَاءُ، وَفِي الْحُكْمِ بِمَا أَلْقَى إلَيْهِمْ مُتَّفِقُونَ. قَالَ: وَكَانَ يُطِيلُ الْكَلَامَ فِي تَهْجِيرِ الْمُدْلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ: هَذَا الْقَوْلُ لَصِقَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِفَضْلِ أَهْلِهَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِهَا، وَقَدْ تَرَكُوا مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُجُودَهُمْ مَعَ عُمَرَ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] وَسُجُودَهُمْ مَعَهُ إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ، وَنَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ، وَفَعَلَ عُمَرُ إذْ أَعْلَمَ عُثْمَانَ وَهُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالُوا: لَيْسَ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَالِكًا لَمْ يَدَّعِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَّا فِي ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فِي مُوَطَّئِهِ فَقَطْ، وَقَدْ تَتَبَّعْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَا مِنْهَا مَا هُوَ إجْمَاعٌ، وَمِنْهَا مَا الْخِلَافُ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي الْمَدِينَةِ، كَوُجُودِهِ فِي غَيْرِهَا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ عَمِيدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَرَى إفْرَادَ الْأَذَانِ، وَالْقَوْلُ فِيهِ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعُمُرِ، وَبِلَالُ يُكَرِّرُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، وَمَالِكٌ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَالزُّهْرِيُّ يَرَى الزَّكَاةَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ، وَمَالِكٌ لَا يَرَاهَا، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ مُنَاقَضَاتٍ كَثِيرَةً.
[إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمِصْرَيْنِ]
[إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمِصْرَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْمِصْرَيْنِ: الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا صَارُوا
стр. 2517
إلَى ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمْ تَخْصِيصَ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْبِلَادُ مَوْطِنَ الصَّحَابَةِ، مَا خَرَجَ مِنْهَا إلَّا الشُّذُوذُ. اهـ. وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ لَمْ يُعَمِّمُوا فِي كُلِّ عَصْرٍ، بَلْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: قِيلَ: إنَّ الْمُخَالِفَ أَرَادَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مُرَادُهُ فَمُسَلَّمٌ، لَوْ اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ، وَغَيْرُ مُسَلَّمٍ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِيهَا.
[إجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ]
[الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ [إجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ] إجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، الْمُرَادُ بِهِمْ: عَلِيٌّ، وَفَاطِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، خِلَافًا لِلشِّيعَةِ، وَبَالَغُوا، فَقَالُوا: قَوْلُ عَلِيٍّ حُجَّةٌ وَحْدَهُ. حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ "، وَعَنْ " الْمُعْتَمَدِ " لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى أَنَّ الْعِتْرَةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ كَمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ.
стр. 2518
[إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ]
الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ [إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ] قَالَ الْقَاضِي أَبُو خَازِمٍ - بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ، وَحَكَمَ بِذَلِكَ فِي زَمَنِ الْمُعْتَضِدِ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ زَيْدٍ، وَقَبِلَ مِنْهُ الْمُعْتَضِدُ ذَلِكَ، وَرَدَّهَا إلَيْهِمْ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى الْآفَاقِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرَاذِعِيَّ كَانَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَهَذَا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ.
فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعُدُّ هَذَا خِلَافًا عَلَى الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ حَكَمْت بِرَدِّ هَذَا الْمَالِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَهُ بِالنَّسْخِ. اهـ. وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ الْمُوَفَّقُ فِي الرَّوْضَةِ ": نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ عَنْ قَوْلِهِمْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا.
قُلْت: وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ أَيْضًا، وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ أَصْحَابِنَا حِكَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ.
стр. 2519
قَالَ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ هُنَا: إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَكَانَتْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ مَعَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ: يُصَارُ إلَى قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَيُطْلَبُ دَلَالَةُ سِوَاهُمَا. انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو حَازِمٍ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ سِيَاقِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إجْمَاعُ الشَّيْخَيْنِ وَحْدَهُمَا حُجَّةٌ. لَنَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ فِي خَمْسِ مَسَائِلَ فِي الْفَرَائِضِ انْفَرَدَ بِهَا، وَابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ، وَلَمْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْأَرْبَعَةِ. وَاحْتَجَّ أَبُو حَازِمٍ بِحَدِيثِ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» وَعُورِضَ بِحَدِيثِ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ: يَقْتَضِي أَنْ يُقْتَدَى بِالْخُلَفَاءِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: الْأَمْرُ لِلْمُقَلِّدِ بِالتَّخْيِيرِ، وَاعْتِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالصَّحَابَةِ، فَلَا يُعَارِضُهُ. سَلَّمْنَا الْمُعَارَضَةَ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ، وَالثَّانِيَ ضَعِيفٌ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ أَرَادُوا التَّرْجِيحَ لِقَوْلِهِمْ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، لِفَضْلِ سَبْقِهِمْ وَتَعَدُّدِهِمْ، وَطُولِ صُحْبَتِهِمْ، وَعِنْدَنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ.
стр. 2520
فَائِدَةٌ [عُقُودُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَحِمَاهُمْ] إذَا عَقَدَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَقْدًا، أَوْ حَمَوْا حِمًى لَزِمَ، وَلَا يُنْتَقَضُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ فِي " الرَّوْنَقِ "، وَمِمَّنْ حَكَى الْقَوْلَ فِيهِ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ " فِي بَابِ الْإِحْيَاءِ، وَاسْتَقَرَّ بِهِ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِهِ "، وَقَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى قِيَاسِ التَّقْدِيمِ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَسَوَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ بَعْدَهُمْ. اهـ. وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ " الرَّوْنَقِ ".
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ [الْعِبْرَةُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ] وِفَاقَ مَنْ سَيُوجَدُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا، حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، إذْ لَوْ اُعْتُبِرَ لَمَا اسْتَمَرَّ إجْمَاعٌ، وَلَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ ابْنِ عِيسَى الْوَرَّاقِ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَلَا يُطْلَبُ فِي هَذِهِ وِفَاقُ الظَّاهِرِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. فَإِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ اعْتِبَارَ أَهْلِ الْعَصْرِ الْحَاضِرِينَ، فَضْلًا عَمَّنْ سَيُوجَدُ، وَإِنَّمَا الْوِفَاقُ الْمَذْكُورُ هُوَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمُتَرْجِمَةُ: أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ كُلِّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ؟ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ.
стр. 2521
أَمَّا وِفَاقُ مَنْ سَيُوجَدُ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا. فَإِذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ لِمَنْ سَلَفَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِ أَهْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ اُعْتُبِرَ لَمَا انْعَقَدَ أَبَدًا إجْمَاعٌ، حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأٍ» فَلَا يُخَالِفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَنْ صَدَّقَ بِهِ وَقْتَ مَبْعَثِهِ وَإِلَى الْأَبَدِ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِقَصْدِهِ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّكْلِيفِ، وَالِالْتِزَامِ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ.
[انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ]
[الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ [انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ ] لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِهِ ﷺ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَغَيْرُهُمَا؛ لِأَنَّ قَوْلُهُمْ دُونَهُ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ فَالْحُجَّةُ فِي قَوْلِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ النَّسْخِ، إذْ جَوَّزْنَا لَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَانِهِ، كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَلَعَلَّهُمْ اجْتَهَدُوا فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِمْ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنِ بَرْهَانٍ جَوَازَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ فِي زَمَانِهِ. قَالَ: وَشُهُودُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعِصْمَةِ مُتَنَاوِلٌ لِمَا فِي زَمَانِهِ، وَمَا بَعْدَهُ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ، وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي الْأَوْسَطِ " لِابْنِ بَرْهَانٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 2522
[الْإِجْمَاعُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْإِجْمَاعُ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ هَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا؟ لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَصْرَنَا هَلْ يَخْلُو عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَخْلُو، فَلَا شَكَّ فِي انْعِقَادِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: خِلَافٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَنْعَقِدُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُجْتَهِدُونَ فِي الْمَذَاهِبِ وَنَاظِرُونَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَمْ يَتَرَقَّوْا إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ مَسْأَلَةَ اعْتِبَارِ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ، إمَّا مِنْ السَّمْعِ وَهُوَ عَدَمُ اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ مِنْ الْعَقْلِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى قَاطِعٍ، وَهَؤُلَاءِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَهَذَا الْمَوْجُودُ فِيهِمْ.
ظُهُورُ الْإِجْمَاعِ وَانْتِشَارُهُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَظْهَرَ فِي الْعَصْرِ، حَتَّى يَعْلَمَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي، وَقَدْ يُقْتَرَنُ ظُهُورُهُ بِالْعَمَلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ جَمِيعًا. فَأَمَّا ظُهُورُهُ بِالْقَوْلِ إذَا وُجِدَ صَحَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِهِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْفِعْلُ، لِيَكْمُلَ فِي نَفْسِهِ. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ آكَدُ مِنْ حُجَجِ الْأَفْعَالِ.
стр. 2523
[حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ]
ِّ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْقَوْلُ مِنْ الْجَمِيعِ، وَلَا شَكَّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَسُكُوتُ الْبَاقِينَ بَعْدَ انْتِشَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مَعَهُمْ اعْتِرَافٌ أَوْ رِضًا بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ، وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد وَابْنِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ "، وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ إلَى الشَّافِعِيِّ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ. وَقَالَ: إنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "، وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَالْآمِدِيَّ: إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ. قَالَ: وَهِيَ مِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ. قُلْت: وَمَعْنَاهُ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ تَعْيِينُ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ التَّصْوِيبَ، أَوْ لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ أَوْ الشَّكِّ، فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعْيِينٌ، وَإِلَّا
стр. 2524
فَهُوَ قَائِلٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْجِهَاتِ قَطْعًا، ثُمَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، أَعْنِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ إلَّا بِدَلِيلِ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ أَوْ حَقِيقَةٍ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَالْأَحْكَامُ لَا تُسْتَفَادُ مِنْ الْعَدَمِ، وَلِهَذَا لَوْ أَتْلَفَ إنْسَانٌ مَالَ غَيْرِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ، يَضْمَنُ الْمُتْلَفُ. أَمَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نِسْبَةِ الْقَوْلِ إلَى السَّاكِتِ عُمِلَ بِهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْبِكْرِ: «إذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَقَوْلُنَا: إنَّ إقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى إنْكَارِهِ حُجَّةٌ، وَسُكُوتُ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عَنْ الْجَوَابِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا فِي التَّحْقِيقِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ، وَتَرَفُّعِهِ عَنْ الْخَصْمِ؛ لِظُهُورِ بَلَادَتِهِ، أَوْ تَعْظِيمِهِ، أَوْ إجْلَالِهِ عَنْ انْقِطَاعِهِ مَعَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَشَيْخِنَا أَبِي إِسْحَاقَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْكَرْخِيّ. وَنَصَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالدَّبُوسِيُّ فِي التَّقْوِيمِ "، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَاكِسَيْنِ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ، قَالَ: وَعِلَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إجْمَاعًا، وَهَذَا مُفَسَّرٌ بِقَوْلِ
стр. 2525
الشَّافِعِيِّ: إنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ إذَا انْتَشَرَ فَإِجْمَاعٌ، وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ، هَذَا كَلَامُهُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ ": لَا تَغْتَرَّنَّ بِإِطْلَاقِ الْمُتَسَاهِلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ الصَّوَابُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَإِجْمَاعٌ. وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْأُصُولِ، وَمُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ فِي الْفُرُوعِ، كَتَعْلِيقَةِ " الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْحَاوِي "، وَمَجْمُوعِ الْمَحَامِلِيِّ ". وَالشَّامِلِ " وَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - احْتَجَّ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ " لِإِثْبَاتِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْبَاقِينَ إنْكَارٌ لِذَلِكَ، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ نَصًّا عَنْ جَمِيعِهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْ جَمْعٍ مَعَ الِاشْتِهَارِ بِسُكُوتِ الْبَاقِينَ لَكِنَّهُ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْأُمِّ " بِخِلَافِهِ، فَقَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَسَّمَ فَسَوَّى بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلَا نَسَبٍ، ثُمَّ قَسَّمَ عُمَرُ، فَأَلْغَى الْعَبْدَ، وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ، ثُمَّ قَسَّمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ، وَسَوَّى بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنْ أَخْذِ مَا أَعْطَوْهُ. قَالَ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لِحَاكِمِهِمْ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُمْ عَلَى خِلَافِ رَأْيِهِ. قَالَ: فَلَا يُقَالُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ، وَلَكِنْ يُنْسَبُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فِعْلُهُ، وَإِلَى عُمَرَ فِعْلُهُ، وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ، وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ
следующие страницы →