← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ حَرَّرَ الْهِنْدِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فَقَالَ: إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذَا، أَوْ عَلِمْنَا حُصُولَ الْوَصْفِ مَعَ جَمِيعِ مَا يُعْتَبَرُ فِي إفْضَائِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ عَلِمْنَا حُصُولَ مِثْلِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْقِيَاسِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ بَلْ الْكُلُّ أَطْبَقُوا عَلَى حُجِّيَّتِهِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ ظَنِّيَّتَيْنِ، أَوْ إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً، كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنًّا لَا مَحَالَةَ. وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ بِالنَّتِيجَةِ، بَلْ إنْ كَانَ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ. وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ أَنَّ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَتَا ظَنِّيَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ، أَوْ إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً وَالْأُخْرَى قَطْعِيَّةً، فَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا عَلَى مَعْنَى مَا إذَا كَانَتْ الْأُولَى قَطْعِيَّةً، أَعْنِي كَوْنَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِكَذَا، وَالثَّانِيَةُ، أَعْنِي تَحْقِيقَهَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنِّيَّةٌ، فَهَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ. أَمَّا إذَا كَانَتْ هِيَ ظَنِّيَّةً سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ قَطْعِيَّةً أَوْ ظَنِّيَّةً فَإِنَّهُ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكُلَّ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ. الثَّانِي: أَفْرَطَ فِي الْقِيَاسِ فِرْقَتَانِ: الْمُنْكِرُ لَهُ، وَالْمُسْتَرْسِلُ فِيهِ، كَغُلَاةِ أَهْلِ

стр. 2627

الرَّأْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَمَا شَبَّهْتُ تَصَرُّفَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالْعُقُولِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا بِتَصَرُّفِهِمْ فِي الْأَفْعَالِ الْوُجُودِيَّةِ: أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا أَلْحَقَهُ بِجُحُودِ الْجَبْرِيَّةِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا قِيَاسِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي التَّصَرُّفِ أَلْحَقَهُ بِتَهَوُّرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْحَقُّ فِي التَّوَسُّطِ ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] قُلْت: وَمِنْ الْبَلِيَّةِ اقْتِصَارُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْقِيَاسِ وَعَدَمُ بَحْثِهِمْ عَنْ النَّصِّ فِيهَا وَهُوَ مَوْجُودٌ لَوْ تَطْلُبُوهُ. [مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ] أَيْ أَدِلَّتِهِ، خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَإِلْكِيَا، وَاخْتَلَفَتْ مَآخِذُهُمْ: فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ هِيَ الْمُثْمِرَةُ، وَالْأَحْكَامُ وَالْقِيَاسُ مِنْ طُرُقِ الِاسْتِثْمَارِ، فَإِنَّهُ لَا دَلَالَةَ مِنْ حَيْثُ مَعْقُولُ اللَّفْظِ وَأَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ دَلَالَةٌ مِنْ حَيْثُ صِيغَتُهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَقْطُوعِ بِهِ، وَالْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ. ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ إدْخَالِهِ فِي الْأُصُولِ بِقِيَامِ الْقَاطِعِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا فَرْعٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا - كَمَا سَيَأْتِي - لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِبَارَةٌ عَنْ أَدِلَّةٍ فَقَطْ، سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى الْمَقْطُوعِ بِهِ.

стр. 2628

مَسْأَلَةٌ وَالْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي " الرِّسَالَةِ " فَقَالَ: إنَّهُ حَقٌّ فِي الظَّاهِرِ عِنْدَ قَائِسِهِ لَا عِنْدَ الْعَامَّةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ حَقًّا فِي الظَّاهِرِ حَتَّى يَلْزَمَ بِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ، وَيَجُوزُ الْخِلَافُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَقَعْ فِيهِ خِلَافٌ انْتَهَى. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي الْفَحْوَى: إنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، مَعَ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ الْقَوْلُ فِيهِ - كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ - وَأَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ عَلَى قَوْلٍ، فَعَلَى هَذَا لَا تَظْفَرُ بِقِيَاسٍ قَطْعِيٍّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا. عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَجْعَلْهُ قِيَاسًا. قُلْت: دَلَالَةُ اللَّفْظِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ. وَمِمَّنْ أَطْلَقَ ظَنِّيَّةَ الْقِيَاسِ الْإِمَامَانِ الْجُوَيْنِيُّ وَالرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْتَهِضُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ. قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ " لَا يُفِيدُ الْعِلْمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهَا، وَالْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الظَّاهِرُ الدَّالُّ عَلَى كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً، فَإِنْ كَانَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلَكِنْ اقْتَرَنَتْ بِهَا أُمُورٌ مَجْمُوعُهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ، قُلْنَا: هَذَا مُجَرَّدُ دَعْوَى الْقَطْعِ فِي مَوَاضِعِ الظُّنُونِ، وَمُطَالَبَتُهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَقْرُونَةِ بِالظَّاهِرِ، وَلَا نَجِدُ إلَى بَيَانِهَا سَبِيلًا أَصْلًا، وَلَوْ أَفَادَ مَا ذَكَرَهُ الْقَطْعَ لَمَا عَجَزَ أَحَدٌ عَنْ دَعْوَى الْقَطْعِ فِي مَوَاضِعِ الظُّنُونِ. وَحَكَى سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيَاسَ قَطْعِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ صِدْقُهُمَا.

стр. 2629

مَسْأَلَةٌ لَا يُحْكَمُ بِفِسْقِ الْمُخَالِفِ وَإِنْ قُلْنَا دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ، حَكَاهُ الْحَلْوَانِيُّ. [مَسْأَلَة الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا] الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا عِنْدَنَا فِي نَصِّ الشَّارِعِ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِّ الْمُجْتَهِدِ، كَمَا لَوْ نَصَّ عَلَى حُكْمٍ، فَهَلْ تُسْتَنْبَطُ الْعِلَّةُ وَيُعَدَّى الْحُكْمُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ الْقَضَاءِ ": حَكَى وَالِدِي عَنْ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْمَنْعَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ لِأَنَّا تُعُبِّدْنَا وَأُمِرْنَا

стр. 2630

بِالْقِيَاسِ، وَالْأَشْبَهُ بِصَنِيعِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ، أَلَا تَرَاهُمْ يَنْقُلُونَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْعِلَّةَ كَذَا وَكَذَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُطَّرِدُ الْحُكْمِ فِي فُرُوعِ عِلَّتِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّخْرِيجِ. مَسْأَلَةٌ [الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً] وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً، فَأَمَّا النَّسْخُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلَا يَقَعُ وَقَدْ سَبَقَتْ فِي النَّسْخِ. قُلْت: وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ أَثْبَتْنَاهَا بِالظَّنِّيِّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي " الْمُرْشِدِ ". مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. مَسْأَلَةٌ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِالْقِيَاسِ مَنْ عَاصَرَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ مَذْهَبُ الْمُعْظَمِ جَوَازُهُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُفْصَلُ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، هَكَذَا

стр. 2631

حَكَى الْخِلَافَ هُنَا ابْنُ بَرْهَانٍ، وَتَابَعَ فِيهِ الْغَزَالِيُّ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ التَّعَبُّدِ بِالِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِهِ ﷺ وَبِالْقِيَاسِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ. [مَسْأَلَة التَّعَبُّد بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ] مَسْأَلَةٌ [التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ] لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَنُقِلَ عَمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ خِلَافُهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَجُوزُ التَّعَبُّدُ فِي جَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ بِالنُّصُوصِ قَالَ: وَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى صِفَاتِ الْمَسَائِلِ فِي الْجُمْلَةِ فَيَدْخُلُ تَفْصِيلُهَا فِيهَا، فَأَمَّا التَّعَبُّدُ فِي جَمِيعِهَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ حَمْلُ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقِيَاسُ؟ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ جَمِيعِهَا بِالْقِيَاسِ فَتَقُولُ: لَيْسَ بِالْقِيَاسِ تَخْصِيصٌ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ جَمِيعُهَا ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ قَالَ: فَعَلَى هَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ ثَبَتَتْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ؛ بَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ.

стр. 2632

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. [مَسْأَلَةٌ نَصُّ الشَّارِعِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ] إذَا نَصَّ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى حُكْمٍ وَنَصَّ عَلَى عِلَّتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: حَرُمَتْ الْخَمْرُ لِكَوْنِهَا مُسْكِرًا، أَوْ أَعْتَقْت غَانِمًا لِسَوَادِهِ، هَلْ هُوَ إذَنْ مِنْهُ فِي الْقِيَاسِ أَيْنَمَا وُجِدَتْ الْعِلَّةُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى الْقِيَاسِ؟ . فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ إلَى أَنَّهُ إذْنٌ فِي إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْعِلَّةِ فَائِدَةٌ، وَسَوَاءٌ وَرَدَ ذَلِكَ قَبْلَ ثُبُوتِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ أَوْ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: وَإِلَيْهِ كَانَ يُشِيرُ شَيْخُنَا يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ الرَّازِيَّ " فِي احْتِجَاجِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا ذَلِكَ دَمُ عِرْقٍ فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ الرُّعَافِ وَنَحْوِهِ، وَصَارَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ: الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ عِرْقٍ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَأَوْجَبَ أَبُو هَاشِمٍ الْقِيَاسَ بِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يُرِدْ التَّعَبُّدَ بِالْقِيَاسِ، وَصَارَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ دَلِيلٍ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ. وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ

стр. 2633

وَالْمُتَكَلِّمُونَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْعِلَّةِ لِتَعْرِيفِ الْبَاعِثِ عَلَى الْحُكْمِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إلَى الِاعْتِبَارِ لَا لِأَجْلِ الْإِلْحَاقِ. وَيَقْوَى الْقَوْلُ بِهَذَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى وُجُوبِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، فَإِنَّ غَايَةَ هَذَا الظَّنُّ. فَإِنْ قِيلَ: النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ فِي نَحْوِ حَرُمَتْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ التَّعْمِيمُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ. قُلْنَا: لَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا: مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ كَمَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: زَوَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ كَزَوَالِ التَّحْرِيمِ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ. وَمِنْهَا مَا سَيَأْتِي فِي فَائِدَةِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ مِنْ انْقِيَادِ الْمُكَلَّفِ إلَى الِامْتِثَالِ لِظُهُورِ الْمُنَاسِبِ. وَمُرَادُهُمْ بِالدَّلِيلِ تَقَدُّمُ الْإِذْنِ بِالْقِيَاسِ، وَلِهَذَا فَصَّلَ جَعْفَرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ مُبَشِّرٍ شَيْخَا الْمُعْتَزِلَةِ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ قَبْلَ وُرُودِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وَلَا يَجُوزُ تَعَدٍّ بِهِ وَإِلَّا جَازَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَفَصَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ بَيْنَ إنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَرَّمَاتِ فَهُوَ إذْنٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ أَوْ الْوَاجِبِ فَلَا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا، لَا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ وَلَا بِطَرِيقِ أَنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالْقِيَاسِ. وَهُنَا تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالِاكْتِفَاءِ مُطْلَقًا هُمْ أَكْثَرُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ، وَلَا يُسْتَنْكَرُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ الْعَامِّ فِي وُجُوبِ

стр. 2634

تَعْمِيمِ الْحُكْمِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: حَرُمَتْ الْخَمْرُ لِإِسْكَارِهَا أَوْ حَرُمَتْ عَلَى كُلِّ مُسْكِرٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ. هَذَا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ النَّظَّامِ وَغَيْرِهِ وَمُنْكِرِي الْقِيَاسِ فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ تَسْمِيَةَ هَذَا قِيَاسًا وَإِنْ كَانَ قَائِلًا بِهِ فِي الْمَعْنَى. وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ أَنَّ تَعْمِيمَ مِثْلِ هَذَا هَلْ هُوَ بِالْقِيَاسِ أَوْ الصِّيغَةِ؟ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَمَّمَ بِالْقِيَاسِ: وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: نَقَلَ الْأَكْثَرُونَ عَنْ النَّظَّامِ أَنَّ التَّعْمِيمَ فِيهِ بِالْقِيَاسِ، وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ يَجْرِي تَعْمِيمُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ بِطَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْعُمُومِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ الْأَكْثَرِ وَمُنَافٍ لَهُ، فَإِنَّ التَّعْمِيمَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لَا يُجَامِعُ التَّعْمِيمَ بِالْقِيَاسِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمْرًا بِالْقِيَاسِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا. قُلْت: وَمَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ أَظْهَرُ، لِمَا سَبَقَ عَنْ النَّظَّامِ مِنْ إنْكَارِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: ظَنَّ النَّظَّامُ أَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلْقِيَاسِ وَقَدْ زَادَ عَلَيْنَا إذْ قَاسَ حَيْثُ لَا يَقِيسُ، لَكِنَّهُ أَنْكَرَ اسْمَ الْقِيَاسِ. انْتَهَى. وَهُوَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ بِالْقِيَاسِ بَلْ بِاللَّفْظِ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُبْطِلَ هَذِهِ الْجِهَةَ مِنْ الْقِيَاسِ. وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ إنْكَارِهِ الْقِيَاسَ وَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى الْعِلَّةِ فَمَدْلُولُ اللَّفْظِ الْأَمْرُ بِالْقِيَاسِ لُغَةً، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِوُقُوعِهِ مِنْ الشَّارِعِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُنَاكَ أَحَالَ وُرُودَهُ مِنْ الشَّارِعِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ: إنَّ الشَّارِعَ لَا يَقَعُ مِنْهُ التَّنْصِيصُ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَمَدْلُولُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.

стр. 2635

الثَّانِي: سَبَقَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ نَقْلُ التَّعْمِيمِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ: إذَا نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْعِلَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلَهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَعُمَّ الْحُكْمُ إذْ لَوْ اخْتَصَّ الْحُكْمُ لَوَجَبَ أَنْ تَخْتَصَّ الْعِلَّةُ، وَوَضْعُ التَّعْلِيلِ يُنَاقِضُهُ الِاخْتِصَاصُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُوَافَقَةٌ لِلنَّظَّامِ لَكِنَّ مَأْخَذَهُ خِلَافُ مَأْخَذِهِ وَهُوَ الْقَوْلُ بِامْتِنَاعِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ يَرَى أَنَّ النَّصَّ عَلَى التَّعْلِيلِ نَصٌّ عَلَى التَّعْمِيمِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِنْدَهُ مِنْ ضَرُورَةِ فَهْمِ التَّعْلِيلِ وَهُوَ يَمْنَعُ النَّصَّ عَلَى التَّعْلِيلِ مَعَ النَّصِّ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَيَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطْلَاقِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُوَافِقِينَ لِلنَّظَّامِ عَلَى ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ اسْتِعْمَال الْقِيَاسُ إذَا عُدِمَ النَّصُّ] مَسْأَلَةٌ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ الْقِيَاسُ إذَا عُدِمَ النَّصُّ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ " الرِّسَالَةِ ": الْقِيَاسُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقِيَاسُ وَالْخَبَرُ مَوْجُودٌ، كَمَا يَكُونُ التَّيَمُّمُ طَهَارَةً عِنْدَ الْإِعْوَازِ مِنْ الْمَاءِ، وَلَا يَكُونُ طَهَارَةً إذَا وُجِدَ الْمَاءُ انْتَهَى. وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَجَبَ الْقِيَاسُ فِيهَا وَإِلَّا جَازَ. وَهَلْ يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمَنْصُوصِ وَجَمِيعِ دَلَالَتِهَا؟ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُرِيدَ الْعَمَلَ بِهِ قَبْلَ طَلَبِ الْحُكْمِ مِنْ النُّصُوصِ الْمَعْرُوفَةِ، فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا.

стр. 2636

الثَّانِيَةُ: قَبْلَ طَلَبِ نُصُوصٍ لَا يَعْرِفُهَا مَعَ رَجَاءِ الْوُجُودِ أَوْ طَلَبِهَا فَطَرِيقُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ: لَا يَجُوزُ، وَلِهَذَا جَعَلُوا الْقِيَاسَ ضَرُورَاتٍ بِمَنْزِلَةِ التَّيَمُّمِ، لَا يَعْدِلُ إلَيْهِ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْمَاءِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ: وَمَا تَصْنَعُ بِالْقِيَاسِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا يُغْنِيك عَنْهُ؟ ، وَلَهَا شَبَهٌ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ وُجُودَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ إذَا خَافَ الْفَوْتَ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ يَيْأَسُ مِنْ النَّصِّ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ، فَهَاهُنَا يَجُوزُ قَطْعًا، وَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ وَالنَّاسِخِ، وَأَنَّهُ إذَا اجْتَهَدَ وَلَمْ يَجِدْ الْمُعَارِضَ عَمِلَ بِهِ، وَيَزِيدُ هُنَا أَنَّهُ هَلْ لَهُ أَنْ يَقِيسَ عَلَيْهِ؟ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: لَا لِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِثُبُوتِهِ، وَخَالَفَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " وَهُوَ الْأَظْهَرُ، كَمَا يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِظَاهِرِهِ وَهُوَ فَرْعٌ غَرِيبٌ. [مَسْأَلَة الْمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ] حَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُرْسَلَ وَالضَّعِيفَ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ، وَلَا يَحِلُّ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِهِ، قَالَ: وَالرِّوَايَةُ عَنْ الصَّاحِبِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْقِيَاسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ مَعَ نَصِّ الْقُرْآنِ أَوْ خَبَرٍ مُسْنَدٍ صَحِيحٍ، وَأَمَّا عِنْدَ

стр. 2637

عَدَمِهِمَا فَإِنَّ الْقِيَاسَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ حُكْمٍ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْقَاضِي وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ، الْمَالِكِيَّانِ: الْقِيَاسُ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَمَا نَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ مُسْلِمٍ يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَبْلَهُمَا. وَحَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ فِي كِتَابِ " الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ " عَنْ الْقَاضِي ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْوَفَاءِ بْنَ عَقِيلٍ فِي رِحْلَتِهِ إلَى الْعِرَاقِ يَقُولُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ ضَعِيفَ الْأَثَرِ خَيْرٌ مِنْ قَوِيِّ النَّظَرِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذِهِ وَهْلَةٌ مِنْ أَحْمَدَ لَا تَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، فَإِنَّ ضَعِيفَ الْأَثَرِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا. وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ أَحْمَدَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِهِ. وَمُرَادُهُ بِالضَّعِيفِ غَيْرُ مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ قِسْمِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، بَلْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ وَضَعِيفٌ، وَالضَّعِيفُ مَا انْحَطَّ عَلَى دَرَجَةِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ حَسَنًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ قَدْ يُعْمَلُ بِهِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَامًّا وَالْقِيَاسُ خَاصًّا، وَقُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: إنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ، فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْقِيَاسِ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ النَّصِّ الْمُعَارِضِ وَقَطَعَ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى النَّصِّ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ النَّصُّ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْقِيَاسَ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا.

стр. 2638

[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ] الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَنْوَاعِهِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَقَدْ قَسَّمَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. النَّوْعُ الْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَهُوَ أَنْ يَحْمِلَ الْفَرْعَ عَلَى الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الَّتِي عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَيْهَا فِي الشَّرْعِ، وَيُسَمَّى " قِيَاسُ الْمَعْنَى ". وَيَنْقَسِمُ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ. فَأَمَّا " الْجَلِيُّ " فَمَا عُلِمَ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةٍ وَفِكْرٍ. " وَالْخَفِيُّ "، مَا لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بِإِعْمَالِ فِكْرٍ. وَالْجَلِيُّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا تَنَاهَى فِي الْجَلَاءِ حَتَّى لَا يَجُوزَ وُرُودُ الشَّرِيعَةِ فِي الْفَرْعِ عَلَى خِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَنَحْوِهِ.

стр. 2639

وَثَانِيهِمَا: دُونَهُ، كَقَوْلِهِ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» هَذَا كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ. وَقَسَّمَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ قِيَاسَ الْعِلَّةِ إلَى: جَلِيٍّ وَوَاضِحٍ وَخَفِيٍّ قَالَ: " فَالْجَلِيُّ " مَا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ قَطْعًا إمَّا نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ. وَ " الْوَاضِحُ " مَا ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِضَرْبٍ مِنْ الظَّاهِرِ وَ " الْخَفِيُّ " مَا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ بِالِاسْتِنْبَاطِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: الْجَلِيُّ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ فِي الْفَرْعِ زَائِدًا عَلَى مَعْنَى الْأَصْلِ وَالْخَفِيُّ مَا يَكُونُ فِي الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِمَعْنَى الْأَصْلِ. [أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ] ثُمَّ قَسَمَا الْجَلِيَّ - تَبَعًا لِلْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَغَيْرِهِ - إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ قَالَا: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ فِيهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِالْبَدِيهَةِ، وَعَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ قِيَاسًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ التَّأْفِيفَ وَيُبِيحَ الضَّرْبَ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازِيَ عَلَى قَلِيلِ الطَّاعَةِ وَلَا يُجَازِيَ عَلَى كَبِيرِهَا، وَيُعَاقِبَ عَلَى قَلِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُعَاقِبَ عَلَى كَبِيرِهَا. قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: حُكْمُ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ بِمَنْزِلَةِ ذَرَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا حَتَّى لَا يَقُولَ مَبْهُوتٌ: إنَّ الْكَثِيرَ ذَرَّاتٌ فَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لَهَا. يُشِيرُ إلَى مَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ

стр. 2640

فِي مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ لِابْنِ سُرَيْجٍ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد إذْ قَالَ لَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَنْتَ تَلْزَمُ الظَّاهِرَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] فَمَا تَقُولُ فِيمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّتَيْنِ؟ فَقَالَ مُجِيبًا: الذَّرَّتَانِ ذَرَّةٌ وَذَرَّةٌ فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَوْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ فَتَبَلَّدَ وَظَهَرَ انْقِطَاعُهُ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يُسَمَّى هَذَا قِيَاسًا. قُلْت: لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِاللَّفْظِ، وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ " مَفْهُومُ الْخِطَابِ " وَقِيلَ " فَحْوَى الْخِطَابِ ". قَالُوا: وَالْقِيَاسُ مَا خَفِيَ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ عَنْهُ حَتَّى عُرِفَ بِالِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ الْخَفَاءِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلَيْسَ بِقِيَاسٍ. وَقَالَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ: لَيْسَ بِقِيَاسٍ بَلْ نَصٌّ. وَقِيلَ: تَنْبِيهٌ وَضَعْفٌ، لِأَنَّ النَّصَّ مَا عُرِفَ " حُكْمُ مَرَاتِبِهِ " وَالْقِيَاسُ مَا عُرِفَ حُكْمُهُ مِنْ اسْمِ غَيْرِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ لِأَنَّ اسْمَ التَّأْفِيفِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الضَّرْبِ كَمَا لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ، فَتَحْرِيمُ الضَّرْبِ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى التَّأْفِيفِ لَا مِنْ اسْمِهِ، فَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْ تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا فَقَدْ خَالَفُوا فِي الِاسْمِ، فَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ فِي الْوُضُوحِ وَالْغُمُوضِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهَا نُصُوصًا، فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي فِي الْخَفَاءِ، وَالْجَلَاءُ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ قِيَاسًا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ مِنْ الْقِيَاسِ أَقْرَبُ وُجُوهِهِ إلَى النُّصُوصِ لِدُخُولِ فَرْعِهَا فِي النَّصِّ. الثَّانِي: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ، كَالنَّهْيِ عَنْ التَّضْحِيَةِ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَمْيَاءِ وَالْعَرْجَاءِ، فَالْعَمْيَاءُ أَوْلَى قِيَاسًا عَلَى الْعَوْرَاءِ، وَالْقَطْعَاءُ عَلَى الْعَرْجَاءِ، لِأَنَّ نَقْصَهَا أَكْثَرُ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ التَّعَبُّدَ بِخِلَافِ أَصْلِهِ، وَإِنْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِإِبَاحَةِ الْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ مَعَ تَحْرِيمِ الْعَرْجَاءِ وَالْعَوْرَاءِ.

стр. 2641

وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ نُفَاةُ الْقِيَاسِ، فَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَحْرِيمِ النَّصِّ وَأَبَاحَ مَا عَدَاهُ، فَأَبَاحَ التَّضْحِيَةَ بِالْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ، وَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بِالتَّنْبِيهِ دُونَ النَّصِّ. وَالثَّالِثُ: مَا عُرِفَ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ بِاسْتِدْلَالٍ ظَاهِرٍ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، وَقِيَاسِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا فِي تَنْصِيفِ حَدِّ الْقَذْفِ، وَقِيَاسِ النِّكَاحِ عَلَى الْبَيْعِ فِي تَحْرِيمِهِ عِنْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ. وَفِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ، وَهَذِهِ الضُّرُوبُ الثَّلَاثَةُ يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بِهَا الْإِجْمَاعُ وَيُنْقَضُ بِهَا حُكْمُ مَنْ خَالَفَهَا مِنْ الْحُكَّامِ انْتَهَى. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوَ مَا سَبَقَ: قَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْوُجُوهِ قِيَاسًا، وَحَكَى فِي " الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ " أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى هَذَا قِيَاسًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا اُحْتُمِلَ فِيهِ شَبَهٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، فَنَقِيسُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَيَقُولُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَا عَدَا النَّصَّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَانَ مَعْنَاهُ فَهُوَ قِيَاسٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَكَاهُ فِيهَا أَنَّ مَا فُهِمَ مِنْ الْمَعْنَى فَهُوَ نَصٌّ وَلَا أَنَّهُ مَفْهُومُ مَعْنَى الِاسْمِ انْتَهَى. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْقَسْمِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحُكْمِ؟ قُلْنَا: سَبَقَ فِي بَحْثِ الْمَفْهُومِ لَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا فِي فَرْعٍ مِنْ الْفُرُوعِ وُجُودَ نَصٍّ يُشْعِرُ بِنَقِيضِ الْحُكْمِ فَهَلْ يَتَعَارَضَانِ أَوْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ؟ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّفْظِ قَالَ: فَيَتَعَارَضَانِ.

стр. 2642

[أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ] وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيِّ فَقَسَّمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا خَفِيَ مَعْنَاهُ فَلَمْ يُعْرَفْ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَائِحًا، وَتَارَةً يَكُونُ الِاسْتِدْلَال مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ فَكَانَتْ عَمَّاتُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فِي التَّحْرِيمِ قِيَاسًا عَلَى الْأُمَّهَاتِ، لِاشْتِرَاكِهِنَّ فِي الرَّحِمِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ فِي صِغَرِهِ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ عَجْزِهِمَا فِي كِبَرِهِمَا قِيَاسًا عَلَى نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِصِغَرِهِ. وَالْمَعْنَى فِي هَذَا الضَّرْبِ لَائِحٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَهُوَ مِنْ ضُرُوبِ الْخَفِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ مِنْ ضُرُوبِ الْجَلِيِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بِمِثْلِهِ، وَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ؟ وَجْهَانِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ غَامِضًا لِلِاسْتِدْلَالِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي الْبُرِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْقُوتِ لِيُقَاسَ عَلَيْهِ كُلُّ مَأْكُولٍ، فَهَذَا لَا يُنْتَقَضُ فِيهِ الْحُكْمُ وَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ. الثَّالِثُ: مَا يَكُونُ شَبَهًا وَهُوَ مَا احْتَاجَ فِي نَصِّهِ وَمَعْنَاهُ إلَى اسْتِدْلَالٍ كَاَلَّذِي «قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ، يُعْرَفُ بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْخَرَاجَ هُوَ النَّفَقَةُ، وَأَنَّ الضَّمَانَ هُوَ ضَمَانُ النَّفَقَةِ ثُمَّ عُرِفَ مَعْنَى النَّفَقَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَتَقَابَلَتْ الْمَعَانِي بِالِاخْتِلَافِ فِيهَا، فَمَنْ مُعَلِّلٌ لَهَا بِأَنَّهَا آثَارٌ فَلَمْ يَجْعَلْ الْمُشْتَرِيَ إذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ مَالِكًا لِلْأَعْيَانِ مِنْ الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ، وَمَنْ مُعَلِّلٌ بِأَنَّهَا مَا خَالَفَتْ أَجْنَاسَ أُصُولِهَا فَجَعَلَ مَالِكًا لِلثِّمَارِ دُونَ النِّتَاجِ، وَعَلَّلَهَا الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا مَا يَجْعَلُ مَالِكًا لِكُلِّ ثِمَارٍ مِنْ ثِمَارٍ وَنِتَاجٍ، فَمِثْلُ هَذَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ فِي حُكْمِ أَصْلِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ فِي مَعْنَاهُ، وَلَا يُقْضَى بِقِيَاسِ حُكْمِهِ، وَلَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومٌ وَهُوَ أَضْعَفُ مِمَّا قَبْلَهُ.

стр. 2643

مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُشَابَهَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فِي الْقِيَاسِ تَمَامُ الْمُشَابَهَةِ، وَلَا يُكْتَفَى بِأَدْنَاهَا، بَلْ يُعْتَبَرُ مَا يُشِيرُ إلَى الْمَأْخَذِ. النَّوْعُ الثَّانِي قِيَاسُ الشَّبَهِ قَالَا: وَهُوَ مَا أُخِذَ حُكْمُ فَرْعِهِ مِنْ شَبَهِ أَصْلِهِ، وَقَالَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هُوَ مَا تَجَاذَبَهُ الْأُصُولُ فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ شَبَهًا، وَسَمَّاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ " قِيَاسَ الدَّلَالَةِ " وَفَسَّرَهُ بِأَنْ يُحْمَلَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ بِضَرْبٍ مِنْ الشَّبَهِ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي عُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا فِي الشَّرْعِ قَالَ: وَهَذَا الضَّرْبُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ إلَّا بِاسْتِدْلَالِ الْأُصُولِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُسْتَدَلَّ بِثُبُوتِ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ عَلَى ثُبُوتِ الْفَرْعِ، ثُمَّ رُدَّ إلَى أَصْلٍ، كَاسْتِدْلَالِنَا عَلَى سُجُودِ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، بِأَنَّ سُجُودَهَا يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحُكْمٍ يُشَاكِلُ حُكْمَ الْفَرْعِ وَيَجْرِي مَجْرَاهُ عَلَى حُكْمِ الْفَرْعِ، ثُمَّ يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ، كَقَوْلِنَا فِي ظِهَارِ الذِّمِّيِّ: صَحِيحٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَيَصِحُّ ظِهَارُهُ، فَصِحَّةُ قِيَاسِ الطَّلَاقِ عَلَى صِحَّةِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْقَوْلِ وَيَخْتَصَّانِ بِالزَّوْجَةِ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الْآخَرِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحْمَلَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ بِضَرْبٍ مِنْ الشَّبَهِ، كَقِيَاسِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ. لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ مُثَابٌ مُعَاقَبٌ، فَمُلِّكَ كَالْحُرِّ.

стр. 2644

قَالَ: فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يُسَمَّى " قِيَاسُ الشَّبَهِ " وَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، لِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِاعْتِبَارِهِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ بِالشَّبَهِ لَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كُلُّ قِيَاسٍ لِأَنَّهُ مَا مِنْ فَرْعٍ إلَّا وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى أَصْلٍ بِضَرْبٍ مِنْ الشَّبَهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ، وَهُوَ تَرَدُّدُ الْفَرْعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ لِشَبَهِ أَحَدِهِمَا فِي ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ وَالْآخَرِ مِنْ وَصْفَيْنِ فَقِيلَ: صَحِيحٌ، وَلِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ " الرِّسَالَةِ " وَأَوَاخِرِهَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَتَأَوَّلَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْ يُرَجَّحَ بِهِ قِيَاسٌ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً؟ عَلَى قَوْلَيْنِ قَالَ: وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ لَا يَصِحُّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: قِيَاسُ الشَّبَهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّبَهَ يُعْتَبَرُ فِي الصُّورَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجِنَايَاتِ إنَّ الْعَبْدَ إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِالْحُرِّ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْبَهِيمَةُ، لِأَنَّهُ سِلْعَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا. وَالثَّانِي: الْحُرُّ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُتَعَبَّدٌ. وَقِيلَ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصِحُّ حَتَّى تُسْتَخْرَجَ الْعِلَّةُ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَيُؤْخَذُ فِي الْفَرْعِ أَكْثَرُ الْأَوْصَافِ، فَيُلْحَقُ حُكْمُهُ بِحُكْمِ ذَاكَ الْأَصْلِ، وَهَذَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ

стр. 2645

عِلَّةٌ أُخْرَى تُوجِبُ التَّحْلِيلَ بِهَا خَمْسَةُ أَوْصَافٍ، وَعِلَّةٌ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ بِهَا خَمْسَةُ أَوْصَافٍ فَيُوجَدُ فِيهَا مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُبِيحَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُحَرِّمَةِ فَيُلْحَقُ ذَلِكَ بِحُكْمِ التَّعْلِيلِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ شَبَهًا. فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ لَوْ تَسَاوَى الْجَرَيَانُ فِي الْأَصْلَيْنِ وَتَسَاوَتْ الْأَوْصَافُ؟ قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا: يَتَوَقَّفُ فِيهِ لِأَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ، وَهَذَا أَشْبَهُ مِنْ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةً فَتَتَّحِدُ بِهَا فَتَقُومُ الدَّلَالَةُ عَلَى إلْحَاقِهَا بِأَحَدِ الْأُصُولِ هُوَ الْأَشْبَاهُ. انْتَهَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ ذِكْرُ " قِيَاسُ عِلَّةِ الْأَشْبَاهِ " فَقِيلَ هُوَ قَسِيمُ " قِيَاسُ الْعِلَّةِ " وَقِيلَ هُوَ " قِيَاسُ الْعِلَّةِ " إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ كَثْرَةَ الْأَشْبَاهِ تَرْجِيحًا لِلْعِلَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ قَالَ: وَحَكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ كَانَ يَقُولُ: إنَّ غَلَبَةَ الْأَشْبَاهِ هِيَ الْعِلَّةُ وَإِنَّ الْأَشْبَاهَ ثَلَاثَةٌ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَلَهُ وَصْفَانِ، وَمَا حُكِمَ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ وَلَهُ وَصْفٌ وَاحِدٌ وَوَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِشَيْءٍ. قَالَ: فَإِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا كَانَ رَدُّهُ إلَى أَشْبَهِهِمَا أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى أَبْعَدِهِمَا مِنْهُ فِي الشَّبَهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ عِلَّةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ رَدَّهَا إلَى مَا هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى مَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذَا الَّذِي كَانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ وَأَنْكَرَ الْقِيَاسَ عَلَى شَبَهٍ لَمْ يَعْتَبِرْ كَوْنَهُ عِلَّةً وَقَالَ الْخَفَّافُ فِي " الْخِصَالِ ": عِلَّةُ غَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ صَحِيحَةٌ، وَالْحُكْمُ بِهَا جَائِزٌ إذَا كَانَتْ عِلَّةَ مَا وَصَفْنَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ فِيهَا مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ. وَأَمَّا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَفَسَّرَا قِيَاسَ الشَّبَهِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَقَسَمَاهُ إلَى نَوْعَيْنِ: قِيَاسُ تَحْقِيقٍ يَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَحْكَامِهِ، وَقِيَاسُ تَقْرِيبٍ يَكُونُ الشَّبَهُ فِي أَوْصَافِهِ. وَقِيَاسُ التَّحْقِيقِ مُقَابِلٌ لِقِيَاسِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ وَإِنْ ضَعُفَ عَنْهُ.

стр. 2646

(الْأَوَّلُ) قِيَاسُ التَّحْقِيقِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ فَرْعٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَيَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَى أَحَدِهِمَا وَلَا يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَى الْآخَرِ، فَيَرُدُّهُ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَا يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ شَبَهًا دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ شَبَهًا، كَالْعَبْدِ يُمَلَّكُ، يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْبَهِيمَةِ وَالْحُرِّ فَلَمَّا انْتَقَضَ رَدُّهُ إلَى الْمِيرَاثِ حَيْثُ لَمْ يُمَلَّكْ بِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْبَهِيمَةِ لِسَلَامَتِهِ مِنْ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ شَبَهُهُ بِالْأَحْرَارِ أَكْثَرَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ، فَيَسْلَمُ مِنْ النَّقْضِ رَدَّهُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهُوَ بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَكْثَرُ شَبَهًا، مِثْلُ أَنْ يُشْبِهَ أَحَدَهُمَا مِنْ وَجْهٍ وَالْآخَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَوْ أَحَدَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ وَالْآخَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، فَيُرَدُّ إلَى الْأَكْثَرِ. مِثَالُهُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى طَرَفِ الْعَبْدِ فَيُرَدِّدُهُ بَيْنَ رَدِّهِ إلَى الْحُرِّ وَإِلَى الْبَهِيمَةِ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْبَهِيمَةَ فِي أَنَّهُ مَمْلُوكٌ، وَيُوَرَّثُ عَيْنُهُ، وَيُشْبِهُ الْحُرَّ فِي أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحُرِّ فِي تَقْدِيرِ أَرْشِ طَرَفِهِ دُونَ الْبَهِيمَةِ لِكَثْرَةِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ. الثَّالِثُ: أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ الْفَرْعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الصِّفَتَيْنِ، وَيُوجَدُ فِي الْفَرْعِ بَعْضُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الصِّفَتَيْنِ وَالْأَقَلُّ مِنْ الْأُخْرَى، فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي فِيهِ أَكْثَرُ صِفَاتِهِ، مِثَالُهُ ثُبُوتُ الرِّبَا فِي السَّقَمُونْيَا، لِمَا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْخَشَبِ فِي الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغِذَاءٍ، وَبَيْنَ الطَّعَامِ فِي التَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ، فَكَانَ رَدُّهُ إلَى الْغِذَاءِ فِي التَّحْرِيمِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِذَاءً أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى الْخَشَبِ فِي الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غِذَاءً لِأَنَّ الْأَكْلَ أَغْلَبُ صِفَاتِهِ. الثَّانِي: قِيَاسُ التَّقْرِيبِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: تَرَدُّدُ الْفَرْعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ صِفَةً، وَقَدْ جَمَعَ الْفَرْعُ مَعْنَى الْأَصْلِ فَيَرْجِعُ فِي الْفَرْعِ إلَى أَغْلِبْ الصِّفَتَيْنِ، مِثَالُهُ فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ وَالْآخَرُ مَعْلُولًا بِالسَّوَادِ، وَيَكُونَ الْفَرْعُ جَامِعًا بَيْنَ

стр. 2647

السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَيُعْتَبَرُ بِحَالِهِ، فَإِنْ كَانَ بَيَاضُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَوَادِهِ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالْبَيَاضِ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّوَادِ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَوَادُهُ أَكْثَرَ مِنْ بَيَاضِهِ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالسَّوَادِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَيَاضِ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَمِثَالُهُ فِي الشَّرْعِ الشَّهَادَاتُ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِقَبُولِ الْعَدْلِ وَرَدِّ الْفَاسِقِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَحَدًا غَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يُمْحِضُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا شَيْءٌ وَيَخْرِمَهَا، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ فِي حَالَتَيْهِ: فَإِنْ كَانَتْ الطَّاعَاتُ أَغْلَبَ حُكِمَ بِعَدَالَتِهِ، أَوْ الْمَعَاصِي أَغْلَبَ حُكِمَ بِفِسْقِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: هَذَا الضَّرْبُ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا، لِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا اُسْتُخْرِجَ عِلَّةُ فَرْعِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَهَذَا قَدْ اُسْتُخْرِجَ عِلَّةُ أَصْلِهِ مِنْ فَرْعِهِ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مَعْنَى الْأَصْلِ مَوْجُودًا بِكَمَالِهِ مِنْ الْفَرْعِ، فَإِذَا وَجَدَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ. وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنْ الْفَرْعِ وَحُكْمُ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجٌ مِنْ الْأَصْلِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَوْضُوعٌ بِحُكْمِ الْعِلَّةِ دُونَ صِفَتِهَا. وَهَذَا كَمَا تَقُولُ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ: إذَا خَالَطَهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ نُظِرَ: إنْ كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ حَكَمْنَا لَهُ بِالتَّطْهِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ، وَإِنْ كَانَ مَاءُ الْوَرْدِ أَكْثَرَ حَكَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهَّرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَاءٌ طَهُورٌ، وَأَنَّ الْحَادِثَةَ أَشْبَهَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ حُكْمِهَا، وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِغَيْرِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِمَا لَا يُشْبِهُهَا وَتَرْكُهُ مَا يُشْبِهُهَا، وَلَا إلْحَاقُهُ بِهِمَا لِتَضَادِّهِمَا فَكَانَ أَكْثَرُهَا شَبَهًا أَوْلَى. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: هَذَا النَّوْعُ فِي الْقِيَاسِ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يُقَاسُ عَلَى مَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَخْلُو الْوَصْفُ الَّذِي أَشْبَهَ الْأَصْلَ فِيهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ الْأَصْلِ، أَوْ لَيْسَ بِعِلَّةٍ، فَإِنْ كَانَ عِلَّةً فَهُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ لَا قِيَاسُ الشَّبَهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ قَالَ: وَمَعْنَى هَذَا عِنْدَك إذَا تَرَدَّدَ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ وَقَاسَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 2648

مِنْ الْأَصْلَيْنِ عَلَى أَصْلِهِ بِعِلَّةٍ ظَاهِرُهَا الصِّحَّةُ يَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ لِتَغْلِيبِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ لِكَثْرَةِ الشَّبَهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّرْجِيحِ. الثَّانِي: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الصِّفَتَيْنِ، وَالصِّفَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي الْفَرْعِ، وَصِفَةُ الْفَرْعِ تُقَارِبُ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا. مِثَالُهُ فِي الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ، وَالْآخَرُ بِالسَّوَادِ، وَالْفَرْعُ أَخْضَرُ لَا أَبْيَضُ وَلَا أَسْوَدُ، فَرُدَّ إلَى أَقْرَبِ الْأَصْلَيْنِ شَبَهًا بِصِفَتَيْهِ وَالْخُضْرَةُ أَقْرَبُ إلَى السَّوَادِ، وَمِثَالُهُ فِي الشَّرْعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَيْسَ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ شَبِيهًا بِالصَّيْدِ فِي جَمِيعِ أَوْصَافِهِ وَلَا مُنَافِيًا لَهُ فِي جَمِيعِهَا، فَاعْتُبِرَ فِي الْجَزَاءِ أَقْرَبُ الشَّبَهِ بِالصَّيْدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: مِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ قِيَاسًا، لِأَنَّ الْقِيَاسَ: مَا وُجِدَتْ أَوْصَافُ أَصْلِهِ فِي فُرُوعِهِ، وَأَوْصَافُ الْأَصْلِ فِي هَذَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ فِي الْفَرْعِ، فَصَارَ قِيَاسًا بِغَيْرِ عِلَّةٍ. وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّ الْحَادِثَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حُكْمٍ، وَالْحُكْمُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَلَا فِي الْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا أَصْلٌ غَيْرُ الْقِيَاسِ كَمَا فِي أَقْرَبِهِمَا شَبَهًا بِأَصْلٍ هُوَ عِلَّةُ الْقِيَاسِ. وَقَدْ جَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اجْتِهَادًا مَحْضًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ قِيَاسًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْفَرْعُ جَامِعٌ لِصِفَتَيْ الْأَصْلَيْنِ وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مِنْ جِنْسِ الْفَرْعِ دُونَ الْآخَرِ. وَمِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالثَّانِي مِنْ الطَّهَارَةِ. فَيَكُونُ رَدُّهُ إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ لِمُجَانَسَتِهِ أَوْلَى مِنْ رَدِّهِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ. ثُمَّ قَالَا: وَهَاهُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُرُودِهِ، وَهُوَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ فِيهِ شَبَهُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلَيْنِ، وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَمَنَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ وُجُودِهِ وَأَحَالَ تَكَافُؤَ الْأَدِلَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَا لَمْ يُوصِلْهُمْ إلَى عِلْمِهِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا خَفِيَ

стр. 2649

عَلَى الْمُسْتَدِلِّ لِقُصُورِهِ فِي الِاجْتِهَادِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ عَدَلَ إلَى الْتِمَاسِ حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ الْقِيَاسِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى جَوَازِ وُجُودِهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأَدِلَّةِ غَامِضَةٌ لِمَا عُلِمَ فِيهَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُتَكَافِئَةٌ لِمَا رَآهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا حُكْمٌ مَعَ التَّكَافُؤِ. فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَا تَكَافَأَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ، وَتَرَدَّدَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ حَاظِرٍ وَمُبِيحٍ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمُجْتَهِدُ بِالْخِيَارِ فِي رَدِّهِ إلَى أَيِّ الْأَصْلَيْنِ شَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ لَمْ يُرِدْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَنَصَبَ عَلَى مُرَادِهِ مِنْهُمَا دَلِيلًا. وَالثَّانِي: يَرُدُّهُ إلَى أَغْلَظِ الْأَصْلَيْنِ حُكْمًا وَهُوَ الْحَظْرُ دُونَ الْإِبَاحَةِ احْتِيَاطًا، لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْلِيفِ مَوْضُوعٌ لِلتَّغْلِيظِ. قَالَا: فَصَارَ أَقْسَامُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا شَرَحْنَا اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا: سِتَّةٌ مِنْهَا مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فِي الْخَفِيِّ. وَسِتَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فِي قِيَاسِ التَّحْقِيقِ، وَثَلَاثَةٌ فِي قِيَاسِ التَّقْرِيبِ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ بِمَا حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ مِنْ غَيْرِ بِنَاءِ فَرْعٍ عَلَى أَصْلٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ قَالَ: قَدْ ثَبَتَ أُصُولٌ مُعَلَّلَةٌ اتَّفَقَ الْقَائِسُونَ عَلَى عِلَلِهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْحَدُّ فِي تِلْكَ الْأُصُولِ مَعْنَوِيٌّ، وَجَعَلَ الِاسْتِدْلَالَ قَرِيبَةً مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَعْيَانِهَا حَتَّى كَأَنَّهَا أُصُولٌ مُعْتَمَدَةٌ مَثَلًا، وَالِاسْتِدْلَالُ مُعْتَبَرٌ بِهَا، وَاعْتِبَارُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى تَقْرِيبًا أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ صُورَةٍ بِصُورَةٍ لِمَعْنًى جَامِعٍ. ثُمَّ مَثَّلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ بِتَحْرِيمِ وَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهَا مُتَرَبِّصَةٌ فِي تَبْرِئَةِ الرَّحِمِ وَتَسْلِيطُ الزَّوْجِ عَلَى رَحِمِهَا فِي الزَّمَانِ الَّذِي تُؤْمَرُ فِيهِ بِالتَّرَبُّصِ لِلتَّبْرِئَةِ تَنَاقُضُ، وَهَذَا مَعْنًى

стр. 2650

مَعْقُولٌ. وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ تَرَبَّصَتْ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَاعْتَزَلَهَا الزَّوْجُ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ عِنْدَهُ، وَلَوْ طَلَبَ الشَّافِعِيُّ لِهَذَا أَصْلًا لَمْ يَجِدْهُ، وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنْ الْقَوَاعِدِ. وَمَنْ قَاسَ الرَّجْعِيَّةَ عَلَى الْبَائِنِ لَمْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: الْبَيْنُونَةُ هِيَ الْمُسْتَقِلَّةُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالرَّجْعِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَهَا. النَّوْعُ الثَّالِثُ قِيَاسُ الْعَكْسِ وَهُوَ إثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ، كَذَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " " وَالْأَحْكَامِ " وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الْعَكْسِ الْمُلَازِمَةِ الثَّابِتَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: الْمَلْزُومُ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمُلَازَمَةِ الْقِيَاسُ، كَقَوْلِنَا: لَوْ لَمْ تَجِبْ أَوَّلًا عَلَى الصَّبِيِّ لَمَا وَجَبَتْ عَلَى الْبَالِغِ، قِيَاسًا عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ إجْمَاعًا فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ. انْتَهَى وَقَدْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتِعْمَالُ هَذَا النَّوْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَقَالَ ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَعْنِي: أَكَانَ يُعَاقَبُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَهْ يَعْنِي: أَنَّهُ إذَا وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ يَأْثَمُ، كَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ» فَقَدْ

стр. 2651

جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ نَقِيضَ حُكْمِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ وَهُوَ الْإِثْمُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ الْوَطْءُ الْحَرَامُ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ كَوْنُ هَذَا مُبَاحًا وَهَذَا حَرَامًا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا فَقِيلَ: إنَّهُ قِيَاسٌ حَقِيقَةً، وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " هُوَ قِيَاسٌ مَجَازًا، وَقِيلَ: لَا يُسَمَّى قِيَاسًا، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ "، لِأَنَّ غَايَتَهُ تُمْسِكُ بِنَظْمِ التَّلَازُمِ وَإِثْبَاتٌ لِإِحْدَى مُقَدِّمَتِهِ بِالْقِيَاسِ. وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ " أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي إبْطَالِ عِلَّتِهِ فِي الرِّبَا فِي الْأَثْمَانِ فَقَالَ: لَوْ كَانَ الْفِضَّةُ وَالْحَدِيدُ يَجْمَعُهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الرِّبَا لَمْ يَجُزْ اسْتِلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ لَوْ جَمَعَهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجُزْ اسْتِلَامُ. أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، فَلَمَّا جَازَ بِالْإِجْمَاعِ اسْتِلَامُ الْفِضَّةِ فِي الْحَدِيدِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، " وَأَصَحُّهُمَا " وَهُوَ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصِحُّ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْعَكْسِ اسْتِدْلَالٌ بِقِيَاسِ مَدْلُولٍ عَلَى صِحَّتِهِ بِالْعَكْسِ، وَإِذَا صَحَّ الْقِيَاسُ فِي الطَّرْدِ وَهُوَ غَيْرُ مَدْلُولٍ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَأَنْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِالْعَكْسِ وَهُوَ قِيَاسُ مَدْلُولٍ عَلَى صِحَّتِهِ أَوْلَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَلَّ عَلَى التَّوْحِيدِ بِالْعَكْسِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ عِنْدِهِ بِالْعَكْسِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . قُلْت: وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " فَقَالَ فِي زَكَاةِ الْخُلْطَةِ: وَلَمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ خُلَطَاءَ لَوْ كَانَ لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أُخِذَتْ مِنْهُمْ وَاحِدَةٌ فَصَدَّقُوا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ فَنَقَصُوا الْمَسَاكِينَ شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ الْخُلَطَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَوْ تَفَرَّقَ مَا لَهُمْ كَانَ فِيهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ

стр. 2652

يَقُولُوا لَوْ كَانَتْ أَرْبَعُونَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِمْ شَاةٌ لِأَنَّهُمْ صَدَّقُوا الْخُلَطَاءَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ. انْتَهَى فَقَاسَ وُجُوبَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ لِثَلَاثَةٍ خُلَطَاءَ عَلَى سُقُوطِ اثْنَتَيْنِ فِي مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثَةٍ خُلَطَاءَ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ " مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: لَا قَوَدَ عَلَى مَنْ شَارَكَ الصَّبِيَّ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ الشَّافِعِيُّ: فَأَوْجِبْ الْقَوَدَ عَلَى مَنْ شَارَكَ الْأَبَ لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ، وَإِذَا لَمْ تُوجِبْ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ فَهُوَ تَرْكٌ لِأَصْلِك. قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: هَذَا السُّؤَالُ لَا يَلْزَمُ مُحَمَّدًا، لِأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّلَ بِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَنَقِيضُهُ أَنَّهُ يُوجَدُ مَنْ شَارَكَ مَنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ وَمَعَ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، فَأَمَّا مَنْ شَارَكَ الْأَبَ فَهُوَ عَكْسُ عِلَّتِهِ، لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ. أَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذَا، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَذَا يَلْزَمُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عِلَّةٌ لِلْأَعْيَانِ، وَعِلَّةٌ لِلْجِنْسِ، فَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ لِلْأَعْيَانِ انْقَضَتْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ كَقَوْلِك: لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ، فَالنَّقْضُ أَنْ يُوجَدَ مُرْتَدٌّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ. وَالثَّانِيَةُ عِلَّةُ الْجِنْسِ فَهَذِهِ تُنْقَضُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ، وَأَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ، كَقَوْلِك: عِلَّةُ الْقَتْلِ الْقَتْلُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا قَتْلَ إلَّا بِقَتْلٍ، فَهَذِهِ تُنْقَضُ بِمَا قُلْنَاهُ: إنْ قَتَلَ بِغَيْرِ قَتْلٍ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ مَعَ وُجُودِ الْقَتْلِ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَعِلَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لِلْجِنْسِ، لِأَنَّهُ عَلَّلَ سُقُوطَ الْقَوَدِ عَنْ الشَّرِيكِ دُونَ شَرِيكِ مَنْ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَلَمُ، فَهَذِهِ لِلْجِنْسِ فَيَنْتَقِضُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَنْ يُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ وَأَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ فَقَدْ أَوْجَدَ الْحُكْمَ وَلَا عِلَّةَ فَبَطَلَ قَوْلُهُ.

стр. 2653

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَكُنْت أَجَبْت بِجَوَابٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَلْزَمَهُمْ الْعَكْسَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ، لِأَنَّ عِلَّةَ الْعَكْسِ عِنْدَهُمْ دَلِيلُ تَنَاقُضِهِمْ فِي الْعَكْسِ. وَجَوَابٌ آخَرُ جَدِيدٌ وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فَرَّقَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فَطَالَبَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْفَرْقِ بَيْنَ شَرِيكِ الصَّبِيِّ حَيْثُ قُلْت: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قُلْت: إذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ أَحَدِ الْقَاتِلِينَ كَانَ عَلَى شَرِيكِهِ الْقَوَدُ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ قَدْ شَارَكَ مَنْ رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا إذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ الْقَلَمُ جَارٍ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هَذَا بَاطِلٌ بِمَا إذَا شَارَكَ الْأَبَ فِي قَتْلِ وَلَدِهِ، لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ الْقَلَمُ جَارٍ عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا لَا قَوَدَ عَلَيْهِ عِنْدَك. فَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى مَسَائِلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: قَدْ شَرِكَ الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ فِيمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أَسْقَطَ الْقَوَدَ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَأَوْجَبَهُ عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قُلْنَا لَهُ: هَذَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ إنْ قُلْنَا فِي حُكْمِ الْخَطَأِ فَلَا قَوَدَ عَلَى شَرِيكِهِ كَمَنْ شَارَكَ الْخَاطِئَ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، فَإِنْ قُلْنَا عَمْدُهُ عَمْدٌ، فَعَلَى شَرِيكِهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ. ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ: قَدْ كَسَرَ الشَّافِعِيُّ فَرْقَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، فَأَنْتَ أَوْرَدْت كَلَامًا يَنْقُضُ الْكَسْرَ وَإِنَّمَا تُنَاقَضُ الْعِلَلُ، فَأَمَّا الْكَسْرُ فَلَا يُنَاقَضُ، فَسَقَطَ، هَذَا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ، فِي تَعْلِيلِ جَوَازِ الِاخْتِصَارِ عَلَى الْأَسْفَلِ: لَمَّا كَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ كَظَاهِرِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُتَمَزِّقًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُهُ كَأَعْلَاهُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ بِالْمَسْحِ إذَا كَانَ صَحِيحًا. ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ رَدَّ هَذَا التَّعْلِيلَ بِأَنَّهُ قِيَاسُ عَكْسٍ فَكَأَنَّهُ رَدَّ قِيَاسَ الْعَكْسِ.

стр. 2654

النَّوْعُ الرَّابِعُ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ وَصْفًا لَازِمًا مِنْ لَوَازِمِ الْعِلَّةَ، أَوْ أَثَرًا مِنْ آثَارِهَا، أَوْ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهَا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ فِي الْجَمِيعِ دَلِيلَ الْعِلَّةِ لَا نَفْسَ الْعِلَّةِ فَالْأَوَّلُ: كَقِيَاسِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْمُلَازِمَةِ. وَالثَّانِي: كَقَوْلِنَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ صَاحِبُهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَتْلًا، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ، فَكَوْنُهُ إثْمًا لَيْسَ هُوَ بِعِلَّةٍ بَلْ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا. وَالثَّالِثُ: كَقَوْلِنَا فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ إنَّهُ قَطْعٌ مُوجِبٌ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ، كَمَا لَوْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا فَوُجُوبُ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَيْسَ نَفْسَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ بَلْ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ، بِدَلِيلِ اطِّرَادِهَا وَانْعِكَاسِهَا، كَمَا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ وَالْخَطَأُ وَشِبْهِ الْعَمْدُ.

стр. 2655

وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، أَوْ هُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالشَّبَهِ؟ وَقَالَ الْإِمَامُ: قِيَاسُ الدَّلَالَةِ هُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا لَا يُنَاسِبُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى جَامِعٍ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِعَدِّهِ قِسْمًا عَلَى حِيَالِهِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ تَارَةً مُنْبِئًا عَنْ مَعْنًى، وَتَارَةً عَنْ شَبَهٍ، وَهُوَ فِي طَوْرَيْهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى أَوْ الشَّبَهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " مِعْيَارِهِ ": الْحَدُّ الْأَوْسَطُ إذَا كَانَ عِلَّةً لِلْأَكْبَرِ سَمَّاهُ الْفُقَهَاءُ " قِيَاسُ الْعِلَّةِ " وَسَمَّاهُ الْمَنْطِقِيُّونَ " بُرْهَانُ اللِّمَ " أَيْ: ذِكْرُ مَا يُجَابُ بِهِ عَنْ لِمَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً سَمَّاهُ الْفُقَهَاءُ " قِيَاسُ الدَّلَالَةِ " وَسَمَّاهُ الْمَنْطِقِيُّونَ " قِيَاسُ الْبُرْهَانِ " أَيْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ الْأَكْبَرَ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْغَرِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ عِلَّةٍ. فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِك: هَذَا الْإِنْسَانُ شَبْعَانُ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْآنَ، وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ عَكْسُهُ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالنَّتِيجَةِ عَلَى الْمُنْتِجِ فَيَقُولُ شَبْعَانُ فَإِذًا هُوَ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْأَكْلِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ: هَذِهِ عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهَا، وَفِي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ: هَذِهِ عَيْنٌ لَيْسَتْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَإِذًا هِيَ نَجِسَةٌ. النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْفَارِقِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا أَوْ اسْتِدْلَالًا، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالثَّانِي قَوْلُ الْغَزَالِيِّ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُقْصَدُ بِهِ التَّسْوِيَةُ، وَإِنَّمَا قَصَدَ نَفْيَ الْفَارِقِ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْتِوَاءُ فِي الْعِلَّةِ. وَالْقِيَاسُ هُوَ الَّذِي يُبْنَى عَلَى الْعِلَّةِ ابْتِدَاءً وَهَذَا لَمْ يُبْنَ عَلَى الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِيهِ ضِمْنًا. وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. وَنَازَعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ؛ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ يَقُولُ: اللَّفْظُ مُنْقَطِعُ الدَّلَالَةِ لُغَةً عَنْ الْفَرْعِ سَاكِتٌ عَنْهُ، وَالْحُكْمُ

стр. 2656

فِيهِ إنَّمَا يُتَلَقَّى مِنْ الْقِيَاسِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ يَقُولُ: لَفْظُ الْأَصْلِ يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ مِنْ جِهَةٍ مَا، لَكِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى حَدِّ تَنَاوُلِ الْأَصْلِ، وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا إنْ كَانَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِهِ فَلَا نُسَمِّيهِ قِيَاسًا، كَقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ» فَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي ذَكَرٍ فَالْعُبُودِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْأَمَةِ وَقَدْ قِيلَ لِلْأَمَةِ عَبْدَةٌ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الشَّارِعِ مُشْعِرًا بِهِ فَهُوَ قِيَاسٌ قَطْعِيٌّ، كَإِلْحَاقِ الشَّافِعِيِّ ﵀ عَرَقَ الْكَلْبِ بِلُعَابِهِ فِي الْعَدَدِ وَالتَّعْفِيرِ، وَفِي دَعْوَى الْقَطْعِ فِي الثَّانِي نَظَرٌ. النَّوْعُ السَّادِسُ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَنْصُوصِ كَالضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ وَسَبَقَ أَوَّلَ الْبَابِ. تَنْبِيهٌ: أَعْلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ حَتَّى اُخْتُلِفَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ أَوْ قِيَاسٌ وَهُوَ الْقَطْعِيُّ، ثُمَّ يَلِيهِ قِيَاسُ الْمَعْنَى، ثُمَّ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ، ثُمَّ قِيَاسُ الشَّبَهِ وَهِيَ الْمَظْنُونَاتُ. وَالْإِلْحَاقُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ تَارَةً يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَتَارَةً يَكُونُ ظَنِّيًّا، لِأَنَّ الْإِلْحَاقَ يَجِيءُ هَكَذَا تَارَةً وَتَارَةً. وَيَأْتِي فِي التَّرْجِيحَاتِ.

стр. 2657

[الْبَابُ الْخَامِسُ مَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ] الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ فِي شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ: شَرْطُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ حُدُوثُ حَادِثَةٍ تُؤَدِّي الضَّرُورَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِمَا، لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ. وَالْأَوَّلُ يَأْبَاهُ وَضْعُ الْأَئِمَّةِ الْكُتُبَ الطَّافِحَةَ بِالْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْحَادِثَةِ، وَالثَّانِي غَرِيبٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُنَاظِرِينَ فِي مَقَامِ الْجَدَلِ قُلْت: وَكَأَنَّهُ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ يُفْهِمُ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ وِجْدَانِ النَّصِّ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا. لَكِنَّ هَذَا فِي الْعَمَلِ بِهِ لَا فِي صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي " التَّقْوِيمِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ حَادِثَةً فِيهَا نَصٌّ فَيَزْدَادُ بِالْقِيَاسِ مَا كَانَ النَّصُّ سَاكِتًا عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ، لِأَنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ الزَّائِدَ وَلَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ، فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ إذَا جَاءَ مُخَالِفًا. وَقَالَ إلْكِيَا: لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفَائِدَتُهُ تَشْحِيذُ الْخَاطِرِ. وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي شُرُوطِ الْفَرْعِ. مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا إجْمَاعَ

стр. 2658

بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. قَالَ: فَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِالْقِيَاسِ فَجَائِزٌ وِفَاقًا وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِمْ كَقَوْلِنَا، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ: وَلَا يَقْطَعُ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إلَّا مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ فِي السَّارِقِ وَيَتَّجِهُ أَنْ يُخَرَّجَ لَهُ فِي هَذِهِ قَوْلَانِ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ الْأَطْرَافَ وَأُرُوشَ الْجِرَاحَاتِ وَالْحُكُومَاتِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْقَدِيمِ: لَا يُضْرَبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي النَّفْسِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لَا قَسَامَةَ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْأَطْرَافِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمْ كَدِيَةِ النَّفْسِ قِيَاسًا بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقَلُّ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْقِيَاسُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ النُّصُوصِ، فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ وَالْحُدُودُ فِي الْمَقَادِيرِ فَفِي جَوَازِ اسْتِخْرَاجِهَا بِالْقِيَاسِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إذَا تَعَلَّقَ بِأَسْمَاءِ الْأَحْكَامِ كَتَسْمِيَةِ النَّبِيذِ خَمْرًا لِوُجُودِ مَعْنَى الْخَمْرِ فِيهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ الْمَقَادِيرَ قِيَاسًا كَمَا قَدَّرْنَا أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَهُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا أَحْكَامٌ وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ، وَمَعَانِي

стр. 2659

الْحُدُودِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَالْمَقَادِيرُ مَشْرُوعَةٌ انْتَهَى. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ لَكِنْ نُقِلَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةً فَوْقَ كَفَّارَةِ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ وَدُونَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ: قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى خَبَرٍ وَلَا إلَى أَثَرٍ وَلَا قِيَاسٍ، حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ صَاحِبُ " الذَّخَائِرِ " وَقَدْ حَكَى أَنَّهُ لَا وَقَصَ فِي النَّقْدَيْنِ فَيَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالْمَاشِيَةِ. قَالَ: وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ سِيَّمَا عَلَى رَأْيِهِمْ فَإِنَّ الْقِيَاسَ فِي الْمُقَدَّرَاتِ مَمْنُوعٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا قُلْنَا: يَمْسَحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بِالْمَاءِ، هَلْ يَتَقَدَّرُ مُدَّةُ الْمَسْحِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةٍ لِلْمُسَافِرِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِنَقْلٍ وَتَوْقِيفٍ وَلَمْ يَرِدْ، وَنَقَلَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ " عَنْ الْجُبَّائِيُّ مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَا: وَقِيلَ: يَجُوزُ إثْبَاتُ ذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْقِيَاسِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: مَنَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِي الزَّكَاةِ وَالْحُدُودِ وَالْمَقَادِيرِ، وَرُبَّمَا أَلْحَقَ بِهَا الْكَفَّارَاتِ قَالَ: وَمَا مِنْ بَابٍ إلَّا وَلَهُمْ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ الْقِيَاسِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُمْ بِغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ فِي الْوَصْفِ إذَا ثَبَتَ بِغَيْرِ الْأَصْلِ، وَمَنَعُوهُ فِي الْإِيجَابِ، وَجَوَّزُوهُ فِي التَّرْكِ. انْتَهَى وَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إثْبَاتُ الْحُدُودِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، قَالَ: فَيَجُوزُ عَلَى قَوْلِهِ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ " بِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَجَازَ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَبْطُلُ بِالنَّسْخِ وَقَدْ صَارَ الْمُزَنِيّ إلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ مِثْلُ أَكْثَرِ الْحَيْضِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلْيَكُنْ أَقَلُّهُ مَعَ أَقَلِّهِ

стр. 2660

كَذَلِكَ، وَخَالَفَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا أَقَلُّهُ سَاعَةٌ فَقَدْ خَالَفُوا الْأَصْلَ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: مَنَعَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَلِهَذَا مَنَعَ مِنْ قَطْعِ النَّبَّاشِ بِالْقِيَاسِ، وَمَنَعَ مِنْ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى اللِّوَاطِ بِالْقِيَاسِ، وَمَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ بِإِيمَاءِ الْحَاجِبِ بِالْقِيَاسِ، وَمَنَعَ مِنْ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ بِالْقِيَاسِ قَالَ: وَلَا فَرْقَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْعُقُوبَاتِ وَبَيْنَ مَا لَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُقُوبَاتِ، وَمَنَعَ أَيْضًا مِنْ إثْبَاتِ النُّصُبِ بِالْقِيَاسِ. قَالَ: وَلِهَذَا الْأَصْلِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْفُصْلَانِ وَصِغَارِ الْغَنَمِ. وَالْأَصَحُّ عَلَى مَذْهَبِنَا جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الْمَقَادِيرِ. وَمَنَعَ الْكَرْخِيّ أَيْضًا أَنْ يُعَلَّلَ مَا رُخِّصَ فِيهِ لِنَوْعِ مُسَاهَلَةٍ كَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ، وَقَطْعِ السَّارِقِ، وَالِاسْتِصْنَاعِ عَلَى أُصُولِهِمْ فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِيهِ مِثْلُ الْخِفَافِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ تَتَبَّعَ الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَهُمْ وَأَبَانَ أَنَّهُمْ لَمْ يَفُوا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَمَّا الْحُدُودُ فَقَدْ كَثُرَتْ أَقْيِسَتُكُمْ فِيهَا تَعَدَّيْتُمُوهَا إلَى الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ فِي مَسْأَلَةِ شُهُودِ الزِّنَى فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْحَدَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَنَصُّوا أَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ. وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَقَدْ قَاسُوا الْإِفْطَارَ بِالْأَكْلِ عَلَى الْإِفْطَارِ بِالْوِقَاعِ، وَقَاسُوا قَتْلَ الصَّيْدِ نَاسِيًا عَلَى قَتْلِهِ عَامِدًا مَعَ تَقْيِيدِ النَّصِّ بِالْعَمْدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَمَّا الْمُقَدَّرَاتُ فَقَاسُوا فِيهَا وَمِمَّا أَفْحَشُوا فِي ذَلِكَ تَقْدِيرُ عَدَدِ الدِّلَاءِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلُوا تَقْدِيرًا عَلَى تَقْدِيرٍ فَقَدَّرُوا لِلْحَمَامِ غَيْرَ تَقْدِيرِ الْعُصْفُورِ وَالْفَأْرَةِ، وَقَدَّرُوا الدَّجَاجَةَ عَلَى تَقْدِيرِ الْحَمَامَةِ وَقَدَّرُوا الْخِرْصَ بِالْقُلَّتَيْنِ فِي الْعُشْرِ. وَأَمَّا الرُّخَصُ فَقَدْ قَاسُوا فِيهَا وَتَنَاهَوْا فِي الْقَصْدِ فَإِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِجْمَارِ مِنْ أَظْهَرِ الرُّخَصِ ثُمَّ اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ نَجَاسَةٍ نَادِرَةٍ أَوْ مُعْتَادَةٍ مَقِيسَةٌ عَلَى الْأَثَرِ اللَّاصِقِ بِمَحَلِّ النَّجْوِ، وَانْتَهَوْا فِي ذَلِكَ إلَى نَحْوِ نَفْيِ إيجَابِ اسْتِكْمَالِ الْأَحْجَارِ مَعَ قَطْعِ كُلِّ مُنْصِفٍ بِأَنَّ الَّذِينَ عَاصَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَهِمُوا هَذَا التَّخْفِيفَ مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِشِدَّةِ الْبَلْوَى.

стр. 2661

ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمِنْ شَنِيعِ مَا قَالُوا فِي الرُّخَصِ، إثْبَاتُهُمْ لَهَا عَلَى خِلَافِ وَضْعِ الشَّرْعِ فِيهَا فَإِنَّهَا شُرِعَتْ تَخْفِيفًا وَإِعَانَةً عَلَى مَا يُعَانِيهِ الْمَرْءُ فِي سَفَرِهِ مِنْ كَثْرَةِ أَشْغَالٍ قَاسُوهَا فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ يَزِيدُ عَلَى الْقِيَاسِ إذْ الْقِيَاسُ تَقْدِيرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ قَرَارُهُ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ، وَهَذَا قَلْبُ الْمَوْضُوعِ الْمَنْصُوصِ فِي الرُّخَصِ الْكُلِّيَّةِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَيْسَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهَا بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى مُخَيَّلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ، وَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا لَا يُعَلَّلُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْحُدُودِ أَوْ الْكَفَّارَاتِ. ثُمَّ قَدْ تَنْقَسِمُ الْعِلَلُ أَقْسَامًا، فَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ لَا تَفْصِيلُهُ وَهُوَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ إبْدَاءُ مَعْنًى مِنْ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ، وَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ وَتَفْصِيلُهُ لِعَدَمِ اطِّرَادِ التَّعْلِيلِ فِي التَّفَاصِيلِ، وَقِسْمٌ آخَرُ لَا تُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ، لَكِنْ بَعْدَ ثُبُوتِ جُمْلَتِهِ تُعَلَّلُ تَفَاصِيلُهُ، كَالْكِتَابَةِ وَالْإِجَازَةِ وَفُرُوعِ تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ. وَقَدْ يُوجَدُ قِسْمٌ لَا يَجْرِي التَّعْلِيلُ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، كَالصَّلَاةِ وَمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِ وَرُبَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَقَادِيرُ الْأَنْصِبَةِ وَالْأَوْقَاصُ انْتَهَى. وَقَالَ إلْكِيَا: نُقِلَ عَنْ زُعَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ فِي التَّقْدِيرَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ، وَلِذَلِكَ مَنَعُوا إثْبَاتَ حَدِّ السَّارِقِ فِي الْمُخْتَلِسِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لِهَذَا الْمُحْصَرِ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ وَقَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ عِبَادَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ النُّصُبَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُبْتَدَأَ بِقِيَاسٍ وَلَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ اعْتَدَّ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْفَصِيلِ، وَكَانَ يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ فِي نُصُبِ مَا قَدْ يَثْبُتُ الزَّكَاةُ فِيهَا، كَمَا يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ فِي صِفَةِ الْعِبَادَةِ مِنْ وُجُوبٍ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَبِلُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي إثْبَاتِ النِّصَابِ فِيمَنْ زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ، وَفِي وُجُوبِ الْوَتْرِ. فَقِيلَ لَهُمْ: تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْحُدُودِ وَالْأَيْمَانِ بِالْقِيَاسِ، فَأَجَابُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ

стр. 2662

إثْبَاتِ حَدٍّ بِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا لِبَيَانِ الشُّبَهِ الْمُسْقِطَةِ لَهُ مَعَ تَحَقُّقِ إثْبَاتِهَا، وَسُقُوطُ الْحَدِّ لَيْسَ بِحَدٍّ فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ. وَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْقَتْلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُجَامِعِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ، وَعَلَى الْمُجَامِعِ نَاسِيًا فِي الْإِحْرَامِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ خَطَأً وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ نَصٍّ وَلَا عُمُومٍ وَلَا إجْمَاعٍ. فَأَجَابُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ نَعْلَمْهُ قِيَاسًا بَلْ اسْتِدْلَالًا بِالْأُصُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ مُغَايِرٌ لِلْقِيَاسِ لِنَحْوِ السِّرِّ. وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا غَيْرُ الْقِيَاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَقَالَ: الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَذْهَبًا لِلْمُحَصِّلِ عَلَى مَا يَرَاهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي إجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي أُصُولِ الْكَفَّارَاتِ وَأُصُولِ الْحُدُودِ كَإِلْحَاقِ الرِّدَّةِ، وَالْقَذْفِ بِالْقَتْلِ فِي الْكَفَّارَةِ وَكَإِلْحَاقِ مَنْ يُكَاتِبُ وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَاتِنَا بِالسَّارِقِ مِنْ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ فِي عَلَائِقِ غَيْبٍ لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ فَانْعَدَمَ طَرِيقُ الْقِيَاسِ. فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الَّذِي يُكَاتِبُ الْكُفَّارَ وَإِنْ زَادَ ضَرَرُ فِعْلِهِ عَلَى ضَرَرِ السَّارِقِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى سَارِقٍ وَاحِدٍ، أَمَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجِنْسِ فَلَا مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّرِقَةَ مِمَّا يَتَشَوَّفُ إلَيْهَا الرَّعَاعُ بِخِلَافِ مُكَاتَبَةِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُوجَدُ، أَوْ لَا يَظْهَرُ اسْتِوَاءُ السَّبَبِ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَشَارَ الْغَزَالِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ الْجَارِيَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ لَيْسَ قِيَاسًا بَلْ هُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَسْبَابِ، وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيّ فِي الْأَسْبَابِ، وَقَالَ: هِيَ تَخْرِيجٌ، لَا تَنْقِيحٌ. الثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِجَرَيَانِهِ فِي الْحُدُودِ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ فِي الْحَدِّ،

стр. 2663

لِوُجُودِ عِلَّةٍ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ، كَزِيَادَةِ التَّعْزِيرِ فِي حَقِّ الشُّرْبِ وَتَبْلِيغِهِ إلَى ثَمَانِينَ، قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ. أَمَّا إنْشَاءُ حَدٍّ بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدٍّ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ. الثَّالِثُ: ذَكَرَ فِي " الْمَحْصُولِ " تَبَعًا لِلشَّيْخِ فِي " اللُّمَعِ " أَنَّ الْعَادَاتِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهَا وَمَثَّلَهُ بِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِتَمْثِيلِ الْمَاوَرْدِيِّ ﵀ السَّابِقِ، لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِهِ لِلْمَقَادِيرِ وَقَدْ خَطَّأَ مَنْ قَاسَ فِي الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ هَذِهِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْمَوْجُودِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوُجُودِيَّةَ لَا تَطَّرِدُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا حِينَئِذٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مَوْجُودَةً فِي هَذَا الْفَرْعِ أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْفَرْعِ حِينَئِذٍ فِي سَبَبِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وُجُودُهُ فَالْحُكْمُ مُثْبِتٌ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ سَبَبَ وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الرَّأْي وَالتَّقْلِيلُ مِنْ التَّوْقِيفِ وَالْأَحَادِيثِ، فَتَبَرَّأَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي قَاسَ فِيهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ مَنَعَهُمْ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّا أَقْوَلُ بِالْقِيَاسِ مِنْهُمْ. الْخَامِسُ: سَبَقَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ ثُمَّ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُفْطِرِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي غَيْرِ الْوِقَاعِ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: مَا أَجْدَرَ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ أَنْ يَنْتَحِلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَ صَاحِبِهِ، يَعْنِي: أَنَّ قِيَاسَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ فِي الْكَفَّارَاتِ عَدَمُ تَخْصِيصِهَا بِالْوِقَاعِ دُونَ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ،

стр. 2664

وَقِيَاسُ عَدَمِ الْقِيَاسِ عَدَمُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي غَيْرِ الْوِقَاعِ. وَهَذَا الْقَوْلُ جَهْلٌ بِمَدَارِكِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَثْبَتُوا بِالْحَدِيثِ الْمَأْمُورَ بِهِ بِالْكَفَّارَةِ بِمُطْلَقِ الْإِفْطَارِ فَهَذَا الْمُطْلَقُ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِالْجِمَاعِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْبَحْثُ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ هَلْ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْقِيَاسِ عَامَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِ الْمَسَائِلِ؟ وَأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ الْخَاصَّةِ صَحِيحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَخَلِيَّةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ؟ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِيمَا سَبَقَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الْبُوَيْطِيِّ " عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ فِي أَوَائِلِهِ: لَا يُتَعَدَّى بِالرُّخْصَةِ مَوَاضِعُهَا وَقَالَ فِي " الْأُمِّ ": لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَرَّمَ جُمْلَةً وَأَحَلَّ بَعْضَهَا. وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ شَيْئًا رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّخْفِيفَ فِي بَعْضِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ مَنْصُوصٌ ثُمَّ كَانَتْ لِرَسُولِهِ سُنَّةٌ بِتَخْفِيفٍ فِي بَعْضِ الْفَرْضِ دُونَ بَعْضٍ عُمِلَ بِالرُّخْصَةِ فِيمَا رَخَّصَ فِيهِ دُونَ مَا سِوَاهَا وَلَمْ نَقِسْ مَا سِوَاهَا عَلَيْهَا. وَهَكَذَا مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُكْمٍ عَامٍّ لِشَيْءٍ ثُمَّ سَنَّ فِيهِ سُنَّةً تُفَارِقُ حُكْمَ الْعَامِّ، كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالْعَرَايَا " هَذَا لَفْظُهُ، وَذَكَرَ فِي " الرِّسَالَةِ " مِثْلَهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ " الْأُمِّ ":

стр. 2665

وَلَا يُقَاسُ إلَّا مَا عَقَلْنَا مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا عِمَامَةٌ وَلَا بُرْقُعٌ وَلَا قُفَّازَانِ وَكَذَلِكَ الْقَسَامَةُ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ، وَالتَّحَلُّلُ رُخْصَةٌ فَلَا يُتَعَدَّى بِهَا مَوَاضِعُهَا. كَمَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ رُخْصَةٌ فَلَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ مَسْحُ الْعِمَامَةِ. انْتَهَى. وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا عَلَى الرُّخَصِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَكُونُ مَعْدُولًا بِهَا عَنْ الْأَصْلِ وَمَا عَدَا مَحَلِّ الرُّخْصَةِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الرُّخَصِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ثُمَّ رُخِّصَ فِي مَحَلِّ الْخُفِّ الْمَسْحُ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَسْحُ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ لَا يَنْقَضِي عَنْهُ إلَّا بِالْإِتْمَامِ، وَرُخِّصَ لِلْمُحْصَرِ بِالْعَدْوِ فِي التَّحَلُّلِ، ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْمَصْدُودُ بِالْمَرَضِ. وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمَيِّتُ. فَأَوْجَبَ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ لَا عَلَى الْقِيَاسِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ الرُّخَصِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ تُوجِبُ عَلَى الْجَانِي فَاسْتَثْنَى مِنْهُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا. وَقَالَ إلْكِيَا: إنَّمَا نَمْنَعُ الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ إذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الرُّخْصَةِ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ يُعْتَبَرُ بِالْمُسَافِرِ فِي رُخَصِ السَّفَرِ إذْ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ. وَقَدْ يَمْتَنِعُ أَيْضًا مَعَ شُمُولِ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ يَبِنْ عِنْدَنَا اسْتِوَاءُ السَّبَبَيْنِ فِي الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى شَرْعِ الْقَصْرِ مَعَ أَنَّ الْمَرِيضَ خُفِّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ ذَلِكَ فِي الرُّخْصَةِ سَدًّا لِحَاجَتِهِ، كَالْقُعُودِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي الْأَرْكَانِ مُقَابِلٌ لِلتَّخْفِيفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. انْتَهَى. وَأَلْحَقَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَخْصُوصِ وَسَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ
следующие страницы →