← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قَوْلًا، وَقَالَتْ الْأُخْرَى فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْضًا قَوْلًا، ثُمَّ قَامَ دَلِيلٌ عَنْ نَصٍّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَحَدَيْهِمَا فِي إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَاوُد وَابْنُهُ، فَصَارَ دَاوُد إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَمَنَعَهُ ابْنُهُ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِحْكَامِ. ثُمَّ قَالَ: وَيَقُولُ ابْنُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ دَاوُد لَكَانَتْ الطَّائِفَةُ الَّتِي قَامَ النَّصُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهَا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مُصِيبَةً فِي جَمِيعِ مَذَاهِبِهَا وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ. نَعَمْ إنْ صَحَّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ يَقِينًا عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ، ثُمَّ قَامَ نَصٌّ عَلَى صِحَّةِ حُكْمِ مَا فِي إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَقَدْ صَحَّ بِلَا شَكٍّ أَنَّ حُكْمَ الْأُخْرَى كَذَلِكَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ فِيهِمَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، بِخِلَافِ الثَّانِي. ثُمَّ مَثَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُسَاقَاةِ. فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهَا جُمْلَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاحَهَا جُمْلَةً، وَمِنْ مُبِيحٍ لَهَا فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ خَاصَّةً، وَمَانِعٍ لَهَا فِي سِوَاهُمَا، فَلَمَّا صَحَّ الْقَوْلُ بِإِبَاحَتِهَا، وَبَطَلَ إبْطَالُهَا، نَظَرْنَا فِي الْمُسَاقَاةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَوَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُجْمِعَةً عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النِّصْفِ كَحُكْمِهَا عَلَى جُزْءٍ مُسَمًّى، أَيِّ جُزْءٍ كَانَ، وَكَذَلِكَ الْمُزَارَعَةُ، النَّاسُ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ، فَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا، نَظَرْنَا فِي الْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ سَوَاءٌ، وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ فَقَدْ أَجْمَلَ، فَلَمَّا جَاءَ النَّصُّ بِإِبَاحَةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ، وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَى جُزْءٍ مُسَمًّى كَحُكْمِهَا عَلَى النِّصْفِ، صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ مُسَمًّى.

стр. 2592

فَائِدَةٌ [مَعْنَى قَوْلِهِمْ: هَذَا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ] إذَا قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ. وَالثَّانِي: نَفْيُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالثَّانِي أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الصِّحَّةِ، نَفْيُ الصِّحَّةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى رَأْيٍ. فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الصِّحَّةِ مُنْتَفٍ، لَكِنْ هِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ مُطْلَقًا، بَلْ ثَابِتَةٌ عَلَى ذَلِكَ الرَّأْيِ، بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَهَا مُطْلَقًا، فَإِذَا قُلْنَا: الْوُضُوءُ بِدُونِ مَسْحِ الرَّأْسِ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ، كَانَ هَذَا إجْمَاعًا عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، وَإِذَا قُلْنَا: الْوُضُوءُ بِدُونِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ، كَانَ هَذَا نَفْيًا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى الصِّحَّةِ، لَا لِحَقِيقَةِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَالْمُثِيرُ لِهَذِهِ الْمُبَاحَثَةِ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ رَأَى شَافِعِيًّا قَدْ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ، فَمَازَحَهُ، وَقَالَ لَهُ: وُضُوءُك هَذَا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ تَزْعُمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَيْسَ بِمُعْتَبَرِ الْقَوْلِ. قَالَ: لَا وَقَالَ: كَلَامُك يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَبَيَّنَ لَهُ هَذِهِ النُّكْتَةَ فَزَالَ غَضَبُهُ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَنْفِيَّ هَاهُنَا هُوَ الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ، أَوْ الْمُقَيَّدَةُ بِكَوْنِهَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا. فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَهُوَ إجْمَاعٌ عَلَى النَّفْيِ، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَهُوَ نَفْيُ الْإِجْمَاعِ. وَحَاصِلُهُ مِنْ جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ نُصِبَ، لَكِنْ هُوَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ؟ إنْ قُلْنَا: عَلَى التَّمْيِيزِ فَهُوَ إجْمَاعٌ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، إذْ تَقْدِيرُهُ لَا

стр. 2593

يَصِحُّ إجْمَاعًا إذْ التَّمْيِيزُ رَفْعُ الْإِبْهَامِ عَنْ الذَّاتِ، وَنَفْيُ الصِّحَّةِ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إجْمَاعِيٌّ أَوْ خِلَافِيٌّ، فَبِقَوْلِنَا: إجْمَاعٌ، رَفَعْنَا ذَلِكَ الْإِبْهَامَ، وَقُلْنَا: إنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ إجْمَاعِيَّةٌ، وَإِنْ قُلْنَا عَلَى الْحَالِ، فَهُوَ نَفْيُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الصِّحَّةِ، لَا لِنَفْيِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَالَ نَعْتٌ لِلْفَاعِلِ، فَتَقْدِيرُهُ هَذَا لَا يَصِحُّ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَنَفْيُ الصِّفَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْصُوفِ.

стр. 2594

خَاتِمَةٌ [قَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً] قَدْ يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً كَالْإِجْمَاعِ فِي مَوَاضِعَ. مِنْهَا: مَنْعُ الْخُرُوجِ مِنْهُ إذَا انْحَصَرَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَمِنْهَا: تَسْوِيغُ الذَّهَابِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَمِنْهَا: كَوْنُ الْجَمِيعِ صَوَابًا إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي مَسْأَلَةِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ. [الِاخْتِلَافُ مَذْمُومٌ وَالِاجْتِمَاعُ مَحْمُودٌ] وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ ذَمِّ التَّقْلِيدِ ": قَدْ ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ مِنْ دِينِهِ مَا ذَمَّهُ، وَلَوْ كَانَ التَّنَازُعُ مِنْ حُكْمِهِ مَا رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا هُمَا بِهِ، وَمَا حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ أُمَّتَهُ مِنْ الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً، لَكَانَ الِاجْتِمَاعُ عَذَابًا؛ لِأَنَّ الْعَذَابَ خِلَافُ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الِاخْتِلَافُ وَجْهَانِ: فَمَا كَانَ مَنْصُوصًا، لَمْ يَحِلَّ فِيهِ الِاخْتِلَافُ، وَمَا كَانَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أَوْ يُدْرَكُ قِيَاسًا، فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أَوْ الْمُقَايِسُ إلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ، لَمْ أَقُلْ إنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ ضِيقَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَنْصُوصِ. قَالَ الْمُزَنِيّ: فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ ضَيَّقَ الْخِلَافَ كَتَضْيِيقِهِ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2595

[كِتَابُ الْقِيَاسِ] [ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَة الْقِيَاس] ِ وَالنَّظَرُ فِيهِ أَوْسَعُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْأُصُولِ، فَلِهَذَا خَصُّوهُ بِمَزِيدِ اعْتِنَاءٍ. وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُبَيِّنًا لِشَرَفِهِ: " الْقِيَاسُ مَنَاطُ الِاجْتِهَادِ، وَأَصْلُ الرَّأْيِ، وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ الْفِقْهُ وَأَسَالِيبُ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ الْمُفْضِي إلَى الِاسْتِقْلَالِ بِتَفَاصِيل أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مَعَ انْتِفَاءِ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، فَإِنَّ نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَحْصُورَةٌ مَقْصُورَةٌ، وَمَوَاضِعُ الْإِجْمَاعِ مَعْدُودَةٌ مَأْثُورَةٌ، فَمَا يُنْقَلُ مِنْهَا تَوَاتُرًا فَهُوَ الْمُسْتَنِدُ إلَى الْقَطْعِ، وَهُوَ مُعْوِزٌ قَلِيلٌ، وَمَا يَنْقُلُهُ الْآحَادُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَعْصَارِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَهِيَ عَلَى الْجُمْلَةِ مُتَنَاهِيَةٌ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْوَقَائِعَ الَّتِي يَتَوَقَّعُ وُقُوعَهَا لَا نِهَايَةٌ لَهَا. وَالرَّأْيُ الْمَبْتُوتُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَلَقًّى مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرْعِ وَالْأَصْلُ الَّذِي يَسْتَرْسِلُ عَلَى جَمِيعِ الْوَقَائِعِ الْقِيَاسُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ. فَهُوَ إذًا أَحَقُّ الْأُصُولِ بِاعْتِنَاءِ الطَّالِبِ. وَفِيهِ أَبْوَابٌ:

стр. 2596

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حَقِيقَتِهِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا أَمَّا لُغَةً: فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ عَلَى مِثَالِ شَيْءٍ آخَرَ وَتَسْوِيَتُهُ بِهِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمِكْيَالُ مِقْيَاسًا، وَمَا يُقَدَّرُ بِهِ النِّعَالُ مِقْيَاسًا، وَفُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ: أَيْ لَا يُسَاوِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرُ قِسْت الشَّيْءَ إذَا اعْتَبَرْته، أَقِيسُهُ قَيْسًا وَقِيَاسًا. وَمِنْهُ: قِيسَ الرَّأْيُ، وَامْرُؤُ الْقَيْسِ؛ لِاعْتِبَارِ الْأُمُورِ بِرَأْيِهِ. وَقُسْته (بِضَمِّ الْقَافِ) أُقَوِّسُهُ قَوْسًا ذَكَرَ هَذِهِ اللُّغَةَ ابْنُ أَبِي الْبَقَاءِ فِي نِهَايَتِهِ " وَصَاحِبُ " الصِّحَاحِ "، فَهُوَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ مُقْلَةَ فِي كِتَابِ " الْبُرْهَانِ ": الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ: التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ فِي الْوَصْفِ أَوْ الْحَدِّ لَا الِاسْمِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي " كِتَابِ الْقَضَاءِ ": الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ، يُقَالُ: هَذَا قِيَاسُ هَذَا، أَيْ مِثْلُهُ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِي الْحُكْمِ. وَقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِصَابَةِ، يُقَالُ: قِسْت الشَّيْءَ: إذَا أَصَبْته، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُصِيبُ بِهِ الْحُكْمَ، وَحَكَاهَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ". وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: " الْقِيَاسُ فِعْلُ الْقَائِسِ، وَهُوَ مَصْدَرُ قِسْت الشَّيْءَ قِيَاسًا، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا، أَوْ أَحَدِهِمَا وَالْآخَرِ بِالْفِكْرِ، أَوْ جَمِيعِهِمَا بِالْفِكْرِ يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا فِي الشَّيْءِ الَّذِي جُمِعَا مِنْ أَجْلِهِ بِخِلَافِهِمَا. هَذِهِ فَائِدَةُ الْقِيَاسِ وَنَتِيجَتُهُ، فَإِذَا أَثْمَرَتْ الْمُقَابَلَةُ مُسَاوَاةَ

стр. 2597

الشَّيْئَيْنِ مِنْ حَيْثُ كَانَ جَرَى الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا فِي الشَّيْءِ الَّذِي اجْتَمَعَا فِيهِ وَخُولِفَ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ اخْتَلَفَا فِيهِ، وَهَذَا ثَابِتٌ فِي قَضِيَّةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ اشْتَبَهَا فِي شَيْءٍ مَا فَحُكْمُهُمَا مِنْ حَيْثُ اشْتَبَهَا وَاحِدٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا كَانَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ وَالْمُتَّفِقِ فَرْقٌ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فَاخْتَلَفُوا " أَوَّلًا " فِي إمْكَانِ حَدِّهِ: فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَذَّرُ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ فِي الْقِيَاسِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ: كَالْحُكْمِ فَإِنَّهُ قَدِيمٌ، وَالْفَرْعُ وَالْأَصْلُ فَإِنَّهُمَا حَادِثَانِ، وَالْجَامِعُ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ. وَوَافَقَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ شَارِحُهُ عَلَى تَعَذُّرِ الْحَدِّ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ كَوْنُهُ نِسْبَةً وَإِضَافَةً وَهِيَ عَدَمِيَّةٌ، وَالْعَدَمُ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الْحَقِيقِيَّيْنِ الْوُجُودِيَّيْنِ. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: الْحَقِيقِيُّ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَمَّا تَرَكَّبَ مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ. وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي إمْكَانَهُ، وَاخْتَلَفُوا:

стр. 2598

فَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ: مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، أَوْ زِيَادَتُهُ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي الْحُكْمِ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ مَطْلُوبٍ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ وَهُوَ الْفَرْعُ؛ وَذَلِكَ لِثُبُوتِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ وَهُوَ الْأَصْلُ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ، بَلْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَمْرٌ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمُسَاوَاةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. فَيَخْتَصُّ الْحَدُّ بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ. هَذَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ. أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ " فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ " سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْ لَا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَالْحَقُّ، أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ شَامِلٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ، لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَذْكُورَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا. وَقِيلَ: إدْرَاجُ خُصُوصٍ فِي عُمُومٍ. وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ. وَقِيلَ: إنَّهُ إلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ، وَقِيلَ: إلْحَاقُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: اسْتِنْبَاطُ الْخَفِيِّ مِنْ الْجَلِيِّ، وَقِيلَ: حَمْلُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: رَدُّ فَرْعٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ وَعَنْ حُكْمِهِ إلَى أَصْلٍ مَنْطُوقٍ بِحُكْمِهِ، وَقِيلَ: الْجَمْعُ بَيْنَ النَّظَرَيْنِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: إنَّهُ بَذْلُ الْجُهْدَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِاسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى حُكْمِهِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ. وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْجَامِعَ. وَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ:

стр. 2599

حَمْلُ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ بِضَرْبٍ مِنْ الشَّبَهِ، وَقَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى: إثْبَاتُ حُكْمِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لِلْمَقِيسِ وَهُوَ رَكِيكٌ، فَإِنَّ الْمَقِيسَ وَالْمَقِيسَ عَلَيْهِ مُشْتَقَّانِ مِنْ الْقِيَاسِ، فَتَعْرِيفُ الْقِيَاسِ بِهِمَا دَوْرٌ. وَقَالَ صَاحِبُ الْإِحْكَامِ: اسْتِوَاءٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ الْقِيَاسُ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً، فَإِنْ مُنِعَ كَوْنُهُ قِيَاسًا فَبَاطِلٌ، لِأَنَّهُ أَقْوَى أَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي - وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَّا، كَمَا قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ: هُوَ حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا بِجَامِعِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ نَفْيِهِمَا، فَالْحَمْلُ اعْتِبَارُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَرَدُّهُ إلَيْهِ، وَالْمَعْلُومُ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، بِخِلَافِ الشَّيْءِ وَالْفَرْعِ يُوهِمُ الْمَوْجُودَ. ثُمَّ بَيَّنَ فَبِمَاذَا يَكُونُ الْحَمْلُ بِقَوْلِهِ: " فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ " فَأَفَادَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ وَنَفْيِهَا، وَالْمَعْلُومُ الثَّانِي لَا بُدَّ مِنْهُ، إذْ الْقِيَاسُ يَسْتَدْعِي مُنْتَسِبِينَ، لِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْأَصْلِ لَيْسَ بِحُكْمٍ. ثُمَّ قَسَّمَ الْجَامِعَ إلَى حُكْمٍ وَصِفَةٍ. قَالَ إلْكِيَا: وَهُوَ أَسَدُّ مَا قِيلَ عَلَى صِنَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ: مِنْهَا: إنْ أَرَدْت بِالْحَمْلِ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فَقَوْلُك: " فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ " ضَائِعٌ لِلتَّكْرَارِ، وَإِنْ أَرَدْت غَيْرَهُ فَبَيِّنْهُ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ يَتِمُّ بِإِثْبَاتِ مِثْلٍ مَعْلُومٍ لِآخَرَ بِجَامِعٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ قَوْلَهُ " فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهَا " يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، فَلَوْ كَانَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فَرْعًا عَنْ الْقِيَاسِ لَزِمَ الدَّوْرُ.

стр. 2600

وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ لَا بِالنَّصِّ وَكَذَلِكَ فِي الْفَرْعِ، وَالْقِيَاسُ كَاشِفٌ عَمَّا ثَبَتَ فِيهِمَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: هَذَا السُّؤَالُ لَا يَرِدُ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ " بِهِمَا " يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفِ صِلَةٍ لِلْحُكْمِ الْمُنَكَّرِ، كَأَنَّهُ قَالَ فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ثَابِتٌ لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْمُثْبِتُ لَهُ فِي الْأَصْلِ النَّصُّ، وَفِي الْفَرْعِ الْقِيَاسُ، فَلَا تَنَاقُضَ. وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِإِثْبَاتٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّفَةَ ثَبَتَتْ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ، كَقَوْلِهِ: إنَّهُ عَالِمٌ فَلَهُ عِلْمٌ، كَمَا فِي الشَّاهِدِ، فَإِنْ انْدَرَجَتْ الصِّفَةُ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ قَوْلُهُ: بِجَامِعِ حُكْمٍ أَوْ صِفَةٍ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمَّا كَانَتْ أَحَدَ أَقْسَامِ الْحُكْمِ كَانَ ذِكْرُ الصِّفَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ تَكْرَارًا، وَإِنْ لَمْ تَنْدَرِجْ كَانَ التَّعْرِيفُ نَاقِصًا، فَهُوَ إمَّا زَائِدٌ وَإِمَّا نَاقِصٌ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقِيَاسِ الْجَامِعُ دُونَ أَقْسَامِهِ، وَلَوْ وَجَبَ ذِكْرُ أَقْسَامِهِ لَوَجَبَ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ. وَمِنْهَا: الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ خَارِجٌ عَنْهُ، لِأَنَّ الْجَامِعَ مَتَى حَصَلَ صَحَّ الْقِيَاسُ. وَقَالَ إلْكِيَا: هُوَ شَامِلٌ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا يَرْجِعُ إلَى شُرُوطٍ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي التَّحْدِيدِ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِشُمُولِهِ لَهَا. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِالصَّحِيحِ - تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ - فَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا. وَمِنْهَا: قَالَ الْآمِدِيُّ: الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقِيَاسِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ بِرُكْنٍ فِي الْقِيَاسِ، فَإِنَّ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ لَا تَكُونُ رُكْنًا فِي الدَّلِيلِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّوْرِ، فَيَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ. وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الدَّلِيلِ بِنَتِيجَتِهِ تَعْرِيفًا رَسْمِيًّا تَعْرِيفٌ جَائِزٌ،

стр. 2601

لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِلَازِمِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ تَعْرِيفِهِ الْحَدِّيِّ. وَرَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِاللَّازِمِ شَرْطُهُ اللُّزُومُ الْبَيِّنُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَازِمٌ، وَإِلَّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ. وَأَجَابَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيُّ، وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ لَيْسَ فَرْعًا لَهُ. وَرَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ فَرْعُ الْقِيَاسِ الذِّهْنِيِّ، لِأَنَّ نَتِيجَتَهُ ذِهْنًا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْقِيَاسِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ. وَأَجَابَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَأْخُذْ فِي تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ إلَّا الْإِثْبَاتَ لَا الثُّبُوتَ، وَالْمُتَفَرِّعُ عَنْ الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ لَا الْإِثْبَاتُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الثُّبُوتَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا النَّاشِئُ بِالْقِيَاسِ اعْتِقَادُ الْمُسَاوَاةِ أَوْ الثُّبُوتِ مُسْتَنِدًا إلَى الْعِلَّةِ لَا مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْإِنْصَافُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَيْسَ بِحَدٍّ وَلَا مَطْمَعٍ فِي الْحَدِّ بِمَا يَتَرَكَّبُ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحُكْمِ وَالْجَامِعِ. [مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ] حَاصِلُ الْقِيَاسِ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحُكْمِ شَيْءٍ عَلَى آخَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ، وَيُسَمِّيهِ قَوْمٌ " التَّمْثِيلَ ". وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ: فَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِحُكْمِ الْعَامِّ عَلَى حُكْمِ الْخَاصِّ، وَيَرْجِعُ إلَى الْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّتَائِجِ. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: وَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الْمَدْلُولِ

стр. 2602

اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: " كُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " يُنْتَجُ: " كُلُّ نَبِيذٍ حَرَامٌ " لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ بِحَالٍ وَإِنَّمَا النَّبِيذُ أَحَدُ الصُّوَرِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعُمُومِ. قُلْت: بَلْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ، لِأَنَّهُ تَسْوِيَةُ حُكْمِ الْخَاصِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ قَدْ يُتَجَوَّزُ بِإِطْلَاقِهِ فِي النَّظَرِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ فَرْعٍ وَأَصْلٍ فَيَقُولُ الْمُفَكِّرُ: قِسْت الشَّيْءَ إذَا تَفَكَّرَ فِيهِ. وَنَازَعَهُ الْإِبْيَارِيُّ. وَلَا مَعْنَى لِنِزَاعِهِ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهِ وَهُوَ الِاعْتِبَارُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي أَسَاسِ الْقِيَاسِ: وَأَمَّا نَحْوُ " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " أُنْتِجَ " كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ " هَذَا لَا تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا يُسَمِّيهِ ذَلِكَ الْمَنْطِقِيُّونَ، وَهُوَ ظُلْمٌ مِنْهُمْ عَلَى الِاسْمِ وَخَطَأٌ عَلَى الْوَضْعِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ يَسْتَدْعِي مَقِيسًا وَمَقِيسًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا خَطَأٌ. مَسْأَلَةٌ [لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكٌ] وَقَالَ " الْغَزَالِيُّ " أَيْضًا: لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الرَّأْيِ الْمَحْضِ الْمُقَابِلِ لِلتَّوْقِيفِ حَتَّى يُقَالَ: الشَّرْعُ إمَّا تَوْقِيفٌ أَوْ قِيَاسٌ. وَهَذَا الَّذِي نُنْكِرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لِتَشْنِيعِ الظَّاهِرِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، وَيُطْلَقُ تَارَةً بِمُقَابِلِ التَّعَبُّدِ حَتَّى يُقَالَ: الشَّرْعُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَإِلَى تَعَبُّدٍ. كَرَمْيِ الْجِمَارِ. وَكِلَاهُمَا تَوْقِيفٌ، لَكِنْ يُسَمَّى مَا عُقِلَ مَعْنَاهُ قِيَاسًا لِمَا انْقَدَحَ فِيهِ مِنْ الْمَعْقُولِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحَدُ نَوْعَيْ التَّوْقِيفِ وَلَيْسَ مُقَابِلًا لَهُ

стр. 2603

مَسْأَلَةٌ [يُسَمَّى الْقِيَاسُ اسْتِدْلَالًا] فِي " الْمُعْتَمَدِ " لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ: كَانَ الشَّافِعِيُّ ﵁ يُسَمِّي الْقِيَاسَ اسْتِدْلَالًا، لِأَنَّهُ فَحْصٌ وَنَظَرٌ، وَيُسَمِّي الِاسْتِدْلَالَ قِيَاسًا، لِوُجُودِ التَّعْلِيلِ فِيهِ. وَحَكَى صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْقِيَاسَ وَالِاجْتِهَادَ وَاحِدٌ، لِحَدِيثِ مُعَاذٍ: " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " وَالْمُرَادُ الْقِيَاسُ بِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ إلْكِيَا: يَمْتَازُ الْقِيَاسُ عَنْ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ سَوَاءٌ طُلِبَ مِنْ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " إنَّ الْقِيَاسَ الِاجْتِهَادُ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ أَخَصُّ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاجْتِهَادُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ مُسْتَعْمَلًا فِي تَعْرِيفِ مَا لَا نَصَّ فِيهِ مِنْ الْحُكْمِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ طَرِيقَ تَعَرُّفِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَنْ يُحْمَلَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ فَقَطْ، وَذَلِكَ قِيَاسٌ عِنْدَهُ. وَالِاجْتِهَادُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا اقْتَضَى غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا يَتَعَيَّنُ فِيهَا خَطَأُ الْمُجْتَهِدِ وَيُقَالُ فِيهَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هَلْ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ مُتَّحِدَانِ أَوْ مُخْتَلِفَانِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ، وَنَسَبَ لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ

стр. 2604

الرِّسَالَةِ "، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، أَنَّ الِاجْتِهَادَ غَيْرُ الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ، وَلَيْسَ الِاجْتِهَادُ يَفْتَقِرُ إلَى الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَكُونُ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ وَسَائِرِ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ. مَسْأَلَةٌ [مَا وُضِعَ لَهُ الْقِيَاسُ] اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ اسْمُ " الْقِيَاسِ " عَلَى قَوْلَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " أَنَّهُ اسْتِدْلَالُ الْمُجْتَهِدِ وَفِكْرُهُ الْمُسْتَنْبَطُ، " وَالثَّانِي " أَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ وَفَرْعِهِ. قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَمَنْ فَرَّ مِنْهُ فَإِنَّمَا فَرَّ لِشُبْهَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقِيَاسِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، فَإِنْ كَانَ أَصْلًا فَقَدْ وَجَبَ وُجُودُهُ فِي كُلِّ مَا يُسَمَّى بِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْإِلْحَاقِ، وَإِنْ كَانَ فَرْعًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى غَيْرِهِ، وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ يُسْتَنْبَطُ بِهِ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَصْلِهِ كَالْكَلَامِ فِيهِ لِنَفْسِهِ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَسْتَشْكِلُ عَلَى الْقَائِلِ الْأَوَّلِ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُجْتَهِدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ وَالْإِلْحَاقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا ثُمَّ يَعُودُ مَا سَبَقَ. وَمَهْمَا كَانَ جَوَابُهُ فَهُوَ جَوَابُنَا. مَسْأَلَةٌ [الَّذِي يُثْبِتُهُ الْقِيَاسُ] وَاخْتَلَفُوا كَمَا قَالَهُ الْمُقْتَرِحُ فِي الَّذِي أَثْبَتَهُ الْقِيَاسُ، هَلْ هُوَ حُكْمٌ وَاحِدٌ

стр. 2605

يَشْمَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ أَوْ حُكْمَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُتَمَاثِلَانِ وَقَرَّرَهُ بِوَجْهَيْنِ: " أَحَدُهُمَا " جَوَازُ نَسْخِ الْأَصْلِ مَعَ إبْقَاءِ الْفَرْعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا حُكْمَانِ " وَالثَّانِي " أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلَّقِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْأَصْلِ غَيْرُ الْفَرْعِ، فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ لَهُمَا، لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى الْقَضِيَّةِ الْخَاصَّةِ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إلَى الْأَمْرِ الْعَامِّ. فَإِنْ أَوْرَدَ جَوَازَ النَّسْخِ، قُلْنَا: لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ الْأَصْلِ مَعَ بَقَاءِ الْفَرْعِ. [مَسْأَلَةٌ اشْتِمَالُ النُّصُوصِ عَلَى الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ] رَوَى الرَّبِيعُ فِي " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي اشْتِمَالَ

стр. 2606

الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى جَمِيعِ الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ بِالْوَاسِطَةِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ تَنَاهَتْ فَرَائِضُهُ فَلَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ. وَنَصَّ فِي " الرِّسَالَةِ " عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ ضَرُورَاتٌ حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ " وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ فَلْيُؤَوَّلْ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: جَمِيعُ الْأَحْكَامِ عَلَى مَرَاتِبِهَا مَعْلُومَةٌ بِالنَّصِّ، لَكِنَّ بَعْضَهَا يُعْلَمُ بِظَاهِرٍ، وَبَعْضُهَا يُعْلَمُ بِاسْتِنْبَاطٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَوْ لَزِمَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ إلَّا بِنَصٍّ لَبَطَلَ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَدَلِيلِهِ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ النُّصُوصَ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: مَا تَصْنَعُ بِالرَّأْيِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُغْنِيك عَنْهُ. وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إنَّ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ لَا نَصَّ فِيهَا بِحَالٍ. وَلِذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ لَوْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ الْقِيَاسُ أَفْضَى إلَى خُلُوِّ كَثِيرٍ مِنْ الْحَوَادِثِ عَنْ الْأَحْكَامِ، لِقِلَّةِ النُّصُوصِ وَكَوْنِ الصُّوَرِ لَا نِهَايَةَ لَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ اتَّسَعَ عِلْمُهُ بِالنُّصُوصِ قَلَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْقِيَاسِ، كَالْوَاجِدِ مَاءً لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْقَلِيلِ. وَتَوَسَّطَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ أَعْمَالِ الْخَلْقِ الْوَاقِعَةِ، وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الْمُوَلَّدَةِ لِأَعْمَالِهِمْ الْمُقَدَّرَةِ فَالْأُولَى عَامَّتُهَا نُصُوصٌ، وَأَمَّا الْمُوَلَّدَاتُ فَيَكْثُرُ فِيهَا مَا لَا نَصَّ فِيهِ.

стр. 2607

[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ] الْحَقُّ أَنَّهُ مُظْهِرٌ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مُثْبِتٌ لَهُ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ مُثْبِتَ الْحُكْمِ هُوَ اللَّهُ. وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ فِي الظَّاهِرِ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ حُكْمُ اللَّهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ، إشْفَاقًا أَنْ يَقْطَعَ عَلَى اللَّهِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ أَوْجَبَهُ كَانَ عَلَى التَّقْيِيدِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ ": الْقِيَاسُ عِنْدَنَا دِينُ اللَّهِ وَحُجَّتُهُ وَشَرْعُهُ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنَّهُ دِينُ اللَّهِ وَدِينُ رَسُولِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُ رَسُولِهِ ﷺ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ بَعَثَنَا عَلَى فِعْلِهِ بِالْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ بِمَعْنَى صِيغَةِ " أَفْعَلَ " فَصَحِيحٌ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ فَلَا رَيْبَ فِيهِ إذَا عَنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعَةٍ، وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ فَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْهُذَيْلِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الدِّينِ يَقَعُ عَلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ مُسْتَمِرٌّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ يَصِفُ مَا كَانَ وَاجِبًا مِنْهُ بِذَلِكَ، وَبِأَنَّهُ إيمَانٌ دُونَ مَا كَانَ مِنْهُ نَدْبًا. وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ يَصِفُ بِذَلِكَ وَاجِبَهُ وَمَنْدُوبَهُ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ أُرِيدَ بِالدِّينِ مَا تُعُبِّدْنَا بِهِ وَهُوَ أَصْلِيٌّ فَلَيْسَ الْقِيَاسُ مِنْ الدِّينِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ مَا تُعُبِّدْنَا بِهِ مُطْلَقًا فَهُوَ مِنْ الدِّينِ. وَيَتَحَصَّلُ فِي كَوْنِ الْقِيَاسِ مِنْ الدِّينِ أَقْوَالٌ: ثَالِثُهَا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ.

стр. 2608

[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَوْضُوعِ الْقِيَاسِ] الْبَابُ الثَّانِي فِي مَوْضُوعِهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَمَوْضُوعُهُ طَلَبُ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا مِنْ الْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ مَعَانِيهَا لِيَلْحَقَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ.

стр. 2609

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ] الْبَابُ الثَّالِثُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: كَمَا فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَسْعَارِ. وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الصَّادِرُ مِنْهُ ﷺ بِالِاتِّفَاقِ، قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: لِأَنَّ مُقَدِّمَاتِهِ قَطْعِيَّةٌ لِوُجُوبِ عِلْمِ وُقُوعِهِ قَالَ: وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مِنَّا وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا عُدِمَ النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَوَاطِعِ ": ذَهَبَ كَافَّةُ الْأَئِمَّةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا السَّمْعُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ الْقِيَاسِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْمُثْبِتُونَ لِلْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: ثُبُوتُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَأَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 2610

وَالثَّانِي: ثُبُوتُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ دُونَ الشَّرْعِيَّاتِ، وَبِهِ قَالَ النَّظَّامُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَالثَّالِثُ: نَفْيُهُ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، وَثُبُوتُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَارِفَ ضَرُورِيَّةٌ. وَالرَّابِعُ: نَفْيُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: وَالْمُثْبِتُونَ لَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ أَوْجَبُوهُ فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَأَجَازُوهُ فِيمَا فِيهِ أَحَدُ هَذِهِ الْأُصُولِ إذَا لَمْ يُرَدَّ إلَى خِلَافِهَا، انْتَهَى. ثُمَّ الْمُثْبِتُونَ لَهُ اخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: فِي طَرِيقِ إثْبَاتِهِ: فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: هُوَ دَلِيلٌ بِالشَّرْعِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي " الرِّسَالَةِ " فَقَالَ: وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّمَا أَخَذْنَاهُ اسْتِدْلَالًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ دَلِيلٌ بِالْعَقْلِ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ وَرَدَتْ مُؤَكِّدَةً لَهُ وَلَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ وُجُودِهَا لَتَوَصَّلْنَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ إلَى انْتِصَابِ الْأَقْيِسَةِ عِلَلًا فِي الْأَحْكَامِ. وَقَالَ الدَّقَّاقُ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ بِالْعَقْلِ وَالشَّرْعِ، حَكَاهُ فِي " اللُّمَعِ "، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي " الرَّوْضَةِ " وَجَعَلَهُ مَذْهَبَ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: لَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ الْقِيَاسِ قَالَ: وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالنَّظَّامُ إلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَإِلَيْهِ مَالَ أَحْمَدُ فِي قَوْلِهِ: يَجْتَنِبُ الْمُتَكَلِّمُ فِي الْفِقْهِ الْمُجْمَلَ وَالْقِيَاسَ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ مُخَالِفًا لَهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ. وَثَانِيهَا: هَلْ دَلَالَةُ السَّمْعِ عَلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ أَوْ ظَنِّيَّةٌ؟ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، وَبِالثَّانِي قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ وَالْآمِدِيَّ. وَثَالِثُهَا: قِيلَ: إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ

стр. 2611

بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِلْقِيَاسِ، فَأَوَّلُ مَنْ بَاحَ بِإِنْكَارِهِ النَّظَّامُ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَجَعْفَرِ بْنِ حَرْبٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيِّ، وَتَابَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى نَفْيِهِ فِي الْأَحْكَامِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الشَّافِعِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابٍ فِي الْقِيَاسِ، مِمَّا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ جَامِعِ الْعِلْمِ ": مَا عَلِمْت أَحَدًا سَبَقَ النَّظَّامَ إلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَخَالَفَ أَبُو الْهُذَيْلِ فِيهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ " انْتَهَى ". وَقَرَّرَ النَّاقِلُونَ بَحْثَ الظَّاهِرِيَّةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ " الْعِلْمِ ": لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ

стр. 2612

الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ إلَّا دَاوُد فَإِنَّهُ نَفَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْحِيدِ وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ. وَأَطْلَقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ دَاوُد وَالنَّهْرَوَانِيّ وَالْمَغْرِبِيِّ وَالْقَاشَانِيِّ أَنَّ الْقِيَاسَ مُحَرَّمٌ بِالشَّرْعِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَأَمَّا دَاوُد فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنْ لَا حَادِثَةَ إلَّا وَفِيهَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفَحْوَى النَّصِّ وَدَلِيلِهِ، وَذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ الْقِيَاسِ. فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ مُفَصَّلًا، وَمِنْهَا مَا أَجْمَلَ ذِكْرَهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﵊ بِالتَّفْصِيلِ وَالْبَيَانِ، وَمِنْهَا مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. وَمَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ فَحُكْمُهُ الْإِبَاحَةُ بِعَفْوِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ ذِكْرِهِ، وَتَرْكُهُ النَّصَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَوْ بِإِخْبَارٍ عَنْ فَاعِلٍ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ لَهُ عَلَى فِعْلِهِ، أَوْ تُورَدُ الرِّوَايَةُ عَمَّا فَعَلَ بِحَضْرَتِهِ ﵇ فَلَمْ يُنْكِرْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: ذَهَبَ دَاوُد وَأَتْبَاعُهُ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بَاطِلٌ وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: ذَهَبَ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ جَائِزٌ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرِدْ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِهِ وَالْمَصِيرَ إلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَنَا بِهِ. وَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ " أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ عَقْلًا إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي " الْإِحْكَامِ ": ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى إبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ جُمْلَةً وَهُوَ قَوْلُنَا الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ تَعَالَى بِهِ وَالْقَوْلُ بِالْعِلَلِ بَاطِلٌ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ إلَى أَنَّ الشَّارِعَ إذَا جَعَلَ شَيْئًا مَا عِلَّةً لِحُكْمٍ

стр. 2613

فَحَيْثُمَا وُجِدَ ذَلِكَ وَجَبَ ذَلِكَ الْحُكْمُ، كَنَهْيِهِ عَنْ الذَّبْحِ بِالسِّنِّ. قَالَ: وَإِنَّمَا السِّنُّ عَظْمٌ فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ لَا يُذْبَحُ بِهِ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ دَاوُد وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ قَوْمٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ مِنْ جُمْلَتِنَا كَالْقَاشَانِيِّ وَضُرَبَائِهِ، وَقَالُوا: أَمَّا مَا لَا نَصَّ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا لِسَبَبِ كَذَا. وَقَالَ دَاوُد وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ: لَا يَفْعَلُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا لِعِلَّةٍ أَصْلًا، وَإِذَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى أَنَّهُ لِكَذَا، أَوْ بِسَبَبِ كَذَا، أَوْ لِأَنَّهُ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِتِلْكَ الْأَحْكَامِ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي جَاءَ النَّصُّ فِيهَا وَلَا تُوجِبُ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِ تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْمُبَيَّنَةِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَسْنَا نُنْكِرُ وُجُودَ بَعْضِ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بَلْ نُثْبِتُهَا وَنَقُولُ بِهَا لَكِنْ نَقُولُ: إنَّهَا لَا تَكُونُ أَسْبَابًا إلَّا حَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ أَسْبَابًا وَلَا يَتَعَدَّى بِهَا الْمَوْضِعُ الْمَنْصُوصُ عَلَى أَنَّهَا أَسْبَابٌ لَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ. وَقَدْ عُرِفَ بِهِ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ دَاوُد وَأَصْحَابَهُ لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً، وَإِنَّمَا الْقَائِلُ بِهِ الْقَاشَانِيُّ وَضُرَبَاؤُهُ. وَنَقَلَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ عَنْ الْقَاشَانِيِّ وَالنَّهْرَوَانِيّ الْقَوْلَ بِهِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أُومِئَ إلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَسْبَابِ،

стр. 2614

كَرَجْمِ مَاعِزٍ لِزِنَاهُ، وَالْمُعَلَّقِ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ كَالسَّارِقِ، وَكَأَنَّهُمَا يَعْنِيَانِ بِهَذَا الْقِسْمِ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَاخْتُلِفَ هَلْ هُمَا بِهَذَا مِنْ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ أَمْ لَا؟ وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ عَنْهُمَا الْقَوْلَ بِهِ فِي الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ دُونَ مَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْأَصْلِ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَاشَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ حُكْمٍ وَقَعَ فِي شَخْصٍ لِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُكْمِ كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ. وَنُقِلَ عَنْ النِّهْرَوَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: اُسْتُدِلَّ عَلَى الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ عَلَى السِّنَّوْرِ إذَا وَقَعَ قَالَ: وَهَذَا مِنْهُمَا اعْتِرَافٌ بِالْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي " أُصُولِهِ ": الْمُنْكِرُونَ لِلْقِيَاسِ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا التَّسْمِيَةَ وَإِلَّا فَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ، وَهُوَ الْمَغْرِبِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّهْرَوَانِيُّ وَالْقَاشَانِيُّ. أَمَّا الْقَاشَانِيُّ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا شَرَعَ عَلَى سَبَبٍ فِي شَخْصٍ، فَالْحُكْمُ لِلسَّبَبِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الشَّخْصَ وَأَنَّهُ يُسَاوِيهِ، فَإِنْ جَرَى عُلِمَ صِحَّتُهُ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ عُلِمَ بُطْلَانُهُ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ يُبْطِلُ الْقِيَاسَ، فَهَلْ قَالَ أَصْحَابُ الْقِيَاسِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا؟ وَأَمَّا النَّهْرَوَانِيُّ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِالْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ عَلَى السِّنَّوْرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّجَاسَةُ ثُمَّ سَلَكَا فِي النَّفَقَاتِ وَالْأَشْيَاءِ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ أَنَّهَا مَعْقُولَةٌ عَنْ الْخِطَابِ وَمَعْلُومَةٌ بِالْعَادَةِ. فَهَؤُلَاءِ مَا اهْتَدَوْا قَطُّ لِنَفْيِ الْقِيَاسِ. وَلَمْ يَنْفِ الْقِيَاسَ قَطُّ فِي الْأَحْكَامِ غَيْرُ إبْرَاهِيمَ (يَعْنِي النَّظَّامَ) مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَتْبَاعِهِ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ دَاوُد وَمَنْ بَعْدَهُ، وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَنَا: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا حُلْوَةٌ لَمْ يَحْرُمْ غَيْرُهَا مِنْ كُلِّ حُلْوٍ، وَسَوَاءٌ عَلَيْهِ قَالَ: لِأَنَّهُ حُلْوٌ أَوْ لَمْ يَقُلْ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ النَّظَّامِ إنْكَارُ الْقِيَاسِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ

стр. 2615

قَالَ إنَّ الشَّيْءَ إذَا تَقَدَّمَتْ إبَاحَتُهُ فِي الْجُمْلَةِ وَاحْتَاجَ إلَى الْعِبْرَةِ اُعْتُبِرَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَنَصَّ عَلَى إيجَابِ النَّفَقَاتِ لِلْأَزْوَاجِ وَأَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِنَظَائِرِهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالَهُ الْقِيَاسِيُّونَ: إنَّ الْقِيَاسَ لَا يُوجِبُ ابْتِدَاءَ الْحِكَمِ وَوَضْعَهَا، فَإِذَا وُضِعَتْ الْأُصُولُ وَاحْتِيجَ إلَى تَمْيِيزِهَا وَالتَّنْفِيذِ لِلْحُكْمِ اُسْتُدِلَّ بِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الرَّجُلُ فِي النَّفَقَاتِ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: النَّافِي لِلْقِيَاسِ قَائِلٌ بِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، فَمِنْهُ رَجْمُ الزَّانِي قِيَاسًا عَلَى مَاعِزٍ، وَإِرَاقَةُ الزَّبَدِ الْمُتَنَجِّسِ قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ، وَجَوَازُ الْخَرْصِ وَالْمُسَاقَاةِ قِيَاسًا عَلَى الْكَرْمِ، وَمَنْعُ التَّضْحِيَةِ بِالْعَمْيَاءِ قِيَاسًا عَلَى الْعَوْرَاءِ، وَأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ مَكْرُوهٌ قِيَاسًا عَلَى الْغَضَبِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ " جَامِعِ الْعِلْمِ ": وَدَاوُد وَإِنْ أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فَقَدْ قَالَ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَقَدْ جَعَلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي " أَدَبِ الْجَدَلِ " لَهُ: كُلُّ مَنْ مَنَعَ كَوْنَ الْقِيَاسِ حُجَّةً فَإِنَّهُ يَسْتَدِلُّ بِهِ ثُمَّ يُسَمِّيهِ بِاسْمِ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ أَوْ الِاجْتِهَادِ أَوْ دَلِيلِ الشَّرْعِ أَوْ غَيْرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّظَّامَ إنَّمَا أَنْكَرَ الْقِيَاسَ فِي شَرِيعَتِنَا خَاصَّةً، وَلَمْ يُنْكِرْ الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ وَلَا الشَّرْعِيَّ السَّالِفَ. ثُمَّ الْمُنْكِرُونَ لِلْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِ نَفْيِهِ: فَقِيلَ: يُنْفَى بِالْعَقْلِ وَحْدَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقِيلَ: إنَّ الْخَوْضَ فِيهِ قَبِيحٌ

стр. 2616

لِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ أَنْ يَصْطَلِحَ لِعِبَادِهِ فَيَنُصُّ عَلَى الْأَحْكَامِ كُلِّهَا، حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ طَرِيقُهَا الْمَصَالِحُ وَلَا يَعْرِفُ الْمَصَالِحَ إلَّا صَاحِبُ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهَا جُعِلَتْ عَلَى وُجُوهٍ لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِهَا قِيَاسًا، كَتَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ الدِّيَةَ، وَإِيجَابِهِ الْقَسَامَةَ بِاللَّوْثِ، وَالْحُكْمَ بِالشُّفْعَةِ، وَالْفَرْقَ بَيْنَ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُسَاقَاةِ، وَجَمَعَتْ الشَّرِيعَةُ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، وَفَرَّقَتْ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُتَّفِقَةٍ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ، وَلَا وَجْهَ إلَّا امْتِنَاعُ النَّصِّ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَعَارِفَ ضَرُورِيَّةٌ وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. وَقِيلَ: لِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالشَّرْعِيَّاتِ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَصِحُّ مَعَهُ الْقِيَاسُ فَلَوْ وَقَعَ عَلَى خِلَافِهِ صَحَّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَدْنَى طُرُقِ الْبَيَانِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَعْلَاهَا، وَلَا يُعَلِّقُ عِبَادَتَهُ بِالظَّنِّ الَّذِي يُخْطِئُ دُونَ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّضَادِّ فِي الْأَحْكَامِ، وَحَكَاهُمَا ابْنُ فُورَكٍ، وَقِيلَ لِضَعْفِ الْبَيَانِ الْحَاصِلِ بِهِ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقِيلَ: بَلْ يُنْفَى بِالشَّرْعِ، وَالْعَقْلُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، لَكِنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ دَاوُد. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ كَدَاوُد وَالْقَاشَانِيِّ وَالْمَغْرِبِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ النِّهْرَوَانِيِّ ثُمَّ إنَّ الْقَاشَانِيَّ وَالنَّهْرَوَانِيّ نَاقَضَا، فَقَالَ الْقَاشَانِيُّ: " كُلُّ حُكْمٍ وَقَعَ. . . " وَنَقَلَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَعَنْ صَاحِبِهِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ وَالنَّظَّامُ فَأَسْرَفَا، فَقَالَ دَاوُد: لَوْ قِيلَ لَنَا حَرُمَ السُّكَّرُ لِأَنَّهُ حُلْوٌ لَمْ يَدُلَّ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ حُلْوٍ،

стр. 2617

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ. وَالْفِرَقُ الْمُبْطِلَةُ ثَلَاثَةٌ: الْمُحِيلَةُ لَهُ عَقْلًا، وَالْمُوجِبَةُ لَهُ عَقْلًا، وَالْحَاظِرَةُ لَهُ شَرْعًا. قُلْت: وَالْمَانِعُونَ لَهُ سَمْعًا افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ قَالَتْ: نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَدْ وَفَتْ وَأَثْبَتَتْ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَزْمٍ. وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: بَلْ حَرُمَ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ. وَلَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ الظَّاهِرِيُّ مِنْ أَنَّ النُّصُوصَ وَافِيَةٌ بِحُكْمِ الْحَوَادِثِ لِمَا افْتَقَرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْحَوَادِثِ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَأَدِلَّةِ الْعَقْلِ. وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ: نُفَاةُ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَى دَلِيلَ الْعَقْلِ حُجَّةً وَالْقِيَاسُ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً إلَّا فِي مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً فِيهَا إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِأَنَّا نَحْكُمُ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ بِاسْتِصْحَابِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حُجَّةٌ أَصْلِيَّةٌ لَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ. وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى قَوْلٍ غَرِيبٍ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ غَيْرُهُ فِيمَا أَظُنُّ وَهُوَ أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ كَانَ جَائِزًا قَبْلَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَهُوَ بِدَعٌ مِنْ الْقَوْلِ.

стр. 2618

وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ كُلُّهَا مَهْجُورَةٌ وَهُوَ خِلَافٌ حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ بِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَوْلًا وَعَمَلًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنْ ذَهَبَ إلَى رَدِّ الْقِيَاسِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِخَطَئِهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، مَحْكُومٌ بِكَوْنِهِ مَأْثُومًا. قَالَ الْقَاضِي: وَلَسْت أَعُدُّ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ وَلَا أُبَالِي بِخِلَافِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: " وَهُوَ كَمَا قَالَ ". وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِهِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي بَكْرُ بْنُ الْعَلَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقَاضِيَ إسْمَاعِيلَ أَمَرَ بِدَاوُد مُنْكِرِ الْقِيَاسِ فَصُفِعَ فِي مَجْلِسِهِ بِالنِّعَالِ وَحَمَلَهُ إلَى الْمُوَفَّقِ بِالْبَصْرَةِ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ، لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ جَحَدَ أَمْرًا ضَرُورِيًّا مِنْ الشَّرِيعَةِ فِي رِعَايَةِ مَصَالِحِ الْخَلْقِ وَالْجَلَّادُ فِي هَؤُلَاءِ أَنْفَعُ مِنْ الْجِدَالِ. انْتَهَى. وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَلَنَا مَسَالِكُ: الْأَوَّلُ: دَلَالَةُ الْقُرْآنِ: وَمِنْ أَشْهَرِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَقَدْ سُئِلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ عَنْ " الِاعْتِبَارِ " فَقَالَ: أَنْ يَعْقِلَ الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ فَيَعْقِلُ مِثْلَهُ. فَقِيلَ: أَخْبِرْنَا عَمَّنْ رَدَّ حُكْمَ حَادِثَةٍ إلَى نَظِيرِهَا أَيَكُونُ مُعْتَبَرًا؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. حَكَاهُ الْبَلْعَمِيُّ فِي كِتَابِ " الْغَرَرِ فِي الْأُصُولِ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْت الْقَاشَانِيُّ وَابْنَ سُرَيْجٍ قَدْ صَنَّفَا فِي الْقِيَاسِ نَحْوَ أَلْفِ وَرَقَةٍ، هَذَا فِي نَفْيِهِ، وَهَذَا فِي إثْبَاتِهِ. اعْتَمَدَ

стр. 2619

الْقَاشَانِيُّ فِيهِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] وَاعْتَمَدَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي إثْبَاتِهِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " اتِّفَاقَ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ تَمْثِيلَ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ، وَاعْتِبَارَهُ بِهِ، وَإِجْرَاءَ حُكْمِهِ عَلَيْهِ، وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الِاتِّعَاظُ وَالْفِكْرُ اعْتِبَارًا؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَمِثْلِهِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بِحُكْمِ نَظِيرِهِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ الِاتِّعَاظُ وَالِازْدِجَارُ عَنْ الذَّنْبِ بِنُزُولِ الْعَذَابِ وَالِانْتِقَامِ بِأَهْلِ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ، ثُمَّ حُكِيَ مَا سَبَقَ عَنْ ثَعْلَبٍ. وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِبَارِ التَّعَجُّبُ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَافَقَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ فِي " الْقَوَاعِدِ ": مِنْ الْعَجِيبِ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ الِاتِّعَاظُ وَالِازْدِجَارُ، وَالْمُطْلَقُ إذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي غَيْرِهَا بِالِاتِّفَاقِ قَالَ: وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ اللَّهِ عَنْ مُرَادِهِ إلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، ثُمَّ كَيْفَ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ مَعَ كَوْنِهِ وَاعِظًا بِمَا أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْجَلَاءِ أَنْ يَقْرِنَ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِقِيَاسِ الدُّخْنِ عَلَى الْبُرِّ وَالْحِمَّصِ عَلَى الشَّعِيرِ، فَإِنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهَذَا لَكَانَ مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ وَإِدْرَاجًا لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَقِرَانًا بَيْنَ الْمُنَافَرَاتِ انْتَهَى. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّيْخِ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَإِنْ مُنِعَ قُلْنَا: هَذَا يَرْجِعُ إلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَتَعْذِيبَهُمْ قَدْ رُتِّبَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَالْمَعْصِيَةُ عِلَّةٌ لِوُقُوعِ الْعَذَابِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: تَقَعُوا فِي الْمَعْصِيَةِ فَيَقَعُ بِكُمْ الْعَذَابُ، قِيَاسًا عَلَى أُولَئِكَ، فَهُوَ قِيَاسُ نَهْيٍ عَلَى نَهْيٍ، بِعِلَّةِ الْعَذَابِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَفِي الِاعْتِبَارِ وَجْهَانِ:

стр. 2620

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُبُورِ، وَهُوَ يُجَاوِزُ الْمَذْكُورَ إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. وَالثَّانِي: مِنْ الْعِبْرَةِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، وَمِنْهُ عَبْرُ الْخَرَاجِ أَيْ قِيَاسُ خَرَاجِ عَامٍ بِخَرَاجِ غَيْرِهِ فِي الْمُمَاثَلَةِ. وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ دَلِيلُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالشَّيْءِ عَلَى نَظِيرِهِ، وَبِالشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي " الرِّسَالَةِ " بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَالَ: فَهَذَا تَمْثِيلُ الشَّيْءِ بِعَدْلِهِ وَقَالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَوْجَبَ الْمِثْلَ وَلَمْ يَقُلْ أَيَّ مِثْلٍ فَوَكَلَ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِنَا، وَأَمَرَنَا بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَقَالَ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَاحْتَجَّ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي الْوَدَائِعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَأُولُو الْأَمْرِ هُمْ الْعُلَمَاءُ، وَالِاسْتِنْبَاطُ هُوَ الْقِيَاسُ. فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَالنَّصِّ فِي إثْبَاتِهِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] الْآيَةَ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ فَإِذَا جَازَ مِنْ فِعْلِ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ لِيُرِيَكُمْ وَجْهَ مَا تَعْلَمُونَ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَخْلُو مِنْ الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ أَجْوَزُ. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] فَهَذَا صَرِيحٌ فِي إثْبَاتِ الْإِعَادَةِ قِيَاسًا. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قَالَ: وَالِاسْتِنْبَاطُ مُخْتَصٌّ بِإِخْرَاجِ الْمَعَانِي مِنْ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ، مَأْخُوذٌ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْمَاءِ: إذَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْأَحْكَامِ أَعْلَامًا

стр. 2621

مِنْ الْأَسْمَاءِ، وَالْمَعَانِي بِالْأَلْفَاظِ ظَاهِرَةٌ، وَالْمَعَانِي عِلَلٌ بَاطِنَةٌ، فَيَكُونُ بِالِاسْمِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَبِالْمَعْنَى مُتَعَدِّيًا. فَصَارَ مَعْنَى الِاسْمِ أَخَصَّ بِالْحُكْمِ مِنْ الِاسْمِ، فَعُمُومُ الْمَعْنَى بِالتَّعَدِّي، وَخُصُوصُ الِاسْمِ بِالتَّوْقِيفِ وَإِنْ كَانَتْ تَابِعَةً لِلْأَسْمَاءِ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِيهَا، فَالْأَسْمَاءُ تَابِعَةٌ لِمَعَانِيهَا لِتَعَدِّيهَا إلَى غَيْرِهَا. وَاحْتَجَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَدْلَ: هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ مِثْلَيْنِ فِي الْحُكْمِ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَةِ. الثَّانِي دَلَالَةُ السُّنَّةِ: كَحَدِيثِ مُعَاذٍ " أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي وَلَا آلُو "، وَقَالَ النَّبِيُّ فِي خَبَرِ الْمَرْأَةِ: «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ» ، «وَقَالَ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَيَقْضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» ، «وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ فَزَارَةَ أَنْكَرَ وَلَدَهُ لَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ؟ قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» . قَالَ الْمُزَنِيّ: فَأَبَانَ لَهُ بِمَا يَعْرِفُ أَنَّ الْحُمْرَ مِنْ الْإِبِلِ تُنْتِجُ الْأَوْرَقَ فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ

стр. 2622

الْبَيْضَاءُ تَلِدُ الْأَسْوَدَ، فَقَاسَ أَحَدَ نَوْعَيْ الْحَيَوَانِ عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ قِيَاسٌ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَيْسَ فِيهِ نَسَبٌ حَتَّى نَقُولَ قِيَاسٌ فِي إثْبَاتِ النَّسَبِ، «وَقَالَ لِعُمَرَ، وَقَدْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فَقَالَ: أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت وَمَجَجْته؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ فَقَالَ: فَفِيمَ؟» قَالَ الْمُزَنِيّ: فَبَيَّنَ لَهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَا شَيْءَ فِي الْمَضْمَضَةِ، وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مُحَرِّمُ الْحَلَالَ كَمُحَلِّلِ الْحَرَامَ» وَهُوَ كَثِيرٌ. وَصَنَّفَ النَّاصِحُ الْحَنْبَلِيُّ جُزْءًا فِي أَقْيِسَةِ النَّبِيِّ. وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي مُوسَى: وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَك. وَقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ فِي

стр. 2623

الْعِلَلِ، فَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى لَمَّا نَهَى عَنْ تَحْرِيمِ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ قَالَ فَتَحَدَّثْنَا أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ نَهَى عَنْهَا أَلْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ. الثَّالِثُ: إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْهُمْ قَوْلًا وَفِعْلًا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: وَقَدْ بَلَغَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ عَنْ الصَّحَابَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ هُوَ الْمُعَوِّلُ عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِهَارُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ إلَّا عِنْدَ شُذُوذِ مُتَأَخِّرِينَ قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: أَوْجَزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعِبَادَةَ فَقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالدَّلِيلِ الْمَقْطُوعِ بِدَلِيلِهِ جَائِزٌ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ دَلِيلُهُ. الرَّابِعُ: طَرِيقُ الْعَقْلِ. وَهُوَ أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ

стр. 2624

مُتَنَاهِيَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ يُضَافُ إلَيْهِ، لَكِنَّ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا تَنَاهِي النُّصُوصِ فَإِنَّ الْمَعْنَى إذَا ظَهَرَ تَنَاوَلَ ذَلِكَ الْفَرْعَ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْأَذْهَانِ، فَإِنَّ أَفْرَادَ الْعُمُومِ لَا تَتَنَاهَى، فَإِذَا تُصُوِّرَ عَدَمُ التَّنَاهِي فِي الْأَلْفَاظِ فَفِي الْمَعَانِي أَوْلَى، قَالَ الْقَفَّالُ: وَلِأَنَّهُ لَا حَادِثَةَ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ عَلَى بَيَانِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَرَأَيْنَا الْمَنْصُوصَ لَمْ يُحِطْ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ " إثْبَاتِ الْقِيَاسِ ": لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَبَطَلَ الْقِيَاسُ، وَلَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، وَكَانَ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مُهْمَلًا لَا حُكْمَ لَهُ، وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ " إثْبَاتِ الْقِيَاسِ ": تَعَلَّقَ الْمَانِعُونَ بِآثَارٍ وَرَدَتْ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَمَا رَأَى أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا فِي الدِّينِ رَأْيًا وَسَمَّوْا فُرُوعَهُ قِيَاسًا، وَأَغْفَلُوا كَشْفَ الْقَوْلِ فِي الرَّأْيِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّمْثِيلِ عَلَيْهِمَا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَطِيفًا دَقِيقًا يَحْتَاجُ إلَى حِدَّةِ الْعُقُولِ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِي الْأُصُولِ، «كَتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعَاذًا عَلَى الِاجْتِهَادِ عَلَى أَصْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ» ، وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي قَضِيَّةِ الطَّاعُونِ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ لَك إبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا. وَعَلَى الْمَذْمُومِ يُحْمَلُ

стр. 2625

قَوْلُهُ ﷺ : «اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ بَعْضِهَا. قَالَ ابْنُ الْقَفَّالِ: وَقَدْ قِيلَ: إنَّ دَاوُد سَأَلَ الْمُزَنِيّ عَنْ الْقِيَاسِ أَهُوَ أَصْلٌ أَمْ الْفَرْعُ فَأَجَابَهُ الْمُزَنِيّ: إنْ قُلْت الْقِيَاسُ أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ، أَوْ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، أَوْ لَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَصْلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ فَرْعٌ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَصْلٌ وَفَرْعٌ بِاعْتِبَارَيْنِ لَمَّا عَرَفْت أَنَّهُ فَرْعٌ لِغَيْرِهِ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ " لَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ " أَنَّهُ فِعْلُ الْقَائِسِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: سَأَلَ دَاوُد الْقَائِسِينَ سُؤَالًا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ فَقَالَ: خَبِّرُونِي عَنْ الْقِيَاسِ أَصْلٌ هُوَ أَمْ فَرْعٌ؟ فَإِنْ كَانَ أَصْلًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ، وَإِنْ كَانَ فَرْعًا فَفَرْعٌ عَلَى أَيِّ أَصْلٍ. قَالَ الرَّازِيَّ: وَالْقِيَاسُ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْقَائِسِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِفِعْلِ الْقَائِسِ: إنَّهُ أَصْلٌ أَوْ فَرْعٌ. وَإِنَّمَا وَجْهُ تَصْحِيحِ السُّؤَالِ أَنْ يَقُولَ: خَبِّرُونِي عَنْ وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ، أَوْ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الْقِيَاسِ أَهُوَ أَصْلٌ أَمْ فَرْعٌ؟ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ بِمَا بُنِيَ عَلَيْهِ، وَفَرْعٌ عَلَى مَا بُنِيَ عَلَيْهِ، فَأَصْلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، وَفَرْعُهُ سَائِرُ الْحَوَادِثِ الْقِيَاسِيَّةِ الَّتِي لَا تَوْقِيفَ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: فِي كِتَابِ " إثْبَاتِ الْقِيَاسِ " قَالَ بَعْضُهُمْ: خَبِّرُونَا عَنْ الْقِيَاسِ فَرْضٌ هُوَ أَوْ نَدْبٌ، فَإِنْ قُلْتُمْ نَدْبٌ فَقَدْ أَوْجَبْتُمْ التَّشْرِيعَ فِي الدِّينِ، وَإِنْ قُلْتُمْ فَرْضٌ فَمَا وَجَدْنَا ذَلِكَ. قُلْنَا: بَلْ فَرْضٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالنَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجَةِ وَبِالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ وَبِقَبُولِ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ النَّظَرُ فِيهِ قَالَ: وَحَقِيقَةُ الْقِيَاسِ فِعْلُ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِهِ فِي وَقْتٍ كَمَا أَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ فِي وَقْتٍ، فَلَا يُسَمَّى الْقِيَاسُ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا لِذَلِكَ.

стр. 2626

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ حَرَّرَ الْهِنْدِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فَقَالَ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذَا، أَوْ عَلِمْنَا حُصُولَ الْوَصْفِ مَعَ جَمِيعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي إفْضَائِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عَلِمْنَا حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقِيَاسِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ بَلْ الْكُلُّ أَطْبَقُوا عَلَى حُجِّيَّتِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ ظَنِّيَّتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً، كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنًّا لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ بِالنَّتِيجَةِ، بَلْ إنْ كَانَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ. وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ أَنَّ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتَا ظَنِّيَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ، أَوْ إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً وَالْأُخْرَى قَطْعِيَّةً، فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى مَا إذَا كَانَتْ الْأُولَى قَطْعِيَّةً، أَعْنِي كَوْنَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِكَذَا، وَالثَّانِيَةُ، أَعْنِي تَحْقِيقَهَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنِّيَّةٌ، فَهَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ. أَمَّا إذَا كَانَتْ هِيَ ظَنِّيَّةً سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً فَإِنَّهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكُلَّ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ. الثَّانِي: أَفْرَطَ فِي الْقِيَاسِ فِرْقَتَانِ: الْمُنْكِرُ لَهُ، وَالْمُسْتَرْسِلُ فِيهِ، كَغُلَاةِ أَهْلِ

стр. 2627

الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَمَا شَبَّهْتُ تَصَرُّفَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالْعُقُولِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا بِتَصَرُّفِهِمْ فِي الْأَفْعَالِ الْوُجُودِيَّةِ: أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا أَلْحَقَهُ بِجُحُودِ الْجَبْرِيَّةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا قِيَاسِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي التَّصَرُّفِ أَلْحَقَهُ بِتَهَوُّرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْحَقُّ فِي التَّوَسُّطِ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] قُلْت: وَمِنْ الْبَلِيَّةِ اقْتِصَارُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقِيَاسِ وَعَدَمُ بَحْثِهِمْ عَنْ النَّصِّ فِيهَا وَهُوَ مَوْجُودٌ لَوْ تَطْلُبُوهُ. [مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ] أَيْ أَدِلَّتِهِ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَإِلْكِيَا، وَاخْتَلَفَتْ مَآخِذُهُمْ: فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ هِيَ الْمُثْمِرَةُ، وَالْأَحْكَامُ وَالْقِيَاسُ مِنْ طُرُقِ الِاسْتِثْمَارِ، فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ مِنْ حَيْثُ مَعْقُولُ اللَّفْظِ وَأَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ دَلَالَةٌ مِنْ حَيْثُ صِيغَتُهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَقْطُوعِ بِهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ. ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ إدْخَالِهِ فِي الْأُصُولِ بِقِيَامِ الْقَاطِعِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا فَرْعٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا - كَمَا سَيَأْتِي - لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِبَارَةٌ عَنْ أَدِلَّةٍ فَقَطْ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْمَقْطُوعِ بِهِ.

стр. 2628

مَسْأَلَةٌ وَالْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الرِّسَالَةِ " فَقَالَ: إنَّهُ حَقٌّ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ قَائِسِهِ لَا عِنْدَ الْعَامَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ حَقًّا فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَلْزَمَ بِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ، وَيَجُوزُ الْخِلَافُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَقَعْ فِيهِ خِلَافٌ انْتَهَى. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي الْفَحْوَى: إنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، مَعَ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ الْقَوْلُ فِيهِ - كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ - وَأَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ عَلَى قَوْلٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَظْفَرُ بِقِيَاسٍ قَطْعِيٍّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا. عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَجْعَلْهُ قِيَاسًا. قُلْت: دَلَالَةُ اللَّفْظِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ. وَمِمَّنْ أَطْلَقَ ظَنِّيَّةَ الْقِيَاسِ الْإِمَامَانِ الْجُوَيْنِيُّ وَالرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْتَهِضُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ " لَا يُفِيدُ الْعِلْمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهَا، وَالْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الظَّاهِرُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، فَإِنْ كَانَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلَكِنْ اقْتَرَنَتْ بِهَا أُمُورٌ مَجْمُوعُهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، قُلْنَا: هَذَا مُجَرَّدُ دَعْوَى الْقَطْعِ فِي مَوَاضِعِ الظُّنُونِ، وَمُطَالَبَتُهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَقْرُونَةِ بِالظَّاهِرِ، وَلَا نَجِدُ إلَى بَيَانِهَا سَبِيلًا أَصْلًا، وَلَوْ أَفَادَ مَا ذَكَرَهُ الْقَطْعَ لَمَا عَجَزَ أَحَدٌ عَنْ دَعْوَى الْقَطْعِ فِي مَوَاضِعِ الظُّنُونِ. وَحَكَى سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيَاسَ قَطْعِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ صِدْقُهُمَا.

стр. 2629

مَسْأَلَةٌ لَا يُحْكَمُ بِفِسْقِ الْمُخَالِفِ وَإِنْ قُلْنَا دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ، حَكَاهُ الْحَلْوَانِيُّ. [مَسْأَلَة الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا] الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا عِنْدَنَا فِي نَصِّ الشَّارِعِ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِّ الْمُجْتَهِدِ، كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ، فَهَلْ تُسْتَنْبَطُ الْعِلَّةُ وَيُعَدَّى الْحُكْمُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ الْقَضَاءِ ": حَكَى وَالِدِي عَنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ لِأَنَّا تُعُبِّدْنَا وَأُمِرْنَا

стр. 2630

بِالْقِيَاسِ، وَالْأَشْبَهُ بِصَنِيعِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ، أَلَا تَرَاهُمْ يَنْقُلُونَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ كَذَا وَكَذَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُطَّرِدُ الْحُكْمِ فِي فُرُوعِ عِلَّتِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّخْرِيجِ. مَسْأَلَةٌ [الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً] وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً، فَأَمَّا النَّسْخُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلَا يَقَعُ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي النَّسْخِ. قُلْت: وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ أَثْبَتْنَاهَا بِالظَّنِّيِّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي " الْمُرْشِدِ ". مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. مَسْأَلَةٌ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِالْقِيَاسِ مَنْ عَاصَرَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ مَذْهَبُ الْمُعْظَمِ جَوَازُهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، هَكَذَا
следующие страницы →