← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

أَبُو مَنْصُورٍ: فَرِوَايَةُ مَنْ لَمْ تَخْتَلِفْ طُرُقُ رِوَايَاتِهِ أَوْلَى، وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ حَدِيثَ نُصُبِ الزَّكَاةِ، أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ، لِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْ عَلِيٍّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْهُ بِخِلَافِهِ. وَحَكَى فِي اللُّمَعِ " فِيهِ وَجْهَيْنِ: (أَحَدَهُمَا) : تُقَدَّمُ رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ. وَ (الثَّانِيَ) : يَتَعَارَضَانِ عَمَّنْ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ، وَيَتَسَاقَطَانِ. وَتَبْقَى رِوَايَةُ مَنْ لَمْ يَخْتَلِفْ. قُلْت: وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ. وَجَزَمَ ابْنُ بَرْهَانٍ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ، لِأَنَّهُ يُوَافِقُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فِي شَيْءٍ، وَيُسْتَعْمَلُ بِزِيَادَةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ كَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ. وَقِيلَ: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ تَخْتَلِفْ عَنْهُ الرِّوَايَةُ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ يَكُونُ لِحِفْظِ الرَّاوِي. قَالَ: وَمِثَالُ ذَلِكَ حَدِيثُ الِاسْتِئْنَافِ وَالِاسْتِقْرَارِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ: «إذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اسْتَقَرَّتْ الْفَرِيضَةُ» وَأَبُو بَكْرٍ يَرْوِي الِاسْتِقْرَارَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: (اُسْتُؤْنِفَتْ الْفَرِيضَةُ) . وَمَثَّلَهُ إلْكِيَا بِحَدِيثِ وَائِلٍ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ» ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ عَنْهُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ، وَرَوَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الْبُرُوكِ بَرْكَ الْإِبِلِ فِي الصَّلَاةِ، أَيْ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدِيثُ وَائِلٍ انْفَرَدَ

стр. 3222

مِنْ الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثُهُ قَدْ عَاضَدَتْهُ إحْدَى رِوَايَتَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَوْلَى. قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي هَذَا نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَتَخْيِيرُ بَرِيرَةَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. قَالَ: وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إذَا كَانَ مِثْلُ مَعْنَى أَحَدِهِمَا مَنْقُولًا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ وُجُوهٍ، كَرِوَايَةِ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ «أَعِدْ صَلَاتَك، فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» وَرَوَى الْجُمْهُورُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَقَفَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ يُؤْذِنُهُمْ بِتَكْبِيرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَى مِنْ وَجْهٍ آخَرَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْرَمَ خَلْفَ الصَّفِّ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَدَخَلَ فِيهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ. وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى يَسَارِ الرَّسُولِ، فَأَدَارَهُ عَنْ يَمِينِهِ» . وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ» ، فَتُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ وَابِصَةَ. وَهُوَ يَرْجِعُ أَيْضًا إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ. . (سَابِعُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحْسَنَ اسْتِيفَاءً لِلْحَدِيثِ مِنْ الْآخَرِ، كَتَرْجِيحِ رِوَايَةِ جَابِرٍ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فِي الْإِفْرَادِ، لِأَنَّهُ سَرَدَ الْحَدِيثَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ عَادَ إلَيْهَا. . (ثَامِنُهَا) : أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَالْآخَرُ شِفَاهًا، فَإِنَّ رِوَايَةَ الْمُشَافَهَةِ تُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِ، كَحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَيَّرَ بَرِيرَةَ حِينَ عَتَقَتْ» ، وَلَوْ كَانَ زَوْجُهَا حُرًّا.

стр. 3223

مَا خَيَّرَهَا، وَرِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا. قُلْنَا: رِوَايَتُهُ مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ رَاوِيَهَا عَنْ عَائِشَةَ عُرْوَةُ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَيَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنْهَا شِفَاهًا، وَغَيْرُهُ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ. . (تَاسِعُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِرِوَايَةِ (حَدَّثَنَا) وَالْآخَرُ بِرِوَايَةِ (أَخْبَرَنَا) ، فَاَلَّذِي بِرِوَايَةِ (حَدَّثَنَا) أَوْلَى. قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي أَدَبِ الْجَدَلِ "، لِأَنَّ (أَخْبَرَنَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ فَغَفَلَ أَوْ سَهَا. بِخِلَافِ (حَدَّثَنَا) . وَقِيلَ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ كَمَا يُحْتَمَلُ سَهْوُ الشَّيْخِ فِي (أَخْبَرَنَا) يُحْتَمَلُ سَهْوُ الرَّاوِي فِي (حَدَّثَنَا) . . (عَاشِرُهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ حِفْظِهِ وَكِتَابِهِ، وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ عَنْ أَحَدِهِمَا، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِبُعْدِهِ مِنْ الزَّلَلِ، ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا. وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَوَاهُ وَسَمِعَهُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ، وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِهِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى. فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي كِتَابِهِ سَمَاعُهُ فَلَا تَرْجِيحَ. . (حَادِي عَشَرَهَا) : أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ بِسَمَاعِهِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَالْآخَرُ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى شَيْخِهِ إذَا قُلْنَا: قِرَاءَةُ الشَّيْخِ أَعْلَى، كَذَا ذَكَرُوهُ. وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا قَرَأَهُ الْعَالِمُ عَلَى الْعَالِمِ. أَمَّا إذَا قَرَأَهُ الْجَاهِلُ عَلَى الْجَاهِلِ فَهُمَا سِيَّانِ. . (ثَانِي عَشَرَهَا) : مَا يَرْوِيهِ بِالسَّمَاعِ، عَلَى مَا يَرْوِيهِ بِالْإِجَازَةِ. (ثَالِثُ عَشَرَهَا) : الْمُسْنَدُ رَاجِحٌ عَلَى الْمُرْسَلِ إنْ قُبِلَ الْمُرْسَلُ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى قَبُولِهِ، بِخِلَافِ الْمُرْسَلِ وَقَالَ قَوْمٌ - مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ أَبَانَ -: الْمُرْسَلُ أَوْلَى. وَقَالَ قَوْمٌ - مِنْهُمْ عَبْدُ الْجَبَّارِ -: يَسْتَوِيَانِ.

стр. 3224

قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": وَمَا قَالَهُ عِيسَى إنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ يَقُولُ " الرَّاوِي ": قَالَ الرَّسُولُ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ قَالَ مَا يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ: عَنْ النَّبِيِّ ﵊. فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرَجُّحَ فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ " رُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ ". وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمَرْجُوحِيَّةَ أَوْ الرَّدَّ، وَضَعَّفَهُ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ مِنْ سَمَاعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَمَّنْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَبِّئُ عَنْ حُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ لَهُ، فَلَمْ تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ. قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ فِيهِ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْنَدِ، وَلِهَذَا قَبِلَهُ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَهُنَا فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا هَذَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ مَرَاسِيلَهُمْ مَقْبُولَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَهِيَ كَالْمُسْنَدَةِ، حَتَّى لَوْ عَارَضَهَا صَحَابِيٌّ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فَهُمَا سَوَاءٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتَطَرَّقُهُ خِلَافٌ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَرَاسِيلِ التَّابِعِيِّ، لِأَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَتِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَكُلَّمَا عُلِمَ مِنْ الْمَرَاسِيلِ قِلَّةُ الْوَسَائِطِ فَهُوَ أَرْجَحُ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَمَرَاسِيلُ كُلِّ عَصْرٍ أَوْلَى مِنْ مَرَاسِيلِ مَا بَعْدَهُ. ثَانِيهِمَا إذَا كَانَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ عَدْلٍ، كَابْنِ الْمُسَيِّبِ، فَهُوَ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ.

стр. 3225

وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ. وَأَمَّا إذَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا إذَا حَصَلَ لَهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِصِدْقِ الْخَبَرِ فَمُرْسَلُهُ رَاجِحٌ عَلَى مُسْنَدِهِ. . الرَّابِعُ: بِوَقْتِ وُرُودِ الْخَبَرِ؟ وَيُرَجَّحُ بِوُجُوهٍ، وَهِيَ غَيْرُ قَوِيَّةٍ فِي الرُّجْحَانِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ: (أَوَّلُهَا) الْخَبَرُ الْمَدَنِيُّ، أَيْ الَّذِي رُوَاتُهُ مِنْ الْمَدِينَةِ، مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مَهْبِطِ الْوَحْيِ، وَمَوْضِعَهُمْ مَوْضِعُ النَّاسِخِ، وَلَهُمْ الْعِنَايَةُ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّ الْمَدَنِيَّاتِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْهِجْرَةِ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا رِوَايَتَهُمْ عَلَى رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي تَرْجِيعِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَكَذَلِكَ تَعَارُضُ الْآيَتَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَدَنِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْمَكِّيَّةِ، مَعَ إمْكَانِ نُزُولِ الْمَكِّيَّةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَنُزُولِ الْمَدَنِيَّةِ قَبْلَهُ، إلَّا أَنَّ نَسْخَ الْمَكِّيَّاتِ بِالْمَدَنِيَّاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَكْسِ. . (ثَانِيهَا) تَرْجِيحُ الْخَبَرِ الدَّالِ عَلَى عُلُوِّ شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. (ثَالِثُهَا) الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّغْلِيظِ عَلَى الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ؟ ، لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يَرْأَفُ بِالنَّاسِ وَيَأْخُذُهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلَا يَتَعَبَّدُ بِالتَّغْلِيظِ، فَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ التَّشْدِيدِ أَظْهَرُ. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، حَيْثُ قَالَ: أَوْ شَدِيدُهُ، لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ. وَكَذَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُقَدَّمُ الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّخْفِيفِ. . (رَابِعُهَا) يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مُطْلَقًا عَلَى الْمَرْوِيِّ بِتَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ أَشْبَهَ بِالتَّأَخُّرِ. كَذَا قَالُوا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَرْجِيحِ الْأَصْحَابِ فِي الْبَيِّنَاتِ إذَا أُطْلِقَتْ وَاحِدَةٌ وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. . .

стр. 3226

خَامِسُهَا) الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخٍ مُضَيَّقٍ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ﷺ عَلَى الْمُطْلَقِ، لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا، وَسَبَقَ مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ. وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْهُ أَخْبَارَ الدِّبَاغِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِيهَا. . (سَادِسُهَا) إذَا حَصَلَ إسْلَامُ رَاوِيَيْنِ مَعًا، كَإِسْلَامِ خَالِدٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَحْمِلُ الْحَدِيثَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَيُرَجَّحُ خَبَرُهُ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ هَلْ تَحَمَّلَهُ الْآخَرُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا وَهَذَا يَسْتَقِيمُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي وَقَعَ التَّعَارُضُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَصْفِ، أَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ أَحَدِهِمَا كَانَ بِسَمَاعِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَسْتَقِيمُ. . الْقَوْلُ فِي التَّرْجِيحِ مِنْ جِهَةِ الْمَتْنِ وَهُوَ بِاعْتِبَارَاتٍ الْأَوَّلُ - التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَيَقَعُ بِأُمُورٍ (أَوَّلُهَا) فَصَاحَةُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ، مَعَ رَكَاكَةِ الْآخَرِ وَهَذَا إنْ قَبِلْنَا كُلًّا مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ نَقْبَلْ الرَّكِيكَ، كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ، لَمْ يَكُنْ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: يُرَجَّحُ الْأَفْصَحُ عَلَى الْفَصِيحِ، لِأَنَّ الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ ﵊ أَقْوَى. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِهِ، لِأَنَّ الْبَلِيغَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِالْأَفْصَحِ وَالْفَصِيحِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَعَ ذَوِي لُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَ سِوَى.

стр. 3227

تِلْكَ الْفَصِيحَةِ، كَرِوَايَةِ: «لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ» . . (ثَانِيهَا) يُرَجَّحُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ. قَالَ إلْكِيَا: وَالْفِقْهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُورُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَالْمُحْرِمِ، وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَشَاهِدٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ثُمَّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْحَصَاةِ، وَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ، وَبَيْعٍ وَسَلَفٍ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ، ثُمَّ نَهَى عَنْ أَكْلِ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ حَمَلَ حَامِلٌ النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ بِدَلَالَةِ الْعُمُومِ وَجَدَ مَقَالًا، وَلَكِنْ يُقَالُ: الْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ، فَإِنَّ الْخَاصَّ أَقْرَبُ إلَى التَّعْيِينِ مِنْ الْجُمْلَةِ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا تَمْهِيدَ الْأُصُولِ. . (ثَالِثُهَا) يُقَدَّمُ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ. نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ دُخُولَ التَّخْصِيصِ يُضْعِفُ اللَّفْظَ، وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مَجَازًا عَلَى قَوْلٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: لِأَنَّ الَّذِي قَدْ دَخَلَهُ قَدْ أُزِيلَ عَنْ تَمَامِ مُسَمَّاهُ، وَالْحَقِيقَةُ تُقَدَّمُ عَلَى الْمَجَازِ، وَاعْتَرَضَ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّ الْمَخْصُوصَ رَاجِحٌ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ التَّقْدِيمَ عَنْ قَوْمٍ، وَوَجَّهَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى التَّعَلُّقِ بِمَا لَمْ يُخَصَّ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا خُصَّ. قَالَ: وَعِنْدَنَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي حُكْمِ سَمَاعِ الْحَادِثَةِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ كَهُوَ مِنْ اللَّفْظِ الْآخَرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَخْصُوصَ يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ كَالنَّصِّ عَلَى تِلْكَ الْعَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ أَجْمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ إذَا اُسْتُثْنِيَ بَعْضُهُ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ.

стр. 3228

وَاخْتَارَ ابْنُ الْمُنِيرِ مَذْهَبًا ثَالِثًا، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ عَلَى الْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ، لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ قَدْ قَلَّتْ أَفْرَادُهُ حَتَّى قَارَبَ النَّصَّ، إذْ كُلُّ عَامٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَصًّا فِي أَقَلِّ مُتَنَاوَلَاتِهِ، فَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْأَقَلِّ بِالتَّخْصِيصِ فَقَدْ قَرُبَ مِنْ التَّنْصِيصِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ. . (رَابِعُهَا) يَتَقَدَّمُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ عَلَى الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ، إنْ قُلْنَا: الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ يُوهِنُهُ وَيَحُطُّهُ عَنْ رُتْبَةِ الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ، وَمَبْنَى التَّرْجِيحِ عَلَى غَلَبَةِ الظُّنُونِ، قَالَهُ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ "، وَسَبَقَ مِثْلُهُ عَنْ إلْكِيَا، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ " وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ "، وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ " وَغَيْرُهُمْ، قَالُوا: لِأَنَّ الْوَارِدَ عَلَى غَيْرِ السَّبَبِ مُتَّفَقٌ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ مُخْتَلَفٌ فِي عُمُومِهِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَفْرَادِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعَامَّيْنِ فَلَا، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ رَاجِحٍ، أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَبَّبِ، لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْرَادِ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُمْ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ، قُلْت: وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ فِي الْمُسَبَّبِ. . (خَامِسُهَا) تَرْجِيحُ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْمَجَازِ، لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يُغَلَّبْ الْمَجَازُ، فَإِنْ غُلِّبَ كَانَ أَظْهَرَ دَلَالَةً مِنْهَا، فَلَا تُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ عَلَيْهِ. . (سَادِسُهَا) أَنْ يَكُونَ مَجَازُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ بِالْحَقِيقَةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا مَجَازُهُ يُشْبِهُهَا.

стр. 3229

سَابِعُهَا) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ أَوْ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اللَّفْظِ الَّذِي صَارَ شَرْعِيًّا، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ وَاحِدًا وَالْمَعْنَى فِي أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَفِي الْآخَرِ عَلَى اللُّغَوِيِّ. أَمَّا الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يَدُلَّ هَذَا اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ الشَّرْعِيِّ عَلَى حُكْمٍ وَاللَّفْظُ الثَّانِي بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ عَلَى حُكْمٍ، وَلَيْسَ لِلشَّرْعِ فِي هَذَا اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا يَسْلَمُ تَرْجِيحُ الشَّرْعِيِّ عَلَى اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّ هَذَا اللُّغَوِيَّ إذَا لَمْ يَنْقُلْهُ الشَّرْعُ فَهُوَ لُغَوِيٌّ عُرْفِيٌّ شَرْعِيٌّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ بِلُغَوِيٍّ وَلَا عُرْفِيٍّ، وَالنَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ. . (ثَامِنُهَا) وَالْخَبَرُ الْمُسْتَغْنَى عَنْ الْإِضْمَارِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُفْتَقِرِ إلَيْهَا. (تَاسِعُهَا) يُقَدَّمُ الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى الدَّالِّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِ ﵇: «إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ مَا يُقْسَمُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» فَيُقَدَّمُ عَلَى رِوَايَةِ «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ» لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ بِوَجْهٍ، وَحَدِيثُنَا يَدُلُّ بِوَجْهَيْنِ. . (عَاشِرُهَا) تَرْجِيحُ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ، لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِقِلَّةِ الْوَاسِطَةِ، كَقَوْلِهِ ﵊: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ نِكَاحِهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا إلَّا بِوَاسِطَةِ الْإِجْمَاعِ، أَوْ يُقَالُ: إذَا بَطَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ بَطَلَ بِالْإِذْنِ، إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ. وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى

стр. 3230

بُطْلَانِ نِكَاحِهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، فَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَرْجَحُ. . (حَادِيَ عَشَرَهَا) يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ مِنْ لَفْظٍ مُومٍ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. لِأَنَّ الِانْقِيَادَ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الِانْقِيَادِ إلَى غَيْرِ الْمُعَلَّلِ، لِأَنَّ ظُهُورَ التَّعْلِيلِ مِنْ أَسْبَابِ قُوَّةِ التَّعْمِيمِ، كَتَقْدِيمِ قَوْلِهِ ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» عَلَى حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ التَّبْدِيلَ إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ. . (ثَانِيَ عَشَرَهَا) الْمُتَقَدِّمُ فِيهِ ذِكْرُ الْعِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ، وَعَكَسَ النَّقْشَوَانِيُّ. (ثَالِثَ عَشَرَهَا) الْمَذْكُورُ مَعَ مُعَارَضَةٍ أَوْلَى مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَحَدِيثِ «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» ، فَيُرَجَّحُ عَلَى الدَّالِّ عَلَى تَحْرِيمِ الزِّيَارَةِ. (رَابِعَ عَشَرَهَا) الْمَقْرُونُ بِنَوْعٍ مِنْ التَّهْدِيدِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» . . (خَامِسَ عَشَرَهَا) الْمَقْرُونُ بِالتَّأْكِيدِ بِأَنْ يُكَرَّرَ أَحَدُهُمَا ثَلَاثًا، وَالْآخَرُ لَمْ يُؤَكَّدْ، فَيُرَجَّحُ الْمُؤَكَّدُ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يُبْعِدُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَالتَّأْوِيلِ، كَقَوْلِهِ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» فَإِنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى مَا يَرَوْنَهُ الْحَنَفِيَّةُ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» ، لَوْ سَلِمَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ. . (سَادِسَ عَشَرَهَا) الْمَقْصُودُ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ، كَقَوْلِهِ: «فِيمَا سَقَتْ

стр. 3231

السَّمَاءُ الْعُشْرُ مِنْ التَّمْرِ» مَعَ قَوْلِهِ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ فَيُقَالُ: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ يَأْخُذُهَا الْعَامِلُ. بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الْآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قُصِدَ فِيهِ بَيَانُ الْمُزَكَّى، وَالْآخَرَ بَيَانُ الزَّكَاةِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْكَلَامُ يُجْمَلُ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَيُفَصَّلُ فِي مَقْصُودِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ «فِي سَائِمِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» مَعَ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَكَذَلِكَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» مَعَ قَوْلِهِ: «فِي الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ» فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى بَيَانِ الْمُزَكَّى وَالزَّكَاةِ، لَا عَلَى مَا لَمْ يُنْقَلْ لَهُ الْخَبَرُ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْمَسْمُوعُ، ذَكَرَهُ إلْكِيَا. ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ: قَدْ يَرِدُ عَلَى صُورَةِ الْبَيَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَانًا حَقًّا، كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ: «أَشَهِدْت عَلَى نَفْسِك أَرْبَعًا» ، وَفِي لَفْظٍ: أَنْتَ تَشْهَدُ؟ وَأَنَّهُ رَدَّدَهُ، فَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: إنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهُ مِرَارًا ثُمَّ قَالَ: «أَشَهِدْت عَلَى نَفْسِك أَرْبَعًا» ، دَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: «فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» أَيْ اعْتَرَفَتْ أَرْبَعًا. فَقُلْنَا: لَمْ يَكُنْ التَّرَدُّدُ وَالرَّدُّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالِاعْتِرَافِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنْ لَمْ يُفْصِحْ أَوَّلًا بِمَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَرَأَى فِيهِ دَلَائِلَ الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: «لَعَلَّك لَمَسْت» ، وَسَأَلَ عَنْ النُّونِ وَالْكَافِ فَقُلْنَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ: رِوَايَةُ مَاعِزٍ مُقَدَّمَةٌ، وَقَلَبُوا الْأَمْرَ فَلَمْ يَجْعَلُوا الْبَيَانَ فِي الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ مُعْتَبَرًا، قَدَّمُوا الْعُمُومَ عَلَيْهِ، وَقَدَّمُوا الْبَيَانَ عَلَى الْعُمُومِ هَاهُنَا. وَمِنْ هَذَا اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ، فَكَانَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى، لِأَنَّ فِيمَا رَوَاهُ: «وَاسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَانَ أَرْبَعًا فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ وَإِنْ كَانَ خَمْسًا شَفَعْتَهَا بِالسَّجْدَتَيْنِ» فَذِكْرُ التَّرْغِيمِ، وَالشَّفْعِ لَا يَكُونُ مَعَ الْفَصْلِ وَالتَّخَلُّلِ، فَكَانَ مَا نَقَلْنَاهُ إيمَاءً إلَى بَيَانِ السَّبَبِ عَلَى مَا رَدَّدَهُ. وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ مِنْ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ وُرُودُ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ، وَنَقَلُوا الْأَمْرَ فَقَطْ، وَالْأَمْرُ أَبْيَنُ مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي يُمْكِنُ تَقْدِيرُ اخْتِصَاصِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . (سَابِعَ عَشَرَهَا) مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ: عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ أَقْوَى. وَقِيلَ تُقَدَّمُ الْمُخَالَفَةُ لِأَنَّهَا تُفِيدُ تَأْسِيسًا، وَالْمُوَافَقَةُ لِلتَّأْكِيدِ، وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى. وَقِيلَ: يَتَعَارَضُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَالشَّرْطِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ لَهُ بِقَوْلِهِ

стр. 3232

تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّ مَفْهُومَ الْغَايَةِ يَقْتَضِي حِلَّ الْقُرْبَانِ قَبْلَ الْغُسْلِ، وَمَفْهُومَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ قَبْلَ الْغُسْلِ. . الثَّانِي - التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ مَدْلُولِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ، وَيَقَعُ عَلَى أُمُورٍ أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مُفِيدًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ وَالْبَرَاءَةِ وَالثَّانِي نَاقِلًا، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ النَّاقِلِ، وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّاقِلَ زَائِدٌ عَلَى الْمُقَرَّرِ، وَمِنْ أَصْلِنَا قَبُولُ الزِّيَادَةِ، كَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ الْقَضَاءِ، فَالْإِبْرَاءُ أَوْلَى، لِأَنَّهُمَا قَدْ شَهِدَا بِمَا شَهِدَ الْأَوَّلَانِ وَزَادَ النَّقْلُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، وَكَمَا قُلْنَا فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: إذَا اجْتَمَعَا فَالْجَرْحُ أَوْلَى، انْتَهَى. وَقِيلَ: يَجِبُ تَرْجِيحُ الْمُقَرَّرِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ، كَحَدِيثَيْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَإِنَّ النَّاقِضَ نَاقِلٌ عَنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَالْآخَرَ مُقَرِّرٌ لَهُ.

стр. 3233

تَنْبِيهٌ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: هَذَا الْخِلَافُ لَيْسَ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ، بَلْ مِنْ بَابِ النَّسْخِ، لِأَنَّا نَعْمَلُ بِالنَّاقِلِ عَلَى أَنَّهُ نَاسِخٌ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ لَوَجَبَ أَنْ يَعْمَلَ بِالْخَبَرِ الْآخَرِ لَوْلَاهُ لَكِنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ، لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ، لَا لِأَجْلِ الْخَبَرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّرْجِيحِ، وَلِهَذَا أَوْرَدُوهُ فِي بَابِهِ لَا فِي بَابِ النَّسْخِ، لِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِالنَّسْخِ، بَلْ نَقُولُ: الظَّاهِرُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ خِلَافُهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْأَوْلَى، وَهُوَ تَرْجِيحٌ. . ثَانِيهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إلَى الِاحْتِيَاطِ بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْحَظْرَ، وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ، فَيُقَدَّمُ مُقْتَضَى الْحَظْرِ، لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهَا مَا أَمْكَنَ، وَلِحَدِيثِ: «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» قَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ وَابْنُ بَرْهَانٍ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: يُرَجَّحُ الْمُقْتَضِي لِلْإِبَاحَةِ، لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ (نَفْيَ الْحَرَجِ) الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ " وَأَشَارَ الْآمِدِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِهِ بَحْثًا، وَحَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: يَتَسَاوَيَانِ، فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ صَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ،

стр. 3234

وَصَحَّحَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي جَعْفَرٍ. وَصَوَّرَ فِي الْحَاصِلِ " الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْعَقْلُ حُرْمَةَ وَإِبَاحَةَ مَا أَبَاحَهُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ، وَحَرَّمَهُ الْآخَرُ. ثُمَّ نَقَلَ فِيهِ التَّسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ عَلَى أَصْلِنَا الْعَازِلِ لِلْعَقْلِ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. أَمَّا عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَنَعَمْ. وَقَالَ سُلَيْمٌ: إنْ كَانَ لِلشَّيْءِ أَصْلُ إبَاحَةٍ وَحَظْرٍ، وَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ يُوَافِقُ ذَلِكَ الْأَصْلَ، وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ، كَانَ النَّاقِلُ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ أَوْلَى، كَتَقْدِيمِ الْخَبَرِ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ حَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ فَيَرِدُ خَبَرٌ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ، وَآخَرُ الْحَظْرَ، فَوَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْحَظْرَ أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّ الْحَرَامَ يَغْلِبُ. وَ (الثَّانِي) أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ كَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ، فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ عَلَى الْآخَرِ. وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى الْحَمَّامِيُّ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ، عَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ مَوْلَاةِ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ، أَيْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : «إنَّ الْمُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ كَالْمُسْتَحِلِّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ إلْكِيَا: إنْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ فَالْحَظْرُ أَوْلَى، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُتَعَارِضِ، فَنُقَدِّمُ الْإِبَاحَةَ عَلَى طَرَيَان الْحَظْرِ، فَكَأَنَّ الْإِبَاحَةَ فِي حُكْمِ الْمَنْسُوخِ. وَإِنْ كَانَ الْحَظْرُ هُوَ الْأَصْلُ فَالْأَخْذُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْلَى. أَمَّا إذَا تَعَارَضَا وَلَمْ يُعْلَمْ أَصْلُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَوْضِعُ التَّوَقُّفِ:

стр. 3235

فَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ إلَى أَنَّ الْحَظْرَ يُرَجَّحُ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ، لِأَنَّ الْحَرَامَ يَغْلِبُ. - وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: يَسْتَحِيلُ وُرُودِ الْخَبَرَيْنِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمُسْتَحِيلِ. ثُمَّ قَالَ إلْكِيَا: وَالْحَقُّ مَا قَالَهُ أَبُو هَاشِمٍ إذَا أَمْكَنَ مِنْ تَعَارُضِهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالرُّجُوعُ إلَى وَجْهٍ آخَرَ فِي التَّرْجِيحِ إمَّا مِنْ حَيْثُ الِاحْتِيَاطُ إذَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ فِي التَّرْجِيحِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ قَدَّمْنَاهُ. فَائِدَةٌ مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الْقَاضِيَ بَكَّارًا وَالْمُزَنِيَّ اجْتَمَعَا فِي جِنَازَةٍ، وَكَانَ الْقَاضِي يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُزَنِيِّ، فَسَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْمُزَنِيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا إبْرَاهِيمَ، جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ، وَجَاءَ تَحْلِيلُهُ، فَلِمَ قَدَّمْتُمْ التَّحْرِيمَ عَلَى التَّحْلِيلِ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيّ: لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ النَّبِيذَ كَانَ حَرَامًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَ، وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا. فَهَذَا يَعْضِدُ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ بِالتَّحْرِيمِ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ. . ثَالِثُهَا - أَنْ يَقْتَضِيَ أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمَ وَالْآخَرُ الْإِيجَابَ وَرَجَّحَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ، لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ،

стр. 3236

وَهِيَ أَهَمُّ مِنْ جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ، وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ التَّسَاوِي، وَهِيَ أَقْرَبُ، لِتَعَذُّرِ الِاحْتِيَاطِ، لِأَنَّهُ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ بِالتَّرْكِ، بِخِلَافِ الْإِيجَابِ، فَكِلَاهُمَا يُوقِعُ فِي الْعِقَابِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَقَالَ: لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَمِثَالُهُ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ بَعَثَ مِنْ يَنْظُرُ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِلَّا أَصْبَحَ صَائِمًا. وَهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ. وَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِحَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " فِي تَعَارُضِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِيجَابِ مَعَ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّدَبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدَّمَ الْإِيجَابَ، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ فِي الْوُجُوبِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى النَّدْبِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. . رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثْبِتًا وَالْآخَرُ نَافِيًا وَهُمَا شَرْعِيَّانِ، قَالَ فَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتِ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةَ عِلْمٍ وَلِهَذَا قَدَّمُوا خَبَرَ بِلَالٍ فِي صَلَاتِهِ ﵊ دَاخِلَ الْبَيْتِ عَلَى خَبَرِ أُسَامَةَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ. وَقِيلَ: بَلْ يُقَدَّمُ النَّافِي.

стр. 3237

وَقِيلَ: بَلْ هُمَا سَوَاءٌ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا فِي الْحَالَيْنِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى "، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ: النَّافِي إنْ نَقَلَ لَفْظًا مَعْنَاهُ النَّفْيُ، كَمَا إذَا نَقَلَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَنَقَلَ الْآخَرُ أَنَّهُ يَحِلُّ، فَهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُثْبِتٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، وَنَفَاهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ: " وَلَمْ يَقُلْهُ "، أَوْ " لَمْ يَفْعَلْهُ "، فَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ، لِأَنَّ الْغَفْلَةَ تَتَطَرَّقُ إلَى الْمُصْغِي وَالْمُسْتَمِعِ وَإِنْ كَانَ مُحَدِّثًا. وَحَكَى ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ فَصَّلَ بَيْنَ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى النَّفْيِ يَقِينًا بِضَبْطِ الْمَجْلِسِ وَتَحَقُّقِ السُّكُوتِ، أَوْ لَا، فَإِنْ اطَّلَعَ عَلَى النَّفْيِ يَقِينًا وَادَّعَى سَبَبًا يُوَصِّلُ لِلْيَقِينِ تَعَارَضَا وَلَا يُرَجَّحُ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ. وَقَالَ إلْكِيَا: إذَا تَعَارَضَ رِوَايَةُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَكَانَا جَمِيعًا شَرْعِيَّيْنِ اُسْتُفْسِرَ النَّافِي، فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ سَبَبِ عِلْمِهِ بِالنَّفْيِ صَارَ هُوَ وَالْمُثْبِتُ سَوَاءً، وَلِهَذَا لَمْ يُرَجِّحْ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ نَفْيِ الصَّلَاةِ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ، لِأَنَّ النَّفْيَ اُعْتُضِدَ بِمَزِيدِ ثِقَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الرَّاوِيَ جَابِرٌ وَأَنَسٌ، وَالْمَقْتُولَ عَمُّ أَحَدِهِمَا وَوَالِدُ الْآخَرِ، وَلَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ قَالَ النَّافِي: لَمْ أَعْلَمْ بِمَا يُزِيلُهُ، فَعَدَمُ الْعِلْمِ لَا يُعَارِضُ الْإِثْبَاتَ، كَرِوَايَةِ «عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ قَبَّلَهَا وَهُوَ صَائِمٌ» ، وَأَنْكَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ، لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ عِلْمِهَا فَلَا يَدْفَعُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَكَحَدِيثِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ. وَحَاصِلُهُ: إنْ كَانَ النَّافِي قَدْ اسْتَنَدَ إلَى الْعِلْمِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُثْبِتِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ نَحْوُهُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ كَالْمُثْبِتِ، وَهُوَ نَظِيرُ النَّفْيِ الْمَحْصُورِ. وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالْقَتْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَنَا وَلَمْ يَغِبْ عَنَّا، تَعَارَضَا.

стр. 3238

وَبَحَثَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّفْيَ إنْ كَانَ مَحْصُورًا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ، قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ. وَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ صَحِيحٌ، وَالنَّفْيُ الْمَحْصُورُ وَالْإِثْبَاتُ سِيَّانِ. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: إنْ كَانَ الْمُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالنَّافِي عَلَى حُكْمِ الْعَادَةِ فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمَانِ شَرْعِيَّيْنِ فَقَدْ تَسَاوَيَا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا وَرَدَ بِالنَّفْيِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ الْمُثْبِتُ أَوْلَى، كَرِوَايَةِ عَائِشَةَ فِي تَقْبِيلِهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَأَنْكَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهَا، وَذَلِكَ لَا يَدْفَعُ حَدِيثَ عَائِشَةَ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ النَّافِي أَخَصَّ مِنْ الْمُثْبِتِ فَالْحُكْمُ لِلْأَخَصِّ. وَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ إلَّا فِي صُوَرٍ:، (أَحَدُهُمَا) : أَنْ يَنْحَصِرَ النَّفْيُ، فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا تَكْرَارَ فِيهِ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَارَضَانِ. (الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَكُونَ رَاوِي النَّفْيِ لَهُ عِنَايَةٌ بِهِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْإِثْبَاتِ، كَمَا قُدِّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ، عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْقَتْلَى، وَكَمَا قُدِّمَ حَدِيثُهُ فِي الْإِفْرَادِ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْقِرَانِ، لِأَنَّهُ صَرَفَ هِمَّتَهُ إلَى صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ مُنْذُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى آخِرِهِ. (الثَّالِثَةُ) : أَنْ يَسْتَنِدَ نَفْيُ النَّافِي إلَى عِلْمٍ. . خَامِسُهَا - تَرْجِيحُ الْخَبَرِ النَّافِي لِلْحَدِّ وَالْعِقَابِ عَلَى مُوجِبٍ لَهُمَا - عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، كَحَدِيثِ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» .

стр. 3239

وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، حَكَاهُ سُلَيْمٌ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ تَرْجِيحًا وَلَيْسَ بِتَرْجِيحٍ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ تَفَاوُتًا، فِي صِدْقِ الرَّاوِي فِيمَا نَقَلَهُ مِنْ لَفْظِ الْإِيجَابِ أَوْ الْإِسْقَاطِ، وَضَعَّفَ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الرَّافِعُ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ. وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي أَنَّهُ هَلْ تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُثْبِتَةُ لِلْعِتْقِ عَلَى النَّافِيَةِ لَهُ، لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ. . سَادِسُهَا - الْمُثْبِتُ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ. وَعَكَسَ قَوْمٌ لِمُوَافَقَةِ التَّأْسِيسِ. . سَابِعُهَا - إذَا كَانَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَخَفَّ وَحُكْمُ الْآخَرِ أَثْقَلَ فَقِيلَ: إنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ. . ثَامِنُهَا - أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْآخَرُ تَعُمُّ بِهِ. فَالْأَوَّلُ رَاجِحٌ لِلِاتِّفَاقِ فِيهِ. . تَاسِعُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِحُكْمَيْنِ وَالْآخَرُ مُوجِبًا لِحُكْمٍ وَاحِدٍ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ يَنْفِيهَا الثَّانِي. وَفِي تَقْدِيمِ الثَّانِي عَلَيْهِ إبْطَالُهَا. . .

стр. 3240

عَاشِرُهَا - الْحُكْمُ الْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ، لِأَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفِيُّ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُخَاطَبِ وَفَهْمِهِ وَتَمَكُّنِهِ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَوَقِّفِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَوَقِّفِ. وَقِيلَ: التَّكْلِيفِيُّ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَثُوبَةً، وَأَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِالذَّاتِ، وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَكَانَ أَوْلَى. . الثَّالِثُ - التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وَلَهُ أَسْبَابٌ أَوَّلُهَا - اعْتِضَادُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِقَرِينَةِ الْكِتَابِ كَتَقْدِيمِ (الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَرِيضَتَانِ) عَلَى رِوَايَةِ (الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ) لِمُوَافَقَتِهِ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وَهَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَعَارَضَهُ الْقَاضِي وَقَالَ: وَقَوْلُهُ أَتِمُّوا " دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ. وَنَحْنُ نَقُولُ لِلْقَاضِي: يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِالْمُسْتَقِلِّ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَكِنَّا أَخَذْنَا مِنْ الْمُسْتَقِلِّ وَصْفًا فِي الدَّلِيلِ، وَهُوَ تَرَاخِي النَّظْمِ. وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: مَا وَافَقَ ظَاهِرَ الْكِتَابِ كَانَتْ النُّفُوسُ أَمْيَلَ إلَيْهِ، وَالْقَاضِي يَقُولُ: بَلْ الَّذِي

стр. 3241

يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ لَا يُنْقَلُ مَا نُقِلَ إلَّا عَنْ زِيَادَةِ الثَّبْتِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَقْرَبُ إلَى قِيَاسِ الْأُصُولِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْفَقُ لِلْعُرْفِ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: مَا ذَكَرُوهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ إتْمَامَ الْحَجِّ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلِابْتِدَاءِ، وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ فِي وُجُوبِ إتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا. قَالَ: وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَهُ مُتَنَمِّقًا بِإِيرَادِ كَلَامِهِ: وَنَحْنُ نَقُولُ لِلْإِمَامِ: الْإِتْمَامُ يُطْلَقُ تَارَةً عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ وَعَلَى إتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْأَوَّلُ، فَإِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَكُنْ ﷺ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ حَتَّى يُؤْمَرَ بِإِتْمَامِهِ. وَمِنْ مُثُلِهِ التَّغْلِيسُ بِالْفَجْرِ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وَكَتَرْجِيحِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّدِ، لِمُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] ، وَتَرْجِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وَهَذَا يَسْتَعْمِلُهُ الشَّافِعِيُّ كَثِيرًا، وَبَنَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُصُولَ. وَكَذَا قُدِّمَ حَدِيثُ خَوَّاتٍ فِي صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ عَلَى رِوَايَةِ

стр. 3242

ابْنِ عُمَرَ، لِأَجْلِ الْحَذَرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَجَعَلَهُ فِي الْمَنْخُولِ " مِنْ أَصْلِهِ، فَوَافَقَ الْأُصُولَ، لِأَنَّ رِوَايَةَ خَوَّاتُ، الْأَفْعَالُ فِيهَا قَلِيلَةٌ، قَالَ: وَقَالَ الْقَاضِي لِلشَّافِعِيِّ: إنْ كُنْت تَتَّهِمُ ابْنَ عُمَرَ بِحَيْدِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَمُحَالٌ، وَلَيْسَ الْقِيَاسُ مُنَاسِبًا لِمَأْخَذِ الدَّلِيلِ حَتَّى يَقْدَحَ فِيهِ. وَإِنْ قُلْت: إنَّ الْغَالِبَ عَلَى الرَّسُولِ الْجَرْيُ عَلَى قِيَاسِ الْأُصُولِ فَيُعَارِضُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّاقِلَ عَنْ الْقِيَاسِ يَكُونُ أَثْبَتَ فِي الرِّوَايَةِ مِنْ الْمُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْإِبْرَاءِ عَلَى شَهَادَةِ أَصْلِ الدَّيْنِ. قَالَ إلْكِيَا: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْجَهُ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ وَلَا يَظْهَرُ لِلْمَسْأَلَةِ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الطَّرِيقِ، وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّصِّ، أَمَّا إذَا تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ وَاعْتُضِدَ أَحَدُهُمَا بِقِيَاسٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي لَمْ يُتَّجَهْ فِيهِ تَأْوِيلٌ مُتَأَيِّدٌ لِلْقِيَاسِ لَا يُبَالَى بِهِ. وَلَوْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ عَاضَدَانِ لِلتَّأْوِيلِ وَأَحَدُهُمَا أَجْلَى قُدِّمَ الْأَجْلَى، وَلَوْ تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ أَوْ نَصَّانِ وَأَحَدُهُمَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فَالْقَاضِي يَرَى تَعَارُضَهُمَا أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى تَقْدِيمَ الْأَحْوَطِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ، كَرِوَايَةِ خَوَّاتٍ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، وَكَإِحْدَى الْآيَتَيْنِ إذَا تَضَمَّنَتْ إحْدَاهُمَا تَحْلِيلًا وَالْأُخْرَى تَحْرِيمًا. وَقَدْ قَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ. فَلَا يُتَّجَهُ فِي ذَلِكَ إلَّا الْحُكْمُ بِالِاحْتِيَاطِ. . ثَانِيهَا - أَنْ يَكُونَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ مُوَافِقًا لَهُ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْآخَرِ، كَحَدِيثِ التَّغْلِيسِ. .

стр. 3243

ثَالِثُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا فَيُقَدَّمُ الْقَوْلُ، لِأَنَّ لَهُ صِيغَةً، وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ لَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْأَفْعَالِ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ. . رَابِعُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُصَرِّحًا بِالْحُكْمِ وَالْآخَرُ عَلَى طَرِيقِ ضَرْبِ الْمِثَالِ، كَاحْتِجَاجِنَا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِحَدِيثِ: «صَلَّى بِي جِبْرِيلُ» الْحَدِيثُ، وَاسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ: «مَا مِثْلُكُمْ مَعَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ إلَّا كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا» إلَى آخِرِهِ. فَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ آخَرُ الْوَقْتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: تُرَجَّحُ الْعِبَارَةُ عَلَى الْإِشَارَةِ، فَإِنَّ حَدِيثَ الْإِجَارَةِ سِيقَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَكْثَرُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ، بِأَنْ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ. كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَوْ انْتَهَى لِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ لَكَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَكْثَرَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ، لَكِنَّهُ مُتَعَارِضٌ بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ وَهِيَ عِبَارَةٌ تَرَجَّحَتْ عَلَى الْإِشَارَةِ. . خَامِسُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَلَيْهِ عَمَلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّلَفِ فَيُقَدَّمُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ مَا لَا يُوَفَّقُ لَهُ

стр. 3244

الْأَقَلُّ، كَتَقْدِيمِنَا حَدِيثَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَنَّهَا سَبْعَةٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسٌ سِوَاهَا أَيْضًا عَلَى حَدِيثِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا فِي الْأُولَى خَمْسٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعٌ، لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: لَا يُرَجَّحُ، وَبِهِ قَالَ الْكَرْخِيّ وَالْجُبَّائِيُّ، لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا تَعَارَضَا وَعَمِلَ بِأَحَدِهِمَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْآخَرِ، فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ. قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": وَإِنْ كُنَّا لَا نَرَى تَقْدِيمَ عَمَلِ الصَّحَابَةِ عَلَى الْحَدِيثِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: اسْتَشْهَدَ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ فِي نُصُبِ النَّعَمِ وَقَدَّمَهُ عَلَى رِوَايَةِ عَلِيٍّ فِيهَا، لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْخَيْنِ يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَنَسٍ، فَقَالَ ﵁: أُقَدِّمُ حَدِيثَ أَنَسٍ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ التَّأَنِّي فِيهِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ، إذْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا بُلُوغُهُمْ حَدِيثَ عَلِيٍّ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ. وَالرَّأْيُ تَعَارُضُهُمَا وَيُقَدَّمُ حَدِيثُ أَنَسٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النُّصُبَ مَقَادِيرُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهَا، فَيُقَدَّمُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. قَالَ إلْكِيَا: وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّا إنْ تَحَقَّقْنَا بُلُوغَ الْحَدِيثَيْنِ الصَّحَابَةَ وَخَالَفُوا أَحَدَهُمَا فَمُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ قَادِحَةٌ فِيهِ، سَوَاءٌ عَارَضَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا، وَفِيهِ خِلَافٌ. وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بُلُوغُ الْحَدِيثِ إيَّاهُمْ فَالشَّافِعِيُّ يُرَجِّحُ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ إذَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لَهُ حَتَّى يُقَالَ: لَعَلَّهُمْ عَمِلُوا بِنَاسِخٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا عَمِلُوا بِهِ مُدَّةَ عُمْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَوْضَحُ. . سَادِسُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآخَرُ لَمْ يَتَوَارَثُوهُ، فَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ التَّرْجِيعِ فِي الْأَذَانِ. قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ. . .

стр. 3245

سَابِعُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عَمَلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ إذَا انْضَافَ إلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْأُخْرَى عَمَلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلَا الْكَثِيرُ الظَّاهِرُ، فَقِيلَ: مُوَافَقَةُ الْعَمَلِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُوجِبُ التَّقْدِيمَ وَيَرْجَحُ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهُ لَا يَكُونُ تَرْجِيحًا. . ثَامِنُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا مُرْسَلٌ عَنْ ثِقَةٍ فَتُقَدَّمُ بِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي تُوَافِقُهُ. . تَاسِعُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَالْآخَرُ مُخَالِفًا لَهُ، كَحَدِيثِ «الضَّحِكُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ» مَعَ حَدِيثِ «يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ» قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَعْقُولَ الْمَعْنَى أَغْلَبُ شَرْعًا، فَالْإِلْحَاقُ بِالْغَالِبِ أَوْلَى مِنْ الْإِلْحَاقِ بِالنَّادِرِ، وَسَبَقَ مَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ. .

стр. 3246

عَاشِرُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا تَأْوِيلٌ وَقِيَاسُ أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ أَوْضَحُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ. قَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا هَلْ يَكُونُ تَرْجِيحًا بِالْقِيَاسِ؟ قَالَ الْقَاضِي: جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ تَرْجِيحَ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ، وَالظَّاهِرَ بِالْقِيَاسِ، وَأَنَا أُجَوِّزُ تَرْجِيحَ الظَّاهِرِ دُونَ النَّصِّ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا تَقْدِيمُ حَدِيثٍ غَيْرِ مُؤَوَّلٍ عَلَى حَدِيثٍ مُؤَوَّلٍ، وَلَكِنْ مِنْ التَّأْوِيلِ بِالْقِيَاسِ. [الْكَلَامُ عَلَى تَرَاجِيحِ الْأَقْيِسَةِ] ِ وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً فَيَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَفَاوُتِ الْمَعْلُومِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ ظَنِّيَّةً فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَقْيِسَةِ الْمَظْنُونَةِ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ، وَإِنَّمَا الظُّنُونُ عَلَى حَسَبِ الِاتِّفَاقِ قَالَ: وَبَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَجَالِ الظُّنُونِ مَطْلُوبٌ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبٌ فَلَا طَرِيقَ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا الْمَظْنُونُ عَلَى حَسَبِ الْوِفَاقِ ثُمَّ عَظَّمَ الْإِمَامُ النَّكِيرَ عَلَى الْقَاضِي وَقَالَ: هَذِهِ هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَلْزَمَهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لِلِاجْتِهَادِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يُرِدْ مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْهُ، كَيْفَ وَقَدْ عَقَدَ فُصُولًا فِي التَّقْرِيبِ " فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ الْعِلَلِ عَلَى بَعْضٍ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ يَعْنِي إنْكَارَ التَّرْجِيحِ فِيهَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ نَوْعًا عَلَى نَوْعٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَظُنُّهُ الْمُجْتَهِدُ رَاجِحًا، وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ فِي آحَادِ النَّوْعِ الْقَوِيِّ شَيْءٌ يَتَأَخَّرُ عَنْ النَّوْعِ الضَّعِيفِ، وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ عَنْ تَقْدِيمِ الشَّبَهِ الْجَلِيِّ عَلَى الْمَعْنَى

стр. 3247

الْخَفِيِّ، مَعَ أَنَّ غَالِبَ الْمَعْنَى مُقَدَّمٌ عَلَى غَالِبِ الشَّبَهِ، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ: التَّرْجِيحُ فِي الْأَقْيِسَةِ الظَّنِّيَّةِ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ آحَادِ كُلِّ نَوْعٍ، لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَالِبِ كُلِّ نَوْعٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فَضَعِيفٌ، وَشُبْهَةُ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَا حُكْمَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا مَطْلُوبَ، فَنَقُولُ: إنْ كَانَ كَمَا قُلْت اسْتَحَالَ الظَّنُّ، وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الظُّنُونَ لَا تَقْدِيمَ فِيهَا وَلَا تَأْخِيرَ فَرْعُ وُجُودِهَا نَعَمْ، الْقَاضِي يَقُولُ: لَا حُكْمَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ قَبْلَ الظَّنِّ، وَلَكِنْ فِيهَا مَطْلُوبٌ، وَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي يُبْنَى عَلَى ظَنِّهِ وُجُودُ الْحُكْمِ، كَصِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الظَّاهِرِ أَوْ الْقِيَاسِ مَثَلًا، فَيَطْلُبُ الْمُجْتَهِدُ ظَنَّ وُجُودِ ذَلِكَ، وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ. وَيَكُونُ بِاعْتِبَارَاتٍ الْأَوَّلُ - بِحَسَبِ الْعِلَّةِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: تَعَارُضُ الْعِلَّتَيْنِ ضَرْبَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَتَعَارَضَا فِي حَقِّ مُجْتَهِدَيْنِ، فَلَا يُوجِبُ التَّعَارُضُ فَسَادَهُمَا، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَ (الثَّانِي) تَعَارُضُهُمَا فِي حَقِّ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فَيُوجِبُ التَّعَارُضُ فَسَادَهُمَا، إلَّا أَنْ يُوجَدَ تَرْجِيحٌ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ إنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بَيْنَ دَلِيلَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلْعِلْمِ، وَلَا بَيْنَ دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَآخَرَ يُوجِبُ الظَّنَّ، وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَا الْمُفِيدَانِ لِلظَّنِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحٍ، انْتَهَى. فَنَقُولُ: لَهُ اعْتِبَارَاتٌ: أَوَّلُهَا - يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الْمُعَلَّلُ بِالْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْحِكْمَةِ.

стр. 3248

عَلَى الْقِيَاسِ الْمُعَلَّلِ بِنَفْسِ الْحِكْمَةِ، لِلْإِجْمَاعِ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ عَلَى صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ، فَيَرْجِعُ التَّعْلِيلُ بِالسَّفَرِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِنَفْسِ الْمَشَقَّةِ ثَانِيهَا - تَرْجِيحُ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ: لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا إذَا عُلِمَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْحِكْمَةِ، فَالدَّاعِي إلَى شَرْعِ الْحُكْمِ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ الْحِكْمَةُ، وَإِذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ الْحِكْمَةَ لَا ذَلِكَ الْعَدَمَ كَانَ التَّعْلِيلُ بِهَا أَوْلَى، وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ رَاجِحًا عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ الْحَقِيقِيِّ، لَكِنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحَقِيقِيِّ رَاجِحٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُنْضَبِطًا وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ. ثَالِثُهَا - يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ حُكْمُهُ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ: عَلَى الْمُعَلَّلِ حُكْمُهُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعَدَمِيِّ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُنَاسِبِ أَوْلَى مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْأَمَارَةِ هَذَا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمِنْهَاجِ " وَالتَّحْصِيلِ " وَالْفَائِقِ " وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ احْتِمَالَيْنِ بِلَا تَرْجِيحِ أَحَدُهُمَا، هَذَا، وَالثَّانِي عَكْسُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَشْبَهُ بِالْوُجُودِ رَابِعُهَا - يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْمُعَلَّلِ بِغَيْرِهِ خَامِسُهَا - يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْمُعَلَّلِ بِالْقَاصِرَةِ فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ وَابْنِ بَرْهَانٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، فَإِنَّهُ أَغْزَرُ فَائِدَةً. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَاصِرَةُ مُتَقَدِّمَةٌ، لِأَنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِالنَّصِّ، وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَصْفَى " فَقِيلَ لَهُ: الْحُكْمُ هُوَ الْمُعْتَضِدُ دُونَ الْعِلَّةِ وَقِيلَ: هُمَا

стр. 3249

سَوَاءٌ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي وَاخْتَارَ فِي الْمَنْخُولِ " أَنَّهُمَا إنْ تَوَارَدَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْجِيحَ، وَإِنْ تَنَافَيَا فَلَا يَلْتَقِيَانِ، نَعَمْ يَكْفِي طَرْدُ الْمُتَعَدِّيَةِ عَكْسَ الْقَاصِرَةِ، وَلَا يُقَاوِمُ الطَّرْدُ الْعَكْسَ أَصْلًا، وَإِنْ فُرِضَ ازْدِحَامٌ عَلَى حُكْمِ تَقْدِيرِ الِاتِّفَاقِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى، لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ - كَمَا اخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ - فَلَا تَعَارُضَ ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ سُؤَالًا مَضْمُونُهُ وُقُوعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَّحَ الْقَاصِرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَمَةَ تُخَيَّرُ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ وَاخْتُلِفَ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ وَنَشَأَ اخْتِلَافُهُمَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي عِلَّةِ الْأَصْلِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا خُيِّرَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ لِفَضْلِهَا حِينَئِذٍ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ، فَلَا تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ، فَالْعِلَّةُ حِينَئِذٍ قَاصِرَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا خُيِّرَتْ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا فَتُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُطَّرِدَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِإِبْطَالِ الْعِلَّتَيْنِ جَمِيعًا، أَمَّا عِلَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ الْقَاضِي: لَا مَعْنًى لِتَعْلِيلِ الْخِيَارِ بِتَمَلُّكِهَا نَفْسَهَا، لِأَنَّهَا إنْ مَلَكَتْ مَوْرِدَ النِّكَاحِ انْفَسَخَ فَلَا اخْتِيَارَ، وَإِنْ مَلَكَتْ غَيْرَهُ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ فَلَا تَخْتَارُ فِي غَيْرِ مَا مَلَكَتْ تَنْبِيهٌ قَدْ يُنَازَعُ فِي دُخُولِ التَّرْجِيحِ مِنْ هَذَيْنِ فِي الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقَاصِرَةَ لَا وُجُودَ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ، وَلَا يَخْفَى امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ بِنَاءً عَلَى عِلَّةٍ يَخْتَصُّ

стр. 3250

بِهَا مَحَلُّهَا، فَكَيْفَ صُورَةُ التَّرْجِيحِ؟ . وَالْجَوَابُ أَنَّ نَتِيجَةَ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا إمْكَانُ الْقِيَاسِ وَعَدَمُ إمْكَانِهِ مِثَالُهُ: الثَّمَنِيَّةُ وَالْوَزْنُ فِي النَّقْدَيْنِ لِمَنْ رَجَّحَ الْوَزْنَ مُرَتِّبٌ عَلَى تَرْجِيحِهِ إمْكَانَ الْقِيَاسِ، فَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْجِيحِ الثَّمَنِيَّةِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ. سَادِسُهَا - إذَا فَرَّعْنَا عَلَى تَقْدِيمِ التَّعَدِّيَةِ، فَتَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ مُتَعَدِّيَتَانِ، وَفُرُوعُ إحْدَاهُمَا أَكْثَرُ مِنْ فُرُوعِ الْأُخْرَى، يُقَدَّمُ مَا مَجَالُ تَعَدِّيهِ أَكْثَرُ لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَزَيَّفَهُ فِي الْمَنْخُولِ " وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِيهِ نَظَرٌ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَرْجِيحَ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ كَثْرَةَ الْفُرُوعِ تَقْتَضِي التَّرْجِيحَ، فَلَوْ كَثُرَتْ فُرُوعُ عِلَّةٍ وَقَلَّتْ فُرُوعُ أُخْرَى، وَلَكِنَّ الْقَلِيلَةَ الْفُرُوعُ اعْتَضَدَتْ بِنَظَائِرَ تُضَاهِي فِي عِدَّتِهَا فُرُوعَ الْعِلَّةِ الْكَثِيرَةِ كَانَتْ كَثِيرَةَ النَّظَائِرِ فِي مُقَابَلَةِ كَثِيرَةِ الْفُرُوعِ ثُمَّ مَثَّلَهَا بِعِلَّتَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي الْجِمَاعِ، فَالْعِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي قُبُلِهَا، وَفُرُوعُهُ قَلِيلَةٌ، وَهِيَ الْإِتْيَانُ فِي الدُّبُرِ، وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ، لَكِنَّ نَظَائِرَهُ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى الْوَطْءِ، كَالْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ وَالْحَدِّ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْعِلَّةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إفْسَادُ الصَّوْمِ، وَفُرُوعُهَا كَثِيرَةٌ، وَهِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَكُلُّ سَبَبٍ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَأَسْبَابُ فَسَادِ الصَّوْمِ وَاسِعَةٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ بِمَا يَبْطُلُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ فَقَالَ: النَّظَائِرُ الْمَذْكُورَةُ لَا اعْتِبَارَ بِهَا أَلْبَتَّةَ، وَلَيْسَتْ كَالنَّظَائِرِ الَّتِي اعْتَدَّ بِهَا فِي الْأَشْبَاهِ، كَضَرْبِ الْعَقْلِ الْقَلِيلِ اعْتِبَارًا بِضَرْبِ حِصَصِ الشُّرَكَاءِ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْر الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْمَرْتَبَةُ عَلَى الْوَطْءِ نَائِبَةٌ عَنْ إيجَابِ

стр. 3251

الْكَفَّارَةِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْمُنَظَّرِ إلَّا اسْمُ الْحُكْمِ وَلَقَبُهُ خَاصَّةً، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ صَحِيحٌ، فَإِنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا الِاشْتِرَاكَ فِي عُمُومِ الْحُكْمِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُلَائِمًا، وَلَاسْتَحَالَ الْغَرِيبُ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ فُرُوعًا، وَالْأُخْرَى مُطَبَّقَةً عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِلَا تَأْوِيلٍ، وَالْكَثِيرَةُ الْفُرُوعِ تَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ فِي بَعْضِ مَجَارِيهَا، فَهَذَا نَقْصٌ مِنْ جَرَيَانِهَا، وَيُقْدَحُ فِي التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا، كَاعْتِبَارِنَا فِي الْقَرَابَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفَقَةِ، وَالْعِتْقِ بِالتَّعْصِيبِ، وَهَذَا يَجْرِي فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ عَلَى انْطِبَاقٍ وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الرَّحِمَ وَالْمَحْرَمِيَّةَ وَفُرُوعَ عِلَّتِهِ وَإِنْ كَانَتْ مُرَكَّبَةً أَكْثَرَ، فَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ، غَيْرَ أَنَّ الرَّحِمَ وَالْمَحْرَمِيَّةَ لَا يَجْرِيَانِ إلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ مِنْ الذَّكَرَيْنِ وَالْأُنْثَى، وَهُوَ مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ. سَابِعُهَا - تَرَجُّحُ الْعِلَلِ الْبَسِيطَةِ عَلَى الْعِلَلِ الْمُرَكَّبَةِ: كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ الرِّبَا بِالطُّعْمِ فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ ضَمِّهِ فِي الْقَدِيمِ النَّقْدِيَّةَ إلَى الطُّعْمِ، عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْحَدِّ بَسِيطَةٌ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ عِنْدَنَا. هَذَا مَا عَلَيْهِ الْجَدَلِيُّونَ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ بَرْهَانٍ، إذْ يُحْتَمَلُ فِي الْمُرَكَّبَةِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْأَجْزَاءُ، لَا هِيَ جُمْلَتُهَا وَلِأَنَّ الْبَسِيطَةَ تَكْثُرُ فُرُوعُهَا وَفَوَائِدُهَا، وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِيهَا يَقِلُّ فَيَقِلُّ خَطَرُهُ، وَلِأَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ فِي جَوَازِ التَّرْكِيبِ فِي الْعِلَلِ، فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا الْمَسْلَكُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَقِيلَ: بَلْ تُرَجَّحُ الْمُرَكَّبَةُ وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ. قَالَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": وَلَعَلَّهُ الصَّحِيحُ

стр. 3252

ثَامِنُهَا - تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ: كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ " إجْمَاعَ النُّظَّارِ وَالْأُصُولِيِّينَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا رَجَّحْت بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الزَّائِدَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ، وَصَحَّ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِهِ، وَلِأَنَّ الْكَثِيرَةَ الْأَوْصَافِ يَقِلُّ فِيهَا إلْحَاقُ الْفُرُوعِ فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ، قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ، إذْ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ دَاخِلَةٍ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أَوْصَافُ إحْدَاهُمَا غَيْرَ أَوْصَافِ الْأُخْرَى، مِثْلَ أَنْ تَجْعَلَ إحْدَاهُمَا الْعِلَّةَ الطَّعْمَ وَالْأُخْرَى الْكَيْلَ وَالْجِنْسَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَكْثَرُ فُرُوعًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: هُمَا سَوَاءٌ. تَاسِعُهَا - الْقِيَاسُ الَّذِي يَكُونُ الْوَصْفُ فِيهِ وُجُودِيًّا: عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا عَدَمِيًّا، أَوْ كَانَا عَدْمَيْنِ، وَيُرَجَّحُ تَعْلِيلُ الْعَدَمِيِّ بِالْعَدَمِيِّ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِيِّ لِلْعَدَمِيِّ هَكَذَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ " وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مَحْسُوسَةً وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةً فَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْمَحْسُوسَةُ لِقُوَّتِهَا، وَقِيلَ: الْحُكْمِيَّةُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، فَيُقَدَّمُ الْحُكْمِيُّ عَلَى الْحِسِّيِّ وَمِثَالُهُ: تَرْجِيحُ عِلَّتِنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ أَنَّهُ مَبْدَأُ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ عَلَى عِلَّتِهِمْ أَنَّ الْمَنِيَّ لَيْسَ فِي عَيْنِهِ وَلَا فِي حُكْمِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ.

стр. 3253

عَاشِرُهَا - أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ أَقَلَّ مُقَدَّمَاتٍ: وَالْأُخْرَى مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَكْثَرِهَا، فَالْمَوْقُوفَةُ عَلَى الْأَقَلِّ أَرْجَحُ، لِأَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى مُقَدَّمَاتٍ أَقَلُّ صِدْقِهِ أَغْلَبُ فِي الظَّنِّ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى أَكْثَرَ، وَالْعَمَلُ بِأَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ، وَقِيلَ: الْكَثِيرَةُ أَوْلَى، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ. حَادِيَ عَشَرَهَا - أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مُطَّرِدَةٌ مُنْعَكِسَةٌ: وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُنْعَكِسَةٍ، فَالْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُرِطَ الِانْعِكَاسُ فِي الْعِلَلِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مُجْمَعًا عَلَى صِحَّتِهَا، وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ كَذَلِكَ هَكَذَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الِانْعِكَاسَ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ، قَالَ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ عَلَى قَوْلِنَا أَنَّ الِانْعِكَاسَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ مَعْنًى، فَأَمَّا إذَا جَعَلْنَاهُ شَرْطًا فَلَا تَعَارُضَ فَلَا تَرْجِيحَ، لِأَنَّ الَّتِي لَمْ تَنْعَكِسْ حِينَئِذٍ بَاطِلَةٌ، لِفِقْدَانِ شَرْطِهَا، فَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْأَدِلَّةَ لَا يُرَجِّحُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ الْإِخَالَةَ وَالْعَكْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَكَيْفَ نُرَجِّحُ مُسْتَقِلًّا بِمُسْتَقِلٍّ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهَا لَا بِذَاتِهَا ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْعَكْسَ لَا يُرَجَّحُ بِهِ، لِأَنَّ النَّفْيَ مَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِلَّةِ، بَلْ مِنْ الْأَصْلِ، فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا وَلَا مُرَجِّحًا. ثَانِيَ عَشَرَهَا - أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةٌ: قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: فَالْحُكْمِيَّةُ أَوْلَى وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: الذَّاتِيَّةُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا أَلْزَمُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُكْمِ أَشْبَهُ، فَيَكُونُ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَوْلَى. ثَالِثَ عَشَرَهَا: أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مُوجِبَةَ الْحُكْمِ: وَالْأُخْرَى لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ حُكْمٍ وَحُكْمٍ، فَاَلَّتِي أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ أَوْلَى مِنْ الْعِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ التَّسْوِيَةَ، لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِلَلِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّسْوِيَةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ قَالَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَهْلٌ الصُّعْلُوكِيُّ فِي بَعْضِ الْمُنَاظَرَاتِ أَنَّ عِلَّةَ التَّسْوِيَةِ أَوْلَى، لِكَثْرَةِ الشَّبَهِ فِيهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ

стр. 3254

الِاعْتِبَارُ الثَّانِي - بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فَنَقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ إمَّا قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ أَمَّا الْأَوَّلُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَظْنُونَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهَا بَدِيهِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ مَا عُلِمَ وُجُودُهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ هَلْ يُرَجَّحُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ؟ كَمَا إذَا عُلِمَ وُجُودُ كُلِّهِ بِالْبَدِيهَةِ وَالْحِسِّ، هَلْ يُرَجَّحُ عَلَى مَا عُلِمَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَعْلُومَةً بِالْبَدَاهَةِ وَالْأُخْرَى بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَهُوَ قِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي النَّصَّيْنِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّرْجِيحُ لِعَدَمِ قَبُولِهِمَا احْتِمَالَ النَّقِيضِ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": وَكَلَامُ أَبِي الْحُسَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ قُلْت: وَعَلَى هَذَا فَالْبَدِيهِيَّاتُ وَالْحِسِّيَّاتُ رَاجِحَةٌ عَلَى النَّظَرِيَّاتِ وَأَمَّا أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ تُرَجَّحُ عَلَى الْحِسِّيَّاتِ أَوْ الْعَكْسَ فَمَحَلُّ نَظَرٍ وَلَا شَكَّ فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الضَّرُورِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ أَجْلَى وَأَظْهَرَ عِنْدَ الْعَقْلِ فَهُوَ رَاجِحٌ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ قِيلَ: كُلَّمَا كَانَتْ الْمُقَدَّمَاتُ الْمُنْتِجَةُ لَهُ أَقَلَّ فَهُوَ أَوْلَى قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عَلَى إطْلَاقِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ الْمُقَدَّمَاتُ الْمُنْتِجَةُ لَهُ أَقَلَّ وَهُوَ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَكُونُ مُقَدَّمَاتُهُ أَكْثَرَ، بِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمُقَدَّمَاتِ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا، وَالْمُقَدَّمَاتُ الْقَلِيلَةُ تَكُونُ مَظْنُونَةً ظَنًّا ضَعِيفًا، بَلْ الْأَقَلُّ إنَّمَا يُرَجَّحُ إذَا سَاوَى الْأَكْثَرَ فِي كَيْفِيَّةِ الظَّنِّ، فَحَصَلَ إنْ كَانَ مَا يُفِيدُ ظَنًّا أَرْجَحَ مِنْ الَّذِي يُفِيدُهُ الْآخَرُ فَهُوَ أَوْلَى، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِقِلَّةِ الْمُقَدَّمَاتِ وَكَثْرَتِهَا وَضَعْفِهَا وَقُوَّتِهَا.

стр. 3255

إذَا عَلِمْت هَذَا فَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا: أَمَّا النَّصُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَمَا فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَيَسْتَحِيلُ تَعَارُضُهُمَا إنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا، وَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ فَهُمَا فِي مَحَلِّ التَّرْجِيحِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِذَا عَارَضَ الْخَصْمُ قِيَاسَ الْمُسْتَدِلِّ بِقِيَاسٍ آخَرَ وَكَانَ وُجُودُ الْأَمْرِ الَّذِي جَعَلَ عِلَّةً الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ فِي أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ مَعْلُومًا، وَفِي الْآخَرِ مَظْنُونًا، كَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ - بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ وَذَلِكَ بِأُمُورٍ: أَوَّلُهَا - يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي تُثْبِتُ عِلِّيَّتُهُ الْوَصْفَ بِحُكْمِ أَصْلِهِ: بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، عَلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ بِالْقَاطِعِ، لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ فِيهِ عَدَمُ الْعِلِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ": ذَكَرُوا فِي التَّرْجِيحِ أَنْ تَثْبُتَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الظَّنَّ يُمْحَى فِي مُقَابَلَةِ الْقَاطِعِ وَلَا يَبْقَى مَعَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى تَرْجِيحٍ، إذْ لَوْ بَقِيَ مَعَهُ لَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الشَّكُّ وَيَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِمَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ، وَلَا مَظْنُونٍ عَلَى مَظْنُونٍ. ثَانِيهَا - يُرَجَّحُ مَا يُثْبِتْ عَلِيَّ ةَ الْوَصْفِ بِالظَّاهِرِ: عَلَى مَا لَمْ يُثْبِتْ بِالظَّاهِرِ مِنْ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ سِوَى النَّصِّ الْقَاطِعِ، وَالْأَلْفَاظُ الظَّاهِرَةُ فِي إفَادَةِ الْعِلِّيَّةِ ثَلَاثَةٌ: اللَّامُ، وَإِنْ، وَالْبَاءُ وَأَقْوَاهَا اللَّامُ، وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِي تَقْدِيمِ (الْبَاءِ) عَلَى (إنْ) وَاخْتَارَ الْهِنْدِيُّ تَقْدِيمَهَا. ثَالِثُهَا - يُرَجَّحُ مَا يُثْبِتُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ فِيهِ بِالْمُنَاسَبَةِ:

стр. 3256

عَلَى مَا عَدَاهَا مِنْ الدَّوَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ، لِقُوَّةِ دَلَالَةِ الْمُنَاسَبَةِ وَاسْتِقْلَالِهَا فِي إفَادَةِ الْعِلِّيَّةِ وَقِيلَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّوَرَانُ أَوْلَى وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ الْمُنْعَكِسَةَ أَقْوَى مِمَّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، لِشَبَهِهَا بِالْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الظَّنَّ بِغَلَبَةِ الْمُنَاسَبَةِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّوَرَانِ، وَيُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلِّيَّتُهُ بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالسَّبْرِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ وَلَيْسَ هَذَا الْخِلَافُ فِي السَّبْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يَدْخُلُهُ تَرْجِيحٌ، لِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ عَلَى الْمَظْنُونِ، بَلْ فِي السَّبْرِ الْمَظْنُونِ الَّذِي كُلُّ مُقَدَّمَاتِهِ ظَنِّيَّةٌ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا قَطْعِيًّا اخْتَلَفَ حَالُهُ بِحَسَبِهَا وَإِذَا ثَبَتَ رُجْحَانُ الْمُنَاسَبَةِ عَلَى الدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ كَانَ رُجْحَانُهُ عَلَى الْبَاقِي أَظْهَرَ ثُمَّ الْمُنَاسَبَةُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا، فَيُرَجَّحُ مِنْهَا مَا هُوَ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا هُوَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَهُوَ الْمَصْلَحِيُّ، أَوْ التَّتِمَّةُ، وَهُوَ التَّحْسِينِيُّ وَالضَّرُورِيَّةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُرَجَّحُ فِي هَذَا مَا هُوَ أَقْرَبُ اعْتِبَارًا فِي الشَّرْعِ، فَيُرَجَّحُ مَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ نَوْعِ وَصْفِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَأَمَّا الْمُرَجَّحُ فِيهِمَا فَقَالَ الْإِمَامُ: هُمَا كَالْمُتَعَارَضِينَ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ عَلَى عَكْسِهِ. تَنْبِيهٌ لَوْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ بِالْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّ مَصْلَحَةَ أَحَدِهِمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالدِّينِ، وَالْأُخْرَى بِالدُّنْيَا، فَالْأُولَى مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ الدِّينِيَّةِ هِيَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ الَّتِي لَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآمِدِيُّ ذَلِكَ قَوْلًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ سُؤَالًا.

стр. 3257

رَابِعُهَا - يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي ثَبَتَ عِلِّيَّةُ وَصْفِهِ بِالدَّوَرَانِ: عَلَى الثَّابِتِ بِالسَّبْرِ وَمَا بَعْدَهُ، لِاجْتِمَاعِ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الدَّوَرَانِ دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ شَبِيهٌ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ ثُمَّ الثَّابِتُ بِالدَّوَرَانِ الْحَاصِلُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى الْحَاصِلِ فِي مَحَلَّيْنِ لِقِلَّةِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي الْأَوَّلِ خَامِسُهَا - يُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ بِالسَّبْرِ عَلَى الثَّابِتِ بِالشَّبَهِ وَمَا بَعْدَهُ: لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِإِفَادَتِهِ لِظَنِّ الْغَلَبَةِ وَبَقِيَ الْمُعَارِضُ، بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ، فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمُعَارِضِ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الدَّوَرَانِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ الدَّوَرَانِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ، وَالْمُنَازَعَةِ فِي غَيْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. سَادِسُهَا - يَتَرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ عَلَى الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالطَّرْدِ، لِضَعْفِ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَذَا عَلَى الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ وَاَلَّذِي فِي الْمَحْصُولِ " اتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ رَاجِحٌ عَلَى مَا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ بِالْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَالدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا: لَا تُشْتَرَطُ الْمُنَاسَبَةُ فِي الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ فَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَيْهَا، كَالْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ بِدُونِهَا فَكَانَتْ وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ ": وَقَدْ يُعْكَسُ، كَمَا فَعَلُوا فِي قَوْلِهِ

стр. 3258

- ﵇: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ إيمَاءٌ إلَى خُصُوصِ الْغَضَبِ، لَكِنْ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ وَهُوَ الدَّهَشُ وَالْحِيرَةُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ: وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ بِالْإِيمَاءِ الْمُجَرَّدِ وَلَا اسْتِنْبَاطَ، فَإِنَّهُ أَدَّى بِالْغَضَبِ إلَى الدَّهَشِ الَّذِي اشْتَمَلَ الْغَضَبُ عَلَيْهِ، وَالْغَضَبُ طَرْدٌ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ نَعَمْ، إنْ قَوِيَ اجْتِهَادٌ بِهِ فَلْيُوكَلْ إلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ مَعَ قَوْلِهِ بِبُطْلَانِ قِيَاسِ الْأَشْبَاهِ قَالَ هُنَا: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ التَّمَسُّكُ بِهِ ابْتِدَاءً. الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ - بِحَسَبِ دَلِيلِ الْحُكْمِ فَيُرَجَّحُ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مَا دَلِيلُ حُكْمِ أَصْلِهِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ الْآخَرِ (فَمِنْهَا) أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الثَّابِتُ حُكْمُ أَصْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ، عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي أَصْلِهِ بِالدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَالنَّسْخَ وَالتَّأْوِيلَ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَقْبَلُهَا هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ عَلَى الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ النَّصِّ، لِكَوْنِ الْمُثْبِتِ لَهُ النَّصَّ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ " وَالْمِنْهَاجِ " وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ (وَمِنْهَا) قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إذَا كَانَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُخَرَّجًا مِنْ أَصْلٍ

стр. 3259

مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَالْآخَرُ مُخَرَّجًا مِنْ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ قُدِّمَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، كَقَوْلِنَا فِي جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: لَا يَطْهُرُ قِيَاسًا عَلَى جِلْدِ الْكَلْبِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ (وَمِنْهَا) قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": إذَا عَارَضَ قِيَاسٌ عَامٌّ تَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ قِيَاسًا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ فِيمَا قَالَهُ الْقَاضِي مِثَالُهُ: تَوْجِيهُ قَوْلِنَا: لَا تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْجَانِيَ أَوْلَى بِجِنَايَتِهِ وَيُعَضِّدُ هَذَا سَائِرُ الْغَرَامَاتِ، يُعَارِضُهُ قِيَاسٌ أَخَصُّ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَبْدِ الذِّمَّةُ، بِدَلِيلِ الْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ، وَضَرْبُ الْعَقْلِ سَبَبُهُ مَسِيسُ حَاجَةِ الْعَرَبِ إلَى مُعَاطَاةِ الْأَسْلِحَةِ، وَإِيقَافِ هَفَوَاتٍ، وَنَقْلِ الْأُرُوشِ عَنْ الْجُنَاةِ، فَإِنَّ هَذَا مِثَالٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ ضَرْبَ الْعَقْلِ مُسْتَثْنًى عَنْ الْقِيَاسِ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَعْوِيلٌ عَلَيْهَا. الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ - بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجِيحِ الْأَخْبَارِ فَلْيَأْتِ مِثْلُهُ هَاهُنَا، فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ نَاقِلَةً عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ وَالْأُخْرَى مُقَرَّرَةً عَلَى الْأَصْلِ، فَالنَّاقِلَةُ أَوْلَى عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا، لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَثْبَتَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالْمُقَرَّرَةُ مَا أَثْبَتَتْ شَيْئًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُبْقِيَةُ أَوْلَى، لِاعْتِضَادِهَا بِحُكْمِ الْعَقْلِ الْمُسْتَقِلِّ بِالنَّفْيِ لَوْلَا هَذِهِ الْعِلَّةُ وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى تَرْجِيحِ النَّاقِلَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَبِهِ جَزَمَ إلْكِيَا، لِأَنَّ النَّاقِلَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ، وَالْأُخْرَى تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: النَّاقِلَةُ وَالْمُوَافِقَةُ لِلْعَادَةِ سِيَّانِ، لِأَنَّ النَّسْخَ بِالْعِلَلِ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ النَّسْخَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ جَائِزٌ وَالْغَالِبُ فِي النَّسْخِ نَسْخُ

стр. 3260

مَا يُوَافِقُ الْعَادَةَ لِمَا يُنْقِلُ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الْأَخْبَارِ: إنَّ النَّاقِلَ أَوْلَى قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الطَّبَرِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعِلَلِ وَالْأَخْبَارِ، فَيَقُولُ فِي الْخَبَرِ: النَّاقِلُ أَوْلَى، وَفِي الْعِلَلِ: إنَّ الْمُبْقِيَةَ فِيهَا عَلَى الْعَادَةِ أَوْلَى مِنْ النَّاقِلَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُثْبِتَةً وَالْأُخْرَى نَافِيَةً فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: تُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ، قَالَ: وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيمِ النَّاقِلَةِ عَلَى الْمُبْقِيَةِ لِلْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ قَالَ: وَرُبَّمَا خَلَطَ فِي هَذَيْنِ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ، وَهُمَا يَجْرِيَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: قَدَّمَ قَوْمٌ الْمُثْبِتَةَ عَلَى النَّافِيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا شَرْعًا كَالْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا أَصْلِيًّا رَجَعَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي النَّاقِلَةِ وَالْمُقَرَّرَةِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي الْعِلَّةِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ، لِاسْتِوَاءِ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي فِي الِافْتِقَارِ إلَى الدَّلِيلِ قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ وَكَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ بِهِ لَاحَظَ إلْحَاقَهَا بِالْخَبَرِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ مَدَارَ التَّرْجِيحِ فِي الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ أَشْبَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَمَدَارُ التَّرْجِيحِ فِي الْعِلَلِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ وَتَوَفُّرِ الشَّوَاهِدِ وَهَذَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَالْحَقُّ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ - إنْ قُلْنَا: إنَّ النَّفْيَ فِيهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يُلْتَمَسَ التَّرْجِيحُ مِنْ خَارِجٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ مُقْتَضًى، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُقْتَضَى كَمَا لَا يَقْتَضِي وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّتِي تَقْتَضِي الْحَظْرَ أَوْلَى مِنْ الَّتِي تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَقْتَضِي حَدًّا وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ، أَوْ تُوجِبُ الْعِتْقَ وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ، فَقِيلَ: الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ وَالْمُسْقِطَةُ لِلْحَدِّ أَوْلَى، لِأَنَّ الْعِتْقَ
следующие страницы →