Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمِنْ شَنِيعِ مَا قَالُوا فِي الرُّخَصِ، إثْبَاتُهُمْ لَهَا عَلَى خِلَافِ وَضْعِ الشَّرْعِ فِيهَا فَإِنَّهَا شُرِعَتْ تَخْفِيفًا وَإِعَانَةً عَلَى مَا يُعَانِيهِ الْمَرْءُ فِي سَفَرِهِ مِنْ كَثْرَةِ أَشْغَالٍ قَاسُوهَا فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. فَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ يَزِيدُ عَلَى الْقِيَاسِ إذْ الْقِيَاسُ تَقْدِيرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ قَرَارُهُ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ، وَهَذَا قَلْبُ الْمَوْضُوعِ الْمَنْصُوصِ فِي الرُّخَصِ الْكُلِّيَّةِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَيْسَ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهَا بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى مُخَيَّلٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ، وَمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا لَا يُعَلَّلُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْحُدُودِ أَوْ الْكَفَّارَاتِ. ثُمَّ قَدْ تَنْقَسِمُ الْعِلَلُ أَقْسَامًا، فَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ لَا تَفْصِيلُهُ وَهُوَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ إبْدَاءُ مَعْنًى مِنْ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ، وَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ وَتَفْصِيلُهُ لِعَدَمِ اطِّرَادِ التَّعْلِيلِ فِي التَّفَاصِيلِ، وَقِسْمٌ آخَرُ لَا تُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ، لَكِنْ بَعْدَ ثُبُوتِ جُمْلَتِهِ تُعَلَّلُ تَفَاصِيلُهُ، كَالْكِتَابَةِ وَالْإِجَازَةِ وَفُرُوعِ تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ. وَقَدْ يُوجَدُ قِسْمٌ لَا يَجْرِي التَّعْلِيلُ فِي جُمْلَتِهِ وَتَفَاصِيلِهِ، كَالصَّلَاةِ وَمَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِ وَرُبَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَقَادِيرُ الْأَنْصِبَةِ وَالْأَوْقَاصُ انْتَهَى.
وَقَالَ إلْكِيَا: نُقِلَ عَنْ زُعَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ فِي التَّقْدِيرَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ، وَلِذَلِكَ مَنَعُوا إثْبَاتَ حَدِّ السَّارِقِ فِي الْمُخْتَلِسِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لِهَذَا الْمُحْصَرِ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ وَقَالَ: إنَّهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ عِبَادَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وَكَانَ يَقُولُ: إنَّ النُّصُبَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُبْتَدَأَ بِقِيَاسٍ وَلَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ اعْتَدَّ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْفَصِيلِ، وَكَانَ يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ فِي نُصُبِ مَا قَدْ يَثْبُتُ الزَّكَاةُ فِيهَا، كَمَا يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ فِي صِفَةِ الْعِبَادَةِ مِنْ وُجُوبٍ وَغَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ قَبِلُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي إثْبَاتِ النِّصَابِ فِيمَنْ زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ، وَفِي وُجُوبِ الْوَتْرِ. فَقِيلَ لَهُمْ: تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْحُدُودِ وَالْأَيْمَانِ بِالْقِيَاسِ، فَأَجَابُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِأَجْلِ
стр. 2662
إثْبَاتِ حَدٍّ بِهِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا لِبَيَانِ الشُّبَهِ الْمُسْقِطَةِ لَهُ مَعَ تَحَقُّقِ إثْبَاتِهَا، وَسُقُوطُ الْحَدِّ لَيْسَ بِحَدٍّ فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ. وَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْقَتْلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُجَامِعِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ، وَعَلَى الْمُجَامِعِ نَاسِيًا فِي الْإِحْرَامِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ خَطَأً وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ نَصٍّ وَلَا عُمُومٍ وَلَا إجْمَاعٍ. فَأَجَابُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ نَعْلَمْهُ قِيَاسًا بَلْ اسْتِدْلَالًا بِالْأُصُولِ عَلَى الْأَحْكَامِ مُغَايِرٌ لِلْقِيَاسِ لِنَحْوِ السِّرِّ. وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا غَيْرُ الْقِيَاسِ. ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ وَأَطَالَ، وَقَالَ: الَّذِي يَسْتَقِيمُ مَذْهَبًا لِلْمُحَصِّلِ عَلَى مَا يَرَاهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي إجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي أُصُولِ الْكَفَّارَاتِ وَأُصُولِ الْحُدُودِ كَإِلْحَاقِ الرِّدَّةِ، وَالْقَذْفِ بِالْقَتْلِ فِي الْكَفَّارَةِ وَكَإِلْحَاقِ مَنْ يُكَاتِبُ وَيُطْلِعُهُمْ عَلَى عَوْرَاتِنَا بِالسَّارِقِ مِنْ حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ فِي عَلَائِقِ غَيْبٍ لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ فَانْعَدَمَ طَرِيقُ الْقِيَاسِ. فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الَّذِي يُكَاتِبُ الْكُفَّارَ وَإِنْ زَادَ ضَرَرُ فِعْلِهِ عَلَى ضَرَرِ السَّارِقِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى سَارِقٍ وَاحِدٍ، أَمَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجِنْسِ فَلَا مِنْ حَيْثُ إنَّ السَّرِقَةَ مِمَّا يَتَشَوَّفُ إلَيْهَا الرَّعَاعُ بِخِلَافِ مُكَاتَبَةِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُوجَدُ، أَوْ لَا يَظْهَرُ اسْتِوَاءُ السَّبَبِ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ. تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: أَشَارَ الْغَزَالِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ الْجَارِيَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ لَيْسَ قِيَاسًا بَلْ هُوَ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَكَذَلِكَ فِي الْأَسْبَابِ، وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيّ فِي الْأَسْبَابِ، وَقَالَ: هِيَ تَخْرِيجٌ، لَا تَنْقِيحٌ.
الثَّانِي: قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِجَرَيَانِهِ فِي الْحُدُودِ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ فِي الْحَدِّ،
стр. 2663
لِوُجُودِ عِلَّةٍ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ، كَزِيَادَةِ التَّعْزِيرِ فِي حَقِّ الشُّرْبِ وَتَبْلِيغِهِ إلَى ثَمَانِينَ، قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ. أَمَّا إنْشَاءُ حَدٍّ بِالْقِيَاسِ عَلَى حَدٍّ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ.
الثَّالِثُ: ذَكَرَ فِي " الْمَحْصُولِ " تَبَعًا لِلشَّيْخِ فِي " اللُّمَعِ " أَنَّ الْعَادَاتِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِيهَا وَمَثَّلَهُ بِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِتَمْثِيلِ الْمَاوَرْدِيِّ ﵀ السَّابِقِ، لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِهِ لِلْمَقَادِيرِ وَقَدْ خَطَّأَ مَنْ قَاسَ فِي الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ هَذِهِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْمَوْجُودِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوُجُودِيَّةَ لَا تَطَّرِدُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا حِينَئِذٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْعَادَةُ مَوْجُودَةً فِي هَذَا الْفَرْعِ أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِيهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْفَرْعِ حِينَئِذٍ فِي سَبَبِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ وُجُودُهُ فَالْحُكْمُ مُثْبِتٌ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ سَبَبَ وَضْعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الرَّأْي وَالتَّقْلِيلُ مِنْ التَّوْقِيفِ وَالْأَحَادِيثِ، فَتَبَرَّأَ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي قَاسَ فِيهَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ مَنَعَهُمْ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّا أَقْوَلُ بِالْقِيَاسِ مِنْهُمْ.
الْخَامِسُ: سَبَقَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ ثُمَّ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْمُفْطِرِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي غَيْرِ الْوِقَاعِ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: مَا أَجْدَرَ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَيْنِ أَنْ يَنْتَحِلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَ صَاحِبِهِ، يَعْنِي: أَنَّ قِيَاسَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ فِي الْكَفَّارَاتِ عَدَمُ تَخْصِيصِهَا بِالْوِقَاعِ دُونَ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ،
стр. 2664
وَقِيَاسُ عَدَمِ الْقِيَاسِ عَدَمُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي غَيْرِ الْوِقَاعِ. وَهَذَا الْقَوْلُ جَهْلٌ بِمَدَارِكِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَثْبَتُوا بِالْحَدِيثِ الْمَأْمُورَ بِهِ بِالْكَفَّارَةِ بِمُطْلَقِ الْإِفْطَارِ فَهَذَا الْمُطْلَقُ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِالْجِمَاعِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى الْخِلَافُ فِي الْقِيَاسِ فِي الْكَفَّارَاتِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْبَحْثُ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ هَلْ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَهَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْقِيَاسِ عَامَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِ الْمَسَائِلِ؟ وَأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ الْخَاصَّةِ صَحِيحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَخَلِيَّةٌ عَنْ الِاعْتِبَارِ؟ وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِيمَا سَبَقَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الْبُوَيْطِيِّ " عَلَى امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ فِي أَوَائِلِهِ: لَا يُتَعَدَّى بِالرُّخْصَةِ مَوَاضِعُهَا وَقَالَ فِي " الْأُمِّ ": لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ حَرَّمَ جُمْلَةً وَأَحَلَّ بَعْضَهَا. وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ شَيْئًا رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّخْفِيفَ فِي بَعْضِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ مَنْصُوصٌ ثُمَّ كَانَتْ لِرَسُولِهِ سُنَّةٌ بِتَخْفِيفٍ فِي بَعْضِ الْفَرْضِ دُونَ بَعْضٍ عُمِلَ بِالرُّخْصَةِ فِيمَا رَخَّصَ فِيهِ دُونَ مَا سِوَاهَا وَلَمْ نَقِسْ مَا سِوَاهَا عَلَيْهَا. وَهَكَذَا مَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حُكْمٍ عَامٍّ لِشَيْءٍ ثُمَّ سَنَّ فِيهِ سُنَّةً تُفَارِقُ حُكْمَ الْعَامِّ، كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالْعَرَايَا " هَذَا لَفْظُهُ، وَذَكَرَ فِي " الرِّسَالَةِ " مِثْلَهُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ " الْأُمِّ ":
стр. 2665
وَلَا يُقَاسُ إلَّا مَا عَقَلْنَا مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا عِمَامَةٌ وَلَا بُرْقُعٌ وَلَا قُفَّازَانِ وَكَذَلِكَ الْقَسَامَةُ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ، وَالتَّحَلُّلُ رُخْصَةٌ فَلَا يُتَعَدَّى بِهَا مَوَاضِعُهَا. كَمَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ رُخْصَةٌ فَلَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ مَسْحُ الْعِمَامَةِ. انْتَهَى.
وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا عَلَى الرُّخَصِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَكُونُ مَعْدُولًا بِهَا عَنْ الْأَصْلِ وَمَا عَدَا مَحَلِّ الرُّخْصَةِ يَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي الرُّخَصِ، وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ثُمَّ رُخِّصَ فِي مَحَلِّ الْخُفِّ الْمَسْحُ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَسْحُ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ لَا يَنْقَضِي عَنْهُ إلَّا بِالْإِتْمَامِ، وَرُخِّصَ لِلْمُحْصَرِ بِالْعَدْوِ فِي التَّحَلُّلِ، ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ الْمَصْدُودُ بِالْمَرَضِ. وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمَيِّتُ. فَأَوْجَبَ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ لَا عَلَى الْقِيَاسِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ سَائِرُ الرُّخَصِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ تُوجِبُ عَلَى الْجَانِي فَاسْتَثْنَى مِنْهُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا.
وَقَالَ إلْكِيَا: إنَّمَا نَمْنَعُ الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ إذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الرُّخْصَةِ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ يُعْتَبَرُ بِالْمُسَافِرِ فِي رُخَصِ السَّفَرِ إذْ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ. وَقَدْ يَمْتَنِعُ أَيْضًا مَعَ شُمُولِ الْحَاجَةِ إذَا لَمْ يَبِنْ عِنْدَنَا اسْتِوَاءُ السَّبَبَيْنِ فِي الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى شَرْعِ الْقَصْرِ مَعَ أَنَّ الْمَرِيضَ خُفِّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْجِهَاتِ ذَلِكَ فِي الرُّخْصَةِ سَدًّا لِحَاجَتِهِ، كَالْقُعُودِ فِي الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي الْأَرْكَانِ مُقَابِلٌ لِلتَّخْفِيفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. انْتَهَى. وَأَلْحَقَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقِيَاسَ عَلَى الرُّخَصِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَخْصُوصِ وَسَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ
стр. 2666
يَكُونَ الْمَنْعُ عَنْهُ لِأَنَّ عِلَّتَهُ قَاصِرَةٌ عَلَيْهِ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ رُخْصَةً. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلرُّخْصَةِ مَعْنًى فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ فَيُقَاسُ، وَيَنْزِلُ الْخِلَافُ عَلَى هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ. وَرَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادًا فَلَا. فَحَصَلَ مَذَاهِبُ.
[أَمْثِلَةٌ لِلْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ]
وَقَدْ اسْتَعْمَلَ أَصْحَابُنَا الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ فِيمَا سَبَقَ فَلْنُشِرْ إلَى ذَلِكَ أَدْنَى إشَارَةٍ، فَإِنَّهُ يَعِزُّ اسْتِحْضَارُهُ:
وَمِنْهَا: أَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ وَرَدَ مُقَيَّدًا بِالْأَجَلِ وَجَوَّزَهُ أَصْحَابُنَا حَالًّا، لِأَنَّهُ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مَعَ الْغَرَرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ حَالًّا أَوْلَى لِقِلَّةِ الْغَرَرِ وَقَدْ يُنَازَعُ فِي كَوْنِهِ هَذَا قِيَاسًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْفَحْوَى، أَيْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَفِي كَوْنِهَا قِيَاسًا خِلَافٌ. عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَبْدَى فِي كَوْنِ السَّلَمِ رُخْصَةً احْتِمَالَيْنِ لَهُ.
وَمِنْهَا: ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ثُمَّ وَرَدَ التَّرْخِيصُ فِي " الْعَرَايَا " وَهِيَ بَيْعُ
стр. 2667
الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِ، وَأَلْحَقَ أَصْحَابُنَا بِهِ الْعِنَبَ بِجَامِعِ أَنَّهُ زَكَوِيٌّ يُمْكِنُ خَرْصُهُ وَيُدَّخَرُ بِالسَّنَةِ، فَكَانَ كَالرُّطَبِ وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُ الِاسْمُ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الرُّطَبُ، وَالْعِنَبُ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ فِي " الْحَاوِي " حَكَى خِلَافًا فَقَالَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، هَلْ جَازَتْ الرُّخْصَةُ فِي الْكَرْمِ نَصًّا أَوْ قِيَاسًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ إنَّهَا نَصٌّ فَرَوَوْا عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا»
وَالْعَرَايَا: بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ إنَّهَا جَازَتْ قِيَاسًا عَلَى النَّخْلِ لِبُرُوزِ ثَمَرَتِهَا وَإِمْكَانِ الْخَرْصِ فِيهِمَا وَتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِمَا. قُلْت: وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الثَّانِي وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ. وَمَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ غَيْرُ ثَابِتٍ بَلْ الْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّهُ ﵊ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي غَيْرِهِ» ، وَمِنْ تَوَابِعِ ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَلْتَحِقُ بِهِمَا مَا سِوَاهُمَا مِنْ الْأَشْجَارِ؟ قَوْلَانِ، مَدْرَكُهُمَا جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الرُّخَصِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ. وَمِنْهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، وَاسْتُثْنِيَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ، يُسْتَثْنَى بَاقِي الْأَوْقَاتِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ تَخْصِيصًا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَفْضِيلًا لَهُ، " وَأَصَحُّهُمَا " الْمَنْعُ، لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قَدْ وَرَدَتْ فِي وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ خَاصَّةً، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ لِقُوَّةِ عُمُومِ النَّهْيِ.
وَمِنْهَا: الرُّخْصَةُ فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَرَدَتْ وَهِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الضَّرُورَةِ فَلَا يُلْحَقُ بِهَا الْجُرْمُوقُ عَلَى الْجَدِيدِ - لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ فَلَا تَتَعَلَّقُ الرُّخْصَةُ بِهِ. وَاسْتَشْكَلَ هَذَا بِتَجْوِيزِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الزُّجَاجِ وَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ.
стр. 2668
وَمِنْهَا: لَوْ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ كَفَى وَهُوَ الْأَكْمَلُ، لِوُرُودِهِ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَسْفَلِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْوَارِدِ. وَمِنْهَا: التَّيَمُّمُ لِلْفَرْضِ رُخْصَةً لِلضَّرُورَةِ، وَفِي جَوَازِهِ لِلنَّافِلَةِ خِلَافٌ. وَمِنْهَا: النِّيَابَةُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ عَنْ الْمَعْضُوبِ رُخْصَةٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ. وَلَوْ اسْتَنَابَ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنْهَا: أَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِيمَنْ أَقَامَ بِبَلَدٍ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. لَكِنْ هَلْ يَتَعَدَّى هَذَا الْحُكْمُ لِبَاقِي الرُّخْصِ مِنْ الْجَمْعِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ وَغَيْرِهَا؟ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ، وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ فِي الرُّخْصَةِ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ. وَيُحْتَمَلُ مَنْعُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّا مَنَعْنَا الزِّيَادَةَ عَلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَصْرِ مَعَ وُرُودِ أَصْلِهِ فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ رُخَصُ مَا لَمْ يَرِدْ أَصْلُهُ أَوْلَى.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَطَرِ وَأَلْحَقُوا بِهِ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ إنْ كَانَا يَذُوبَانِ، وَقِيلَ: لَا يُرَخَّصَانِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْمَطَرِ. وَمِنْهَا: قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ تَأْخِيرًا، وَكَذَا تَقْدِيمًا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْجُمُعَةَ رُخْصَةٌ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ. وَمِنْهَا: أَنَّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لَا تَخْتَصُّ بِالْقِتَالِ، بَلْ لَوْ رَكِبَ الْإِنْسَانُ سَيْلًا يَخَافُ الْغَرَقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْقِتَالِ. وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ " إذْ قَالَ: مِنْ أَصْلِكُمْ أَنَّ الرُّخَصَ لَا تُتَعَدَّى مَوَاضِعُهَا وَلِذَلِكَ لَمْ يُثْبِتُوا رُخَصًا فِي حَقِّ الْمَرِيضِ بِوَجْهَيْنِ:
стр. 2669
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا بِالنَّصِّ وَهُوَ عُمُومٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٩] وَالثَّانِي: أَنَّا نُجَوِّزُ الْقِيَاسَ فِي الرُّخَصِ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَالْإِجْمَاعُ يَمْنَعُ مِنْ إجْرَاءِ رُخَصِ السَّفَرِ فِي الْمَرَضِ. وَمِنْهَا: أَنَّ صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَجُوزُ فِي الْجَدِيدِ، وَيَجُوزُ فِي الْقَدِيمِ لِلْمُتَمَتِّعِ إذَا عُدِمَ الْهَدْيُ، وَفِي جَوَازِهِ لِغَيْرِهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ وَالرُّخْصَةُ فِي حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ. وَمِنْهَا: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ، وَالْكَرْمِ فِي مَعْنَاهُ. وَفِي " الْكِفَايَةِ " قِيلَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ قَاسَ عَلَى النَّخْلِ وَقِيلَ: أَخَذَهُ مِنْ النَّصِّ.
وَمِنْهَا: الْمَبِيتُ بِمِنًى لِلْحَاجِّ وَاجِبٌ وَقَدْ رُخِّصَ فِي تَرْكِهِ لِلرُّعَاةِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ، فَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِمْ الْمَعْذُورُ كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَرِيضٌ مَنْزُولٌ بِهِ مُحْتَاجٌ لِتَعَهُّدِهِ، أَوْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ، أَوْ لَهُ بِمَكَّةَ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: (أَصَحُّهُمَا) : نَعَمْ قِيَاسًا عَلَى الْعُذْرِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَالرُّخْصَةُ وَرَدَتْ لَهُمْ خَاصَّةً.
قَالَ فِي " الْبَحْرِ ": فَلَوْ عَمِلَ أَهْلُ الْعَبَّاسِ أَوْ غَيْرُهُمْ فِي غَيْرِ سِقَايَتِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، وَالثَّانِي: نَعَمْ، قِيَاسًا عَلَيْهِمْ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأَوْسَطِ " عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرِكُهُ بَاقِي السِّقَايَاتِ وَبِهَذَا يَعْتَرِضُ عَلَى تَصْحِيحِهِ فِي الرَّوْضَةِ الْجَوَازَ.
الْقِيَاسُ فِي الْمُقَدَّرَاتِ: مِيقَاتُ الْمُحْرِمِ مِنْ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ كَبَاقِي الْمَوَاقِيتِ أَوْ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ؟
стр. 2670
فِيهِ وَجْهَانِ، صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الثَّانِيَ، وَهُوَ نَصُّ الْإِمَامِ فِي " الْأُمِّ " وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ الْأَوَّلَ كَمَا قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " وَلَوْ جَاءَ الْغَرِيبُ مِنْ نَاحِيَةٍ لَا يُحَاذِي فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتًا لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ إلَّا مَرْحَلَتَانِ، قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ عُمَرَ فِي تَأْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الشَّرْقِ. قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَفَقُّهًا، وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ.
الْقِيَاسُ فِي الْكَفَّارَاتِ:
مِنْهَا: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالْعُدْوَانِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوهَا قِيَاسًا.
وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ يَغْرَقُ أَوْ غَيْرُهُ وَكَانَ فِي تَخْلِيصِهِ الْإِفْطَارُ لَزِمَهُ وَيَقْضِي. وَفِي الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ قِيَاسًا عَلَى الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ. وَمِنْهَا: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ: مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَوْقِيفٌ.
الْقِيَاسُ فِي الْجَوَابِرِ:
عَلَى الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ بِالْقِيَاسِ فَإِنَّ أَفْعَالَ الْمُتَمَتِّعِ أَكْثَرُ مِنْ أَفْعَالِ الْقَارِنِ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ فَلَأَنْ يَجِبَ عَلَى الْقَارِنِ
стр. 2671
أَوْلَى، وَهُوَ دَمُ حُرْمَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ لَا نُسُكٍ. وَدَمُ فَوَاتِ الْحَجِّ كَدَمِ التَّمَتُّعِ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ دَمَ الْمُتَمَتِّعِ إنَّمَا وَجَبَ لِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَالنُّسُكُ الْمَتْرُوكُ فِي صُورَةِ الْفَوَاتِ أَعْظَمُ. وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَفْهُومِ الْأَوْلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ.
الْقِيَاسُ فِي الْأَحْدَاثِ:
قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ " لَا يَجْرِي فِي الطَّهَارَاتِ وَالْأَحْدَاثِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا عَلَى ضَبْطِ أَهْلِهَا. قَالَ الْقَاضِي: وَكَمَا لَا تَثْبُتُ الْأَحْدَاثُ بِالْقِيَاسِ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ أَيْضًا فِي الْأَحْدَاثِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ كَمَا لَا يَهْتَدِي لِتَأْقِيتِ الطَّهَارَةِ لَا يَهْتَدِي لِنَفْيِ إثْبَاتِهَا، وَقَالَ فِي " الْقَوَاطِعِ ": قِيلَ: إنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِي الْأَحْدَاثِ وَتَفَاصِيلِهَا وَالْوُضُوءِ وَتَفَاصِيلِهِ بَلْ يَتْبَعُ مَحْضَ النَّصِّ وَقِيلَ: إنَّ الْوُضُوءَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَقِيلَ: الصَّلَاةُ يُعْقَلُ فِيهَا الْخُشُوعُ وَالِاسْتِكَانَةُ، قُلْت: وَمِنْ فُرُوعِهِ لَوْ مَسَّ ذَكَرَهُ بِدُبُرِ غَيْرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ " لَا يَنْتَقِضُ، وَفِي الشَّامِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِضَ، لِأَنَّهُ مَسَّهُ بِالْآلَةِ الَّتِي تَمَسُّ بِهَا هَذَا الْمَحَلَّ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَقْيَسُ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَا تُثْبِتُ قِيَاسًا وَلَمْ يَرِدْ إلَّا فِي الْيَدِ كَمَا أَنَّا لَمْ نُعَدِّهِ إلَّا فِي الْأَمْرَدِ، وَإِنْ وُجِدَ الْمَعْنَى، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَالُوا: أَصْلُهَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَهُوَ الثِّقَةُ وَحُصُولُ الظَّنِّ وَالْغَفْلَةُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسْوَةِ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ مِنْ الذُّهُولِ وَالْغَفْلَةِ، وَأَمَّا أَصْلُ عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ فَمَعْقُولُ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ فِيهَا أَنْوَاعًا مِنْ التَّعَبُّدَاتِ فَلَزِمَ اتِّبَاعُهَا وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا وَتَعَدِّيهَا انْتَهَى.
стр. 2672
[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ]
الْأَكْثَرُونَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ، كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ، عَلَى جَرَيَانِ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، أَيْ: الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ، كَقَوْلِنَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ: اللَّهُ مَوْجُودٌ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ، فَيَكُونُ مَرْئِيًّا. وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْعِيِّ. ثُمَّ قِيلَ: قَطْعِيٌّ، وَالْمُحَقِّقُونَ - مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ - عَلَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: الْقِيَاسُ الْقَطْعِيُّ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي إثْبَاتِ الْقَطْعِيَّاتِ، بِخِلَافِ الظَّنِّيِّ، لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهَا الْقَطْعُ، وَالْيَقِينُ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ. وَذَهَبَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْغَزَالِيُّ إلَى الْمَنْعِ وَحَكَاهُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ: وَلَيْسُوا مُنْكِرِينَ أَيْضًا نَظَرَ الْعَقْلِ إلَى الْعِلْمِ، وَلَكِنْ يَنْهَوْنَ عَنْ مُلَابَسَتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ.
قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: الْعَقْلُ وُضِعَ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ انْتِقَالُهُ عَنْ هَذَا أَبَدًا قَالَ: وَإِنَّمَا أَخْطَأَ النَّاسُ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُمْ رَامُوا جَعْلَ الْعَقْلِيَّاتِ كَالْمُوجَبِ فِي الشَّرْعِ فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَحَالُوهُ وَلَوْ سَلَكُوا بِكُلِّ وَاحِدٍ طَرِيقَهُ لَأَصَابُوا. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَطْلَقَ النَّقَلَةُ الْقِيَاسَ وَأَنَا أَقُولُ: إنْ عَنَوْا النَّظَرَ الْفِعْلِيَّ فَهُوَ فِي نَوْعِهِ مُفْضٍ إلَى الْعِلْمِ إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَهُ، مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ عَنَوْا بِهِ اعْتِبَارَ شَيْءٍ، بِشَيْءٍ وَاسْتِثَارَةَ مَعْنًى فِي قِيَاسٍ غَائِبٍ عَلَى شَاهِدٍ فَذَاكَ بَاطِلٌ عِنْدِي.
стр. 2673
قُلْت: وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْنُوا بِهِ الْأَوَّلَ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى النَّظَرِ الْمَحْضِ.
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمَنْ قَالَ بِجَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ:
أَحَدُهَا: الْعِلَّةُ كَقَوْلِنَا: الْعَالَمِيَّةُ فِي الشَّاهِدِ حَاصِلَةٌ اتِّفَاقًا فَكَذَا فِي الْغَائِبِ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْلِيمِ بِالشَّاهِدِ إنَّمَا كَانَ لِلْعَالَمِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِهِ لِلْعِلْمِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْغَائِبِ. فَيَكُونُ لَهُ الْعِلْمُ وَهَذَا جَمْعٌ بِالْعِلَّةِ.
ثَانِيهَا: الْجَمْعُ بِالدَّلِيلِ. قَالُوا: الْإِتْقَانُ فِي الشَّاهِدِ دَلِيلُ الْعِلْمِ. وَأَفْعَالُ اللَّهِ مُتْقَنَةٌ فَيَكُونُ عَالِمًا لِوُجُودِ دَلِيلِ الْعِلْمِ.
ثَالِثُهَا: الْجَمْعُ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِنَا الْعِلْمُ مِنْ الشَّاهِدِ شَرْطُهُ الْحَيَاةُ وَاَللَّهُ عَالِمٌ فَيَكُونُ حَيًّا.
رَابِعُهَا: الْجَمْعُ بِالْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ كَقَوْلِنَا: الْمُرِيدُ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ تُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ.
[مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ]
فِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَاتِ وَجْهَانِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي مَبَاحِثِ اللُّغَاتِ بِتَحْرِيرِهَا وَنُقُولِهَا، وَاَلَّذِي نَذْكُرُهُ هَاهُنَا أَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةَ التَّعْلِيلِ بِالِاسْمِ، بَلْ تِلْكَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُنَاطُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ بِاسْمٍ؟ وَهَذِهِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى شَيْءٌ بِاسْمِ شَيْءٍ آخَرَ لُغَةً لِجَامِعٍ؟ وَالْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ فِي حُكْمِهِ.
стр. 2674
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ هَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى اسْمِ الْفَرْعِ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَوْ يَدُلُّ ابْتِدَاءً عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؟ فَحَكَى عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ الْأَسْمَاءُ فِي الشَّرْعِ ثُمَّ تُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، فَكَانَ يَتَوَصَّلُ إلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَرِكَةٌ ثُمَّ يَجْعَلُهَا مَوْرُوثَةً، وَأَنَّ وَطْءَ الْبَهِيمَةِ زِنًى ثُمَّ تَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كَانَ يَقِيسُ النَّبِيذَ عَلَى الْخَمْرِ فِي تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الشِّدَّةِ ثُمَّ يُحَرِّمُهُ بِالْآيَةِ. وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعِلَلَ تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ فَإِنْ كَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَمْنَعُ مِنْ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرْعِ بِالْعِلَلِ فَهُوَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ إنَّمَا تُعَلَّلُ فِيهَا أَحْكَامُهَا دُونَ أَسْمَائِهَا. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعِلَلَ قَدْ يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْأَسْمَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْعِلَلِ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ أَقْدَمُ مِنْ الشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِأُمُورٍ طَارِئَةٍ.
قَالَ إلْكِيَا: كَانَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَقُولُ: إنَّمَا ثَبَتَتْ الْأَسَامِي بِالْقِيَاسِ ثُمَّ تُعَلَّقُ الْأَحْكَامُ بِهَا نَحْوُ مَا كَانَ يَقُولُ: إنَّ الْقِيَاسَ يُوَصِّلُ إلَى أَنَّ وَطْءَ الْبَهِيمَةِ زِنًى ثُمَّ ثَبَتَ الْحَدُّ فِيهِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَوَجْهُ كَوْنِهِ زِنًى أَنَّهُ إيلَاجُ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ تَمَحَّضَ تَحْرِيمًا فَكَانَ زِنًى، وَالنَّبِيذُ خَمْرٌ لِلشِّدَّةِ وَالْخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا النَّوْعُ بَاطِلٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَسَامِي يَتَلَقَّى مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ اللُّغَةِ وَمَعْرِفَتُهُ مَوْضِعَ اشْتِقَاقِ الِاسْمِ، ثُمَّ يَجْرِي عَلَى مَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ذَلِكَ الِاسْمُ، فَيَكُونُ نِهَايَةُ نَصِّهِمْ عَلَى فَائِدَةِ التَّسْمِيَةِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِهَذَا الْقَوْلِ تَعَلُّقٌ بِالشَّرْعِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ شَرْعٌ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي يَخْتَصُّ الشَّرْعُ بِهِ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَحْكَامُ فَقَطْ بِأَنْ يُعَلِّلَ الْأُصُولَ الَّتِي يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا، لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بِالتَّعْلِيلِ إلَى مَا شَارَكَهَا فِي الْعِلَّةِ.
стр. 2675
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْخَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ، وَالْقَوْلُ فِي بُطْلَانِهِ ظَاهِرٌ فِي الشَّرْعِ أَوَّلًا، وَفِي اللُّغَةِ، لِأَنَّ فَهْمَ مَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَا يَمْنَعُ إمْكَانَ تَخْصِيصِ الِاسْمِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ]
إذَا أُضِيفَ حُكْمٌ إلَى سَبَبٍ وَعُلِمَتْ فِيهِ عِلَّةُ السَّبَبِ فَإِذَا وُجِدَتْ فِي وَصْفٍ آخَرَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ سَبَبًا؟ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ فَنُقِلَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ وَغَيْرِهِ الْمَنْعُ. وَقَالُوا: الْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ دُونَ حِكْمَةِ الْعِلَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ اللِّوَاطُ سَبَبًا لِلْحَدِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَى، وَلَا النَّبْشُ سَبَبًا لِلْقَطْعِ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ " الْمَحْصُولِ " إنَّهُ الْأَظْهَرُ. لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ أَصْحَابِنَا جَوَازُهُ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَعِبَارَتُهُ: " مُعْتَقَدُنَا جَوَازُ اعْتِبَارِ السَّبَبِ بِالسَّبَبِ بِشَرْطِ ظُهُورِ عَدَمِ تَفَاوُتِ السَّبَبَيْنِ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ، ثُمَّ فِي وَضْعِ الْأَسْبَابِ ثُمَّ صُورَةِ الْأَسْبَابِ لَا يُرَاعَى عِنْدَ ظُهُورِ التَّفَاوُتِ فِي مَضْمُونِ السَّبَبَيْنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ، وَعِنْدَنَا يُسَوَّغُ كَمَا إذَا ثَبَتَ لَنَا أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ لِزَجْرِ الْقَاتِلِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَتْلَ
стр. 2676
صَارَ سَبَبًا لِمَكَانِ الْحِكْمَةِ لَا لِصُورَتِهِ، فَيَجُوزُ اعْتِبَارُ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْقَتْلِ بِالْقَتْلِ وَإِنْ ثَبَتَ لَنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَاتِلٍ قَالَ: وَقَدْ اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ الْمُسَاقَاةَ بِالْقِرَاضِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مَقْصُودِ التُّجَّارِ وَمَصْلَحَةِ الْمُتَعَامِلِينَ وَهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: عُمُومُ الْحَاجَةِ إلَى الْقِرَاضِ بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ، لَكِنَّ جَوَابَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَانَتْ أَعَمَّ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُمْ قَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَمِنْهُ اعْتِبَارُ الشَّافِعِيِّ الشَّهَادَةَ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ يَظْهَرُ إفْضَاؤُهَا إلَى الْقَتْلِ كَالْإِكْرَاهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْإِكْرَاهِ مَزِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلِلشَّهَادَةِ مَزِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ. وَمِنْهُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْحَجُّ إذَا وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَقَعُ الْأَمْنُ بِمِثْلِهِنَّ إلْحَاقًا لَهُنَّ بِالْمُحْرِمِ وَالزَّوْجِ فَقَاسَ أَحَدَ سَبَبَيْ الْأَمْنِ عَلَى الثَّانِي قَالَ: وَكَذَلِكَ يَجْرِي فِي مِثْلِهِنَّ فِي الشُّرُوطِ وَقَدْ نَفَى الشَّافِعِيُّ ﵀ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْصَانِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْجَلْدِ فَقَالَ: الْجَلْدُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ ثُمَّ اسْتَوَى فِيهِ إنْكَارُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَالرَّجْمُ كَذَلِكَ وَهُوَ حَسَنٌ.
ثُمَّ قَالَ: وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ نَظِيرٌ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. فَلِهَذَا لَمْ يَلْحَقْ الْمَرَضُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ نَظِيرًا لَهُ فِي الْحَاجَةِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التَّقَابُضُ شَرْطٌ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ قِيَاسًا عَلَى النَّقْدَيْنِ وَصَحَّ هَذَا الْقِيَاسُ لِلشَّافِعِيِّ بِلَا مُدَافِعٍ انْتَهَى. وَأَمَّا صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " فَنَقَلَ الْمَنْعَ فِي أَصْلِ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ قَالَ: وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ كُلَّ مَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِيهِ بِشُرُوطِهِ وَجَبَ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى يَفْتَرِقَانِ. انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ قُلْنَا: إنَّ الْأَسْبَابَ وَالْمَوَانِعَ وَالشُّرُوطَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ جَرَى فِيهَا الْقِيَاسُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِيهَا نَظَرٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀: وَالْأَوْلَى جَرَيَانُهُ، لِأَنَّا عَقَلْنَا أَنَّ الزِّنَى إنَّمَا نُسِبَ
стр. 2677
سَبَبًا لِلرَّجْمِ لِعِلَّةِ كَذَا، وَوَجَدْنَاهَا فِي اللِّوَاطِ مَثَلًا، فَيَلْزَمُ نَصْبُ سَبَبِهَا. وَكَذَلِكَ هُوَ فِي السَّرِقَةِ حَتَّى يَلْحَقَ بِهَا نَبْشُ الْقَبْرِ وَأَخْذُ الْأَكْفَانِ فَهَذَا إذَا تَمَّ عَلَى شُرُوطِهِ قِيَاسٌ صَحِيحٌ انْتَهَى.
وَقَدْ أَلْزَمُوا الْمَانِعَ مَنْعَ حَمْلِ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ خُصُوصَ وَصْفِ الْمَحَلِّ لَوْ اعْتَبَرَ فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ لَاقْتَضَى مَنْعَ تَوْسِيعِ الْحُكْمِ، وَفِي مَنْعِ تَوْسِيعِهِ رَفْعُ الْقِيَاسِ أَصْلًا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُ حُكْمٍ قِيَاسًا عَلَى سَبَبٍ آخَرَ، فَإِذَا حَكَمَ اللَّهُ بِرَجْمِ الزَّانِي جَازَ أَنْ يَطْلُبَ سَبَبَ ذَلِكَ حَتَّى يَقِفَ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ الزِّنَى، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ صَحَّ أَنْ يُعَلِّلَهُ بِعِلَّةِ تَعَدِّيهَا إلَى غَيْرِ الزِّنَى، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّلَ الْحُكْمَ الثَّابِتَ عَلَى زَيْدٍ وَيُعَدَّى إلَى عَمْرٍو عِنْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّعْدِيَةِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا مَا قَبْلَهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَقَالَ: الْحُكْمُ يَتْبَعُ السَّبَبَ دُونَ حِكْمَةِ السَّبَبِ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ ثَمَرَةٌ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: جُعِلَ الْقِيَاسُ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ لِلزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شُهُودِ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الزَّجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْقَتْلُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ.
قَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ ": وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَوْقِيفٍ ثَابِتٍ يَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَتْبَعُ وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا عُمُومُ شَرْعِيَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ فَهْمِ الْمَعَانِي فَهَذَا يَجُرُّ أَنْوَاعًا مِنْ الْخَيَالِ، وَيَقْتَضِي مَنْعَ الْقِيَاسِ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَقَلَّ أَنْ يُصَادَفَ ذَلِكَ بِحَالٍ. وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا: إنَّ تَعْلِيلَ الْأَسْبَابِ يَفُوتُ بِهِ حَقِيقَةُ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْعِ الْقِيَاسِ عَلَى الْأُصُولِ تَقْرِيرَهَا أُصُولًا، وَفِي تَقْرِيرِ الْأَسْبَابِ مَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أَسْبَابًا قَالَ: وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مُعْتَمَدُ الْقَوْمِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّا إذَا قُلْنَا: الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ وَاسْتَنْبَطْنَا مِنْهُ إيلَاجَ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ الْمُحَرَّمِ قَطْعًا إلَى تَمَامِ الْقِيَاسِ، وَاعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ فَقَدْ أَبَانَ آخِرًا أَنَّ الزِّنَى
стр. 2678
لَمْ يَكُنْ عِلَّةً، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ أَمْرٌ أَعَمُّ مِنْ الزِّنَى فَقَدْ عَلَّلَ الزِّنَى فِي كَوْنِهِ [سَبَبًا] بِعِلَّةٍ أَخْرَجَتْ الزِّنَى عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا. وَيُمْنَعُ تَعْلِيلُ الْأُصُولِ بِمَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا أُصُولًا. هَذَا أَعْظَمُ مَا تَمَسَّكُوا بِهِ فِي مَنْعِ تَعْلِيلِ الْأَسْبَابِ، وَقَدْ تَحَيَّرَ الْأَصْحَابُ فِي الْجَوَابِ، وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَنْقِيحِ مَنَاطِ الْحُكْمِ دُونَ تَخْرِيجِهِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْإِنْصَافُ يَقْتَضِي مُسَاعَدَتَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَزَعَمَ أَنَّ الْجَارِيَ فِي تَعْلِيلِ الْأَصْحَابِ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ دُونَ تَخْرِيجِهِ وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ، وَقَالَ: لَا وَجْهَ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ.
وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ الِاعْتِرَافُ بِامْتِنَاعِ إجْرَاءِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، لَا لِخُصُوصٍ فِي التَّعَبُّدِ، وَلَا لِتَعَذُّرِ فَهْمِ الْمَعْنَى، وَلَكِنْ لِاسْتِحَالَةِ وِجْدَانِ الْأَصْلِ عِنْدَ التَّعْلِيلِ إذْ يَفُوتُ الْقِيَاسُ لِفَوَاتِ بَعْضِ أَرْكَانِهِ وَلَا يَبْقَى لِلْقِيَاسِ حَقِيقَةٌ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الصَّحِيحُ إجْرَاءُ الْقِيَاسِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فِي الْأَسْبَابِ، وَلَا فَرْقَ فِي تَصَوُّرِ الْقِيَاسِ بَيْنَ تَعْلِيلِ الْأَسْبَابِ وَتَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ. وَبَيَانُهُ هُوَ أَنَّهُ إذَا حَرُمَتْ الْخَمْرَةُ فَهَلْ حَرُمَتْ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ وَصْفِهَا وَهُوَ الْخَمْرِيَّةُ حَتَّى لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى النَّبِيذِ بِحَالٍ، أَوْ حَرُمَتْ الْخَمْرُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُزِيلَةً لِلْعَقْلِ وَهُوَ الْوَصْفُ الْأَعَمُّ؟ فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ أَصْلًا بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهَا، وَقَدْ بَانَ لَنَا أَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ اشْتِدَادِهَا وَإِسْكَارِهَا فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَا الزِّنَى عِلَّةَ الرَّجْمِ فَيُقَالُ: هَلْ هُوَ عِلَّةٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ زِنًى أَوْ مِنْ جِهَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى أَعَمَّ مِنْ هَذَا، أَوْ لَا عِلَّةَ وَهُوَ بَاطِلٌ فَهَذَا هُوَ الْمُنَاقِضُ. أَمَّا إذَا جُعِلَ عِلَّةً مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ عِلَّةً مُطْلَقًا. هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ تَعْلِيلُ الْأَسْبَابِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ فِي الْأُصُولِ السَّابِقَةِ.
قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَعْظَمِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَقَدْ زَلَّ فِيهَا الْجَمَاهِيرُ
стр. 2679
وَأَثْبَتُوا الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ عَلَى وَجْهٍ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْقِيَاسِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: صُورَةُ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَامَ عَلَى أَنَّ الزِّنَى سَبَبٌ فِي الرَّجْمِ، وَالنَّصُّ أَوْمَأَ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ نَقِيسَ عَلَيْهِ اللِّوَاطَ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ السَّبَبِيَّةِ لَهُ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلرَّجْمِ، أَوْ لَا؟ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ. وَمِنْهُ قِيَاسُ النَّبْشِ عَلَى السَّرِقَةِ وَلِلْمَانِعِينَ مَسْلَكَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِحِكْمَةِ السَّبَبِ، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ بِالْأَوْصَافِ. قَالُوا: وَالْحِكَمُ خَفِيَّةٌ لَا تَنْضَبِطُ، وَالْأَوْصَافُ ظَاهِرَةٌ مُنْضَبِطَةٌ، وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِمَا لَا يَنْضَبِطُ، فَلَوْ فَرَضْنَا انْضِبَاطَ الْحِكَمِ فَفِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهَا خِلَافٌ، فَإِنْ أَجَزْنَاهُ فَلَا يُقَاسُ فِي الْأَسْبَابِ بَلْ نَقِيسُ الْفَرْعَ بِالْحِكْمَةِ الْمُنْضَبِطَةِ، وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَوْسِيطِ السَّبَبِ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ بَطَلَ الْقِيَاسُ فِي السَّبَبِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ يُؤَدِّي إثْبَاتُهُ إلَى أَصَالَتِهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الْأَحْكَامِ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي الْأَحْكَامِ يُقَرِّرُ الْأَصْلَ أَصْلًا وَيَلْحَقُ بِهِ فَرْعًا، وَالْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ يُبْطِلُ كَوْنَ السَّبَبِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ سَبَبًا، وَيُحَقِّقُ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ أَمْرٌ أَعَمُّ مِنْهُ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ، وَيُؤَوَّلُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ وَلَا فَرْعَ فَلَا قِيَاسَ، فَقِيَاسُ النَّبِيذِ عَلَى الْخَمْرِ لَمْ يُغَيِّرْ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَلَا إضَافَةَ التَّحْرِيمِ إلَيْهَا، وَقِيَاسُ اللِّوَاطِ عَلَى الزِّنَى غَيَّرَ كَوْنَ الزِّنَى سَبَبًا وَصَيَّرَ السَّبَبَ (الْإِيلَاجَ) الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ، فَيَصْدُقُ عَلَى الزِّنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ إنْ فَرَضْنَاهُ سَبَبًا.
وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَاحْتَجُّوا بِأَمْرٍ جَلِيٍّ وَهُوَ انْسِحَابُ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ اسْتَرْسَلُوا فِي الْأَقْيِسَةِ، وَلَوْ ذَهَبْنَا نَشْتَرِطُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إجْمَاعًا خَاصًّا بِهَا لَاسْتَحَالَ، فَالْقِيَاسُ فِي السَّبَبِ كَالْقِيَاسِ فِي الْإِجَارَةِ مَثَلًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجْمَاعٍ خَاصٍّ (قَالَ) : وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ
стр. 2680
الْأَسْبَابَ لَا تَنْتَصِبُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَإِنَّمَا تَنْتَصِبُ بِإِيمَاءِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا فَرَضْنَا الْقِيَاسَ فِي الْأَسْبَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ نَفْرِضَ فِيهَا جِهَةً عَامَّةً كَالْإِيلَاجِ، وَجِهَةً خَاصَّةً لِكَوْنِهِ فَرْجًا لِآدَمِيَّةٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى زِنًى بِلَفْظِ السَّبَبِ، وَيَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ أَعَمَّ وَأَخَصَّ، وَلَا يَنْتَظِمُ الْقِيَاسُ إلَّا بِحَذْفِ الْأَخَصِّ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ لِيَتَغَيَّرَ الْأَعَمُّ، إذْ لَوْ كَانَ الْأَخَصُّ بَاقِيًا عَلَى تَقْيِيدِهِ لَاسْتَحَالَ الْقِيَاسُ، وَإِذَا حُذِفَ الْأَخَصُّ عَنْ كَوْنِهِ مُرَادَ اللَّفْظِ بَقِيَ الْأَعَمُّ وَهُوَ مُرَادُ النَّصِّ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقِيَاسُ فِي الْأَسْبَابِ تَنْقِيحَ مَنَاطٍ، وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ، حَاصِلُهُ تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَلِيلٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى قَبُولِ الْمَسْلَكِ الَّذِي سَمَّاهُ مَنْ سَمَّاهُ قِيَاسًا فِي الْأَسْبَابِ، لِاتِّفَاقِنَا عَلَى قَبُولِ تَأْوِيلِ الظَّاهِرِ بِالدَّلِيلِ، فَلَا حَجْرَ فِي التَّسْمِيَةِ، وَلَا مَنْعَ مِنْ تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا، لِأَنَّ فِيهِ صُورَةَ النُّطْقِ فِي مَوْضِعٍ وَالسُّكُوتَ فِي مَوْضِعٍ، وَوُجُودُ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ وَهُوَ سَبَبُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ، غَيْرَ أَنَّ امْتِيَازَ الْمَحَلَّيْنِ نُطْقًا وَسُكُوتًا إنَّمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الظَّاهِرِ الَّذِي قَامَ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَلِهَذَا تَكَدَّرَتْ التَّسْمِيَةُ وَالْخَطْبُ يَسِيرٌ.
مَسْأَلَةٌ
كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَمْكَنَ تَعْلِيلُهُ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ جَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ بِالْقِيَاسِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ، وَقَدْ سَبَقَتْ.
стр. 2681
مَسْأَلَةٌ
ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ إلَّا عَنْ أَمَارَةٍ، وَلَا يَجُوزُ عَنْ دَلَالَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهَا، حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي " الْمِيزَانِ " وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ الْإِجْمَاعِ عَنْ دَلَالَةٍ.
مَسْأَلَةٌ
ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا يَجُوزُ فِي تَعْيِينِ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَيُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ تَفْصِيلُهُ، كَوُرُودِ النَّصِّ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَبِجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَبِتَحْرِيمِ الرِّبَا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ بِالْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَصِفَةِ الْمِثْلِ فِي الْجَزَاءِ، وَتَفْصِيلِ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الِاسْمِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ. وَأَمَّا إثْبَاتُ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيهَا النَّصُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ إلْحَاقُهَا بِالْقِيَاسِ وَلِهَذَا لَمَّا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مِيرَاثُ الْأَخِ جَازَ إثْبَاتُ إرْثِهِ مَعَ الْجَدِّ بِالْقِيَاسِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ جَوَازُ الْقِيَاسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا كَقِيَاسِ الصَّلَاةِ عَلَى الزَّكَاةِ وَالْعَكْسِ، وَالْكَفَّارَةِ عَلَى الزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ فِي أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ. وَقَالَ إلْكِيَا: مَا قَالَهُ أَبُو هَاشِمٍ هُوَ عَيْنُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَأَبْطَلْنَاهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ أَنَّ الْأَوَّلِينَ أَثْبَتُوا قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِالْقِيَاسِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نَصٌّ عَلَى وَجْهِ الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] أَمَارَةٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَلَا يُفِيدُ حُكْمُهُ إذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: عَلِمُوا أَصْلًا غَابَ عَنَّا فَيُقَالُ: رَأَيْنَاهُمْ يَتَشَرَّفُونَ لِلْقِيَاسِ بِاتِّبَاعِ الْأَوْصَافِ الْمُخَيِّلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى جُمَلٍ.
стр. 2682
مَسْأَلَةٌ حَكَى سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ مَعْنًى يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ إذَا خُصَّ صَارَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِقَرِينَةٍ، فَإِذَا اُسْتُنْبِطَ الْمَعْنَى مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ اجْتِمَاعُ الْمَعْنَى مَعَ تِلْكَ الْقَرِينَةِ، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْقَرِينَةَ تَقْتَضِي الْخُصُوصَ فَلَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا خُصَّ خَرَجَ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ فَبَقِيَ الْبَاقِي ثَابِتًا بِاللَّفْظِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْبَاقِي وَرَدَ ابْتِدَاءً، فَجَازَ اسْتِنْبَاطُ الْمَعْنَى مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ
الْقِيَاسُ الْجُزْئِيُّ إذَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى وَفْقِهِ مَعَ عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ خَرَّجَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَيْنِ كَانَ الْخِلَافُ فِي ضَمَانِ الدَّرْكِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْجُزْئِيَّ يَقْتَضِي مَنْعَهُ، لِأَنَّهُ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ، وَلَكِنَّ عُمُومَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمُعَامَلَةِ الْغُرَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازَهُ وَلَمْ يُنَبِّهْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى مُقْتَضَى الْقِيَاسِ، وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ لَا قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ جَوَازَهُ مُطْلَقًا لِأَصْلِ الْحَاجَةِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى أَقْسَامِ الْمُنَاسَبَةِ: إنَّ مَا ابْتَنَى عَلَى الْحَاجَةِ كَالْإِجَارَةِ لَا خِلَافَ فِي جَرَيَانِ قِيَاسِ الْجُزْءِ مِنْهُ عَلَى الْجُزْءِ، فَأَمَّا اعْتِبَارُ غَيْرِ ذَلِكَ الْأَصْلِ مَعَ جَامِعِ الْحَاجَةِ فَهَذَا امْتَنَعَ مِنْهُ مُعْظَمُ الْقِيَاسِيِّينَ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى جَوَازِهِ وَقَالَ: فَإِذَنْ الْقِيَاسُ عَلَى الْإِجَارَةِ إذَا اسْتَجْمَعَ الشَّرَائِطَ لَا يَضُرُّ.
وَالِاسْتِصْلَاحُ
الْجُزْئِيُّ فِي مُقَابَلَةِ الْوُجُودِ بِالْمَوْجُودِ، وَهَذَا كَقِيَاسِ النِّكَاحِ مَثَلًا فِي وَجْهِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ عَلَى الْإِجَارَةِ.
стр. 2683
مَسْأَلَةٌ
التَّمَسُّكُ بِقِيَاسٍ جُزْئِيٍّ فِي مُصَادَمَةِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ مَرْدُودٌ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قِيَاسُ الْأَقَارِيرِ السَّابِقَةِ فِي إثْبَاتِ الْحَقِّ الْآنَ، عَلَى الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ، فِي أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْآنَ فَهَذَا قِيَاسٌ جُزْئِيٌّ فِي مُقَابَلَةِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِذَلِكَ فَمَا كَانَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَقَارِيرِ فَائِدَةٌ، وَالْحُجَّةُ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ سَاعَةٍ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي كِتَابِ " اقْتِنَاصِ السَّوَانِحِ ".
مَسْأَلَةٌ
يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ مَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ بِالْقِيَاسِ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهِ عَلَيْهِ دُونَ مَا لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ. مِثَالُهُ فِي الْفُرُوعِ، قَوْلُنَا: إنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ فِي كُلِّ سُورَةٍ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِلَا تَغْيِيرٍ، مَتْلُوٌّ بِلَا نَكِيرٍ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ. فَهَذَا قِيَاسٌ مَدْلُولٌ عَلَى صِحَّتِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كِتَابَتِهِ فِي الْمُصْحَفِ وَتِلَاوَتِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ. وَمِثَالُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ، لِأَنَّهُ وُجِدَ إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ فَكَانَ حُجَّةً، دَلِيلُهُ إذَا انْقَرَضَ الْعَصْرُ عَلَيْهِ.
стр. 2684
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَرْكَانِ الْقِيَاس] [ الرُّكْن الْأَوَّل الْأَصْلِ]
الْبَابُ السَّادِسُ فِي أَرْكَانِهِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ، وَالْفَرْعُ، وَالْعِلَّةُ، وَحُكْمُ الْأَصْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْقِيَاسِ، كَقَوْلِنَا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ: طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ، فَوَجَبَ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ كَالتَّيَمُّمِ، فَالْوُضُوءُ هُوَ الْفَرْعُ، وَالتَّيَمُّمُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالطَّهَارَةُ عَنْ حَدَثٍ هِيَ الْوَصْفُ، وَقَوْلُنَا وَجَبَ هُوَ الْحُكْمُ. وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ.
وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَتْرُكُ التَّصْرِيحَ بِالْحُكْمِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ كَمَا قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي بَابِ " أَدَبِ الْجَدَلِ " فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُحَالًا إلَى السُّؤَالِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
مَسْأَلَةٌ
اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ أَمْرٍ خَامِسٍ أَنَّهُ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ مُسْتَنْبَطًا بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ إلْحَاقَ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ، وَالضَّرْبِ بِالتَّأْفِيفِ، هَلْ يُسَمَّى قِيَاسًا؟ الْأَوَّلُ: الْأَصْلُ
وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ خِلَافًا فِي رُكْنِيَّتِهِ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِغَيْرِ أَصْلٍ قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَنْ خَلَطَ الِاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ. وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلٍ، لِأَنَّ الْفُرُوعَ لَا تَتَفَرَّعُ إلَّا عَنْ أُصُولٍ.
стр. 2685
وَهُوَ يُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى أُمُورٍ سَبَقَتْ فِي أَوَّلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَكَرَ هُنَا إلْكِيَا مِنْهَا أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: مَا يَقْتَضِي الْعِلْمُ بِهِ عِلْمًا بِغَيْرِهِ أَوْ يُوَصِّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ، كَمَا يُقَالُ: إنَّ الْخَبَرَ أَصْلٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ، وَالْكِتَابَ أَصْلُ السُّنَّةِ لَمَّا عُلِمَ صِحَّتُهَا بِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى إلَّا بِهِ.
الثَّالِثُ: فِي الْحُكْمِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ مَا سِوَاهُ، فَيُقَالُ: هَذَا الْحُكْمُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: الَّذِي يَقَعُ بِهِ الْقِيَاسُ وَهُوَ مُرَادُنَا.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ، كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا مَثَلًا، وَحَكَاهُ فِي " الْمُلَخَّصِ " عَنْ الْقَاضِي، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْوَاضِحِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ سَوَاءٌ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَالْمَنْصُوصُ كَالْبُرِّ الْمَحْكُومِ بِهِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: وَتَمَامُهُ أَنَّ الْخَبَرَ أَصْلٌ لِلْبُرِّ، وَالْبُرُّ أَصْلٌ لِكُلِّ مَا يُقَاسُ عَلَيْهِ قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ حَسَنٌ فَلْيُعْتَمَدْ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ: إنَّهُ نَقِيضُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخَبَرِ قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ عِنْدَنَا، وَلَمْ نَرَ فِي كَلَامِ الْمُخَالِفِ مَا يُضَعِّفُهُ.
стр. 2686
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: مَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ نَفْسِهِ: وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ غَيْرِهِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاصِرَةً. وَرَجَّحَ الْعَبْدَرِيّ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَحْكُومٌ فِيهِ حَتَّى يُفْهَمَ الْحُكْمُ، وَبِالْعَكْسِ فَإِنْ سَمَّى مُسَمَّى الْخَمْرِ وَحْدَهَا أَصْلًا بِمَعْنَى أَنَّهَا هِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْمَحَالِّ فَيَجُوزُ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: الْأَصْلُ هُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِ الْعِلَّةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ فَرْعٌ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِهِ عَلَيْهِ وَالْعِلَّةُ بِالْعَكْسِ فَرْعٌ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ لِأَنَّا إنَّمَا نُعَلِّلُ الْحُكْمَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَصْلٍ فِي مَحَلٍّ لِأَنَّا نَعْرِفُ الْعِلَّةَ فِيهِ ثُمَّ نُفَرِّعُ الْحُكْمَ عَلَيْهَا.
قَالَ التَّبْرِيزِيُّ: وَقَوْلُهُ: الْحُكْمُ أَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ ذَهَابٌ عَظِيمٌ عَنْ مَقْصُودِ الْبَحْثِ إذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ تَعْرِيفَ مَا سُمِّيَ أَصْلًا بِاعْتِبَارٍ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بَيَانُ الْأَصْلِ الَّذِي يُقَابِلُ الْفَرْعَ فِي الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَهَذَا تَهْوِيلٌ لَا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى الِاصْطِلَاحِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ، أَوْ إلَى اللُّغَةِ فَهُوَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ. وَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْخِلَافِ إلَّا الصُّورَةُ. وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ " بِالْأَصْلِ "، وَهُوَ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى الْغَالِبِ، وَتَارَةً عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لِقَوْلِهِمْ: الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، وَعَلَى إرَادَةِ الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِمْ: خُرُوجُ النَّجَاسَةِ مِنْ مَحَلٍّ وَإِيجَابُ الطَّهَارَةِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَقَدْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى إرَادَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِ الِاسْتِشْعَارِ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَصِحَّ الْكَلَامُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: يُطْلَقُ الْأَصْلُ عَلَى مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَعَلَى مَا يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ يُبْنَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، كَقَوْلِنَا: تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ أَصْلٌ، وَهَذَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ الْخَمْرُ أَوْ النَّصُّ
стр. 2687
أَوْ الْحُكْمُ؟ قَالَ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ أَصْلًا وَقَالَ الرَّازِيَّ: تَسْمِيَةُ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ أَصْلًا أَوْلَى مِنْ تَسْمِيَتِهِ مَحَلَّ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ أَصْلًا، لِأَنَّ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ أَقْوَى مِنْ الثَّانِي (قَالَ) : وَتَسْمِيَةُ مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِالْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ تَسْمِيَتِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِالْفَرْعِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ الْأَصْلِ، وَهَذَا أَصْلُ الْفَرْعِ قَالَ: لَكِنَّا نُسَاعِدُ الْفُقَهَاءَ عَلَى مُصْطَلَحِهِمْ فِي تَسْمِيَةِ مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِالْأَصْلِ وَمَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْفَرْعِ.
مَسْأَلَةٌ
لَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى الْقِيَاسِ بِنَوْعِهِ أَوْ شَخْصِهِ، بَلْ كُلُّ مَعْنًى قَدَحَ فِيهِ مَعْنًى مُخَيَّلٌ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اتِّبَاعُهُ قِيسَ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْلِيلِهِ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ. وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَشَرَطَ قَوْمٌ فِي جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْجَامِعِ الشَّبَهِيِّ دُعَاءَهُ إلَى التَّعْلِيلِ فَلَوْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ وُجُوبِ التَّعْدِيَةِ فِي الْبُرِّ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا لَمَا جَازَ الْقِيَاسُ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَتَعَدَّى عِنْدِي فِي أَكْثَرِ الْأَشْبَاهِ، فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ تَعَرُّفُ الْحُكْمِ بِاسْمِ الْمَحَلِّ فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى طَلَبِ مَنَاطٍ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِ؟ وَفَرَّقَ الْإِمَامُ فِي الْأَشْبَاهِ فَقَالَ فِي بَعْضِهَا: يَكْفِي فِي الْإِلْحَاقِ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ، وَفِي بَعْضِهَا: لَا بُدَّ مِنْ دُعَاءِ ضَرُورَةٍ إلَى التَّعْلِيلِ وَبَسَطَ ذَلِكَ.
стр. 2688
مَسْأَلَةٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ مُعَلَّلٌ، أَوْ أَنْ تُثْبِتَ عِلَّتَهُ عَيْنًا بِالنَّصِّ، بَلْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ أَوْ الظَّنِّيَّةِ جَازَ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ. وَخَالَفَ فِيهِ بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فَزَعَمَا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَى أَصْلٍ حَتَّى يَدُلَّ نَصٌّ عَلَى عَيْنِ عِلَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، أَوْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ حُكْمِهِ مُعَلَّلًا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " نُقِلَ عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى أَصْلٍ بِمُجَرَّدِ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَصْلِ تَجْوِيزِ الْقِيَاسِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يُقَاسُ عَلَيْهِ مَعْلُولٌ بِعِلَّةٍ، لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَصْلٌ لَا يُعَلَّلُ بَلْ يُخَصَّصُ مَوْرِدُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى كَوْنِهِ الْأَصْلَ مُعَلَّلًا. قَالَ: وَلَسْت أَعْرِفُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَجْهًا إلَّا مَا ذَكَرْته، فَإِنَّ الْوَصْفَ الْمُخَصِّصَ إذَا عَادَلَ الْوَصْفَ الْمُتَعَدِّيَ فِي الِانْفِكَاكِ عَنْ الْمُنَاسَبَةِ تَعَادُلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى التَّعْدِيَةِ، فَإِنْ خَصَّصَ صَاحِبُ هَذَا الْمَذْهَبِ مَذْهَبَهُ بِهَذَا الْجِنْسِ مِنْ التَّعْلِيلِ الْخَالِي عَنْ الْمُنَاسَبَةِ فَلَهُ وَجْهٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ طَرَدَهُ فِيمَا ظَهَرَتْ فِيهِ الْمَعَانِي الْمُنَاسِبَةُ وَقَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ الشَّرْعُ الْمُنَاسِبَ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلِ التَّعْدِيَةِ، أَوْ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ وُقُوعُ هَذَا الْمُنَاسِبِ اتِّفَاقًا فَهُوَ فِي هَذَا الطَّرَفِ أَضْعَفُ. وَاسْتِمْدَادُهُ مِنْ الْقَوْلِ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْقِيَاسِ. انْتَهَى.
مَسْأَلَةٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْصُورٍ بِالْعَدَدِ، بَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ
стр. 2689
عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَحْصُورًا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَقَالَ قَوْمٌ: الْمَحْصُورُ بِالْعَدَدِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، لِأَنَّهُنَّ مَحْصُورَاتٌ بِاسْمِ الْعَدَدِ. وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُنَّ مَحْصُورَاتٌ فِي الذِّكْرِ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ مَحْصُورًا فِي اللَّفْظِ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ. وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةٌ لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى مِنْ الْمَفْهُومِ.
مَسْأَلَةٌ
وَلَا يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، بَلْ يَكْفِي انْتِهَاضُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ حَيْثُ اشْتَرَطَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ الَّذِي اشْتَرَطَهُ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ كُلِّهَا أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ مِنْ جُمْلَتِهِمْ، وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْأُصُولَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ. وَإِنْ أَرَادَ إجْمَاعَ الْقِيَاسِيِّينَ فَهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ بِدَلِيلٍ.
[مَسْأَلَةٌ تَأْثِيرُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ]
وَلَا يُشْتَرَطُ تَأْثِيرٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إبْطَالِ بَيْعِ الْغَائِبِ: بَاعَ عَيْنًا لَمْ يَرَ مِنْهَا شَيْئًا. فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ، أَصْلُهُ إذَا بَاعَ النَّوَى فِي التَّمْرِ، فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُكُمْ لَمْ يَرَ مِنْهَا شَيْئًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّوَى إذَا كَانَ ظَاهِرًا يَرَاهُ، وَبَعْضُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَا يَصِحُّ أَيْضًا، قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَإِنَّمَا يَكْفِي التَّأْثِيرُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَتَأْثِيرُهُ فِي بَيْعِ الْبِطِّيخِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فَإِنَّهُ يَرَى بَعْضَهَا وَهُوَ ظَاهِرُهَا دُونَ بَاطِنِهَا وَيَكُونُ بَيْعُهَا صَحِيحًا.
стр. 2690
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ صَحِيحًا، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا وَشَهَادَتُهُ صَحِيحَةٌ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي مَقَامِ الْإِلْزَامِ وَالْإِفْحَامِ، كَإِلْزَامِنَا مَنْ اعْتَبَرَ الْأَصْلَ جَوَازَ اجْتِمَاعِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ فَاسِدًا عِنْدَنَا.
الرُّكْنُ الثَّانِي حُكْمُ الْأَصْلِ
стр. 2691
[الرُّكْنُ الثَّانِي] : حُكْمُ الْأَصْلِ
وَقَدْ مَرَّ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، تَبَعًا لِلشَّيْخِ فِي " اللُّمَعِ ": الْحُكْمُ مَا تَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِسْقَاطِ، وَهُوَ إمَّا مُصَرَّحٌ بِهِ كَقَوْلِهِ: فَجَازَ أَنْ يَجِبَ كَذَا، أَوْ فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ كَذَا، أَوْ مُبْهَمٌ. وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: فَأَشْبَهَ كَذَا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَأَشْبَهَ الْخَمْرَ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُبْهَمٌ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجَدَلِيِّينَ الصِّحَّةُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَأَشْبَهَ كَذَا فِي الْحُكْمِ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ، وَذَلِكَ شَيْءٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ فَيَجِبُ أَنْ يُمْسِكَ عَنْ بَيَانِهِ اكْتِفَاءً بِالْمَعْلُومِ الْمَوْجُودِ بَيْنَهُمَا.
الثَّانِي: أَنْ تُذْكَرَ الْعِلَّةُ وَلَا يُصَرَّحُ بِالْحُكْمِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ، بَلْ يُعَلَّقُ عَلَى الْعِلَّةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ، كَقَوْلِنَا فِي إيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ: طَهَارَةٌ فَيَسْتَوِي جَامِدُهَا وَمَائِعُهَا فِي النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يُرِيدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ فِي إسْقَاطِ النِّيَّةِ، وَفِي الْفُرُوعِ فِي إيجَابِهَا، وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُشْبِهَ حُكْمُ الشَّيْءِ مِنْ نَظِيرِهِ لَا مِنْ ضِدِّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهُ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ هُوَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ فِي النِّيَّةِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي النِّيَّةِ مَوْجُودٌ فِي الْأَصْلِ فَصَحَّ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي التَّفْصِيلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُكْمٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ. وَحَكَى شَارِحُ " اللُّمَعِ " عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَّا الْوَجْهَيْنِ هُنَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
стр. 2692
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي " أَدَبِ الْجَدَلِ ": اخْتَلَفُوا فِي الْقِيَاسِ إذَا كَانَ حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعِ: إنَّهُ مَائِعٌ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَوْلِ وَالْمَرَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ فَاسِدٌ، لِأَنَّ حُكْمَهُ مَجْهُولٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ، سَوَاءٌ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ فَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ فِي الْإِثْبَاتِ، أَوْ فِي الْفَرْعِ فِي النَّفْيِ وَفِي الْأَصْلِ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّنَا فِي الْأُولَى نَقِيسُ الشَّيْءَ عَلَى نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ، وَفِي الثَّانِيَةِ نَقِيسُهُ عَلَى ضِدِّهِ وَنَقِيضِهِ فَامْتَنَعَ. وَقِيلَ: إنْ ابْتَدَأَ الْمَسْئُولُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ جَازَ، وَإِنْ قَلَبَهَا عَلَى خَصْمِهِ بِمِثْلِهَا لَمْ يَجُزْ. وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فِي أَنَّهُ إذَا قَابَلَ قِيَاسًا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، فَقِيلَ: الْقِيَاسُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِالْحُكْمِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ دَرَجَةٍ أُخْرَى فَيُخَالِفُ قِيَاسَ التَّسْوِيَةِ. وَقِيلَ: قِيَاسُ التَّسْوِيَةِ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ التَّشْبِيهَ أَكْثَرَ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَهْلٌ الصُّعْلُوكِيُّ فِي بَعْضِ الْمُنَاظَرَاتِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى.
الثَّالِثُ مِنْ الْأَضْرُبِ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْعِلَّةِ إثْبَاتَ التَّأْثِيرِ بِمَعْنًى، كَقَوْلِنَا فِي كَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ: خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلصَّوْمِ فِيهِ تَأْثِيرٌ كَالْمَضْمَضَةِ، فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ صَحِيحٌ، وَالْقَصْدُ بِالْعِلَّةِ إثْبَاتُ حُكْمِ التَّأْثِيرِ عَلَى الْجُمْلَةِ.
стр. 2693
[الْكَلَامُ فِي شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ]
الْكَلَامُ فِي شُرُوطِهِ [شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ]
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الَّذِي أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلَى الْفَرْعِ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِيهِ بِأَنْ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ ابْتِدَاءً أَوْ شُرِعَ لَكِنْ نُسِخَ لَمْ يُمْكِنْ بِنَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ. وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَى حُكْمٍ مَنْسُوخٍ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِيَاسِ إثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْقِيَاسِ فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ ثَابِتٍ بِالشَّرْعِ اسْتَحَالَ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِثْلٌ بِالْقِيَاسِ، لِأَنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ يُبَيِّنُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لِلْوَصْفِ الْجَامِعِ حِينَئِذٍ، وَتَعْدِيَةُ الْحُكْمِ فَرْعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّسْخِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ إذَا نُسِخَ حُكْمُ الْأَصْلِ يَبْقَى حُكْمُ الْفَرْعِ، لَكِنْ حَيْثُ كَانَ الْأَصْلُ مَعْمُولًا بِهِ، ثُمَّ رَأَيْت هَذَا الْجَمْعَ لِشَارِحِ " اللُّمَعِ " فَقَالَ: الْمَذْكُورُ فِي النَّسْخِ هُوَ فِيمَا إذَا وَقَعَ نَسْخُ الْأَصْلِ بَعْدَ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَالْمَذْكُورُ فِي الْقِيَاسِ أَنْ نَقِيسَ عَلَى أَصْلٍ بَعْدَ النَّسْخِ فِي مَحَلِّ النَّسْخِ، كَمَا نَقِيسُ عَلَى وُجُوبِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بَعْدَ نَسْخِهِ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمٍ، بِخِلَافِ قِيَاسِ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى عَاشُورَاءَ فِي عَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ، فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ وُجُوبَهُ ابْتِدَاءً وَسَلَّمَ عَدَمَ افْتِقَارِهِ إلَى التَّبْيِيتِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَسْتَشْهِدَ بِهِ عَلَى رَمَضَانَ، فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ الْوُجُوبُ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ فِي
стр. 2694
الْوُجُوبِ، وَلَكِنَّهُ فِي عَدَمِ دَلَالَةِ الْوُجُوبِ إلَى الِافْتِقَارِ إلَى النِّيَّةِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: نَعَمْ هُنَا إشْكَالٌ فِي شَيْءٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا وَيَلْزَمُهُ مِنْ اللَّوَازِمِ الَّتِي لَا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُهَا بِارْتِفَاعِ خُصُوصِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى ذَلِكَ اللَّازِمِ أَمْ لَا؟ مِثَالُهُ صِحَّةُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ إذَا كَانَ وَاجِبًا عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ، فَإِذَا نُسِخَ عَاشُورَاءُ بِخُصُوصِهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَسْخُ اللَّازِمِ وَهُوَ صِحَّةُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ الْوَاجِبُ فَيَصِحُّ بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ شَرْعِيًّا لِيَخْرُجَ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ وَاللُّغَوِيُّ، فَإِنَّا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَجْرِيَ الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ فِيهِمَا: قِيَاسًا شَرْعِيًّا بَلْ عَقْلِيًّا وَلُغَوِيًّا، وَكَلَامُنَا فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ.
تَنْبِيهٌ
وَيَنْشَأُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الشَّرْعِ، هَلْ يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ؟ وَهَذَا إذَا قُلْنَا: إنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ فَلَا إشْكَالَ عِنْدَهُ فِي صِحَّةِ إثْبَاتِهِ بِالْقِيَاسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَقِيلَ: يَصِحُّ أَنْ يَتَلَقَّى مِنْ الْقِيَاسِ. وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ. وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْنَ النَّفْيِ الْمَسْبُوقِ بِالْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ
стр. 2695
بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَا يَثْبُتُ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ وَيَجُوزُ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ.
قَالَ الْأَنْبَارِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَسْبُوقَ بِإِثْبَاتٍ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْإِثْبَاتِ تَتَأَخَّرُ عَنْ الدَّلَالَةِ فِي حَالَةِ مَنْ يُبْقِي تِلْكَ الْحَالَةَ عَلَى مَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. وَمِثَالُهُ: أَنَّ الْخَمْرَ كَانَ تَحْرِيمُهَا مُنْتَفِيًا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّحْرِيمِ مَخْصُوصًا بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ فَبَقِيَ ثُبُوتُهَا فِي حَالَةِ الِاضْطِرَارِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَهَذَا نَفْيٌ مَسْبُوقٌ بِإِثْبَاتٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ فَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ نَفْيًا أَصْلِيًّا.
ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَتِهِ سَمْعِيًّا، لِأَنَّ مَا لَيْسَ طَرِيقُهُ بِسَمْعِيٍّ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ بَيَانُ طُرُقِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا الشَّرْطُ عَلَى رَأْيِنَا ظَاهِرٌ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ فَاحْتَرَزُوا بِهِ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْعَقْلُ وَفِي " الْمَحْصُولِ ": هَذَا الشَّرْطُ عَلَى رَأْيِنَا، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ الْمُجَوِّزُونَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعَقْلِ فَفِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ احْتِمَالٌ.
رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيُعْرَفُ حُكْمُهُ بِالنَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَالْعُمُومِ، فَأَمَّا مَا عُرِفَ الْحُكْمُ مِنْهُ بِالْمَفْهُومِ وَالْفَحْوَى فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؟ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ قُلْنَا: إنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ النُّطْقِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ كَالْقِيَاسِ فَيَلْحَقُ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْجَوَازُ، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْرَفْ النَّصُّ الَّذِي أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ، قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ كَالنَّصِّ، فَإِذَا جَازَ الْقِيَاسُ عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ جَازَ عَلَى الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ.
стр. 2696
قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَشُبْهَةُ الْمَانِعِ احْتِمَالُ كَوْنِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ قَاصِرَةً لَا تَتَعَدَّى. وَجَوَابُهَا: إنَّمَا نُعَلِّلُ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إلَى الْفَرْعِ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ وَمُتَعَدِّيَةٍ جَائِزٌ. وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ وَعَلَى عِلَّتِهِ هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَنَا: يَجُوزُ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى الْحُكْمِ لَا عَلَى الْعِلَّةِ، لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعَقْلِيَّاتِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى. وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهِ فَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ قِيَاسًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْأَصْلُ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ. فَاحْتَجُّوا عَلَى الْمَنْعِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بَيْنَ الْقِيَاسَيْنِ إنْ اتَّحَدَتْ كَانَ ذِكْرُ الْأَصْلِ الثَّانِي تَطْوِيلًا بِلَا فَائِدَةٍ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِقِيَاسِ الْفَرْعِ الثَّانِي عَلَى الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، فَلَا مَعْنَى لِقِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْأُرْزِ بِقِيَاسِ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ لَمْ يَنْعَقِدْ الْقِيَاسُ الثَّانِي، لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِيهِ فِي عِلَّةِ الْحُكْمِ. لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ؛ قَالَ: وَيُسَاعِدُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ. وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى الْجَوَازِ قَالَ: وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ: جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ: قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي " الْأُمِّ " الْمَنْعُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ مِنْ
стр. 2697
اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ: إنَّ الْمُسَاقَاةَ عَلَى النَّخْلِ جَائِزَةٌ، وَالْمُزَارَعَةَ عَلَى الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مُمْتَنِعَةٌ، وَإِنَّ مَنْ أَجَازَهَا قَاسَهَا عَلَى الْمُضَارَبَةِ، فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا غَلَطٌ فِي الْقِيَاسِ، إنَّمَا أَجَزْنَا بِخَبَرِ الْمُضَارَبَةِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهَا كَانَتْ قِيَاسًا عَلَى الْمُعَامَلَةِ فِي النَّخْلِ فَكَانَتْ تَبَعًا قِيَاسًا، لَا مَتْبُوعًا مَقِيسًا عَلَيْهَا. انْتَهَى. وَأَمَّا الشَّيْخُ فِي " اللُّمَعِ " فَإِنَّهُ قَسَمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ نَفْسَ الْمَعْنَى الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. قَالَ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهُ مَعْنَى الَّذِي يَقِيسُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَيُقَاسُ غَيْرُهُ قَالَ: وَهَذَا فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: الْجَوَازُ، وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ فِي " التَّبْصِرَةِ ".
وَالثَّانِي: وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيّ: الْمَنْعُ. قَالَ الشَّيْخُ: وَهُوَ يَصِحُّ عِنْدِي الْآنَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ فِي الْفَرْعِ بِغَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَكَذَا صَحَّحَهُ فِي الْقَوَاطِعِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْغَزَالِيُّ غَيْرَهُ. وَمِثَالُهُ قِيَاسُ الْأُرْزِ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الطُّعْمِ مَنْ يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأُرْزِ مَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي الْبُرِّ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فِي الرِّبَا، كَمَا لَوْ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَنَّهُ نَبْتٌ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ الْمَاءُ ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِ النَّيْلُوفَرُ. فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْقِسْمَيْنِ فِي بَابِ الرِّبَا، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَوَّلِ، وَحَكَى الْوَجْهَيْنِ فِي الثَّانِي مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَقَالَ: وَأَصْلُهُمَا الْقَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، فَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ مَنَعَ هُنَا، وَمَنْ أَجَازَهُمَا أَجَازَ هَاهُنَا. لَكِنَّ قَوْلَهُ وَقَوْلَ الشَّيْخِ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إلْحَاقِهِ رَدَّهُ تَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَعَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَدْ صَرَّحَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ تَطْوِيلَ الطَّرِيقِ فِي ذَلِكَ عَيْبٌ فَلَمْ يَجُزْ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَّجِهُ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ: وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ
стр. 2698
هُمَا الْوَجْهَانِ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ يُرَجَّحُ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ. وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ هَذَا الشَّرْطِ مَا إذَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ فَائِدَةٌ، فَإِنْ ظَهَرَ فَلَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ الْفَرْعِ عَلَى الْفَرْعِ. وَكِتَابُ السِّلْسِلَةِ " لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّاظِرِ: أَمَّا الْمُنَاظِرُ فَبِحَسَبِ مَا يَصْطَلِحُونَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ فَأَقْوَالُ مُقَلِّدِيهِمْ وَإِنْ كَانَتْ فُرُوعًا تُنَزَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَلِّدِينَ مَنْزِلَةَ أَقْوَالِ الشَّارِعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِذَا حَفِظَ مِنْ إمَامِهِ فُتْيَا وَفَهِمَ مَعْنَاهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُلْحِقَ بِهَا مَا يُشَابِهُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ " بِالتَّخْرِيجِ " وَجَعَلَ إلْكِيَا مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي هَذَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ بِنَصٍّ أَوْ دَلِيلِ نَصٍّ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مِثْلِهِ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ الثَّانِي مِثْلًا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ قَطْعًا كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَمَعَ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ حَمْلُ الْفَرْعِ عَلَيْهِ بِعِلَّةٍ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْخِلَافِ إلَى أَنَّ الَّذِي ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا وَمَا لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا إذَا كَانَ ثُبُوتُهُ بِعُمُومٍ أَوْ نَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْعًا ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ يَسْتَدْعِي الْبِنَاءَ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ هَلْ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَمْتَنِعُ، نَشَأَ مِنْهُ أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا لِفَرْعٍ آخَرَ.
تَنْبِيهٌ
إذَا مَنَعْنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ قِيَاسًا، يُسْتَثْنَى مِنْهُ صُورَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: الْقِيَاسُ الَّذِي قَاسَهُ النَّبِيُّ ﷺ إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ.
стр. 2699
وَالثَّانِيَةُ: الَّتِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ وَسَتَأْتِي.
خَامِسُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِهِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّهُ لَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ فَرْعًا وَضَاعَ الْقِيَاسُ، لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ بِالِاسْتِغْنَاءِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ، وَقَدْ يُنَازَعُ فِيهِ. وَمِثَالُهُ: السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ، فَيَجْرِي فِيهِ الرِّبَا قِيَاسًا عَلَى الْبُرِّ، ثُمَّ يُسْتَدَلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الطُّعْمِ بِقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» . وَجَوَّزَ آخَرُونَ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا ذَكَرَ دَلِيلًا لَهُ مَدْلُولَانِ وَتَمَسَّكَ بِأَحَدِ مَدْلُولَيْهِ عَلَى مَرَامِهِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمُ تَكْلِيفَهُ التَّمَسُّكَ بِمَدْلُولِهِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَدْلُولُهُ الْآخَرُ غَيْرَ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْعِلَّةِ إنَّمَا تُرَادُ لِإِثْبَاتِ مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَالدَّلَالَةُ عَلَى ثُبُوتِهَا بِمَا يُغْنِي عَنْ ثُبُوتِهَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَدْلُولُ الْآخَرُ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَقَدْ وَجَّهَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الْحُلُولِ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِنِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّقْدَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْمَعْدِنِ وَيُقَالُ عَلَيْهِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى
стр. 2700
يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» فَإِنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَالٍ فَلِمَ جَعَلْتُمْ مَالَ الْمَعْدِنِ فَرْعًا؟
سَادِسُهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ لَاحْتَاجَ الْقِيَاسُ إلَى ثُبُوتِهِ فَيَنْتَقِلُ مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى أُخْرَى. وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِمْ فِيمَا سَبَقَ: أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهِ. وَجَوَّزَ آخَرُونَ الْقِيَاسَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَفْسِهِ لَا يَشْتَرِطُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ، فَسُقُوطُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ أَوْلَى.
وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ الْمَنْعُ خَفِيًّا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ إنْ أَمْكَنَ الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ يُثْبِتَانِ حُكْمَ الْأَصْلِ وَلَا يَتَنَاوَلَانِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، فَإِذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ عِلَّةً عَدَّى بِهَا الْحُكْمَ إلَى الْفَرْعِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِمَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ. فَيُقَالُ: كَانَ اسْتِعْمَالُ الْأَصْلِ حَشْوًا، وَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ مُخْتَصًّا فِي ثُبُوتِهِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِهِ. وَقِيلَ: يُبْنَى الْأَمْرُ عَلَى اصْطِلَاحِ
следующие страницы →