Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ تَخْصِيصِهَا فَلَا، وَإِنَّمَا هَذَا اعْتِذَارٌ وَتَحَامٍ عَنْ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهَا. وَنَقَلَ ابْنُ فُورَكٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ.
وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ: لَوْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مَا كُنْت أُعِدُّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأُصُولِيِّينَ. وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازَهُ، قَالَ: وَذَكَرَ أَقْضَى الْقُضَاةِ يَعْنِي عَبْدَ الْجَبَّارِ - فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَعْدِلُ عَنْ حُكْمِ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى. وَالْمَعْلُومُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ حَتَّى لَا تُنْتَقَضَ.
قُلْت: وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَسُنُّ سُنَّةً فِي نَصٍّ مُعَيَّنٍ فَيَحْفَظُهَا حَافِظٌ وَلَيْسَ يُخَالِفُهُ فِي مَعْنًى، وَيُجَامِعُهُ سَنَةً غَيْرَهَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَيَحْفَظُ غَيْرَهُ تِلْكَ السَّنَةَ. فَإِذَا أَدَّى كُلَّ مَا حَفِظَ رَأَى بَعْضُ السَّامِعِينَ اخْتِلَافًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ، انْتَهَى. وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي " تَرْتِيبِ الْأُمِّ " جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارَضَةِ.
стр. 2767
الثَّانِي: مَثَّلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: هُوَ الْوَزْنُ، وَجَعَلُوا لِذَلِكَ فُرُوعًا مِنْ الْمَوْزُونَاتِ، ثُمَّ جَوَّزُوا إسْلَامَ الدَّرَاهِمِ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مَعَ اجْتِمَاعِهَا فِي الْوَزْنِ، فَحَكَمُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَانْتَقَضَتْ عِلَّةُ الْوَزْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ لَمْ تَنْتَقِضْ. قِيلَ: قَدْ نَاقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: الْوَاجِبُ فِي إتْلَافِ الْمِثْلِ الْمِثْلُ، ثُمَّ خَصَّ هَذَا الْأَصْلَ فِي الْمُصَرَّاةِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ فِي اللَّبَنِ الْمُسْتَهْلَكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. وَقَالَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِلشِّدَّةِ، وَقَاسَ عَلَيْهَا النَّبِيذَ، وَلِلْخَمْرِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: التَّحْرِيمُ، وَالتَّفْسِيقُ، وَالْحَدُّ، فَطَرَدَ عِلَّتَهُ فِي الشَّرْعِ فِي الْحَدِّ، وَلَمْ يَطْرُدْهَا فِي التَّفْسِيقِ، فَإِنَّهُ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَةُ شَارِبِ النَّبِيذِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِفِسْقِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ خَصَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا، وَجَوَّزَ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ كَيْلًا، وَكَذَلِكَ خَصَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ مَعَ مُخَالَفَةِ سَائِرِ أَجْنَاسِهِ، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُودَ مَوَاضِعَ فِي الشَّرْعِ وَتَخْصِيصَهَا بِأَحْكَامٍ تُخَالِفُ سَائِرَ أَجْنَاسِهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَقُومُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ عَلَى الْخُصُوصِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، إنَّمَا الْمَمْنُوعُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ. وَأَجَابَ الْقَفَّالُ عَنْ الْعَرَايَا بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ الْجَهْلُ الْكَثِيرُ، وَمَا أُجِيزَتْ فِيهِ قَلِيلٌ، فَتَكُونُ هَذِهِ عِلَّةً مُقَيِّدَةً لِعِلَّةِ الرِّبَا مُقَيِّدَةً لِلْجِنْسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ تَمَسَّكُوا بِآيَاتٍ، مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ [يوسف: ٧٨] فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِي قَصَدُوا بِهَا إطْلَاقَهُ مِنْ يَدِ الْعَزِيزِ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذِهْنِهِمْ أَنَّ الْعَزِيزَ يَعْرِفُ أُخُوَّتَهُمْ الَّذِي أَخَذُوا الِاحْتِرَازَ مِنْ مَحَلِّ النَّقْضِ إنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْمُعْتَرِضِ
стр. 2768
بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِضُ إلَّا بِحَسَبِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ لَفْظًا، وَتَكْفِي إرَادَتُهُ. فَالْعِلَّةُ أَنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا وَأَنَّهُ صَغِيرٌ يَصْدُرُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُزْنِ مَا لَا يَصْدُرُ عَلَى أَحَدٍ، فَحَذَفَ هَذَا الْقَيْدَ مَعَ إضْمَارِهِ، وَإِنَّ فِي حَذْفِهِ لَفَائِدَةً جَلِيلَةً، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَصْدٌ فِي التَّعْرِيفِ بِأُخُوَّتِهِمْ لَهُ، وَلَوْ صَرَّحُوا لَهُ بِذِكْرِ هَذَا الْقَيْدِ لَفَهِمَ أُخُوَّتَهُمْ لَهُ. فَتَأَمَّلْ هَذَا مَا أَحْسَنَهُ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] الْآيَةَ. دَلَّ النَّصُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ اسْتِغْفَارِ إبْرَاهِيمَ بِالْوَعْدِ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] فَإِنَّهُ طَالَبَ الْكُفَّارَ بِبَيَانِ الْعِلَّةِ فِيمَا ادَّعَوْا فِيهِ الْحُرْمَةَ لِأَوْجُهٍ لَا تَدْفَعُ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ إذَا أَثْبَتُوا أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي أَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَجْلِهِ انْتَقَضَ بِإِقْرَارِهِمْ بِالْجَوَازِ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ، وَلَوْ كَانَ التَّخْصِيصُ فِي عِلَلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزًا لَمَا كَانُوا مَحْجُوجِينَ فَإِنَّهُ لَا يَعِزُّ أَنْ يُقَالَ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ هُنَاكَ لِمَانِعٍ.
الرَّابِعُ: مَثَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِمَسْأَلَةِ الْعَرَايَا، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا: إنَّ تَحْرِيمَ الْمُزَابَنَةِ وَارِدٌ أَوَّلًا وَاسْتَقَرَّ، ثُمَّ وَرَدَتْ رُخْصَةُ الْعَرَايَا. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ النَّهْيَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَى خُصُوصِ الْعَرَايَا، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُزَابَنَةِ مَا سِوَاهَا مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ فَلَا. وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " وَنَقَلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " عَنْ الرَّبِيعِ عَنْهُ، وَنَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَوْلَى الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدِي الثَّانِي: وَقَدْ يُقَالُ: تَرْجِيحُ الثَّانِي يَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِ الْعَرَايَا رُخْصَةً.
стр. 2769
الْخَامِسُ: أَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ قَسَمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِحَسَبِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْآخَرُ: الْمُجْتَهِدُ.
فَأَمَّا الْمُنَاظَرَةُ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا النَّقْضُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ لَمْ أَحْكُمْ بِمِثْلِ مَا حَكَمْت بِهِ هَاهُنَا لِمَانِعٍ وَيَتَكَلَّفُ عُذْرًا، أَمْ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ يَسْكُتَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَيَتْبَعُ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ فِي مَحَالِّهَا ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ السَّابِقَ.
السَّادِسُ: أَنَّ الْمَانِعِينَ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً فِي ضِدِّ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَيُجْرِيهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ، لِأَنَّ نَفْسَ هَذَا الْمَعْنَى تَعَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ جَعَلَ الْمُعَلِّلُ مَا خَالَفَ حُكْمَهُ مَخْصُوصًا، وَمَا وَافَقَهُ تَعْمِيمًا. فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ " مَا جَعَلَهُ أَصْلًا " مَخْصُوصًا وَمَا " جَعَلَهُ مَخْصُوصًا " أَصْلًا. مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُعَلِّلُ: طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ، فَيُقَالُ: بَاطِلٌ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَيَقُولُ: إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ، فَتُقْلَبُ عَلَيْهِ فَتَقُولُ: طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِيُقَالَ: بَاطِلٌ بِالتَّيَمُّمِ فَيَقُولُ: ذَلِكَ مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ دَالَّةً عَلَى الْحُكْمِ بِإِخَالَتِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي مَحَلِّ النَّصِّ فَفِيمَا عَدَاهُ لَا يَكُونُ دَلَالَتُهَا مِنْ نَاحِيَةِ الِاطِّرَادِ فَقَطْ لَكِنْ مِنْ نَاحِيَةِ التَّأْثِيرِ وَالْإِخَالَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَنَاقُضُ شَهَادَتِهِمَا حِينَئِذٍ. أَمَّا إذَا كَانَتْ الدَّلَالَةُ تُتَلَقَّى مِنْ الِاطِّرَادِ الْمَحْضِ فَيَتَّجِهُ ادِّعَاءُ التَّكَافُؤِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إنْ صَحَّ الْقَوْلُ بِالطَّرْدِ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: تَقُولُ لِمَنْ خَصَّ الْعِلَّةَ بِمَا اسْتَنْبَطَ: عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ؟ إنْ ادَّعَيْت عُمُومَهُ وَاسْتِغْرَاقَهُ بَطَلَتْ الدَّعْوَى بِالْمُنَاقَضَةِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ عُمُومَهُ وَقُلْت: إنَّهَا عِلَّةٌ فِي مَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ فَلَعَلَّهَا عِلَّةٌ فِي الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ دُونَ الْفَرْعِ. ثُمَّ قَالَ إلْكِيَا: مَنْ اشْتَرَطَ الِاطِّرَادَ وَمَنْعَ التَّخْصِيصِ فَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ اطِّرَادَ كُلِّ عِلَّةٍ فِي فُرُوعِ مَعْلُولَاتِهَا لَا
стр. 2770
فِي فُرُوعِ مَعْلُومَاتِ غَيْرِهَا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي عِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ لَا تَطَّرِدُ فِي فُرُوعِ مَعْلُولَاتِهَا، فَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهَا عِلَّةً.
السَّابِعُ: أَنَّهُ سَبَقَ فِي بَابِ الْعُمُومِ تَقْسِيمُ اللَّفْظِ إلَى مَا قُصِدَ فِيهِ الْعُمُومُ نَصًّا وَإِلَى مَا لَا يُقْصَدُ فِيهِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " فِي " بَابِ التَّرْجِيحِ ": مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ أَنَّ عِلَّةَ الشَّارِعِ ﵇ لَا تُنْقَضُ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا قُصِدَ فِيهِ الْعُمُومُ نَصًّا، أَمَّا مَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ قُصِدَ تَنْزِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَقْصُودٍ آخَرَ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ.
[مَسْأَلَةٌ اقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ فِي الْعِلَّة]
مَسْأَلَةٌ [اقْتِصَارُ الشَّارِعِ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ] لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ الشَّارِعُ عَلَى أَحَقِّ الْوَصْفَيْنِ وَيَقُولَ: إنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِوَصْفَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ خُلْفٌ، قَالَهُ إلْكِيَا قَالَ: وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنْ صَرَّحَ بِهِ وَقَالَ: إنَّهُ تَعْلِيلٌ وَلَكِنْ لَمْ أَطَّرِدْهُ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَنَاقُضًا مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ هُوَ: دَلَالَةُ الْحُكْمِ دَلَالَةُ الْعُمُومِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: يَجُوزُ، فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا مَصْلَحَةً فِي الْمَحَالِّ كُلِّهَا إلَّا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَصَارَ عِلَّةً كَمِثْلِ ذَلِكَ إلَّا حَيْثُ يَعْلَمُ الشَّرْعُ أَنَّهُ لَوْ جَعَلَهُ تَعْلِيلًا لَمْ يَكُنْ مَصْلَحَةً فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَيَكُونُ الْمَحَلُّ كَالزَّمَانِ مِنْ جِهَةِ الْوَجْهِ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ: الْعَكْسُ.
وَهُوَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِهِ،
стр. 2771
إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ وَإِلَى هَذَا الشَّرْطِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: لَا تَكُونُ الْعِلَّةُ عِلَّةً حَتَّى يُقْبِلَ الْحُكْمُ بِإِقْبَالِهَا وَيُدْبِرَ بِإِدْبَارِهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ فِيهَا، لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَكْسُهَا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، فَقَالَ: وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْعَكْسَ فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَمَا أَوْجَبُوهُ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي الْعَقْلِيَّةِ فَذَكَرَهُ. وَنَقَلَ الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ الِاتِّفَاقَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ فِي الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِنَقْلِهِ أَوَّلًا، تَوَهُّمًا مِنْهُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ هِيَ الْعِلَلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّلِيلِ الِانْعِكَاسُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ كَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ. وَأَخَذَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " مِنْ النَّصِّ السَّابِقِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَقَالَ: وَصَارَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ اللَّبَّانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ شُرُوطِهَا. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا فِي الشَّرْعِيِّ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، بَلْ إذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا صَحَّتْ وَإِنْ لَمْ يَرْتَفِعْ بِعَدَمِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا إثْبَاتُ الْحُكْمِ دُونَ نَفْيِهِ، كَمَا يَصِحُّ الْمَعْنَى إذَا اطَّرَدَ وَلَمْ يَنْعَكِسْ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ، وَنَقَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.
стр. 2772
وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ، كَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَلِأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ فِي ارْتِفَاعِهَا دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي وُجُودِهَا. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ الرِّبَا: إنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ.
وَالرَّابِعُ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ إنْ تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا يُطَالَبُ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّا نُجَوِّزُ ازْدِحَامَ الْعِلَلِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ، فَلَا مَطْمَعَ فِي الْعَكْسِ مَعَهُ. وَكَذَا إذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَى حَدِيثٍ عَامٍّ وَقِيَاسٍ، فَقَدْ لَا يَطَّرِدُ الْقِيَاسُ وَيَطَّرِدُ الْحَدِيثُ فَلَا يُطْلَبُ الْعَكْسُ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ عَكْسِهَا، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ، بَلْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، فَإِذَا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ وَانْتَفَتْ فَلَوْ بَقِيَ الْحُكْمُ لَكَانَ ثَابِتًا بِغَيْرِ سَبَبٍ. أَمَّا حَيْثُ تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْعِلَلِ بَلْ عِنْدَ انْتِفَاءِ جَمِيعِهَا. وَأَطَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ. قَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": فَكَأَنَّمَا نَقُولُ: شَرْطُ الْعِلَّةِ الِانْعِكَاسُ إلَّا لِمَانِعٍ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ خِلَافٌ وَنِزَاعٌ لِأَحَدٍ. وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَرْعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ جُمْلَةً أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا بِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ أَوْ بِجَوَازِ اجْتِمَاعِهَا. وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فَقَالَ: أَمَّا الْتِزَامُ الْعَكْسِ مَعَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَانْتِفَاءِ تَوْقِيفِ مَانِعٍ فَلَا بُدَّ مِنْهُ عِنْدَنَا. وَالْإِنْصَافُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَازِمٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحْسُنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَدْرِيسِهِ " فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: ثُمَّ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا الْعَكْسَ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ عَكْسٍ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا
стр. 2773
شَرَطْنَا الِاطِّرَادَ عُمُومًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وَهُوَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ - يَكْتَفِي بِالْعَكْسِ وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَكْسِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ التَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، فَمَنْ مَنَعَهُ اشْتَرَطَ الْعَكْسَ فِي الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِلْحُكْمِ إلَّا دَلِيلٌ وَاحِدٌ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِقَاءِ دَلِيلِهِ. وَهَذَا الْبِنَاءُ أَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " وَحَوَّمَ عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مَنْ يُجَوِّزُ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ لِعِلَّةٍ يَشْتَرِطُ الْعَكْسَ وَيَقُولُ عِنْدَ انْتِفَاءِ وَاحِدَةٍ بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَيْهَا وَذَلِكَ مُتَلَقًّى مِنْ الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْأَحْكَامِ، وَمَنْ لَا يُعَلِّلُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ يُجَوِّزُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ وَبَقَاءَهُ لَا بِعِلَّةٍ أَصْلًا بَلْ عَنْ دَلِيلٍ [مِنْ] الشَّرْعِ تَعَبُّدِيٍّ فَلَمْ يَكُنْ انْتِفَاءُ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ مُسْتَلْزِمًا لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَيْثُ قُلْنَا بِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ وَإِنَّ الْعَكْسَ لَازِمٌ فَلَا نَعْنِي بِلُزُومِهِ مَا أَرَادَهُ مُشْتَرِطُوهُ، بَلْ نَقُولُ مِنْ الزُّهُوقِ حُكْمًا بِعِلَّةٍ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ وَجَدَ الْحُكْمَ فِي صُورَةِ كَذَا بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لَا ضَيْرَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدِي إمَّا الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرْته أَوْ أَمْرٌ صَادِقٌ عَلَى الْوَصْفِ صِدْقًا لِلْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ، وَأَيًّا مَا كَانَ حَصَلَ الْغَرَضُ مِنْ صِدْقِ الْعِلَّةِ عَلَى الْوَصْفِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ عِلَّةً بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَحَدَ وَصْفَيْنِ يَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عِلَّةٌ فَقَدْ صَدَقَ الْعِلَّةُ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ. فَحَصَلَ الْغَرَضُ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي صُورَةٍ أُخْرَى بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ.
وَهَذَا كَشَفَ الِاضْطِرَابَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا الْعَكْسَ فَهِمُوا أَنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ وَهَمُوا فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوَصْفَ مَهْمَا صَدَقَ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ لَزِمَ أَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً صَدَقَ الْعِلَّةُ عَلَيْهِ كَمَا يَصْدُقُ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْخَاصِّ نَفْيُ الْعَامِّ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يُوجَدَ الْعَامُّ بِوُجُودِ خَاصٍّ آخَرَ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْ وُجُودِ الْخَاصِّ وُجُودُ الْعَامِّ. نَعَمْ، يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ
стр. 2774
الْوَصْفِ نَفْيُ الْحُكْمِ إذَا كَانَ صَدَقَ الْعِلَّةُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الْعِلَّةُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ هَذَا الْوَصْفَ. وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا عُرِفَ الْوَصْفُ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوا الْعَكْسَ فَهِمُوا أَنَّ بَعْضَ الْأَوْصَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عِلِّيَّتِهَا يَنْتَفِي مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فَاعْتَقَدُوا الْعَكْسَ لَغْوًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَفَاتَهُمْ أَنَّ الْعَكْسَ مَا ثَبَتَ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَ انْتِفَاءِ وَصْفٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ صِدْقَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْخَاصِّ نَفْيُ الْعَامِّ وَهُوَ الْعِلَّةُ. نَعَمْ، لَوْ انْتَفَى ذَلِكَ الْعَامُّ - وَهُوَ الْعِلَّةُ - بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ الْخَاصِّ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ قَطْعًا.
ثُمَّ قَالَ: وَالْعَكْسُ - عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدِي - عِبَارَةٌ عَنْ نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ نَفْيِ الْعِلَّةِ.
وَعَلَى مُخْتَارِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، النَّفْيُ عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ. وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ بَعْضَ الْعِلَلِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ وُجُودَ عِلَّةٍ أُخْرَى مُشْعِرَةٍ بِالنَّقْضِ، فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ لِارْتِبَاطٍ بَيْنَ النَّفْيِ، وَالنَّفْيُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
الشَّرْطُ الثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ أَوْصَافُهُمَا مُسَلَّمَةً أَوْ مَدْلُولًا عَلَيْهَا، وَإِذَا نُوزِعَ الْمُعَلِّلُ فِي وَصْفِ الْعِلَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّتِهِ إنْ كَانَ مُجِيبًا وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ إنْ نُوزِعَ وَصْفُ الْعِلَّةِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى صِحَّتِهِ.
الشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُعَلَّلًا بِالْعِلَّةِ الَّتِي تَعَلَّقَ عَلَيْهَا الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
ذَكَرَهُ وَمَا قَبْلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَقَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْفَرْعِ عِلَّةَ الْأَصْلِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَصْلِ ثَبَتَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ الْفَرْعُ إلَّا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ فِي الْأَصْلِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ قِيسَ عَلَيْهِ الْفَرْعُ بِعِلَّةٍ مُسْتَخْرَجَةٍ بِالِاجْتِهَادِ. فَأَمَّا إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِأَصْلِهِ بِعِلَّةٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلِهَذَا قَالُوا، فِي رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا
стр. 2775
أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عَبْدٍ فِي يَدِ الْآخَرِ أَنَّهُ وَهَبَهُ لَهُ وَأَقْبَضَهُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، وَلَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ: أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَدَلُّ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّأْرِيخِ فِي الْعَقْدَيْنِ يُوجِبُ عِنْدَهُمْ وُقُوعَهُمَا مَعًا فِي الْحُكْمِ.
وَمَتَى وَقَعَا سَبَقَ وُقُوعُ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ بِالْهِبَةِ، لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْهِبَةُ لَا تُوجِبُهُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ. ثُمَّ قَالُوا: لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّهْنِ وَالْآخَرُ عَلَى الْهِبَةِ، وَشَهِدَتْ الشَّهَادَتَانِ عَلَى الْقَبْضِ كَانَ الرَّهْنُ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ، لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِي أَنَّ شَرْطَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَبْضَ، وَالرَّهْنَ يُشْبِهُ الْبَيْعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ ضَمَانِ الدَّيْنِ وَالثَّمَنِ فَقَاسُوا الرَّهْنَ عَلَى الْبَيْعِ بِعِلَّةٍ غَيْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ كَوْنَ الْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْهِبَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الْعِلَّةُ فِي الْفَرْعِ لَيْسَتْ هِيَ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ، بَلْ مِثْلُهَا.
الشَّرْطُ الْعَاشِرُ: أَنْ لَا تَكُونَ فِي الْفَرْعِ مُوجِبَةً حُكْمًا، وَفِي الْأَصْلِ حُكْمًا آخَرَ غَيْرَهُ، كَاعْتِلَالِ مَنْ قَالَ: لَا زَكَاةَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، قِيَاسًا عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ بِعِلَّةِ الصِّغَرِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِلَّةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُهَا فِي الْفَرْعِ غَيْرَ حُكْمِهَا فِي الْأَصْلِ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا تُوجِبَ ضِدَّيْنِ، بِأَنْ تَنْقَلِبَ عَلَى الْمُعَلَّلِ فِي ضِدِّ حُكْمِهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ شَاهِدَةٌ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا لِلْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ وَشَهِدَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ دَعْوَى الْمُدَّعِي، تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمَا جَمِيعًا، فَلِذَلِكَ تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، هَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَدُلَّ عَلَى الضِّدَّيْنِ، كَمَا يَدُلُّ وُجُودُ الْحَرَكَةِ عَلَى حَرَكَةِ الْجِسْمِ، وَعَلَى أَنَّهَا إذَا عَدِمَتْ عَدِمَتْ الْحَرَكَةَ ثُمَّ خَالَفَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا كَانَ مَثَلًا: الْوَاطِئُ فِي رَمَضَانَ فَفِيهِ كَفَّارَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ دَلَالَةُ الْكَفَّارَةِ وَأَنْ لَا كَفَّارَةَ.
стр. 2776
الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ثُبُوتُهَا عَنْ ثُبُوتِ الْأَصْلِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. كَمَا يُقَالُ فِيمَا أَصَابَهُ عَرَقُ الْكَلْبِ: أَصَابَهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ نَجِسًا كَلُعَابِهِ، فَيَمْنَعُ كَوْنَ عَرَقِ الْكَلْبِ نَجِسًا، فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ، فَإِنَّ اسْتِقْذَارَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ، فَكَانَ كَمَا يُعَلَّلُ سَلْبُ الْوِلَايَةِ عَنْ الصَّغِيرَةِ بِالْجُنُونِ الْعَارِضِ لِلْوَلِيِّ، لَنَا: لَوْ تَأَخَّرَتْ الْعِلَّةُ - بِمَعْنَى (الْبَاعِثِ) عَنْ الْحُكْمِ - لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِغَيْرِ بَاعِثٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ جَعَلْنَا الْعِلَّةَ بِمَعْنَى (الْأَمَارَةِ) لَزِمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ. وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا تَجْوِيزَ كَوْنِ وَصْفِ الْعِلَّةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ حُكْمِهَا، فَاعْتَلَّ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ الْخَيْلِ بِالِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْحَمِيرِ قَالَ: وَهَذَا اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي إبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالزَّكَاةُ فِيمَا فِيهِ الزَّكَاةُ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي حَيَاتِهِ، وَكَذَلِكَ سُقُوطُهَا عَمَّا سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةُ سُقُوطِهَا عَنْ شَيْءٍ مُتَأَخِّرَةً عَنْ سُقُوطِهَا عَنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ الْحُكْمِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: يَجُوزُ، وَعَلَّلُوا طَهَارَةَ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغِ كَالْكَلْبِ قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ قَوْلُنَا وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ يَكُنْ لَهُ دَلِيلٌ لَمْ يَجُزْ، قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهُ فِي الْوُجُودِ، وَقِيلَ بِجَوَازِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ الْعُرْفُ، لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْمُعَرَّفِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا " الْمُوجِبُ وَالْبَاعِثُ " فَلَا. لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمُ الْأَصْلِ بِالْأَمَارَةِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَعْلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ
стр. 2777
فِي الْوُجُودِ، لَكَانَ لَا لِكَوْنِهَا مُتَأَخِّرَةً بَلْ لِكَوْنِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَرِّفَةً، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَيَجُوزُ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُعَيَّنًا، لِأَنَّ رَدَّ الْفَرْعِ إلَيْهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ، فَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ مُبْهَمٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا شَرْعِيًّا كَالْحُكْمِ. ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ فِي جَدَلِهِ ".
الْخَامِسَ عَشَرَ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا خِلَافًا لِلرَّازِيِّ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّرَةِ، خِلَافًا لِلْأَقَلِّينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَقَوْلِنَا: جَوَازُ التَّصَرُّفَاتِ نَحْوَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ مُعَلَّلٌ بِالْمِلْكِ، وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ، فَيُقَدَّرُ لَهُ وُجُودٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا لَا وُجُودَ لَهُ حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا، فَيَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. فَنَقُولُ: الْمِلْكُ مَعْنًى مُقَدَّرٌ
стр. 2778
شَرْعِيٌّ فِي الْمَحَلِّ، أَثَرُهُ جَوَازُ التَّصَرُّفَاتِ وَغَيْرِهَا. قُلْت: وَكَتَعْلِيلِ الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ بِتَقْدِيرِ الْمِلْكِ. هَذَا إذَا قِيلَ بِالْمُقَدَّرَاتِ فَإِنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ أَنْكَرَ وُجُودَهَا فِي الشَّرْعِ، قَالَ: لَيْسَ الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِتَقْدِيرِ الْمِلْكِ لَهُ، وَأُنْكِرَ تَقْدِيرُ الْأَعْيَانِ فِي الذِّمَّةِ. قَالَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحِ ": وَهَذَا بَعِيدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَعْرَى عَنْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ عَلَى إرْدَبِّ قَمْحٍ صَحَّ الْعَقْدُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا فِي الذِّمَّةِ وَإِلَّا لَكَانَ عَقْدًا بِلَا مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِلَا ثَمَنٍ.
وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ مَنَافِعَ فِي الْأَعْيَانِ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مُورِدًا لِلْعَقْدِ. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَالْعَارِيَّةُ لَا بُدَّ مِنْ تَخَيُّلِ ذَلِكَ فِيهَا. وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَخَيُّلِ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَإِذَا لَمْ يُقَدَّرْ الْمِلْكُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ كَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي عَتَقَ عَنْهَا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الْوَلَاءُ فِي غَيْرِ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ مُحَقَّقًا؟ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا. وَالتَّصْوِيرُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرٌ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمًا فِي الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَغَيْرِهِ وَخَالَفَهُ الْآمِدِيُّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْعَدَمِيِّ بِمِثْلِهِ
стр. 2779
وَالْعَدَمِيِّ بِالْوُجُودِيِّ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْوُجُودِيِّ بِالْعَدَمِيِّ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ إلَى الْجَوَازِ، لِأَنَّ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إلَّا الْمُعَرِّفُ وَهُوَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْعَدَمِ. وَمِثَالُهُ عِلَّةُ تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَدَمُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّبْصِرَةِ " إلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِوُجُودِ مَعْنًى يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ، وَالنَّفْيُ عَدَمُ مَعْنًى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ الْحُكْمَ. وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ: لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ. وَمِنْ حُجَّةِ الْمَانِعِ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ كَالسَّرِقَةِ الْمَنْصُوبَةِ عِلَّةً لِلْقَطْعِ، فَإِنَّهَا مَنْشَأُ الْحِكْمَةِ، إذْ كَوْنُهَا جِنَايَةً وَمَفْسَدَةً إنَّمَا نَشَأَ مِنْ ذَاتِهَا لَا مِنْ خَارِجٍ عَنْهَا. وَهَذَا مُنَازَعٌ فِيهِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا أَمَارَةً عَلَى الْحِكْمَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْعَدَمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَمَارَةً عَلَيْهَا، وَقَدْ سَاعَدَ الْخَصْمَ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْعَدَمِ بِالْعَدَمِ وَهُوَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِإِمْكَانِ جَعْلِ الْعَدَمِ أَمَارَةً، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْعَدَمِ أَمْكَنَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ لِأَنَّ الظُّهُورَ لَا يَخْتَلِفُ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: أَنْكَرَهُ قَوْمٌ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ فِيهِمَا جَمِيعًا، قَالَ: وَفَصَّلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا فَجَوَّزَهُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ دُونَ الْعَقْلِيَّاتِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - فِيمَا رَدَّ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ - فِي خَرَاجِ الْبَيْعِ مِنْ غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ صَفْقَةُ الْبَيْعِ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ فِي إبَاحَةِ الْقَصْرِ: لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ وَقَالَ إلْكِيَا: إنْ كَانَ الْحُكْمُ مِنْ قَبِيلِ الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأُصُولِ تَطَرَّقَ الْقِيَاسُ إلَيْهِ مِنْ جِهَتَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، كَقَوْلِنَا: لَا كَفَّارَةَ عَلَى الْأَكْلِ وَلَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ ظَنًّا وَإِنْ أَمْكَنَ تَلَقِّيه مِنْ أَمَارَةٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ لَمْ يَمْتَنِعْ تَلَقِّيه مِنْ الْقِيَاسِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الْحُكْمُ وَالْعِلَّةُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتِيَّيْنِ، كَثُبُوتِ الرِّبَا لِعِلَّةِ
стр. 2780
الطُّعْمِ، أَوْ عَدَمِيَّيْنِ، كَعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ الرِّضَا، وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا نِزَاعَ فِيهِمَا. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ ثُبُوتِيَّةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَوِّزَ قِيَاسَهَا بِالْعَدَمِ، سَوَاءٌ كَانَ عِلَّةُ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيَّ أَوْ الْعَدَمِيَّ. وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ثُبُوتِيَّةً وَالْحُكْمُ عَدَمِيًّا، كَعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ وَهَذَا الْقِسْمُ تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ " تَعْلِيلًا بِالْمَانِعِ " وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ مِنْ شَرْطِ وُجُودِ الْمُقْتَضَى أَمْ لَا؟ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَدَمِيَّةً وَالْحُكْمُ ثُبُوتِيًّا، كَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ لِعَدَمِ الْفَسْخِ فِي زَمَانِ الْخِيَارِ، وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْجَوَازِ. انْتَهَى وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ " التَّنْقِيحِ " وَالْإِمَامُ فِي " الْمَعَالِمِ " وَاخْتَارَ فِي " الْمَحْصُولِ " الْجَوَازَ وَقَالَ فِي " الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ ": إنْ كَانَ الْوَصْفُ ضَابِطًا لِحِكْمَةِ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ حُصُولُ الْمَفْسَدَةِ عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا كَانَ عَدَمُ ذَلِكَ الْوَصْفِ ضَابِطًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعَدَمُ مُنَاسِبًا لِلْحُرْمَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ وَلَا لِلنَّفْيِ، لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَفْرُوضَ عِلَّتُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ بِاتِّفَاقٍ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا مُضَافًا إلَى أَمْرٍ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ إنْ كَانَ مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ اسْتَحَالَ أَنْ يُعَلَّلَ بِنَفْيِهِ حُكْمٌ ثُبُوتِيٌّ، إذْ عَدَمُ الْمَصْلَحَةِ لَا يَكُونُ عِلَّةً فِي الْحُكْمِ وَإِنْ كَانَ مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ فَهُوَ مَانِعٌ، وَنَفْيُ الْمَانِعِ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى " الْمُعَرِّفِ " جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ عِلَّةً لِلْوُجُودِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ جَمِيعَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ أَمْرًا عَدَمِيًّا، بِدَلِيلِ أَنَّ وُجُودَ الضِّدِّ فِي الْمَحَلِّ يَقْتَضِي عَدَمَ الضِّدِّ الْآخَرِ فِي الْمَحَلِّ، فَقَدْ صَارَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَجْزَائِهَا عَدَمِيًّا لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الْعَدَمِ الصِّرْفِ عِلَّةً لِلْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ وَالْعِلْمِ بِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ هُوَ الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ عَدَمِيًّا، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَوْجُودَةِ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ.
стр. 2781
تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ
قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّحْقِيقُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا يُتَصَوَّرُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إضَافَةٌ إلَى شَيْءٍ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَعْدَامِ الْمُضَافَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ بِهَا قَطْعًا، كَمَا تَكُونُ شُرُوطًا، خُصُوصًا فِي الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ أَمَارَاتٌ. فَلْيُتَأَمَّلْ. وَجَعَلَ النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ فِي " شَرْحِ التَّحْصِيلِ " الْخِلَافَ فِي الْعَدَمِ الْمُقَيَّدِ، كَمَا يُقَالُ: عَدَمُ الْمَالِ عِلَّةُ الْفَقْرِ، أَمَّا الْمُطْلَقُ فَلَا يُعَلَّلُ وَلَا يُعَلَّلُ بِهِ قَطْعًا. الثَّانِي
أَنَّ الْخِلَافَ يَجْرِي فِي الْجُزْءِ أَيْضًا، فَالْمَانِعُونَ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ كَمَا يَكُونُ كُلًّا. وَالْمُجَوِّزُونَ فِي الْكُلِّ جَوَّزُوهُ فِي الْجُزْءِ.
الثَّالِثُ لَوْ وَرَدَ مِنْ الشَّرْعِ لَفْظٌ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى ثُبُوتِ تَعْلِيلِ الثُّبُوتِ بِالْعَدَمِ نَحْوُ: أُثْبِتَ حُكْمٌ بِهَذَا الْعَدَمِ كَذَا فَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ - وَهُوَ مِنْ الْمَانِعِينَ -: يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ اللَّفْظِ وَحَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ التَّعْلِيلِ مِنْ تَأْقِيتٍ أَوْ غَيْرِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ عِنْدَهُ عِبَارَةٌ عَنْ نَصْبِ الْأَمَارَةِ خَاصَّةً، فَإِذَا حُمِلَ الْكَلَامُ عَلَى التَّأْقِيتِ رَجَعَ إلَى الْأَمَارَةِ فَكَأَنَّهُ فَرَّ مِنْ التَّعْلِيلِ فَوَقَعَ فِي التَّعْلِيلِ فَرْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُعَلَّلُ قَالُوا: إنَّ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ رُتْبَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ
стр. 2782
النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ، وَجَوَّزُوا التَّعْلِيلَ بِهَا وَقَالُوا: لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا، بَلْ مِنْ شُرُوطِهَا أَلَّا تَكُونَ عَدَمِيَّةً، ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ أَمْرًا وُجُودِيًّا، وَتَارَةً تَكُونُ أَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ قَبِيلِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ. وَبِهِ يَظْهَرُ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِمْ: " أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمِيًّا " وَلَمْ يَقُولُوا: " أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا ". وَمِثَالُهُ قَوْلُنَا: الْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُبُوَّةِ، وَهَذَا عِلَّةُ الْمِيرَاثِ وَهُمَا إضَافِيَّانِ ذِهْنِيَّانِ لَا وُجُودَ لَهُمَا فِي الْأَعْيَانِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّعْلِيلِ بِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. وَالْحَقُّ ابْتِنَاءُ هَذَا الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْإِضَافِيَّاتِ مِنْ الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ أَوْ الْوُجُودِيَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: عَدَمِيَّةٌ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْعَدَمِيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: وُجُودِيَّةٌ فَهِيَ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ فَهُوَ عِلَّةٌ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ.
الثَّانِي: الْوَصْفُ التَّقْدِيرِيُّ هُوَ كَالْعَدَمِيِّ، لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ لَهُ وُجُودٌ لِلضَّرُورَةِ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَدَمِيًّا تَعْلِيلُ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِمُعْتَقٍ عَنْهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ، وَتَوْرِيثُ الدِّيَةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمَقْتُولِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الزَّمَنِ الْفَرْدِ، فَإِنَّهُ حَيٌّ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَا لَا يَمْلِكُ لَا يُورَثُ عَنْهُ، وَالْمِلْكُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُحَالٌ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْمِلْكِ قَبْلَ الزُّهُوقِ. وَالْخِلَافُ فِيهِ أَضْعَفُ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْعَدَمِيِّ.
تَنْبِيهٌ
امْتِنَاعُ الشَّيْءِ مَتَى دَارَ اسْتِنَادُهُ إلَى عَدَمِ الْمُقْتَضَى أَوْ وُجُودِ الْمَانِعِ، كَانَ اسْتِنَادُهُ إلَى عَدَمِ الْمُقْتَضَى أَوْلَى، لِأَنَّا لَوْ أَسْنَدْنَاهُ إلَى وُجُودِ الْمَانِعِ لَكَانَ الْمُقْتَضَى قَدْ وُجِدَ وَتَخَلَّفَ أَثَرُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَهَذَا كَتَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِ الصَّبِيِّ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ أَوْلَى مِنْ التَّعْلِيلِ بِالصِّبَا. وَفِيهِ الْخِلَافُ فِي تَعْلِيلِهِمْ مَنْعَ إطْلَاقِهِمْ
стр. 2783
كَافِرٌ " عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِوُجُودِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى وَهُوَ عَدَمُ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ.
السَّابِعَ عَشَرَ: إنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى الْأَصْلِ بِإِبْطَالِهِ أَوْ إبْطَالِ بَعْضِهِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ، إذْ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ النَّصِّ أَقْوَى مِنْ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ، لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِهَذَا الْحُكْمِ، وَالْفَرْعُ لَا يَرْجِعُ عَلَى إبْطَالِ أَصْلِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى نَفْسِهِ بِالْإِبْطَالِ. وَمِنْ ثَمَّ ضَعُفَ مَدْرَكُ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَأْوِيلِهِمْ قَوْلَهُ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ، لِأَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْحَاجَةِ أَوْ الْقِيمَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا تَجِبَ الشَّاةُ أَصْلًا، لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لَمْ تَجُزْ الشَّاةُ فَلَمْ تَكُنْ مُجْزِئَةً وَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. هَكَذَا مَثَّلُوا بِهِ، وَنَازَعَ فِيهِ الْغَزَالِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَنْ أَجَازَ الْقِيمَةَ فَهُوَ مُسْتَنْبِطُ مَعْنًى مُعَمِّمٍ، لَا مُبْطِلٍ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ الشِّيَاهِ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْقِيمَةِ أَلْغَى تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ ابْتِدَاءً الَّذِي عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهَذَا مَعْنَى الْإِبْطَالِ أَيْ إبْطَالِ التَّعَلُّقِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَلْغَى تَعْيِينَهَا، مِنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ أَوْ بِنْتِ اللَّبُونِ أَوْ حِقَّةٍ أَوْ جَذَعَةٍ، وَصَيَّرَ الْوَاجِبَ جَائِزًا.
لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ هِيَ الْوَاجِبَ لَمْ تَكُنْ الشَّاةُ وَاجِبَةً وَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ.
стр. 2784
الثَّالِثُ: يُقَالُ: وَإِنْ أَجْزَأَتْ الشَّاةُ لَكِنْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَخُصَّ الْأَجْزَاءَ بِهَا فَبَطَلَ لَفْظُ «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَلَيْسَتْ الْقِيمَةُ أَعَمَّ مِنْ الشَّاةِ.
وَمِنْ مِثْلِهِ أَيْضًا مَصِيرُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إلَى الِاكْتِفَاءِ فِي إتْبَاعِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ، نَظَرًا لِمَعْنَى تَكْمِيلِ السُّنَّةِ. وَهَذَا يُبْطِلُ خُصُوصَ شَوَّالٍ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ. وَكَذَا قَوْلُهُ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» فَإِنَّ الْخُصُومَ يُقَدِّرُونَ فِيهِ " مِثْلُ " ذَكَاةِ أُمِّهِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُرْفَعُ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، لِإِمْكَانِ صِحَّةِ الْكَلَامِ بِدُونِهِ لِأَنَّ الْجَنِينَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِأُمِّهِ. ثُمَّ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ أَنَّ ذَكَاتَهُ كَذَكَاتِهَا فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُفِيدًا أَلْبَتَّةَ. وَلَا يُقَالُ: لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ يَقْتَضِي الْجَوَازَ حَيْثُ جَوَّزَ الْإِمْعَانَ فِي غَسَلَاتِ الْكَلْبِ، نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي التُّرَابِ الْخُشُونَةُ الْمُزِيلَةُ. وَهَذَا يُبْطِلُ خُصُوصَ التُّرَابِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَادَ عَلَى أَصْلِهِ بِالتَّعْمِيمِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ الِاسْتِظْهَارَ، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهُورَيْنِ.
стр. 2785
وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحٌ إنْ عَنَى بِذَلِكَ إبْطَالَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَمَّا إذَا لَزِمَ فِيهِ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ، لِأَنَّهُ كَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ لِحُكْمِ نَصٍّ آخَرَ وَهُوَ جَائِزٌ، فَكَذَا هَذَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ لَا يَنْتَهِي إلَى دَرَجَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ بِذَلِكَ مَعَهُ. انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي تَوَقَّفَ فِيهِ وَلَمْ يَظْفَرْ فِيهِ بِنَقْلٍ قَدْ وَجَدْت النَّقْلَ بِخِلَافِهِ فِي كِتَابِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَتِلْمِيذِهِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ، فَشَرَطَا فِي الْعِلَّةِ: أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ اعْتَلُّوا لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالْكَيْلِ، لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا شَامِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُمَا، وَالْكَيْلُ يَخُصُّ الْكَثِيرَ دُونَ الْقَلِيلِ، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجِبُ فِي الْقَلِيلِ مِنْ أَصْلِهَا ضِدَّ مَا أَوْجَبَهُ النَّصُّ فِي ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُنْتَزَعَةُ مِنْ أَصْلٍ مُخَصَّصَةً لِأَصْلِهَا وَإِنْ جَازَ تَخْصِيصُ اسْمٍ آخَرَ غَيْرِ أَصْلِهَا بِهَا. انْتَهَى: وَاعْلَمْ أَنَّ فِي عَوْدِهَا عَلَى الْأَصْلِ بِالتَّخْصِيصِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَتْ فِي بَابِ الْعُمُومِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: إنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَالشَّرْطُ أَنْ لَا تُعَارَضَ بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ فِي الْأَصْلِ بِأَنْ تُبْدَى عِلَّةٌ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَإِلَّا
стр. 2786
جَازَ التَّعْلِيلُ بِمَجْمُوعِهِمَا أَوْ بِالْأُخْرَى وَقِيلَ: وَلَا بِمُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ بِأَنْ تَثْبُتَ فِيهِ عِلَّةٌ أُخْرَى تُوجِبُ خِلَافَ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ، فَإِنَّ الْمُعَارِضَ يُبْطِلُ اعْتِبَارَهَا. وَقِيلَ: أَنْ لَا يَكُونَ بِمُعَارِضٍ فِي الْفَرْعِ مَعَ تَرْجِيحِ الْمُعَارِضِ. وَلَا بَأْسَ بِالتَّسَاوِي لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ. وَقِيلَ: الْمُعَارِضُ الْمُسَاوِي يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ أَيْضًا.
التَّاسِعَ عَشَرَ: يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ أَيْ حُكْمًا فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِمَا أُثْبِتَ بِهِ. مِثَالُهُ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَعَلَّلَ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهَا رِبًا فِيمَا يُوزَنُ كَالنَّقْدَيْنِ، فَيَلْزَمُ التَّقَابُضُ، مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ. وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنَافِيَةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ نَسْخٌ لَهُ فَهُوَ مِمَّا يُعَكِّرُ عَلَى أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ، وَإِلَّا لَجَازَ. وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَجَعَلَهُ الْهِنْدِيُّ تَنْقِيحَ مَنَاطٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلَيْهِ.
الْعِشْرُونَ: أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارِضَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِهَا بِأَنْ نَقُولَ: مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ فَيُوقَفُ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الِاعْتِرَاضَاتِ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنْ عَنَى بِهِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى كَيْفَ كَانَتْ فَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى مَا يُعَارِضُهَا مِنْ الْعِلَّةِ لَا مَانِعَ مِنْ اسْتِنْبَاطِهَا وَجَعْلِهَا عِلَّةً. وَإِنْ عَنَى بِهِ أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارِضَةً أُخْرَى رَاجِحَةً عَلَيْهَا فَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْمَعْمُولِ بِهَا لَكِنْ لَيْسَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ فِي ذَاتِهَا، فَإِنَّ الْعِلَّةَ الْمَوْجُودَةَ وَالدَّلِيلَ الْمَرْجُوحَ لَا يَخْرُجَانِ بِسَبَبِ الْمَرْجُوحِيَّةِ عَنْ الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ، وَإِلَّا لَمَا تُصُوِّرَ التَّعَارُضُ إلَّا بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ.
стр. 2787
الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: إذَا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ شَرْطٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ تُوجِبُ إزَالَةَ شَرْطِ أَصْلِهَا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَمَّا جَازَ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ جَازَ وَلَكِنْ لِمَنْ لَا يَخْشَاهُ لِوَصْفٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ خَشْيَةَ الْعَنَتِ شَرْطٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجِبُ سُقُوطَ هَذَا الشَّرْطِ.
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَيْهَا مُتَنَاوِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ لَا بِعُمُومِهِ وَلَا بِخُصُوصِهِ عَلَى الْمُخْتَارِ لِلِاسْتِغْنَاءِ حِينَئِذٍ عَنْ الْقِيَاسِ. وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " مَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَلَّ لَهُمْ شَيْئًا جُمْلَةً وَحَرَّمَ مِنْهُ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، فَيُحِلُّونَ الْحَلَالَ بِالْحُكْمِ، وَيُحَرِّمُونَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ، وَلَا يَقِيسُونَ عَلَى الْأَقَلِّ الْحَرَامَ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْثَرِ أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَقَلِّ. هَذَا لَفْظُهُ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي تَرْتِيبِ الْأُمِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَقَالَ إلْكِيَا: ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَنْصُوصَاتِ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَمَتَى وُجِدَ فِي الْفَرْعِ نَصٌّ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِهِ بِأَصْلٍ آخَرَ كَانَ الْقِيَاسُ فَاسِدَ الْوَضْعِ، لِعَدَمِ شَرْطِهِ، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ عَمْدًا عَلَى الْقَتْلِ خَطَأً فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ، وَقِيَاسِ الْمُحْصَرِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي إيجَابِ الصَّوْمِ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ عِنْدَ الْعَدَمِ، لِأَنَّ كُلَّ حَادِثَةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا دَلَّتْ الْأَمَارَاتُ عَلَى أَنَّهُ اسْتَقْصَى حُكْمَ الْوَاقِعَةِ وَلَمْ يُقَارِبْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَيْءٌ. أَمَّا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ ذَكَرَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ أَوْ قَصَدَ بِهِ مَا يَدُلُّ فَحَوَاهُ عَلَى اسْتِقْصَاءِ حُكْمِهِ وَبَقِيَ مَا عَدَا الْمَذْكُورَ فَذَلِكَ مَحْضُ
стр. 2788
تَخْصِيصِ حُكْمٍ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي بَابِ الْمَفْهُومِ.
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنْ لَا يَكُونَ مُؤَيِّدًا لِلْقِيَاسِ أَصْلٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِالْإِثْبَاتِ عَلَى أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ، كَالْعِلَّةِ الَّتِي يَقِيسُ بِهَا الْعِرَاقِيُّونَ الْمَسَافَاتِ عَلَى الْمُزَارَعَةِ، وَالدَّعْوَى فِي الدَّمِ مَعَ اللَّوْثِ عَلَى الدَّعْوَى فِي الْأَمْوَالِ فِي الْبُدَاءَةِ فِيهِمَا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَقَالَ: هَذَا مَعْنَى مَا رَوَى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ أَصْلٌ عَلَى أَصْلٍ.
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: إنْ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً أَيْ تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ لَا يَكُونَ التَّعْلِيلَ فِي الْمَحَلِّ وَلَا جُزْءًا مِنْهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَعْدِيَتُهَا بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا ذَلِكَ. هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الرَّازِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ بِالْمَحَلِّ وَجُزْئِهِ فِيهِمَا. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ فِيهِمَا وَنُسِبَ لِلْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يَجُوزُ بِجُزْءِ الْمَحَلِّ دُونَ الْمَحَلِّ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مَذْهَبًا ثَالِثًا، كَمَا يُوهِمُ صَاحِبُ " الْبَدِيعِ " وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْجُزْءِ (الْعَامُّ) بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: وَأَمَّا الْجُزْءُ فَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِاحْتِمَالِ عُمُومِهِ لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الْحَقُّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَإِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ جَازَ هَذَا، سَوَاءٌ ثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ بِنَصٍّ أَوْ بِغَيْرِهِ، إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: حَرُمَتْ الرِّبَا فِي الْبُرِّ لِكَوْنِهِ بُرًّا أَوْ يُعَرِّفُهُ مُنَاسَبَةُ مَحَلِّ الْحُكْمِ لَهُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حِكْمَةٍ دَاعِيَةٍ لَهُ، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنْ يُقَالَ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَابِلًا وَفَاعِلًا، لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ ذَلِكَ، وَاسْتِحَالَتُهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا الْوَاحِدُ، وَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا وَإِنْ يُجَوَّزُ التَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرَةِ، لَمْ يُجَوَّزْ هَذَا، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَجُزْأَهُ الْخَاصَّ
стр. 2789
يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجَدَ فِي غَيْرِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ مَشْهُورَةٍ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ إلَّا إذَا تَعَدَّدَتْ الْقَوَابِلُ. وَبَنَوْا عَلَيْهِ تَرْتِيبَ الْمَوْجُودَاتِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: أَقَلُّ مَا صَدَرَ مِنْ الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْفَلَكِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ صَدَرَ مِنْ الْفَلَكِ الْأَوَّلِ عَقْلٌ وَنَفْسٌ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ فَاسِدًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ فَاعِلًا لَهَا وَقَابِلًا لَهَا وَهُوَ مُحَالٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَالْقَبُولَ أَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَفْرِيعِ الْفَاسِدِ عَلَى الْفَاسِدِ.
стр. 2790
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعِلَّةِ]
فَصْلٌ
فِي ذِكْرِ أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ فِي الْعِلَّةِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا مِنْهَا: شَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ تَعَدِّي الْعِلَّةِ مِنْ الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ وَقَعَتْ عَلَى حُكْمِ النَّصِّ وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي غَيْرِهِ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ إنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ بَرْهَانٍ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ نَقَلَ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً؛ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً فَهِيَ مَحْضُ الْخِلَافِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَنَقَلَهُ فِي " الْحَاوِي " عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَنْعُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي " الِاصْطِلَامِ "، لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَا جَذَبَتْ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَى فَرْعِهِ. وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْحَلِيمِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ فَقَالَ: مَنْ يُنْشِئُ النَّظَرَ لَا يَدْرِي أَيَقَعُ عَلَى عِلَّةٍ قَاصِرَةٍ أَوْ مُتَعَدِّيَةٍ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِصِفَةِ الْعِلَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ حَالَةَ إنْشَاءِ النَّظَرِ، فَيَجِبُ النَّظَرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا قَلِيلُ النَّيْلِ، فَإِنَّ الْخَصْمَ لَا يُنْكَرُ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا تَحَقَّقَ قُصُورُهُ، فَمَا قَوْلُ هَذَا الشَّيْخِ إذَا انْكَشَفَ النَّظَرُ وَالْعِلَّةُ قَاصِرَةٌ انْتَهَى.
وَأَصَحُّهُمَا: وَنَصَرَهُ فِي " الْقَوَاطِعِ " تَبَعًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا: إنَّهَا عِلَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ حُكْمَ الْأَصْلِ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، لَكِنْ أَبُو الْخَطَّابِ حَكَى عَنْ أَصْحَابِهِمْ مُقَابِلَهُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ ": كَانَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ الْغُلَاةِ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ، وَيَقُولُ: هِيَ أَوْلَى مِنْ الْمُتَعَدِّيَةِ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ
стр. 2791
وُقُوفَهَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِ الْأَصْلِ، كَمَا أَوْجَبَ تَعَدِّيهَا ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي غَيْرِهِ، فَصَارَ وُقُوفُهَا مُؤَثِّرًا فِي النَّفْيِ، كَمَا كَانَ تَعَدِّيهَا مُؤَثِّرًا فِي الْإِثْبَاتِ فَاسْتُفِيدَ بِوُقُوفِهَا وَتَعَدِّيهَا حُكْمُ غَيْرِ الْأَصْلِ، فَعَلَى هَذَا ثُبُوتُ الرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ.
وَيَخْرُجُ مِمَّا سَبَقَ حِكَايَةُ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ: وَهُوَ الْجَوَازُ فِي الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ. قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَحَكَاهُ الْهَمْدَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا. وَلِهَذَا فَوَائِدُ:
مِنْهَا: مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ:
وَمِنْهَا: عَدَمُ إلْحَاقِ غَيْرِهَا. وَقَوْلُهُمْ: " هَذِهِ الْفَائِدَةُ عُلِمَتْ مِنْ النَّصِّ " مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يُفِدْ إلَّا إثْبَاتَ الْحُكْمِ خَاصَّةً، وَخَصَّهُ الْقَاضِي بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهَا، وَجَوَّزْنَا اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ فَبِاطِّلَاعِنَا عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ نَزْدَادُ عِلْمًا كُنَّا غَافِلِينَ عَنْهُ وَالْعِلْمُ بِالشَّيْءِ أَعْظَمُ فَائِدَةً، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا تُشَوَّقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا طَابَقَتْ النَّصَّ زَادَهُ قُوَّةً وَيَتَعَاضَدَانِ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْفَاعِلَ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِأَجْلِهَا فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ قَصْدِ الْفِعْلِ وَالِامْتِثَالِ وَأَجْرُ قَصْدِ الْفِعْلِ لِأَجْلِهَا، وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا فَيَفْعَلُ الْمَأْمُورَ لِكَوْنِهِ أُمِرَ بِفِعْلِهِ. ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَمِنْهَا: إذَا حَدَثَ هُنَاكَ فَرْعٌ يُشَارِكُهُ فِي الْمَعْنَى عُلِقَ عَلَى الْعِلَّةِ وَأُلْحِقَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " فِي بَابِ الرِّبَا وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ
стр. 2792
وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي الْقَاصِرَةِ، وَمَتَى حَدَثَ فَرْعٌ يُشَارِكُهَا فِي الْمَعْنَى خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ قَاصِرَةً. وَقَدْ نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ فَائِدَتَهَا أَنَّا إذَا عَلَّلْنَا تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ أَنْ يَلْحَقَ بِهَا التَّحْرِيمُ فِي الْفُلُوسِ إذَا جَرَتْ نُقُودًا، قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا خَرَفٌ مِنْ قَائِلِهِ وَخَبْطٌ عَلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْفُلُوسِ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ نُقُودًا فَإِنَّ النَّقْدِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَطْبُوعَاتِ، وَالْفُلُوسُ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا قِيلَ لِصَاحِبِهِ: إنْ دَخَلَتْ الْفُلُوسُ تَحْتَ الدَّرَاهِمِ بِالنَّصِّ فَالْعِلَّةُ بِالنَّقْدِيَّةِ قَائِمَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا النَّصُّ فَالْعِلَّةُ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي الْقَاصِرَةِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهَا تُفِيدُ بِعَكْسِهَا، فَإِذَا ثَبَتَ (النَّقْدِيَّةُ) عِلَّةً فِي النَّقْدَيْنِ فَعَدَمُ النَّقْدِيَّةِ مُشْعِرٌ بِانْتِفَاءِ تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَالنَّصُّ عَلَى اللَّقَبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ. وَرَدَّهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الِانْعِكَاسَ لَا يَتَحَتَّمُ فِي الْعِلَلِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَتَى زَالَتْ الصِّفَةُ عَنْهُ زَالَ الْحُكْمُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " (قَالَ) : وَيَجِبُ عَلَى هَذَا تَخْصِيصُ الْقَاصِرَةِ بِاَلَّتِي ثَبَتَتْ تَارَةً وَتَزُولُ أُخْرَى وَإِلَّا بَطَلَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ. قُلْت: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَصْفَانِ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْقَاصِرَةَ عِلَّةٌ، هَلْ يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ أَمْ لَا، فَعِنْدَنَا يَمْتَنِعُ إنْ مَنَعْنَا اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ.
وَمِنْ فَوَائِدِهِ: إذَا عُورِضَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ قَاصِرٍ لِيَقْطَعَ الْقِيَاسَ فَاحْتَاجَ إلَى دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ، فَهَلْ يَكْفِي فِي إفْسَادِ الْوَصْفِ قُصُورُهُ أَوْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مُفْسِدًا؟ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ جَعْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " (الْقُصُورَ) مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ، إذْ الْقُصُورُ يُنَافِي الْقِيَاسَ، ثُمَّ اخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ
стр. 2793
الشَّرْعِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا يَتَأَتَّى تَأْوِيلُهُ وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ حَمْلِهِ عَلَى الْكَثِيرِ مَثَلًا دُونَ الْقَلِيلِ، فَإِذَا نَتَجَتْ عِلَّةٌ تُوَافِقُ ظَاهِرَهُ فَهِيَ تُعْصَمُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لَا تَرْقَى رُتْبَتُهَا عَلَى الْمُسْتَنْبَطَةِ الْقَاصِرَةِ، فَالْعِلَّةُ فِي مَحَلِّ الظَّاهِرِ كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي مُقْتَضَى النَّصِّ مِنْهُ، مُتَعَدِّيَةٌ إلَى مَا اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيهِ مِنْ حَيْثُ عِصْمَتُهُ مِنْ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ، وَكَانَ ذَلِكَ إفَادَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا حَقِيقِيًّا.
стр. 2794
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ زَعَمَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي نُكَتِهِ عَلَى الْمُسْتَصْفَى " أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَتَوَارَدْ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ. قَالَ: وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، بَاطِلَةٌ بِاعْتِبَارِ الْفَرْعِ. وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ: إذَا فُسِّرَ اللَّفْظُ زَالَ الْخِلَافُ، وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ صَحِيحٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: نَصْبُ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ أَمَارَةً بَاطِلٌ، وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ التَّعْلِيلِ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ وَتَارَةً عَلَى نَصْبِهِ، فَهَذَا الِاشْتِرَاكُ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ.
الثَّانِي أَنَّ كَلَامَ أَصْحَابِنَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَاصِرَةِ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِانْتِفَاءِ التَّعْدِيَةِ، بَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَمَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّعَارُضَ فَرْعُ اجْتِمَاعِهِمَا، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا تَعَارَضَا، فَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ الْمُتَعَدِّيَةَ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَاصِرَةُ، وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ.
الثَّالِثُ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِلَافُ فِي بُطْلَانِهَا لَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ظَنِّ كَوْنِهَا حِكْمَةً فِي مَوْرِدِ النَّصِّ، بَلْ عَلَى خُرُوجِهَا عَنْ مُتَعَلَّقِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ إذَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ فَائِدَةٌ تَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى النَّصِّ، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى صِحَّتِهَا، لِصِحَّةِ وُرُودِ الشَّرْعِ بِهَا، وَلِمُسَاوَاتِهَا لِلْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ فِي اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَالْقُصُورِ،
стр. 2795
إذْ مَا مِنْ مُتَعَدِّيَةٍ إلَّا وَهِيَ قَاصِرَةٌ مِنْ وَجْهٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُطَابَقَةُ النَّصِّ لَهَا، وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُهَا لَا مِمَّا يُبْطِلُهَا، كَمُطَابَقَةِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ، وَكَمُطَابَقَةِ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَاضِدَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ مَوْضِعَ التَّعَبُّدِ بِالتَّعْلِيلِ هَلْ هُوَ لِإِفَادَةِ مَا لَمْ يُفِدْهُ النَّصُّ أَوْ بِمُجَرَّدِ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ؟ وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ فِي الْعِلَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْإِخَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَمَعْنَى التَّأْثِيرِ: اعْتِبَارُ الشَّرْعِ جِنْسَ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعَهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي وَقَالَ إلْكِيَا: الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ عِلَّةَ الشَّرْعِ هَلْ تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ أَمْ لَا؟ وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ: هُوَ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ عِنْدَنَا: تَعَدِّي حُكْمِ النَّصِّ إلَى الْفَرْعِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: تَعَلَّقَ الْحُكْمُ فِي النَّصِّ الْمَعْلُولِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ لَا التَّعَدِّي.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهَا هَلْ هِيَ مَأْمُورٌ بِهَا؟ وَمَعْنَى صِحَّتِهَا: مُوَافَقَتُهَا لِلْأَمْرِ، وَمَعْنَى فَسَادِهَا: عَدَمُ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: لَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فَرْعِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّا إنْ رَدَدْنَاهَا فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ إفَادَتِهَا، وَإِنْ قَبِلْنَاهَا فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا لَا يَتَعَدَّى بِهَا حُكْمُهَا، وَالنَّصُّ فِي الْأَصْلِ مُغْنٍ عَنْهَا فَرَجَعَ ثَبَاتُهَا إلَى الْفَوَائِدِ الْعِلْمِيَّةِ لَا الْعَمَلِيَّةِ، إلَّا إذَا بَنَيْنَا عَلَى الْتِزَامِ اتِّحَادِ الْعِلَلِ وَصَحَّحْنَا الْقَاصِرَةَ، وَجَعَلْنَاهَا مُقَاوِمَةً لِلْمُتَعَدِّيَةِ فَيَنْبَنِي حِينَئِذٍ قَبُولُهَا فَائِدَةً عَمَلِيَّةً لِأَنَّهَا قَدْ تُعَارِضُ مُتَعَدِّيَةً بِتَعَطُّلِ الْعَمَلِ بِهَا. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَا يَتَحَرَّرُ الْخِلَافُ فِي رَدِّهَا، لِأَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا الْبَاعِثُ أَوْ الْعَلَامَةُ، فَإِنْ فَسَّرْنَا بِالْبَاعِثِ وَهُوَ الْحَقُّ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَنُصَّ بِالشَّرْعِ عَلَى الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَوَارِدِهِ حَتَّى لَا يُبْقِيَ مِنْ مَحَالِّهِ مَسْكُوتًا عَنْهُ، وَيَنُصُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْبَاعِثِ وَلَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ خِلَافَ ذَلِكَ، وَإِنْ فَسَّرْنَاهَا بِالْعَلَامَةِ وَعَلَيْهِ بَنَى الرَّازِيَّ كَلَامَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَلَامَةً وَالْوَصْفُ عَلَامَةً، فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْحُكْمِ عَلَامَتَانِ كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى
стр. 2796
الْحُكْمِ نَصَّانِ مَعًا وَظَاهِرَانِ مَعًا، أَوْ نَصٌّ وَظَاهِرٌ، أَوْ نَصٌّ وَقِيَاسٌ. وَهَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا مَحَلَّ لِلْخِلَافِ.
وَمِنْهَا: مَنَعَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ، كَمَا لَوْ عَلَّلْنَا كَوْنَ النَّقْدَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ بِكَوْنِ اسْمِهِمَا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَحَكَى فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَاعْتَرَضَ النَّقْشَوَانِيُّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا فُسِّرَتْ بِالْمُعَرِّفِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ الِاسْمِ عِلَّةً؟ فَإِنَّ فِيهِ تَعْرِيفًا، وَقَوَّاهُ الْقَرَافِيُّ بِمَا إذَا قُلْنَا: إنَّ مُجَرَّدَ الطَّرْدِ كَافٍ فِي الْعِلَّةِ، وَيَصْعُبُ مَعَ اشْتِرَاطِ الْمُنَاسِبِ. وَمَا ادَّعَى الْإِمَامُ فِيهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ تَبِعَهُ فِيهِ الْهِنْدِيُّ فِي النِّهَايَةِ.
وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَوْا، فَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ، وَهِيَ وُجُوهٌ لِأَصْحَابِنَا:
أَحَدُهَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَهُوَ رَأْيُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا: وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَقُّ كَقَاتِلٍ وَسَارِقٍ، وَالِاسْمِ الَّذِي هُوَ لَقَبٌ كَحِمَارٍ وَفَرَسٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: لِأَنَّهُ بَوْلٌ فَشَابَهُ بَوْلَ الْآدَمِيِّ (انْتَهَى) وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ إلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْقَائِسِينَ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ كَلْبٌ، قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمَنْعِ مِنْ ضَمِّ الْقُطْنِيَّةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَوَاتِ: إنَّهَا حُبُوبٌ مُنْفَرِدَةٌ بِأَسْمَاءٍ مَخْصُوصَةٍ. وَقَاسَهَا عَلَى التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَإِذَا جَعَلَ افْتِرَاقَهَا فِي الِاسْمِ عِلَّةً
стр. 2797
لِافْتِرَاقِهَا فِي الْحُكْمِ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقُهَا فِي الِاسْمِ عِلَّةً، لِاتِّفَاقِهَا فِي الْحُكْمِ، وَقَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ فِي الْمَنْعِ مِنْ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ مَسْحٌ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي زَكَاةِ الْعَوَامِلِ: إنَّهَا تَعُمُّ قِيَاسًا عَلَى السَّائِمَةِ (انْتَهَى) وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَ (الثَّانِي) الْمَنْعُ لَقَبًا وَمُشْتَقًّا. وَ (الثَّالِثُ) التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُشْتَقِّ فَيَجُوزُ، وَبَيْنَ اللَّقَبِ فَلَا، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي التَّبْصِرَةِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعُدَّةِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي التَّقْرِيبِ. وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي بَابِ الرِّبَا فِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الرِّبَوِيِّ الطُّعْمُ: الْحُكْمُ مَتَى عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ مَعْنًى يَصِيرُ مَوْضِعُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً. وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ وَجْهًا أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِشَرْطِ الْإِخَالَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ، وَنَسَبَهُ لِلْحَنَفِيَّةِ. وَهَذَا يَقْتَضِي (مَذْهَبًا رَابِعًا) وَهُوَ التَّفْصِيلُ فِي الْمُشْتَقِّ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ ": إنْ كَانَ الِاسْمُ يُفِيدُ مَعْنًى فِي الْمُسَمَّى جَازَ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَقَبًا فَفِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهِ قَوْلَانِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ: إنْ كَانَ الْوَصْفُ اسْمًا مُشْتَقًّا فَلَا شَكَّ فِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْمَ جِنْسٍ، كَبَغْلٍ وَحِمَارٍ وَدَابَّةٍ وَدَارٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازَ. وَ (الثَّانِي) الْمَنْعُ كَالْوَصْفِ مِنْ اسْمٍ وَلَقَبٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَفِي الْأُمِّ: فِي بَوْلِ الْحَيَوَانِ تَعْلِيقُ حُكْمٍ بِاسْمٍ (قَالَ) : وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ لَكَانَ جَائِزًا، فَإِذَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُعَلِّلُ فَكَذَلِكَ (انْتَهَى) وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ. أَمَّا الْمَنْصُوصَةُ مِنْ الشَّارِعِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي بُيُوعِ الْحَاوِي: يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ، كَعَاقِلٍ وَقَاتِلٍ وَوَارِثٍ، وَبِالِاسْمِ إذَا عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْجِنْسِ، كَمَا جَازَ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ فِي نَجَاسَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: لِأَنَّهُ بَوْلٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا قِيَاسًا عَلَى بَوْلِ الْآدَمِيِّ.
стр. 2798
وَقَالَ فِي الْقَوَاطِعِ: وَأَمَّا جَعْلُ الِاسْمِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّ الِاسْمَ ضَرْبَانِ: اسْمُ اشْتِقَاقٍ، وَاسْمُ لَقَبٍ. فَأَمَّا الْمُشْتَقُّ فَضَرْبَانِ:
(أَحَدُهُمَا) مَا اُشْتُقَّ مِنْ فِعْلٍ كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ، اُشْتُقَّ مِنْ الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، فَيَجُوزُ جَعْلُهُ عِلَّةً فِي قِيَاسِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَلًا لِلْأَحْكَامِ.
وَ (ثَانِيهِمَا) مَا اُشْتُقَّ مِنْ صِفَةٍ كَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، مُشْتَقٌّ مِنْ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، فَهَذَا مِنْ بَابِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ. فَمَنْ جَعَلَهُ حُجَّةً جَوَّزَ التَّعْلِيلَ. وَقَدْ قَالَ ﵇: «فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ» فَجَعَلَ السَّوَادَ عِلَّةً لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ، فَأَمَّا اللَّقَبُ فَضَرْبَانِ:
(أَحَدُهُمَا) مُسْتَعَارٌ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلَا يَدْخُلُهُ حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ، لِأَنَّهُ قَدْ يَنْقُلُ اسْمَ زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو وَعَمْرٍو إلَى زَيْدٍ، فَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهَذَا الِاسْمِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَجَوَازِ انْتِقَالِهِ. وَ (ثَانِيهِمَا) لَازِمٌ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ. وَقَدْ حَكَى الْأَصْحَابُ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهَا وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ بِالْأَسَامِي مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الطَّرْدَ. وَأَمَّا الْأَسَامِي الْمُشْتَقَّةُ فَالتَّعْلِيلُ بِمَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَا بِنَفْسِ الِاسْمِ (انْتَهَى) وَهُوَ تَفْصِيلٌ لَا مَزِيدَ عَلَى حَسَنِهِ. فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ لِلْإِمَامِ سَلَفٌ فِي دَعْوَاهُ الِاتِّفَاقَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ مَا نَصُّهُ: اتَّفَقُوا عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ إذَا اقْتَصَرْت بِهَا عَلَى الِاسْمِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ إذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ تَعَلَّقَ بِهِ،
стр. 2799
كَالرَّجُلِ يَسْأَلُ عَنْ بَيْعِ الْكَلْبِ فَيُقَالُ: لِأَنَّهُ كَلْبٌ قِيَاسًا عَلَى مَا لَا نَفْعَ فِيهِ، أَوْ عَلَى الْقُصُورِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ خِلَافًا بَعْدُ. هَذَا لَفْظُهُ مَعَ أَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ حَكَى وَجْهَيْنِ فِي التَّعْلِيلِ بِالِاسْمِ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا تَحْمِلُ كَلَامَ الْإِمَامِ، عَلَى الْمُشْتَقِّ أَوْ اللَّقَبِ؟ قُلْت: أَحْمِلُهُ عَلَى اللَّقَبِ، لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ كَانَ مُعَلَّلًا بِمَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُنَا مُرَادُهُ الِاسْمُ الَّذِي لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ. نَعَمْ الْخِلَافُ جَارٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا.
وَ (مِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفُهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا عِنْدَ قَوْمٍ لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقَوْلِنَا: حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ فَيَبْطُلُ بَيْعُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَدُورُ مَعَ الْحُكْمِ الْآخَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَالدَّوَرَانُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُجْعَلَ حُكْمٌ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ آخَرَ بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: رَأَيْتُمُونِي أُثْبِتُ الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ فِي الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَاعْلَمُوا أَنِّي أُثْبِتُ الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ فِيهَا أَيْضًا. وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ إنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْأُصُولِيِّينَ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ (قَالَ) وَقَدْ قَاسَ الشَّافِعِيُّ رَقَبَةَ الظِّهَارِ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي الْقَتْلِ، وَفِي أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ فِيهِمَا، بِأَنَّ
стр. 2800
كُلَّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ بِالْعِتْقِ، وَقَالَ فِي زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ: لِأَنَّهُ مَالِكٌ تَامُّ الْمِلْكِ، وَقَالَ فِي الذِّمِّيِّ: يَصِحُّ ظِهَارُهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ كَالْمُسْلِمِ، وَقَاسَ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ فِي النِّيَّةِ بِأَنَّهُمَا طُهْرَانِ عَنْ حَدَثٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ فِطْرٍ مَعْصِيَةٌ فِيهَا الْكَفَّارَةُ كَالْفِطْرِ بِالْوَطْءِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: الْمَنِيُّ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَدَنِ كَالْبَوْلِ (انْتَهَى) .
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ حُكْمُ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً كَقَوْلِنَا: حَرُمَ الرِّبَا لِأَنَّهُ رِبًا، حَرُمَ الْأَكْلُ لِأَنَّهُ أَكْلٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ الشَّيْءُ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ هَذَا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي تَحْرِيمِ هَذَا تَحْرِيمَ غَيْرِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: الْعِلَّةُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْوَاطِئِ إيجَابُهَا عَلَى الْقَاتِلِ وَتَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا: مِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَبَاهُ. وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِيمَا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ، لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا حُكْمٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] وَالظُّلْمُ هُوَ اسْمُ حُكْمٍ. وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْعِلَّةِ مِنْ حَيْثُ الْمُلَازَمَةُ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ تَقْتَضِي حُكْمَيْنِ، فَإِذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا اسْتَدْلَلْنَا بِوُجُودِهِ عَلَى وُجُودِهَا ثُمَّ عَلَى وُجُودِ الْحُكْمِ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةُ تَلَازُمِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ: الْمُخْتَارُ أَنَّ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ عِلَّةً شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى (الْأَمَارَةِ) لَا فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ بَلْ فِي غَيْرِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ: إذَا عَرَفْتُمْ أَنِّي حَكَمْت بِإِيجَابِ كَذَا فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا. وَإِنَّمَا امْتَنَعَ فِي أَصْلِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى (الْبَاعِثِ) ، فَإِنْ كَانَ بَاعِثًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ كَتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ يَقْتَضِيهَا حُكْمُ الْأَصْلِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ
стр. 2801
لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَلَا، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَهُوَ تَحَكُّمٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَلَمَّا يُخَصَّصُ بِالْمَصْلَحَةِ دُونَ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ؟
تَنْبِيهٌ
الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقَوْلِنَا فِي إثْبَاتِ الْحَيَاةِ فِي الشَّعْرِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالطَّلَاقِ وَيَحِلُّ بِالنِّكَاحِ فَيَكُونُ حَيًّا كَالْيَدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِلَّةِ الْمُعَرِّفُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ فَأَمَّا إذَا فَسَّرْنَاهَا بِالْمُوجِبِ وَالدَّاعِي امْتَنَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْمَنْعَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لَا نَرْتَضِيهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَبَاطِلٌ، وَكَلَامُ الْعَبْدَرِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُسْتَنْبَطِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَالُ لِلْمَانِعِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ: إنْ أَرَدْت بِهِ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُهُ الْمُجْتَهِدُ فَقَوْلُك صَحِيحٌ وَلَسْنَا نَنْفِيهِ، وَإِنْ أَرَدْت الْحُكْمَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ الشَّارِعِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْحُكْمَ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرًا بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَهِيَ الشَّرَفُ وَالْخِسَّةُ، وَالْكَمَالُ وَالنَّقْصُ وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَّا لَجَازَ أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ الْمُعَرِّفُ حَاصِلًا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ.
стр. 2802
وَ (مِنْهَا) شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفٍ، كَالْإِسْكَارِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِلْقِصَاصِ. وَنَسَبَهُ الْهِنْدِيُّ لِلْمُعْظَمِ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ الْقَيَّاسِينَ وَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِالْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِيَّةِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَجُوزُ تَرْكِيبُهَا مِنْ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ (قَالَ) : وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا (قَالَ) : وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ امْتَنَعَ مِنْ تَرْكِيبِهَا الْأَشْعَرِيُّ وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّرْكِيبِ فَقِيلَ لَا يَتَعَدَّى خَمْسَةً، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَنَصَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِ شَرْحِ التَّرْتِيبِ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ زَادُوا فِي الْعِلَّةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْصَافٍ، بَلْ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَةً اسْتَثْقَلُوهَا وَلَمْ يُتَمِّمُوهَا وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: أَقْوَاهَا مَا تَرَكَّبَ مِنْ وَصْفَيْنِ ثُمَّ يَلِيهِ الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ الْخَمْسَةُ وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ زِيَادَةً عَلَيْهِ.
وَيَخْرُجُ ذَلِكَ عَنْ الْأَقْسَامِ وَالضَّبْطِ إذَا كَثُرَتْ الْأَوْصَافُ. وَحَكَى فِي الْمَحْصُولِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عَلَى سَبْعَةٍ لَكِنْ نَقَلَ فِي رِسَالَتِهِ " الْبَهَائِيَّةِ " عَنْهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ. نَعَمْ، قَوْلُ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعَةِ مَحْكِيٌّ أَيْضًا، حَكَاهُ ابْنُ الْفَارِضِ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا أَعْرِفُ لَهُ حُجَّةً. وَقَالَ صَاحِبُ
стр. 2803
التَّنْقِيحِ: غَايَةُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ سَبْعَةٌ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: مَنْ كَانَ بِقُرْبِ مِصْرٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ، إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ حُرٌّ، مُسْلِمٌ، صَحِيحٌ، مُقِيمٌ، فِي مَوْطِنٍ يَبْلُغُهُ النِّدَاءُ، فِي مَوْضِعٍ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ كَالْمُقِيمِ فِي مِصْرٍ (قَالَ) وَهَذَا يَتَضَمَّنُ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ تَرْتِيبَهَا عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ: وَإِنَّمَا قَدَّمَ مَا قَلَّ وَصْفُهُ عَلَى مَا كَثُرَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ فِيمَا كَثُرَ وَصْفُهُ إلَى زِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازِ الْخَطَأِ وَسَلَامَةِ مَا قَلَّ وَصْفُهُ فِي أَحَدِ مَوَاضِعِهِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وَالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ الصَّرِيحِ وَالْمُحْتَمَلِ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ. وَقَالَ إلْكِيَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ أَوْصَافًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَفِيهِ إخَالَةٌ، ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي إفْرَادَ كُلِّ وَصْفٍ بِالتَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَخِيلًا كَفَى ذَلِكَ. وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ أَنَّ الْوَصْفَ مَخِيلُ، لَكِنْ يَجِبُ أَلَّا يَكْتَفِيَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْإِخَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَصْفٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَصْفًا وَالْآخَرُ مَخِيلًا وَإِنَّمَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَخِيلًا بِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ أَصْلًا وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ فِي الْعِلَّةِ لِتَعْظِيمِ وَقْعِهَا، أَوْ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ فَيَكُونُ عَلَمًا مَحْضًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُلَقَّبُ بِالشَّرْطِ وَالشَّرْطُ الْعَلَامَةُ.
[فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا فِي الْقِيَاسِ]
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَسْتَشْكِلُ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلزِّيَادَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ، أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّجْوِيزِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَقَدْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الرِّبَا فِي الْأَرْبَعَةِ بِكَوْنِهَا مَطْعُومَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَأَضَافَ فِي الْقَدِيمِ إلَى ذَلِكَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَزَيَّفَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا اسْتَقَلَّتْ بِوَصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا وَصْفٌ ثَالِثٌ، لِأَنَّ الْوَصْفَ فِي الْعِلَّةِ إنَّمَا يُذْكَرُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ كَانَ ذِكْرُهُ لَغْوًا. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ
стр. 2804
فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ إذَا تَقَابَلَتْ الْعِلَّتَانِ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ أَوْصَافًا مِنْ الْأُخْرَى فَالْقَلِيلَةُ أَوْلَى بِإِجْمَاعِ النُّظَّارِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ (قَالَ) وَلَوْ جَازَ أَنْ يَزِيدَ الْوَاحِدُ وَصْفًا بَعْدَ اسْتِقَامَةِ الْعِلَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لَجَازَ أَنْ يَزِيدَ خَمْسَةَ أَوْصَافٍ وَعَشَرَةً، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْعِلَّةَ كُلَّمَا زَادَتْ أَوْصَافُهَا ضَعُفَتْ، وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَوِيَتْ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى كَثْرَةِ الْأَوْصَافِ لِبُعْدِ الْفَرْعِ عَنْهُ، وَقِلَّةُ الْأَوْصَافِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ وَمَنْ بَعُدَ، لَمَّا كَانَ ابْنُ الْعَمِّ لَا يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ تَوَسَّطُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ اللَّذَيْنِ يُدْلِيَانِ إلَيْهِ بِأَنْفُسِهِمَا.
وَأَيْضًا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ كُلَّمَا كَثُرَتْ فِي الْعِلَّةِ قَلَّتْ الْفُرُوعُ، أَلَا تَرَى مَنْ ضَمَّ وَصْفَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إلَى الطُّعْمِ أَسْقَطَ الرِّبَا عَنْ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ مَعَ الْقَاصِرَةِ، ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ عَلَى الْجَدِيدِ مُرَكَّبَةً مِنْ الْجِنْسِ وَالطُّعْمِ (قَالَ) : وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَسِيطَةٌ وَهِيَ الطُّعْمُ وَأَمَّا الْجِنْسُ فَحَمْلُ الْحُكْمِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَعَلُّقِ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ الشِّدَّةَ مَحَلٌّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَيْسَتْ الْخَمْرُ عِلَّةً لِوُجُودِ الشِّدَّةِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ جَوَازِ كَوْنِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ عِلَّةً، فَإِنَّ اسْتِقْرَارَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْقِصَاصِ وَاجِبًا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الرِّبَا جَارِيًا فِي الْمَطْعُومِ بِجِنْسِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِذَلِكَ، بَلْ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا بِشَرْطِ الْآخَرِ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى إطْلَاقِهَا بَلْ بِعُقُودٍ مُعْتَبَرَةٍ فِيهَا، وَاسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَيَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى كَوْنِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ تَعَبُّدِيَّةً، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، أَوْ تَجْوِيزُ اسْتِخْرَاجِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 2805
فَائِدَةٌ
الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا قَلَّتْ مَعْلُولَاتُهَا، وَإِذَا قَلَّتْ كَثُرَتْ. ذَكَرَهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ إلْكِيَا. وَنَظِيرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْحَدِّ نُقْصَانٌ فِي الْمَحْدُودِ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي الْمَحْدُودِ.
وَ (مِنْهَا) أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَمَلِ.
وَ (مِنْهَا) الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْمٍ، مِنْهُمْ الْمَرْوَزِيِّ فِي جَدَلِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ، لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَلِأَنَّ سَائِرَ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ إبَاحَةَ وَطْءِ الْحَائِضِ عَلَى الطُّهْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: تَطَهَّرْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَجَازَ الْوَطْءُ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ الْعَقْدِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا عَلَى أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا قَالَتْ: تَزَوَّجْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ قَوْلُهَا إلَّا الظَّنَّ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا قَامَ عَلَى الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْقَاطِعَ لَا يَخْتَصُّ دَلَالَتُهُ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَظْنُونِ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ. وَتَوَسَّطَ الْمُقْتَرَحُ فَقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ وَصْفًا حَقِيقِيًّا كَالْإِسْكَارِ، أَمَّا الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ فَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحُصُولِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْعُرْفِيِّ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الشَّرْعِيِّ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ.
وَ (مِنْهَا) حُصُولُ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ. هَكَذَا شَرَطَ بَعْضُهُمْ. وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ حَصَلَ الْغَرَضُ.
وَ (مِنْهَا) أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ. وَالْحَقُّ جَوَازُهَا لِجَوَازِ أَنْ
следующие страницы →