← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

بِالطَّعَامِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. فَإِنْ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: تَرَكْتَ النَّصَّ أَوَّلًا: فَلَمْ تَسْتَدِلَّ بِهِ، وَاسْتَدْلَلْتَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ لَك مَعَهُ مِنْ النَّصِّ، وَهَذَا تَطْوِيلٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَدَلَّ أَوَّلًا بِالنَّصِّ لَاحْتَاجَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فَكَانَ الْأَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِغَيْرِ النَّصِّ وَيَدَّخِرَ النَّصَّ لِمَقْصُودِهِ الْإِلْغَاءَ، وَهَذَا مَقْصُودٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعُذْرُ مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْإِلْغَاءِ كَانَ السُّؤَالُ السَّابِقُ مُنْدَفَعًا. وَثَانِيهِمَا مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُرْتَدَّةِ: يَجِبُ قَتْلُهَا، لِأَنَّهُ شَخْصٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ، كَالرَّجُلِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أُعَارِضُ فِي الْأَصْلِ: الْوَصْفُ فِي الرُّجُولِيَّةِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ النَّاجِزِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمَرْأَةِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ مُلْغًى بِإِيمَاءِ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَتْلِ جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ جِهَةِ تَعْلِيقِهِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ بِوَصْفِ (التَّبْدِيلِ) . الثَّانِي: إلْغَاءٌ بِتَبْدِيلِ الْأَصْلِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ صُورَةً ثَالِثَةً يُثْبِتُ فِيهَا الْحُكْمَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وَفْقِ عِلَّتِهِ بِدُونِ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبِرًا فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْدُومًا. وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ: فَهِيَ أَنْ يُعَارِضَ حُكْمَ الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَهُ أَوْ ضِدَّهُ، بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ بِوُجُودِ مَانِعٍ، أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ. فَيَقُولُ: مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ، فَتَوَقَّفَ دَلِيلُك. مِثَالُ النَّقِيضِ: إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا

стр. 3012

حَمْلَهَا صَحَّ فِي وَجْهٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ هَذِهِ الصِّيعَانَ إلَّا صَاعًا. فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا يَدَهَا. وَمِثَالُ الضِّدِّ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ، قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ، بِجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَقُولُ: فَيُسْتَحَبُّ قِيَاسًا عَلَى الْفَجْرِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْوِتْرَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُعْهَدْ مِنْ الشَّرْعِ وَضْعُ صَلَاتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ وَنَفْيِ حُكْمِهِ، فَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُعَلِّلِ، فَتَعَارَضَ الْعِلَّتَانِ فَتَمْنَعَانِ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا بِتَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ: فَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ قَدْ تَمَّتْ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُعَارَضَةُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنَّا نُبَيِّنُ عَدَمَ تَمَامِ دَلَالَتِهِ إذْ ذَاكَ، وَإِذَا تَمَّتْ دَلَالَتُهُ فَقَدْ وَفَى بِمَا الْتَزَمَ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ سَمِعَ الْمُعَارَضَةَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْمَعْ - كَاسْتِدْلَالِ مُسْتَأْنِفٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقَّ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لَا بَانِيًا، وَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ بِنَاءٌ لَا هَدْمٌ، بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ، وَهِيَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَصْفِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِهَا ثُمَّ قَبُولِهَا هُنَا. وَقَبِلَهُ الْأَكْثَرُونَ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ عُطْلٌ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ عِنْدَ وُرُودِهَا مُتَحَكِّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلْهَدْمِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِلْهَدْمِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَبَطَلَ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ وَالْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ غَصْبًا لِمَنْصِبِ التَّعْلِيلِ أَنْ لَوْ ذَكَرَهَا

стр. 3013

الْمُعْتَرِضُ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ. وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا لِذَلِكَ، لِاتِّفَاقِ دَلِيلِ خَصْمِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " وَقَدْ رَأَيْتَ ابْنَ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " نَقَلَ عَنْهُ إبْطَالَ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ رَأَيْت إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ فَقَالَ فِي كِتَابِ " التَّلْوِيحِ ": صَارَ الْغَزَالِيُّ إلَى بُطْلَانِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا سَمِعْنَا الْإِمَامَ يَنْقُلُهُ عَنْهُ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعَ التَّنَاقُضِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَإِذَا اعْتَرَفَ السَّائِلُ بِصِحَّةِ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِالْحُكْمِ، وَالْمَسْئُولُ يُنْكِرُ صِحَّةَ تَعْلِيلِهِ. وَإِنْ هُوَ أَرَادَ إظْهَارَهُ فَقَدْ تَنَاقَضَ وَقَالَ بِتَعَارُضِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ حَقَّ السَّائِلِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا غَيْرَ بَانٍ، وَالْمُعَارَضَةُ تَقْتَضِي الْبِنَاءَ إنْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِتَعْلِيلِ السَّائِلِ أَوْ سَاقِطَةٌ إنْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ طَرَفَيْ نَقِيضٍ وَوَجْهَيْ فَسَادٍ. وَنَحْنُ نَقُولُ: السَّائِلُ لَمْ يَقْصِدْ الْبِنَاءَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْهَدْمَ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ إعَانَةُ الْمَسْئُولِ عَلَى إتْمَامِ غَرَضِهِ بِإِيضَاحِ التَّرْجِيحِ، وَلَا يَنَالُ هَذِهِ إلَّا بِالْمُعَارَضَةِ. (قَالَ) : وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَوْ اسْتَدَلَّ بِظَاهِرٍ فَلِلسَّائِلِ أَنْ يُؤَوِّلَ وَيَعْتَضِدَ بِالْقِيَاسِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ فَالسَّائِلُ لَا يُرَجِّحُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَانِيًا، هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ قَطْعُ التَّرْجِيحِ عَنْ الدَّلِيلِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ فِي وَضْعِهِ أَرْجَحَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَبِلَ الْمُعَارَضَةَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ غَيْرَهُ. فَإِنْ رَجَّحَ الْمَسْئُولُ مُكِّنَ السَّائِلُ مِنْ مُعَارَضَةِ التَّرْجِيحِ (انْتَهَى) . ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا عَارَضَ بِهِ مُسَاوٍ لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، بَلْ يَكْفِي مِنْهُ بَيَانُ مُطْلَقِ الْمُعَارِضِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْتَدِلِّ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى مِنْهُ فِي دَفْعِهَا إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ دَلِيلَهُ رَاجِحٌ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ لِاسْتِقْلَالِ دَلِيلِهِ بِالْحُكْمِ، وَالْمُعَارِضُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَالْمُنْكِرُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ الْمُدَّعِي.

стр. 3014

وَإِذَا تَمَّتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ السَّائِلِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ أَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ التَّرْجِيحَ؟ فَقِيلَ: يَنْقَطِعُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إنْ عَجَزَ عَنْ تَرْجِيحِ دَلِيلِهِ. وَجَوَابُهُ بِالْقَدْحِ بِمَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: فِي دَفْعِهِ بِالتَّرْجِيحِ بِمُرَجِّحٍ أَقْوَى مِنْ مُرَجِّحِهِ: فَقِيلَ: يُمْنَعُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ اعْتِرَاضًا وَالْمُخْتَارُ - وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ - جَوَازُهُ لِأَنَّهُ مَوْطِنُ تَعَارُضٍ، وَقَدْ لَا يَجِدُ السَّائِلُ غَيْرَهُ مُرَجِّحًا. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِتَرْجِيحٍ أَقْوَى، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَرْجِيحٍ مُسَاوٍ فَقَدْ تَعَدَّى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَهُ الْمُعَارَضَةُ بِالْأَقْوَى مَعَ وُجُودِ الْمُسَاوِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَقْوَى مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَقْوَى، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارِضًا، وَمَزِيَّةُ الْقُوَّةِ مُصَادَفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ الْأَقْوَى، لِأَنَّهُ إذَا سَاغَ لَهُ التَّرْجِيحُ الْمُسَاوِي فَالْأَقْوَى أَوْلَى. وَفِيهِ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ نَوْبَةٍ أُخْرَى مِنْ التَّرْجِيحِ، لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ مِثْلُهَا، فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ حِينَئِذٍ إلَى تَرْجِيحَيْنِ أَوْ تَرْجِيحٍ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْأَقْوَى فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ نِطَاقُ الْكَلَامِ وَهُوَ غَرَضُ الْمُنَاظَرَةِ وَفِي ذِكْرِ الْأَقْوَى اخْتِصَارٌ (انْتَهَى) . وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَابَلَ تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لَا يُقْبَلُ الِاسْتِغْنَاءَ بِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ فِي الْوَاحِدِ كِفَايَةً، وَالزِّيَادَةُ تُوجِبُ الْإِثْبَاتَ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَنْصِبِهِ. الثَّانِيَةُ: هَلْ يُقْبَلُ مُعَارَضَةُ الْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ؟ اخْتَلَفُوا عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ دَلِيلٌ كَالْأَوَّلِ، فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ. وَعَلَى هَذَا يَتَسَاقَطَانِ وَيُسَلَّمُ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُعَارِضِ، قَالَ الْمُقْتَرِحُ: وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ يَقْتَضِي اخْتِيَارَهُ.

стр. 3015

وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَإِنْ قَبِلْنَا أَصْلَ الْمُعَارَضَةِ، لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ وَأَدَائِهِ إلَى الِانْتِقَالِ، وَإِذَا قَبِلْنَا تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لِدَلِيلِهِ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ السَّائِلَ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأُ التَّرْجِيحِ مَذْكُورًا فِي الدَّلِيلِ؟ قِيلَ: يَجِبُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ أَوَّلًا لَكَانَ ذَاكِرًا لِبَعْضِ الدَّلِيلِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، لِأَنَّ مَرَاتِبَ الْمُعَارَضَةِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي بَدْءِ اسْتِدْلَالِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ الِاحْتِرَازِ لِدَفْعِ النَّقْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ سُمِعَ التَّرْجِيحُ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي نَصِّ الْمُسْتَدِلِّ مَا يُشِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ التَّفْصِيلُ: فَإِنْ كَانَ التَّفْصِيلُ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ تَعَيَّنَ ذِكْرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِكَمَالِ الدَّلِيلِ، وَالتَّرْجِيحُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ. تَنْبِيهٌ: قَسَّمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْمُعَارَضَةَ إلَى مَا تَكُونُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَإِلَى مَا هِيَ بِعِلَّةِ الْمُعَلِّلِ بِعَيْنِهَا، فَالْمُعَارَضَةُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَارَةً تَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ، وَتَارَةً فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ - وَقَدْ سَبَقَا - وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِعِلَلِ الْمُعَلِّلِ فَتُسَمَّى (قَلْبًا) وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: قَسَّمَ الْجَدَلِيُّونَ الْمُعَارَضَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى وَالْخَبَرِ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ: - فَأَمَّا مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى فَلَا مَعْنَى لَهَا إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ. - وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْخَبَرِ بِالْخَبَرِ فَصَحِيحَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَيَقُولُ: لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ:

стр. 3016

«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» الْحَدِيثَ، فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ بَعْدَهُ إلَى التَّرْجِيحِ. - وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى فَعَلَى قِسْمَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَ (الثَّانِي) مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) فِي ضِدِّ حُكْمِهِ فَيَكُونُ مُعَارَضَةً صَحِيحَةً وَ (الثَّانِي) فِي عَيْنِ حُكْمِهِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. - فَمَا كَانَ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُعَارَضَاتِ. مِثَالُهُ: طَهَارَةُ الْوُضُوءِ حُكْمِيَّةٌ فَتَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى التَّيَمُّمِ. فَيَقُولُ الْمُعَارِضُ: طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَلَا بُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ التَّرْجِيحِ. - وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ عَلَى الضِّدِّ فَضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَجْعَلَ الْأَصْلَ الْوَاحِدَ بَيْنَهُمَا مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَ (الثَّانِي) أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ مَا عَلَّلَ بِهِ مَعْنًى لَهُ. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: لَمَّا كَانَ عَدَدُ الْأَقْرَاءِ مُعْتَبَرًا بِالْمَرْأَةِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهَا عَدَدُ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا. فَيُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْفَاعِلِ قِيَاسًا عَلَى الْعِدَّةِ. وَفِي الثَّانِي يَقُولُ: نَفْسُ هَذَا الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْفَاعِلِ، كَالْعِدَّةِ.

стр. 3017

قَالَ: وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ فَهَلْ تَجُوزُ؟ إنْ أَمْكَنَهُ إيضَاحُ الْفَسَادِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا. وَمِثْلُهَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: لَا يَصِيرُ مُفْرِطًا بِتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ، فَلَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهَا إذَا تَلِفَ الْمَالُ أَوْ مَاتَ. فَيُقَالُ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِحَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بِتَأْخِيرِهَا وَلَا تَرْكِهَا أَصْلًا (قَالَ) : وَقَدْ يُعَارَضُ الْمُحَالُ بِالْمُحَالِ: كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ: مَا أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ. فَيُقَالُ لَهُ: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ آخِرٌ بِلَا أَوَّلٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلٌ بِلَا آخِرٍ، وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ لَا نَجِسٌ وَلَا طَاهِرٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَابِلَ لِلضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِهِمَا. (قَالَ) : وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ حَقِيقَةً وَلَكِنْ قُصِدَ بِهِ امْتِحَانُ الْمَذَاهِبِ. (انْتَهَى) . وَمَسْأَلَةُ مُعَارَضَةِ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى سَبَقَتْ فِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِيهَا. وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ " الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ " بِمَنْعِهَا، لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا، إذْ لَا يُلْزَمُ أَحَدٌ بِدَعْوَى الْآخَرِ. قَالَ الْإِمَامُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْرَجَ دَعْوَاهُ مَخْرَجَ الْحُجَّةِ فَيُعَارِضُ بِمِثْلِهَا. كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ: الْمُسْتَحَاضَةُ تَسْتَظْهِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَا الْفَصْلُ بَيْنَك وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: لَا تَسْتَظْهِرُ، أَوْ تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فَالْقَوْلُ سَاقِطٌ. [السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ] السَّادِسَ عَشَرَ: سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ وَأَدْرَجَهُ الْهِنْدِيُّ فِي سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، وَهِيَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ

стр. 3018

فِي الْأَصْلِ مَعْنًى غَيْرَ مَا عَيَّنَهُ، وَيُعَارِضُ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُسْتَدِلِّ: مَا عَلَّلْتُ بِهِ وَإِنْ تَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَكَذَا مَا عَلَّلْتَ بِهِ يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ آخَرَ مُخْتَلَفٍ فِيهِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. كَقَوْلِنَا: بِكْرٌ فَجَازَ إجْبَارُهَا كَالصَّغِيرَةِ. فَيُقَالُ: وَالْبَكَارَةُ وَإِنْ تَعَدَّتْ لِلْبِكْرِ الْبَالِغِ فَالصِّغَرُ مُتَعَدٍّ إلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ. وَهَذَا أَيْضًا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ زِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ. وَجَوَابُهُ إبْطَالُ مَا عَارَضَ بِهِ، وَحَذْفُهُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَهَلْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ مِنْ التَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ أَوْ لَا يَجِبُ؟ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَجِبُ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ ﵀: بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ فِي التَّعْدِيَةِ أَثَرٌ فِي الْمُعَارَضَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لِإِبْطَالِهِ. وَلَخَّصَ الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ " الْبُرْهَانِ " سِرَّ التَّعْدِيَةِ فَحَمَلَ الْأَمْرَ إلَى أَنَّ سِرَّهَا التَّبَرِّي مِنْ عُهْدَةِ النِّسْبَةِ إلَى الْعِنَادِ بِإِيرَادِ وَصْفٍ لَا يُعْتَقَدُ اعْتِبَارُهُ، فَعَدَّاهُ الْمُعْتَرِضُ إلَى فُرُوعِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَيُفَرِّعُهُ عَلَيْهِ. (قَالَ) : وَهَذَا أَمْرٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ غَرَضِ الْجَدَلِ، فَإِنَّ الِاعْتِنَاءَ بِهِ دَفْعٌ لِسُوءِ الِاعْتِقَادِ الَّذِي يَدْفَعُهُ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ بِالْجَدَلِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَلَعَمْرِي إنَّهُ كَمَا قَالَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سِرٌّ سِوَى هَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ سِرُّهَا عِنْدَ وَاضِعِهَا أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إذَا عَارَضَ مَعْنَى الْأَصْلِ بِمَعْنًى أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْمُسْتَدِلُّ: مَعْنَايَ أَوْلَى، لِأَنِّي قَدْ حَقَّقْت تَعْدِيَتَهُ إلَى الْفَرْعِ، وَإِنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا لَوْلَاهُ مَا اسْتَفَدْنَاهُ. وَغَايَةُ مَا صَنَعْت أَنَّك أَبْدَيْت مَعْنًى فِي الْأَصْلِ، فَلَعَلَّهُ

стр. 3019

قَاصِرٌ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ يَتَحَقَّقُ بِهِ كَوْنُهُ مُفِيدًا، فَيُبَيِّنُ الْمُعْتَرِضُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُسَاوِي الْمُسْتَدِلَّ. فَإِنْ عَدَّى مَعْنَاهُ إلَى فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهِ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مُفِيدًا مُتَعَدِّيًا. وَحَاصِلُ الْأَمْرِ طَلَبُ تَسَاوِي الِانْعِدَامِ بَيْنَ الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ، وَدَفْعُ احْتِمَالِ الْقُصُورِ الَّذِي هُوَ إمَّا قَادِحٌ إنْ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ قَاصِرَةٌ مَرْدُودَةٌ، أَوْ مَرْجُوحٌ إنْ بَنَيْنَا عَلَى أَنَّهَا مَقْبُولَةٌ وَلَكِنَّ التَّعْدِيَةَ أَوْلَى. مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ وَالْمُعَارَضَةِ، وَالْقَلْبِ، وَالنَّقْضِ، وَالْمَنْعِ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ، بَلْ يَتَوَجَّهُ عَلَى سَائِرِ الْأَدِلَّةِ مِنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، إلَّا الْمَنْعَ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَتْنِ الْكِتَابِ. وَفَسَادِ الْوَضْعِ، وَالْفَرْقِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِبَيَانِ التَّأْثِيرِ، وَالتَّرْكِيبِ، وَالْكَسْرِ، وَكَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَجْرِي فِيهِ الْقِيَاسُ مُخْتَصٌّ بِالْقِيَاسِ.

стр. 3020

[فَصْلٌ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ] فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: لَا يَجِبُ تَرْتِيبُهَا، وَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُعْتَرِضِ فِيمَا يُورِدُهُ مِنْهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ. الثَّانِي: يَجِبُ التَّرْتِيبُ، إذْ لَوْ جَاوَزْنَا إيرَادَهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ لَأَدَّى إلَى التَّنَاقُضِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْمَنْعُ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ يُوجَدُ النَّقْضُ أَوْ الْمُطَالَبَةُ قَبْلَ الْمَنْعِ ثُمَّ يُمْنَعُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَارِفًا، وَإِلَّا فَيَفُوتُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَقْصُودِهِ فِي الِاسْتِرْشَادِ. الثَّالِثُ: إنْ اتَّحَدَ جِنْسُ السُّؤَالِ، كَالنَّقْضِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَازَ إيرَادُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ، لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ. وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ وَحَكَى الْآمِدِيُّ فِي هَذَا الْقِسْمِ اتِّفَاقَ الْجَدَلِيِّينَ. فَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَجْنَاسُهَا، كَالْمَنْعِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ وَنَحْوِهِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَسْئِلَةُ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ قَالَ الْآمِدِيُّ: فَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا إلَّا أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ، فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الِاقْتِصَارَ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِهِ إلَى الضَّبْطِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْخَبْطِ. وَإِنْ كَانَتْ مُرَتَّبَةً، كَالْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ، فَيُقَدَّمُ الْمَنْعُ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ وَلَا يُعْكَسُ هَذَا التَّرْتِيبُ، وَإِلَّا لَزِمَ الْإِنْكَارُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْجَدَلِيِّينَ. وَقِيلَ: لَا يُمْنَعُ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْوَصْفِ وَإِنْ سَلَّمَ عَنْ الْمَنْعِ تَقْدِيرًا فَلَا يُسَلِّمُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ

стр. 3021

لَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ إذَا لَزِمَ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مُنِعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. فَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ كَانَ التَّرْتِيبُ مُسْتَحْسَنًا لَا لَازِمًا. فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا: قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُطَالَبَاتِ أَوَّلًا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُثْبِتْ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ لَمْ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ بِالْقَوَادِحِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى صُورَةِ الْأَدِلَّةِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا. ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ. ثُمَّ إذَا بَدَأَ بِالْمُنُوعِ فَالْأَوْلَى يَمْنَعُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الدَّعْوَى، ثُمَّ يَمْنَعُ ظُهُورَهُ وَانْضِبَاطَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ كَوْنِهِ دَلِيلًا، ثُمَّ يَمْنَعُ كَوْنَهُ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ. فَإِذَا نَقَضَ الْمُنُوعَ شَرَعَ فِي الْقَوَادِحِ، فَيَبْدَأُ بِالْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِوُضُوحِ مَأْخَذِهِ، ثُمَّ بِفَسَادِ الْوَضْعِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالشَّرْعِ، ثُمَّ بِالْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ كَأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَوَاتُ شَرْطِ كَوْنِهِ عِلَّةً، ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَطْرِيقِ الْإِكْمَالِ لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ، ثُمَّ بِالنَّقْضِ وَالْكَسْرِ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِدَلِيلِ الِاعْتِبَارِ بِدَلِيلِ الْإِهْدَارِ، ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّرْتِيبِ شَيْءٌ لَازِمٌ سِوَى تَأْخِيرِ الْمُعَارَضَةِ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْقُدَمَاءِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ [إلَى أَنَّهُ] يَبْدَأُ بِالْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّائِلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ مَمْنُوعًا أَوْ مُسَلَّمًا، وَلَا كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ أَوْ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ بِأَنَّ الْأَصْلَ مُعَلَّلٌ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ بِتَأْثِيرِهَا، ثُمَّ بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً وَمَحَلُّهَا غَيْرُ فَاسِدِ الْوَضْعِ، ثُمَّ بِالْمُحَامَاةِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ، ثُمَّ بِالْقَلْبِ، ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ. (قَالَ) هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ. وَكَذَا جَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُعَارَضَةَ آخِرَ الْأَسْئِلَةِ، لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الدَّلِيلَ خَالِيًا عَنْ الْقَوَادِحِ كُلِّهَا فَإِذْ ذَاكَ

стр. 3022

يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الْمُعَارَضَةِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْجَدَلِيِّينَ - وَارْتَضَاهُ مُتَأَخِّرُو الْأُصُولِيِّينَ: أَوَّلُ مَا يُبْدَأُ بِهِ الِاسْتِفْسَارُ، ثُمَّ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ، ثُمَّ يُمْنَعُ حُكْمُ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعِلَّةِ، لِأَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْعِلَّةِ بَعْدَهُ، ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ النَّظَرُ فِي عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، كَالْمُطَالَبَةِ، وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ، وَالْقَدْحُ فِي الْمُنَاسَبَةِ، وَالتَّقْسِيمُ، وَعَدَمُ ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ، وَكَوْنُ الْحُكْمِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْإِفْضَاءِ إلَى ذَلِكَ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ، لِكَوْنِهِمَا مُعَارَضَةً لِلدَّلِيلِ، ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ لِلْعِلَّةِ فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَعَارُضِ دَلِيلِ الْعِلَّةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ وَالتَّرْكِيبِ، لِأَنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ بَعْدَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ لِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، وَمُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ فِي الضَّابِطِ فِي الْحُكْمِ، وَالْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ، وَسُؤَالُ الْقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، لِتَضَمُّنِهِ لِتَسْلِيمِ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ فِي الْجُمْلَةِ، مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْمُعَارَضَةُ لِأَنَّهَا تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّهُ نِزَاعٌ فِي دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْحُكْمِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِهِ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ إشْكَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَخَلَّ بِذِكْرِ الْفَرْقِ، وَالْقَلْبِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّهُمَا مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ النَّقْضَ، لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِلدَّلِيلِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ، فَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ، وَأَنْ لَا يَذْكُرَ الْمُطَالَبَةَ، وَلَا الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ، لِأَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَنْعِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَخَّرَ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ عَنْ النَّقْضِ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى الْمُعَارَضَةِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الدَّلِيلِ إذَا لَمْ يَسْلَمْ

стр. 3023

مِنْ الْقَوَادِحِ، كَالنَّقْضِ وَغَيْرِهِ لَا يُقَالُ بِمُوجِبِهِ لَزِمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ أَيْضًا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ عَنْ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْقَوَادِحِ، لِأَنَّهَا مُضَادَّةٌ لِلدَّلِيلِ، وَمَا لَمْ يَسْلَمْ الدَّلِيلُ عَنْ الْقَوَادِحِ لَا يُقَالُ بِمُوجِبِهِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْمُعَارَضَةِ كَوْنَ الدَّلِيلِ لَمْ يُنْصَبْ فِي مَوْضِعِهِ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ، فَلْيُقَدَّمْ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ عَلَى سَائِرِ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ فَسَادِ الْوَضْعِ لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِفَسَادِ الْوَضْعِ فَيَظْهَرُ أَنَّ حَقَّ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى جَمِيعِهَا أَوْ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ جَمِيعِهَا. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ السَّائِلُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمُخْتَلِفِ فِيهِ هَلْ يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، فَيَمْنَعُ مِنْ الْقِيَاسِ إنْ كَانَ لَا يَجُوزُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَصْلِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْعِلَّةِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا عِلَّةً، ثُمَّ يَذْكُرُ الْمُمَانَعَةَ فِي الْأَصْلِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسَلِّمًا، ثُمَّ يُطَالِبُ بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، ثُمَّ يَقُولُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ، ثُمَّ يَنْقُضُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ النَّقْضَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ يَأْتِي عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْكَسْرِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ. ثُمَّ يَأْتِي بِالْقَلْبِ وَالْمُعَارَضَةِ. (قَالُوا) : وَإِنْ خَالَفَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَبَدَأَ بِغَيْرِهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ الْأَحْسَنَ إلَّا فِي الْمُمَانَعَةِ وَالنَّقْضِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ ثُمَّ يُمَانِعَ. لِأَنَّ النَّاقِضَ يَعْتَرِفُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَيَمْنَعُ وُجُودَ الْعِلَّةِ، فَإِذَا مَانَعَ بَعْدَ الْمُنَاقَضَةِ فَقَدْ رَجَعَ فِيمَا سَلَّمَ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي " النِّهَايَةِ ": صَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ إلَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ سُؤَالَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ، لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ ثُمَّ سَلَّمَ يَكُونُ أَيْضًا مَنَعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ غَيْرُ مَسْمُوحٍ جَدَلًا، وَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ الْمَنْعِ اعْتِرَافٌ بَعْدَ إنْكَارٍ وَهُوَ مَسْمُوحٌ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فِي أَمْرِ الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ فَلَأَنْ يُسْمَعَ ذَلِكَ هَاهُنَا أَوْلَى.

стр. 3024

فَصْلٌ: ذَكَرُوا أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ تَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ تَمَّ الدَّلِيلُ وَحَصَلَ الْغَرَضُ مِنْ إثْبَاتِ الْمُدَّعَى وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ، فَيَكُونُ مَا سِوَاهَا مِنْ الْأَسْئِلَةِ بَاطِلًا فَلَا يُسْمَعُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ جَمِيعِ الْمُنُوعِ إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى جَمِيعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَبَيَانِ لُزُومِ الْحُكْمِ فِيهَا وَإِلَّا لَاتَّجَهَ الْمَنْعُ. وَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ الْمُعَارَضَةِ إلَّا بِبَيَانِ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ عَنْ كُلِّهَا وَبَيَانِ كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا إلَى ذَلِكَ: أَمَّا الِاسْتِفْسَارُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ مُحْتَمَلًا لَا يَحْصُلُ غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ إلَّا بِتَفْسِيرِهِ، فَالْمُطَالَبَةُ بِتَفْسِيرِهِ تَسْتَلْزِمُ مَنْعَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ وَمَنْعَ لُزُومِ الْحُكْمِ عَنْهُ، فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا التَّقْسِيمُ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ أَوْ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ فَيَضْطَرُّهُ الْمَنْعُ إلَى اخْتِيَارِ الْقِسْمَيْنِ، وَحِينَئِذٍ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ الْمَنْعُ أَوْ الْمُعَارَضَةُ. وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ فَهِيَ مَعَ لُزُومِ الْحُكْمِ عَنْ الْوَصْفِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي النَّقْضِ. وَأَمَّا النَّقْضُ فَمُعَارَضَةٌ، لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ. وَأَمَّا الْفَرْقُ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَا يَكُونُ بَدَا مَعْنًى فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ. وَأَمَّا الْكَسْرُ فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ النَّقْضِ، وَالنَّقْضُ مُعَارَضَةٌ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ مَعَ اسْتِيفَاءِ النِّزَاعِ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ مَنْعُ لُزُومِ الْحُكْمِ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ

стр. 3025

وَأَمَّا الْقَلْبُ فَمُعَارَضَةٌ فِي الْحُكْمِ، وَقِيلَ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ. وَأَمَّا عَدَمُ التَّأْثِيرِ فَمُعَارَضَةٌ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا احْتَجَّ بِالْقِيَاسِ فَقَالَ لَهُ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْته مِنْ الْمَعْنَى الْجَامِعِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِهِ كَانَ ذَلِكَ مُعَارَضَةً فِي الْمُقَدِّمَةِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مُقَدِّمَةٌ فِي الْقِيَاسِ. وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى الْقَدْحِ فِي كَوْنِ الْجَامِعِ عِلَّةً بِبَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُعَارَضَةٌ فِي الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَدَّعِي كَوْنَ الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ عِلَّةً، وَالْمُعْتَرِضُ لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ يُبَيِّنُ كَوْنَ بَعْضِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً لَا ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ كُلِّهِ، وَذَلِكَ مُعَارَضَةٌ لِلْكُلِّ بِالْبَعْضِ، وَهُوَ لَطِيفٌ غَامِضٌ. وَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَهُوَ مُعَارَضَةٌ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَيْفِيَّةُ تَوْجِيهِهِ أَنْ يُقَالَ: مُوجِبُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ رَاجِحٌ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ وَيُبَيِّنُهُ بِطَرِيقِهِ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ مُوجِبُهُ لَلَزِمَ التَّرْكُ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، وَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ. وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ شَرْطُ الْغَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لَهُ ذَاتًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ، احْتِرَازًا مِنْ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ فَهُوَ مُعَارَضَتُهُ لِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ، كَانَ الْمُعَارَضَةُ عِبَارَةً عَنْ إقَامَةِ دَلِيلٍ يُوقَفُ بِهِ دَلِيلُ خَصْمِهِ. وَالتَّرْجِيحُ كَذَلِكَ. لِأَنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الرَّاجِحِ، فَيَدْفَعُ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا. وَأَمَّا فَسَادُ الْوَضْعِ فَهُوَ مَنْعُ لُزُومِ الْحُكْمِ عَنْ الدَّلِيلِ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ النَّصُّ مَوْجُودًا لَكِنَّ النَّصَّ مَوْجُودٌ. وَأَمَّا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ فَيَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ مَعَ ثُبُوتِ الْقِيَاسِ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ وَقَدْ وُجِدَ النَّصُّ وَاعْتِبَارُ الْقِيَاسِ عَلَى وُجُودِهِ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، فَإِذًا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ رَاجِعٌ إلَى مَنْعِ لُزُومِ الْحُكْمِ، وَأَمَّا دَعْوَى

стр. 3026

كَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمُعَارَضَةِ فِي الْعِلَّةِ أَوْ فِي الْحُكْمِ. وَإِذَا عَلِمْتَ رُجُوعَ جَمِيعِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَنْعِ. فَائِدَةٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: حَالُ الْمُتَنَاظِرَيْنِ، أَوْ النَّاظِرِ مَعَ نَفْسِهِ، فِي طَلَبِ وَجْهِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَحَالِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ الْحَاكِمِ، فَالْمُسْتَدِلُّ كَالْمُدَّعِي، وَالسَّائِلُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ كَالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ. وَأَصْلُ الْقِيَاسِ فِي الشَّاهِدِ. وَعِلَّةُ الْأَصْلِ كَنُطْقِ الشَّاهِدِ بِأَدَاءِ شَهَادَتِهِ. وَالشَّرْعُ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْحَاكِمُ الَّذِي يُنَفِّذُ الْحُكْمَ أَوْ يَرُدُّ، بِالتَّصْدِيقِ أَوْ بِالتَّكْذِيبِ. وَرَدُّ السَّائِلُ الْقِيَاسَ لِوُجُودِ النَّظَرِ كَتَزْيِيفِ الشُّهُودِ وَرَدِّهِمْ بِأَمْرٍ لَازِمٍ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَالْمُمَانَعَةُ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ وَوَصْفِهِ كَإِنْكَارِ حُضُورِ الشُّهُودِ. وَالْمُمَانَعَةُ فِي وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ كَإِنْكَارِ شَهَادَتِهِمْ، وَمِثْلُهُ إنْكَارُ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ، وَالْوَضْعُ الْفَاسِدُ كَتَنَافِي الشَّهَادَةِ وَتَوَافُقِهَا. وَالْمُطَالَبَةُ بِالدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ كَتَكْلِيفِ الْمُدَّعِي تَعْدِيلَ الشُّهُودِ. وَالنَّقْضُ كَإِظْهَارِ كَذِبِ الشُّهُودِ فِي مِثْلِ مَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ. وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ كَتَفْسِيرِ الشَّهَادَةِ بِمَا يَحْتَمِلُهَا لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهَا بِالشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ. وَالْمُعَارَضَةُ كَمُقَابَلَةِ الشُّهُودِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِخِلَافِهَا، فَتَتَهَافَتُ الشَّهَادَتَانِ، وَكُلُّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْقِيَاسِ، وَإِذَا سَلِمَ مِنْهَا كَانَ مَعْمُولًا بِهِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الْبَلْعَمِيُّ: الِانْقِطَاعُ كَاسْمِهِ، وَحُكْمُهُ مُقْتَضَبٌ مِنْ لَفْظِهِ، وَهُوَ

стр. 3027

قُصُورُهُ عَنْ بُلُوغِ مَغْزَاهُ، وَعَجْزُهُ عَنْ إظْهَارِ مُرَادِهِ وَمُبْتَغَاهُ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: الِانْقِطَاعُ مِنْ الْمُجِيبِ مَا دَامَ السَّائِلُ مُطَالِبًا يَكُونُ إمَّا بِالْخُرُوجِ مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى مَسْأَلَةٍ عَنْ جَوَابِ مَا سَأَلَ عَنْهُ، أَوْ الِاعْتِرَافِ بِأَنْ لَا جَوَابَ عَنْهُ، أَوْ كَوْنِ مَا يَدْفَعُهُ عَدَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ إمَّا جَحَدَ الضَّرُورَةَ أَوْ سَمِعَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ، أَوْ السُّكُوتِ عَنْ الْجَوَابِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فِيهِ. وَانْقِطَاعُ السَّائِلِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ زِيَادَةٌ فِي سُؤَالِهِ، وَقَدْ يَتَهَيَّأُ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ: هَذَا مَذْهَبٌ صَحِيحٌ وَإِلَيْهِ كُنْت أَدْعُوك اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَدْ ظَهَرَ مِنْ الْخِلَافِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا. وَالْخُرُوجُ مِنْ مَسْأَلَةٍ إلَى أُخْرَى لَا يَتَّصِلُ لِمُنَاقَضَةِ الْخَصْمِ أَوْ السُّكُوتِ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الْجَوَابُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الِانْقِطَاعُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَجْزِ عَنْ بُلُوغِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ إمَّا بِانْتِقَالِهِ مِنْ دَلِيلٍ لَمْ يُصَحِّحْهُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ بِالدَّلِيلِ، فَقِيلَ: انْقِطَاعٌ، وَالتَّحْقِيقُ: إنْ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحُكْمِ لَمْ يَكُنْ انْقِطَاعًا وَلَا انْتِقَالًا. وَهَذَا كَمَا سَأَلَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ الشَّافِعِيَّ عَنْ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ فَقَالَ: (هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ؟)

стр. 3028

وَهَذَا إنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ.

стр. 3029

[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ] وَقَدْ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: وَإِذَا تَنَقَّلَ فِي الْجَوَابِ مُجَادِلٌ ... دَلَّ الْعُقُولَ عَلَى انْقِطَاعٍ حَاصِرٍ وَلِأَنَّا لَوْ جَوَّزْنَاهُ لِمَ بَاتَ إفْحَامُ الْخَصْمِ وَلَا إظْهَارُ الْحَقِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْرَعُ فِي كَلَامٍ وَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْمُنَاظَرَةِ وَهُوَ إظْهَارُ الْحَقِّ وَإِفْحَامُ الْخَصْمِ. وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا اسْتَفَادَ مِنْ الْكَلَامِ الْمُتَنَقِّلِ عَنْهُ فَائِدَةً لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَوَّلًا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ تِلْكَ الْفَائِدَةُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْإِرْشَادِ ". فَأَمَّا السَّائِلُ لَوْ انْتَقَلَ مِنْ السُّؤَالِ قَبْلَ تَمَامِهِ وَقَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَازِمٌ فَبَانَ خِلَافَهُ فَمَكِّنُونِي مِنْ سُؤَالٍ آخَرَ فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْهُ إذَا كَانَ انْحِدَارًا مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى. فَإِنْ كَانَ تَرَقِّيًا مِنْ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى، كَمَا لَوْ أَرَادَ التَّرَقِّي مِنْ الْمُعَارَضَةِ إلَى الْمَنْعِ فَقِيلَ: لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ. وَقِيلَ: يُمَكَّنُ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْإِرْشَادُ. وَأَمَّا الْمَسْئُولُ فَيُمَكَّنُ مِنْ الْغَرَضِ كَمَا سَيَأْتِي. وَلَوْ أَرَادَ الْعُدُولَ مِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ لَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ كَانَ مُنْقَطِعًا. فَإِنْ تَرَكَ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ لِعَجْزِ السَّائِلِ عَنْ فَهْمِهِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا. وَعَلَى ذَلِكَ حُمِلَتْ قَضِيَّةُ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -. وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ الِانْتِقَالَ مُطْلَقًا. مُحْتَجًّا بِالِاحْتِجَاجِ عَلَى الْكَافِرِ

стр. 3030

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] بَعْدَ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِانْتِقَالٍ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ فِي صَنْعَةِ الْجَدَلِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْمُلْحِدِ بِمَا يَعْجِزُ هُوَ عَنْهُ وَيَعْتَرِفُ بِهِ. وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ، أَوْرَدَ الْمُلْحِدُ شُبْهَةً خَيَالِيَّةً عَلَيْهِ فَبَدَّلَ ذَلِكَ الْمِثَالَ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ بِمِثَالٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمِثَالَيْنِ يَعْجِزُ عَنْهُ الْمُلْحِدُ قَطْعًا، إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الثَّانِيَ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عَلَيْهِ، فَإِذَنْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا يَعْجِزُ مُدَّعِي الْإِلَهِيَّةِ عَنْهُ، وَالْمِثَالَانِ مُشْتَرَكَانِ فِي ذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُبْدِيَ خَيَالًا فَاسِدًا عَلَيْهِ، وَالثَّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ. وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمِثَالَيْنِ وَلَيْسَ انْتِقَالًا أَصْلًا. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: لَيْسَ هَذَا انْتِقَالًا، لِأَنَّ خَصْمَهُ لَمْ يَفْهَمْ دَلِيلَهُ الْأَوَّلَ، وَعَارَضَهُ عَلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى بِتَرْكِهِ قَتْلَ مَنْ يُمْكِنُهُ قَتْلُهُ. وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ بَاقِيَةٌ لِعَجْزِهِ عَنْ إحْيَاءِ مَنْ قَدْ مَاتَ، فَلَمَّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْحُجَّةُ أَلْزَمَهُ حُجَّةً أُخْرَى هِيَ إلَى فَهْمِ خَصْمِهِ أَقْرَبُ فَقَالَ: إنْ كُنْت إلَهًا فَاقْلِبْ الشَّمْسَ فِي سَيْرِهَا إلَى طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا إنْ كُنْت مُجْرِيهَا، فَاعْتَرَفَ خَصْمُهُ عَنْ جَوَابِهِ فِي الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ وَكَانَ فِي التَّحْقِيقِ مُنْقَطِعًا عَنْ الْجَوَابِ فِي الْأُولَى قَبْلَ الثَّانِيَةِ لَوْ أَنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَرْبَعِينَ ": الدَّلِيلُ كَانَ شَيْئًا وَاحِدًا وَهُوَ حُدُوثُ مَا لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى إحْدَاثِهِ، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قَادِرٍ آخَرَ غَيْرِ الْخَلْقِ. ثُمَّ هَذَا الْمَعْنَى لَهُ أَمْثِلَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا. فَهَذَا كَانَ انْتِقَالًا مِنْ مِثَالٍ إلَى مِثَالٍ. أَمَّا الدَّلِيلُ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَالَيْنِ.

стр. 3031

[فَصْلٌ فِي الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ] اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْئُولِ فِي الدَّلَالَةِ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي بَعْضِ شُعَبِهَا وَفُصُولِهَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا فَوَاضِحٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا جَازَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الْكُلِّ وَثَبَتَ الدَّلِيلُ فِي بَعْضِهَا ثَبَتَ الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ فِي غَيْرِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يَجُزْ. وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى غَيْرِهَا فَيَجُوزُ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَسْأَلَةِ. وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ، كَقَوْلِ الظَّاهِرِيِّ فِي الْغُسْلِ لَا. بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْقِيَاسِ، وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَرْعِيَّةٍ، كَالْخِلَافِ فِي الشَّعْرِ هَلْ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ؟ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ أَمْ لَا؟ هَذَا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا. فَإِنْ اخْتَلَفَ لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. كَمَا لَوْ سُئِلَ الْحَنَفِيُّ عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فَقَالَ: أَنَا أَبْنِيهِ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ الْبِنَاءُ، لِأَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ كَثُرَ فِي عِبَارَاتِهِمْ (وَالْفَرْضُ وَالْبِنَاءُ) مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ. وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَسْأَلَ الْمُسْتَدِلُّ عَامًّا فَيُجِيبُهُ خَاصًّا، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ صُوَرٍ، فَيَسْأَلُ السَّائِلُ عَنْهُ سُؤَالًا لَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ عَلَى جَمِيعِ صُوَرِهَا، فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ صُورَةٍ أَوْ صُورَتَيْنِ مِنْهَا، لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الْقَطْعُ

стр. 3032

وَالتَّقْدِيرُ، فَكَأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ اقْتَطَعَ تِلْكَ الصُّورَةَ عَنْ أَخَوَاتِهَا فَأَجَابَ عَنْهَا. وَهُوَ إمَّا فَرْضٌ فِي الْفَتْوَى، كَمَا لَوْ سُئِلَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، هَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، لِوُرُودِ النَّهْيِ، فَإِنَّ بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ مِنْ صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا عَيْنِهِ. وَإِمَّا فَرْضٌ فِي الدَّلِيلِ بِأَنْ يَبْنِيَ عَامًّا وَيَدُلَّ خَاصًّا، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ، لِأَنَّهُ « ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ» . وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَدِلُّ يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا، فَإِذَا تَمَّ لَهُ فِيهَا الدَّلِيلُ بَنَى الْبَاقِيَ مِنْ الصُّوَرِ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الْفَرْضُ وَالْبِنَاءُ. وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِهِ: فَذَهَبَ ابْنُ فُورَكٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ حَقَّ الْجَوَابِ أَنْ يُطَابِقَ السُّؤَالَ. وَذَهَبَ غَيْرُهُ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ إلَى الْجَوَازِ، لِأَنَّ الْمَسْئُولَ قَدْ لَا يَجِدُ دَلِيلًا إلَّا عَلَى بَعْضِ صُوَرِ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَرِدُ عَلَى جَوَابِهِ الْعَامِّ إشْكَالٌ لَا يَنْدَفِعُ، فَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِالْفَرْضِ الْخَاصِّ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتْ عِلَّةُ الْفَرْضِ شَامِلَةً لِسَائِرِ الْأَطْرَافِ. (قَالَ) : وَالْمُسْتَحْسَنُ مِنْهُ هُوَ الْوَاقِعُ فِي طَرَفٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عُمُومُ سُؤَالِ السَّائِلِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِشْعَارِ انْتِشَارِ الْكَلَامِ فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ وَعَدَمِ وَفَاءِ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِاسْتِتْمَامِ الْكَلَامِ فِيهَا. وَحَاصِلُهُ: إنْ ظَهَرَ انْتِظَامُ الْعِلَّةِ الْعَامَّةِ فِي الصُّورَتَيْنِ كَانَ مُسْتَحْسَنًا وَإِلَّا كَانَ مُسْتَهْجَنًا. وَفَائِدَتُهُ كَوْنُ الْعِلَّةِ قَدْ تَخْفَى فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَفِي بَعْضِهَا أَظْهَرُ. فَالتَّفَاوُتُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ خَاصَّةً وَالْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا بِمَثَابَةِ تَوَجُّهِ النَّهْيِ

стр. 3033

إلَى جَمِيعِ أَذِيَّاتِ الْأَبِ إلَى التَّأْفِيفِ. وَيُشْبِهُ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّوَاطُؤِ وَالْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّ نِسْبَةَ الْآحَادِ إلَى التَّوَاطُؤِ مُتَسَاوِيَةٌ، بِخِلَافِ الْمُشْكِلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَأَعْجَبَنِي مِنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامٌ أَوْرَدَهُ فِي اسْتِبْعَادِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ سَهْمٍ، فَإِنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ حَمَلَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الْأَقَلِّ: فَمَهْمَا سَلَّمَهُ الْوَرَثَةُ خَرَجُوا بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ. فَكَانَ يَسْتَبْعِدُ هَذَا وَيَفْرِضُ فِيمَا لَوْ اُحْتُضِرَ مُتَمَوِّلٌ وَاسِعُ الْمَالِ فَعَطَفَهُ الْحَاضِرُونَ عَلَى وَلَدِ وَلَدٍ تُوُفِّيَ فِي حَيَاتِهِ وَقِيلَ لَهُ: إنَّ وَلَدَ وَلَدِك لَا مِيرَاثَ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فَلَوْ وَصَلْتَ رَحِمَهُ وَأَغْنَيْتَ فَقْرَهُ بَعْدَك بِأَنْ تُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِك لِيَكُونَ لَهُ مَعَ وَلَدِك مَدْخَلٌ. فَقَالَ الْمُحْتَضَرُ: قَدْ أَوْصَيْت لَهُ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِي، وَأَوْصَى عَمُّهُ بِهِ حِينَ تُوُفِّيَ هَذَا الْمُحْتَضَرُ، فَعَمَدَ وَلَدُهُ إلَى سَفَرْجَلَةٍ أَوْ تَمْرَةٍ فَسَلَّمَهَا لِوَلَدِ الْوَلَدِ زَاعِمًا أَنَّ هَذَا مُرَادُ أَبِيهِ لِقَطْعِ كُلِّ عَاقِلٍ بِأَنَّ هَذَا الْوَارِثَ مُدَافِعٌ لِلْوَصِيَّةِ مُرَادٌ. وَكَانَ الشَّيْخُ يَسْتَصْوِبُ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي حَمْلِهِ (السَّهْمَ) عَلَى إلْحَاقِ الْمُوصَى لَهُ بِسُهْمَانِ الْوَرَثَةَ. لَكِنْ يَرْجِعُ إلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا فَيُعْطَى مِثْلَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْمُعَرَّفِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْأَقَلِّ. وَمِثْلُ هَذَا الْفَرْضِ يُسْتَحْسَنُ لَا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِ الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ شَامِلًا لِلْجَمِيعِ وَلَكِنْ شُمُولًا مُتَفَاوِتًا. قَالَ: ثُمَّ وَقَعَ لِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ فِي فَرْضِهِ إيقَافٌ لِلْأَذْهَانِ فِي مُبَادِيهَا، وَإِذَا تُؤُمِّلَ انْدَفَعَ التَّشْنِيعُ مِنْ الْفَقِيهِ الْمُفْتِي بِأَقَلِّ شُمُولٍ لَا الْمُوصِي الَّذِي هُوَ الْحَقِيقُ بِاللَّوْمِ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُوصِيَ لَوْ قَالَ فِي السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ: ادْفَعُوا لَهُ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قَبُولِ السَّفَرْجَلَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى سَائِرِ الْمَذَاهِبِ. وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ بِهَا، وَلَا لَوْمَ عَلَى الْفَقِيهِ إذَا قَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا عَدَلَ الْمُوصِي عَنْ التَّعْيِينِ وَقَالَ: ادْفَعُوا لَهُ سَهْمًا أَوْ جُزْءًا. وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ (الْأَكْثَرَ) لَا يَنْضَبِطُ. وَكَذَلِكَ

стр. 3034

الْأَوْسَطُ) لِتَعَدُّدِ حَالِ الْوَسَائِطِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْأَطْرَافِ الثَّلَاثَةِ إلَّا (الْأَقَلُّ) فَكَانَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ، فَاللَّائِمَةُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمُوصِي لَا عَلَى الْمُفْتِي. وَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ مَسْأَلَةٍ عَلَى أُخْرَى إنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَإِنْ ابْتَدَأَ الدَّلَالَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْبِنَاءَ فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْأُصُولِ، كَاسْتِدْلَالِ الْمَالِكِيِّ عَلَى الْحَنَفِيِّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَذَانِ. فَإِنْ سَلَّمَ الْحَنَفِيُّ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا عَدَلَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ، وَإِلَّا قَالَ لَهُ الْمَسْئُولُ: هَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِي، وَأَنَا أَبْنِي فَرْعِي عَلَى أَصْلِي، فَإِنْ سَلَّمْت وَإِلَّا نَقَلْت الْكَلَامَ، فَإِنْ نَقَلَ جَازَ، وَإِنْ قَالَ: لَا أُسَلِّمُ وَلَا أَنْقُلُ الْكَلَامَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ فَرْعًا يُمَانِعُهُ السَّائِلُ، فَإِنْ أَرَادَ نَقْلَ الْكَلَامِ إلَى مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، اعْتِبَارًا بِبِنَائِهَا عَلَى أَصْلٍ مِنْ الْأُصُولِ الظَّاهِرَةِ.

стр. 3035

[فَصْلٌ فِي حِيَلِ الْمُتَنَاظِرِينَ] فَصْلٌ قَالَ الْبَلْعَمِيُّ فِي الْغَرَرِ ": أَلْطَفُ حِيَلِ الْمُتَنَاظِرِينَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ أَحَدُهَا: نَقْلُ السَّائِلِ عَنْ سُؤَالٍ: وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اسْتِشْهَادِهِ عَلَى الْمُجِيبِ بِمَا يَلْزَمُهُ وَيَقْطَعُهُ. فَإِذَا أَرَادَ الْمُجِيبُ نَقْلَهُ جَحَدَ بَعْضَ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا، فَإِذَا بَيَّنَهُ اخْتَلَطَ الْكَلَامَانِ، وَبِهِ يَنْقُلُهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلَى غَيْرِهَا، فَيَجِبُ عَلَى السَّائِلِ إمْعَانُ النَّظَرِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَالثَّانِي: تَقْسِيمُ السُّؤَالِ: وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ الْمُجِيبُ إلَى أَحْوَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لِوُجُوهٍ شَتَّى قَسَّمَهُ عَلَى وُجُوهِهِ لِيُطِيلَ مُنَاظَرَةَ السَّائِلِ وَيَشْغَلَ قَلْبَهُ عَنْ قُوَّةِ الْمُنَاظَرَةِ، فَيَبْطُلُ غَرَضُ السَّائِلِ فِي الْجَدَلِ. فَالْوَاجِبُ عَلَى السَّائِلِ أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْ التَّقْسِيمِ، لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِ غَرَضُهُ. الثَّالِثُ: ضَرْبُ الْأَمْثَالِ: وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ تَكْثِيرَ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ فِي الْقُرْآنِ لِيَجْبُنَ خَصْمُهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي جَوَابِ دَعْوَاهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١] وَقَوْلُهُ: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فَإِذَا أَرَادَ الْخَصْمُ إلْزَامَهُ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَانْقَطَعَ دُونَهُ تَلَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]

стр. 3036

[فَصْلٌ فِي التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ] لَخَّصْتُهُ مِنْ كَلَامِ إلْكِيَا: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمَذَاهِبِ إلَّا بِدَلِيلٍ إجْمَاعِيٍّ أَوْ مُسْتَقِلٍّ مِنْ أَوْضَاعِ الشَّرْعِ وِفَاقًا. وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ فِي الْمُنَاظَرَةِ: - فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى جَوَازِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْجَدَلِ تَضْيِيقُ الْأَمْرِ عَلَى الْخَصْمِ وَإِبَانَةُ اسْتِقَامَةِ أَصْلِهِ. - وَفَصَّلَ الْقَاضِي تَفْصِيلًا حَسَنًا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الْمُنَاقَضَةُ عَائِدَةً إلَى تَفَاصِيلِ أَصْلٍ لَا يَرْتَبِطُ فَسَادُهَا وَصِحَّتُهَا بِفَسَادِ الْأَصْلِ بِحَالٍ، بَلْ الْأَصْلُ إذَا ثَبَتَ اُسْتُصْحِبَ حُكْمُهُ عَلَى الْفَرْعِ فَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَلَئِنْ قِيلَ: فِيهَا مَقْصُودٌ صَحِيحٌ وَهُوَ اضْطِرَارُ الْخَصْمِ إلَى إبَانَةِ الْحُجَّةِ الَّتِي يُعَوِّلُ الْخَصْمُ عَلَيْهَا فَبِهِ يَتِمُّ النَّظَرُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَأْخَذِ عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ، وَلَكِنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْفَرْعَ فَاسِدٌ لِفَسَادِ نَظَرِ الْخَصْمِ فِيهِ عَلَى الْخُصُوصِ لَا فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا يَعِزُّ وُجُودُهُ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ كَانَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ التَّعَلُّقُ بِالْفَرْعِ مِنْ قَبْلِ امْتِحَانِ الْأَصْلِ بِسِيَاقِهِ وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرْعَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْأَصْلِ، فَيَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ وِفَاقًا. وَسَبَبُ هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّ الَّذِي يَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَيُفْتَى فِيهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَصْبِ دَلِيلٍ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ، وَلَنْ يَتَحَقَّقَ نَصْبُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) الْهُجُومُ عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَالْبَحْثُ عَنْ الْمَعْنَى، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ. وَ (الثَّانِي) أَنْ يَنْقَدِحَ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ إلَى إثْبَاتِ مَذْهَبِهِ

стр. 3037

إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَذْهَبَانِ، أَوْ اعْتِرَافًا بِأَنَّ مَا عَدَا الْمَذْهَبَيْنِ بَاطِلٌ. وَإِقْرَارُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا حُجَّةٌ. مَسْأَلَةٌ قَالَ: إذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ وَصْفًا وَقَاسَ عَلَى أَصْلٍ فَهَلْ عَلَيْهِ إثْبَاتُ عِلَّةِ الْأَصْلِ بِطَرِيقٍ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ أَمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُقَالُ لِلسَّائِلِ: إنْ أَنْتَ أَثْبَتَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَالِحٍ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بَطَلَ تَعْلِيلُهُ؟ قَالَ إلْكِيَا: فِيهِ خِلَافٌ: فَصَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى السَّائِلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُعَلِّلَ ذَكَرَ وَصْفًا أَصْلًا، فَقَدْ وُجِدَ فِيهِ حَدُّ الْقِيَاسِ وَرُكْنُهُ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ يَرْبِطُ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِنَّمَا يَفْسُدُ لِاخْتِلَالِ الشَّرَائِطِ، وَهَذَا لَيْسَ بِالْعَرِيِّ عَنْ التَّحْصِيلِ. وَلَوْ فُرِضَ التَّوَاطُؤُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ هَذَا. وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مَعَ هَذَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُعَلِّلِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ مَقْصُودِهِ، لِيَخْرُجَ الْكَلَامُ عَنْ حَدِّ الدَّعْوَى بِظُهُورِ مُخَيَّلٍ. ثُمَّ الْقَوَادِحُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ. وَإِذَا عَرَفَ هَذَا فَلَوْ ذَكَرَ مَعْنًى مُنَاسِبًا كَفَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَعَانِي مُنْقَسِمَةً إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي الَّتِي لَهَا أُصُولٌ، وَالْبُطْلَانُ مُعَارِضٌ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لِلْأَصْلِ اعْتِبَارَ أَوْصَافٍ لَهَا أُصُولٌ فَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُنَاسَبَةُ فَالْأَمْرُ فِي الْوَصْفِ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِإِثْبَاتِ الطَّرْدِ حُجَّةً وَرَاءَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: إنَّ الْحُكْمَ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْأَوْصَافَ تَدُلُّ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي الطَّرْدِ، وَالْوَصْفَ عِنْدَ مُثْبِتِهِ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ عَلَى السَّوَاءِ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَالْوَصْفُ الْمُطْلَقُ كَالْمُخَيَّلِ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ إبْرَازِ الْإِخَالَةِ وَالْعَرْضِ عَلَى الْأُصُولِ، تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ.

стр. 3038

[فَصْلٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ] قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: يَصْلُحُ لِمُثْبِتِي الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي دَلِيلُهَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنِّي أُخَالِفُك فِي الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، قِيلَ لَهُ: إنْ أَنْتَ خَالَفْتنِي فِيهِمَا فَوَجْهُ دَلَالَتِي مِنْهُ كَذَا، فَإِنْ خَالَفْتنِي فِيهِ بَيِّنَتُهُ عَلَيْك، وَإِنْ سَلَّمْتَهُ فَحُجَّتِي بَيِّنَةٌ، وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَدُلَّك عَلَى الْأَوَاخِرِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ الْوَسَائِطِ. فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ أَوْ يَشُكَّ فِي الْأَصْلِ، فَهَذَا مَوْضِعُ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الدَّلِيلِ بِالدَّلِيلِ، إذْ قَدْ كَانَ الدَّلِيلُ يُسَوَّغُ فِيهِ الْخِلَافُ. وَهَذَا يُفَسِّرُ قَوْلَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ إنَّهُ إذَا سُئِلَ عَنْ الدَّلِيلِ قَالَ: الدَّلِيلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ. وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ لَأَدَّى إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. فَيُقَالُ لَهُ: لَا نُسَلِّمُ صَيْرُورَتَهُ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ مُنْحَصِرَةٌ وَشَوَاهِدُ الْعَقْلِ تَمْنَعُهُ. وَلِهَذَا لَمَّا زَعَمَ الْكُفَّارُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْبَشَرِ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ رَدَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَى مَا فِي عُقُولِهِمْ، أَيْ: أَيُّهَا الْبُلَغَاءُ الْفُصَحَاءُ إنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فَإِذَا عَجَزْتُمْ مَعَ مَا اجْتَمَعَ فِيكُمْ مِنْ الصِّفَةِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عِنْدِ الْأُمِّيِّ الَّذِي نَشَأَ بَيْنَكُمْ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ خَصْمَهُ مَا لَا يَقُولُ بِهِ إلَّا النَّقْضَ، فَأَمَّا غَيْرُهُ، كَدَلِيلِ الْخِطَابِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ، فَلِأَنَّهُ اسْتِشْهَادُ الْخُصُومِ عَلَى صَوَابِ مَذْهَبِهِمْ بِخَطَأِ غَيْرِهِمْ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الْحُذَّاقِ يُسَمُّونَ هَذَا الِاعْتِلَالَ حَدًّا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: قُلْت كَذَا وَلَمْ أَقُلْ كَذَا كَمَا قُلْت، وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى صَوَابِ قَوْلِهِ فِي تَرْكِ مَا تَرَكَهُ وَاخْتِيَارِ

стр. 3039

مَا اخْتَارَهُ بِخَطَأِ خَصْمِهِ فِي تَرْكِ مَا يَدَّعِيهِ مَعَ اخْتِيَارِهِ لِنَظِيرِهِ. مِثَالُهُ: لَوْ سَأَلَ الشَّافِعِيُّ مَالِكِيًّا فِي الْمُصَلِّي تَطَوُّعًا إذَا قَطَعَهُ لِعُذْرٍ وَلَمْ يُعِدْ، أَوْ مُخْتَارًا أَعَادَ، وَقَدْ قُلْتُ: مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَوَّيْت فِي الْوَاجِبِ مِنْ الْفَرْضِ بَيْنَ مَنْ اخْتَارَ الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَمَنْ اُضْطُرَّ فِي الْإِعَادَةِ، فَلِمَ لَا جَعَلْتَ الْإِعَادَةَ فِيهِمَا سَوَاءً؟ فَيَقُولُ لَهُ: قُلْت فِي هَذَا كَمَا قُلْت أَنْتَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَأَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْوَاجِبِ أَعَادَ وَمَنْ أَحْدَثَ فِي التَّطَوُّعِ لَمْ يُعِدْ. فَهَذَا الِاعْتِلَالُ مِنْ الْمَالِكِيِّ خَطَأٌ. لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا فَلْيَقُلْهُ، وَهُوَ لَا يَقُولُ.

стр. 3040

[فَصْلٌ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ] قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: السُّؤَالُ إمَّا اسْتِفْهَامٌ مُجَرَّدٌ وَهُوَ الِاسْتِخْبَارُ عَنْ الْمَذْهَبِ أَوْ الْعِلَّةِ، وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ عَنْ الدَّلَالَةِ، أَيْ الْتِمَاسُ وَجْهِ دَلَالَةِ الْبُرْهَانِ ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِنُفُوذِ الدَّلِيلِ وَجَرَيَانِهِ. وَسَبِيلُ الْجَوَابِ: هَكَذَا أَخْتَارُ: مُجَرَّدٌ، ثُمَّ الِاعْتِلَالُ، ثُمَّ طَرْدُ الدَّلِيلِ. ثُمَّ السَّائِلُ فِي الِابْتِدَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عَالِمٍ بِمَذْهَبِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ. ثُمَّ إمَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ صِحَّتَهُ فَسُؤَالُهُ لَا مَعْنَى لَهُ. وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ فَسُؤَالُهُ رَاجِعٌ إلَى الدَّلِيلِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْأَصْلَ الَّذِي يَسْتَشْهِدُ بِهِ الْمُجِيبُ فَسُؤَالُهُ عَنْهُ أَوْلَى، لِأَنَّ الَّذِي أَحْوَجَهُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ، فَإِذَا كَانَ الْخِلَافُ فِي الشَّاهِدِ فَالسُّؤَالُ عَنْهُ أَوْلَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ لَا يَسْأَلَ الْمُنَاظَرَةَ إلَّا بَعْدَ فَهْمِ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ. وَكَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْمُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يَعْلَمَهُ، وَبِسَبَبِ هَذَا يَقَعُ الْخَبْطُ فِي الْمُنَاظَرَاتِ. وَلَيْسَ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّائِلِ بِالْجَوَابِ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ هُوَ أَوْ يَعْتَرِفَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ أَوْ يُضْرِبَ عَنْهُ. فَإِنْ سَأَلَ السَّائِلُ الْجَوَابَ أَجَابَ. فَإِنْ قِيلَ لَهُ: هَذَا يَلْزَمُك فِي مَذْهَبِك كَمَا سَأَلْت، فَإِنَّ هَذَا رُبَّمَا فُعِلَ لِلْحِيلَةِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: عَنْ حُجَّتِك لِنَفْسِك ثُمَّ إنْ شِئْت فَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ سَائِلًا، فَإِمَّا أَنْ تُجِيبَ أَوْ تَعْتَرِفَ بِأَنْ لَا جَوَابَ. ثُمَّ تَقْبَلُ سُؤَالَهُ إنْ شِئْت. وَإِنْ كَانَ إذَا سُئِلْت عَنْ شَيْءٍ يَرْجِعُ عَلَى خَصْمِك فَقُلْ: إنَّمَا أُجِيبُك عَنْ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَصْبِرَ لِقَلْبِنَا عَلَيْك السُّؤَالَ، فَإِنَّ سُؤَالَك رَاجِعٌ عَلَيْك فَهُوَ كَمَا تَسْأَلُ عَنْ نَفْسِك. وَلَا يَتْرُكُ الْجَوَابَ عَمَّا يُسْأَلَ وَيَرْجِعُ سَائِلًا إلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ: إمَّا جَاهِلٌ

стр. 3041

يَجِدُ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فَلَا يُنَاظِرُ، أَوْ يَقْدِرُ أَنْ يَحْتَالَ عَلَى خَصْمِهِ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ الِانْقِطَاعَ أَوْ الْعَجْزَ عَنْ الْجَوَابِ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ غَبِيٌّ. وَلْيَحْذَرْ الْمُجِيبُ تَكْرَارَ اللَّفْظِ الْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ، فَرُبَّمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ زِيَادَةً. (قَالَ) : وَمَا رَأَيْت أَحْسَنَ مِنْ صَبْرِ الْخَصْمِ عَلَى الْخَصْمِ حَتَّى إذَا فَرَغَ مِنْ هَذَيَانِهِ قَالَ لَهُ: لَمْ أَفْهَمْ مَا كُنْت فِيهِ فَأَعِدْ عَلَيَّ كَلَامَك فِي مَهْلٍ وَأَرِنِي مَوْضِعَ النُّكْتَةِ لِأَفْهَمَهَا عَنْك وَأُفْهِمَك الْجَوَابَ، فَهَذَا أَقْطَعُ مِنْ الْحَدِيدِ لِلْخُصُومِ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَصْغِرَ خَصْمًا، فَإِنْ اسْتَصْغَرْته فَالْوَجْهُ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ، فَلَرُبَّمَا هَجَمَ مِنْ اسْتِصْغَارِهِ الِانْقِطَاعُ لِقِلَّةِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ، فَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ مُشَاهَدَةً. وَإِنْ كُنْت فِي مَحْفِلٍ فِيهِ عَامَّةٌ فَمَتَى ذَهَبْتَ تُرَاعِيهِمْ بَطَلَ مَا يَحْتَاجُ إلَى تَدَبُّرِهِ وَتَفَهُّمِهِ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَيْلُ بَعْضِ النَّاسِ إلَى الْخَصْمِ، أَوْ تَفْضِيلُ الْعَامَّةِ لِصِيَاحِ الْخَصْمِ فَالْعَمَلُ عَلَى أَهْلِ التَّمْيِيزِ. وَمَتَى سَبَقَتْ مِنْك كَلِمَةٌ لَيْسَتْ بِصَوَابٍ فَلَا تَقِفْ عَلَيْهَا وَاعْتَرِفْ بِهَا، فَإِنَّهَا سَبْقُ لِسَانٍ، فَإِنَّك إنْ أَخَذْت فِي تَصْحِيحِهَا ذَهَبَ عَنْك صَحِيحُ الْكَلَامِ. وَاعْتَرِفْ بِالْحَقِّ إذَا وَضَحَ، فَإِنْ لَمْ يُضَحْ فَالْزَمْ بِالْبُرْهَانِ، فَإِنَّهُ عَسِرٌ جِدًّا. وَامْنَعْ خَصْمَك مِنْ الْإِقْبَالِ عَلَى غَيْرِك إذَا كَانَ مُنَاظِرًا وَاسْتَعْمِلْ مِثْلَهُ مَعَهُ وَلَا يَكُنْ هَمُّك إلَّا مَا قَامَ بِهِ مَذْهَبُك وَلَا تَشْتَغِلْ بِسِوَاهُ. وَلَا يَعْطِفَنَّكَ أُنَاسٌ مِنْ خَاطِرٍ، فَرُبَّمَا بَانَ وَجَاءَ وَأَنْتَ فِي حَالِ الْفِكْرِ وَهَذَا عَلَامَةُ الطَّبْعِ الْجَيِّدِ. وَلَا تَتَكَلَّمْ فِي مَوْضِعِ الْعَصَبِيَّةِ عَلَيْك، أَوْ فِي مَجْلِسٍ تَخَافُ مِنْهُ صَاحِبَهُ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْفِكْرَ.

стр. 3042

وَلَا تُخَاطِبْ مَنْ لَا يَفْهَمُ عَنْك إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرْشِدًا وَهَذِهِ سِيَاسَةٌ فَاسْتَوْصِ بِهَا. (انْتَهَى) . وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: كُلُّ خَاطِرٍ يَجِيئُك بَعْدَ الْمُنَاظَرَةِ فَاحْبِسْ عَلَيْهِ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي " الرِّحْلَةِ " وَكَانَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إذَا أَفْحَمَهُ خَصْمُهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ قَالَ: مَا أَلْزَمْت لَازِمٌ، فَأَنَا فِيهِ نَاظِرٌ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فَائِدَةٌ: إذَا قُلْت لِلْمُسْتَدِلِّ: " قَوْلُك لَا يَصِحُّ " احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) الْحُكْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ وَ (الثَّانِي) أَنَّك لَا تَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ. وَفَرْقٌ بَيْنَ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الشَّيْءِ وَبَيْنَ عَدَمِ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ عَالِمٍ بِذَلِكَ الْعَدَمِ، وَعَدَمُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ مِنْ الشَّاكِّ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْمُتَرَدِّدِ فِيهِ. فَتَفَطَّنْ بِمَعَانِي الْعِبَارَاتِ.

стр. 3043

[كِتَابُ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا الِاسْتِدْلَال عَلَى فَسَادِ الشَّيْءِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ جَوَّزَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ: قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا، إذَا سُئِلَ عَنْ مَسَائِلَ فَقِيلَ: مَا أَنْكَرْت مِنْهَا؟ يَقُولُ: لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ. انْتَهَى. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اُشْتُهِرَتْ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، يَسْتَدِلُّونَ بِهَا فِي مَسَائِلَ لَا تُحْصَى إلَى طُرُقِ النَّفْيِ. الِاسْتِدْلَال عَلَى فَسَادِ الشَّيْءِ بِفَسَادِ نَظِيرِهِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: كُلُّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ شَيْءٌ بِالْإِثْبَاتِ أَوْ النَّفْيِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى فَسَادِ ضِدِّهِ إذَا كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الضِّدِّ، لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ. وَلِأَصْحَابِنَا فِي مِثْلِ هَذَا مُغَالَطَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْأُمَّةِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ، فَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ اثْنَيْنِ مِنْهَا، ثُمَّ يَقُولُ: إذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلُ صَحَّ الْآخَرُ، وَالْوَجْهُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ لِلْخَصْمِ: عَرَفْت صِحَّةَ الصَّحِيحِ مِنْهَا، وَفَسَادَ غَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا، فَإِنَّ الَّذِي أَفْسَدَ تِلْكَ غَيْرُ صِحَّةِ هَذَا.

стр. 3044

[الِاسْتِدْلَال عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ] ِ حَقٌّ عِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، لَلَزِمَ مِنْهُ تَكْلِيفُ الْمُحَالِ. [الِاسْتِقْرَاءُ] ُ وَهُوَ تَصَفُّحُ أُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِحُكْمِهَا عَلَى أَمْرٍ يَشْمَلُ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ. وَيَنْقَسِمُ إلَى: تَامٍّ، وَنَاقِصٍ. فَالتَّامُّ: إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي الْكُلِّيِّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ. وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْمَنْطِقِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ. وَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ. وَمِثَالُهُ: كُلُّ صَلَاةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَفْرُوضَةً أَوْ نَافِلَةً، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعَ الطَّهَارَةِ. فَكُلُّ صَلَاةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعَ طَهَارَةٍ. وَهُوَ يُفِيدُ الْقَطْعَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ شَيْءٍ عَلَى التَّفْصِيلِ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ ثَابِتٌ لِكُلِّ أَفْرَادِهِ عَلَى الْإِجْمَالِ. وَالنَّاقِصُ: إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي كُلِّيٍّ لِثُبُوتِهِ فِي أَكْثَرِ جُزْئِيَّاتِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى جَامِعٍ. وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِ (الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ) . وَهَذَا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ الْغَالِبَ، وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ.

стр. 3045

لِاحْتِمَالِ تَخَلُّفِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ عَنْ الْحُكْمِ، كَمَا يُقَالُ: التِّمْسَاحُ يُحَرِّكُ الْفَكَّ الْأَعْلَى عِنْدَ الْمَضْغِ. فَإِنَّهُ يُخَالِفُ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ فِي تَحْرِيكِهَا الْأَسْفَلَ. وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ " وَالْمِنْهَاجِ " وَالْهِنْدِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ مِمَّا يُعْسَرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا، فَلَا يُوثَقُ بِهِ إلَّا إذَا تَأَيَّدَ الِاسْتِقْرَاءُ بِالْإِجْمَاعِ. وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ فَقَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الظَّنَّ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ الْحُصُولِ يَكُونُ حُجَّةً. وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُفِيدُ الظَّنَّ أَمْ لَا؟ لَا فِي أَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْهُ هَلْ يَكُونُ حُجَّةً أَمْ لَا؟ . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمْنَا اتِّصَافَ أَغْلَبِ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ وَصْفَهُمْ بِالْكُفْرِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ جَمِيعَ مَنْ نُشَاهِدُهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ، حَتَّى جَازَ لَنَا اسْتِرْقَاقُ الْكُلِّ وَرَمْيُ السِّهَامِ إلَى جَمِيعِ مَنْ فِي صَفِّهِمْ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ مَا ذَكَرْنَا لَمَا جَازَ ذَلِكَ. وَقَدْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَعَادَةِ الْحَيْضِ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَفِي أَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا: فَلَوْ وَجَدْنَا الْمَرْأَةَ تَحِيضُ أَوْ تَطْهُرُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ يُتْبَعُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَبِهِ أَجَابَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَقَدْ تَخْتَلِفُ الْعَادَاتُ بِاخْتِلَافِ الْأَهْوِيَةِ وَالْأَعْصَارِ. وَأَصَحُّهَا: لَا عِبْرَةَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ أَعْطَوْا الْبَحْثَ حَقَّهُ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِ. وَالثَّالِثُ: إنْ وَافَقَ ذَلِكَ مَذْهَبَ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ صِرْنَا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا.

стр. 3046

وَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ": التَّامُّ يَصْلُحُ لِلْقَطْعِيَّاتِ وَغَيْرُ التَّامِّ لَا يُصْلَحُ إلَّا لِلْفِقْهِيَّاتِ، لِأَنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ الْأَكْثَرُ عَلَى نَمَطٍ، غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ. . الْأَصْلُ فِي الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ، وَفِي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ فِيمَا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ. أَعْنِي أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ ذَلِكَ فِيهِمَا إلَّا مَا دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى خِلَافِهِمَا. أَمَّا قَبْلَهُ، فَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ: " لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ "، وَلَمْ يَحْكُمُوا هُنَا قَوْلًا بِالْوَقْفِ كَمَا هُنَاكَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ نَاقِلٌ. وَقَدْ خَلَطَ بَعْضُهُمْ الصُّورَتَيْنِ وَأَجْرَى الْخِلَافَ هُنَا أَيْضًا. وَكَأَنَّهُ اسْتَصْحَبَ مَا قَبْلَ السَّمْعِ إلَى مَا بَعْدَهُ وَرَأَى أَنَّ مَا لَمْ يُشْكِلُ أَمْرُهُ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ خَاصٌّ يُشْبِهُ الْحَادِثَةَ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَسَبَقَ هُنَاكَ مَا فِيهِ. ثُمَّ رَأَيْت الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ تَحْقِيقًا فَقَالَ، بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ: " مَسْأَلَةٌ: زَعَمَ قَوْمٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَرَّرَ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ عَلَى أَنَّهَا عَلَى الْإِبَاحَةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي حُكْمِ شَيْءٍ فِي الشَّرْعِ " هَلْ هُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ الْمَنْعِ؟ " حَكَمَ بِأَنَّهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ، فَصَارَ كَالْعَقْلِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ. وَقَدْ حَكَى ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، وَأَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.

стр. 3047

قَالَ: وَالْبَاقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حُكْمَ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا بِقِيَامِ دَلِيلٍ يَخْتَصُّهُ أَوْ يَخْتَصُّ نَوْعَهُ. وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] وَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَجَعَلَ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةَ. وَالتَّحْرِيمَ مُسْتَثْنَى. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ لَيْسَ إلَيْنَا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَقَالَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] وَكُلُّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ الْقَوْلِ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ فِي السَّمْعِ الْإِبَاحَةُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ، فَهِيَ فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ. وَالْكَلَامُ فِي إبَاحَةِ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . . . يَصْلُحُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَأْكُولَاتِ الْإِبَاحَةُ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «وَمَا سَكَتَ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ» يُرِيدُ: مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي كَانَ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقًا بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» فَشَرَّك بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَجْعَلْ الْأَصْلَ أَحَدَهُمَا. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]

стр. 3048

ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ، وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ. وَأَوْرَدَ أَنَّهَا تَأْتِي لِغَيْرِ الِانْتِفَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بِالظُّهُورِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ فَيَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ تَحْرِيمِ مُطْلَقِ الزِّينَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ تَحْرِيمِ مُسَمَّى الزِّينَةِ أَنْ لَا يَحْرُمَ شَيْءٌ مِنْ آحَادِهَا، فَإِذَا انْتَفَتْ الْحُرْمَةُ بَقِيَتْ الْإِبَاحَةُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الجاثية: ١٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ [لَمْ] يَحْرُمْ عَلَى السَّائِلِ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ عَارِضٌ. وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ: الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَلَا يَخْفَى أَجْوِبَةُ ذَلِكَ مِمَّا سَبَقَ عَنْ الْقَاضِي. عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي هَذَا النَّوْعِ أَنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ فِيهِ، بَلْ عُفِيَ، وَلَا يُوصَفُ بِإِذْنٍ وَلَا مَنْعٍ. وَلَيْسَ فِي الْآيَاتِ الْمُسْتَدَلِّ بِهَا إلَّا أَنَّهَا خُلِقَتْ لَنَا وَسُخِّرَتْ لَنَا، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا أُبِيحَتْ لَنَا، إذْ يَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ لَنَا وَلَا يُبَاحُ، بَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى إذْنٍ مِنْ جِهَتِهِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي كَلَامٍ لَهُ، قَالَ: فَصَارَ هَذَا بِمَثَابَةِ قَوْلِ السُّلْطَانِ لِجُنْدِهِ: هَذِهِ الْأَمْوَالُ الَّتِي أَجْمَعُهَا لَكُمْ. فَلَا.

стр. 3049

يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَبَاحَهَا لَهُمْ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي التَّنَاوُلِ، بَلْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا لَهُمْ وَإِنَّمَا بِإِذْنٍ فِي الْأَخْذِ بَعْدَ زَمَانٍ آخَرَ، فَلَا بُدَّ إذْنٌ مِنْ إذْنٍ جَدِيدٍ، وَزَيْفٌ قَوْلُ أَبِي زَيْدٍ إنَّ الْأَفْعَالَ لَا حُكْمَ لَهَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَبَعْدَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ تَبَيَّنَّا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً. قَالَ: ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] وَأَمَّا احْتِجَاجُ الرَّازِيَّ بِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّ بِالْمَالِكِ قَطْعًا، فَلَيْسَ عَلَى أَصْلِنَا، لِابْتِنَائِهِ عَلَى التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَضَارِّ، فَقَوْلُهُ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهُوَ عَامٌّ. وَضَعَّفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الِاسْتِدْلَالَ [بِهِ] ، لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ، النَّهْيُ عَنْ الْإِضْرَارِ، وَلَا إضْرَارَ بِالنَّفْسِ، فَقَدْ يُؤْخَذُ عَلَى عُمُومِهِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالنَّفْسِ، فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَنَافِعِ الْأَمْوَالُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهَا التَّحْرِيمُ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ. . .» الْحَدِيثُ. وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَيُقْضَى عَلَيْهَا. قُلْت: قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَصْلُ مَالِ كُلِّ امْرِئٍ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِمَا أَحَلَّ بِهِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ النِّكَاحَ كَذَلِكَ، وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الْفُرُوجِ إلَّا بِعَقْدٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ. فَجَعَلَ الْأَصْلَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ، ثُمَّ قَالَ آخِرُهُ: وَهَذَا يَدْخُلُ فِي عَامَّةِ الْعِلْمِ. قَالَ

стр. 3050

الصَّيْرَفِيُّ: وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا يَنْكَسِرُ أَبَدًا، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَصْلِ إلَى الشَّيْءِ الْمَحْظُورِ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ فَرْجٍ أَوْ عَرْضٍ، فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى الْإِبَاحَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى نَقْلِهِ. انْتَهَى. وَيُنَازِعُ فِيهِ تَخْرِيجُ الْمَاوَرْدِيِّ مَسْأَلَةَ النَّهْرِ الْمَشْكُوكِ فِي أَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَمْلُوكٌ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. ثُمَّ إنْ سَلَّمَ فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ، لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِي أَصْلِ الْمَنَافِعِ الَّتِي لَمْ تَطْرَأْ عَلَيْهَا يَدُ مِلْكٍ وَلَا اخْتِصَاصٍ. الثَّانِي: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْقَوْلُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِ النَّفْيِ فِي كُلِّ دَلِيلٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْوُجُوبِ، كَمَا فِي تَعْمِيمِ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ. وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ تِلْكَ غَيْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَجَعَلَ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ هِيَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْعَقْلِ فِي عَدَمِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ تَكُونُ فِي الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، وَالِاسْتِصْحَابَ يَكُونُ فِي الطَّارِئِ: ثُبُوتًا كَانَ أَوْ عَدَمًا. الثَّالِثُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَنَافِعِ هُنَا مُقَابِلَ الْأَعْيَانِ بَلْ كُلُّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ: الْأَصْلُ فِي الْأَعْيَانِ الْحِلُّ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالنَّفْعِ الْمُكْنَةُ أَوْ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهَا، وَبِالْمَضَرَّةِ الْأَلَمُ أَوْ مَا يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهِ. . التَّعَلُّقُ بِالْأُولَى قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا بَابٌ تَنَازَعُوا فِي تَعْيِينِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا جَمَعَ مَعْنَى الشَّيْءِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ بِأَمْثَالِهِ. قَالَ تَعَالَى لِمَنْ اعْتَلَّ عَنْ التَّخَلُّفِ بِشِدَّةِ الْحَرِّ: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] يَعْنِي: فَلْيَتَخَلَّفُوا عَنْهَا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] لِأَنَّ حَقَّهُمْ
следующие страницы →