Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
وَ (الثَّانِيَةُ) : قِيلَ: إنَّ الظَّنِّيَّاتِ لَا تَتَعَارَضُ، وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُ ظَنَّيْنِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ بِأَمَارَتَيْنِ وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ (تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ) عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ التَّرْجِيحُ فِي الْأَقْيِسَةِ الْمَظْنُونَةِ وَتَأَوَّلْنَاهُ.
(الثَّالِثَةُ) : لَا مَجَالَ لَهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، أَعْنِي التَّقْلِيدَ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ إطْلَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَحَكَاهُ فِي الْمَنْخُولِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ وَقَالَ: هَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى أَنَّهَا مَعَارِفُ، وَلَا تَرْجِيحَ فِي الْمَعَارِفِ، قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعَقَائِدَ يُرَجَّحُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عُلُومًا وَالثِّقَةُ بِهَا مُخْتَلِفَةٌ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ عَقَائِدِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَيَجُوزُ فِي عَقَائِدِ الْعَامَّةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالِاعْتِقَادِ لَا بِالْعِلْمِ وَقَالَ الْأُرْمَوِيُّ: الْحَقُّ أَنَّا إنْ جَوَّزْنَا لِلْعَوَامِّ التَّقْلِيدَ فِيهَا لَمْ يَمْتَنِعْ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ النَّفِيسِ فِي الْإِيضَاحِ ": يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مُخْتَصًّا بِالْبُرْهَانِيَّةِ مِنْهَا أَمَّا الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ فَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ فِيهَا وَكَذَا قَالَ الْهِنْدِيُّ: الْقَطْعِيُّ مِنْهَا لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهِ، بَلْ الْقَطْعِيَّاتُ الشَّرْعِيَّاتُ أَيْضًا لَا تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّرْجِيحِ وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يُخَالِفُونَهُمْ وَتَابَعَهُمْ فِي الْمَحْصُولِ " وَشَرَطُوا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، امْتَنَعَ، بَلْ يُصَارُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا، وَالِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى مِنْ التَّعْطِيلِ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَتَرْكِ الْآخَرِ، لِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ تَابِعَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى كُلِّهَا، لِأَنَّ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ تَابِعَةٌ لِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ،
стр. 3187
وَتَرْكُ التَّبَعِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِ الْأَصْلِ فَإِذَا عَمِلْنَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَقَدْ تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِالدَّلَالَةِ التَّضْمِينِيَّةِ، وَإِنْ عَمِلْنَا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي فَقَدْ تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِالدَّلَالَةِ السَّمْعِيَّةِ إذَا عَلِمْت هَذَا فَالْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ يَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدِهَا) : تَوْزِيعُ مُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ إنْ أَمْكَنَ، كَمَا تُقْسَمُ الدَّارُ الْمُدَّعَى مِلْكُهَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ (ثَانِيهَا) : يَنْزِلُ عَلَى الْأَحْكَامِ بَعْضُ كُلِّ وَاحِدٍ عِنْدَ التَّعَدُّدِ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَضِيًا أَحْكَامًا، فَيَعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَعْضِهَا، وَبِالْآخِرِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ، كَالنَّهْيِ عَنْ الشُّرْبِ وَالْبَوْلِ قَائِمًا ثُمَّ فَعَلَهُ، فَإِنَّ فِعْلَهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْحَرَجِ، وَنَهْيُهُ بِالْعَكْسِ فَيُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى عَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْفِعْلُ عَلَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَكَنَهْيِهِ عَنْ الِاغْتِسَالِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ فَعَلَهُ مَعَ عَائِشَةَ (ثَالِثِهَا) : التَّنْزِيلُ عَلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، كَقَوْلِهِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ خَيْرِ الشُّهُودِ؟ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَشْهِدَ» وَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَشْهِدَ» فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّينَ.
стр. 3188
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَطْبَقَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، أَعْنِي الْجَمْعَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إقَامَةِ دَلِيلٍ، وَعَزَوْا ذَلِكَ إلَى تَعَارُضِ الْقِرَاءَتَيْنِ، كَقِرَاءَةِ " أَرْجُلَكُمْ " بِالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ، فَحَمَلُوا إحْدَاهُمَا عَلَى مَسْحِ الْخُفِّ وَالْأُخْرَى عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ " يَطْهُرْنَ " وَ " يَطَّهَّرْنَ " إحْدَاهُمَا عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَالْأُخْرَى عَلَى الْعَشَرَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأُصُولِيِّينَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " فَقَالَ: إذَا تَعَارَضَ عَامَّانِ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي حَالَيْنِ اُسْتُعْمِلَا، وَإِلَّا وَجَبَ التَّوَقُّفُ وَكَذَا قَالَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ ": إذَا وَرَدَ مِثْلُ " اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ "، " لَا تَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ، فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ، وَيَخُصُّ فِي الثَّانِي وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ: هُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا دَلِيلًا فِي تَخْصِيصِ التَّالِي، وَالثَّانِيَ فِي تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَهَذَا تَابَعَ فِيهِ الْقَاضِي، ثُمَّ قَالَ: وَكَأَنَّ الْفُقَهَاءَ رَأَوْا تَصَرُّفًا فِي الظَّوَاهِرِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا عَلَى تَعَارُضِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَّجِهَ تَأْوِيلٌ وَيَنْتَصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَكَأَنَّ الْإِمَامَ ظَنَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَحَكَّمُونَ بِتَعْيِينِ صُورَةٍ مِنْ صُورَةٍ حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ ثَابِتَةً وَهَذِهِ مُخْرَجَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ صَنِيعُهُمْ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ مَعَ الْإِمْكَانِ خَيْرٌ مِنْ التَّعْطِيلِ وَالْقَائِلُ بِالتَّعَارُضِ عَطَّلَهُمَا جَمِيعًا، وَالْقَائِلُ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِبَعْضِ صُوَرِهِ عَمِلَ بِهِمَا جَمِيعًا حَسَبَ إمْكَانِهِ ثُمَّ لَهُمْ فِي التَّعْيِينِ طَرِيقَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ صُوَرَ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ تَتَفَاوَتَ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَتَعْيِينُ الْفُقَهَاءِ أَوْلَى الصُّوَرِ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُمْ لَوْ عَيَّنُوا الْقِسْمَ الْآخَرَ لَزِمَ عُمُومُ الْحُكْمِ ضَرُورَةَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي الْأَدْنَى يَقْتَضِي
стр. 3189
ثُبُوتَهُ فِي الْأَعْلَى، مِثَالُهُ: إذَا قَابَلْنَا بَيْنَ حَدِيثِ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» مَعَ قَوْلِهِ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» كَانَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُقْبَلَ الْجِزْيَةُ مِنْ أَحَدٍ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي قَبُولَهَا مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَإِذَا حَمَلْنَا كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى بَعْضِ صُوَرِهِ نَظَرْنَا فِي صُوَرِ الْكُفَّارِ وَجَدْنَاهَا قِسْمَيْنِ: كِتَابِيًّا وَغَيْرَ كِتَابِيٍّ، فَعَيَّنَّا الْكِتَابِيَّ لِلْجِزْيَةِ، وَغَيْرَهُ لِلسَّيْفِ وَلَيْسَ هَذَا احْتِكَامًا، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّخْصِيصِ وَجَدْنَا الْكِتَابِيَّ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُسْتَبْقَى، إذْ لَهُ عَقِيدَةٌ مَا وَلِهَذَا أَجَازَ الشَّرْعُ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ دُونَ الْوَثَنِيَّاتِ، وَلِهَذَا لَمَّا نَشِبَتْ الْحَرْبُ بَيْنَ فَارِسَ وَالرُّومِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُصْرَةَ الرُّومِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُصْرَةَ فَارِسٍ، لِأَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ بِلَا كِتَابٍ فَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُعَيِّنُ الْفُقَهَاءُ صُوَرَ الْإِثْبَاتِ مِنْ صُوَرِ الْإِخْرَاجِ، لَا بِالِاحْتِكَامِ وَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنْهُمْ أَلْسِنَةُ الطَّاعِنِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْإِبْيَارِيِّ: تَخْصِيصُ الْعُمُومَيْنِ تَعْطِيلٌ لَهُمَا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: فِي الْجَمْعِ عَمَلٌ بِهِمَا فَهَذَا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِمَا إذَا تَعَارَضَ عَامٌّ وَخَاصٌّ، فَإِنَّهُ وَافَقَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِهِمَا قُلْت: وَالتَّحْقِيقُ إنَّهُ إذَا لَمْ نَجِدْ مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا تَصَدَّى لَنَا الْإِلْغَاءُ وَالْجَمْعُ، وَالْأَلْيَقُ بِالشَّرْعِ الْجَمْعُ وَإِنْ وَجَدْنَا مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا فَالْمُتَعَلِّقُ هُوَ الْمُتَّبَعُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَلَى عُمُومِهِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَهْلِ الْأَوْثَانِ، فَقَالَ: لَا يَقْضِي بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْقَضَاءِ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ «حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ يُعْطُوا» إلَّا وَلِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى إحْدَى خِلَالٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِذْ تَعَارَضَا رَجَعْنَا إلَى دَلَالَةِ الْكِتَابِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ أَخْذِهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ.
стр. 3190
وَمِثْلُهُ اخْتِلَافُ قَوْلَيْهِ فِي إتْمَامِ وُضُوءِ الْجَنَابَةِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ رِوَايَتَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ مَالِكٌ بَلْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لِمُوَافَقَتِهِ تَشْرِيعَ الْعِبَادَةِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ فِي الْقِرَاءَتَيْنِ فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلَاهُ فِي انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ لِأَجْلِ تَعَارُضِ قِرَاءَةِ (لَمَسْتُمْ) وَ (لَامَسْتُمْ) وَرَجَّحَ النَّقْضَ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ.
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: لَمَّا كَثُرَ عَلَى عَادَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ طَرِيقَةُ الْجَمْعِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ أَخَذَهَا الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ " مُسَلَّمَةً وَزَادَ فِيهَا قَيْدًا فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فِيمَا إذَا كَانَ التَّأْوِيلُ فِي طَرِيقَةِ الْجَمْعِ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّفْسِ مُطْمَئِنَّةً بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَشْبَهُ تَقْدِيمُ رُتْبَةِ التَّرْجِيحِ عَلَى رُتْبَةِ الْجَمْعِ، فَيُنْظَرُ إلَى التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرُّوَاةِ بِحَسَبِ حَالِهِمْ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّرْجِيحِ هُوَ سُكُونُ النَّفْسِ، وَسُكُونُهَا إلَى احْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي بَعْضِهِمْ أَقْوَى مِنْ سُكُونِهَا إلَى التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَبْعَدَةِ الْمُسْتَنْكَرَةِ عِنْدَهَا، لَا سِيَّمَا مَعَ مَنْ كَانَتْ رِوَايَتُهُ خَطَأً قَالَ: فَهَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي وَنَظَرِي، وَلَا أَقُولُ هَذَا فِي كُلِّ تَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ مَرْجُوحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ يَشْتَدُّ اسْتِكْرَاهُهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي " اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ " فِي تَقْدِيرِ مَدَى حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْت الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَقُولُ قَوْلًا أَوْجَبَتْهُ شَجَاعَةُ نَفْسِهِ، لَا أَرَى ذِكْرَهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا قُلْت: وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْت عَنْهُمَا فَقَالَ: هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا
стр. 3191
مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَجَابَ الشَّيْخُ: الْمُرَادُ بِالنَّاحِيَتَيْنِ فِي حَدِيثِ الْحَوْضِ الْمُقَدَّرُ بِمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى، نَاحِيَتَاهُ مِنْ الْعَرْضِ قُلْت: وَهَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، كَمَا زَعَمَهُ الشَّيْخُ، لِلْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعَرْضِ وَالطُّولِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ» ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَاتٌ: (سَوَاءٌ) ، أَيْ: عَرْضُهُ وَطُولُهُ (سَوَاءٌ) .
الثَّانِي: سَبَقَ أَنَّ طَرِيقَةَ التَّنْزِيلِ عَلَى حَالَتَيْنِ لَيْسَتْ عَلَى الْحُكْمِ، فَعَلَى هَذَا إذَا تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِمَا فِي غَيْرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ: وَهَذَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» عَلَى الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ، وَحَمَلُوا «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» فَاسْتَعْمَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي الْمَرْأَتَيْنِ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» عَلَى الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ، وَحَمَلُوا «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» عَلَى الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهِيَ الْبَالِغَةُ، لِأَنَّا اسْتَفَدْنَا كَوْنَ الصِّغَارِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِنَّ إلَّا الْوَلِيُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ النِّكَاحِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِذَا صَحَّ هَذَا كَانَ حَمْلُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةٍ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَتَرَجَّحَ بِالْمَزِيَّةِ الَّتِي لَا تَسْتَقِلُّ وَهَلْ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ الْمُسْتَقِلِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) : نَعَمْ، كَالْمَزِيَّةِ، بَلْ أَوْلَى، فَإِنَّ الْمُسْتَقِلَّ أَقْوَى مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ وَ (الثَّانِي) : وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَزَاهُ إلَى الْأَكْثَرِينَ، الْمَنْعُ، لِأَنَّ الرُّجْحَانَ وَصْفٌ لِلدَّلِيلِ، وَالْمُسْتَقِلُّ لَيْسَ وَصْفًا لَهُ، وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ دُونَهُ فَهُوَ
стр. 3192
بَاطِلٌ لَا تَرْجِيحَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ فَهُوَ مُسْتَمْسِكٌ بِهِ لَا بِطَرِيقِ التَّرْجِيحِ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ رَجَعَ الْبَحْثُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْعَدَدِ، وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إذَا تَمَاثَلَتْ سَقَطَ الزَّائِدُ، لِأَنَّ أَثَرَهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَزِيَّةِ أَنَّ الْفَضْلَةَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا لَا اتِّصَالَ لَهَا بِالدَّلِيلِ، بِخِلَافِ الدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، بِنَاءً عَلَى رُجُوعِهِ إلَى أَوْصَافٍ لَا إلَى ذَوَاتٍ، وَهُوَ كَثْرَةُ النَّظَائِرِ، وَكَثْرَتُهَا وَصْفٌ فِي الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْمِزْيَةَ أَيْضًا مُسْتَغْنًى عَنْهَا وَلِهَذَا لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الدَّلِيلِ مِنْهَا لَاسْتَقَلَّ وَقَوْلُ النَّافِي: يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ، مَمْنُوعٌ، بَلْ التَّقْوِيَةُ تَرْجِعُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَوْصَافٍ لَا بِذَوَاتٍ، وَهُوَ كَثْرَةُ النَّظَائِرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ فِي الدَّلِيلِ، وَكَأَنَّا رَجَّحْنَا بِالتَّأْكِيدِ لَا بِالتَّأْسِيسِ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يُبْعِدُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ.
وَفَصَّلَ صَاحِبُ الْمُقْتَرَحِ " فَقَالَ: إنْ كَانَ الدَّلِيلُ الْمُسْتَقِلُّ مُغْنِيًا عَنْ الْأَوَّلِ لَمْ يَصِحَّ التَّرْجِيحُ بِهِ، لِأَنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغْنِيًا عَنْهُ صَحَّ التَّرْجِيحُ بِهِ، لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْهُ وَمَثَّلَ الْأَوَّلَ بِمَا إذَا تَمَسَّكَ بِقِيَاسٍ فَعُورِضَ بِقِيَاسٍ، فَرَجَحَ قِيَاسُهُ بِالنَّصِّ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ النَّصَّ الَّذِي رَجَحَ بِهِ يُغْنِي عَنْ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْقِيَاسِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَمَثَّلَ الثَّانِيَ بِمَا إذَا تَمَسَّكَ بِنَصٍّ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ أُصُولِيٍّ، بَلْ إلَى أَمْرٍ جَدَلِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ.
وَانْبَنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ: (مِنْهَا) : أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَنَا، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، لِأَنَّ الظَّنَّيْنِ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْوَاحِدِ، فَيُعْمَلُ بِالْأَقْوَى.
وَ (مِنْهَا) : تَرْجِيحُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ الْعَدَدَ إذَا كَثُرَ قَرُبَ مِنْ التَّوَاتُرِ فَالْتَحَقَ بِتَقْدِيمِ الْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْآحَادِ وَالْخِلَافُ فِي هَذَا أَضْعَفُ وَلِهَذَا وَافَقَ هُنَا مَنْ خَالَفَ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَنْعَ، كَالشَّهَادَةِ، وَقَالَ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ التَّرْجِيحُ بِهِ،
стр. 3193
لِأَنَّهُ يُورِثُ مَزِيدًا فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ وَسَيَأْتِي فِيهِ مَزِيدُ كَلَامٍ.
وَ (مِنْهَا) : أَنَّهُ انْضَمَّ إلَى أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ قِيَاسٌ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الشَّافِعِيُّ تَقْدِيمُ الْحَدِيثِ الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا مُرَجِّحَ بِهِ، لِأَنَّهُ ظَنٌّ مُسْتَقِلٌّ فَتَسَاقَطَا، وَيَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ، فَالْمَسْلَكَانِ يُفْضِيَانِ إلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْخَبَرِ الرَّاجِحِ بِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ فَالْقَاضِي يَعْمَلُ بِالْقِيَاسِ وَيَسْقُطُ الْخَبَرُ فَإِنْ قُلْت: فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت: بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ أَوْ قِيَاسِيَّةٌ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَنْقُضُ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ غَيْرُ جَلِيٍّ وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ أَبُو الْعِزِّ فِي شَرْحِ الْمُقْتَرَحِ ": التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا يَظْهَرُ مِنْ قَصْدِ الشَّارِعِ إرَادَةَ الْمُجْمَلِ الظَّاهِرِ فَلَا يَصِحُّ عَضُدُهُ بِقِيَاسٍ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُهُ لِذَلِكَ فَيَصِحُّ، تَفْرِقَةً بَيْنَ تَأْيِيدِهِ ظُهُورَ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى لِظُهُورِ الْقَصْدِ وَبَيْنَ مَا لَمْ يَتَأَيَّدْ بِذَلِكَ وَقَالَ إلْكِيَا: إنْ كَانَ مَعَ أَحَدِهِمَا قِيَاسٌ، وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مَزِيدُ وُضُوحٍ كَزِيَادَةِ الرُّوَاةِ وَالْعَدَالَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْمَلَ بِالْقِيَاسِ، لِاسْتِقْلَالِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ ضَرُورَةً عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ ثَابِتَةٌ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا ضَعُفَتْ بِالتَّعَارُضِ وَالْقِيَاسُ مُسْتَقِلٌّ فَيَتَعَارَضُ النَّظَرَانِ، قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الرَّاجِحِ، ثُمَّ حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ كَالْحُكْمِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ.
وَ (مِنْهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَقْرَبَ إلَى الْقَوَاعِدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ فِي هَذَا لَهُ مُخَالَفَةَ الْقِيَاسِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُخَالِفَ الْقِيَاسِ يُرَجَّحُ فَكُلَّمَا كَانَ أَقَلَّ مُخَالَفَةً كَانَ أَكْثَرَ قُرْبًا، فَكَانَ أَرْجَحَ، فَإِنَّا لَوْ أَرَدْنَا
стр. 3194
أَنْ نُثْبِتَ الْقِيَاسَ عَلَى وَفْقِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَعَجَزْنَا وَلَا يَجِيءُ هُنَا خِلَافُ الْقَاضِي بِالتَّسَاقُطِ، إذْ لَوْ أَسْقَطْنَاهَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى إثْبَاتِ هَيْئَةِ الْقِيَاسِ، فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا بِمُرَجِّحِ الْقُرْبِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ كَجٍّ: يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِوُجُوهٍ: ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ: أَحَدِهَا: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ ثَانِيهَا: بِالنَّقْلِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَالْآخَرُ نَاقِلًا، فَيُقَدَّمُ، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةً، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ خَلَفَهَا لِوَرَثَتِهِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّهُ بَاعَهَا مِنْ عَمْرٍو، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ بَنَوْا عَلَى الْحَالِ الْأَوَّلِ ثَالِثِهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا، فَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ رَابِعِهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِاسْتِعْمَالِ الصَّحَابَةِ خَامِسِهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ سَادِسِهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ السُّنَنَ أَكْثَرُهَا لَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ إمَّا نَصًّا أَوْ اسْتِدْلَالًا سَابِعِهَا: أَنْ يَكُونَ أَشْبَهَ بِالْقِيَاسِ وَهَذَا كُلُّهُ سَيَأْتِي مُفَصَّلًا، وَلَكِنْ أَحْبَبْت مَعْرِفَتَهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَجْمُوعًا قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَإِذَا اجْتَمَعَ مُرَجَّحَاتٌ فِي خَبَرٍ، وَاثْنَانِ فِي خَبَرٍ، فَاَلَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ الثَّلَاثَةُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ.
стр. 3195
مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا، أَوْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا، فَحَصَلَ اثْنَا عَشَرَ، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُهُ أَوْ تَأَخُّرُهُ أَوْ يُجْهَلَ فَتَصِيرُ الْقِسْمَةُ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ: أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ، وَيَقَعُ عَلَى ثَلَاثِهِ أَضْرُبٍ: (الضَّرْبُ الْأَوَّلُ) : أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ وَعُلِمَ التَّارِيخُ، فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، سَوَاءٌ كَانَا آيَتَيْنِ أَوْ خَبَرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا آيَةً وَالْآخَرُ خَبَرًا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ النَّسْخَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ. أَمَّا مَنْ يَمْنَعُهُ فَيَمْنَعُ الْفَسْخَ فِي هَذَا الْأَخِيرِ، قَالَهُ الْهِنْدِيُّ. وَقَالَ الْأُرْمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِوُقُوعِ نَسْخِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْكِتَابِ، وَلَا بِالْعَكْسِ، وَلَكِنَّهُ إذَا تَعَارَضَا وَأَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمٌ تَعَيَّنَ الْمُتَأَخِّرُ، وَهَذَا إذَا كَانَ حُكْمُ الْمُتَقَدِّمِ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، وَإِلَّا كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْإِمَامُ: فَيَتَسَاقَطَانِ، وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ النقشواني، فَإِنَّ الْمَدْلُولَ إذَا لَمْ يَقْبَلْ النَّسْخَ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ، فَلَا يُعَارِضُ الْمُتَقَدِّمَ، بَلْ يَجِبُ إعْمَالُ الْمُتَقَدِّمِ كَمَا كَانَ قَبْلَ وُرُودِ الْمُتَأَخِّرِ.
قُلْت: وَهَذَا إذَا كَانَ نَقْلُ التَّارِيخِ مُتَوَاتِرًا أَيْضًا، فَإِنْ كَانَ النَّصَّانِ مُتَوَاتِرَيْنِ وَالنَّسْخُ آحَادًا فَيُتَّجَهُ فِيهِ طَرِيقَتَانِ:
стр. 3196
إحْدَاهُمَا) : إجْرَاءُ خِلَافٍ مَبْنِيٍّ عَلَى النَّسْخِ بِالْآحَادِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ نَسَخْنَا بِمَا دَلَّتْ الْآحَادُ عَلَى أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ، وَعَمِلْنَا بِالْمُتَأَخِّرِ. وَإِنْ مَنَعْنَاهُ حَكَمْنَا بِتَعَارُضِ الظَّنَّيْنِ وَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ أَوْ التَّخْيِيرِ. و (الثَّانِيَةُ) : الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْآحَادِ فِي تَارِيخِ الْمُتَوَاتِرِ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّ انْسِحَابَ الْعَمَلِ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ مَظْنُونٌ، فَمَا رَفَضْنَا إلَّا مَظْنُونًا بِمَظْنُونٍ، وَأَمَّا عَكْسُ هَذِهِ الصُّورَةِ، أَنْ يُفْرَضَ التَّارِيخُ مُتَوَاتِرًا، أَوْ الْمَتْنُ آحَادًا، فَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ. هَذَا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ، فَإِنْ عُلِمَ مُقَارَنَتُهُمَا، فَإِنْ أَمْكَنَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ، فَإِنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ، وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ تَسَاقَطَا وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِمَا، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْمُتَأَخِّرُ فَيَكُونُ نَاسِخًا، إذْ التَّقَدُّمُ يَكُونُ مَنْسُوخًا. هَكَذَا أَطْلَقُوهُ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَطَرُّقُ النَّسْخِ إلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَمْكَنَ فَالشَّافِعِيُّ يُرَجِّحُ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَرَآهُ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ بِتَسَاقُطِهِمَا، حَكَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ " وَذَكَرَ لَهُ مِثَالَيْنِ تَخْرُجُ مِنْهُمَا صُورَتَانِ: (إحْدَاهُمَا) : إذَا أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ عَنْ التَّارِيخِ، كَحَدِيثِ «إذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» مَعَ جُلُوسِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَرَضِ وَفَاتِهِ وَالْمُقْتَدُونَ بِهِ قِيَامٌ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ، فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ كَانَ قَالَهُ فِي صِحَّتِهِ. وَ (الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَكُونَ إسْلَامُ رَاوِي أَحَدِهِمَا مُتَأَخِّرًا عَنْ إسْلَامِ الْآخَرِ، كَحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ فِي عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ، وَهُوَ مُتَقَدِّمُ الْإِسْلَامِ، مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالنَّقْضِ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، فَيَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إلَى حَدِيثِ قَيْسٍ. ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنْ قَوْمٍ بَقَاءَ التَّعَارُضِ، إذْ لَا يُصَارُ إلَى الْفَسْخِ بِمُجَرَّدِ
стр. 3197
الِاحْتِمَالِ، ثُمَّ تَوَسَّطَ فَقَالَ: إنْ عَدِمَ الْمُجْتَهِدُ مُتَعَلَّقًا سِوَاهُ فَكَقَوْلَيْ. الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْحُكْمِ وَتَعْرِيَةِ الْحَادِثِ عَنْ مُوجِبِ الشَّرْعِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا وَوَجَدَ الْقِيَاسَ مُضْطَرِبًا عَدَلَ عَنْهُمَا وَتَمَسَّكَ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ الْخَبَرُ الَّذِي بَعْدَ ظَنِّ النَّسْخِ يُسْتَعْمَلُ مُرَجِّحًا لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَفْرِضُ الْمَسْأَلَةَ فِي قِيَاسَيْنِ تَعَارَضَا أَوْ خَبَرَيْنِ كَذَلِكَ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَصْوِيرِهِ السَّابِقِ فِي تَعَارُضِ خَبَرَيْنِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وُجِدَ الْقِيَاسُ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا أَوْ لَمْ يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ. وَأَوْرَدَ الْإِبْيَارِيُّ عَلَى تَفْصِيلِهِ أَنَّهُ هَلَّا عَمِلَ بِالْخَبَرِ الرَّاجِحِ وَجَعَلَ الْقِيَاسَ الْمُوَافِقَ لَهُ مُرَجِّحًا؟ وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ فِي التَّوْقِيفِ مُسْتَنَدًا اسْتَأْنَفَ الظَّنَّ فِي الْأَقْيِسَةِ فَوَجَدَهَا أَيْضًا مُتَعَارِضَةً، وَلَكِنْ وَجَدَ أَحَدَ قِيَاسَيْهِ عَلَى وَفْقِ الْخَبَرِ الرَّاجِحِ، فَجَعَلَ الْقِيَاسَ مُسْتَنَدًا، لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْخَبَرَ الرَّاجِحَ مُسْتَنَدًا بَعْدَ أَنْ سَبَقَ مِنْهُ إلْغَاءُ كَوْنِهِ مُسْتَنَدًا لَكَانَ نَقْضًا لِحُكْمٍ ثَبَتَ. وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ أَوْ قِيَاسِيَّةٌ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يُقَدَّمُ الْمُؤَرَّخُ عَلَى الْمُهْمَلِ، لِأَنَّ الْمُؤَرَّخَ يَقْطَعُ بِهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ الْمُهْمَلِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ وَقْتٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ فِيهِ الثُّبُوتُ وَالْعَدَمُ، فَيُقَدَّمُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي تَارِيخٍ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّ الْمُبَيَّنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُجْمَلِ، فَالتَّرْجِيحُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْبَيَانِ وَالْإِجْمَالِ، وَالتَّرْجِيحُ فِي الثَّانِيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْإِجْمَالِ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ. وَهَذَا يَرُدُّ إيرَادَ الْإِبْيَارِيّ عَلَى الْمَنْقُولِ عَنْ الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ أَنَّ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ تَحَمَّلَ فِي حَالِ الْكِبَرِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ التَّحَمُّلَ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ أَغْلَبُ، وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ أَنْدَرُ، فَيُقَدَّمُ الْغَالِبُ عَلَى النَّادِرِ، وَلَيْسَ كُلُّ احْتِمَالٍ وَاقِعًا، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْفَصْلَ، فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ مِنْ غَايَاتِ الْآمَالِ. (الضَّرْبُ الثَّانِي) : أَنْ يَكُونَا مَظْنُونَيْنِ، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَسَخَ الْمُتَأَخِّرُ الْمُتَقَدِّمَ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّرْجِيحُ، فَيُعْمَلُ بِالْأَقْوَى.
стр. 3198
الضَّرْبُ الثَّالِثُ) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا، وَكَانَ هُوَ الْمَظْنُونُ، كَانَ الْمَعْلُومُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا وَإِنْ كَانَ الْمَعْلُومُ مُتَقَدِّمًا، مَا لَمْ يَنْسَخْهُ الْمَظْنُونُ فَنَعْمَلُ بِالْمَعْلُومِ. وَإِنْ جُهِلَ عُمِلَ بِالْمَعْلُومِ، سَوَاءٌ عُلِمَتْ الْمُقَارَنَةُ أَوْ لَا. .
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا خَاصَّيْنِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا، وَالْحُكْمُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ. قَالَ سُلَيْمٌ: إنْ تَعَارَضَ نَصَّانِ فَإِنْ كَانَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَعُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا نَسَخَهُ الْمُتَأَخِّرُ، وَإِلَّا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّرْجِيحِ. وَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ، كَالْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ، وَعُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا نَسَخَهُ الْمُتَأَخِّرُ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ تَوَقَّفَ فِيهِمَا وَلَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِتَرْجِيحٍ، لِأَنَّ التَّرْجِيحَ طَرِيقَةُ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَلَا يَدْخُلُ فِي تَقْوِيَةِ مَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ. .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَفِيهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ. فَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْعَامِّ وَتَأَخُّرُ الْخَاصِّ، فَأَطْلَقَ فِي الْمَحْصُولِ " وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخَاصَّ يَكُونُ نَاسِخًا، أَيْ: الْعَامَّ فِي ذَلِكَ الْفَرْدِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ. وَهَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: إنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ: وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَتَعَارَضَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنْ كَانَ الْخَاصُّ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَالْعَامُّ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَمْ يَقْضِ بِهِ عَلَى الْعَامِّ. وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ قَضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: مَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ " مَوْضِعُهُ إذَا وَرَدَ بَعْدَ مَظْنُونٍ وَقْتَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ، فَإِنْ وَرَدَ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِهِ كَانَ الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ
стр. 3199
الْمُتَقَدِّمِ. وَأَمَّا مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ التَّخْصِيصِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ فَعِنْدَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ يَكُونُ الْخَاصُّ خَاصًّا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمَحْصُولِ "، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ ".
وَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْخَاصِّ فَعِنْدَنَا يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَنْسَخُهُ، وَإِنْ عُلِمَ مُقَارَنَتُهُمَا فَيَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ. وَإِنْ جُهِلَ يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُمْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ. وَقَالَ سُلَيْمٌ: الْحُكْمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ - أَعْنِي الْمُقَارَنَةَ وَجَهْلَ التَّارِيخِ - أَنْ يُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَالْكَرْخِيُّ: إنْ عُلِمَ لِلصَّحَابَةِ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ التَّوَقُّفُ. وَإِنْ كَانَا مَظْنُونَيْنِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا كَانَا مَعْلُومَيْنِ. إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا قَالَ الْإِمَامُ: فَهَاهُنَا اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَظْنُونِ، إلَّا إذَا كَانَ الْمَعْلُومُ عَامًّا وَالْمَظْنُونُ خَاصًّا وَوَرَدَا مَعًا، وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ وُرُودِهِمَا مَعًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ: (أَحَدِهِمَا) : لَوْ تَأَخَّرَ الْخَاصُّ الْمَظْنُونُ عَنْ الْعَامِّ الْمَعْلُومِ، وَكَانَ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الْمَعْلُومِ، كَانَ أَيْضًا مُخَصِّصًا وَكَانَ اخْتِلَافُ النَّاسِ فِيهِ كَمَا فِي الْمُتَقَارِنَيْنِ. نَعَمْ، يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَ (ثَانِيهِمَا) : لَوْ تَقَدَّمَ الْخَاصُّ الْمَظْنُونُ عَلَى الْعَامِّ الْمَعْلُومِ فَإِنَّهُ يُبْنَى الْعَامُّ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ الْمَظْنُونِ عَلَى الْعَامِّ الْمَعْلُومِ، مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَرِدَا مَعًا. وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ فِي هَذَا تَقْدِيمُ الْمَعْلُومِ عَلَى الْمَظْنُونِ إلَّا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ: الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْإِمَامُ، وَالصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا. .
النَّوْعُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ
стр. 3200
كُلٌّ مِنْهُمَا عَامًّا مِنْ وَجْهٍ خَاصًّا مِنْ وَجْهٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُمُومَ الْآخَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، فَإِنَّ الْأُولَى خَاصَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ عَامَّةٌ فِي الْجَمْعِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِيَةَ عَامَّةٌ فِي الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، خَاصَّةٌ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ. وَكَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مَعَ نَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ. فَإِنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ عَامٌّ فِي الْأَوْقَاتِ، وَالثَّانِيَ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ خَاصٌّ فِي الْأَوْقَاتِ. فَفِيهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا. فَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ، بَلْ هُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ خُصُوصُ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ فَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ أَنْ لَا يَقُولَ بِالنَّسْخِ هُنَا كَمَا فِي الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْعُمُومِ، بَلْ يَذْهَبُ فِي التَّرْجِيحِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ عُلِمَتْ الْمُقَارَنَةُ أَوْ لَمْ تُعْلَمْ أَيْضًا فَاللَّائِقُ
стр. 3201
بِالْمَذْهَبَيْنِ أَنْ يُصَارَ إلَى التَّرْجِيحِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا حَظْرًا وَالْآخَرِ إبَاحَةً، أَوْ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا مُثْبَتًا وَالْآخَرِ مَنْفِيًّا، أَوْ شَرْعِيًّا وَالْآخَرِ فِعْلِيًّا. لِأَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إطْرَاحُ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. .
- وَأَمَّا إذَا كَانَا مَظْنُونَيْنِ فَكَمَا فِي الْمَعْلُومَيْنِ، إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ فِيهَا بِقُوَّةِ الْأَشْبَاهِ. .
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْمَعْلُومِ عُمِلَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا، وَإِنْ عُلِمَ تَأْخِيرُهُ عُمِلَ بِهِ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا. وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَنْسَخُ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ. وَأَمَّا عَلَى رَأَيْنَا فَالْعَمَلُ بِالْمَعْلُومِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ عُلِمَ التَّقَارُنُ أَوْ جُهِلَ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِالْمَعْلُومِ لِكَوْنِهِ. مَعْلُومًا. هَذَا حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ "، وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ " وَغَيْرُهُ. وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ وَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِدَلِيلٍ، وَفِي جَوَازِ خُلُوِّ مِثْلِ هَذَا عَنْ التَّرْجِيحِ قَوْلَانِ. وَإِذَا خَلَا سَقَطَا وَرَجَعَ الْمُجْتَهِدُ إلَى الْبَرَاءَةِ، وَنَقَلَ سُلَيْمٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْتِ،
стр. 3202
لِأَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ فِي الْوَقْتِ، فَقُدِّمَ مَا فِيهِ. وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ فِي الدَّلَائِلِ " فِي تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَاكَ تَوْقِيفٌ صِرْنَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا الْعُمُومُ فَفِيهَا وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّا نَنْظُرُ إلَى أَيِّهِمَا أَعَمَّ اللَّفْظَيْنِ بِوَجْهٍ، فَيُجْعَلُ الْآخَرُ فِي الْخَاصَّةِ. وَ (الثَّانِي) : إلَى أَيِّ اللَّفْظَتَيْنِ اُبْتُدِئَ بِهَا فَالْأُخْرَى مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا، لِأَنَّك لَوْ أَثْبَتَّ اللَّفْظَةَ الثَّانِيَةَ كَانَ فِيهَا رَفْعُ مَا اُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ مِنْ الثَّانِيَةِ إلَّا مَا لَا يُبْطِلُ الْأُولَى فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلثَّانِي عَلَى مَا قُلْنَا فِي التَّرْتِيبِ كَأَنَّا قُلْنَا: كُلُّ مِلْكِ يَمِينٍ فَهُوَ مُبَاحٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَذَكَرَ عُمُومَ الزَّوْجَاتِ وَعُمُومَ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَكَانَ أَخَصَّ مِمَّا ذَكَرْت مِنْ الزَّوْجَاتِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمِلْكُ وَالنِّكَاحُ مُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ تُقَابِلَ الْآيَةَ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى لِمَا وَصَفْتُهُ، انْتَهَى. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأُصُولِ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْوَقْفُ إلَّا بِتَرْجِيحٍ يَقُومُ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ. قَالَ: وَكَأَنَّ مُرَادَهُمْ التَّرْجِيحُ الْعَامُّ الَّذِي لَا يَخُصُّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ، كَالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْ مَدْلُولِ الْعُمُومِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَدْلُولُ الْعُمُومِ. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ " التَّفْصِيلَ السَّابِقَ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْفَاضِلُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، فِيمَا وَجَدْتُهُ مُعَلَّقًا عَنْهُ: الْعَامَّانِ إذَا تَعَارَضَا فَكَمَا يُخَصَّصُ هَذَا بِذَاكَ لِمُعَارِضَتِهِ أَمْكَنَ أَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ بِهَذَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيُنْظَرُ فِيهِمَا: إنْ دَخَلَ أَحَدَهُمَا تَخْصِيصٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّخْصِيصِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مَقْصُودًا بِالْعُمُومِ رَجَحَ عَلَى مَا كَانَ عُمُومُهُ اتِّفَاقًا. انْتَهَى.
стр. 3203
قُلْت: وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِتَصَرُّفِ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَمَّا دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ضَعُفَتْ دَلَالَتُهَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا أَحَادِيثُ الْمَقْضِيَّةِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَغَيْرُهَا. وَلِذَلِكَ نَقُولُ: دَلَالَةُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ مُطْلَقًا فِي النِّكَاحِ وَالْمِلْكُ أَوْلَى مِنْ دَلَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بِالْيَمِينِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَا سِيقَتْ لِبَيَانِ حُكْمِ الْجَمْعِ. .
مَسْأَلَةٌ إذَا عَارَضَ قِيَاسٌ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ نَصِّ كِتَابٍ مَا فِي حَدِيثِ آحَادٍ، فَقِيلَ: إنْ سَمَّيْنَاهُ قِيَاسًا رَجَّحْنَا عَلَيْهِ الْخَبَرَ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ قِيَاسًا يَرْجِعُ لِلَّقَبِ وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ كَالْمَنْصُوصِ، وَأَخْبَارُ الْآحَادِ تُقَدَّمُ عَلَى قِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْقُرْآنِ. .
مَسْأَلَةٌ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: كُلُّ مُتَعَارِضَيْنِ لَا يَخْرُجَانِ عَنْ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: (أَحَدُهَا) : أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا فِي الْأَصْلِ حُكْمٌ مَعْلُومٌ، كَالْوَاقِعِ بِابْتِدَاءِ الشَّرْعِ، مِثْلُ الْإِحْدَاثِ فِي الْوُضُوءِ، فَيَتْرُكُ اعْتِقَادَ الْأَمْرِ بِأَحَدِهِمَا وَالنَّهْيَ عَنْ الْآخَرِ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَيَّهُمَا الْأَوْلَى، وَيُصَارُ إلَى مَا عَضَّدَهُ الدَّلِيلُ أَوْ رَجَّحَهُ بِقِيَاسٍ أَوْ حِفْظٍ أَوْ كَثْرَةِ عَدَدٍ. .
وَ (ثَانِيهَا) : أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجِبُ إبَاحَتُهُ أَوْ حَظْرُهُ فَأَيُّ الْخَبَرَيْنِ جَاءَ
стр. 3204
بِخِلَافِ مَا كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَالْخَبَرُ هُوَ الَّذِي مَعَهُ دَلِيلُ الِانْتِقَالِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا جَاءَ بِتَوْكِيدِ مَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ عُلِمَ زَوَالُ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ الثَّانِي، كَقَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» . .
وَ (ثَالِثُهَا) : أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، فَيَأْتِي بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ الْحُكْمُ، كَالْمُزَارَعَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَسْتَبِيحُونَ الْمُزَارَعَةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَنَهَى عَنْهُمَا، وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِإِجَازَتِهِمَا، وَلَمْ يَفِدْ شَيْئًا أَفَادَ فِيمَا كَانَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَخَبَرُ النَّهْيِ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ، هَذَا إذَا عَلِمَ تَقْرِيرَهُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ مُدَّةً ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرَانِ، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَعْمَلَيْنِ لَهَا وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا عَلَيْهَا، فَإِذَا جَاءَ النَّهْيُ عَنْهَا ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ بِإِجَازَتِهَا نَظَرَ فِيهِمَا عَلَى هَذَا الْحَالِ. فَأَمَّا آيُ الْقُرْآنِ، فَكُلُّ آيَةٍ وَرَدَتْ بِإِبَاحَةِ شَيْءٍ فِي جُمْلَةِ الْخِطَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَأَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ لَا مَحَالَةَ. وَلَوْ جَاءَ خَبَرٌ بِتَحْلِيلِ مَا جَاءَ الْخَبَرُ الْآخَرُ بِتَحْرِيمِهِ نَظَرَ فِي الْخَبَرَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُوجِبُ خُصُوصَ الْآيَةِ وَالْآخَرَ يُوجِبُ عُمُومَهَا وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ الْحَظْرِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا فِي الْأَخْبَارِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ، فَإِنْ كَانَ الْحَظْرُ بَيَانَ الْآيَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ بِالْخَبَرِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ، وَيَكُونُ خَبَرُ التَّحْلِيلِ بِإِزَاءِ خَبَرِ التَّحْرِيمِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ، فَإِنْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فَالْحُكْمُ لَهُ، قَالَ: وَيَجِيءُ الْخَبَرَانِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَالْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، كَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لِلْحَاجِّ، فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ وَإِنْ كَانَ مُحَالًا أَنْ يَفْعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُمَا كَخَبَرِ مَيْمُونَةَ «نَكَحَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَ «مَا نَكَحَهَا إلَّا وَهُوَ حَلَالٌ» . فَأَحَدُهُمَا غَلَطٌ مِنْ الرَّاوِي فَيُصَارُ إلَى الدَّلِيلِ يُعَضِّدُ أَحَدَهُمَا.
[سَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّوَايَاتِ] .
стр. 3205
سَبَبُ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّوَايَاتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الرِّسَالَةِ ": وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْقَوْلَ عَامًّا يُرِيدُ بِهِ الْعَامَّ، وَعَامًّا يُرِيدُ بِهِ الْخَاصَّ، وَيُسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ فَيُجِيبُ عَلَى قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ، وَيُؤَدِّي عَنْهُ الْمُخْبَرُ الْخَبَرَ مُبَعَّضًا، وَالْخَبَرَ مُخْتَصَرًا، وَالْخَبَرُ يَأْتِي بِبَعْضِ مَعْنَاهُ دُونَ بَعْضٍ، وَيُحَدِّثُ الرَّجُلُ عَنْهُ الْحَدِيثَ قَدْ أَدْرَكَ جَوَابَهُ وَلَمْ يُدْرِكْ الْمَسْأَلَةَ عَلَى حَقِيقَةِ الْجَوَابِ لِمَعْرِفَتِهِ السَّبَبَ الَّذِي يُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَيَسُنُّ فِي الشَّيْءِ سُنَّةً وَفِيمَا يُخَالِفُهُ أُخْرَى فَلَا يَخْلُصُ بَعْضُ السَّامِعِينَ مِنْ اخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سُنَّ فِيهِمَا، وَيَسُنُّ سُنَّةً فِي نَصِّ مَعْنَاهُ فَيَحْفَظُهُمَا حَافِظٌ آخَرُ فِي مَعْنَى، يُخَالِفُهُ فِي مَعْنَى، وَيُجَامِعُهُ فِي مَعْنَى سُنَّةِ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَيَحْفَظُ غَيْرُهُ تِلْكَ السُّنَّةَ، فَإِذَا أَدَّى كُلٌّ مَا حَفِظَ رَآهُ بَعْضُ السَّامِعِينَ اخْتِلَافًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. وَيَسُنُّ بِلَفْظٍ مَخْرَجُهُ عَامٌّ جُمْلَةً بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أَوْ تَحْلِيلِهِ، وَلَيْسَ فِي غَيْرِهِ خِلَافُ الْجُمْلَةِ فَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِمَا حَرَّمَ مَا أَحَلَّ، وَلَا بِمَا أَحَلَّ مَا حَرَّمَ. قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا فَكَشَفْنَاهُ إلَّا وَجَدْنَا لَهُ وَجْهًا يَحْتَمِلُ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَلِفًا، وَأَنْ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْوُجُوهِ الَّتِي وُصِفَتْ. انْتَهَى. .
الْقَوْلُ فِي تَرْجِيحِ الظَّوَاهِرِ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَعَارِضَةِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ خَلَلٍ بِسَبَبِ الرُّوَاةِ، كَمَا سَبَقَ. .
وَأَمَّا التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَا أَعْرِفُ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَلِيَأْتِ بِهِ حَتَّى أُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ ": وَلَمْ نَجِدْ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إلَّا وَلَهُمَا مَخْرَجٌ، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا دَلَالَةٌ إمَّا مُوَافِقَةُ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ السُّنَّةِ أَوْ بَعْضِ الدَّلَائِلِ. انْتَهَى.
стр. 3206
وَهُوَ بِاعْتِبَارَيْنِ: (أَحَدِهِمَا) أَنْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ، وَ (الثَّانِي) بِالْمَتْنِ. .
أَمَّا التَّرْجِيحُ بِالْإِسْنَادِ فَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ أَوَّلُهَا: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ. فَيُرَجَّحُ مَا رُوَاتُهُ أَكْثَرُ عَلَى مَا رُوَاتُهُ أَقَلُّ بِخِلَافِهِ، كَاحْتِجَاجِ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى عَدَمِ الرَّفْعِ فِي الرُّكُوعِ، بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ» فَيَقُولُ: قَدْ رَوَى الرَّفْعَ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ صَحَابِيًّا، وَكَثِيرٌ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَكَرِوَايَةِ التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ عَلَى رِوَايَةِ الْإِسْفَارِ. هَذَا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " وَقَالَ: الْأَخْذُ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي الرِّبَا أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» لِأَنَّهُ رَوَاهُ مَعَ عُبَادَةَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَرِوَايَةُ خَمْسَةٍ أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ.
وَقَرَّرَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْعَدَدِ بِالنِّسْبَةِ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُوجِبًا لِلتَّذَكُّرِ فَقَالَ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَكَذَلِكَ جِنْسُ الرِّجَالِ كُلَّمَا كَثُرَ الْعَدَدُ قَوِيَ الْحِفْظُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ الْجَدِيدِ، قَالَ: وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ
стр. 3207
بِأَنَّ الشُّهُودَ مَنْصُوصٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ فَكُفِينَا مَئُونَةَ الِاجْتِهَادِ، وَالْأَخْبَارُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالْأَوْلَى تَرْجِيحُ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّهُمْ عَنْ الْخَطَأِ أَبْعَدُ، قَالَ: وَذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَشَبَّهَ بِالشَّهَادَاتِ.
قُلْتُ: وَعَكَسَ ابْنُ كَجٍّ وَابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابَيْهِمَا هَذَا النَّقْلَ فَقَالَا: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقَدِيمِ: يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ رُوَاةً، لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْأَخْبَارِ إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ عِلْمِ الظَّاهِرِ، وَيُحْتَمَلُ الْغَلَطُ وَالْكَثْرَةُ تَدْفَعُ الْغَلَطَ. وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا قَدْ اسْتَوَيَا جَمِيعًا فِي لُزُومِ الْحُجَّةِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَا فَقَدْ اسْتَوَيَا وَيَطْلُبُ دَلَالَةً سِوَاهُمَا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الشَّهَادَةِ، انْتَهَى. وَقَالَ سُلَيْمٌ: أَوْمَأَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا أَرَاهُ قَطْعِيًّا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ لَمْ يُمْكِنْ الرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ قُطِعَ بِاتِّبَاعِ الْأَكْثَرِ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْإِلْغَاءِ، وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَوْ تَعَارَضَ لَهُمْ خَبَرَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُعَطِّلُوا الْوَاقِعَةَ، بَلْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ هَذَا. قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ وَخَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ كَثُرَتْ رُوَاةُ أَحَدِهِمَا فَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُ النَّاظِرِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ رَأْيٌ رَابِعٌ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَرُبَّ عَدْلٍ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ عَدْلَيْنِ، لِشِدَّةِ تَيَقُّظِهِ وَضَبْطِهِ. فَلَمَّا كَثُرَ الْعَدَدُ وَلَمْ يَقْوَ الظَّنُّ بِصِدْقِهِمْ كَانَ خَبَرُهُمْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالرَّاجِحُ هُوَ الْأَوَّلُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: بَلْ هُوَ أَقْوَى الْمُرَجَّحَاتِ، فَإِنَّ الظَّنَّ يَتَأَكَّدُ عَنْ تَرَادُفِ الرِّوَايَاتِ. وَلِهَذَا يَقْوَى الظَّنُّ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْعِلْمُ بِهِ مُتَوَاتِرًا. .
.
стр. 3208
وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ لَوْ تَعَارَضَتْ الْكَثْرَةُ مِنْ جَانِبٍ وَالْعَدَالَةُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِإِلْكِيَا: (إحْدَاهُمَا) : تَرْجِيحُ الْكَثْرَةِ، لِقُرْبِهَا مِنْ الْمُسْتَفِيضِ وَالتَّوَاتُرِ. وَ (الثَّانِي) : تَرْجِيحُ الْعَدَالَةِ، فَإِنَّهُ رُبَّ رَجُلٍ يَعْدِلُ أَلْفَ رَجُلٍ فِي الثِّقَةِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ عَلَى رِوَايَةِ عَدَدٍ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ. قَالَ: وَهَذَا لَا نَجِدُ لَهُ مِثَالًا مِنْ النَّصِّ، فَإِنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، كَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ. وَلِلْقِيَاسِ مَجَالٌ وَرَاءَ الْخَبَرِ، وَإِنْ وَجَدْنَا مِثَالًا فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ ذَكَرَهَا أُسْتَاذُهُ فِي الْبُرْهَانِ " وَحَكَى فِيهَا الْخِلَافَ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ الْعَدَدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَدِّمُ مَزِيَّةَ الثِّقَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ لَا تَبْلُغُ الْقَطْعَ، وَالْغَالِبُ تَقْدِيمُ مَزِيَّةِ الثِّقَةِ. الثَّانِي: لَا يَخْفَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ فِي الْكَثْرَةِ إلَى حَالَةٍ تَقْتَضِي الْعِلْمَ. الثَّالِثُ: أَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَخْبَارِ. .
أَمَّا الْآيَاتُ فَإِذَا جَاءَتْ آيَتَانِ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَآيَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، فَهَلْ تُرَجَّحُ الْأُولَى.
стр. 3209
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى تَخَرُّجِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَيُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْآيِ كَمَا يُرَجَّحُ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْخَطَأَ مِنْ الرُّوَاةِ مُمْكِنٌ، وَهُوَ شَيْءٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ، بِخِلَافِ الْآيِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ يُسَاوِي الْأَخْبَارَ فِي قُوَّةِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا. وَالْعُمُومَانِ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ عُمُومٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدَيْنِ، أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَقْوَى، وَتِلْكَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهَذِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. .
ثَانِيهَا - بِقِلَّةِ الْوَسَائِطِ وَعُلُوِّ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ فِيمَا قَلَّتْ وَسَائِطُهُ أَقَلُّ، وَهُوَ أَحَدُ فَوَائِدِ طَلَبِ الْإِسْنَادِ الْعَالِي، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ: الْإِقَامَةُ مَثْنَى، كَالْأَذَانِ، لِمَا رَوَى عَامِرٌ الْأَحْوَلُ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ أَبَا مُحَيْرِيزٍ حَدَّثَهُ أَنَّ «أَبَا مَحْذُورَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ، وَذَكَرَ فِيهِ الْإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى» . فَنَقُولُ: بَلْ هِيَ فُرَادَى، لِمَا رَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُشَفِّعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» ، فَإِنَّ خَالِدًا وَعَامِرًا مِنْ طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ رَوَى عَنْهُمَا شُعْبَةُ، وَحَدِيثُ عَامِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةٌ، وَخَالِدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَانِ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِهَذَا ظَاهِرٌ، إذَا كَانَ لَا يَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ فَهُوَ مَرْجُوحٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْأَغْلَبِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَنْدَرِ.
.
стр. 3210
وَثَالِثُهَا - تَقَدُّمُ رِوَايَةِ الْكَبِيرِ عَلَى رِوَايَةِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ، وَمَثَّلُوهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْإِفْرَادَ فِي الْحَجِّ، وَرِوَايَةِ أَنَسٍ الْقِرَانَ. وَمَا قِيلَ فِيهِ يَتَوَلَّجُ عَلَى النَّسَا وَسَبَبُ هَذَا التَّرْجِيحِ - وَاَلَّذِي قَبْلَهُ - زِيَادَةُ الظَّنِّ بِالضَّبْطِ. وَقَدْ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " بِتَقْدِيمِ أَنَسٍ فِي أَحَادِيثِ رِبَا الْفَضْلِ وَفِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَقَالَ بِتَقَدُّمِ أَنَسٍ فِي الصُّحْبَةِ. وَهَلْ تَتَقَدَّمُ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ، وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عَلَى غَيْرِ الْأَكَابِرِ. .
وَرَابِعُهَا - بِفِقْهِ الرَّاوِي سَوَاءٌ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى أَوْ بِاللَّفْظِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْفَقِيهِ عَلَى مَنْ دُونَهُ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ. وَقِيلَ: هَذَا فِي خَبَرَيْنِ مَرْوِيَّيْنِ بِالْمَعْنَى، فَإِنْ رُوِيَا بِاللَّفْظِ فَلَا مُرَجِّحَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ لِلْفَقِيهِ مَزِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ.
стр. 3211
قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَفْقَهَ مِنْ الْآخَرِ، مِثْلُ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ وَيَصُومُ» عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ لَهُ» . قَالَ: وَسَبَبُ تَقْدِيمِهِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ أَفْقَهَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قُلْت: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مِثَالًا لِتَقْدِيمِ شَاهِدِ الْقِصَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِهَا، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ذَكَرَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ بِهِ، وَعَائِشَةُ كَانَتْ مُبَاشِرَةً لِلْوَاقِعَةِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا لَا يَنْبَغِي تَمْثِيلُهُ بِالصَّحَابَةِ تَأَدُّبًا. وَقَدْ مَثَّلَ بِرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، مَعَ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإِنَّ الْأَوَّلَيْنِ فَقِيهَانِ مَشْهُورَانِ، وَالْأَخِيرَيْنِ إمَّا شَيْخَانِ أَوْ دُونَهُمَا فِي الْفِقْهِ. .
خَامِسُهَا - بِعِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ الْعَالِمَ بِهَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ مَوَاقِعِ الزَّلَلِ، فَيَكُونُ الْوُثُوقُ بِرِوَايَتِهِ أَكْثَرَ، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَرْجُوحٌ؛ لِأَنَّ الْعَالِمَ بِهَا يَعْتَمِدُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، فَلَا يُبَالِغُ فِي الْحِفْظِ، وَالْجَاهِلُ بِهَا يَكُونُ خَائِفًا فَيُبَالِغُ فِي الْحِفْظِ. .
سَادِسُهَا - الْأَفْضَلِيَّةُ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ. .
стр. 3212
سَابِعُهَا - حُسْنُ الِاعْتِقَادِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ السُّنِّيِّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ، كَرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى مَعَ غَيْرِهِ، قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ بِدْعَتَهُ إنْ كَانَتْ بِذَهَابِهِ إلَى أَنَّ الْكَذِبَ كَبِيرَةٌ كَانَ ظَنُّ صِدْقِهِ أَكْبَرَ. .
ثَامِنُهَا - كَوْنُ الرَّاوِي صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْقِصَّةِ، كَقَوْلِ «مَيْمُونَةَ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ» فَتُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ (نَكَحَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ) وَقَدْ خَالَفَ فِي هَذَا الْجُرْجَانِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. .
تَاسِعُهَا - كَوْنُ أَحَدِهِمَا مُبَاشِرًا لِمَا رَوَاهُ كَتَرْجِيحِ خَبَرِ أَبِي رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُمَا حَلَالَانِ عَلَى خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا. وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صَوْمِ الْجُنُبِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ. .
.
стр. 3213
عَاشِرُهَا - الْأَقْرَبُ إلَى الرَّسُولِ ﷺ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلتَّرْجِيحِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُخَالَطَةِ تَقْتَضِي زِيَادَةً فِي الِاطِّلَاعِ. وَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يَحْجِزُهُ شَيْءٌ عَنْ الْقُرْآنِ سِوَى الْجَنَابَةِ» عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَوْنَ أَحَدِهِمَا أَعْرَفَ بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِهِ، كَأَزْوَاجِهِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُنَّ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِنَّ. .
حَادِي عَشَرَهَا - إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِ كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْإِفْرَادَ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ: «لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ ذَوُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» . .
ثَانِي عَشَرَهَا - كَوْنُ أَحَدِهِمَا جَلِيسَ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ أَكْثَرَ مُجَالَسَةً مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَعْتَوِرُ الرِّوَايَةَ وَيُدَاخِلُهَا مِنْ الْخَلَلِ. .
ثَالِثُ عَشَرَهَا - كَثْرَةُ الصُّحْبَةِ تُرَجَّحُ رِوَايَتُهُ عَلَى قَلِيلِهَا، لِمَا يَحْصُلُ مِنْ زِيَادَةِ الظَّنِّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الصُّحْبَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِأَحْوَالِ الْمَصْحُوبِ. وَقَدْ نُقِلَ هَذَا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ فَقَدَّمَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى رِوَايَةِ وَائِلٍ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَبِسَبَبِ طُولِ الصُّحْبَةِ. .
.
стр. 3214
رَابِعُ عَشَرَهَا - بِكَوْنِهِ مُخْتَبَرًا فَيُرَجَّحُ الْعَدْلُ بِالتَّزْكِيَةِ عَلَى الْعَدْلِ بِالظَّاهِرِ. هَذَا إنْ قَبِلْنَا رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ، وَإِلَّا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا. .
خَامِسُ عَشَرَهَا - الْعَدْلُ بِالْمُمَارَسَةِ وَالِاخْتِبَارِ عَلَى مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ بِالتَّزْكِيَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. .
سَادِسَ عَشَرَهَا - بِكَوْنِهِ مُعَدَّلًا بِصَرِيحِ التَّزْكِيَةِ فَيُرَجَّحُ عَلَى الْمُعَدَّلِ بِالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ، لِأَنَّ عَدَالَتَهُ ضِمْنِيَّةٌ. .
سَابِعُ عَشَرَهَا - بِكَوْنِهِ مُعَدَّلًا بِالْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْمُعَدَّلِ بِالْعَمَلِ عَلَى رِوَايَتِهِ، لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِ ذَلِكَ تَعْدِيلًا وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْصُولِ " أَنَّ عَمَلَ الْمُزَكَّى بِرِوَايَةِ مَنْ زَكَّاهُ مُرَجِّحٌ لِرِوَايَتِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا. .
ثَامِنُ عَشَرَهَا - التَّزْكِيَةُ مَعَ ذِكْرِ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ أَرْجَحُ مِنْ التَّزْكِيَةِ الْمُجَرَّدَةِ، قَالَهُ فِي الْمَحْصُولِ ". .
стр. 3215
تَاسِعُ عَشَرَهَا - بِكَثْرَةِ الْمُزَكِّينَ لِلرَّاوِي كَتَقْدِيمِ حَدِيثِ بُسْرَةَ عَلَى حَدِيثِ طَلْقٍ، لِكَثْرَةِ الْمُزَكِّينَ وَالرُّوَاةِ لِبُسْرَةَ، وَقِلَّةِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ طَلْقٍ. .
الْعِشْرُونَ - حِفْظُ الرَّاوِي لِلَفْظِ الْحَدِيثِ وَاعْتِمَادُ الْآخَرِ عَلَى الْمَكْتُوبِ فَالْحَافِظُ أَوْلَى، لِمَا لَعَلَّهُ يَعْتَوِرُ الْخَطَّ مِنْ نَقْصٍ وَتَغَيُّرٍ. قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ، رَوَى حَدِيثَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ لَمْ يُعِدْ» . قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ: نَظَرْتُ فِي كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ قَالَ عَاصِمٌ: فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ " ثُمَّ لَمْ يُعِدْ ". قَالَ الْبُخَارِيُّ: هَذَا أَصَحُّ، لِأَنَّ الْكِتَابَ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. قُلْت: وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. .
.
стр. 3216
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ - قُوَّةُ حِفْظِهِ وَزِيَادَةُ ضَبْطِهِ وَشِدَّةُ اعْتِنَائِهِ فَيُرَجَّحُ عَلَى مَنْ كَانَ أَقَلَّ فِي ذَلِكَ. حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: " بَيْنَهُمَا فَضْلُ مَا بَيْنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ " وَالتَّفْضِيلُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي كَاخْتِصَاصِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ. .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ - سُرْعَةُ حِفْظِ أَحَدِهِمَا وَإِبْطَاءُ نِسْيَانِهِ مَعَ سُرْعَةِ حِفْظِ الْآخَرِ وَسُرْعَةِ نِسْيَانِهِ، لِأَنَّ نِسْيَانَ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْحِفْظِ بَطِيءٌ. وَهَذَا ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ احْتِمَالًا، وَصَدَّرَ كَلَامَهُ بِأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ. .
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ - أَنْ لَا يَكْثُرَ تَفَرُّدُهُ بِالرِّوَايَاتِ عَنْ الْحُفَّاظِ فَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ خَبَرُهُ عَلَيْهِ عَلَى خَبَرِهِ. قَالَهُ الْغَزَالِيُّ. أَيْ وَإِنْ قُلْنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ. .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ - دَوَامُ عَقْلِهِ فَيُرَجَّحُ عَلَى مَنْ اخْتَلَطَ فِي عُمُرِهِ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ رَوَى الْخَبَرَ فِي حَالَةِ سَلَامَةِ عَقْلِهِ أَوْ حَالَ اخْتِلَاطِهِ. .
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ - شُهْرَةُ الرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فَيُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْمَشْهُورِ عَلَى الْخَامِلِ، لِأَنَّ الدِّينَ كَمَا يَمْنَعُ مِنْ الْكَذِبِ.
стр. 3217
كَذَلِكَ الشُّهْرَةُ وَالْمَنْصِبُ. .
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ - شُهْرَةُ نَسَبِهِ فَإِنَّ احْتِرَازَ مَشْهُورِ النَّسَبِ مِمَّا يُوجِبُ نَقْصَ مَنْزِلَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ. قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ فِي التَّرْجِيحِ. نَعَمْ، قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": رِوَايَةُ مَعْرُوفِ النَّسَبِ رَاجِحَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَجْهُولِهِ. .
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ - عَدَمُ الْتِبَاسِ اسْمِهِ فَيُرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَلْتَبِسْ اسْمُهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ مِنْ الضُّعَفَاءِ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ يَلْتَبِسُ فِيهِ ذَلِكَ. وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْسَرَ التَّمْيِيزُ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى " وَالْمَحْصُولِ ". .
الثَّانِي: بِوَقْتِ الرِّوَايَةِ - فَيُرَجَّحُ الرَّاوِي فِي الْبُلُوغِ عَلَى الَّذِي رَوَى فِي الصِّبَا وَفِي الْبُلُوغِ، لِأَنَّ الْبَالِغَ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ، وَيُرَجَّحُ الْخَبَرُ الَّذِي لَمْ يَتَحَمَّلْ رِوَايَةً إلَّا فِي زَمَنِ بُلُوغِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَحَمَّلْ إلَّا فِي زَمَنِ صِبَاهُ، وَلِهَذَا قَدَّمَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْإِفْرَادِ عَلَى رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي الْقِرَانِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ مُتَأَخِّرَ الصُّحْبَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مُتَقَدِّمِهَا فِي الرِّوَايَةِ، لِاحْتِمَالِ النَّسْخِ. - وَيُرَجَّحُ مَنْ لَمْ يَرْوِ إلَّا فِي حَالِ الْإِسْلَامِ، وَيُرَجَّحُ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، فَيُرَجَّحُ مَنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ، لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْإِسْلَامِ دَلِيلٌ
стр. 3218
عَلَى رِوَايَتِهِ آخِرًا، كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّقْضِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ عَلَى رِوَايَةِ قَيْسٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَتَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَتَبِعَهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ الْآمِدِيُّ بِعَكْسِهِ مُعْتَلًّا بِعَرَاقَةِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَتِهِ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَدَّمُ خَبَرُ الْمُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامَ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَكْثَرَ رِوَايَةً الْمُتَقَدِّمُ فَتُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ، فَهَاهُنَا نَحْكُمُ بِالرُّجْحَانِ، لِأَنَّ النَّادِرَ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: إنْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا فَالْغَالِبُ أَنَّ رِوَايَةَ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ نَاسِخٌ، كَمَا نَسَخْنَا رِوَايَةَ طَلْقٍ بِرِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فِي أَحَدِهِمَا وَجُهِلَ فِي الْآخَرِ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ الْمُؤَرَّخُ مِنْهُمَا فِي آخِرِ أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ النَّاسِخُ لِمَا لَا يُعْلَمُ تَارِيخُهُ فَيُنْسَخُ قَوْلُهُ ﵇: «إذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» بِصَلَاةِ أَصْحَابِهِ قِيَامًا خَلْفَهُ وَهُوَ يُصَلِّي قَاعِدًا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ فِيهِمَا وَلَا فِي أَحَدِهِمَا وَاحْتِيجَ إلَى نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَقِيلَ: النَّاقِلُ مِنْهُمْ عَنْ الْعَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُوَافِقِ لَهَا.
وَقِيلَ: الْمُحَرِّمُ أَوْلَى مِنْ الْمُبِيحِ، وَكَذَا الْمُوجِبُ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا وَالْآخَرُ مُحَرِّمًا لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَالَ إلْكِيَا: يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِإِمْكَانِ تَطَرُّقِ النَّسْخِ إلَى أَحَدِهِمَا إنْ لَمْ يَجِدْ مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا، كَحَدِيثِ طَلْقٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُحْتَمَلًا، فَإِنْ كَانَ فَلَا، كَحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ: «جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، فَإِنَّ الْإِهَابَ اسْمٌ لَهُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَبَعْدَهُ يُسَمَّى السِّخْتِيَانُ لِلْأَدِيمِ.
стр. 3219
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَوْلِ فِي التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ وَإِيتَارِ الْإِقَامَةِ، لِأَنَّ التَّرْجِيعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَسَعْدِ الْقَرَظِ، مُتَأَخِّرٌ عَنْ أَذَانِ بِلَالٍ ﵃. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرَاجِيحَ كَثِيرَةٌ، وَمَنَاطَهَا مَا كَانَ إفَادَتُهُ لِلظَّنِّ أَكْثَرَ فَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَقَدْ تَتَعَارَضُ هَذِهِ الْمُرَجَّحَاتُ، كَمَا فِي كَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِ، فَيَعْتَمِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ.
فَائِدَةٌ قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ: إنَّا لَا نُنْكِرُ تَفَاوُتًا بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي جَوْدَةِ الْفَهْمِ وَقُوَّةِ الْحِفْظِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ رِوَايَةَ الذَّكَرِ تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الْأُنْثَى، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْجِنْسِ، وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّوْعِ. قُلْت: قَدْ حَكَى سُلَيْمٌ فِيهِ الْخِلَافَ فَقَالَ: لَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى، وَلَا الْحُرِّ عَلَى الْعَبْدِ، خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، لِأَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْحُرِّيَّةَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا فِي قُوَّةِ الْخَبَرِ، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي التَّرْجِيحِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ: لَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الذَّكَرِ. وَقِيلَ: إنَّمَا يُقَدَّمُ الذَّكَرُ فَيُغَيِّرُ أَحْكَامَ النِّسَاءِ. أَمَّا أَحْكَامُهُنَّ فَيُقَدَّمْنَ عَلَى غَيْرِهِنَّ، لِأَنَّ هِمَّتَهُنَّ وَقَصْدَهُنَّ لِمَا حَفِظْنَهُ أَكْثَرُ، وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ "، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ. .
الثَّالِثُ: بِكَيْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ (فَمِنْهَا) : يُرَجَّحُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى رَفْعِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِي رَفْعِهِ، وَالْمُتَّفَقُ عَلَى وَقْفِهِ، كَتَقْدِيمِ حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي «لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ» فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ فِي الْمُوَطَّإِ ".
стр. 3220
وَ (ثَانِيهَا) : يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمُؤَدَّى بِلَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْمَرْوِيِّ بِمَعْنَاهُ. وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى أَنَّهُ إنْ كَانَ رَاوِي الْمَعْنَى عَارِفًا فَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِلَّا قُدِّمَ مَنْ رَوَى اللَّفْظَ. .
وَ (ثَالِثُهَا) : يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الَّذِي اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ هُوَ مِنْ لَفْظِهِ أَوْ هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ لَفْظِ غَيْرِهِ؟ كَخَبَرِ السِّعَايَةِ وَمَا يُعَارِضُهُ فِي الْعِتْقِ، قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. .
(رَابِعُهَا) : يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الَّذِي حَكَى الرَّاوِي سَبَبَ وُرُودِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْكِهِ، لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ مِنْ الْحَاكِي، كَمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ مَيْمُونَةَ فِي النِّكَاحِ وَهُوَ حَلَالٌ، عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَمَّا إذَا انْطَبَقَ أَحَدُهُمَا عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَالْآخَرُ مُطْلَقٌ فَيُقَدَّمُ الْمُطْلَقُ، كَمَا قَالَهُ إلْكِيَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُمُومِ، قَالَ: وَقَدْ يُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ السَّبَبِ وَلَا يَكُونُ فِي حَقِيقَتِهِ، كَمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ » ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ: لَمَّا ذَكَرَ الِاسْتِعَارَةَ وَالْجُحُودَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا جَحَدَ يُقْطَعُ. قِيلَ: هَذَا ظَاهِرُهُ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا نَقَلَ الْجُحُودَ وَالِاسْتِعَارَةَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمُوَافَقَةِ مَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، كَمَا قَالَ: «مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ فَسَرَقَتْ فَأَهَمَّ قُرَيْشًا شَأْنُهَا فَقَالَ: «وَاَللَّهِ لَوْ سَرَقَتْ فُلَانَةُ وَأَشَارَ إلَى امْرَأَةٍ عَظِيمَةِ الْقَدْرِ لَقَطَعْتُهَا» . فَلَمَّا ذَكَرَ السَّرِقَةَ عُلِمَ أَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ لَا الِاسْتِعَارَةُ، وَأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ كَانَتْ سَبَبَ جُرْأَتِهَا عَلَى السَّرِقَةِ. .
(خَامِسُهَا) : أَنْ يَتَرَدَّدَ الْأَصْلُ فِي رِوَايَةِ الْفَرْعِ عَنْهُ، فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ عَلَى الْمُخْتَارِ، إذَا لَمْ يَجْزِمْ بِالْإِنْكَارِ، وَحِينَئِذٍ فَالْخَبَرُ الَّذِي لَمْ [يَتَرَدَّدْ فِيهِ الْأَصْلُ] رَاجِحٌ عَلَى هَذِهِ. .
(سَادِسُهَا) : أَنْ يَخْتَلِفَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَيَتَّفِقَ رُوَاةُ الْآخَرِ قَالَ.
стр. 3221
أَبُو مَنْصُورٍ: فَرِوَايَةُ مَنْ لَمْ تَخْتَلِفْ طُرُقُ رِوَايَاتِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ حَدِيثَ نُصُبِ الزَّكَاةِ، أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، لِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْ عَلِيٍّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ بِخِلَافِهِ. وَحَكَى فِي اللُّمَعِ " فِيهِ وَجْهَيْنِ: (أَحَدَهُمَا) : تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ. وَ (الثَّانِيَ) : يَتَعَارَضَانِ عَمَّنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَتَسَاقَطَانِ. وَتَبْقَى رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ. قُلْت: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ. وَجَزَمَ ابْنُ بَرْهَانٍ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ، لِأَنَّهُ يُوَافِقُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فِي شَيْءٍ، وَيُسْتَعْمَلُ بِزِيَادَةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ كَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ تَخْتَلِفْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ يَكُونُ لِحِفْظِ الرَّاوِي. قَالَ: وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ الِاسْتِئْنَافِ وَالِاسْتِقْرَارِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «إذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اسْتَقَرَّتْ الْفَرِيضَةُ» وَأَبُو بَكْرٍ يَرْوِي الِاسْتِقْرَارَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: (اُسْتُؤْنِفَتْ الْفَرِيضَةُ) . وَمَثَّلَهُ إلْكِيَا بِحَدِيثِ وَائِلٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ» ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ عَنْهُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ، وَرَوَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الْبُرُوكِ بَرْكَ الْإِبِلِ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدِيثُ وَائِلٍ انْفَرَدَ
стр. 3222
مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُهُ قَدْ عَاضَدَتْهُ إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَوْلَى. قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَتَخْيِيرُ بَرِيرَةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. قَالَ: وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَ مِثْلُ مَعْنَى أَحَدِهِمَا مَنْقُولًا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ وُجُوهٍ، كَرِوَايَةِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ «أَعِدْ صَلَاتَك، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» وَرَوَى الْجُمْهُورُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَقَفَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ يُؤْذِنُهُمْ بِتَكْبِيرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْرَمَ خَلْفَ الصَّفِّ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَدَخَلَ فِيهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى يَسَارِ الرَّسُولِ، فَأَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ» ، فَتُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ وَابِصَةَ. وَهُوَ يَرْجِعُ أَيْضًا إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. .
(سَابِعُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحْسَنَ اسْتِيفَاءً لِلْحَدِيثِ مِنْ الْآخَرِ، كَتَرْجِيحِ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي الْإِفْرَادِ، لِأَنَّهُ سَرَدَ الْحَدِيثَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ عَادَ إلَيْهَا. .
(ثَامِنُهَا) : أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَالْآخَرُ شِفَاهًا، فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمُشَافَهَةِ تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ، كَحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ» ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا.
стр. 3223
مَا خَيَّرَهَا، وَرِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا. قُلْنَا: رِوَايَتُهُ مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ رَاوِيَهَا عَنْ عَائِشَةَ عُرْوَةُ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْهَا شِفَاهًا، وَغَيْرُهُ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ. .
(تَاسِعُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِرِوَايَةِ (حَدَّثَنَا) وَالْآخَرُ بِرِوَايَةِ (أَخْبَرَنَا) ، فَاَلَّذِي بِرِوَايَةِ (حَدَّثَنَا) أَوْلَى. قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ "، لِأَنَّ (أَخْبَرَنَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ فَغَفَلَ أَوْ سَهَا. بِخِلَافِ (حَدَّثَنَا) . وَقِيلَ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ كَمَا يُحْتَمَلُ سَهْوُ الشَّيْخِ فِي (أَخْبَرَنَا) يُحْتَمَلُ سَهْوُ الرَّاوِي فِي (حَدَّثَنَا) . .
(عَاشِرُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ حِفْظِهِ وَكِتَابِهِ، وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِبُعْدِهِ مِنْ الزَّلَلِ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا. وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَوَاهُ وَسَمِعَهُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ، وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِهِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي كِتَابِهِ سَمَاعُهُ فَلَا تَرْجِيحَ. .
(حَادِي عَشَرَهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ بِسَمَاعِهِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَالْآخَرُ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى شَيْخِهِ إذَا قُلْنَا: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ أَعْلَى، كَذَا ذَكَرُوهُ. وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا قَرَأَهُ الْعَالِمُ عَلَى الْعَالِمِ. أَمَّا إذَا قَرَأَهُ الْجَاهِلُ عَلَى الْجَاهِلِ فَهُمَا سِيَّانِ. .
(ثَانِي عَشَرَهَا) : مَا يَرْوِيهِ بِالسَّمَاعِ، عَلَى مَا يَرْوِيهِ بِالْإِجَازَةِ. (ثَالِثُ عَشَرَهَا) : الْمُسْنَدُ رَاجِحٌ عَلَى الْمُرْسَلِ إنْ قُبِلَ الْمُرْسَلُ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِهِ، بِخِلَافِ الْمُرْسَلِ وَقَالَ قَوْمٌ - مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ أَبَانَ -: الْمُرْسَلُ أَوْلَى. وَقَالَ قَوْمٌ - مِنْهُمْ عَبْدُ الْجَبَّارِ -: يَسْتَوِيَانِ.
стр. 3224
قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": وَمَا قَالَهُ عِيسَى إنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ يَقُولُ " الرَّاوِي ": قَالَ الرَّسُولُ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ مَا يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ: عَنْ النَّبِيِّ ﵊. فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرَجُّحَ فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ " رُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ ". وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمَرْجُوحِيَّةَ أَوْ الرَّدَّ، وَضَعَّفَهُ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ مِنْ سَمَاعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَمَّنْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَبِّئُ عَنْ حُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ لَهُ، فَلَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ. قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ فِيهِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْنَدِ، وَلِهَذَا قَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَهُنَا فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ مَرَاسِيلَهُمْ مَقْبُولَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَهِيَ كَالْمُسْنَدَةِ، حَتَّى لَوْ عَارَضَهَا صَحَابِيٌّ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فَهُمَا سَوَاءٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتَطَرَّقُهُ خِلَافٌ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَرَاسِيلِ التَّابِعِيِّ، لِأَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَتِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَكُلَّمَا عُلِمَ مِنْ الْمَرَاسِيلِ قِلَّةُ الْوَسَائِطِ فَهُوَ أَرْجَحُ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَمَرَاسِيلُ كُلِّ عَصْرٍ أَوْلَى مِنْ مَرَاسِيلِ مَا بَعْدَهُ. ثَانِيهِمَا إذَا كَانَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَابْنِ الْمُسَيِّبِ، فَهُوَ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ.
стр. 3225
وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا إذَا حَصَلَ لَهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْخَبَرِ فَمُرْسَلُهُ رَاجِحٌ عَلَى مُسْنَدِهِ. .
الرَّابِعُ: بِوَقْتِ وُرُودِ الْخَبَرِ؟ وَيُرَجَّحُ بِوُجُوهٍ، وَهِيَ غَيْرُ قَوِيَّةٍ فِي الرُّجْحَانِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ: (أَوَّلُهَا) الْخَبَرُ الْمَدَنِيُّ، أَيْ الَّذِي رُوَاتُهُ مِنْ الْمَدِينَةِ، مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مَهْبِطِ الْوَحْيِ، وَمَوْضِعَهُمْ مَوْضِعُ النَّاسِخِ، وَلَهُمْ الْعِنَايَةُ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ الْمَدَنِيَّاتِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْهِجْرَةِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا رِوَايَتَهُمْ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي تَرْجِيعِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَكَذَلِكَ تَعَارُضُ الْآيَتَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَدَنِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْمَكِّيَّةِ، مَعَ إمْكَانِ نُزُولِ الْمَكِّيَّةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَنُزُولِ الْمَدَنِيَّةِ قَبْلَهُ، إلَّا أَنَّ نَسْخَ الْمَكِّيَّاتِ بِالْمَدَنِيَّاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَكْسِ. .
(ثَانِيهَا) تَرْجِيحُ الْخَبَرِ الدَّالِ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. (ثَالِثُهَا) الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّغْلِيظِ عَلَى الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ؟ ، لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يَرْأَفُ بِالنَّاسِ وَيَأْخُذُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَا يَتَعَبَّدُ بِالتَّغْلِيظِ، فَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ التَّشْدِيدِ أَظْهَرُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، حَيْثُ قَالَ: أَوْ شَدِيدُهُ، لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ. وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُقَدَّمُ الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّخْفِيفِ. .
(رَابِعُهَا) يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مُطْلَقًا عَلَى الْمَرْوِيِّ بِتَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ أَشْبَهَ بِالتَّأَخُّرِ. كَذَا قَالُوا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَرْجِيحِ الْأَصْحَابِ فِي الْبَيِّنَاتِ إذَا أُطْلِقَتْ وَاحِدَةٌ وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. .
.
следующие страницы →