Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
مَسْأَلَةٌ
إذَا فَرَّقَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَبِغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِعِلَّتَيْنِ، قَالَ أَبُو الْخَيْرِ بْنُ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي " الْفُرُوقِ " وَمَثَّلَهُ بِقِيَاسِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَتَّى قَالُوا: ذِكْرٌ لَا يُجْهَرُ بِهِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ فَلَمْ يَجِبْ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: التَّسْبِيحُ يُشْرَعُ فِي رُكْنٍ هُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَلِهَذَا كَانَ وَاجِبًا.
مَسْأَلَةٌ
وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ " الْفَرْقَ مُعَارَضَةٌ أَوْ مَقْبُولٌ لِنَفْسِهِ " أَنَّهُ إذَا أَبْدَى الْفَارِقُ مَعْنًى فِي الْأَصْلِ مُغَايِرًا لِمَعْنَى الْمُعَلِّلِ وَعَكْسِهِ فِي الْفَرْعِ، وَرَبَطَ بِهِ الْحُكْمَ مُنَاقِضًا لِحُكْمِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ. فَفِي اشْتِرَاطِ رَدِّ مَعْنَى الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَرُدَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ إلَى الْأَصْلِ، وَعِلَّةَ الْفَرْعِ إلَى أَصْلٍ. وَذَهَبَ إلَيْهِ طَوَائِفُ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ. وَنُقِلَ عَنْ الْأُسْتَاذِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فَيَنْبَغِي اشْتِمَالُهَا عَلَى عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَرْدُودٌ. فَقَالَ الْقَاضِي: مَذْهَبِي قَبُولُ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَوْ كُنْت مِنْ الْقَائِلِينَ بِإِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ لَقَبِلْته عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُقْبَلُ لِخَاصِّيَّتِهِ وَهُوَ الْمُنَاقَضَةُ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ إلَى أَصْلٍ. وَمَا أَظْهَرَهُ الْفَارِقُ لَا أَصْلَ لَهُ.
стр. 2977
وَالثَّانِي: لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، لَا فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، وَنُسِبَ لِلْجُمْهُورِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، وَبَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَبَنَاهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَقْبُولٌ، وَنَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فِي تَفَاصِيلَ ذَكَرَهَا فِي " الْمَنْخُولِ ".
وَالثَّالِثُ: يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي عِلَّةِ الْفَرْعِ دُونَ الْأَصْلِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، أَيْ إنْ كَانَ الْفَرْقُ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ انْقَطَعَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ إذَا عَكَسَهُ فِي الْفَرْعِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الظَّنُّ.
وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ الْفَرْقُ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ الْمَعْنَى احْتَاجَ إلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْفَرْقَ فِي الْفَرْعِ إنْ كَانَ يُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَصْلٍ، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ افْتَقَرَ إلَى أَصْلٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَرُدَّ كُلًّا مِنْهَا إلَى أَصْلٍ كَانَ مُدَّعِيًا فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عِلَّتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ، وَمُسَلِّمًا لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ، وَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى مِنْ الْوَاقِفَةِ، فَكَأَنَّهُ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِدُونِ دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَوْ رَجَحَ دَلِيلُهُ عَلَى مُعَارَضَةِ السَّائِلِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ التَّرْجِيحِ لَحُكِمَ لَهُ بِالسَّبْقِ. وَمِمَّنْ حَكَى هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الْبَاجِيُّ وَأَبُو الْخَيْرِ بْنُ جَمَاعَةَ فِي كِتَابِهِ " الْوَسَائِلِ ".
فَرْعٌ: فَإِنْ شَرَطْنَا رَدَّ مَعْنَى الْفَرْعِ فِي الْفَرْقِ إلَى أَصْلٍ، فَلَوْ أَبْدَاهُ فِي الْأَصْلِ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ، فَيَحْتَاجُ الْفَرْعُ وَالْأَصْلُ إلَى أَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مُضَادَّةُ الْجَامِعِ فِيهِمَا كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالِاحْتِيَاجِ إلَى أَصْلٍ لَقَبِلْنَا
стр. 2978
الْمُعَارَضَةَ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ بِأَصْلٍ آخَرَ وَيَسْتَمِرُّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ بَاطِلٌ. هَذَا إذَا أَبْدَى مَعْنًى فِي الْأَصْلِ وَعَكْسَهُ فِي الْفَرْعِ. فَلَوْ عَكَسَ الْفَارِقُ فِي الْفَرْعِ مَعْنَى الْأَصْلِ فَلَمْ يُنَاقِضْ فِقْهُ الْعَكْسِ فِقْهَ الْجَمْعِ، أَوْ نَاقَضَهُ عَلَى بُعْدٍ، فَاحْتَاجَ إلَى مَزِيدٍ فِي الْفَرْعِ، فَاخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِيهِ: فَمَنْ اعْتَقَدَ الْفَرْقَ مُعَارَضَةً لَمْ يَمْنَعْ الزِّيَادَةَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّمَا هُوَ مَعْنًى يُضَادُّ الْجَامِعَ اكْتَفَى بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيِهِ فِي الْفَرْعِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْفَرْعِ لَيْسَ لَهَا فِي جَانِبِ الْأَصْلِ ثُبُوتٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا.
مَسْأَلَةٌ
الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مِنْ الْقَوَادِحِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ مِنْ تَمَامِهِ وَلَوَازِمِهِ نَفْيُهُ عَنْ الْفَرْعِ أَمْ لَا؟ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْفَارِقِ، لِأَنَّ قَصْدَهُ افْتِرَاقُ الصُّورَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ: وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ: إنْ صَرَّحَ فِي إيرَادِ الْفَرْقِ بِالِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَفْيِهِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ دَلِيلَهُ غَيْرُ قَائِمٍ فَلَا يَجِبُ.
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا فَقِيلَ: يُمْنَعُ ذَلِكَ لِإِفْضَائِهِ إلَى انْتِشَارِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلتَّقْوِيَةِ. ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ الْفَرْعِ هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ أَمْ لَا بَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ فَقِيلَ: يَكْفِيهِ ذَلِكَ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِتِلْكَ الْأُصُولِ بِأَسْرِهَا غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ، وَإِلَّا لَمْ يُعَدِّدْهُ، وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلْحَقًا بِالْأَصْلِ الَّذِي فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ. وَقِيلَ: لَا يَكْفِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ. وَالْقَائِلُونَ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفَرْقُ وَاحِدًا لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْكَلَامُ أَمْ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: أُولَاهُمَا الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِي الْأَكْثَرِ فَيَلْزَمُ سَدُّ بَابِ
стр. 2979
الْقَدْحِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ. ثُمَّ إذَا ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا، فَهَلْ يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْأُصُولِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
[مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْفَرْقِ]
مَسْأَلَةٌ لِلْفَرْقِ شُرُوطٌ
أَحَدُهَا: أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ الْخِلَافِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَخَصَّ مِنْ الْجَمْعِ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ أَعَمَّ مِنْهُ فَالْجَمْعُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْقِ الْعَامِّ. فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ يُوجِبُ الِافْتِرَاقَ إلَّا إذَا تَرَجَّحَ الْجَمْعُ عَلَى الْفَرْقِ. وَمِثَالُ الْفَرْقِ الْعَامِّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِفَاسِقَيْنِ: إذَا قِسْنَا عَلَى حُضُورِ الصَّبِيِّ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: بَعْدَ الْبُلُوغِ لَوْ أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ دُونَ الصَّبِيِّ قُبِلَتْ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ. فَهَذَا فَرْقٌ لَا يُشْعِرُ بِمَا هُوَ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُعَارِضُ الدَّلِيلَ الْمُشْعِرَ بِحُكْمِهَا.
ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَحْتَاجَ الْفَارِقُ إلَى زِيَادَةِ أَمْرٍ فِي جَانِبِ الْفَرْعِ إذَا عَكَسَهُ، فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ زِيَادَةً كَانَ جَمْعًا بَيْنَ مُعَارَضَةٍ فِي الْأَصْلِ وَمُعَارَضَةٍ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِنَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: حَقٌّ مَالِيٌّ لَازِمٌ يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: خِيَارُ الْعَيْبِ مُعْتَاضٌ عَنْهُ وَلَيْسَ بِوَثِيقَةٍ، احْتِرَازًا عَنْ الرَّهْنِ. فَهَذَا بَاطِلٌ.
رَابِعُهَا: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا اعْتَبَرَ الْفَرْعَ بِأُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ مُتَّحِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَإِذَا جَازَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْقِ -
стр. 2980
مَعَ اتِّحَادِهِ - مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَرْقُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ مُتَّحِدٌ، فَالْفَرْقُ يَكُونُ مُتَّحِدًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بِفُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُ فِي الْغَالِبِ مَعْنًى وَاحِدٌ عَلَى الْفَرْقِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ. وَإِذَا قُلْنَا بِتَعْدِيدِ الْأُصُولِ، هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْقِ وَالْقَطْعِ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، لِأَنَّ مَا بَقِيَ يَكْفِي لِبِنَاءِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ الْأُصُولَ وَتَقَلَّدَ بِتَقْرِيرِهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا فَطَرِيقُ الْفَارِقِ الْقَطْعُ عَنْ جَمِيعِهَا.
مَسْأَلَةٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَارِقِ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالْعِلَّةِ قُبِلَ وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ وَتَقْرِيبِ الْأَشْبَاهِ إنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَعْنَوِيًّا وَإِنْ جَرَى الْفَارِقُ عَلَى صِفَةِ إلْحَاقِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ. فَهَذَا مِنْ الْفَارِقِ مُحَاوَلَةُ مُعَارَضَةِ الْمَعْنَى بِالشَّبَهِ، فَلَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ أَدْنَى مَعَانِي الْمُنَاسَبَةِ يُقَدَّمُ عَلَى أَجْلَى الْأَشْبَاهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَلْ يَجُوزُ الْفَرْقُ بِالنَّصِّ؟ قَوْلَانِ؛ كَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» .
قِيلَ: وَالْخِلَافُ يَتَنَزَّلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْفَرْقَ الْقِيَاسِيَّ الْمُتَضَمِّنَ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ بِالنَّصِّ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعِيدًا، كَقَوْلِنَا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ وَالشَّاةِ حَتَّى كَانَ نَجِسًا مُحَرَّمَ الْبَيْعِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ جَائِزَةُ الْبَيْعِ؟ فَيُقَالُ: الشَّرْعُ مَنَعَ بَيْعَ الْكَلْبِ وَأَجَازَ بَيْعَ الشَّاةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنْ لَا تَنَاسُبَ.
стр. 2981
وَلَوْ عَكَسَ لَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَأَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الْفَرْقِ وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ حُكْمِ الصُّورَتَيْنِ بِدَلِيلٍ حَصَلَ لِحُصُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَلِجَمْعِهَا. وَأَعْنِي الْفَرْقَ النَّصِّيَّ وَالْقِيَاسِيَّ، وَيَكُونُ النَّصِّيُّ تَابِعًا لِلْقِيَاسِيِّ، كَحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، فَإِنَّ فِيهِ النَّظَرَ الْمَذْكُورَ وَالْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ وَهُوَ حُصُولُ الْمَشَقَّةِ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ
قُلْت: وَقَدْ قَالَ الْخَصْمُ لِلشَّافِعِيِّ فِي فَرْقِهِ بَيْنَ مَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَفَوْقَهُ فِي تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ فِي الْحَيْضِ: هَلْ تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا سِوَى الْخَبَرِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيُّ فَرْقٍ أَحْسَنُ مِنْ الْخَبَرِ؟ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بِالنَّصِّ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ ﵀.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ "، فِي بَابِ الْعَيْبِ فِي الْمَنْكُوحَةِ: الْفَرْقُ نَوْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَقَعُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ. وَ (الثَّانِي) يَقَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَمَأْخَذَيْنِ.
فَمَا ثَبَتَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يَثْبُتُ وَيَنْتَفِي وَيَنْعَكِسُ، وَمَا يَقَعُ بَيْنَ مَأْخَذَيْنِ يُبَيَّنُ مَأْخَذُ كُلِّ جِهَةٍ. ثُمَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ (انْتَهَى) .
وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ، وَمَعْنَاهُ - كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الْفَرْعَ الْوَاقِعَ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ هُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقَائِسَ جَمَعَ بَيْنَ أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِعِلَّةٍ، وَالْفَارِقُ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ بِثُبُوتِهَا، وَيَنْتَفِي فِي الْفَرْعِ بِانْتِفَائِهَا. وَهَذَا مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ، وَاقْتَصَرُوا فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ، لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي جَوَابِ الْقِيَاسِ، وَكُلٌّ مِنْ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي وُجُودِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَعَدَمِهَا، هُوَ تَصْدِيقٌ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرٍ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ الْوَاقِعُ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وَيُبَيِّنَ اللُّبْسَ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ
стр. 2982
أَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ بَيْنَ انْتِفَائِهَا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ ذَلِكَ وَيَنْتَفِيَ اللُّبْسُ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَأْخَذَ الْحُكْمَيْنِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَهُوَ يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ، وَإِنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى يَنْتَفِي الْحُكْمُ وَحَيْثُ. ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ، هُوَ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْفِقْهِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَهُوَ أَكْثَرُ وَأَنْفَعُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ بِهِ تَتَمَيَّزُ الْحَقَائِقُ وَالْمَآخِذُ وَيُفْهَمُ تَرْتِيبُ الْفِقْهِ عَلَيْهَا.
وَمِنْ هَذَا: الْفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَةِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ فِي الرِّدَّةِ وَفَسْخِهِ بِالْعُيُوبِ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ طَارِئٍ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى أَمْرٍ مُقَارِنٍ، وَالثَّانِي مُسْتَنِدٌ إلَى مُقَارِنٍ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِدَّةِ الزَّوْجِ وَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ، حَيْثُ كَانَتْ رِدَّةً مُنْتَظَرَةً بَيْنَهُمَا بِطَلَاقِهِ، وَرِدَّتُهَا حَيْثُ كَانَتْ هِيَ الْقَاطِعَةَ كَالرَّضَاعِ فَاخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ. وَهَذَا كَثِيرٌ، وَفِيهِ صَنَّفَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ كِتَابَ " الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ ".
وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. وَمَعْنَاهُ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَحَلَّيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَالْأَوَّلُ أَنْفَعُ وَأَفْقَهُ. وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَإِدْرَاجُهُ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْفَرْقُ أَبَدًا مَعْنًى فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ مَفْقُودٌ فِي الْأُخْرَى، لِأَنَّ النِّزَاعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ صُورَتَيْنِ، أَعْنِي فِي الْقِيَاسِ. فَالْفَارِقُ إنْ نَازَعَ فِي حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ أَوْ فِي اقْتِضَائِهَا فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا تَمَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، لِافْتِرَاقِهِمَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى. وَإِنْ سَلَّمَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَاءَهَا وَنَازَعَ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي. وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْقِ يَحْصُلُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ
كُلُّ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ يُؤَثِّرُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ.
стр. 2983
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ ": فِي نِكَاحِ الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ السَّيِّدُ: إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَكْتَفِيَ بِالْخَيَالَاتِ فِي الْفُرُوقِ، كَدَأْبِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ مَجَالُ الظُّنُونِ عِلْمًا بِهَا، فَإِذَا كَانَ اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ فِي الظَّنِّ مِنْ افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَإِنْ انْقَدَحَ فُرِّقَ عَلَى بُعْدٍ. قَالَ الْإِمَامُ: فَافْهَمُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ.
وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا - فَرْقًا مُؤَثِّرًا فَهَلْ يَكْفِي الْفَارِقُ فِي إثْبَاتِ مُخَالِفِ كُلِّ وَاحِدَةٍ الْأُخْرَى فِي الْحُكْمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ؟ مِثَالٌ: إذَا قِيسَ الشِّطْرَنْجُ عَلَى النَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّرْدَ فِعْلُهُ مِنْ النَّقْصِ، وَالشِّطْرَنْجَ مِنْ الْفِكْرِ مَثَلًا، فَهَلْ يَكُونُ الْفَارِقُ دَلِيلًا عَلَى مُخَالَفَةِ الشِّطْرَنْجِ لِلنَّرْدِ فِي التَّحْرِيمِ لِيَكُونَ الشِّطْرَنْجُ حَلَالًا أَمْ لَا؟ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ فَهَلْ يَسْمَعُ الْجَامِعَ بَعْدَ الْفَرْقِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ؟ مِثَالُهُ: لَوْ خُيِّرَ الْجَامِعُ - بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ الْفَارِقُ فِي الشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ بِمَا ذَكَرْنَا " بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اشْتَرَكَ فِي الْمَنْعِ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ.
стр. 2984
ذَكَرَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَفْرَدَهُ فِي " الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ ": إذَا تَمَّتْ الْمُنَاسَبَةُ بِشُرُوطِهَا فَهُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا الْفُرُوقُ الْفَاسِدَةُ فَكَثِيرَةٌ:
الْأَوَّلُ: الْفَرْقُ بِالْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ: كَمَا لَوْ قِيلَ: صَحَّ بَيْعُ الْحَبَشِيِّ فَيَصِحُّ بَيْعُ التُّرْكِيِّ، فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا أَسْوَدُ وَذَلِكَ أَبْيَضُ لَكَانَ بَاطِلًا، فَإِنَّهُ لَوْ فَتَحَ بَابَ الْفَرْقِ بِذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ قِيَاسٌ أَصْلًا، لِأَنَّ مَا مِنْ صُورَتَيْنِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ.
الثَّانِي: الْفَرْقُ بِنَوْعٍ اصْطَلَحُوا عَلَى رَدِّهِ: كَمَا لَوْ قِيلَ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ يَجِبُ رَجْمُهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَاعِزٍ. فَلَوْ قِيلَ: إنَّمَا وَجَبَ الرَّجْمُ هُنَاكَ تَطْهِيرًا لَهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ لَكَانَ بَاطِلًا.
الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فِيهِ: كَمَا لَوْ قِيلَ: الْحَاجَةُ إلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَى الْبَالِغِ أَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى الصَّبِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْبَالِغِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّبِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَوْ اسْتَوَتْ الصُّورَتَانِ فِي الْمَصْلَحَةِ لَاسْتَوَتَا فِي الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْهُ الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْفَرْقُ بِذَلِكَ بَطَلَتْ الْأَقْيِسَةُ كُلُّهَا.
مَسْأَلَةٌ
مِمَّا ذُكِرَ عَلَى صُورَةِ الْفَرْقِ وَلَيْسَ فَرْقًا وَإِنْ كَانَ مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ - كَمَا قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ " قَوْلُ الْحَنَفِيِّ فِي اشْتِرَاطِ تَعَيُّنِ النِّيَّةِ: مَا تَعَيَّنَ أَصْلُهُ بِنَفْسِهِ
стр. 2985
لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ تَعْيِينُ النِّيَّةِ، كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ. فَنَقُولُ: أَصْلُ النِّيَّةِ لَيْسَ شَرْعِيًّا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهَذَا لَيْسَ فَرْقًا، بَلْ الْجَامِعُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَفْصِيلِ النِّيَّةِ فَرْعُ تَسْلِيمِ أَصْلِهَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرَاعِي التَّعْيِينَ مَعَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِأَنَّ أَصْلَهَا عِنْدَهُ كَافٍ مُغْنٍ عَنْ التَّفْصِيلِ، فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَصْلُ النِّيَّةِ
стр. 2986
[فَصْلٌ فِي جَوَابِ الْفَرْقِ]
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَعْتَرِضُ عَلَى الْفَارِقِ مَعَ قَبُولِهِ فِي الْأَصْلِ عَلَى مَا يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا، لَكِنَّهُ فِي صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ وَتِلْكَ الصُّورَةُ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ خَاصَّتِهِ. وَإِذَا بَطَلَ مُسْتَنِدُ الْفَرْقِ بَطَلَ الْفَرْقُ. فَأَمَّا مَنْ يُجَوِّزُ اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُ الْفَارِقِ: أَقُولُ بِالْمَعْنَيَيْنِ، لِأَنَّ الْفَرْقَ مُعَارَضَتَانِ، وَغَايَتُهُ أَنْ دَرَأَ أَحَدَهُمَا، وَقَدْ نَشَأَتْ عَنْهُمَا خَاصَّةُ الْمُنَاقَضَةِ وَهِيَ قَائِمَةٌ فَلْيَسْتَأْنِفْ الْجَوَابَ بِعَدَمِ إثَارَةِ الْفَرْقِ وَتَرْجِيحِ مَسْلَكِ الْجَامِعِ.
مَسْأَلَةٌ
إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْضُوعُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مَبْنِيًّا عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْآخَرُ عَلَى التَّغْلِيظِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِعِلَّةٍ تُوجِبُ حُكْمًا آخَرَ، فَفِي إفْسَادِهِ الْعِلَّةَ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْبُيُوعِ:
(أَحَدُهُمَا) : نَعَمْ، لِأَنَّ الْجَمْعَ يُوجِبُ التَّسَاوِيَ فِي الْحُكْمِ وَاخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ.
وَ (الثَّانِي) : لَا، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُسَاوِيًا لِأَصْلِهِ فِي حُكْمِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي عَمَلِهِ، لِأَنَّ تَسَاوِيَ الْأَحْكَامِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مُتَعَذِّرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ هِيَ الْوَارِدَةُ عَلَى الْعِلَّةِ، فَلِهَذِهِ بُدِئَ بِذِكْرِهَا. ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَّةَ الِاعْتِرَاضَاتِ فَنَقُولُ:
стр. 2987
[الثَّامِنُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الِاسْتِفْسَارُ]
الثَّامِنُ: الِاسْتِفْسَارُ وَهُوَ مُقَدَّمُ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَبِهِ بَدَأَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي جَمْعٍ. وَمَعْنَاهُ: طَلَبُ شَرْحِ مَعْنَى اللَّفْظِ إذَا كَانَ غَرِيبًا أَوْ مُجْمَلًا.
وَيَقَعُ بِ (هَلْ) ، وَبِالْهَمْزَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُسْأَلُ بِهِ عَنْ التَّصَوُّرِ. فَيُسْتَفْسَرُ عَنْ صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ. وَمَعْنَى الْمُقَدَّمَاتِ حَتَّى يَتَّفِقَا عَلَى مَوْضِعِ الْعِلَّةِ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ الِاسْتِفْسَارَ وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَحَقِّقًا فَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ، وَرُبَّمَا يَسْلَمُ الْمُعَانِدُ وَيَرْجِعُ إلَى الْمُوَافَقَةِ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْمُدَّعِي. وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيَانَ اشْتِمَالِ اللَّفْظِ عَلَى الْإِجْمَالِ وَالْقَرَابَةَ عَلَى الْمُعْتَرِضِ. وَقِيلَ: بَلْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، لِأَنَّ شَرْطَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ انْتِفَاؤُهَا عَنْهُ. . . وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَفَاوُتِهِمَا، فَيُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ عَدَمَهَا أَوْ يُفَسِّرُ بِمُحْتَمَلٍ. وَفِي دَعْوَاهُ الظُّهُورَ فِي مَقْصُودِهِ دَفْعًا لِلْإِجْمَالِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ فِي الْآخَرِ خِلَافٌ. فَإِنْ اشْتَهَرَ بِالْإِجْمَالِ، كَالْعَيْنِ وَالْقُرْءِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ دَعْوَى الظُّهُورِ قَطْعًا. قَالَهُ الشَّرِيفُ. وَذَكَرَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَعَنِيَ بِهِ شَيْئًا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، فَقِيلَ: لَا يَسْمَعُ الْعِنَايَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِكَلَامِهِ؟
وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَسْمَعُ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ نَاطِقٌ بِلُغَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلَكِنْ بَعْدَمَا عَرَفَ الْمُرَادَ وَعَرَفَ اللُّغَةَ فَلَا يُلْجَأُ إلَى النَّاظِرِ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَرَجَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ. وَقَالَ الْعَمِيدِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ التَّفْسِيرُ.
стр. 2988
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي عَدِّ هَذَا مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ نَظَرًا، لِأَنَّهُ طَلِيعَةُ جَيْشِهَا وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِهَا، إذْ الِاعْتِرَاضُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُخْدَشُ بِهِ كَلَامُ الْمُسْتَدِلِّ، وَالِاسْتِفْسَارُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، بَلْ هُوَ يَعْرِفُ الْمُرَادَ وَيُبَيِّنُ لَهُ لِيَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، فَإِذَا هُوَ طَلِيعَةُ السُّؤَالِ، فَلَيْسَ بِسُؤَالٍ. بَلْ حَكَى الْهِنْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْجَدَلِيِّينَ أَنْكَرَ كَوْنَهُ اعْتِرَاضًا، لِأَنَّ التَّصْدِيقَ فَرْعُ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْمُنَازَعِ. تَنْبِيهٌ:
أَطْلَقُوا أَنَّ عِلَّتَهُ الْبَيَانُ. وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ الْمُعْتَرِضُ مُتَعَنِّتًا يَقْصِدُ تَغْلِيطَ خَصْمِهِ، فَإِنْ كَانَ اكْتَفَى مِنْهُ بِالْجَوَابِ الْمُجْمَلِ. وَهَذَا كَمَا حُكِيَ عَنْ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ الرُّوحِ، وَهُوَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقُرْآنِ، وَجِبْرِيلَ، وَعِيسَى، وَمَلَكٌ يُقَالُ لَهُ (الرُّوحُ) ، وَرُوحُ الْإِنْسَانِ. وَأَضْمَرُوا أَنَّهُ إنْ قَالَ لَهُمْ: الرُّوحُ مَلَكٌ قَالُوا: بَلْ هُوَ رُوحُ الْإِنْسَانِ. وَإِنْ قَالَ: رُوحُ الْإِنْسَانِ قَالُوا: بَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مُسَمَّيَاتِ الرُّوحِ، فَعَلِمَ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَأَجَابَهُمْ مُجْمِلًا كَسُؤَالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْخَمْسَةِ وَغَيْرَهَا. هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْإِيضَاحِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ " وَقَالَ: هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي الْإِجْمَالِ، لَا أَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ، إذْ قَدْ دَلَّتْ قَوَاطِعُ الشَّرْعِ عَلَى تَعْيِينِهَا، فَقَدْ يُجْمِلُ الْمُسْتَدِلُّ لَفْظًا احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ فِي مَيْدَانِ النَّظَرِ، بِحَيْثُ إنْ تَوَجَّهَ سُؤَالُ الْمُعْتَرِضِ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْ اللَّفْظِ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِتَعْيِينِ كَلَامِهِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ.
[التَّاسِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ]
التَّاسِعُ: فَسَادُ الِاعْتِبَارِ وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، لَا لِفَسَادٍ فِيهِ، بَلْ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ أَوْ الْإِجْمَاعَ، أَوْ كَانَ إحْدَى مُقَدِّمَاتِهِ كَذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ
стр. 2989
مِمَّا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، كَإِلْحَاقِ الْمُصَرَّاةِ بِغَيْرِهَا مِنْ الْعُيُوبِ فِي حُكْمِ الرَّدِّ وَعَدَمِهِ وَوُجُوبِ بَدَلِ لَبَنِهَا الْمَوْجُودِ فِي الضَّرْعِ، أَوْ كَانَ تَرْكِيبُهُ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ، وَإِنَّمَا يَنْقَدِحُ جَعْلُهُ اعْتِرَاضًا إذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ، وَعَنْ الْقَاضِي وُقُوفُ الِاسْتِدْلَالِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْقِيَاسُ فَاسِدَ الْوَضْعِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَجَوَابُهُ: لِلطَّعْنِ فِي مُسْتَنِدِهِ أَوْ مَنْعِ ظُهُورِهِ أَوْ التَّأْوِيلِ أَوْ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَوْ الْمُعَارَضَةِ بِنَصٍّ آخَرَ لِيَسْلَمَ الْقِيَاسُ أَوْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ مِمَّا يَجِبُ تَرْجِيحُهُ عَلَى النَّصِّ بِوُجُوهِ التَّرْجِيحِ.
[الْعَاشِرُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ فَسَادُ الْوَضْعِ]
الْعَاشِرُ: فَسَادُ الْوَضْعِ
بِأَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ عَلَى الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لِاعْتِبَارِهِ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ، كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ مِنْ وَضْعٍ يَقْتَضِي ضِدَّهُ، كَالضِّيقِ مِنْ التَّوَسُّعِ، وَالتَّخْفِيفِ مِنْ التَّغْلِيظِ، وَالْإِثْبَاتِ مِنْ النَّفْيِ، كَقَوْلِهِمْ فِي النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ: لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ أَنْ يَنْعَقِدَ هُوَ بِهِ، لَا عَدَمُ الِانْعِقَادِ
وَكُلُّ فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَنْعَكِسُ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمَا
стр. 2990
وَاحِدًا، وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: هُمَا سِيَّانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَقَالُوا: فَسَادُ الْوَضْعِ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى الْعِلَّةِ ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ. وَفَسَادُ الِاعْتِبَارِ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى الْعِلَّةِ خِلَافَ مَا يَقْتَضِيهِ. (انْتَهَى) . وَقِيلَ: فَسَادُ الْوَضْعِ هُوَ إظْهَارُ كَوْنِ الْوَصْفِ مُلَائِمًا لِنَقِيضِ الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ اتِّحَادِ الْجِهَةِ. وَمِنْهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ تَعَدُّدِ الْجِهَاتِ لِتَنَزُّلِهَا مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الْأَوْصَافِ، وَعَنْ تَرْكِ حُكْمِ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ مُلَاءَمَةِ الْوَصْفِ لِلنَّقِيضِ دُونَ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ، إذْ هُوَ عِنْدَ فَرْضِ اتِّحَادِ الْجِهَةِ خُرُوجٌ عَنْ فَسَادِ الْوَضْعِ إلَى الْقَدْحِ فِي الْمُنَاسَبَةِ. وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ الْقَاضِي بِتَعْلِيقِ ضِدِّ الْمُقْتَضِي. وَقَالَ إلْكِيَا: هُوَ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ عَلَى مَا يَجِبُ تَأَخُّرُهَا عَنْهُ، كَالْجَمْعِ فِي مَحَلٍّ فَرَّقَ الشَّرْعُ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ.
كَمَا يُقَالُ لِلْحَنَفِيَّةِ: جَمَعْتُمْ فِي مَحَلٍّ فَرَّقَ الشَّرْعُ، إذْ قِسْتُمْ النَّفَقَةَ عَلَى السُّكْنَى فِي وُجُوبِهَا لِلْمَبْتُوتَةِ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَفَرَّقَ وَجَمَعْتُمْ.
وَقَدْ عَدَّ الْقَاضِي هَذَا الِاعْتِرَاضَ مِنْ الْقَطْعِيَّاتِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: هُوَ يَجْرِي مِنْ الشَّهَادَةِ مَجْرَى فَسَادِ الْأَدَاءِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيُمْكِنُ إيرَادُهُ عَلَى الطُّرُودِ، وَيَضْطَرُّ بِهِ الْمُعَلِّلُ إلَى إظْهَارِ التَّأْثِيرِ وَإِذَا ظَهَرَ التَّأْثِيرُ بَطَلَ السُّؤَالُ وَهَذَا طَرِيقٌ سَلَكَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَوْرَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. وَيَرِدُ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ مَوْضُوعِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَبْنِيًّا عَلَى التَّخْفِيفِ، كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ مَبْنِيًّا عَلَى التَّغْلِيظِ، كَوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَيَرُومُ الْقَائِسُ أَنْ يُثْبِتَ
стр. 2991
فِي الْفَرْعِ حُكْمًا مُخَفَّفًا، وَقَدْ بَانَ مِنْ اخْتِلَافِ مَوْضُوعِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ مِمَّا ذَكَرْنَا.
وَهُوَ مِثْلُ النَّقْضِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ بِهِ طَرْدَهُ بَعْدَ صِحَّةِ عِلَّتِهِ، كَالشَّهَادَةِ إنَّمَا يَشْتَغِلُ بِتَعْدِيلِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ.
وَهُوَ أَقْوَى مِنْ النَّقْضِ، لِأَنَّ الْوَضْعَ إذَا فَسَدَ لَمْ يَبْقَ إلَّا الِانْتِقَالُ. وَالنَّقْضُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى الطَّرْدِ، وَالطَّرْدُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَأَمَّا الْعِلَّةُ الَّتِي ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا فَلَا يَرِدُ هَذَا السُّؤَالُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ الطَّرْدُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِظْهَارُ التَّأْثِيرِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مِثْلِ هَذِهِ الْعِلَّةِ، أَوْ يَقُولَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ تَأْثِيرٌ، فَلَا بُدَّ فِي الْجَوَابِ مِنْ نَقْلِ الْكَلَامِ إلَى ذَلِكَ وَبِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْعِلَّةِ. فَبِهَذَا الْوَجْهِ صَحَّحْنَا السُّؤَالَ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": فَسَادُ الْوَضْعِ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الدَّلِيلِ دَالًّا عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَمَنَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، إذْ لَا تَوَجُّهَ لَهُ، لِكَوْنِهِ خَارِجًا عَنْ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَغَايُرِ فَسَادِ الْوَضْعِ وَفَسَادِ الِاعْتِبَارِ، وَأَنَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ، وَالثَّانِي اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ عَلَى مُنَاقَضَةِ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَعَمُّ وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهُمَا لَيْسَ بِاعْتِرَاضَيْنِ زَائِدَيْنِ، فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ لِلنَّقِيضِ إنْ كَانَ الْمُعْتَرِضُ رَدَّ الِاسْتِشْهَادَ إلَى أَصْلِ
стр. 2992
الْمُسْتَدِلِّ فَهُوَ (قَلْبٌ) ، وَإِنْ رَدَّهُ لِأَصْلٍ آخَرَ فَإِنْ كَانَتْ جِهَتَا الْمُنَاسَبَةِ لِلنَّقِيضِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ (مُعَارَضَةٌ) ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ فَهُوَ (قَدْحٌ فِي الْمُنَاسَبَةِ) . وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ الْمُعْتَرِضَ إلَى أَصْلٍ وَالْجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَهُوَ (مُعَارَضَةٌ لِمَعَانِي الْأُصُولِ بِالْمُرْسَلَاتِ) فَلَا تُسْمَعُ. وَأَمَّا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ فَحَاصِلُهُ (مُعَارَضَةٌ) . فَإِنْ كَانَ التَّوْقِيفُ أَقْوَى أَوْ تَسَاوَيَا تَمَّتْ الْمُعَارَضَةُ، أَوْ أَضْعَفَ قُدِّمَ، عَلَى طَرِيقَةِ الْإِمَامِ.
الثَّانِي: نَقْلُ خِلَافٍ فِي اسْتِعْمَالِ السُّؤَالِ عَلَى مُوَافَقَةِ النَّصِّ، هَلْ يَكُونُ فَسَادَ وَضْعٍ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فَلَا حَاصِلَ عِنْدِي لِهَذَا الْخِلَافِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ إلَّا عَلَى تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ أَحَدَهُمَا، أَمَّا إذَا سَبَقَ إلَى الْفِكْرِ الظَّنُّ بِأَحَدِهِمَا اسْتَحَالَ أَنْ تَظُنَّ بِالْآخَرِ ظَنًّا آخَرَ مُجَامِعًا لِلْأُولَى. انْتَهَى. وَهَذَا خِلَافُ طَرِيقَةِ النَّاسِ الْمَشْهُورَةِ وَأُوِّلَ إطْلَاقُ الْعُلَمَاءِ بِاجْتِمَاعِ الْعِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ كَفَى فِي حُصُولِ الْغَرَضِ.
الثَّالِثُ: قَدْ يُورَدُ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى قَوَاعِدِ أَصْحَابِنَا فِي قِيَاسِ الْعَامِدِ عَلَى النَّاسِي فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَفِي جَبْرِ الصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ، وَفِي قَضَائِهَا عِنْدَ التَّرْكِ، وَفِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَيُقَالُ: كَيْفَ يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ عَذَرَ النَّاسِيَ وَرَفَعَ التَّكْلِيفَ عَنْهُ، وَلَمْ يَعْذِرْ الْعَامِدَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إعْذَارِ النَّاسِي إعْذَارُ الْعَامِدِ. وَقَدْ كَثُرَ التَّشْنِيعُ عَلَيْنَا فِي هَذَا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعَمْدَ يُفَارِقُ النِّسْيَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِثْمِ وَعَدَمِهِ. فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ، أَوْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَالْإِيجَابِ وَعَدَمِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الطَّهَارَةَ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ نَاسِيًا. وَكَذَلِكَ تَرْكُ النِّيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَأْمُورَاتِ. وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا فِي الْمَنْهِيَّاتِ.
وَقَدْ يُورِدُ أَيْضًا قِيَاسَ الْمُخْطِئِ عَلَى الْعَامِدِ فِي إيجَابِ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ. وَجَوَابُهُ أَنَّ فِيهِ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُوبِهَا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 2993
﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةَ فَذَكَرَ الْجَلْدَ فِي إحْصَانِهِنَّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ الْجَلْدُ. وَقِيلَ: فِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْعَمْدِ لِيُنَبِّهَ عَلَى قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ، وَالتَّنْصِيصَ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَلَى الْخَطَأِ لِيُنَبِّهَ عَلَى خَطَأِ الْعَمْدِ. وَ (الثَّانِي) أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْعَمْدَ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي الْعَوْدِ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَا يُمْكِنُ الْعُقُوبَةُ إلَّا فِي حَقِّ الْعَامِدِ.
[الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْمَنْعُ]
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْمَنْعُ
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُمَانَعَةُ أَرْفَعُ سُؤَالٍ عَلَى الْعِلَلِ. وَقِيلَ: إنَّهَا أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ الْعُوَارُ (انْتَهَى) . وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ: أَمَّا الْأَصْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا - مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا: بِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَنْقَسِمُ بِالِاتِّفَاقِ إلَى مَا يُعَلَّلُ وَإِلَى مَا لَا يُعَلَّلُ، فَمَنْ ادَّعَى تَعْلِيلَ شَيْءٍ كُلِّفَ بَيَانَهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ تَحْرِيرًا، فَإِنَّ الْفَرْعَ فِي الْعِلَّةِ الْمُجَرَّدَةِ يَرْتَبِطُ بِالْأَصْلِ بِمَعْنَى الْأَصْلِ. قَالَ إلْكِيَا: هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ إذَا أَتَى بِالْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا السُّؤَالِ مَعْنًى، وَقَبْلَ الْعِلَّةِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالدَّلِيلِ إلَّا أَنْ يَبْقَى (تَقْسِيمًا وَسَبْرًا) .
стр. 2994
وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَنْعَ كَوْنُ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا لَا يَرِدُ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحَرِّرَ الْمُسْتَدِلُّ الْعِبَارَةَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُحَرِّرْهَا لَمْ يُرِدْ عَلَيْهِ الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَرِدُ عَلَى مَذْكُورٍ، وَهُوَ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، بَلْ قَوْلُهُ: أَجْمَعْنَا عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَلْيُحَرَّمْ النَّبِيذُ، فَهَذَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ، فَلَا يَتَّجِهُ مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلِّلًا، بَلْ لَا يُخَاطِبُ حَتَّى يُصَرِّحَ بِالْجَامِعِ. وَإِنْ حَرَّرَ فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُسَلَّمَ لَهُ كَوْنُ مَا ادَّعَاهُ عِلَّةً أَوْ لَا. فَإِنْ سَلَّمَ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْأَصْلِ مُعَلِّلًا، وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً لَا مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي مَنْعِ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا: هَلْ يُقْبَلُ أَمْ لَا؟ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةٍ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّا: هَلْ نَحْتَاجُ فِي كُلِّ صُورَةٍ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا مُعَلَّلٌ؟ أَوْ يُكْتَفَى بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ مُعَلَّلَةٌ. وَالْحَقُّ هُوَ الثَّانِي، لِاسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَحْكَامِ التَّعْلِيلُ، فَالْمُطَالَبَةُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَالْمُطَالَبَةِ بِكَوْنِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ حُجَّةً، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ الْمُسْقِطَةُ لِهَذَا الِاعْتِرَاضِ. لَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْمُسْقِطَةَ لَهُ الْكِفَايَةُ عَنْهُ بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الْمُعَيِّنَةِ، فَمَتَى صَحَّتْ لَزِمَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا ضَرُورَةَ لُزُومِ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدَ، لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُصَحِّحُ لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً مَثَلًا، الْمُنَاسَبَةُ وَالْجَرَيَانُ، لَا بِالذَّاتِ، وَلَكِنْ بِالشَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَالْجَرَيَانِ كَوْنُ الْمُنَاسَبَةِ عِلَّةً، فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا لَوْلَا قِيَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ بِالْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لَهَا بِشَرْطِهَا.
الثَّانِي - مَنْعُ مَا يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ أَنَّهُ عِلَّةُ كَوْنِهِ عِلَّةً، بَعْدَ تَسْلِيمِ التَّعْلِيلِ، وَيُسَمَّى الْمُطَالَبَةُ أَيْ بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ. وَإِذَا أُطْلِقَتْ الْمُطَالَبَةُ فِي عُرْفِ الْجَدَلِيِّينَ فَمُرَادُهُمْ هَذَا، وَحَيْثُ أُرِيدَ غَيْرُهَا ذُكِرَتْ مُقَيَّدَةً، فَيُقَالُ: الْمُطَالَبَةُ بِوُجُودِ الْوَصْفِ أَوْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، وَنَحْوُهُ. وَوَجْهُ الِاعْتِرَاضِ بِهِ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ كَوْنُهُ عِلَّةً، فَيَجْعَلُهُ كَالتَّمَسُّكِ بِالطَّرْدِ
стр. 2995
أَوْ بِالنَّفْيِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهِيَ عَائِدَةٌ إلَى مَحْضِ الْفِقْهِ، وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْمُحَقِّقُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ أَعْظَمُ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ، لِعُمُومِ وُرُودِهِ عَلَى كُلِّ وَصْفٍ، وَاتِّسَاعِ طُرُقِ إثْبَاتِهِ وَتَشَعُّبِهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ. وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جَامِعٍ هُوَ عِلَّةٌ. وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَ لَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِمَا يُمْكِنُ مَنْعُ الْمُنَاسَبَةِ فِيهِ، وَيَتَسَلْسَلُ وَبِأَنَّا لَوْ لَمْ نَجِدْ إلَّا هَذِهِ الْعِلَّةَ فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فِيهَا وَبِأَنَّ الِاقْتِرَانَ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ. وَأُجِيبَ عَنْ (الْأَوَّلِ) بِأَنَّهُ إذَا ذُكِرَ مَا يُفِيدُ ظَنَّ التَّعْلِيلِ وَجَبَ التَّسْلِيمُ وَلَا يَتَسَلْسَلُ. وَعَنْ (الثَّانِي) الطَّعْنُ بِالِاسْتِقْرَاءِ. وَعَنْ (الثَّالِثِ) مَنْعُ الِاكْتِفَاءِ بِالِاقْتِرَانِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ. تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: أَطْلَقَ الْجَدَلِيُّونَ هَذَا الْمَنْعَ، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ - بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَإِنْ كَانَتْ وَجَوَّزْنَا بِهَا، فَمَنَعَ الْمُعْتَرِضُ وُجُودَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوبِ عِلَّةً اتَّجَهَ فِي قَبُولِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ إذَا مَنَعَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَا يُمَكَّنُ مِنْ تَقْرِيرِ الْعِلَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ عَلَى نَقِيضِ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، وَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْمَنْعِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ صِيغَةَ الْمُطَالَبَةِ بِتَصْحِيحِ الْوَصْفِ لَا تَتَضَمَّنُ إنْكَارًا وَلَا تَسْلِيمًا، بِخِلَافِ الْمَنْعِ فَإِنَّ الْمَانِعَ جَازِمٌ يَنْفِي مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ، فَكَانَ لِتَقْرِيرِهِ وَجْهٌ، نَعَمْ، لَوْ أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ بِصِيغَةِ الْمَنْعِ كَقَوْلِهِ: لَا أُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عِلَّةٌ، جَاءَ الْخِلَافُ، فَيُمْكِنُ مِنْ التَّقْرِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِقْهٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَنْعَ وَالْمُطَالَبَةَ مُتَسَاوِيَانِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِكُلِّ مِنْهُمَا الْتِمَاسٌ، فَمَا جَرَى فِي أَحَدِهِمَا جَرَى فِي الْآخَرِ.
стр. 2996
فَصْلٌ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَجْمُوعُ مَا رَأَيْت أَهْلَ الزَّمَانِ يَقُولُونَ عَلَيْهِ عَلَى دَفْعِ هَذَا السُّؤَالِ سَبْعَةُ مَسَالِكَ:
الْأَوَّلُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ مُنَازَعٍ فِيهِ إلَى أَصْلٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ بِجَامِعٍ، وَقَدْ حَصَلَ. قُلْنَا: لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ الْجَامِعُ ظَنَّ صِحَّتِهِ، إمَّا بِإِخَالَةٍ أَوْ شِبْهٍ مُعْتَبَرٍ، وَلَمْ يُوجَدْ.
الثَّانِي - قَوْلُهُمْ: عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عَنْ إبْطَالِ الْعِلَّةِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَهُوَ بَاطِلٌ لِلُزُومِهِ صِحَّةَ كُلِّ دَلِيلٍ وُجِدَ فِيهِ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ.
الثَّالِثُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنِّي بَحَثْتُ وَسَبَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هَذَا الْوَصْفِ عِلَّةً. قُلْنَا: ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا بِالْعِلِّيَّةِ.
الرَّابِعُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَوْ قُبِلَ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ لَتَسَلْسَلَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ يَذْكُرُهُ الْمُسْتَدِلُّ إلَّا وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ. قُلْنَا: إذَا بَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ قِيَاسِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ عِلَّتَهُ ثَابِتَةٌ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ، أَمَّا مَا دَامَ مُتَحَكِّمًا بِالدَّعْوَى فَلَا.
الْخَامِسُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: حَاصِلُ هَذَا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إلَى مُنَازَعَةٍ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَعِلَّةُ الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُتَنَازَعًا فِيهَا، حَتَّى يُتَصَوَّرَ الْخِلَافُ فِي الْفَرْعِ. قُلْنَا: لَسْنَا نُطَالِبُك بِعِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا، بَلْ بِأَنْ تَنْصِبَ دَلِيلًا عَلَى مُدَّعَاك وَلَا تَقْتَصِرَ عَلَى التَّحَكُّمِ.
السَّادِسُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الَّذِي ذَكَرْته شَبَهٌ، وَالشَّبَهُ حُجَّةٌ. قُلْنَا: فَعَلَيْك بَيَانُ الشَّبَهِ.
стр. 2997
السَّابِعُ - قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الدَّلِيلُ عَلَى عِلِّيَّةِ الْجَامِعِ اطِّرَادُهَا وَسَلَامَتُهَا عَنْ النَّقْضِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّرْدَ حُجَّةٌ (انْتَهَى) . وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ فِي جَوَابِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهَا. الثَّالِثُ - مَنْعُ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ: كَقَوْلِنَا فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ: مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ، كَالدُّهْنِ. فَيَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدُّهْنَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يُزِيلُهَا عِنْدِي. وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ انْقِطَاعٌ لِلْمُسْتَدِلِّ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا - أَنَّهُ انْقِطَاعٌ: لِأَنَّهُ إنْ شُرِعَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ كَانَ انْتِقَالًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يُشْرَعْ لَمْ يَتِمَّ دَلِيلُهُ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ إذَا دَلَّ عَلَى مَحَلِّ الْمَنْعِ: جَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَالْبَرَوِيُّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ النُّظَّارِ. وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تَتْمِيمٌ لِمَقْصُودِهِ لَا رُجُوعَ عَنْهُ، بَلْ هُوَ تَثْبِيتُ رُكْنِ قِيَاسِهِ، فَهُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ، كَمَا يَبْحَثُ فِي تَحْقِيقِ عِلَّةِ الْأَصْلِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْعِ سَائِرِ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ.
وَالثَّالِثُ - إنْ كَانَ الْمَنْعُ جَلِيًّا فَهُوَ انْقِطَاعٌ، أَوْ خَفِيًّا، أَيْ يَخْفَى عَلَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فَلَا، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْهُ فِي الْمَنْعِ: الظَّاهِرُ أَنْ يَتَقَدَّمَ مِنْهُ فِي صَدْرِ الِاسْتِدْلَالِ هَذِهِ الشَّرِيطَةُ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ سَلَّمْت وَإِلَّا نَقَلْت الْكَلَامَ إلَيْهِ فَلَا يَنْقَطِعُ.
وَالرَّابِعُ - يَتَّبِعُ عُرْفَ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ: فَإِنَّ الْجَدَلَ مَرَاسِيمُ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُ الْعُرْفِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ.
стр. 2998
وَالْخَامِسُ - إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُدْرَكٌ غَيْرُهُ جَازَ الْقِيَاسُ، وَإِلَّا إنْ كَانَ الْمَنْعُ خَفِيًّا لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِلَّا انْقَطَعَ. وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ فِي غَايَةِ الْأَمَلِ ". ثُمَّ إذَا قُلْنَا: لَا يَنْقَطِعُ، فَهَلْ يَلْزَمُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إنَّمَا قِسْتُ عَلَى أَصْلِي وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْمُنَاظَرَةِ، وَإِنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَنْعُ مَنْعِهِ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ. وَوَهَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَحَكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى دَلَالَةٍ عَلَى مَحَلِّ الْمَنْعِ. وَالْمَوْجُودُ فِي الْمُلَخَّصِ " وَغَيْرِهِ لِلشَّيْخِ سَمَاعُ الْمَنْعِ. ثُمَّ إذَا قُلْنَا: يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ اسْتَدَلَّ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَذَاكَ، أَوْ بِقِيَاسٍ فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْجَامِعِ الْأَوَّلِ، فَقِيلَ: لَا يَصِيرُ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّهُ طُولٌ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَصْدُهُ إظْهَارَ فِقْهِ الْمَسَائِلِ وَالتَّدْرِيبَ فِيهَا وَتَكْثِيرَ الْأُصُولِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَصْفِ.
وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ فَقَالَ الْبَرَوِيُّ: يَصِيرُ مُنْقَطِعًا، لِأَنَّهُ إنْ حَقَّقَهُ فِي الْفَرْعِ فَقَدْ انْتَقَلَ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَذَهَبَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ عِلَّتَانِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ. نَعَمْ، يَلْزَمُهُ إثْبَاتُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِلَّتَيْنِ: فَإِنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ تَمَّ لَهُ مَقْصُودُهُ، وَإِنْ عَجَزَ انْقَطَعَ حِينَئِذٍ. ثُمَّ إذَا قُلْنَا: لَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ، فَإِذَا أَقَامَهُ فَاخْتَلَفُوا فِي انْقِطَاعِ الْمُعْتَرِضِ، فَقِيلَ: يَنْقَطِعُ حَتَّى يُسَوِّغَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْكَلَامَ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ فَسَادَ الْمَنْعِ، وَحَسْمًا لِبَابِ التَّطْوِيلِ. وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ، فَإِنَّ قَبُولَ الْمَنْعِ إنَّمَا كَانَ يَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ الدَّلِيلَ عَلَى مَحَلِّ الْمَنْعِ، فَكَيْفَ يَقْنَعُ مِنْهُ بِمَا يَدَّعِيهِ دَلِيلًا فَيَجِبُ تَمْكِينُ الْخَصْمِ مِنْ
стр. 2999
الْكَلَامِ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْقَطِعُ (قَالَ) : فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الْمُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ عَلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَمْنُوعِ فِي الْأَصْلِ فَعَدَلَ الْمُعْتَرِضُ عَنْهُ وَأَخَذَ يَعْتَرِضُ ثَانِيًا عَلَى الدَّلِيلِ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ، فَهَاهُنَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مُنْقَطِعًا.
تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: هَذَا الْمَنْعُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا قَاسَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَوْ قَاسَ عَلَى مَسْأَلَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ لَمْ يُمْكِنْ الْمُعْتَرِضَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ، لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ لَيْسَ كُلُّ خِلَافِيَّةٍ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا هَذَا السُّؤَالُ، بَلْ يَخْتَصُّ بِكُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمَنْعِ فِيهِ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ، لِأَنَّ طَرِيقَةَ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَنَاظِرِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَمِيَ إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ حَذَرًا مِنْ الِانْتِشَارِ. وَفِي " الْمَحْصُولِ ": إنْ كَانَ انْتِفَاؤُهُ مَذْهَبًا لِلْمُعَلِّلِ وَالْمُعْتَرِضِ كَانَ مُتَوَجِّهًا، وَكَذَا إنْ كَانَ مَذْهَبَ الْمُعَلِّلِ وَحْدَهُ. وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا لِلْمُعْتَرِضِ وَحْدَهُ لَمْ يُقْبَلْ. وَقَسَّمَ ابْنُ بَرْهَانٍ الْمَنْعَ الصَّحِيحَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ - يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ صَاحِبِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ. وَلَهُ فِي الْجَوَابِ طُرُقٌ:
أَحَدُهَا - أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَكُونُ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ، كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ فِي الْإِجَارَةِ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ: وَأَصْلُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ - فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ عِنْدِي النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَنْتَهِي. وَلَيْسَ كُلُّ مَا يَنْتَهِي يَبْطُلُ، بِدَلِيلِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ يَنْتَهِي وَلَا يَبْطُلُ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَدِلُّ: عَنَيْتُ بِقَوْلِي: فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ، أَيْ يَرْتَفِعَ وَلَا يَبْقَى قَبْلُ.
стр. 3000
الثَّانِي - أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، كَاسْتِدْلَالِنَا فِي فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا التَّرْتِيبُ، كَالصَّلَاةِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ التَّرْتِيبَ عِنْدِي فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يَأْتِي بِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً بِلَا تَرْتِيبٍ. فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ: أُبَيِّنُ مَوْضِعًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهِ التَّرْتِيبُ فَأَقِيسُ عَلَيْهِ فَأَقُولُ: أَجْمَعْنَا أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ لَمْ يَجُزْ فَأَقِيسُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ - أَنْ يَنْقُلَ الْكَلَامَ إلَيْهِ، كَاسْتِدْلَالِنَا فِي التَّعْفِيرِ مِنْ وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ بِأَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ نَجِسُ الْعَيْنِ، فَيَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْكَلْبِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ عِنْدِي لَا يَجِبُ التَّسْبِيعُ فِي غُسْلِ الْكَلْبِ وَجَوَابُهُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْكَلَامُ إلَيْهِ وَيُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي - أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ مُخَالِفٌ: كَاسْتِدْلَالِنَا فِي الصَّرُورَةِ إذَا حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ، كَمَا إذَا أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةً أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ - أَنْ لَا يَعْرِفَ الْمُعْتَرِضُ مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَقَالَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ: كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ عَلَى خَمْسٍ: أَنَّ هَذَا جَمْعٌ مُحَرَّمٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَخَيَّرَ، قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ تَحْتَ رَجُلَيْنِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: أَمْنَعُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي إسْلَامِهَا عَنْ زَوْجَيْنِ (قَالَ) وَمِنْ الْمَنْعِ الْفَاسِدِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُعْتَرِضُ الْحُكْمَ عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ لِلْأَصْحَابِ كَاسْتِدْلَالِنَا فِي جِلْدِ الْكَلْبِ لَا يُدْبَغُ، لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ.
стр. 3001
التَّنْبِيهُ الثَّانِي
قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: حَقُّ السَّائِلِ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا غَيْرَ مُدَّعٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدُلَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُنْكِرِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ شَرْعًا، وَعَلَى مِثْلِهِ بُنِيَتْ الْمُنَاظَرَةُ صَوْنًا لِلْمَقَامِ عَنْ الِاخْتِلَاطِ (قَالَ) : وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ الِانْتِقَالُ مِنْ حُكْمٍ إلَى آخَرَ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى، فَإِنَّ الْعِلَّةَ كَافِيَةٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ. نَعَمْ، الِانْتِقَالُ مِنْ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى فَسْخٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ النَّظَرِ. (قَالَ) : وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى النَّقْضِ، فَإِنَّ بِهِ يَنْتَقِلُ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى خَارِجَةٍ عَنْ مَقْصُودِ السُّؤَالِ. وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ النَّقْضُ ثَبَتَ مَطْلُوبُهُ، فَالِاخْتِيَارُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مَصْلَحَةِ الْمُنَاظَرَةِ. وَأَمَّا الْمَنْعُ فِي الْفَرْعِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ إلَّا سُؤَالٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْعُ وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ، وَيُسَمَّى (مَنْعَ الْوَصْفِ) ، فَإِنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلِفٍ فِيهِ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيدَاعِ مِنْ الصَّبِيِّ: إنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ، فَيُمْنَعُ، وَقَالَ: لَيْسَ بِمُسَلَّطٍ، إذْ الْإِيدَاعُ لَيْسَ بِتَسْلِيطٍ.
قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا غَيْرُ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ، لِأَنَّ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ مُطَالَبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ لَا إلَى الْفَرْعِ (قَالَ) : وَتَبْطُلُ بِهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْإِخَالَةِ وَإِيضَاحُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَنْعِ. وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ التَّعْلِيلِ، وَمَا يُفْرَضُ قَبْلَهُ التَّعْلِيلُ فَلَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ عَلَيْهِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَمِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةِ: طَلَبُ الْإِخَالَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأَسْئِلَةِ وَأَوْقَعِهَا فِي الْأَقْيِسَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، فَمَنْ ادَّعَى مَعْنًى فَعَلَيْهِ تَبْيِينُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْحُكْمِ وَاقْتِضَائِهِ لَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ انْقَطَعَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأَسْئِلَةِ، بَلْ حَقٌّ عَلَى الْمَسْئُولِ أَنْ يَبْدَأَ بِإِظْهَارِ الْإِخَالَةِ
стр. 3002
قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِصُورَةِ الْقِيَاسِ، وَسُكُوتُهُ عَنْهُ اقْتِصَارٌ عَلَى بَعْضِ الْعِلَّةِ. نَعَمْ، لَوْ ضَمَّ إلَى تَعْلِيلِهِ لَفْظًا يُشْعِرُ بِالْإِخَالَةِ كَفَاهُ ذَلِكَ، فَإِنْ وَجَّهَ السَّائِلُ طَلَبًا كَانَ قَاصِرًا عَنْ دَرْكِ لَفْظِ التَّعْلِيلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْخِلَافُ فِي عَدِّ هَذَا مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ: هَلْ يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُ الْإِخَالَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا؟ فَالْقَاضِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَسَقَطَ هَذَا السُّؤَالُ، وَغَيْرُ الْقَاضِي قَنَعَ مِنْهُ بِذِكْرِ الْمَعْنَى الْمُخْتَلِّ، فَإِنْ لَمْ يُقَرِّرْهَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ. وَالْحَقُّ مَعَ الْقَاضِي، بَلْ لَوْ شَرَعَ الْخَصْمُ فِي سُؤَالِهَا قَبْلَ بَيَانِهَا كَانَ جَاهِلًا بِحَقِّهِ، إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ طَرَدَ قَوْلَهُ فَأَلْزَمَ الْمُسْتَدِلَّ دَفْعَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُتَوَقَّعَةِ، وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي فِي الْخُصُومَةِ إذَا عَدَّلَ بَيِّنَتَهُ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ الْقَوَادِحِ الْمُتَوَقَّعَةِ إلَّا إذَا أَتَى الْخَصْمُ بِقَادِحٍ كَانَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَدْفَعَهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. (انْتَهَى) . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً تَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ وَمُنَاسَبَتِهِ، وَمَقْصُودُهُ اسْتِنْطَاقُ الْمَسْئُولِ فِي تَصْحِيحِ شَهَادَةِ الِاعْتِبَارِ بِمَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ الْمَسَالِكِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي إثْبَاتِ الْعِلَّةِ، لِيَعْتَرِضَ عَلَى كُلِّ مَسْلَكٍ مِنْهَا بِمَا يَلِيقُ بِهِ. وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ صِحَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُطَالَبَةِ وَالْمُمَانَعَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ مَنْعِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمُمَانَعَةِ ضِمْنًا. وَفِيهِ بُعْدٌ، إذْ الْمُعْتَرِضُ مُطَالَبٌ هَادِمٌ غَيْرُ مُعْتَرِضٍ لِلْحُكْمِ بِإِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ. وَلِلسَّائِلِ أَنْ يَجْمَعَ الْمُنُوعَ فَيَمْنَعُ حُكْمَ الْأَصْلِ وَيَمْنَعُ الْوَصْفَ فِي الْفَرْعِ وَفِي الْأَصْلِ. وَيَمْنَعُ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً أَوْ يَعْكِسُهُ فَيَقُولُ: لَا أُسَلِّمُ الْوَصْفَ فِي الْفَرْعِ وَلَا فِي الْأَصْلِ وَلَا الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ. وَلِلْمَسْئُولِ دَفْعُهَا بِإِبْدَاءِ مَوْضِعٍ مُسَلَّمٍ فِي الْأَصْلِ أَوْ بِإِظْهَارِ الْمُنَاسَبَةِ عَلَى شَرْطِهَا، وَلَهُ النَّقْلُ إلَى الْأَصْلِ إذَا مَنَعَ، أَوْ افْتِتَاحُ الْكَلَامِ فِيهِ ابْتِدَاءً إذَا تَوَقَّعَ الْمَنْعَ.
стр. 3003
[الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات التَّقْسِيمُ]
الثَّانِيَ عَشَرَ: التَّقْسِيمُ وَهُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ، وَالْآخَرُ مُسَلَّمٌ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي أَحَدِهِمَا، مِثْلُ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَهُوَ تَثْبِيتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، فَيَثْبُتُ لَهُ. فَيَقُولُ الْمُقْسِمُ: السَّبَبُ هُوَ مُطْلَقُ الْبَيْعِ، أَوْ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا شَرْطَ فِيهِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْت بِوُجُودِهِ؟
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعًا وَالْآخَرُ مُسَلَّمًا، بَلْ يَكُونَانِ مُسَلَّمَيْنِ لَكِنَّ الَّذِي يَرِدُ عَلَى أَحَدِهِمَا غَيْرُ مَا يَرِدُ عَلَى الْآخَرِ، إذْ لَوْ اتَّحَدَ مَا يَرِدُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُمَا مَمْنُوعَيْنِ، لِأَنَّ التَّقْسِيمَ لَا يُفِيدُ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَرَادَ الْمُعْتَرِضُ تَصْحِيحَ تَقْسِيمِهِ اكْتَفَى بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ احْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ بَيَانِ التَّسَاوِي فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا. وَجَوَابُهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لَهُ وَلَوْ عُرْفًا، أَوْ ظَاهِرًا وَلَوْ بِقَرِينَةٍ فِي الْمُرَادِ أَوْ بَيْنَ احْتِمَالًا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُعْتَرِضُ.
[الثَّالِث عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَات اخْتِلَافُ الضَّابِطِ]
الثَّالِثَ عَشَرَ: اخْتِلَافُ الضَّابِطِ [اخْتِلَاف الضَّابِط] بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالْجَامِعِ،
стр. 3004
كَقَوْلِهِ فِي شُهُودِ الْقِصَاصِ. تَسَبَّبُوا لِلْقَتْلِ عَمْدًا فَلَزِمَهُمْ الْقِصَاصُ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ السَّبَبِ، كَالْمُكْرَهِ. فَالْمُشْتَرِكُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إنَّمَا هِيَ الْحِكْمَةُ وَهِيَ الزَّجْرُ. وَالضَّابِطُ فِي الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ، وَفِي الْأَصْلِ الْإِكْرَاهُ، وَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ بِالْحِكْمَةِ وَحْدَهَا. وَضَابِطُ الْفَرْعِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِضَابِطِ الْأَصْلِ فِي الْإِفْضَاءِ إلَى الْمَقْصُودِ وَأَنْ لَا يَكُونَ. وَجَوَابُهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنْ السَّبَبِ الْمَضْبُوطِ عُرْفًا، أَوْ يُبَيِّنَ الْمُسَاوَاةَ فِي الضَّابِطِ، أَوْ إفْضَاءَ الضَّابِطِ فِي الْفَرْعِ أَكْثَرُ.
[الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ اخْتِلَافُ حُكْمَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ]
الرَّابِعَ عَشَرَ: اخْتِلَافُ حُكْمَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قِيلَ: إنَّهُ قَادِحٌ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ مُمَاثَلَةُ الْفَرْعِ الْأَصْلَ فِي عِلَّتِهِ وَحُكْمِهِ. فَإِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُسَاوَاةُ. وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي الْخُصُوصِ فَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِي أَمْرٍ عَامٍّ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ ذَلِكَ الْعَامِّ وَالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَتَكُونُ الْعِلَّةُ تُنَاسِبُ ذَلِكَ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ، وَهُوَ كَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرَةِ فِي نِكَاحِهَا، قِيَاسًا عَلَى الْوِلَايَةِ فِي مَالِهَا.
[الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُعَارَضَةِ]
[وُجُوهٍ الْمُعَارَضَةِ]
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُعَارَضَةُ وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الِاعْتِرَاضَاتِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَقِيلَ: هِيَ إلْزَامُ الْجَمْعِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا. وَقِيلَ: إلْزَامُ الْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قَالَ بِنَظِيرِهِ
стр. 3005
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنَاقَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا نَقْضُ مُعَارَضَةٍ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ. وَأَيْضًا فَالنَّقْضُ لَا يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، وَالْمُعَارَضَةُ بِالدَّلِيلِ عَلَى الدَّلِيلِ صَحِيحَةٌ (قَالَ) : وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الِاسْتِفْهَامِ (قَالَ) وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا: فَأَثْبَتَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ النَّظَرِ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُؤَالٍ صَحِيحٍ. وَاخْتَلَفَ مَثْبُوتُهَا فِي الثَّابِتِ مِنْهَا، فَقِيلَ: إنَّهَا تَصِحُّ مُعَارَضَةُ الدَّلَالَةِ بِالدَّلَالَةِ وَالْعِلَّةِ، وَلَا تَجُوزُ مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ الْجُبَّائِيُّ، وَحَكَاهُ أَصْحَابُهُ عَنْ الْجُبَّائِيُّ، وَوَجَدْنَا فِي كِتَابِهِ خِلَافَهُ. وَذَكَرَ الْكَعْبِيُّ فِي جَدَلِهِ " جَوَازَ مُعَارَضَةِ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: الْمُعَارَضَةُ إظْهَارُ عِلَّةٍ مُعَارِضَةٍ لِعِلَّةٍ، أَوْ لِعِلَلٍ، فِي نَقِيضِ مُقْتَضَاهَا. هَذَا أَصْلُ الْبَابِ، وَلَا يَجْرِي إلَّا فِي الظَّنِّيَّاتِ ثُمَّ يُرَجَّحُ أَحَدُ الظَّنَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ. وَكَذَلِكَ الْمُعَارَضَةُ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ كُلِّ اعْتِرَاضٍ قَدَّمْنَاهُ، فَإِنَّ فَسَادَ الْوَضْعِ وَالْمَنْعِ لَا يَصْلُحُ عَلَى حِيَالِهِ اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ حَتَّى يُعَارَضَ بِهِ. وَإِنَّمَا الْمُعَارَضَةُ حَيْثُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ لَاسْتَقَلَّتْ الْعِلَّةُ فِي نَفْسِهَا أَوْ جِنْسِهَا بِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ لِوُجُودِ أَصْلِ الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ، وَلَكِنَّ الْمُعَارِضَ مَنَعَ اعْتِبَارَهَا دُونَ تَرْجِيحٍ. فَالْحَرْفُ: الْمُعَارَضَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى أَصْلِ الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ فِي هَذَا الْمَجَالِ عَلَى الْخُصُوصِ. وَاحْتَجَّ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ عَلَى عِلَّةِ صِحَّةِ الْحِجَاجِ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَهَا عَلَى الْكُفَّارِ فَقَالَ: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٤٢] يَعْنِي أَنَّ بُطْلَانَ الْوُصُولِ إلَى ذِي الْعَرْشِ عِلَّةُ عَجْزِهِمْ، وَمَنْ صَحَّ عَجْزُهُ ثَبَتَ نَقْصُهُ وَاسْتَحَالَ وَصْفُهُ بِمَا وَصَفْتُمْ.
стр. 3006
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ إمَّا فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ أَوْ فِي الْوَصْفِ: أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ ذَكَرَ عِلَّةً أُخْرَى فِي الْأَصْلِ سِوَى عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةً فِي الْفَرْعِ، وَنَقُولُ: إنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ نَشَأَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْتَهَا لَا بِالْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيُّ فِي تَبْيِيتِ النِّيَّةِ: صَوْمُ عَيْنٍ فَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، كَالنَّفْلِ. فَيُقَالُ: لَيْسَ الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ مَا ذَكَرْت، بَلْ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النَّفَلَ مِنْ عَمَلِ السُّهُولَةِ وَالْخِفَّةِ، فَجَازَ أَدَاؤُهُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْ الشُّرُوعِ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ سُؤَالُ الْفَرْقِ، فَسَيَأْتِي فِيهِ مَا سَبَقَ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ يُبْدِيهَا الْمُعْتَرِضُ مُسْتَقِلَّةً بِالْحُكْمِ كَمُعَارَضَةِ الْكَيْلِ بِالطُّعْمِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى أَنَّهَا جُزْءُ الْعِلَّةِ، كَزِيَادَةِ الْجَارِحِ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِهِ، فَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ، بِنَاءً عَلَى مَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةً وَلَا جَوَابًا، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْعَمِيُّ الْحَنَفِيُّ فِي كِتَابِهِ الْغَرَرِ فِي الْأُصُولِ " قَالَ: لِأَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، بَلْ أَقُولُ بِالْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا. قَالَ: وَلَيْسَتْ مُنَاقَضَةً لِأَنَّهَا سَدُّ مَجْرَى الْعِلَّةِ وَلَمْ يَسُدَّ عَلَيْهِ الْمُجِيبُ مُنَاقَضَةً مِنْ الْعِلَّةِ. وَقِيلَ: يُقْبَلُ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ (قَالُوا) لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ فِي الْأَصْلِ وَصْفَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلِاسْتِقْلَالِ فَإِنَّهُ يَتَعَارَضُ عِنْدَ النَّظَرِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ:
أَحَدُهَا - أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ خَاصَّةً.
وَالثَّانِي - أَنْ تَكُونَ وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ خَاصَّةً.
وَالثَّالِثُ - أَنْ تَكُونَ مَجْمُوعَ الْوَصْفَيْنِ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فَالْقَوْلُ بِتَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ تَحَكُّمٌ
стр. 3007
مَحْضٌ، وَهَلْ يَقْتَضِي إبْطَالَ الدَّلِيلِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ - حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَتِمُّ دَلِيلُ الْمَسْئُولِ بِالْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَحِيحًا فَمَا يُعَارِضُهُ بِهِ خَصْمُهُ يَسْتَحِيلُ دَلِيلًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرَى الْمُسْتَدِلُّ فَسَادَهُ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ بَانَ عَجْزُهُ.
وَالثَّانِي - أَنَّهُ مَا لَمْ يُفْسِدْ الْمَسْئُولُ تِلْكَ الْمُعَارَضَةَ لَا يَتِمُّ دَلِيلُهُ - لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمُعَارَضَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَدَلِيلُ الْمَسْئُولِ يُشْبِهُهُ، غَيْرَ أَنَّ السَّائِلَ عَجَزَ عَنْ إيرَادِ مَا يُفْسِدُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ الْخِلَافِ فِي قَبُولِ هَذَا السُّؤَالِ وَرَدِّهِ عَلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ. فَإِنْ جَوَّزْنَا لَمْ يُقْبَلْ، وَإِلَّا قُبِلَ: ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ، وَنَازَعَهُ شَارِحُهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ: نَحْنُ وَإِنْ فَرَضْنَا جَوَازَ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَإِنَّهُ يَتَّجِهُ ذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ الْأُصُولُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالتَّعْدَادِ. وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا شَهِدَ لِكُلِّ عِلَّةٍ أَصْلٌ انْفَرَدَتْ فِيهِ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، كَاجْتِمَاعِ الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ، فَإِنَّ اسْتِقْلَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِ عِلَّتِهِ حَيْثُ يَنْفَرِدُ ثُمَّ يَقَعُ الْآخَرُ حَيْثُ يَجْتَمِعُ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ، وَآخَرُ يَقُولُ: لِكُلِّ حُكْمٍ عِلَّةٌ فَاجْتَمَعَ عِلَّتَانِ وَحُكْمَانِ. أَمَّا إذَا فَرَضْنَا إبْدَاءَ السُّؤَالِ عِلَّةً، فَعَارَضَهُ السَّائِلُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَفَرْضُهُمَا عِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ يَسْتَدْعِي انْفِرَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي أَصْلٍ سِوَى مَحَلِّ الِاجْتِمَاعِ، فَإِذَا لَمْ يَظْفَرْ الِانْفِرَادُ فَالْمُعَارَضَةُ وَارِدَةٌ، بِنَاءً عَلَى خَلَلِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْمَسْئُولَ إنْ قَالَ: الْبَاعِثُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَيْتُهُ قَالَ السَّائِلُ: الْبَاعِثُ مَعْنَاهُ، أَوْ الْأَمْرَانِ مَعًا، بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ. فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ
стр. 3008
مُتَسَاوِيَةٌ، وَالْمُسْتَدِلُّ فِي تَعْيِينِ مَقْصُودِهِ بِالدَّعْوَى مُتَحَكِّمٌ. وَلِهَذَا لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ شَهَادَةَ الْأُصُولِ وَأَجَزْنَا الْمُرْسَلَاتِ لَمْ يَرِدْ هَذَا السُّؤَالُ. وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الَّذِي عَارَضَ بِهِ الْأَصْلَ عَنْ الْفَرْعِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:
(أَحَدُهَا) وَهُوَ الْمُخْتَارُ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي الْفَرْعِ افْتَقَرَ الْمُسْتَدِلُّ إلَى بَيَانِهِ فِيهِ لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ بَطَلَ الْجَمْعُ.
وَ (الثَّانِي) يَجِبُ نَفْيُهُ، لِأَنَّ الْفَرْقَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ.
وَ (الثَّالِثُ) وَبِهِ أَجَابَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، إنْ قَصَدَ الْفَرْقَ فَلَا بُدَّ مِنْ نَفْيِهِ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِ فَهُوَ فَرْقٌ، وَإِلَّا فَالْمُسْتَدِلُّ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا بَعْضَ الْعِلَّةِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ إشْكَالٍ. هَذَا إذَا كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ أُصُولًا فَقِيلَ: لَا يَرِدُ، لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِأَصْلٍ آخَرَ عَنْ هَذَا حَاصِلٌ. وَقِيلَ: يَرِدُ، لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي إفَادَةِ الظَّنِّ. وَالْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ اخْتَلَفُوا فِي الِاقْتِصَارِ فِي الْمُعَارَضَةِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، فَقِيلَ: يَكْفِي لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ جَمْعَ الْأُصُولِ، فَإِذَا ذَهَبَ وَاحِدٌ ذَهَبَ غَرَضُهُ وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ لِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ يَكْتَفِي بِأَصْلٍ وَاحِدٍ. وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ اتِّحَادَ الْمُعَارِضِ فِي الْكُلِّ، دَفْعًا لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسَاعِدَهُ فِي الْكُلِّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ، فَقِيلَ: يَقْتَصِرُ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُهُ. وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ الْكُلِّ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقِيَاسَ عَلَى الْكُلِّ.
стр. 3009
وَجَوَابُ الْمُعَارَضَةِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهُمَا - مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ.
(الثَّانِي) - مَنْعُ الْمُنَاسَبَةِ، أَوْ مَنْعُ الشَّبَهِ إنْ أَثْبَتَهُ بِهِمَا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُعَارِضِ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلتَّعْلِيلِ، وَلَا يَصْلُحُ إلَّا إذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ شِبْهًا، إذْ لَوْ كَانَ طَرْدًا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا. وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ مِنْ الْمُعْتَرِضِ بِالْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ فِي قِيَاسِ الْإِخَالَةِ، لِأَنَّ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ أَدْنَى مِنْ الْمُنَاسِبِ، فَلَا يُعَارِضُهُ. فَإِنْ كَانَ أَثْبَتَهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُعْتَرِضَ بِالتَّأْثِيرِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالَاتِ كَافٍ، فَمَنْ دَفَعَ السَّبْرَ فَعَلَيْهِ دَفْعُهُ لِيَتِمَّ لَهُ طَرِيقُ السَّبْرِ.
الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ - أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْوَصْفِ خَفِيٌّ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ أَوْ غَيْرُ ظَاهِرٍ أَوْ غَيْرُ وُجُودِيٍّ وَنَحْوُهُ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلَّةِ. كَذَا ذَكَرَهُ الْجَدَلِيُّونَ. قَالَ ابْنُ رَحَّالٍ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الظُّهُورَ وَالِانْضِبَاطَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ نَصْبِهِ أَمَارَةً، أَمَّا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَجْلِهِ فَلَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ لِلْخَفِيِّ وَالْمُضْطَرِبِ، وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ نَصْبُهُ أَمَارَةً تَعَيَّنَ النَّظَرُ إلَى مَظِنَّتِهِ. وَالْمُعَارِضُ هَاهُنَا لَيْسَ مَقْصُودُهُ نَصْبَ الْأَمَارَةِ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْلِيفِهِ إثْبَاتَ الظُّهُورِ وَالِانْضِبَاطِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ جَعَلْتُمْ مِنْ الْأَسْئِلَةِ النِّزَاعَ فِي ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ، وَإِذَا صَحَّتْ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ صَحَّتْ مُطَالَبَةُ الْمُعْتَرِضِ بِهِ، قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ ادَّعَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ أَمَارَةً، فَظُهُورُهُ وَانْضِبَاطُهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ نَصْبِهِ أَمَارَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدَّعِ الْأَمَارَةَ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ طَرِيقُ الْإِجْمَالِ لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ مِمَّا ثَبَتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ، وَالظُّهُورُ وَالِانْضِبَاطُ لَيْسَ شَرْطًا فِي ذَلِكَ، فَافْتَرَقَا.
стр. 3010
الْخَامِسُ - بَيَانُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ وَصْفٍ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ، لَا إلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ فِي الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَهَذَا إنَّمَا يَكْفِي إذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ لَمْ يَكْفِ هَذَا فِي الْجَوَابِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْدَحَ فِيهِ لِوَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ كَوْنِهِ عَدَمًا. هَذَا كُلُّهُ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْوَصْفَ عَدَمٌ فِي الْأَصْلِ ثُبُوتٌ فِي الْفَرْعِ.
السَّادِسُ - إلْغَاءُ الْوَصْفِ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَارَضَةُ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ هَذَا بِأَنَّ الْإِلْغَاءَ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) إلْغَاءٌ بِإِيمَاءِ النَّصِّ. وَ (الثَّانِي) إلْغَاءٌ بِتَبْدِيلِ الْأَصْلِ.
فَالْأَوَّلُ فِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ مَسْلَكٍ اجْتِهَادِيٍّ إلَى مَسْلَكٍ نَقْلِيٍّ، وَالِانْتِقَالُ مِنْ أَقْبَحِ الِانْقِطَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ اسْتَدَلَّ بِإِيمَاءِ النَّصِّ أَوَّلًا لَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ الْمَسَالِكِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا التَّطْوِيلِ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ اسْتِدْلَالُهُ أَوَّلًا. كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا اسْتَدَلَّ بِقِيَاسٍ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ التَّرْجِيحِ بِالنَّصِّ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَفِيهِ انْتِقَالٌ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ، مَعَ بَقَاءِ مَسْلَكِ الْمُنَاسَبَةِ وَالِاقْتِرَانِ، مَعَ أَنَّ فِي [ذَلِكَ] تَطْوِيلَ الطَّرِيقِ بِلَا فَائِدَةٍ. إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَالْإِلْغَاءُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِإِيمَاءِ النَّصِّ، وَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا وَصْفًا وَاحِدًا، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ مِنْ الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ إنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا، لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ، فَالْتَحَقَ بِالْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ. فَعَارَضَ الْحَنَفِيُّ فِي الْأَصْلِ بِالْكَيْلِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: وَصْفُ الْكَيْلِ مُلْغًى بِإِيمَاءِ قَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ
стр. 3011
بِالطَّعَامِ، إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. فَإِنْ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ: تَرَكْتَ النَّصَّ أَوَّلًا: فَلَمْ تَسْتَدِلَّ بِهِ، وَاسْتَدْلَلْتَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ لَك مَعَهُ مِنْ النَّصِّ، وَهَذَا تَطْوِيلٌ. فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَدَلَّ أَوَّلًا بِالنَّصِّ لَاحْتَاجَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فَكَانَ الْأَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِغَيْرِ النَّصِّ وَيَدَّخِرَ النَّصَّ لِمَقْصُودِهِ الْإِلْغَاءَ، وَهَذَا مَقْصُودٌ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الْعُذْرُ مُطَّرِدًا فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْإِلْغَاءِ كَانَ السُّؤَالُ السَّابِقُ مُنْدَفَعًا.
وَثَانِيهِمَا مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُرْتَدَّةِ: يَجِبُ قَتْلُهَا، لِأَنَّهُ شَخْصٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ، كَالرَّجُلِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أُعَارِضُ فِي الْأَصْلِ: الْوَصْفُ فِي الرُّجُولِيَّةِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ النَّاجِزِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ فِي الْمَرْأَةِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ مُلْغًى بِإِيمَاءِ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قَتْلِ جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ جِهَةِ تَعْلِيقِهِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ بِوَصْفِ (التَّبْدِيلِ) .
الثَّانِي: إلْغَاءٌ بِتَبْدِيلِ الْأَصْلِ: وَصُورَتُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ صُورَةً ثَالِثَةً يُثْبِتُ فِيهَا الْحُكْمَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى وَفْقِ عِلَّتِهِ بِدُونِ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأَصْلِ الثَّانِي، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبِرًا فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْدُومًا. وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْفَرْعِ: فَهِيَ أَنْ يُعَارِضَ حُكْمَ الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَهُ أَوْ ضِدَّهُ، بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ بِوُجُودِ مَانِعٍ، أَوْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ. فَيَقُولُ: مَا ذَكَرْت مِنْ الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ، فَتَوَقَّفَ دَلِيلُك. مِثَالُ النَّقِيضِ: إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا
стр. 3012
حَمْلَهَا صَحَّ فِي وَجْهٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ هَذِهِ الصِّيعَانَ إلَّا صَاعًا. فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا يَدَهَا. وَمِثَالُ الضِّدِّ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ، قِيَاسًا عَلَى التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ، بِجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَقُولُ: فَيُسْتَحَبُّ قِيَاسًا عَلَى الْفَجْرِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْوِتْرَ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ، وَلَمْ يُعْهَدْ مِنْ الشَّرْعِ وَضْعُ صَلَاتَيْ فَرْضٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ وَنَفْيِ حُكْمِهِ، فَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تُوجِبُ مَا تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُعَلِّلِ، فَتَعَارَضَ الْعِلَّتَانِ فَتَمْنَعَانِ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا بِتَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِ هَذَا الِاعْتِرَاضِ: فَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ قَدْ تَمَّتْ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمُعَارَضَةُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنَّا نُبَيِّنُ عَدَمَ تَمَامِ دَلَالَتِهِ إذْ ذَاكَ، وَإِذَا تَمَّتْ دَلَالَتُهُ فَقَدْ وَفَى بِمَا الْتَزَمَ فِي الِاسْتِدْلَالِ، فَهُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَيَّرٌ: إنْ شَاءَ سَمِعَ الْمُعَارَضَةَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْمَعْ - كَاسْتِدْلَالِ مُسْتَأْنِفٍ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقَّ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لَا بَانِيًا، وَالْمُعَارَضَةُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ بِنَاءٌ لَا هَدْمٌ، بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ، وَهِيَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْوَصْفِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِهَا ثُمَّ قَبُولِهَا هُنَا. وَقَبِلَهُ الْأَكْثَرُونَ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ عُطْلٌ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ عِنْدَ وُرُودِهَا مُتَحَكِّمٌ، وَالتَّحَكُّمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلْهَدْمِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِلْهَدْمِ، فَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ لَبَطَلَ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ وَالْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ، وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ غَصْبًا لِمَنْصِبِ التَّعْلِيلِ أَنْ لَوْ ذَكَرَهَا
стр. 3013
الْمُعْتَرِضُ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ. وَهُوَ لَا يَذْكُرُهَا لِذَلِكَ، لِاتِّفَاقِ دَلِيلِ خَصْمِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " وَقَدْ رَأَيْتَ ابْنَ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " نَقَلَ عَنْهُ إبْطَالَ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ رَأَيْت إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ فَقَالَ فِي كِتَابِ " التَّلْوِيحِ ": صَارَ الْغَزَالِيُّ إلَى بُطْلَانِ الْمُعَارَضَةِ عَلَى مَا سَمِعْنَا الْإِمَامَ يَنْقُلُهُ عَنْهُ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعَ التَّنَاقُضِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَإِذَا اعْتَرَفَ السَّائِلُ بِصِحَّةِ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِالْحُكْمِ، وَالْمَسْئُولُ يُنْكِرُ صِحَّةَ تَعْلِيلِهِ. وَإِنْ هُوَ أَرَادَ إظْهَارَهُ فَقَدْ تَنَاقَضَ وَقَالَ بِتَعَارُضِ النُّصُوصِ، وَلِأَنَّ حَقَّ السَّائِلِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا غَيْرَ بَانٍ، وَالْمُعَارَضَةُ تَقْتَضِي الْبِنَاءَ إنْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِتَعْلِيلِ السَّائِلِ أَوْ سَاقِطَةٌ إنْ كَانَ التَّرْجِيحُ لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ طَرَفَيْ نَقِيضٍ وَوَجْهَيْ فَسَادٍ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: السَّائِلُ لَمْ يَقْصِدْ الْبِنَاءَ، وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْهَدْمَ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ إعَانَةُ الْمَسْئُولِ عَلَى إتْمَامِ غَرَضِهِ بِإِيضَاحِ التَّرْجِيحِ، وَلَا يَنَالُ هَذِهِ إلَّا بِالْمُعَارَضَةِ. (قَالَ) : وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَوْ اسْتَدَلَّ بِظَاهِرٍ فَلِلسَّائِلِ أَنْ يُؤَوِّلَ وَيَعْتَضِدَ بِالْقِيَاسِ، وَإِذَا صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ فَالسَّائِلُ لَا يُرَجِّحُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بَانِيًا، هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ قَطْعُ التَّرْجِيحِ عَنْ الدَّلِيلِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّلِيلُ فِي وَضْعِهِ أَرْجَحَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَبِلَ الْمُعَارَضَةَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ غَيْرَهُ. فَإِنْ رَجَّحَ الْمَسْئُولُ مُكِّنَ السَّائِلُ مِنْ مُعَارَضَةِ التَّرْجِيحِ (انْتَهَى) . ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَا عَارَضَ بِهِ مُسَاوٍ لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، بَلْ يَكْفِي مِنْهُ بَيَانُ مُطْلَقِ الْمُعَارِضِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْتَدِلِّ فَإِنَّهُ لَا يُكْتَفَى مِنْهُ فِي دَفْعِهَا إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ دَلِيلَهُ رَاجِحٌ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ لِاسْتِقْلَالِ دَلِيلِهِ بِالْحُكْمِ، وَالْمُعَارِضُ مُنْكِرٌ لَهُ، وَالْمُنْكِرُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ الْإِنْكَارِ، بِخِلَافِ الْمُدَّعِي.
стр. 3014
وَإِذَا تَمَّتْ الْمُعَارَضَةُ مِنْ السَّائِلِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ أَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ التَّرْجِيحَ؟ فَقِيلَ: يَنْقَطِعُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إنْ عَجَزَ عَنْ تَرْجِيحِ دَلِيلِهِ. وَجَوَابُهُ بِالْقَدْحِ بِمَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: فِي دَفْعِهِ بِالتَّرْجِيحِ بِمُرَجِّحٍ أَقْوَى مِنْ مُرَجِّحِهِ: فَقِيلَ: يُمْنَعُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ اعْتِرَاضًا وَالْمُخْتَارُ - وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ - جَوَازُهُ لِأَنَّهُ مَوْطِنُ تَعَارُضٍ، وَقَدْ لَا يَجِدُ السَّائِلُ غَيْرَهُ مُرَجِّحًا. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِتَرْجِيحٍ أَقْوَى، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَرْجِيحٍ مُسَاوٍ فَقَدْ تَعَدَّى. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَهُ الْمُعَارَضَةُ بِالْأَقْوَى مَعَ وُجُودِ الْمُسَاوِي، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْأَقْوَى مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَقْوَى، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارِضًا، وَمَزِيَّةُ الْقُوَّةِ مُصَادَفَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ الْأَقْوَى، لِأَنَّهُ إذَا سَاغَ لَهُ التَّرْجِيحُ الْمُسَاوِي فَالْأَقْوَى أَوْلَى. وَفِيهِ لَطِيفَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ الْمُسْتَدِلُّ عَنْ نَوْبَةٍ أُخْرَى مِنْ التَّرْجِيحِ، لِأَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ مِثْلُهَا، فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ حِينَئِذٍ إلَى تَرْجِيحَيْنِ أَوْ تَرْجِيحٍ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْأَقْوَى فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ نِطَاقُ الْكَلَامِ وَهُوَ غَرَضُ الْمُنَاظَرَةِ وَفِي ذِكْرِ الْأَقْوَى اخْتِصَارٌ (انْتَهَى) . وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قَابَلَ تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لَا يُقْبَلُ الِاسْتِغْنَاءَ بِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ فِي الْوَاحِدِ كِفَايَةً، وَالزِّيَادَةُ تُوجِبُ الْإِثْبَاتَ، لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَنْصِبِهِ.
الثَّانِيَةُ: هَلْ يُقْبَلُ مُعَارَضَةُ الْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ؟ اخْتَلَفُوا عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ دَلِيلٌ كَالْأَوَّلِ، فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ. وَعَلَى هَذَا يَتَسَاقَطَانِ وَيُسَلَّمُ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمُعَارِضِ، قَالَ الْمُقْتَرِحُ: وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ يَقْتَضِي اخْتِيَارَهُ.
стр. 3015
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَإِنْ قَبِلْنَا أَصْلَ الْمُعَارَضَةِ، لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ وَأَدَائِهِ إلَى الِانْتِقَالِ، وَإِذَا قَبِلْنَا تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لِدَلِيلِهِ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ السَّائِلَ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأُ التَّرْجِيحِ مَذْكُورًا فِي الدَّلِيلِ؟ قِيلَ: يَجِبُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ أَوَّلًا لَكَانَ ذَاكِرًا لِبَعْضِ الدَّلِيلِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، لِأَنَّ مَرَاتِبَ الْمُعَارَضَةِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي بَدْءِ اسْتِدْلَالِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ الِاحْتِرَازِ لِدَفْعِ النَّقْضِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ سُمِعَ التَّرْجِيحُ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ بِالِاتِّفَاقِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي نَصِّ الْمُسْتَدِلِّ مَا يُشِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ التَّفْصِيلُ: فَإِنْ كَانَ التَّفْصِيلُ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ تَعَيَّنَ ذِكْرُهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِكَمَالِ الدَّلِيلِ، وَالتَّرْجِيحُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُ.
تَنْبِيهٌ: قَسَّمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ الْمُعَارَضَةَ إلَى مَا تَكُونُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَإِلَى مَا هِيَ بِعِلَّةِ الْمُعَلِّلِ بِعَيْنِهَا، فَالْمُعَارَضَةُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَارَةً تَكُونُ فِي حُكْمِ الْفَرْعِ، وَتَارَةً فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ - وَقَدْ سَبَقَا - وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِعِلَلِ الْمُعَلِّلِ فَتُسَمَّى (قَلْبًا) وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: قَسَّمَ الْجَدَلِيُّونَ الْمُعَارَضَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى وَالْخَبَرِ بِالْخَبَرِ، وَالْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ: - فَأَمَّا مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى فَلَا مَعْنَى لَهَا إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ. - وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْخَبَرِ بِالْخَبَرِ فَصَحِيحَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، فَيَقُولُ: لِأَنَّهُ ﵊ قَالَ:
следующие страницы →