← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَلَا، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَهُوَ تَحَكُّمٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، فَلَمَّا يُخَصَّصُ بِالْمَصْلَحَةِ دُونَ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ؟ تَنْبِيهٌ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، كَقَوْلِنَا فِي إثْبَاتِ الْحَيَاةِ فِي الشَّعْرِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالطَّلَاقِ وَيَحِلُّ بِالنِّكَاحِ فَيَكُونُ حَيًّا كَالْيَدِ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعِلَّةِ الْمُعَرِّفُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ فَأَمَّا إذَا فَسَّرْنَاهَا بِالْمُوجِبِ وَالدَّاعِي امْتَنَعَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْمَنْعَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لَا نَرْتَضِيهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَبَاطِلٌ، وَكَلَامُ الْعَبْدَرِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُسْتَنْبَطِ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُقَالُ لِلْمَانِعِ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ: إنْ أَرَدْت بِهِ الْحُكْمَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُهُ الْمُجْتَهِدُ فَقَوْلُك صَحِيحٌ وَلَسْنَا نَنْفِيهِ، وَإِنْ أَرَدْت الْحُكْمَ الَّذِي صَدَرَ عَنْ الشَّارِعِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ذَلِكَ الْحُكْمَ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرًا بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ: يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَهِيَ الشَّرَفُ وَالْخِسَّةُ، وَالْكَمَالُ وَالنَّقْصُ وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَإِلَّا لَجَازَ أَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ الْمُعَرِّفُ حَاصِلًا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ.

стр. 2802

وَ (مِنْهَا) شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفٍ، كَالْإِسْكَارِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِلْقِصَاصِ. وَنَسَبَهُ الْهِنْدِيُّ لِلْمُعْظَمِ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ الْقَيَّاسِينَ وَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِالْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِيَّةِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: لَا يَجُوزُ تَرْكِيبُهَا مِنْ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ (قَالَ) : وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا (قَالَ) : وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ امْتَنَعَ مِنْ تَرْكِيبِهَا الْأَشْعَرِيُّ وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّرْكِيبِ فَقِيلَ لَا يَتَعَدَّى خَمْسَةً، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ الْحَنَفِيِّ، وَنَصَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِ شَرْحِ التَّرْتِيبِ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ زَادُوا فِي الْعِلَّةِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْصَافٍ، بَلْ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَةً اسْتَثْقَلُوهَا وَلَمْ يُتَمِّمُوهَا وَقَالَ فِي كِتَابِهِ: أَقْوَاهَا مَا تَرَكَّبَ مِنْ وَصْفَيْنِ ثُمَّ يَلِيهِ الثَّلَاثَةُ، ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ الْخَمْسَةُ وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ زِيَادَةً عَلَيْهِ. وَيَخْرُجُ ذَلِكَ عَنْ الْأَقْسَامِ وَالضَّبْطِ إذَا كَثُرَتْ الْأَوْصَافُ. وَحَكَى فِي الْمَحْصُولِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا عَلَى سَبْعَةٍ لَكِنْ نَقَلَ فِي رِسَالَتِهِ " الْبَهَائِيَّةِ " عَنْهُ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ عَنْ حِكَايَةِ الشَّيْخِ. نَعَمْ، قَوْلُ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعَةِ مَحْكِيٌّ أَيْضًا، حَكَاهُ ابْنُ الْفَارِضِ فِي كِتَابِهِ عَنْ جَمَاعَةٍ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا أَعْرِفُ لَهُ حُجَّةً. وَقَالَ صَاحِبُ

стр. 2803

التَّنْقِيحِ: غَايَةُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ سَبْعَةٌ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: مَنْ كَانَ بِقُرْبِ مِصْرٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُضُورُ، إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ حُرٌّ، مُسْلِمٌ، صَحِيحٌ، مُقِيمٌ، فِي مَوْطِنٍ يَبْلُغُهُ النِّدَاءُ، فِي مَوْضِعٍ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ كَالْمُقِيمِ فِي مِصْرٍ (قَالَ) وَهَذَا يَتَضَمَّنُ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ. وَلَمَّا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ تَرْتِيبَهَا عَلَى مَا سَبَقَ قَالَ: وَإِنَّمَا قَدَّمَ مَا قَلَّ وَصْفُهُ عَلَى مَا كَثُرَ مِنْهُ لِلْحَاجَةِ فِيمَا كَثُرَ وَصْفُهُ إلَى زِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازِ الْخَطَأِ وَسَلَامَةِ مَا قَلَّ وَصْفُهُ فِي أَحَدِ مَوَاضِعِهِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وَالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ الصَّرِيحِ وَالْمُحْتَمَلِ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ. وَقَالَ إلْكِيَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ أَوْصَافًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَفِيهِ إخَالَةٌ، ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي إفْرَادَ كُلِّ وَصْفٍ بِالتَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَخِيلًا كَفَى ذَلِكَ. وَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ أَنَّ الْوَصْفَ مَخِيلُ، لَكِنْ يَجِبُ أَلَّا يَكْتَفِيَ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْإِخَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَصْفٌ وَاحِدٌ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَصْفًا وَالْآخَرُ مَخِيلًا وَإِنَّمَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَخِيلًا بِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي الْحُكْمِ أَصْلًا وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ فِي الْعِلَّةِ لِتَعْظِيمِ وَقْعِهَا، أَوْ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ فَيَكُونُ عَلَمًا مَحْضًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُلَقَّبُ بِالشَّرْطِ وَالشَّرْطُ الْعَلَامَةُ. [فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا فِي الْقِيَاسِ] تَنْبِيهٌ: قَدْ يَسْتَشْكِلُ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلزِّيَادَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ، أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّجْوِيزِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَقَدْ عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ الرِّبَا فِي الْأَرْبَعَةِ بِكَوْنِهَا مَطْعُومَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَأَضَافَ فِي الْقَدِيمِ إلَى ذَلِكَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَزَيَّفَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا اسْتَقَلَّتْ بِوَصْفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا وَصْفٌ ثَالِثٌ، لِأَنَّ الْوَصْفَ فِي الْعِلَّةِ إنَّمَا يُذْكَرُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهُ كَانَ ذِكْرُهُ لَغْوًا. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ

стр. 2804

فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ إذَا تَقَابَلَتْ الْعِلَّتَانِ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ أَوْصَافًا مِنْ الْأُخْرَى فَالْقَلِيلَةُ أَوْلَى بِإِجْمَاعِ النُّظَّارِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ (قَالَ) وَلَوْ جَازَ أَنْ يَزِيدَ الْوَاحِدُ وَصْفًا بَعْدَ اسْتِقَامَةِ الْعِلَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ لَجَازَ أَنْ يَزِيدَ خَمْسَةَ أَوْصَافٍ وَعَشَرَةً، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا، لِأَنَّ الْعِلَّةَ كُلَّمَا زَادَتْ أَوْصَافُهَا ضَعُفَتْ، وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَوِيَتْ، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى كَثْرَةِ الْأَوْصَافِ لِبُعْدِ الْفَرْعِ عَنْهُ، وَقِلَّةُ الْأَوْصَافِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ وَمَنْ بَعُدَ، لَمَّا كَانَ ابْنُ الْعَمِّ لَا يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ تَوَسَّطُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ اللَّذَيْنِ يُدْلِيَانِ إلَيْهِ بِأَنْفُسِهِمَا. وَأَيْضًا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ كُلَّمَا كَثُرَتْ فِي الْعِلَّةِ قَلَّتْ الْفُرُوعُ، أَلَا تَرَى مَنْ ضَمَّ وَصْفَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إلَى الطُّعْمِ أَسْقَطَ الرِّبَا عَنْ الْمَطْعُومَاتِ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ، كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ مَعَ الْقَاصِرَةِ، ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ مِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ عَلَى الْجَدِيدِ مُرَكَّبَةً مِنْ الْجِنْسِ وَالطُّعْمِ (قَالَ) : وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا بَسِيطَةٌ وَهِيَ الطُّعْمُ وَأَمَّا الْجِنْسُ فَحَمْلُ الْحُكْمِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي تَعَلُّقِ الْحُكْمِ كَمَا أَنَّ الشِّدَّةَ مَحَلٌّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَيْسَتْ الْخَمْرُ عِلَّةً لِوُجُودِ الشِّدَّةِ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ جَوَازِ كَوْنِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ عِلَّةً، فَإِنَّ اسْتِقْرَارَ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْقِصَاصِ وَاجِبًا فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ كَوْنُ الرِّبَا جَارِيًا فِي الْمَطْعُومِ بِجِنْسِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِذَلِكَ، بَلْ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا بِشَرْطِ الْآخَرِ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ غَيْرُ ثَابِتٍ عَلَى إطْلَاقِهَا بَلْ بِعُقُودٍ مُعْتَبَرَةٍ فِيهَا، وَاسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَيَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى كَوْنِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ تَعَبُّدِيَّةً، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، أَوْ تَجْوِيزُ اسْتِخْرَاجِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

стр. 2805

فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا قَلَّتْ مَعْلُولَاتُهَا، وَإِذَا قَلَّتْ كَثُرَتْ. ذَكَرَهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ إلْكِيَا. وَنَظِيرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْحَدِّ نُقْصَانٌ فِي الْمَحْدُودِ وَالنُّقْصَانُ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي الْمَحْدُودِ. وَ (مِنْهَا) أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً مِنْ أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عِنْدَ قَوْمٍ. وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَمَلِ. وَ (مِنْهَا) الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْمٍ، مِنْهُمْ الْمَرْوَزِيِّ فِي جَدَلِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ، لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَلِأَنَّ سَائِرَ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ فَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ إبَاحَةَ وَطْءِ الْحَائِضِ عَلَى الطُّهْرِ بِقَوْلِهِ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ قَالَتْ الْمَرْأَةُ: تَطَهَّرْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَجَازَ الْوَطْءُ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ الْعَقْدِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا عَلَى أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا قَالَتْ: تَزَوَّجْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ قَوْلُهَا إلَّا الظَّنَّ. وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا قَامَ عَلَى الْعَمَلِ بِالظَّنِّ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ. وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الْقَاطِعَ لَا يَخْتَصُّ دَلَالَتُهُ فِي شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَظْنُونِ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ. وَتَوَسَّطَ الْمُقْتَرَحُ فَقَالَ: لَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا إلَّا إذَا كَانَتْ وَصْفًا حَقِيقِيًّا كَالْإِسْكَارِ، أَمَّا الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ فَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحُصُولِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْعُرْفِيِّ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الشَّرْعِيِّ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ. وَ (مِنْهَا) حُصُولُ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُودِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ. هَكَذَا شَرَطَ بَعْضُهُمْ. وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ حَصَلَ الْغَرَضُ. وَ (مِنْهَا) أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ. وَالْحَقُّ جَوَازُهَا لِجَوَازِ أَنْ

стр. 2806

يَكُونَ مَذْهَبُهُ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِنْ أَصْلٍ آخَرَ. وَ (مِنْهَا) أَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً فِي الْأَصْلِ أَيْ لَا يَكُونُ مَعَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى، ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ فِي مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. وَ (مِنْهَا) إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ وُجُودَ مَانِعٍ أَوْ انْتِفَاءَ شَرْطٍ فَشَرَطَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَصَاحِبُ التَّنْقِيحِ وُجُودَ الْمُقْتَضَى. وَالْمُخْتَارُ - وِفَاقًا لِلرَّازِيِّ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، كَقَوْلِنَا: الزَّكَاةُ لَا تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ بِدَلِيلِ عَدَمِهَا فِي اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ. ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ - وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ - هَذَا الْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَانِعِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْخِلَافُ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمَانِعِ حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِبَيَانِ الْمُقْتَضَى أَمْ لَا. وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ عَلَّلَ عَدَمَ الْحُكْمِ بِفَوَاتِ شَرْطٍ وَمَنَعَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَقَالَ بِمَجِيءِ الْخِلَافِ وَإِنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ، وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ التَّخْصِيصِ يَقُولُ: مَا يُسَمُّونَهُ بِالْمَانِعِ مُقْتَضٍ عِنْدِي لِلْحُكْمِ بِالْعَدَمِ، فَقَتْلُ الْمُكَافِئِ فِي غَيْرِ الْأَبِ هُوَ الْعِلَّةُ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ وَقَتْلُ الْأَبِ بِخُصُوصِهِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْإِيجَابِ، وَيَعُودُ حِينَئِذٍ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا. وَ (مِنْهَا) إذَا أَثَّرَتْ الْعِلَّةُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُصُولِ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أَصْلَ الْعِلَّةِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُهَا فِي الْأَصْلِ، قَالَهُ الشَّيْخُ فِي التَّبْصِرَةِ. مَسْأَلَةٌ فِي جَوَازِ تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ خِلَافٌ - حَكَاهُ ابْنُ فُورَكٍ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ - مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الْعِلَّةِ التَّعَدِّي فَمَنْ شَرَطَهُ مَنَعَهَا هُنَا، وَمَنْ جَوَّزَهُ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 2807

(أَحَدُهُمَا) لَا يَصِحُّ لِأَنَّ حَقَّ الْعِلَّةِ التَّأْثِيرُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ بَعْضَ الْأَوْصَافِ دُونَ بَعْضٍ، فَتَعْلِيلُهُ بِجَمِيعِهَا لَا يَصِحُّ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ جَمِيعَهَا مُؤَثِّرَةٌ جَازَ. و (الثَّانِي) يَصِحُّ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ لَا يَتَعَدَّى، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا. مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا - كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ - فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ إذَا احْتَاجَتْ إلَى تَقْدِيمِ أَسْبَابٍ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ كَالزِّنَى الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ بِشَرْطِ وُجُودِ الْإِحْصَانِ، وَتَكْمِيلِ جَلْدِ الزِّنَى مِائَةً بِشَرْطِ وُجُودِ الْحُرِّيَّةِ. فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: يَكُونُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، لِسُقُوطِهِ عِنْدَ عَدَمِ بَعْضِهَا كَمَا يَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ جَمِيعِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلَّةُ هِيَ الْوَصْفُ الْجَالِبُ لِلْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وَعَلَى هَذَا فَعِلَّةُ الرَّجْمِ وَتَكْمِيلِ الْحَدِّ وُجُودُ الزِّنَى دُونَ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِحْصَانِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الرَّأْيِ. وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَى وَشَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِالْحُرِّيَّةِ أَوْ بِالْإِحْصَانِ، وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ الْكُلُّ عَنْ شَهَادَتِهِمْ إنَّ الضَّمَانَ عَلَى شُهُودِ الزِّنَى دُونَ شُهُودِ الْإِحْصَانِ، وَقَالُوا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَمْسِ، فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَبْدَ كَانَ قَدْ جَنَى أَوَّلَ أَمْسِ، وَأَنَّ الْوَلِيَّ عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ، فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الدِّيَةَ وَجَعَلَهُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ، إنَّ ضَمَانَ الدِّيَةِ عَلَى شُهُودِ الْجِنَايَةِ وَضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى شُهُودِ الْعِتْقِ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَلْزَمَهُ الدِّيَةَ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلدِّيَةِ أَكْثَرَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ: إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَشَاهِدَانِ بِالْإِحْصَانِ فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ

стр. 2808

وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ سُدُسُ الدِّيَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَجْمُوعَ الْإِحْصَانِ وَالزِّنَى عِلَّةً لِلرَّجْمِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنْ رَجَعَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ فَعَلَيْهِمْ ثُلُثُ الدِّيَةِ، أَوْ شُهُودُ الزِّنَى فَثُلُثَاهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ شُهُودُ الزِّنَى غَيْرَ شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ فَإِنْ كَانَا مِنْ شُهُودِ الزِّنَى فَعَلَيْهِمَا بِرُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَةِ الْإِحْصَانِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَبِرُجُوعِهِمَا عَنْ شَهَادَةِ الزِّنَى ثُلُثَا الدِّيَةِ وَإِنْ شَهِدَ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الْإِحْصَانِ وَالزِّنَى فَالْحُكْمُ وَاضِحٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا إذَا كَانَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ غَيْرَ شُهُودِ الزِّنَى، فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ فَالدِّيَةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَقِيلَ: إنْ رَجَعُوا كُلُّهُمْ فَعَلَى هَؤُلَاءِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْآخَرِينَ النِّصْفُ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْأَوْصَافَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ. قُلْت: وَالرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ لَا يَغْرَمُونَ (قَالَ) : وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي شُهُودِ الْعِتْقِ وَشُهُودِ الْجِنَايَةِ فِي الْعَبْدِ فَإِذَا رَجَعُوا كُلُّهُمْ فَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ عَلَى شُهُودِ الْجِنَايَةِ، وَضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى شُهُودِ الْعِتْقِ، وَأَبْطَلَ أَبُو ثَوْرٍ الْعِتْقَ. مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَصْفًا لَازِمًا بِالْإِجْمَاعِ، كَتَعْلِيلِنَا تَحْرِيمَ الرِّبَا فِي الْمَطْعُومَاتِ بِإِمْكَانِ الطُّعْمِ مِنْهَا، وَكَتَعْلِيلِ أَهْلِ الرَّأْيِ تَحْرِيمَ النِّسَاءِ بِالْجِنْسِ وَحْدَهُ، نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا غَيْرَ لَازِمٍ لِلْمَعْلُومِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ أَوْصَافٍ بَعْضُهَا لَازِمٌ وَبَعْضُهَا ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ أَوْ الْعَادَةِ، كَتَعْلِيلِنَا فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْجِنْسِ، وَكَوْنُهُ نَقْدًا عَامًّا، وَالْجِنْسُ: وَصْفٌ لَازِمٌ، وَكَوْنُهُ عَامًّا: بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.

стр. 2809

مَسْأَلَةٌ قَالَ صَاحِبُ اللُّبَابِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفَيْنِ وَوُجِدَا عَلَى التَّعَاقُبِ، أَوْ شَرَطَ ذُو وَصْفَيْنِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْحُكْمُ مَنْسُوبٌ إلَى آخِرِ الْوَصْفَيْنِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الشَّرْطِ آخِرُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْأَثَرِ، وَيَرْجِعُ الْآخَرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعْقُبُ الْحُكْمَ. وَبَنَوْا عَلَى هَذَا مَسَائِلَ، مِنْهَا: شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ، لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ، وَالْمِلْكُ آخِرُهُمَا وُجُودًا، فَصَارَ الشِّرَاءُ مُعْتِقًا. وَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَ جَمَاعَةٌ فِي سَفِينَةٍ شَيْئًا فَغَرِقَتْ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى آخِرِهِمْ وَضْعًا، وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْمُثَلَّثِ حَرَامٌ إلَى حَالَةِ السُّكْرِ، ثُمَّ إذَا أَسْكَرَ الْقَدَحُ الْعَاشِرُ كَانَ هُوَ الْحَرَامُ لَا غَيْرُهُ، وَإِنْ حَصَلَ السُّكْرُ بِشُرْبِ الْجَمِيعِ، لَكِنَّ هَذَا آخِرُهَا وُجُودًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُضَافُ إلَى آخِرِهَا بَلْ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا جُزْءَا عِلَّةٍ. قُلْت: وَالْخِلَافُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيمَا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فِي دَفَعَاتٍ هَلْ يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا بِمَجْمُوعِ الثَّلَاثِ؟ وَجْهَانِ، وَفَائِدَتُهُمَا فِيمَا لَوْ شَهِدُوا بِالثَّالِثَةِ ثُمَّ رَجَعُوا هَلْ يَكُونُ الْغُرْمُ بِجُمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ أَوْ ثُلُثُهُ فَقَطْ. مَسْأَلَةٌ تَنْقَسِمُ الْعِلَّةُ إلَى مَا يُفِيدُ الْأَثَرَ فِي الْحَالِ، كَإِفْضَاءِ الْكَسْرِ إلَى الِانْكِسَارِ، وَالْحَرْقِ إلَى الْإِحْرَاقِ، وَإِلَى مَا يُفِيدُهُ فِي ثَانِي الْحَالِ، كَاقْتِضَاءِ الزِّرَاعَةِ وَالْغِرَاسَةِ حُصُولَ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ، وَكَإِفْضَاءِ الطَّلَاقِ [إلَى] حُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ تَارَةً تُفِيدُ الْمَعْلُولَ بِلَا شَرْطٍ وَهُوَ كَثِيرٌ، وَتَارَةً لَا تُفِيدُهُ إلَّا مَعَ الشَّرْطِ كَإِفْضَاءِ التَّعْلِيقِ [إلَى] وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ السَّابِقَ عَلَى الشَّرْطِ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا لِلْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ الْأَثَرُ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ مِنْهَا مَا يُفِيدُ الْمَعْلُولَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَسْرِ مَعَ الِانْكِسَارِ،

стр. 2810

وَتَارَةً لَا يُفِيدُهُ إلَّا بِوَاسِطَةٍ، كَاقْتِضَاءِ قَطْعِ الْيَدِ الزُّهُوقَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي السِّرَايَةِ، ثُمَّ تُفِيدُ السِّرَايَةَ أَثَرًا آخَرَ، أَوْ آثَارًا يَنْشَأُ مِنْهَا زُهُوقُ الرُّوحِ، وَمَتَى بَطَلَتْ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ بَطَلَ اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ الْمَعْلُولَ مِنْ حَيْثُ التَّحْقِيقُ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَسْتَدِلُّ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى عَلَى الْمَعْلُولِ الثَّانِي وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ انْتِفَاءُ الْوَاسِطَةِ، قَالَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِ الْفُصُولِ: وَهُوَ خَطَأٌ يَأْبَاهُ الْعَقْلُ (قَالَ) وَكَانَ شَيْخُنَا رُكْنُ الدِّينِ الطَّاوُسِيُّ يَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخْبَرَنَا وَسَطَ النَّهَارِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي مَوْضِعٍ عَلَّقَ رَجُلٌ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ عَلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ آخَرُ: يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ هُنَا، لِأَنَّ إخْبَارَ الرَّجُلِ اقْتَضَى غُرُوبَ الشَّمْسِ، وَغُرُوبُ الشَّمْسِ مُسْتَلْزِمٌ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ بِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الْإِخْبَارِ الْوُقُوعَ إنَّمَا كَانَ بِوَاسِطَةِ ثُبُوتِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ، فَلَمَّا بَطَلَتْ الْوَاسِطَةُ بَطَلَ الِاقْتِضَاءُ. مَسْأَلَةٌ الْعِلَّةُ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) مَا يَكُونُ عِلَّةً لِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ وَاسْتِدَامَتِهِ كَالرَّضَاعِ فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ، وَكَالْإِيمَانِ وَعَدَمِ الْمِلْكِ فِي الْمَنْكُوحَةِ. (الثَّانِي) مَا تَكُونُ عِلَّةً لِلِابْتِدَاءِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ، كَالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ هُمَا عِلَّتَانِ فِي مَنْعِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ، وَكَعَدِمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الْإِحْرَامِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الْقِسْمِ مِنْ أَحْكَامِ الْعِلَلِ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، مِنْهُمْ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ وَإِلْكِيَا وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُمْ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ

стр. 2811

وَنَقْضِهَا، وَالْعِدَّةُ وَالرِّدَّةُ إنَّمَا جُعِلَتَا عِلَّةً فِي مَنْعِ ابْتِدَاءِ عِلَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَهُمَا عِلَّةٌ فِي مَنْعِ ذَلِكَ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يُجْعَلَا عِلَّةً فِي مَنْعِ الِاسْتِدَامَةِ، فَلَا يُقَالُ: إنَّ اسْتِدَامَتَهُ تَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَشْبَهَهُ. (الثَّالِثُ) : عَكْسُهُ، كَالطَّلَاقِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُهُ، إذْ الطَّلَاقُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي هَذَا أَنَّ الْعِلَلَ عَلَى حَسَبِ مَا رَتَّبَهَا اللَّهُ وَنَصَبَهَا، فَإِنْ نَصَبَهَا لِلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا، كَانَتْ لَهُ. وَقَدْ أَطَالَ أَصْحَابُنَا الْكَلَامَ مَعَ الْمُزَنِيّ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى انْفِسَاخِهِ كَالِابْتِدَاءِ، وَنَاقَضَ فِي ذَلِكَ فَجَوَّزَهُ مَعَ ارْتِفَاعِ الْعَنَتِ وَهُوَ لَا يَحِلُّ فِي الِابْتِدَاءِ. فَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ مَا نَصَبَهُ تَعَالَى دُونَ الِاشْتِغَالِ بِأَعْيَانٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ مُضْطَرًّا فِي الِابْتِدَاءِ غَيْرَ مُضْطَرٍّ فِي الِانْتِهَاءِ، هَلْ يَأْكُلُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ؟ فَخَرَّجَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ يَأْكُلُ، وَ (الثَّانِي) لَا، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِلَّةُ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا: الشَّيْءُ إذَا أُبِيحَ لِمَعْنَيَيْنِ فَارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا هَلْ يُبَاحُ أَوْ يَرْجِعُ إلَى الضِّدِّ؟ وَقِيلَ: لَا حَتَّى يَرْتَفِعَ الْمَعْنَيَانِ جَمِيعًا. وَعِنْدَنَا أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى مَا نُصِبَ لَهُ قُلْت: وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ إذَا وَجَبَ بِعِلَّتَيْنِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ. مَسْأَلَةٌ فِي تَعَدُّدِ الْعِلَلِ مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَعَكْسِهِ: يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ الْمُخْتَلِفِ بِالْجِنْسِ لِشَخْصٍ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالِاتِّفَاقِ، كَتَعْلِيلِ إبَاحَةِ قَتْلِ

стр. 2812

زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ، وَعَمْرٍو بِالْقِصَاصِ، وَخَالِدٍ بِالزِّنَى وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ فِيهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ. وَلَا وَجْهَ لَهُ. وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلٌّ فِي إبَاحَةِ الدَّمِ، كَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إسْلَامٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ فِي شَخْصٍ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِهِ بِعِلَلٍ عَقْلِيَّةٍ، كَذَا قِيلَ، لَكِنْ لِأَهْلِ الْكَلَامِ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ثُمَّ قَالَ: اخْتَلَفُوا إذَا وَجَبَ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ بِعِلَّتَيْنِ، فَقِيلَ: لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِارْتِفَاعِهِمَا جَمِيعًا: وَقِيلَ: يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ إحْدَاهُمَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا عِلَلًا بِذَلِكَ مِنْ خَارِجٍ، هَلْ يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِهَا؟ كَمُحْصَنٍ زَنَى وَقَتَلَ، فَإِنَّ الزِّنَى يُوجِبُ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِهِ، فَهَلْ تُعَلَّلُ إبَاحَةُ دَمِهِ بِهِمَا مَعًا أَمْ لَا؟ وَكَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، هَلْ تُعَلَّلُ نَجَاسَتُهُ بِهِمَا مَعًا أَمْ لَا؟ وَكَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُحْرِمَةِ الْحَائِضِ عَلَى مَذَاهِبَ:

стр. 2813

أَحَدُهَا: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، مَنْصُوصَةً وَمُسْتَنْبَطَةً، وَبِهِ جَزَمَ الصَّيْرَفِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ مَذْهَبِهِمَا. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَنَظِيرُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ الْعُمُومِ فِي نَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْعُمُومِ الشَّرْعِيِّ وَالْحِسِّيِّ جَمِيعًا، فَإِنَّ انْتِفَاءَ الشَّرْعِيِّ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحِسِّيِّ لَا مَحَالَةَ، فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ اجْتِمَاعِهِمَا. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا نَقُولُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَلَ عَلَامَاتٌ وَأَمَارَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ، لَا مُوجِبَةٌ لَهَا، فَلَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. هَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ: إنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ: كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ مُصَرِّحٌ بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ عُمَرَ: نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ. وَتَقْدِيرُهُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ لِإِجْلَالِهِ لِذَاتِهِ وَتَعْظِيمِهِ، فَكَيْفَ وَهُوَ يَخَافُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ عَدَمُ عِصْيَانِهِ مُعَلَّلًا بِالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ فِي التَّعْلِيلِ وَيُقْصَرُ عَلَى إحْدَاهُمَا لِنُكْتَةٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ النُّفُوسَ لَا تَنْفِرُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَلْ تَحْرِيمُ الضِّعْفِ كَتَحْرِيمِهِ مُضَاعَفًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ قُبَيْلَ مَا جَاءَ فِي الصَّرْفِ ": " إذَا شُرِطَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ السَّقْيُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَالْمَبِيعُ فَاسِدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ وَلَوْ كَانَ مَعْلُومًا أَبْطَلْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ " انْتَهَى فَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ مَوْجُودٌ مَعَ الْجَهَالَةِ وَعَدَلَ عَنْ التَّعْلِيلِ بِهَا فِي الْحَالَتَيْنِ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِلْبُطْلَانِ

стр. 2814

بِالْجَهَالَةِ أَقْرَبُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْ تَعْلِيلِهِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَلَوْلَا هَذَا التَّنْزِيلُ لَكَانَ فِي هَذَا النَّصِّ لَمْحٌ لِمَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ، قُلْت: وَقَدْ قَالَ فِي، الْأُمِّ، وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ النَّاظِرِينَ: أَفَتَحْكُمُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ؟ ". قُلْت: نَعَمْ إذَا اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ قَالَ: فَاذْكُرْ مِنْهُ شَيْئًا، قُلْت: قَدْ يُقِرُّ الرَّجُلُ عِنْدِي عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ أَوْ لِبَعْضِ الْآدَمِيِّينَ فَآخُذُهُ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ لَا يُقِرُّ فَآخُذُهُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ، أَوْ لَا تَقُومُ عَلَيْهِ فَيُدَّعَى عَلَيْهِ فَآمُرُهُ أَنْ يَحْلِفَ فَيَمْتَنِعُ، فَآمُرُ خَصْمَهُ أَنْ يَحْلِفَ فَآخُذُهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَخَصْمُهُ إذَا أَتَى بِالْيَمِينِ الَّتِي تُبَرِّئُهُ ". انْتَهَى. وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَوَابُ أَحْمَدَ فِي خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ وَقَدْ احْتَجُّوا بِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ كَالنَّصِّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَادِثَةِ نَصَّانِ فَأَكْثَرُ، وَلِأَنَّهَا أَمَارَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَيَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأَمَارَاتِ. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ فِي الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكٍ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْمَنْصُوصَةِ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلِلْقَاضِي إلَيْهِ صَغْوٌ ظَاهِرٌ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ وَهَذَا هُوَ عُمْدَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي نَقْلِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي " مُخْتَصَرِهِ " عَنْ الْقَاضِي، فَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي التَّقْرِيبِ لَهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَإِنْ كَانَ أَطْلَقَ صَرِيحَ الْجَوَازِ فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ إطْلَاقًا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي الْوَسِيطِ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَوَائِدِ الْبَيْعِ: الْحُكْمُ الْوَاحِدُ قَدْ يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ تَنْزِيلِهِ عَلَى الْمَنْصُوصَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ مَا يُرِيدُهُ الْفَقِيهُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَصْفَيْنِ صَالِحٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ، وَمُرَادُهُ فِي الْمُسْتَصْفَى امْتِنَاعُ حُصُولِ الْعُرْفَانِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ، أَوْ التَّأْثِيرُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ وَالْحَاصِلُ

стр. 2815

أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي كُلِّ فَنٍّ بِحَسَبِهِ فَلَا تَظُنُّهُ تَنَاقُضًا. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ. حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِهِ لِلْبُرْهَانِ وَقَدْ اُسْتُغْرِبَتْ حِكَايَتُهُ، وَسَيَأْتِي لَهُ نَظِيرٌ فِي النَّقْضِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ: إنْ لَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا عِلَّةَ حُكْمِ الْأَصْلِ جَازَ، كَاسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ، وَفَسَادِ الصَّلَاةِ لِلْحَدَثِ وَالْكَلَامِ إذَا وُجِدَا مَعًا. وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا دَلِيلًا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاسَ بِهَا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ فَهِيَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِهِ: إنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لَوْ انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ صَحِيحَةً فَاجْتِمَاعُهُمَا غَيْرُ مُضِرٍّ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّعْلِيلِ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ الْإِيرَادُ يُبَيِّنُ جَانِبَ التَّعْلِيلِ وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ يَقَعُ الشَّكُّ فِي النَّفْسِ، فَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ لَا لِضِيقِ الْمَحَلِّ عَنْ الْعِلَلِ، فَأَمَّا الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا، وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُلَائِمُ فَيَنْبَنِي عَلَى قَبُولِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُرْسَلِ: فَمَنْ رَدَّهُ كَانَ تَعَدُّدُ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مُخِلًّا بِالشَّهَادَةِ، وَمِنْ قَبْلِهِ لَمْ يَضُرَّ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ حُكْمٌ عَلَى وَفْقِهِ، فَكَيْفَ إذَا وَرَدَ عَلَى الْوَفْقِ. وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ السَّكَنْدَرِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا الْخِلَافُ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيلِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَرَادَ مَعْنًى غَيْرَ مَا أَرَادَ الْآخَرُ فَلَا خِلَافَ. قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّعْلِيلِ نَصْبُ الْأَمَارَةِ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْلِيلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ

стр. 2816

فَهُوَ جَائِزٌ فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَيْثُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صُورَةٍ لِعِلَّةٍ، فَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِلَلٍ كُلٌّ مِنْهَا مُسْتَقِلَّةٌ فِيهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ. انْتَهَى. التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْوُقُوعِ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ وَاقِعٍ، وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ الْعَقْلِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: لَيْسَ مُمْتَنِعًا عَقْلًا وَتَسْوِيغًا وَنَظَرًا إلَى الْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ شَرْعًا. وَجَرَى عَلَيْهِ إلْكِيَا وَقَالَ: إنَّ الْمَانِعَ لَهُ اسْتِقْرَاءُ عُرْفِ الشَّرْعِ لَا الْعَقْلِ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ: إنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْإِمَامِ - أَخِيرًا هُوَ الْمَنْعُ يَعْنِي كَمَا نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ وَحَكَى الْهِنْدِيُّ قَوْلًا عَكْسَ مَقَالَةِ الْإِمَامِ فَقَالَ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَجُوزُ عَقْلًا وَلَمْ يَقَعْ سَمْعًا، وَقِيلَ بِعَكْسِهِ. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ بِوُقُوعِهِ إنْ دَلَّ عَلَيْهِ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ وَإِلَّا فَلَا لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ، فَلَا يَحْكُمُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا إلَّا بِدَلِيلٍ. وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَوْ اجْتَمَعَتْ كَاللَّمْسِ وَالْمَسِّ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ قَوْمٌ: كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءُ عِلَّةٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ حَذَرًا مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إذَا جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَحَكَى هَذَا الْخِلَافَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ. وَالْمَعْرُوفُ اتِّفَاقُ الْمُجَوِّزِينَ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ. نَعَمْ، قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: اتَّفَقُوا عِنْدَ التَّرْتِيبِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْأُولَى فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً، وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ - وَهُوَ مِنْ الْمَانِعِينَ - إنْ قِيلَ: لَوْ وُجِدَتْ الْعِلَّتَانِ فِي حُكْمٍ فَمَاذَا يَعْمَلُ؟ قِيلَ: لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا عِلَّةً

стр. 2817

بَاطِلَةً، أَوْ إحْدَاهُمَا رَاجِحَةً، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّنَافِي، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ تَسَاوِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانٌ انْتَهَى. ثُمَّ الَّذِينَ مَنَعُوا الِاجْتِمَاعَ فِي الْعِلَّةِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَأْخَذِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَفِي بِمُقْتَضَيَاتِ الْعِلَلِ، لِأَنَّ مُقْتَضَيَاتِهَا الْأَمْثَالُ، وَالْأَمْثَالُ - كَالْأَضْدَادِ - لَا تَجْتَمِعُ، فَعَلَى هَذَا يَمْتَنِعُ فِي الْمَنْصُوصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ يَفِي بِمُقْتَضَيَاتِهَا وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ شَهَادَةُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ هُوَ الْعِلَّةُ، أَوْ يَكُونَ الْعِلَّةُ بَعْضَ الْمَجْمُوعِ دُونَ بَعْضٍ، فَيَتَعَارَضُ الِاحْتِمَالَانِ فِي الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِقْلَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَعَلَى هَذَا يَجْتَمِعُ فِي الْمَنْصُوصَةِ وَيَمْتَنِعُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ لِلِاجْتِمَاعِ مِنْ نَاحِيَةِ مُقْتَضَاهَا فِي الِاعْتِذَارِ عَنْ مِثْلِ الْحَائِضِ الْمُحْرِمَةِ الصَّائِمَةِ. فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: مُقْتَضَيَاتُهَا أَحْكَامٌ عَدِيدَةٌ: قِيلَ: حُكْمٌ ذُو وَجْهَيْنِ، وَالتَّعَدُّدُ بِالْجِهَةِ كَالتَّعَدُّدِ بِالتَّعْيِينِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الْمَجْمُوعُ عِلَّةٌ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعِلَلَ لَا يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُهَا عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ مِنْ جِهَةِ مُقْتَضَيَاتِهَا وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ الشَّهَادَةِ لَهَا أَحْيَانًا، فَإِنْ الْتَبَسَتْ الشَّهَادَةُ لِأَعْدَادِهَا، كَمَا عَلَى صِحَّةِ الِاجْتِمَاعِ أَنَّ الْمُصَحَّحَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ - وَهُوَ انْتِظَامُ الْمَصْلَحَةِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ - حَاصِلٌ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَوْصَافِ بَلْ لِتَحْصُلَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مَصَالِحُ فَهُوَ بِالصِّحَّةِ أَوْلَى. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمَانِعُونَ إشْكَالًا وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ فَإِمَّا: [١] أَنْ يَثْبُتَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. [٢] أَوْ لَا شَيْءَ. [٣] أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا دُونَ شَيْءٍ، وَالْأَقْسَامُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ: أَمَّا [الْأَوَّلُ] فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ وَأَمَّا [الثَّانِي] فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ سَلْبُ الْعِلَّةِ عَنْ الْكُلِّ. وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِلْغَرَضِ. وَأَمَّا [الثَّالِثُ] فَيَلْزَمُ مِنْهُ الِاحْتِكَامُ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَاتِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. ثُمَّ يَلْزَمُ سَلْبُ الْعِلَّةِ فِيمَا فَرَضْنَاهُ عِلَّةً وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَجَابَ الْحُذَّاقُ بِاخْتِيَارِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: قَوْلُهُمْ يَلْزَمُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّ الْعِلَلَ

стр. 2818

الشَّرْعِيَّةَ مُعَرِّفَاتٌ وَوَقَفُوا هَاهُنَا. وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْمُنِيرِ: وَلِلْمَانِعِ أَنْ يُدِيرَ التَّقْسِيمَ مَعَ فَرْضِ كَوْنِهَا مُعَرِّفَاتٍ فَيَقُولُ؛ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْمُعَرِّفَةِ، فَعَلَى هَذَا إنَّمَا تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَثْبَتَتْ الْمَعْرِفَةَ بِالْحُكْمِ. أَوْ لَمْ يُثْبِتْ شَيْءٌ مِنْهَا الْمَعْرِفَةَ، أَوْ أَثْبَتَهَا الْبَعْضُ، فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ وَإِنَّمَا الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ حَصَلَ مِنْ إلْحَاقِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْعَقْلِيَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا نُسِبَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ أَوْ انْدَفَعَتْ مَفْسَدَةٌ، وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ امْتِنَاعَ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ يَكُونُ الْحُكْمُ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَوْصَافِ تَحْصُلُ مَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قِيلَ: الْخِلَافُ هَلْ يَجْرِي فِي التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ سَوَاءٌ، كَانَا مُتَعَاقِبَيْنِ أَمْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْمَعِيَّةِ؟ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ صَرِيحٌ فِي الْأَوَّلِ، وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ، وَيُسَاعِدُهُ تَمْثِيلُ الْغَزَالِيِّ بِمَنْ لَمَسَ وَبَالَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْآمِدِيُّ فِي جَوَابِ دَلِيلِ الْمَانِعِينَ. قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعِلَلِ ضَرْبَانِ مُتَقَارِنَةٌ وَمُتَعَاقِبَةٌ، فَالْمُتَعَاقِبَةُ تَجْتَمِعُ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَتْ لَأَوْجَبَتْ مِثْلَ ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُتَعَاقِبَةِ لَا تَجْتَمِعُ فِي الْوُجُودِ، وَإِنَّمَا يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ دَمِ الْحَيْضِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ، ثُمَّ يَرْتَفِعُ الدَّمُ وَيَبْقَى تَحْرِيمُ الْوَطْءِ، لِأَجْلِ عَدَمِ الطَّهَارَةِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي كِتَابِ النُّكَتِ: وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى الْجَمْعِ، وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ.

стр. 2819

الثَّانِي زَعَمَ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْنَعُ قِيَامَ وَصْفَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ لَاسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ، لَكِنْ هَلْ نَقُولُ: الْحُكْمُ مُضَافٌ إلَيْهِمَا أَمْ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ فِي الْمَحَلِّ حُكْمَانِ؟ [قَالَ] : وَيَجْتَمِعُ لِلْأَصْحَابِ فِيهَا أَرْبَعَةٌ: [أَحَدُهَا] تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُطْلَقًا. وَ [الثَّانِي] التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَنْصُوصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ. وَ [الثَّالِثُ] أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ حُكْمَا الْعِلَّتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَحْدَاثِ إذَا نَوَى أَحَدُهَا لَمْ يَرْتَفِعْ مَا عَدَاهُ. وَ [الرَّابِعُ] أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا كَانَتَا كَوَصْفَيْنِ، فَهُمَا هُنَاكَ عِلَّةٌ وَفِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ عِلَّتَانِ. وَالثَّالِثُ إذَا قُلْنَا: بِالْجَوَازِ فَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَتَنَافَيَا، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ بِأَنْ تَقْتَضِيَ إحْدَاهُمَا إثْبَاتَ حُكْمٍ وَالْأُخْرَى نَفْيَهُ، بَلْ وَيَتَضَادَّانِ بِالْإِجْمَاعِ كَتَعْلِيلِ الْبُرِّ أَنَّهُ مَكِيلٌ، وَبِأَنَّهُ قُوتٌ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا قَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُعَلَّلُ إلَّا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ التَّنَافِي، فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُتَعَدِّيَةً وَالْأُخْرَى قَاصِرَةً فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقِيلَ: يَتَنَافَيَانِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ، وَهَذَا إنْ قُلْنَا: إنَّ التَّعَدِّيَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، قَالَ الْبَاجِيُّ: هَذَا الْخِلَافُ جَارٍ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُتَّفِقَةً فِي التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ أَوْ بَعْضُهَا مُتَعَدٍّ وَبَعْضُهَا قَاصِرٌ انْتَهَى وَرَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ وَجُعِلَ مِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ: إذَا أَقْبَلَتْ الدُّنْيَا عَلَيْك فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى فَعَلَّلَ الْإِنْفَاقَ - وَهُوَ حُكْمٌ وَاحِدٌ - بِالْإِقْبَالِ

стр. 2820

وَالْإِدْبَارِ. وَقَالَ آخَرُ: إنْ كَانَ رِزْقُك قُسِمَ فَلَا تَتْعَبْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُسِمَ فَلَا تَتْعَبْ، فَعَلَّلَ تَرْكَ التَّعَبِ بِقَسْمِ الرِّزْقِ وَعَدَمِهِ. فَهَذِهِ الْعِلَّةُ وَإِنْ تَقَابَلَتْ وَتَضَادَّتْ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ مِنْ وَجْهٍ. الرَّابِعُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَثَّلَ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِهِ بِالْمَرْأَةِ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْإِحْرَامُ وَالْحَيْضُ وَالصَّوْمُ، وَغَلَّطَهُ الْإِبْيَارِيُّ لِاسْتِحَالَةِ مُجَامَعَةِ الصَّوْمِ شَرْعًا لِلْحَيْضِ، وَرَدَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْمُنِيرِ بِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي حَقِّ مَنْ انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَثَبَتَ الصَّوْمُ وَلَمْ تَغْتَسِلْ، وَهَذَا صَوْمٌ صَحِيحٌ وَحُكْمُ الْحَيْضِ - بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بَاقٍ حَتَّى تَغْتَسِلَ عَلَى الصَّحِيحِ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ. فَإِنْ قُلْت: الْحَيْضُ غَيْرُ مَوْجُودٍ حَقِيقَةً، قُلْت: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى صُورَتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اسْتِصْحَابِهِ حُكْمًا، كَمَا أَنَّ الْإِحْرَامَ عِلَّةٌ فِي إبْقَاءِ الْحَجِّ مَعْقُودًا لَا حُكْمُهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا وَصْفَانِ وَيَعْتَرِيهَا حَالَتَانِ مُقْتَضَيَانِ لِلتَّحْرِيمِ، إمَّا إحْرَامٌ وَحَيْضٌ أَوْ إحْرَامٌ وَصَوْمٌ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي الْبُرْهَانِ مَثَّلَ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بِعِلَّةِ الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ، وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ. فَمُرَادُهُ اجْتِمَاعُ وَصْفَيْنِ مِنْ ذَلِكَ كَالصِّيَامِ مَعَ الصَّلَاةِ، أَوْ الْإِحْرَامِ مَعَ الْحَيْضِ، لَا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ تَجْتَمِعُ. الْخَامِسُ الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ كَانَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، لَا بِعَيْنِهَا، عِلَّةً. حَذَرًا مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إذَا جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً.

стр. 2821

وَمِنْ اللَّطِيفِ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] : فَقِيلَ: فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْبَعْضِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الذَّنْبِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ كَافٍ فِي إهْلَاكِهِمْ. وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْعُقُوبَاتِ فَكَانَ بَعْضُ ذُنُوبِهِمْ يُوجِبُ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا، وَبَعْضُهَا يُوجِبُ عُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ. فَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ فِيهَا تَمَسُّكٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُسْتَقِلَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ تَكُونُ عِلَّةً مِنْهَا إذَا اجْتَمَعَتْ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ صَدَرَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُ كُلِّ سَبَبٍ مِنْهَا لَوْ انْفَرَدَ لَاسْتَقَلَّ بِالْهَلَاكِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أَنَّ السَّبَبَ مِنْهَا فِي الْإِصَابَةِ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْإِهْلَاكِ بَعْضُهَا، لَا كُلُّهَا وَالْبَاقِي فَاتَ مَحَلُّ تَأْثِيرِهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّبَبَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ. السَّادِسُ: قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ: فَإِنْ قِيلَ: إذَا اسْتَنْبَطَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَسُبِرَا فَصَحَّا مَا السَّبِيلُ فِي ذَلِكَ؟ قِيلَ: إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ كَدُخُولِ الْمَأْكُولِ الْمُدَّخَرِ فِي الْمَأْكُولِ غَيْرِ الْمُدَّخَرِ نُظِرَ فِي زِيَادَةِ الزَّائِدِ فَاعْتُبِرَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي تَعْلِيلِ الرِّبَوِيِّ. وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَيَانِ مُتَضَادَّيْنِ اُحْتِيجَ إلَى قِيَاسِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا لِيُعْلَمَ أَيُّهُمَا أَصَحُّ وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْيِيرِ النَّبِيِّ ﷺ بَرِيرَةَ لَمَّا عَتَقَتْ. قَالَ بَعْضُهُمْ: خَيَّرَهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ:

стр. 2822

بَلْ كَانَ حُرًّا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا أُبَالِي أَكَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَإِنَّمَا خَيَّرَهَا لِحُدُوثِ الْعِتْقِ، فَأَمَّا كَوْنُهُ حُرًّا أَوْ عَبْدًا فَيُدْرَكُ بِالْخَبَرِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ خَيَّرَهَا لِحُدُوثِ الْعِتْقِ فَهُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ عِلَّتُهُ وَعِلَّةُ مَنْ خَالَفَهُ إلَى قِيَاسِهِمَا عَلَى نَظِيرِهِمَا، لِيُعْلَمَ أَصَحُّهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْعِلَّةَ فَضْلُ الْحُرِّيَّةِ لِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الْحُرَّ عَلَى الْعَبْدِ، فَإِذَا حَدَثَ الْحُرِّيَّةُ حَدَثَ الْخِيَارُ لِلنَّقْصِ وَالْفَضْلِ، فَيَعْمَلُ فِي هَذَا الْبَابِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْعِلَّةِ الْمُعَارِضَةِ وَإِلَى مَا يُخَالِفُهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَصَحَّهُمَا. فَصْلٌ

стр. 2823

وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى (الْأَمَارَةِ) فَلَا خِلَافَ كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ فِي الْجَوَازِ، كَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: جَعَلْت طُلُوعَ الْهِلَالِ أَمَارَةً عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَمِنْهُ الْبُلُوغُ وَالْحَيْضُ عَلَامَةٌ لِأَحْكَامٍ عَدِيدَةٍ. وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى (الْبَاعِثِ) فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) وَهُوَ الصَّحِيحُ - الْجَوَازُ، إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ بَاعِثًا عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَيْ مُنَاسِبًا لَهُمَا بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، كَمُنَاسَبَةِ الرِّبَا وَالشُّرْبِ لِلْحَدِّ وَالتَّحْرِيمِ. وَ (الثَّانِي) : الْمَنْعُ مُطْلَقًا. وَ (الثَّالِثُ) : الْمَنْعُ إنْ لَمْ يَتَضَادَّا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لَكِنْ فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ، كَالْقَتْلِ الصَّادِرِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا. وَقَدْ يُعَلَّلُ بِهِمَا مُخْتَلِفَانِ غَيْرُ مُتَضَادَّيْنِ كَالْحَيْضِ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوَهُ، وَكَالْإِحْرَامِ الْمَانِعِ مِنْ النِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ وَأَخْذِ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ، ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَقَدْ يُعَلَّلُ بِهَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ بِشَرْطَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، كَالْجِسْمِ يَكُونُ عِلَّةً لِلسُّكُونِ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ فِي الْحَيِّزِ، وَعِلَّةُ الْحَرَكَةِ بِشَرْطِ الِانْتِقَالِ عَنْهُ. وَمَثَّلَهُ إلْكِيَا بِمَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَقْدٍ مُصَحِّحًا لِآخَرَ: قُلْت: كَالتَّأْبِيدِ فِي التِّجَارَةِ

стр. 2824

وَالْبَيْعِ. قَالَ: إلْكِيَا: وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِحُكْمَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، لِاسْتِحَالَةِ حُصُولِ الْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُمَا عِلَّتَيْنِ لِحُكْمَيْنِ مِثْلَيْنِ فِي شَيْئَيْنِ. فَأَمَّا كَوْنُهُمَا عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مِثْلَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَمُحَالٌ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَصِحُّ فِيهَا الزَّائِدُ، وَإِنَّمَا تَتَمَاثَلُ الْأَحْكَامُ وَتُعَلَّلُ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي أَحْوَالٍ، كَقَطْعِ الْيَدِ قِصَاصًا وَسَرِقَةً فَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْآثَارِ وَإِنْ تَمَاثَلَا فِي الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَسَالِكُ الْعِلَّةِ] [الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً] مَسَالِكُ الْعِلَّةِ أَيْ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ عَلَى الْعِلَّةِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الْقِيَاسِ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْجَامِعِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يَشْهَدُ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ. وَالْأَدِلَّةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: إجْمَاعٌ، وَنَصٌّ، وَاسْتِنْبَاطٌ وَمِنْهُمْ مَنْ أَضَافَ إلَيْهِ دَلِيلَ الْعَقْلِ. [وَجَعَلَهُ] الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ وَجْهًا. وَالْمَشْهُورُ طَرِيقَةُ السَّمْعِ فَقَطْ. [الْمَسْلَكُ] الْأَوَّلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الرُّتْبَةِ عَلَى الظَّوَاهِرِ مِنْ النُّصُوصِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ

стр. 2825

احْتِمَالُ النَّسْخِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى النَّصِّ، لِشَرَفِهِ. وَهُوَ نَوْعَانِ: إجْمَاعٌ عَلَى عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، كَتَعْلِيلِ وِلَايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ. وَإِجْمَاعٌ عَلَى أَصْلِ التَّعْلِيلِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي عَيْنِ الْعِلَّةِ، كَإِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الرِّبَا فِي الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ مُعَلِّلٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْعِلَّةَ مَاذَا؟ . وَمِثَالُ الْقِيَاسِ فِيهِ أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبَوَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ مِنْ الْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ، لِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ، فَقِيَاسٌ عَلَيْهِ وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا أَثَّرَتْ فِي الْإِرْثِ إجْمَاعًا وَلَكِنْ فِي غَيْرِهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهِ. وَمِنْ ذَلِكَ: إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ هُوَ عِلَّةُ ضَمَانِ الْأَمْوَالِ، فَيُقَاسُ عَلَيْهِ السَّارِقُ وَجَمِيعُ الْأَيْدِي الْغَاصِبَةِ، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ مُوَلًّى عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ، فَقَاسَ عَلَيْهَا أَبُو حَنِيفَةَ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» وَقَالَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا عِلَّةٌ تَعُودُ عَلَى أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ إلَّا هَذَا الْمِثَالُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَقَدْ سَبَقَ تَعَدِّي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجَامِدِ الْقَالِعِ مِنْ النَّصِّ عَلَى الْأَحْجَارِ، نَظَرًا لِمَعْنَى الْإِزَالَةِ. وَمَثَّلَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ فِي السَّوَادِ، لَوْ قَسَمْته بَيْنَكُمْ لَصَارَتْ دُوَلًا بَيْنَ أَغْنِيَائِكُمْ. وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ. وَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁، فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ حَدُّ الْمُفْتَرِي. وَلَمْ يُخَالَفْ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقِيَاسَ عَلَى أَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَى حُكْمِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ، إذْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ لِنُطْقٍ خَاصٍّ، أَوْ لِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى. وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْجَوَازِ طَرْدًا أَوْجَبَ دَلِيلَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ إذَا ظَهَرَ التَّسَاوِي فِي الْمُنَاسَبَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَجَانَسْ الْحُكْمَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَعَلَّهُ شَطْرُ الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ عِنْدَهُمْ.

стр. 2826

وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ مِنْ طُرُقِ الْعِلَّةِ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ عَنْ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا، فَإِنَّ الْقَائِسِينَ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ ثُمَّ رَدَّدَ الْقَاضِي جَوَابَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فَقَالَ لَوْ جَعَلْنَا الْقَائِسِينَ أَمَارَةً لِخَبَرِ غَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الْمَقَايِيسِ لَكَانَ مُحْتَمَلًا، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَطْعِ. وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ رُجُوعُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ عَنْ الْإِنْكَارِ، ثُمَّ يُجْمِعُ الْكَافَّةُ عَلَى عِلَّةٍ فَتَثْبُتُ حِينَئِذٍ قَطْعًا. وَرَدَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ هَذَا بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَيْسُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَلَا حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَالنُّصُوصُ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ الشَّرِيعَةِ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعْرَفْ النَّصُّ الَّذِي أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ. ثَانِيهَا: أَنَّهُ إذَا كَانَ قَطْعِيًّا امْتَنَعَ وُرُودُهُ فِي الطَّرْدِيِّ، فَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا وَرَدَ فِيهِ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ. ثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا قَاسَ عَلَى عِلَّةٍ إجْمَاعِيَّةٍ فَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، فَإِنَّ تَأْثِيرَهَا فِي الْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِهَا فِي الْفَرْعِ فَلِاطِّرَادِ الْمُطَالَبَةِ فِي كُلِّ قِيَاسٍ، إذْ الْقِيَاسُ هُوَ تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ. وَمَا مِنْ قِيَاسٍ إلَّا وَيَتَّجِهُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ، فَيُقَالُ مَثَلًا: إنَّا قَدْ نُثْبِتُ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةً فِي الْأَصْلِ بِالِاتِّفَاقِ وَيَثْبُتُ وُجُودُهَا

стр. 2827

فِي الْفَرْعِ فَتَمِّمْ لِي الْقِيَاسَ، فَإِنْ ثَبَتَ عَدَمُ تَأْثِيرِهَا امْتَنَعَ قِيَاسُك، فَعَلَيْك بَيَانُهُ. فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ جَوَابُهُ وَإِلَّا انْقَطَعَ. أَمَّا فَتْحُ بَابِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ ابْتِدَاءً فَلَا يُمْكِنُ مِنْهُ، لِمَا ذَكَرْنَا. [الْمَسْلَكُ الثَّانِي النَّصُّ عَلَى الْعِلَّةِ] قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: مَتَى وَجَدْنَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَصْبِهِ أَدِلَّةً أَوْ أَعْلَامًا ابْتَدَرْنَا إلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى مَا يُسْلَكُ. ثُمَّ الْمَشْهُورُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ قِيَاسٌ، وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: لَيْسَ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِمْسَاكٌ بِنَصِّ لَفْظِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّعْلِيلِ إذَا لَمْ يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ عَنْ كُلِّ مَا تَجْرِي الْعِلَّةُ فِيهِ كَانَ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِلَفْظٍ نَاصٍّ فِي الْعُمُومِ، حَكَاهُ فِي الْبُرْهَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَرَاتِبِ الْأَقْيِسَةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي، وَأَصْلُهُ أَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الْحُرُوفُ كَبَقِيَّةِ الْمَعَانِي، لَكِنْ تَدُلُّ الْأَسْمَاءُ وَالْأَفْعَالُ عَلَى الْحُرُوفِ، فِي إفَادَةِ الْمَعَانِي. فَمِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ: كَيْ، وَاللَّامُ، وَإِذَنْ، وَمِنْ، وَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ: أَجَلْ، وَجَرَّاءُ، وَعِلَّةٌ، وَسَبَبٌ، وَمُقْتَضًى، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْ أَفْعَالِهِ: عَلَّلْت بِكَذَا، وَنَظَرْت كَذَا بِكَذَا. ثُمَّ قَدْ يَدُلُّ السِّيَاقُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى غَيْرِ الْعِلِّيَّةِ. وَقَدْ يَكُونُ مُحْتَمِلًا فَيُعَيِّنُ السِّيَاقُ أَحَدَ الْمُحْتَمَلَيْنِ. وَقَدْ خَلَطَ الْمُصَنِّفُونَ الشُّرُوطَ بِالْعِلَلِ، وَعَمَدُوا إلَى أَمْثِلَةٍ يُتَلَقَّى التَّعْلِيلُ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فَظَنُّوهُ يَتَلَقَّى مِنْ شَيْءٍ

стр. 2828

آخَرَ، وَرُبَّمَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ مَوْضُوعُ الْحُرُوفِ لِكَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً فَظَنُّوهُ لِلتَّعْلِيلِ فِي مَحَلٍّ لَيْسَ هُوَ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ، كَتَمْثِيلِهِمْ التَّعْلِيلَ بِالْفَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَقَدْ قَسَمُوا النَّصَّ عَلَى الْعِلَّةِ إلَى صَرِيحٍ وَظَاهِرٍ. [الْأَوَّلُ: الصَّرِيحُ] : قَالَ الْآمِدِيُّ: فَالصَّرِيحُ هُوَ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، بَلْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا فِي اللُّغَةِ لَهُ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: هُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ سَوَاءٌ كَانَ مَوْضُوعًا لَهُ أَوْ لِمَعْنًى يَتَضَمَّنُهُ. فَدَخَلَ الْحُرُوفُ الْمُتَّصِلَةُ بِغَيْرِهَا. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، بَلْ الْمَنْطُوقُ بِالتَّعْلِيلِ فِيهِ عَلَى حَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ عَلَى الْمَعْنَى. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي إنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ: لَا يَصْلُحُ الدُّلُوكُ لِكَوْنِهِ عِلَّةً، فَهُوَ مَعْنًى عِنْدَ الدُّلُوكِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَيْسَ مَيْلُ الشَّمْسِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. ثُمَّ الدَّالُّ عَلَى الصَّرِيحِ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا - التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]

стр. 2829

وَهَذَا أَهْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَهُوَ أَعْلَاهَا رُتْبَةً. وَثَانِيهَا - لِعِلَّةِ كَذَا، أَوْ لِسَبَبِ كَذَا. وَثَالِثُهَا - مِنْ أَجْلِ، أَوْ لِأَجْلِ: وَهُوَ دُونَ مَا قَبْلَهُ، قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، يَعْنِي: لِأَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ تُعْلَمُ بِهِ الْعِلَّةُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ مِنْ قَوْلِهِ لِأَجْلِ يُفِيدُ مَعْرِفَتَهَا بِوَاسِطَةِ مَعْرِفَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ مَا لِأَجْلِهَا الْحُكْمُ، وَالدَّالُّ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى. وَكَذَا قَالَهُ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي النُّكَتِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] [الْآيَةَ] عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي أَنَّ " مِنْ أَجْلِ " مُتَعَلِّقٌ بِ " كَتَبْنَا "، أَيْ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي آدَمَ الْقِصَاصَ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ، بِمَعْنَى السَّبَبُ فِي شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ حِرَاسَةُ الدُّنْيَا. وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] أَيْ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ أَخِيهِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ عِلَّةٌ لِحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى بَاقِي الْأُمَمِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ. فَإِنْ قُلْت: فَكَيْفَ يَكُونُ قَتْلُ وَاحِدٍ بِمَثَابَةِ قَتْلِ النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ قُلْت: تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الْقَتْلِ، وَأَنَّهُ وَصَلَ فِي أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُتَشَابِهِينَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِ الْإِثْمِ وَاسْتِوَائِهِمَا فِي أَصْلِهِ لَا وَصْفِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: «إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» ، وَقَوْلُهُ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ» .

стр. 2830

رَابِعُهَا - كَيْ: كَذَا جَعَلَهَا الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ مِنْ الصَّرِيحِ، وَخَالَفَهُ الرَّازِيَّ. وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فَعَلَّلَ سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْفَيْءِ بَيْنَ الْأَصْنَافِ بِتَدَاوُلِهِ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ. وَقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنْ الْبَلَاءِ قَبْلَ أَنْ تَبْرَأَ الْأَنْفُسُ، أَوْ الْمُصِيبَةُ، أَوْ الْأَرْضُ، أَوْ الْمَجْمُوعُ؛ وَهُوَ الْأَحْسَنُ. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ مَصْدَرَ ذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ الَّتِي فِيهَا أَنْ لَا يُحْزِنَ عِبَادَهُ عَلَى مَا فَاتَهُمْ وَلَا يُفْرِحَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُصِيبَةَ مُقَدَّرَةٌ كَائِنَةٌ وَلَا بُدَّ، كُتِبَتْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ، فَهَوَّنَ عَلَيْهِمْ. خَامِسُهَا - إذَنْ: كَقَوْلِهِ ﵊: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إذَنْ» كَذَا جَعَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ الصَّرِيحِ، وَجَعَلَهُ فِي الْبُرْهَانِ وَالْمَحْصُولِ مِنْ الظَّاهِرِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: وَلَمْ يَسْأَلْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْحِسِّ، وَإِنَّمَا سَأَلَ عَنْهُ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَنْقُصُ، لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ لِغَيْرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ. وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ عِنْدَ النُّقْصَانِ، لِأَنَّ إذَا لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُسْتَقْبَلَ. وَرَدَّ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ

стр. 2831

الْحَالِ، وَلَمْ يَجْرِ لِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ ذِكْرٌ، وَإِنَّمَا يَجْرِي السُّؤَالُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ، فَإِنَّ (إذَا) أَبَدًا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُسْتَقْبَلَ، وَالْفِعْلُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ مُسْتَقْبَلٌ قَطْعًا، لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْحَالَ الْحَقِيقِيَّ، - أَيْ الَّذِي حَدَثَ، لَا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُ عَنْ فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ: إنَّ الْمُسْتَقْبَلَ هُوَ الْبَيْعُ فِي حَالَةِ النُّقْصَانِ مُتَفَاضِلًا، بَلْ الْمُسْتَقْبَلُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ حَقِيقَةً: هَذَا رُطَبٌ وَهَذَا تَمْرٌ. وَسَادِسُهَا - ذِكْرُ الْمَفْعُولِ لَهُ: فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩] وَنَصْبُ ذَلِكَ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ أَحْسَنُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] فَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ هِيَ الرَّحْمَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] أَيْ لِأَجْلِ الذِّكْرِ، كَمَا قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨] وَقَوْلُهُ: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [المرسلات: ٥] ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٦] لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ. [الثَّانِي: الظَّاهِرُ] وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ كُلُّ مَا يَنْقَدِحُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ التَّعْلِيلِ أَوْ الِاعْتِبَارِ إلَّا عَلَى بُعْدٍ. وَهُوَ أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا - اللَّامُ: وَهِيَ إمَّا مُقَدَّرَةٌ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَإِمَّا ظَاهِرَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ، ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] وَالْقُرْآنُ مَحْشُوٌّ مِنْ هَذَا.

стр. 2832

فَإِنْ قُلْت: اللَّامُ فِيهِ لِلْعَاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وَقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ [الحج: ٥٣] قُلْت: لَامُ الْعَاقِبَةِ إنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ يَجْهَلُهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ﴾ [القصص: ٨] . . . أَوْ يَعْجِزُ عَنْ دَفْعِهَا، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:. . . لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ وَأَمَّا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ مَعْنَى هَذِهِ اللَّامِ، وَإِنَّمَا اللَّامُ الْوَارِدَةُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ لَامُ الْحُكْمِ وَالْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْحِكْمَةِ. وَقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] هُوَ تَعْلِيلٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ بِالْتِقَاطِهِ وَتَقْدِيرِهِ لَهُ، فَإِنَّ الْتِقَاطَهُمْ إنَّمَا كَانَ لِقَضَائِهِ، وَذَكَرَ فَضْلَهُمْ دُونَ قَضَائِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي كَوْنِهِ جَزَاءً لَهُمْ وَحَسْرَةً عَلَيْهِمْ وَعَنْ الْبَصْرِيِّينَ إنْكَارُ لَامِ الْعَاقِبَةِ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَالتَّحْقِيقُ لَامُ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ التَّعْلِيلَ فِيهَا وَارِدٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ دَاعِيَهُمْ لِلِالْتِقَاطِ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وَحَزَنًا، بَلْ الْمَحَبَّةُ وَالتَّبَنِّي، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ نَتِيجَةَ الْتِقَاطِهِمْ لَهُ وَثَمَرَةً، شُبِّهَ بِالدَّاعِي الَّذِي يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِأَجْلِهِ، فَاللَّامُ مُسْتَعَارَةٌ لِمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ، كَمَا اُسْتُعِيرَ الْأَسَدُ لِمَنْ يُشْبِهُ الْأَسَدَ. وَنَقَلَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْمُبْتَدَأِ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهَا لَامُ الصَّيْرُورَةِ، وَعَنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهَا لَامُ التَّعْلِيلِ. وَنَقَلَ ابْنُ فُورَكٍ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ كُلَّ لَامٍ نَسَبَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ فَهِيَ لِلْعَاقِبَةِ وَالصَّيْرُورَةِ دُونَ التَّعْلِيلِ، لِاسْتِحَالَةِ الْغَرَضِ، فَكَأَنَّ الْمُخْبِرَ فِي " لَامِ الصَّيْرُورَةِ " قَالَ: فَعَلْتُ هَذَا بَعْدَ هَذَا، لَا أَنَّهُ غَرَضٌ

стр. 2833

لِي. وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ [الحشر: ٧] ، وَبِقَوْلِهِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا - لِيَغْفِرَ لَكَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] فَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، إذْ هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: اللَّامُ فِي اللُّغَةِ تَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ، وَتُسْتَعْمَلُ لِلْمِلْكِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى الْوَصْفِ تَعَيَّنَتْ لِلتَّعْلِيلِ. وَجَعَلَ الرَّازِيَّ فِي الْمَحْصُولِ اللَّامَ مِنْ الصَّرَائِحِ. وَقَالَ فِي الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ إنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي التَّعْلِيلِ، وَكَذَلِكَ الْبَاءُ وَالْفَاءُ ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي التَّعْلِيلِ أَوْ مَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّعْلِيلِ أَظْهَرَ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَيْسَتْ اللَّامُ صَرِيحَةً فِي التَّعْلِيلِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ:. . . لِدُوا لِلْمَوْتِ وَقَوْلِ الْمُصَلِّي: أُصَلِّي لِلَّهِ. فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَلَا يَبْقَى بَيْنَ الصَّرِيحِ وَالْإِيمَاءِ فَرْقٌ، لِأَنَّ الْإِيمَاءَ إنَّمَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ إذَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعِلِّيَّةِ رَاجِحَةً عَلَى دَلَالَتِهِ عَلَى غَيْرِ الْعِلِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَصِيرُ فِيهِ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي الْعِلَّةِ، وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَصِيرُ إيمَاءً، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ. الثَّانِي - أَنْ (الْمَفْتُوحَةُ الْمُخَفَّفَةُ) فَإِنَّهَا بِمَعْنَى " لِأَجْلِ "، وَالْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ، نَحْوُ أَنْ كَانَ كَذَا، وَمِنْهُ: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] فَإِنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، قَدَّرَهُ الْبَصْرِيُّونَ؛ كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا وَالْكُوفِيُّونَ: لِئَلَّا تَقُولُوا، أَوْ: لِأَجْلِ أَنْ تَقُولُوا. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦] ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فَالْكُوفِيُّونَ فِي هَذَا كُلِّهِ يُقَدِّرُونَ

стр. 2834

اللَّامَ، أَيْ: لِئَلَّا تَضِلَّ، وَ: لِئَلَّا تَقُولَ. وَالْبَصْرِيُّونَ يُقَدِّرُونَ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفًا، أَيْ: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا، أَوْ: حَذَرًا أَنْ تَقُولُوا. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الطَّرِيقَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ؟ فَإِنَّك إنْ قَدَّرْت: " لِئَلَّا تَضِلَّ إحْدَاهُمَا " لَمْ يَسْتَقِمْ عَطْفُ " فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا " عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدَّرْت: " حَذَرًا أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا " لَمْ يَسْتَقِمْ الْعَطْفُ أَيْضًا. وَكَذَلِكَ إنْ قَدَّرْت " إرَادَةَ أَنْ تَضِلَّ ". قِيلَ: الْمَقْصُودُ إذْ كَانَ إحْدَاهُمَا تَنْسَى، إذَا نَسِيَتْ أَوْ ضَلَّتْ، فَلَمَّا كَانَ الضَّلَالُ سَبَبًا لِلِادِّكَارِ جُعِلَ مَوْضِعَ الْعِلَّةِ، كَمَا تَقُولُ: أَعْدَدْت هَذِهِ الْخَشَبَةَ أَنْ يَمِيلَ الْحَيْطُ فَأَدْعَمَهُ بِهَا، فَإِنَّمَا أَعْدَدْتهَا لِلدَّعْمِ لَا لِلْمَيْلِ. هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ، وَقَدَّرَهُ الْكُوفِيُّونَ فِي تَذْكِيرِ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنْ ضَلَّتْ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ الْجَزَاءُ اتَّصَلَ بِمَا قَبْلَهُ فَصَحَّتْ (أَنْ) . الثَّالِثُ - إنْ " الْمَكْسُورَةُ سَاكِنَةُ النُّونِ " الشَّرْطِيَّةُ. بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ، فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ عَدَّهَا مِنْ ذَلِكَ. نَعَمْ، التَّعْلِيقُ مِنْ الْمَوَانِعِ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْأَسْبَابِ، وَعَلَيْهِ الْخِلَافُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ: هَلْ الْأَسْبَابُ الْمُعَلَّقَةُ بِشَرْطٍ انْعَقَدَتْ وَتَأَخَّرَ تَرَتُّبُ حُكْمِهَا إلَى غَايَةٍ، أَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ أَسْبَابًا؟ لَكِنْ مَنْ جَعَلَ وُجُودَ الْمَانِعِ عِلَّةً لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الشَّرَائِطَ مَوَانِعُ، وَهِيَ عِلَلٌ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ. الرَّابِعُ - إنَّ: كَقَوْلِهِ ﵊: «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ: كَذَا عَدُّوهَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا لِتَحْقِيقِ الْفِعْلِ، وَلَا حَظَّ لَهَا مِنْ التَّعْلِيلِ، وَالتَّعْلِيلُ فِي الْحَدِيثِ مَفْهُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَتَعَيُّنُهُ فَائِدَةٌ لِلذِّكْرِ. وَكَذَلِكَ أَنْكَرَ كَوْنَهَا لِلتَّعْلِيلِ الْكَمَالُ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ نُحَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَنَقَلَ إجْمَاعَ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَرِدُ لِلتَّعْلِيلِ قَالَ: وَهِيَ فِي قَوْلِهِ: «إنَّهَا مِنْ

стр. 2835

الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» لِلتَّأْكِيدِ، لَا لِأَنَّ عِلَّةَ الطَّهَارَةِ هِيَ الطَّوَافُ، وَلَوْ قَدَّرْنَا مَجِيءَ قَوْلِهِ: (هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ) بِغَيْرِ إنَّ لَأَفَادَ التَّعْلِيلَ، فَلَوْ كَانَتْ " إنَّ " لِلتَّعْلِيلِ لَعُدِمَتْ الْعِلَّةُ بِعَدَمِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ " لِأَنَّهَا " وَإِلَّا لَوَجَبَ فَتْحُهَا وَلَا سَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ مِنْ اللَّامِ. وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، مِنْهُمْ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ جَنَّةِ الْمَنَاظِرِ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْإِيضَاحِ فِي الْجَدَلِ. وَلَكِنْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِمَجِيئِهَا لِلتَّعْلِيلِ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي. وَنَقَلَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي فُصُولِهِ قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ، وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى إثْبَاتِهِ. وَلَيْسَ مَعَ النَّافِي إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ، وَكَفَى بِابْنِ جِنِّي حُجَّةً فِي ذَلِكَ. الْخَامِسُ - الْبَاءُ: قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَضَابِطُهُ أَنْ يَصْلُحَ غَالِبًا فِي مَوْضِعِهَا اللَّامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ، ﴿فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] ، وَقَوْلِهِ ﵊: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» ، وَجَعَلَ مِنْهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ: إنَّمَا هِيَ لِلْمُقَابَلَةِ، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُعْطِيَ هُوَ مَنْ قَدْ يُعْطِي مَجَّانًا، وَأَمَّا الْمُسَبَّبُ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ. وَتَقَدَّمَ فِي الْحُرُوفِ الْفَرْقُ بَيْنَ بَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَبَاءِ الْعِلَّةِ وَ " إنْ " تُشَارِكُ الْبَاءَ فِي التَّعْلِيلِ وَتَمْتَازُ عَنْهَا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا يَلِيهَا فِي حُكْمِ مَنْ رَجَعَ إلَيْهِ فِيمَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ فَقَالَ مُوَسِّعًا كَالْجَوَابِ: لِأَنَّهُ كَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّ خَبَرَهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُخَاطَبِ. أَوْ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْمَعْلُومِ لِمَا لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ. وَزَعَمَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ دَلَالَةَ الْبَاءِ عَلَى التَّعْلِيلِ مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَاتَ الْعِلَّةِ لِمَا اقْتَضَتْ وُجُودَ الْمَعْلُولِ دَخَلَ الْإِلْصَاقُ هُنَاكَ، فَحَسُنَ اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ مَجَازًا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ. وَلِمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ

стр. 2836

هُنَا مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّامِ وَالْبَاءِ قَائِمَةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ ظَاهِرَةٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي اللَّامِ حَقِيقَةً وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي نُكَتِهِ: الْبَاءُ دُونَ اللَّامِ فِي الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّ مَحَامِلَ اللَّامِ أَقَلُّ مِنْ مَحَامِلِ الْبَاءِ. وَاللَّامُ وَإِنْ جَاءَتْ لِلِاخْتِصَاصِ فَالتَّعْلِيلُ لَا يَخْلُو عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَكَانَتْ دَلَالَةُ اللَّامِ أَخَصَّ بِالْعِلَّةِ. السَّادِسُ - الْفَاءُ: إذَا عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَأَخُّرِهَا وَهِيَ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا. كَقَوْلِهِ ﵊ فِي الْمُحْرِمِ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْحُكْمِ وَتَكُونَ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] . ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] . . . فَالْفَاءُ لِلْجَزَاءِ، وَالْجَزَاءُ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَذْكُورِ السَّابِقِ، وَهُوَ السَّرِقَةُ مَثَلًا، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ظَاهِرُ الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مِنْ قِيَامِ الْوَلِيِّ بِالْإِمْلَاءِ أَنَّ مُوَلِّيَهُ لَا يَسْتَطِيعُهُ، فَصَارَ ذَلِكَ مُوجِبًا قِيَامَ الْوَلِيِّ بِكُلِّ مَا عَجَزَ عَنْهُ مُوَلِّيهِ ضَرُورَةَ طَرْدِ الْعِلَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْإِشْعَارِ بِالْعِلَّةِ أَقْوَى مِنْ عَكْسِهِ، يَعْنِي: لِقُوَّةِ إشْعَارِ الْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ، لِوُجُوبِ الطَّرْدِ فِي الْعِلَلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَنَازَعَهُ النَّقْشَوَانِيُّ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْخُلَ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إمَّا فِي الْوَصْفِ، كَالْحَدِيثِ السَّابِقِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ، كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ.

стр. 2837

وَالثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ فِي كَلَامِ الرَّاوِي، كَقَوْلِهِ: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّاوِي الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ لَمْ يُعَاقَبْ. قِيلَ: وَالْفَاءُ إذَا امْتَنَعَ كَوْنُهَا لِلْعَطْفِ تَعَيَّنَ لِلسَّبَبِ. وَالْمَانِعُ لِلْعَطْفِ أَنَّهَا مَتَى قُدِّرَتْ لَهُ الْوَاوُ اخْتَلَّ الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً بِمَعْنَى الْوَاوِ لَتَضَمَّنَتْ الْجُمْلَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ بِلَا جَوَابٍ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى حَصْرِ الْفَاءِ لِلتَّعْلِيلِ وَالْعَطْفِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ جَوَابٌ، أَيْ رَابِطَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ شَرْطًا كَوْنُهُ عِلَّةً. وَقَدْ جَعَلَ فِي الْمَحْصُولِ - تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ - الْبَاءَ وَالْفَاءَ مِنْ صَرَائِحِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ خَالَفَ الرَّازِيَّ فِي رِسَالَتِهِ الْبَهَائِيَّةِ وَرَدَّ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَقَالَ: الْبَاءُ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ التَّعْلِيلِ، وَمِنْهُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ لَا لِلتَّعْلِيلِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ: الْفَاءُ إنَّمَا يَكُونُ فِيهَا إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ أَوْ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ: فَالِاسْمُ الْمَوْصُولُ نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فَمَا بَعْدَ الْفَاءِ، مِنْ حُصُولِ الْأَجْرِ، وَنَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ، مُسْتَحَقٌّ بِمَا قَبْلَهَا، مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ. وَيَجْرِي مَجْرَى " الَّذِي " الْأَلِفُ وَاللَّامُ إذَا وُصِلَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . . .، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] . . .، أَيْ: لِسَرِقَتِهِمَا وَلِزِنَاهُمَا. فَاسْتِحْقَاقُ

стр. 2838

الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ إنَّمَا كَانَ لِلسَّرِقَةِ وَالزِّنَى لَا لِغَيْرِهِمَا، وَلَوْلَا الْفَاءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا. وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ نَحْوُ: كُلُّ إنْسَانٍ يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الدِّرْهَمِ بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ، إذًا الْمَعْنَى: إنْ يَأْتِنِي رَجُلٌ فَلَهُ دِرْهَمٌ. وَالشَّرْطُ سَبَبٌ فِي الْجَزَاءِ وَعِلَّةٌ لَهُ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْفَاءُ، لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، وَالْمُسَبَّبُ فِي الرُّتْبَةِ عَقِبَ السَّبَبِ، فَكَانَ فِي دُخُولِهَا إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ، وَإِذَا حُذِفَتْ لَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ مُسْتَحَقًّا بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ، بَلْ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ. وَهُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ دُخُولَ فَاءِ التَّعْقِيبِ عَلَى الْمَعْلُومِ وَاضِحٌ، لِوُجُوبِ تَأَخُّرِهِ عَنْ الْعِلَّةِ. وَأَمَّا دُخُولُهَا عَلَى الْعِلَّةِ نَحْوُ (فَإِنَّهُ يَبْعَثُ) فَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِبَةَ لَهَا تَقَدُّمٌ فِي الذِّهْنِ وَتَأَخُّرٌ فِي الْوُجُودِ، كَمَا تَقُولُ: أَكَلَ فَشَبِعَ، فَالشِّبَعُ مُتَأَخِّرٌ فِي الْوُجُودِ مُتَقَدِّمٌ فِي الذِّهْنِ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِفَادَةِ التَّعْلِيلِ مِنْ الْفَاءِ بِتَرْتِيبِ الْوُضُوءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ عِلَّةَ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ وُجُودُ الْحَدَثِ. وَلَقَدْ اعْتَاصَ الْجَوَابُ عَلَى الْغَزَالِيِّ حَتَّى انْتَهَى فِيهِ إلَى الْإِسْهَابِ. وَجَوَابُهُ يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَقَدَّمُ تَصَوُّرُهَا وَإِلَى مَا يَنْعَدِمُ تَصَوُّرُهَا. وَالصَّلَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ لَك أَنْ تَجْعَلَهَا مِنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا حِكْمَةُ الْوُضُوءِ وَلَهَا شَرْطٌ يَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، كَمَا رَتَّبَ بَعْثَ الشَّهِيدِ الْمُحْرِمِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَأَنْ تَجْعَلَهَا مِنْ الثَّانِي فَإِنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ جَعْلُ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا، وَيَكُونُ الْحَدَثُ

стр. 2839

شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِ السَّبَبِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ الْحُكْمِ وَإِلْحَاقُ شَرْطٍ بِالْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لَا يُسْتَكْثَرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوْلَى أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْعِلَلِ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ لِاسْتِحَالَةِ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ، إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَوَامٌ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَائِمَةً كَانَتْ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ مُتَرَاخِيَةً عَنْ ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ، فَصَحَّ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي حَبْسٍ ظَالِمٍ إذَا ظَهَرَ آثَارُ الْفَرَجِ: أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ، وَقَدْ نَجَوْت. الثَّانِي: مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ السَّبَبُ لَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ؛ ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] جَوَابٌ لِمَا فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، إنَّمَا الْكَلَامُ عِنْدَهُ عَلَى مَعْنَى؛ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، فَهَذِهِ تَرْجَمَةٌ سِيقَتْ لِلتَّشَوُّفِ إلَى مَا بَعْدَهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي مَضْمُونِ التَّرْجَمَةِ مُنْتَظِرًا قِيلَ: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فَالْفَاءُ إذَنْ لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْجَوَابِ. وَإِنَّمَا حَمَلَ سِيبَوَيْهِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفَاءَ لَوْ كَانَتْ جَوَابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ وَكَانَ الْكَلَامُ مُبْتَدَأً أَوْ خَبَرًا لَكَانَتْ الْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي النَّصْبَ فِي ﴿السَّارِقُ﴾ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ أَوْلَى، كَقَوْلِهِ: زَيْدًا اضْرِبْهُ. فَلَمَّا رَأَى الْعَامَّةُ مُطَبِّقَةً عَلَى الرَّفْعِ تَفَطَّنَ، لِأَنَّهَا لَا تُجْمِعُ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِئْنَافِ وَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] كَالتَّرْجَمَةِ وَالْعُنْوَانِ. السَّابِعُ - لَعَلَّ: عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَقَالُوا: إنَّهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَحْضِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّرَجِّي لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تُجْهَلُ عَاقِبَتُهُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] قِيلَ: هُوَ تَعْلِيلٌ

стр. 2840

لِقَوْلِهِ (اُعْبُدُوا) ، وَقِيلَ: لِقَوْلِهِ (خَلَقَكُمْ) ، وَقِيلَ: لَهُمَا. وَقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فَ " لَعَلَّ " فِي هَذَا اخْتَصَّتْ لِلتَّعْلِيلِ وَالرَّجَاءِ الَّذِي فِيهِمَا مُتَعَلَّقُ الْمُخَاطَبِينَ. الثَّامِنُ - إذْ: ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ، نَحْوُ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] ، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] . . . وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وَنَازَعَهُ أَبُو حَيَّانَ. التَّاسِعُ - حَتَّى: أَثْبَتَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا. قَالَ: وَعَلَامَتُهَا أَنْ يَحْسُنَ فِي مَوْضِعِهَا (كَيْ) ، نَحْوُ: خُذْ حَتَّى تُعْطِيَ الْجُودَ. وَمِنْ مِثْلِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ، وَيَحْتَمِلُهَا ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩] . . . . وَزَعَمَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ أَنَّ مِنْهَا (لَا جَرَمَ) بَعْدَ الْوَصْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢] وَجَمِيعُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، «. مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» . وَكَذَا حَرْفُ (إذَا) فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ مِنْهَا (مَنْ) أَيْضًا. تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَمَا تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا فِي أَنْفُسِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ وُقُوعِهَا فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، فَهِيَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَقْوَى مِنْهَا فِي كَلَامِ الرَّاوِي، وَفِي كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهُ أَقْوَى مِنْهَا فِي غَيْرِ الْفَقِيهِ،
следующие страницы →