← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ. وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَسْرِهَا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ حُكْمٌ مَطْلُوبٌ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَيَكُونُ مُصِيبًا. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ أَمْ لَا. عَلَى قَوْلَيْنِ. وَمَعْنَى الْأَشْبَهِ أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَنْزَلَ حُكْمًا فِي الْحَادِثَةِ لَكَانَ هُوَ فَيَجِبُ طَلَبُ ذَلِكَ الْأَشْبَهِ. وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ عَنْهُمْ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّ اللَّهَ نَصَّبَ عَلَى الْحُكْمَيْنِ مَعًا دَلِيلًا، إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ إذَا تَكَافَأَتْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَغَمُضَتْ تَحَيَّرَ. وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ [إلَى] أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مُخْطِئًا لِلْمَطْلُوبِ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ، كَالْقَوْلِ الثَّانِي لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ فُورَكٍ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَأَنَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ. فَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ، لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَوَّلِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فِيهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حُكْمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِيهَا، وَاخْتَارَ هَذَا وَنَصَرَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلْمُعْتَزِلَةِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ: - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ، وَاَلَّذِي يُؤَدِّي إلَى غَيْرِهِ شُبْهَةٌ وَلَيْسَ بِالدَّلِيلِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْمُجْتَهِدِينَ إصَابَةَ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ الَّذِي نَصَّبَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مَعْذُورًا عَلَى خَطَئِهِ مُثَابًا عَلَى قَصْدِهِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ

стр. 3327

الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ. قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِيهَا مَسَائِلُ نَقَضُوا فِيهَا الْحُكْمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَسَائِرِ مَا حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَأَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى وَاطِئِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فِي ذَلِكَ. وَأَوْجَبُوا إعَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ أَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ أَوْ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِعَادَةَ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ نِيَّتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَوْ نَوَى فِي فَرْضِهِ التَّطَوُّعَ، وَكَذَلِكَ نَقَضُوا الْحُكْمَ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِخِلَافِ خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، وَخَبَرِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَالْعَرَايَا، وَالْفَلَسِ. وَكَانَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ يَنْقُضَانِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شَهَادَةَ، أَوْ شَهَادَةَ فَاسِقَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُزَنِيّ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ فِعْلَ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ صَلَّى إلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ خَطَأَهُ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ عِنْدَهُمَا إصَابَةَ عَيْنِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الصَّلَاةَ بِالِاجْتِهَادِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ " فَسَادِ التَّقْلِيدِ " لِلْمُزَنِيِّ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ إنْكَارُ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْفَتَاوَى، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لِمُخَالِفِهِ: قَدْ أَصَبْت فِيمَا خَالَفْتَنِي فِيهِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ، وَيُرْوَى عَنْ السَّمْتِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَالْإِثْمُ فِيهِ مَرْفُوعٌ، قَالَ: وَجَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي طَسْتٍ ثُمَّ غَرِمَهُ لِلْمُقْضَى عَلَيْهِ. قَالَ الْمُزَنِيّ: فَلَوْ كَانَ يَقْطَعُ بِأَنَّ الَّذِي قَضَى بِهِ هُوَ الْحَقُّ لَمَا تَأَثَّمَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا غَرِمَ لِلظَّالِمِ ثَمَنَ طَسْتٍ فِي حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ ظَالِمٌ بِمَنْعِهِ إيَّاهُ مِنْ صَاحِبِهِ، قَالَ: وَلَكِنَّهُ عِنْدِي

стр. 3328

خَافَ أَنْ يَكُونَ قَضَى عَلَيْهِ بِمَا أَغْفَلَ مِنْهُ وَظَلَمَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، فَتَوَرَّعَ فَاسْتَحَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَغَرِمَهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ غَرِمَهُ لَهُ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا طَلَبُ الثَّوَابِ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ إعْطَاءَهُ لِمُحْتَاجٍ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَصَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي طَبَقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُصِيبٌ، وَالْغُلَاةُ مِنْهُمْ أَثْبَتُوا أَوْ نَفَوْا مَطْلُوبًا مُعَيَّنًا. وَعَزَا الْقَاضِي مَذْهَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ: لَوْلَاهُ لَكُنْت لَا أَعُدُّهُ مِنْ أَحْزَابِ الْأُصُولِيِّينَ. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي عَمَلِهِ قَطْعًا. وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَهُوَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ وَيُخْطِئُ الْمُخَالِفُ فِيهِ، أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الظَّنِّيَّاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ إلْكِيَا: انْقَسَمُوا عَلَى قِسْمَيْنِ: غُلَاةٌ وَمُقْتَصِدَةٌ. فَالْغُلَاةُ افْتَرَقُوا مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهَا أَنْ يَأْخُذَ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُسْتَدْرَكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَأْخُذُ بِمَا يَشَاءُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا الْمَذْهَبُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ، أَمَّا السَّفْسَطَةُ فَلِكَوْنِهِ حَلَالًا حَرَامًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ. و (الثَّانِي) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ.

стр. 3329

وَأَمَّا الْمُقْتَصِدَةُ فَقَالُوا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي عَمَلِهِ قَطْعًا، وَلَا يُقْطَعُ بِإِصَابَةِ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَادَّعُوا أَنَّ فِي الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ حُكْمًا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ شَوْقُ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَطْلُوبُ الْبَاحِثِينَ، وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَ إصَابَتِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَصًّا. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَالْمُجْتَهِدُ مُقَصِّرٌ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَصِرْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ خَطَؤُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، فَقَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً، وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرَةً. وَهَذَا مَذْهَبُ الْغُلَاةِ، وَمِنْهُمْ الْأَصَمُّ وَالْمَرِيسِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِدْلَال. وَقِيلَ: فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ، إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِدِقَّتِهِ وَغُمُوضِ طَرِيقِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ آثِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَفَرٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَحُكِيَ. عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَالْقِيَاسُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَالْفُرُوعُ الَّتِي تَتَجَاذَبُهَا أُصُولٌ كَثِيرَةٌ وَيُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا قِيَاسُ عِلِّيَّةِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٌ فِيهَا مُصِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْمُحَصِّلُونَ. وَقَالَ فِي بَعْضِ مَجْمُوعَاتِهِ فِي جَوَابٍ سُئِلَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُثَابَ عَنْهُ، لِأَنَّ الثَّوَابَ لَا يَكُونُ فِيمَا لَا يَسُوغُ، وَلَا فِي الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ.

стр. 3330

ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ خَطَأً قُصَارَى أَمْرِهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ فِي الثَّوَابِ عَلَى خَطَأٍ لَمْ يَصْنَعْهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ أَلْفَاظُهُ فِي كُتُبِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا حَكَيْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَبَيْنَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ الْأَشْبَهَ، وَاَلَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَنَّهُ كُلِّفَ إصَابَتَهُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا إنْ كَانَ خَطَؤُهُ صَغِيرًا. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاتِّحَادِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْ وُرُودِ التَّعَبُّدِ فِي الْفُرُوعِ بِالْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ وَقِيلَ: السَّمْعُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهِ وَاحِدٌ. وَذَهَبَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي، أَيْ أَنَّ الْمُصَوِّبَةَ انْقَسَمُوا إلَى غُلَاةٍ وَمُقْتَصِدَةٍ. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَهُ إلْكِيَا. وَقَالَ فِي " الْقَوَاطِعِ ": ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ، وَالْبَاقُونَ مُخْطِئُونَ، غَيْرَ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْذَرُ فِيهِ الْمُخْطِئُ وَلَا يُؤَثَّمُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُهُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ قَوْلٌ سِوَاهُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) مَا قُلْنَاهُ، وَ (الْآخَرُ) أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلُوهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَمُخَالِفُهُ خَطَأٌ وَصَاحِبُهُ مَأْثُومٌ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي أُصُولِهِ ": قَالَ فَرِيقٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْحَوَادِثِ الَّتِي يَجُوزُ الْفَتْوَى فِي أَحْكَامِهَا بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ حُقُوقٌ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ بِعَيْنِهِ. ثُمَّ إنَّهُمْ افْتَرَقُوا، فَقَالَ

стр. 3331

قَوْمٌ: الْجَمِيعُ حَقٌّ عَلَى التَّسَاوِي. وَقَالَ قَوْمٌ: الْوَاحِدُ مِنْ الْجَمَاعَةِ أَحَقُّ، وَسَمُّوهُ (تَقْوِيمَ ذَاتِ الِاجْتِهَادِ) وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ: وَالْكَلَامُ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ ثُمَّ افْتَرَقُوا فَقَالَ قَوْمٌ: إذَا لَمْ يُصِبْ الْمُجْتَهِدُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ كَانَ مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، حَتَّى أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَصِحُّ. وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: كَانَ مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ مُصِيبًا فِي حَقِّ عَمَلِهِ حَتَّى لَوْ عَمِلَهُ يَقَعُ بِهِ صَحِيحًا شَرْعًا. كَأَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: وَبَلَغَنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِيُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ: كُلٌّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، فَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي أَخْطَأَ مَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُصِيبٌ فِي حَقِّ عَمَلِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الطُّرُقِ: إذَا تَلَاعَنَ الزَّوْجَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، نَفَذَ قَضَاؤُهُ وَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. فَجَعَلَ قَضَاءَهُ فِي حَقِّهِ صَوَابًا مَعَ قَوْلِهِ إنَّهُ مُخْطِئُ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: وَهَذَا قَوْلُ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالنَّقْصِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ مُخْطِئًا فِي حُكْمِهِ، قَالُوا: وَمَا كُلِّفَ الْإِنْسَانُ إصَابَةَ الْأَشْبَهِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا نَصًّا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَحُكِيَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَالنَّاسُ بِطَلَبِهِ مُكَلَّفُونَ إصَابَتَهُ، فَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَصَابُوا حُمِدُوا وَأُجِرُوا. وَإِنْ أَخْطَئُوا عُذِرُوا وَلَمْ يَأْثَمُوا. إلَّا أَنْ يُقَصِّرُوا فِي أَسْبَابِ الطَّلَبِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَهُوَ الْحَقُّ، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ. ثُمَّ يَقُولُ: إنَّهُ مَأْجُورٌ فِي الطَّلَبِ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ وَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ، وَمَعْذُورٌ عَلَى خَطَئِهِ وَعَدَمِ إصَابَتِهِ لِلْحَقِّ. وَقَدْ يُوجَدُ لِلشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ مَعَ خُصُومِهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اجْتَهَدَ فَقَدْ أَصَابَ. وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَصَابَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ بَلَغَ عِنْدَ نَفْسِهِ مَبْلَغَ الصَّوَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ عَيْنَ الْحَقِّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَا قُلْنَاهُ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا

стр. 3332

فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَقَالَ مَا قَالَ عَنْ شَهَوَاتِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ يُصِيبُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ، وَالْبَاقُونَ يُصِيبُونَ الْحَقَّ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ. وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدِي. وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ خِلَافٍ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ أَنَّ كُلًّا مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ " عِنْدِي " وَلِذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ الْمُخَالِفَ لَهُ مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَهَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهُ. قُلْت: وَالْحَاصِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذْهَبِنَا ثَلَاثُهُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهِيَ الْأَشْهَرُ: إثْبَاتُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ الَّتِي حَكَاهَا أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصَحُّهُمَا - وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ - أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ، وَمَنْ ذَهَبَ إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابَيْهِمَا: إنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي " كِتَابِ الْقَضَاءِ " وَفِي " الرِّسَالَةِ ": وَكُلُّ مُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ فَالْحَقُّ فِي وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِمَا. قَالَا: هَذَا هُوَ مَذْهَبُهُ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِأَشْيَاءَ أَطْلَقَهَا وَكَانَ مُرَادُهُ فِيهَا مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِ. انْتَهَى. وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ بِخُرَاسَانَ عَنْهُ وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَنِسْبَةُ هَذَا إلَى الْأَشْعَرِيِّ أَشْهَرُ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَغَيْرُ الْحَقِّ لَا يُؤْمَرُ بِالْعَمَلِ بِهِ. وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَقُولُ: الْحُكْمُ وَالْحَقُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، أَوْ يَقُولُ: الْحَقُّ وَاحِدٌ وَهُوَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ، إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ لِإِصَابَةِ الْأَشْبَهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْغَزَالِيُّ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ

стр. 3333

الْمَقْصُودُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْئًا وَاحَدَا، وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْمَأْمُورِ غَيْرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَبَقَ عَبْدُهُ فَقَالَ لِعَبِيدِهِ: اُطْلُبُوهُ. فَالْمَقْصُودُ مِنْ الْأَمْرِ وُجُودُ الْآبِقِ، وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُهُ فَحَسْبُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوهُ فَمَا ذَمَّهُمْ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَتَوَانَوْا فِيهِ فَكَذَا هُنَا. - وَبِالثَّانِي أَجَابَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَحَكَوْا عَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ، وَزَعَمَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَفِي " كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ " وَفِي " رِسَالَةِ الْمَصْرِيِّينَ " مُحْتَمَلٌ، وَأَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ كَلَامِهِ وَالْأَشْبَهَ بِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ أَمْثَالِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَتَابَعَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ: لَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ النَّقَلَةُ عَنْهُ فِي اسْتِنْبَاطِهِمْ مِنْ كَلَامِهِ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ نُصُوصُهُ فِي " الرِّسَالَةِ " وَغَيْرِهَا طَافِحَةٌ بِهِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي - الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الرَّازِيَّ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ. وَالثَّالِثُ - التَّفْصِيلُ بَيْنَ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَقِيَاسِ الشَّبَهِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ إلْكِيَا فِي النَّقْلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ كَمَا سَبَقَ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهَا عَنْهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " قَالَ: زَلَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَظَنُّوا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، وَإِلَّا فَكَيْفَ كَانَ يَسُوغُ لَهُ مُخَالَفَةُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَلِهَذَا قَالَ: مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مَقِيسٌ عَلَيْهِ إلَّا وَاحِدٌ فَالْحَقُّ فِيهِ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلِيلٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مَا تَجَاذَبَهُ أَصْلَانِ فَأَكْثَرُ فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهِ مُصِيبُ. قُلْت: وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ. .

стр. 3334

[تَفْرِيعُ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّدٌ] التَّفْرِيعُ إذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ: (مِنْهَا) : أَنَّهُ هَلْ يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ وَخَطَأِ الْمُخَالِفِ، أَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ؟ وَجْهَانِ: " أَصَحُّهُمَا "، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، اعْلَمْ إصَابَتَنَا لِلْحَقِّ وَاقْطَعْ بِخَطَأِ مَنْ خَالَفَنَا وَمَنْعِهِ مِنْ الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ، غَيْرَ أَنِّي لَا أُؤَثِّمُهُ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يُقْطَعُ فِيهِ بِالْإِصَابَةِ، وَإِلَى مَا لَا يَدْرِي أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ، بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَصَرُّفُ أَصْحَابِنَا فِي نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ. وَ (مِنْهَا) : أَنَّ الْمُخْطِئَ هَلْ يُقَالُ: إنَّهُ مَعْذُورٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) - وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ -: نَعَمْ وَ (الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ فُورَكٍ: لَا. وَ (مِنْهَا) اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ حُكْمًا مُعَيَّنًا هُوَ مَقْصِدُ الطَّالِبِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ نَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِثْلُ دَفِينٍ يُعْثَرُ [عَلَيْهِ] ، فَمَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ نَصَّبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا الدَّلِيلُ قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ، فَحَكَى الْقَاضِي عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ: أَنَّهُ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيِّ وَجَمِيعِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ، إلْحَاقًا لِلْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الْخِلَافِ بِأَنَّهُ: هَلْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ أَوْ الْعَقْلُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي مُخْطِئِ هَذَا الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ هَلْ هُوَ مَأْثُومٌ مَحْطُوطٌ

стр. 3335

عَنْهُ؟ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِأُخَرَةٍ: إنَّ مُخْطِئَهُ مَأْثُومٌ، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ مَنْقُوضٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصَمِّ وَمَنْ وَافَقَهُ، لِأَنَّهُ خَالَفَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا. وَقِيلَ: بَلْ الْإِثْمُ مَحْطُوطٌ عَنْهُ. وَحَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ. وَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ، وَأَنَّ الْإِثْمَ مَوْضُوعٌ عَنْ مُخْطِئِهِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ كُلِّفَ طَلَبَهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهَلْ كُلِّفَ إصَابَتَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ - أَوْ وَجْهَانِ -: (أَحَدُهُمَا) : نَعَمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَيُحْكَى عَنْ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَنَسَبَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ إلَى الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَصَابَهُ الْمُجْتَهِدُ كَانَ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ الْإِثْمُ مَرْفُوعًا عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرٌ بِقَصْدِهِ الْحَقَّ. وَ (الثَّانِي) : وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْ الْمُجْتَهِدَ إصَابَتَهُ، وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِهِ، فَكُلُّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى مَا كُلِّفَ. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ، هَلْ الْحَقُّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَوْ نَقُولُ: الْحَقُّ وَاحِدٌ وَهُوَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُكَلَّفٌ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، لِإِصَابَةِ الْأَشْبَهِ. قَالَ الرَّافِعِيُّ ﵀: فِيهِ وَجْهَانِ: اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ. وَبِالثَّانِي أَجَابَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، وَحَكَوْهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَالدَّارَكِيِّ. انْتَهَى. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هَلْ يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ حُكْمًا مَطْلُوبًا هُوَ أَشْبَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ فِي غَالِبِ ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، فَلِهَذَا قِيلَ: هُنَاكَ أَشْبَهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: هُوَ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. وَقِيلَ: هُوَ قُوَّةُ الشَّبَهِ لِقُوَّةِ الْأَمَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هُوَ مَا لَوْ وَرَدَ بِهِ نَصٌّ لِطَابَقِهِ. قَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": وَهَذَا حُكْمٌ عَلَى الْغَيْبِ. وَقِيلَ: لَيْسَ هُنَاكَ أَشْبَهُ،

стр. 3336

وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ إلَّا مَا عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ الْأَوْلَى أَنْ يَحْكُمَ بِهِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الْجُمْهُورِ، وَحَكَاهُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ اخْتَلَفُوا: هَلْ نَصَّبَ اللَّهُ تَعَالَى أَدِلَّةً مُخْتَلِفَةً يُؤَدِّي اجْتِهَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى دَلِيلٍ مَنْصُوبٍ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) نَعَمْ، كَالتَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَيُّهَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ، فَكَذَا أَيْ الْأَدِلَّةُ صَارَ إلَيْهِ وَأَخَذَ بِهِ كَانَ حَقًّا. وَ (الثَّانِي) أَنَّهُ لَمْ يُنَصِّبْ عَلَيْهَا دَلَالَةً، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ، لِأَنَّهُ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ. . تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الصَّفِيَّ الْهِنْدِيَّ قَدْ حَرَّرَ الْمَذَاهِبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْرِيرًا جَيِّدًا فَقَالَ: الْوَاقِعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا نَصٌّ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَجْتَهِدَ الْمُجْتَهِدُ أَمْ لَا. وَالثَّانِي عَلَى قِسْمَيْنِ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَصِّرَ فِي طَلَبِهِ أَوْ لَا يُقَصِّرَ. وَإِنْ وَجَدَهُ فَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِوَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ وِفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْعِلْمِ وَلَكِنْ قُدِّرَ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ بَالَغَ فِي الِاسْتِكْشَافِ وَالْبَحْثِ وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَى وَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا إذَا لَمْ يَجِدْهُ مَعَ الطَّلَبِ الشَّدِيدِ، وَسَيَأْتِي. وَإِنْ لَمْ نَجِدْهُ فَإِنْ كَانَ لِتَقْصِيرٍ فِي الطَّلَبِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَآثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ بَالَغَ فِي التَّنْقِيبِ عَنْهُ وَأَفْرَغَ الْوُسْعَ فِي طَلَبِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْهُ. فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الرَّاوِي الَّذِي عِنْدَهُ النَّصُّ، أَوْ عَرَفَهُ وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ آثِمٍ قَطْعًا، وَهَلْ هُوَ مُخْطِئٌ أَمْ مُصِيبٌ؟ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِيمَا

стр. 3337

لَا نَصَّ فِيهِ، وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا. وَأَمَّا الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: لِلَّهِ فِيهَا قَبْلَ اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ، أَوْ لَا، بَلْ حُكْمُهُ تَابِعٌ لِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ. فَهَذَا الثَّانِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ، كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالْمَشْهُورُ عَنْهُمَا خِلَافُهُ. وَهَذَا فِي أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فَهَلْ وُجِدَ فِيهَا مَا لَوْ حَكَمَ اللَّهُ فِيهَا بِحُكْمٍ لَمَا حَكَمَ إلَّا بِهِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ؟ وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمِصْرِيِّينَ وَإِلَيْهِ صَارَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنُ سُرَيْجٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. قَالَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": ذَهَبَ بَعْضُهُمْ فِي الْأَشْبَهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا بَلْ هُوَ أَوْلَى طُرُقِ الشَّبَهِ فِي الْمَقَايِيسِ وَالْعِبَرِ، وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِإِلْحَاقِ الْأُرْزِ بِالْبُرِّ بِوَصْفِ الطُّعْمِ أَوْ الْقُوتِ أَوْ الْكَيْلِ، وَأَحَدُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَشْبَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ فِي التَّمْثِيلِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَقَوْلُ الْمُخْلِصِ مِنْ الْمُصَوِّبَةِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّ لِلَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: عَلَيْهِ دَلَالَةٌ أَوْ أَمَارَةٌ فَقَطْ، أَوْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ وَلَا أَمَارَةٌ. فَأَمَّا (الْقَوْلُ الْأَوَّلُ) : وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْحُكْمِ دَلِيلًا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَهَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِهِ، وَأَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَإِذَا أَخْطَأَهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ، وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُخْطِئِ هَلْ يَأْثَمُ وَيَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ؟ فَذَهَبَ بَشَرٌ إلَى التَّأْثِيمِ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَغُمُوضِهِ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي أَنَّهُ هَلْ يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فِيهِ؟ فَذَهَبَ الْأَصَمُّ إلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ، وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ. وَأَمَّا (الْقَوْلُ الثَّانِي) : وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْحُكْمِ أَمَارَةً فَقَطْ فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ

стр. 3338

الْفُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِإِصَابَتِهِ لِخَفَائِهِ وَغُمُوضِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، فَهُوَ وَإِنْ أَخْطَأَ - عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إصَابَتِهِ - لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَمَّا (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) : وَهُوَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ وَلَا أَمَارَةَ، فَذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ " كَدَفِينٍ ". قَالَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعُثُورَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعُثُورَ عَلَيْهِ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ. . الثَّانِي: قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى إثْبَاتِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ، فَأَمَّا مَنْ نَفَاهُ فَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ لَا غَيْرَ. . الثَّالِثُ: مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُصَوِّبَةُ حَدِيثُ بَعْثَةِ ﵊ السَّرِيَّةِ لِسَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ: (لَا تَنْزِلُوا حَتَّى تَأْتُوهُمْ) فَجَاءَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَوَجَّهَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَمَادَى وَحَمَلَ قَوْلَهُ (لَا تَنْزِلُوا) عَلَى ظَاهِرِهِ، فَلَمَّا عُرِضَتْ الْقِصَّةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يُخَطِّئْ أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يُؤَثِّمْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: لَمَّا اخْتَلَفَ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ فِي أَفْضَلِيَّةِ الْوِتْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا: (أَصَبْتُمَا) . وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: فَكَانَ مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، وَلَمْ يَعِبْ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِيَّةِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ، أَوْ الْعَكْسِ، فَفَضَّلَ كُلٌّ جِهَةً، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْأَفْضَلِ وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَعَ الِاخْتِلَافِ.

стр. 3339

وَيُحْتَجُّ لِلْمُخَطِّئَةِ بِحَدِيثِ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَأَجْرٌ» وَبِحَدِيثِ «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ» لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى، وَبِقَوْلِهِ ﵇ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ: «وَإِنْ طَلَبَ مِنْك أَهْلُ حِصْنٍ النُّزُولَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي. أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» . . الرَّابِعُ: قَدْ سَأَلَ الْمِصِّيصِيُّ الْغَزَالِيَّ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْوَقَائِعَ الشَّرْعِيَّةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ - مَا فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ، كَأَكْلِ الضَّبِّ عَلَى مَائِدَةِ الرَّسُولِ ﵇، فَالْمُصِيبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ، إذْ النَّصُّ وَاحِدٌ، وَقَدْ وَضَعَ الشَّرْعُ إبَاحَةَ الضَّبِّ، وَعَلَى الْمُجْتَهِدِينَ تَعَرُّفُ مَا وَضَعَهُ الشَّرْعُ، فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ أَخْطَأَ النَّصَّ وَلَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، أَيْ أَخْطَأَ النَّصَّ الَّذِي كَانَ مَأْمُورًا بِطَلَبِهِ، وَلَوْ وَجَدَهُ لَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وَيَكُونُ النَّصُّ كَالْقِبْلَةِ فِي حَقِّهِ، وَالْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ، وَلَهُ أَجْرَانِ، وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ. الثَّانِي - مَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَكِنْ يَدُلُّ النَّصُّ عَلَيْهِ، كَسِرَايَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ، إذْ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَكِنْ يَدُلُّ النَّصُّ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَا شَهِدَ لَهُ النَّصُّ شَهَادَةً

стр. 3340

جَلِيَّةً بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ، فَمَنْ أَخْطَأَ مَعْنَى النَّصِّ كَمَنْ أَخْطَأَ عَيْنَ النَّصِّ، لِأَنَّ النَّصَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِمَعْنَاهُ لَا لِلَفْظِهِ. وَمَهْمَا تَعَيَّنَ الْمَطْلُوبُ كَانَ مُصِيبُهُ وَاحِدًا، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: " أَخْطَأَ " إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ مَا قَصَدَ الشَّرْعُ مِنْهُ أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ، وَمَا لَوْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَلَيْهِ. وَهَذَا كَالْأَوَّلِ. الثَّالِثُ - مَا لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الشَّرْعُ لَا بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَلَا يَخُصُّ غَيْرَهُ وَيَسْرِي إلَيْهِ، وَلَكِنْ لِلْخَلْقِ فِيهِ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعِبَادِ فَاطْلُبُوهُ. فَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ، فَكُلُّ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ فَالْمُصِيبُ مَنْ أَمْرِ بِهِ، وَمَنْ تَعَدَّاهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَحَ قَدْ تَعَيَّنَ عِنْدَ اللَّهِ وَصَارَ مَطْلُوبًا، وَكُلُّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَإِمَّا أَنَّهُ يُصِيبُ وَإِمَّا أَنْ يُخْطِئَ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ، وَكُلُّ مَا تُصَوِّرَ فِيهِ ذَلِكَ فَيُمَيَّزُ الْمُخْطِئُ لَا مَحَالَةَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ الْمُصِيبِ. الرَّابِعُ - مَا لَيْسَ لِلشَّرْعِ فِيهِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ، وَلَكِنْ قِيلَ لِلْمُجْتَهِدِينَ: اُطْلُبُوا الْحُكْمَ وَتَرَدَّدُوا بَيْنَ رَأْيَيْنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّأْيَيْنِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ هَاهُنَا مُصِيبٌ. وَهَذَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي الشَّرْعِ، وَالْعَقْلِ: أَمَّا شَرْعًا فَكُلُّ حُكْمٍ نِيطَ بِاجْتِهَادِ الْوُلَاةِ، كَتَفْرِقَةِ الْعَطَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ أَوْ التَّفَاوُتِ، كَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، إذْ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى عَيْنِهِ وَلَا عَلَى مَسْأَلَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُ يُقَالُ: إنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَلَكِنْ فِيهِ إهْمَالٌ لِمَصْلَحَةِ تَمَيُّزِ الْفَاضِلِ مِنْ الْفُضُولِ، وَهُوَ مِنْ الْمَصَالِحِ، وَفِي التَّفَاوُتِ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى، وَمَهْمَا قُوبِلَ مَا فِي إحْدَاهُمَا مِنْ الْمَضَرَّةِ بِمَا فِي إحْدَاهُمَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ يَجُوزُ أَنْ تَتَرَجَّحَ إحْدَاهُمَا، وَيَجُوزُ أَنْ تَتَسَاوَيَا فِي عِلْمِ اللَّهِ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ. وَإِذَا تَسَاوَيَا فِي عِلْمِ اللَّهِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ صَوَابًا. وَلَوْلَا هَذَا لَرَدَّ الْمَفْضُولُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بَعْضَ مَا أَخَذَهُ فِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ. أَوْ لَامْتَنَعَ الْفَاضِلُ فِي زَمَنِ عُمَرَ مِنْ أَخْذِ الزِّيَادَةِ. وَكُلُّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالَيْنِ وَتَقْرِيرِ الْحُكْمَيْنِ. فَهَذَا مِنْهُمْ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.

стр. 3341

وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعُقُوبَةِ وَالنَّفَقَاتِ، كَمَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي التَّرَقِّي إلَى الثَّمَانِينَ مَضَرَّةٌ مِنْ وَجْهٍ وَمَصْلَحَةٌ مِنْ وَجْهٍ. وَكَذَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، وَهُمَا عِنْدَ اللَّهِ مُتَسَاوِيَانِ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ. وَكَذَا كُلُّ وَاقِعَةٍ لَا نَصَّ فِيهَا وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ. الْخَامِسُ - مَسْأَلَةٌ تَدُورُ بَيْنَ نَصَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، فَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ الْأَصْلَحُ إنْ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى، فَيُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الرَّابِعِ وَالثَّالِثِ. وَحُكْمُ اللَّهِ فِيهِ الْأَخْذُ بِالْأَشْبَهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى. وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ أَشْبَهَ، وَقَدْ تَكُونُ نِسْبَتُهُ فِي الشَّبَهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ عَلَى التَّسَاوِي فِي عِلْمِ اللَّهِ. فَهَذَا مُمْكِنٌ، وَإِذَا أَمْكَنَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ صَوَابٌ وَلَا مُخْطِئَ فِيهِ. إذْ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ يَسْتَدْعِي شَيْئًا مُعَيَّنًا يَعْسُرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ، وَعَنْ الْغَفْلَةِ عَنْهُ بِالْخَطَأِ، وَهَاهُنَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَإِذًا إنْ كَانَ التَّسَاوِي فِي الصَّلَاحِ أَوْ الشَّبَهِ مُمْكِنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ فَقَدْ صَحَّ مَا قُلْنَاهُ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا وَإِمْكَانَهُ أَثْبَتَ عَلَيْهِ بِقَوَاطِعِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ الْمُبَاحَاتِ كُلَّهَا إنَّمَا سَوَّى الشَّرْعُ بَيْنَ فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا لِتَسَاوِيهَا عِنْدَهُ فِي صَلَاحِ الْخَلْقِ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَحْكَامِ السِّيَاسَاتِ وَجَمِيعُ مَسَائِلِ تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ يَكَادُ يَكُونُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، إذْ قَلَّمَا يَكُونُ فِيهَا تَرْجِيحٌ، فَإِذَا قَضَى قَاضٍ بِتَحْلِيفِ أَحَدٍ، وَقَضَى آخَرُ بِتَحْلِيفِ الْآخَرِ فَقَدْ أَصَابَا، بَلْ أَقُولُ: لَوْ اسْتَوَى عِنْدَ قَاضٍ وَاحِدٍ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَضَرَّةُ فِي أَمْرَيْنِ، أَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الشَّبَهُ بِالْأَصْلَيْنِ أَوْ الِاسْتِصْحَابُ فِي مُقَابِلِ الْأَصْلَيْنِ وَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ صَارَ مُخَيَّرًا كَمَا فِي سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ. فَإِذًا مِنْ الْمَسَائِلِ مَا يُعْلَم أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُوَ عَنْ حُكْمٍ مَذْكُورٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، كَالْخَيْلِ مَثَلًا فِي أَنَّهُ هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهُ، لِأَنَّهُ مَعَ كَثْرَتِهِ فِي زَمَانِ الرَّسُولِ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَغْفَلَهُ عَنْ بَيَانِ حُكْمِهِ، فَيَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ. وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْنَا فِيهِ نَصٌّ مَثَلًا، فَهَذَا حُكْمُ الْمُجْتَهِدِينَ

стр. 3342

عِنْدَ اللَّهِ، فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ آحَادِ الْأَشْخَاصِ وَأَعْيَانِ الْمَسَائِلِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَشْدِيدُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي بَيْعِ الْعَيِّنَةِ وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ مُجَاوَزَةٌ لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِإِجْمَاعٍ. وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ عَلَى أَخْذِ الْفَضْلِ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْقِسْمِ الثَّانِي. انْتَهَى. . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": اخْتَلَفُوا فِي كُلِّ مُجْتَهِدٍ فِي الْفُرُوعِ مُصِيبٌ أَمْ لَا، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهُ هَلْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ أَمْ لَا، وَلْنُقَدِّمْ عَلَيْهِ مُقَدِّمَةً وَهِيَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : مَطْلُوبٌ بِالِاجْتِهَادِ وَنُصِبَ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ وَالْأَمَارَاتُ فَإِذَا أُصِيبَ حَصَلَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَجْرُ الْإِصَابَةِ، وَالْآخَرُ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ. وَ (الثَّانِي) : وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَمَنْ يَنْظُرْ إلَى هَذَا الْحُكْمِ الثَّانِي وَلَمْ يَنْظُرْ فِي الْأَوَّلِ قَالَ: إنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْأَوَّلِ قَالَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَبِالنَّظَرِ إلَى وُجُوبِ الْمَصِيرِ إلَى مَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ. وَأَمَّا الْآخَرُ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ بِالنَّظَرِ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِ ﵇: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ وَأَصَابَ» لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ أَمْرًا مُعَيَّنًا. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَلَا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ. وَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. قَالَ: وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا غَوْرَ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْإِصَابَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حَقٌّ، وَقَدْ وَافَقَ الْغَزَالِيُّ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالَ: إنْ كَانَ ثَمَّ تَقْصِيرٌ فَالْخَطَأُ وَاقِعٌ لِتَقْصِيرِهِ، لَا لِخَطَئِهِ إصَابَةَ أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَقْصِيرٌ فَلَا حُكْمَ فِي حَقِّهِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ النَّصُّ،

стр. 3343

وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ قُبَاءَ بَلَغَهُمْ النَّصُّ فَأَسْرَعُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِي حَقِّهِمْ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْمُخَابَرَةُ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُخَابِرُ وَلَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ خَبَرُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِالنَّهْيِ عَنْهَا. انْتَهَى. . مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَإِنْ أَخْطَأَ، قَالُوا بِأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَإِنْ أَخْطَأَ، وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مَأْجُورٍ عَلَى الْخَطَأِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُخْطِئُ آثِمٌ، وَقِيلَ: غَيْرُ مَأْجُورٍ وَلَا آثِمٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ بَلْ هُوَ مَأْجُورٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَرَأَيْت أَنَّ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا. ثُمَّ وَعَلَى مَاذَا يُؤْجَرُ؟ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَإِنْ أَخْطَأَ فِيهِ لِقَصْدِهِ الصَّوَابَ وَإِنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ، إنَّمَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، لِأَنَّ الْأَجْرَ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْمُثَابِ، وَلَا تَرْغِيبَ فِي الْخَطَأِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْجَرَ عَلَى قَصْدِهِ وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ خَطَأً، كَمَا لَوْ اشْتَرَى رَقَبَةً فَأَعْتَقَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ ثُمَّ وَجَدَهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ بَعْدَ تَلَفِ ثَمَنِهَا، وَهُوَ مَأْجُورٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ وَعِتْقُهُ لَمْ يَقَعْ، لِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْقَصْدِ إلَى فَكِّ الرَّقَبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ. قَالَ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا. وَأَيْضًا لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْدِلَ فِي اجْتِهَادِهِ عَنْ طُرُقٍ فَاسِدَةٍ فَيَفْتَحَ لَهُ فَاسِدَهَا إلَى طُرُقٍ مُسْتَقِيمَةٍ يَظُنُّ فِيهِ الْحَقَّ فَعُدُولُهُ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ الْفَاسِدَةِ اجْتِهَادٌ صَحِيحٌ فَأُثِيبَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى نِيَّتِهِ وَعَلَى نَفْسِ

стр. 3344

الِاجْتِهَادِ، وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْحُكْمِ لِخَطَئِهِ فِيهِ. فَأَمَّا اجْتِهَادُهُ بِمَا بَلَغَ فِيهِ فَصَوَابٌ، وَمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ إلَى بُلُوغِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي تَخَلُّفِهِ عَنْهُ، لِأَنَّ فَهْمَهُ بَلَغَ فِيهِ بَعْضَ طُرُقِهِ وَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَقْصَى مَا طَلَبَهُ، وَهُوَ فِيمَا إذَا أَتَى بِهِ مِنْهُ مَأْجُورٌ وَمُصِيبٌ فِيهِ، وَمَنْزِلَتُهُ مَنْزِلَةُ الْحَاجِّ الَّذِي أُمِرَ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ لِيَبْلُغَ بِهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَسَلَكَ بَعْضَ الطَّرِيقِ وَضَعُفَ عَنْ بَاقِيهِ وَتَلِفَتْ رَاحِلَتُهُ يُؤْجَرُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي قَصَدَهُ، وَعَبَّرَ الْقَفَّالُ عَنْ هَذَا فَقَالَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فِي قَصْدِهِ الْخَطَأَ الْمَوْضُوعَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى إنْشَاءِ قَصْدِ الثَّوَابِ. وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُومَ لِيَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ، فَأَخْطَأَ فِي وَصْفِ الطَّرِيقِ وَعَدَلَ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ، فَثَوَابُهُ مِنْ ابْتِدَاءِ قَصْدِهِ إلَى مَوْضِعِ عُدُولِهِ عَنْ الْخَطَأِ. قَالَ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، إنَّمَا لَا يُؤْجَرُ عَلَى قَصْدِ الثَّوَابِ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﵊: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» . وَلَهُ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ نِيَّتَهُ فِي الِاجْتِهَادِ خَيْرٌ مِنْ خَطَئِهِ فِي الِاجْتِهَادِ. وَثَانِيهَا - أَنَّ نِيَّتَهُ خَيْرٌ مِنْ صَوَابِ عَمَلِهِ. وَثَالِثُهَا - أَنَّ النِّيَّةَ أَوْسَعُ مِنْ الْعَمَلِ، لِأَنَّهَا تَسْبِقُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ فَتُعَجِّلُ عَلَيْهَا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: مَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ أَوَّلًا أَصَحُّ، لِأَنَّ ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ هُوَ خِلَافُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يُصِيبُ بِهِ الْحَقَّ، لِأَنَّهُ لَوْ وَصَفَهُ فِي صِفَتِهِ وَرَتَّبَهُ عَلَى تَرْتِيبِهِ لَقَضَى بِهِ إلَى الْحَقِّ، فَلَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ فِي " الْعُدَّةِ ": يُثَابُ الْمُخْطِئُ عَلَى مَاذَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) عَلَى الِاجْتِهَادِ، كَرَجُلَيْنِ سَلَكَا الْجَامِعَ مِنْ طَرِيقَيْنِ، قَصَدَ أَحَدُهُمَا الطَّرِيقَ أُثِيبَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَامِعِ.

стр. 3345

وَ (الثَّانِي) عَلَى الْقَصْدِ، كَرَجُلَيْنِ رَمَيَا إلَى كَافِرٍ، فَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ يُثَابُ الْمُخْطِئُ عَلَى الْقَصْدِ. وَحَكَاهَا الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ ثُمَّ قَالَ: وَإِطْلَاقُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ عَلَى مَا بَيَّنْت. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ عَلَى قَصْدِهِ الصَّوَابَ. وَقِيلَ: بَلْ عَلَى اسْتِدَادِهِ فِي تَقَصِّي النَّظَرِ، فَإِنَّ الْمُخْطِئَ يَسْتَدُّ أَوَّلًا ثُمَّ يَزُولُ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ، لِأَنَّ الْمُخْطِئَ قَدْ يَحِيدُ فِي الْأَوَّلِ عَنْ سُنَنِ الصَّوَابِ ثُمَّ هُوَ مَأْجُورٌ بِحُكْمِ الْخَبَرِ لِقَصْدِ الصَّوَابِ وَإِنْ أَخْطَأَهُ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " الشَّرْحِ " ثُمَّ الْأَجْرُ عَلَى مَاذَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: (أَحَدُهُمَا) - وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَأَبِي الطَّيِّبِ - أَنَّهُ عَلَى الْقَصْدِ إلَى الصَّوَابِ دُونَ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ أَفْضَى بِهِ إلَى الْخَطَأِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الْمَأْمُورَ بِهِ. قُلْت: حَكَاهُ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِ " ذَمِّ التَّقْلِيدِ " عَنْ النَّصِّ فَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحَدِيثِ «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» : " لَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ فِي الدِّينِ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ لِإِرَادَتِهِ الْحَقَّ الَّذِي أَخْطَأَهُ ". قَالَ الْمُزَنِيّ: فَقَدْ ثَبَتَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا أَنَّ الْمُخْطِئَ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُ، وَإِنَّمَا أَجْرُهُ عَلَى نِيَّتِهِ لَا عَلَى خَطَئِهِ. انْتَهَى. وَشَبَّهَهُ الْقَفَّالُ فِي الْفَتَاوَى بِرَجُلَيْنِ رَمَيَا إلَى كَافِرٍ، فَأَخْطَأَ أَحَدُهُمَا يُؤْجَرُ عَلَى قَصْدِهِ الْإِصَابَةَ، بِخِلَافِ السَّاعِي إلَى الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْهُ يُؤْجَرُ عَلَى الْقَصْدِ وَإِنْ لَمْ يَنَلْ ثَوَابَ الْعَمَلِ. وَ (الثَّانِي) أَنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهِ. وَرُبَّمَا سَلَكَ الطَّرِيقَ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْإِتْمَامَ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا مُنَاسِبٌ إذَا سَلَكَهُ فِي الِابْتِدَاءِ. فَإِنْ حَادَ عَنْهُ

стр. 3346

فِي الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ. وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْقَصْدُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُشْرَ أَجْرِ الْمُصِيبِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» . قُلْت: وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵀. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَالِهِ فِي مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " فِي الرَّجُلِ يَطَأُ أَمَتَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا أُخْتُهُ: أَمَّا فِي الْغَيْبِ فَلَمْ تَزَلْ أُخْتَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا. وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَكَانَتْ لَهُ حَلَالًا مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَعَلَيْهِ حَرَامٌ حِينَ عَلِمَ. وَقِيلَ لَهُ: إنَّ غَيْرَك يَقُولُ: إنَّهُ لَمْ يَزَلْ آثِمًا بِإِصَابَتِهَا وَلَكِنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ. مَسْأَلَةٌ نُقِلَ عَنْ دَاوُد وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَفْتَى فِي حَادِثَةٍ بِحُكْمٍ يُرِيدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ فَهُوَ مُصِيبٌ سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى الْعَنْبَرِيِّ، لِأَنَّ ذَاكَ صَوَّبَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا صَوَّبَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا بَعْدَمَا بَذَلَ وُسْعَهُ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: مَنْ صَوَّبَ الْمُجْتَهِدِينَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ ". قَالَ: وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ شُرْبُ الْحَنَفِيِّ لِلنَّبِيذِ مُبَاحًا وَإِنْ قُلْنَا

стр. 3347

بِتَصْوِيبِهِمْ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ قَوْلَهُمْ: إنَّهُ لَا حُكْمَ فِي النَّازِلَةِ مُعَيَّنًا، فَصَارَ كَمَنْ يَقُولُ: لَيْسَ فِي الْبَيْتِ مَتَاعٌ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدَ فِيهِ مَتَاعًا وَجَدَهُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَعْنِي: لَا حُكْمَ أَيْ مُعَيَّنًا فِيهَا فَيُدْرَكُ قَبْلَ الطَّلَبِ، كَمَا يُدْرَكُ بِغَيْرِ طَلَبٍ مِنْ النَّصِّ الظَّاهِرِ، بَلْ فِيهَا حُكْمٌ لَهَا وَلِغَيْرِهَا يُدْرِكُهُ الْمُجْتَهِدُ عِنْدَ تَصَفُّحِ قَوَانِينِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ، تَلْحَقُ بِهَا الْجُزَيْئَاتُ، فَفِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . الثَّانِي: قِيلَ عَلَى أُصُولِ الْمُصَوِّبَةِ: إنَّا نَقْطَعُ بِالْأَحْكَامِ، وَإِنَّ الْمُخَطِّئَةَ تَظُنُّهَا ظَنًّا. قَالَ ابْنُ الْمُنَيَّرِ: وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ عَلَى الْقَوْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَوِّبَةَ تَقُولُ: لَا يَكْفِيهِ أَيُّ ظَنٍّ كَانَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِهَادٍ وَبَذْلِ وَسْعٍ. فِي تَصْحِيحِ الْمُقْتَضَى وَتَحْقِيقِ الشَّرْطِ وَرَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ، بِحَيْثُ لَوْ دَخَلَ بِذَلِكَ لَكَانَ مُخْطِئًا آثِمًا. الثَّالِثُ: قِيلَ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا قَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ: لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، لِأَنَّهُ إنْ أَصَابَ فَمَا قَالَهُ حَقٌّ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَقَدْ نَقَضَ قَوْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبًا، وَلَك فِي حَلِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ طُرُقٌ: إحْدَاهَا - أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْخِلَافُ فِي " أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ " إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ. أَمَّا الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ فَالْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ قَطْعًا. الثَّانِيَةُ - يَلْتَزِمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا وَلَكِنْ لَمَّا قُلْت: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. لَيْسَ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا. وَقَوْلُك أَنَّهُ مُصِيبٌ قُلْنَا: وَكَذَلِكَ خَصْمُهُ أَيْضًا مُصِيبٌ. بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْمُصَوِّبِ بِحُكْمِ اللَّهِ فِي حَقِّ هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، غَيْرَ أَنَّهُ فِي حَقِّ خَصْمِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.

стр. 3348

الرَّابِعُ - سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ، لَكِنْ مَا الَّذِي يَعْنِي الْقَائِلُ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؟ إمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ بُطْلَانَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أَوْ يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ. وَإِنْ عَنَيْت بِالْبَاطِلِ مَا لَا يَكُونُ مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَبِالصِّحَّةِ مَا يَكُونُ مُطَابِقًا لَهُ فَهُوَ فَاسِدٌ مِنَّا، لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، كَيْفَ وَأَنَّ مَذْهَبَ الْقَائِلِ بِتَصْوِيبِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ تَابِعَةٌ لِظُنُونِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَإِنْ عَنَيْت بِالْبَاطِلِ وَالْحَقِّ مَا فِي ظَنِّ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، فَإِذًا الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ الْكُلِّ وَعَدَمِهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ، لِأَنَّهُ غَالِبٌ عَلَى ظَنِّ تَقْيِيدِهِ. الْخَامِسُ: إنَّ مِنْ فُرُوعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اقْتِدَاءَ الشَّافِعِيِّ، كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ " وَالْأَصَحُّ فِيهِ الصِّحَّةُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إخْلَالُهُ بِمَا يَشْتَرِطُهُ وَيُوجِبُهُ، لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْمُخَالَفَةِ حِينَئِذٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا رَاجِحًا عِنْدَهُ. وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ الْقَضَاءَ إلَى الْحَنَفِيِّ فِي مَسْأَلَةٍ يَعْتَقِدُ الْمُفَوِّضُ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ [فِيهَا] غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يُعِينُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ. قَالَ: وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَيُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ، فَلَا يَكُونُ الْمُفَوِّضُ عِنْدَ التَّفْوِيضِ مُعِينًا عَلَى مَا يَعْتَقِدُ مَنْعَهُ. فُرُوعٌ الْأَوَّلُ: قَدْ رَاعَى الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ خِلَافَ الْخَصْمِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّعِيَ الْإِصَابَةِ لَا يَقْطَعُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ خِلَافُ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَنَظَرَ فِي مُتَمَسِّكِ خَصْمِهِ فَرَأَى لَهُ مَوْقِعًا رَاعَاهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَأَكْثَرُهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ النَّظَرِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ:

стр. 3349

وَلِذَلِكَ رَاعَى مَالِكٌ الْخِلَافَ، قَالَ: وَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُرَاعِي صُورَةَ الْخِلَافِ وَهُوَ جَهْلٌ أَوْ عَدَمُ إنْصَافٍ. وَكَيْفَ هَذَا وَهُوَ لَمْ يُرَاعِ كُلَّ خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَاعَى خِلَافًا لِشِدَّةِ قُوَّتِهِ. قُلْت: وَقَدْ يُرَاعِي الشَّافِعِيُّ الْخِلَافَ الْمُشَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا لَمَّا قَرَّرَ الْقَصْرَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ قَالَ: فَأَمَّا أَنَا فَأُحِبُّ أَنْ لَا أَقْصُرَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ احْتِيَاطًا عَلَى نَفْسِي. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهُوَ كَقَوْلِهِ: إذَا مَرِضَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَهُ. ولَا أُفَضِّلُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ. عَلَى أَنَّ الْإِبْيَارِيَّ اسْتَشْكَلَ اسْتِحْبَابَ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّرْكَ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّوَابِ، وَالْفِعْلُ جَائِزٌ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. نَعَمْ، الْوَرَعُ يَلِيقُ بِهِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ الْخِلَافِ لَا يَنْتَصِبُ شُبْهَةً وَلَا يُرَاعَى بَلْ النَّظَرُ إلَى الْمَأْخَذِ وَقُوَّتِهِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ الْبَحْرِ ": لَوْ كَانَ الْخِلَافُ بِنَفْسِهِ يَنْتَصِبُ شُبْهَةً لَاسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ، يَعْنِي مَسْأَلَةَ إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْحَنَفِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ وَشَهَادَتِهِ، وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي الدَّلَائِلِ. . الثَّانِي: لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُجْتَهِدَيْنِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِلَفْظَةٍ نَوَى بِهَا الْكِنَايَةَ فِي الطَّلَاقِ، وَلَا نِيَّةَ. وَتَرَى الْمَرْأَةُ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهِ، فَلِلزَّوْجِ طَلَبُ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا، وَلَهَا الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، عَمَلًا مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ، وَطَرِيقُ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُرَاجِعَا مُجْتَهِدًا آخَرَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، أَمْ كُلٌّ مُصِيبٌ. فَإِنْ كَانَا مُقَلِّدَيْنِ قَلَّدَ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا يُخَيَّرُ إنْ اسْتَوَيَا، وَإِلَّا فَيُقَلِّدُ الْأَعْلَمَ وَالْأَوْرَعَ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ عَمِلَ بِمَا قُلْنَا فِي الْمُجْتَهِدِينَ. هَكَذَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ " وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا الْقَاضِي فَذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " أَنَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ

стр. 3350

وَاحِدٌ مَنْ صَارَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى الْوَقْفِ حَتَّى يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا هُوَ الْوَقْفُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حَتَّى يَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي فَيَنْزِلَهَا عَلَى اعْتِقَادِ نَفْسِهِ، وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ حِينَئِذٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تُسَلَّمُ الْمَرْأَةُ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ وَهُوَ السَّابِقُ بِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْحُكْمُ. قَالَ: وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ الْمُجْتَهِدَاتِ، وَفِيهَا تَقَابُلُ الِاحْتِمَالَاتِ، فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا عِنْدَنَا وَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حَقٌّ مِنْ وَقْفٍ أَوْ تَقْدِيمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ وُجُوهِ الْجَوَابِ. . الثَّالِثُ: وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ. وَإِلَّا يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ النَّقْضِ وَيَتَسَلْسَلُ فَتَضْطَرِبُ الْأَحْكَامُ وَلَا يُوثَقُ فِيهَا. فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ خَالَعَ امْرَأَتَهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَتَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُقْتَضَى هَذَا الِاعْتِقَادِ مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَأَدَّاهُ إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ، فَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ لَمْ يَنْقَضِ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي بَلْ يَبْقَى عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ تَغَيَّرَ قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالصِّحَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهَا. لِأَنَّ الْمُصَاحِبَ الْآنَ قَاضٍ بَانَ اجْتِهَادُهُ الْأَوَّلُ خَطَأً، فَيُعْمَلُ بِهِ، وَلَيْسَ هَذَا نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى " وَالْمَحْصُولِ " وَالْمِنْهَاجِ ". وَقَوْلُهُ.

стр. 3351

فِي الْحَاكِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ، لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ. وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْرِيحُهَا وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا التَّفْصِيلَ ثُمَّ قَالَ: وَأَبْدَى تَرَدُّدًا فِيمَا إذَا فَعَلَ الْمُقَلِّدُ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلَّدِهِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَالْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ، قَالَ: وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا. هَذَا فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، فَلَوْ تَغَيَّرَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَفْتَى مُقَلِّدُهُ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثًا وَنَكَحَهَا الْمُقَلِّدُ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، قَالَ فِي الْمَحْصُولِ " وَالْإِحْكَامِ " وَتَبِعَهُ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ ": الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْرِيحُهَا، كَمَا فِي حَقِّ نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ مَتَى اتَّصَلَ بِالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ اسْتَقَرَّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ النَّقْضُ عِنْدَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ ": لَوْ نَكَحَ رَجُلٌ نِكَاحًا فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ اسْتَفْتَى فَأَفْتَاهُ بِالْإِفْسَادِ، فَهَلْ تَبِينُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِمُجَرَّدِ الْفَتْوَى؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَالثَّانِي: لَا حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي، قُلْت: وَحَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ " فِي بَابِ الِامْتِنَاعِ عَنْ الْيَمِينِ عَنْ رِوَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ ". قَالَ: وَذَكَرَ وَجْهًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا فَقَالَ: إنْ صَحَّحَ النِّكَاحُ قَاضٍ فَالْفَتْوَى لَا تَرْفَعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ تَصْحِيحُهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ ارْتَفَعَ بِالْفَتْوَى. وَحَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ عَدَدِ الشُّهُودِ، قَالَ: وَهَذَا إذَا اعْتَمَدَ فِي الْعَقْدِ الْفَتْوَى، فَلَوْ كَانَ الْحَاكِمُ مُتَوَلِّيَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ إلَّا بِحُكْمِهِ. وَخَصَّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُونَا مُجْتَهِدَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُجْتَهِدَيْنِ وَاخْتَلَفَا فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ. وَجَزَمَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا أَفْتَاهُ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفْتَى بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ إذَا كَانَ قَدْ

стр. 3352

عَمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهُ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْعَامِّيَّ إنَّمَا يَعْمَلُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ عَنْ قَوْلِهِ. وَلَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ لِلْمُقَلِّدِ - وَالصُّورَةُ هَذِهِ -: أَخْطَأَ بِهِ مَنْ قَلَّدْتَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَلَّدَهُ أَعْلَمَ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلِّدِهِ، وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ لَهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَلْ الْوَجْهُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الثَّانِي. الرَّابِعُ: حَيْثُ كَانَتْ حُجَّةُ الْحُكْمِ قَطْعِيَّةً فَالْمُخْتَارُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إذَا وَقَعَ بِخِلَافِهِ يُنْتَقَضُ، بِخِلَافِ الظَّنِّيَّةِ. وَقِيلَ: فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ عَلَى الْحَاكِمِ دَلِيلًا قَاطِعًا، وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ قَالَ: لَا يُنْقَضُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ وَإِنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَمِنْهُ مَا لَوْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ لِدَلِيلٍ أَوْ أَمَارَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَمَارَةٌ تُسَاوِي الْأُولَى. وَكَذَا مَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْ الْأُولَى، لَكِنْ لَا يَنْتَهِي إلَى ظُهُورِ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَ لَوْ قَارَنَ لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ، لِأَنَّ الرُّجْحَانَ حَاصِلٌ حَالَ الْحُكْمِ. أَمَّا لَوْ ظَهَرَ نَصٌّ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ قِيَاسٌ جَلِيٌّ بِخِلَافِهِ نُقِضَ هُوَ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَمْ يَنْقُضْهُ الظَّنُّ وَإِنَّمَا نُقِضَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الِاجْتِهَادِ، فَهُوَ آمِرٌ لَوْ قَارَنَ الْعِلْمَ بِهِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ قَطْعًا، فَكَذَلِكَ نُقِضَ بِهِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّصِّ الَّذِي يُنْتَقَضُ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَهُ هُوَ الظَّاهِرُ.

стр. 3353

خَاتِمَةٌ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَهَكَذَا اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْكُلَّ مُصِيبٌ، لِصِحَّةِ الْكُلِّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊، وَخِلَافُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الِاخْتِيَارِ، وَمَنْ قَرَأَ عَنْ إمَامٍ لَا يَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْقِرَاءَاتِ كُلِّهَا ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ. قَالَ: وَلَيْسَتْ كَالْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَضَادَّةٍ، وَأَحْكَامُ الْقِرَاءَاتِ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الْعِبَارَةِ بِهَا مَعًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. وَنَظِيرُ قِرَاءَةِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] . نَظِيرُ مَنْ قَالَ: هُوَ حَلَالٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ مِثْلُهُ، لَا نَظِيرَ مَنْ قَالَ: هُوَ حَلَالٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: هُوَ حَرَامٌ.

стр. 3354

[التَّقْلِيدُ] ُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقِلَادَةِ الَّتِي يُقَلِّدُ غَيْرَهُ بِهَا، وَمِنْهُ: قَلَّدْت الْهَدْيَ: فَكَأَنَّ الْحُكْمَ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ قَدْ جُعِلَ كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِ مَنْ قُلِّدَ فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَتِهِ، هَلْ هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ قَالَهُ؟ ، أَيْ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ قِيَاسٍ. أَوْ قَبُولِ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ تَظْهَرُ عَلَى قَوْلِهِ؟ وَجَزَمَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ " بِالْأَوَّلِ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ " وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِالثَّانِي، وَعَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ. وَتَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنَّ الْعَمَلَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَلَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، لِأَنَّهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ نَفْسُ الْحُجَّةِ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ فِيهِ خُصُوصُ ذَلِكَ السَّبَبِ وَعَيْنِهِ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اتِّبَاعُهُمْ تَقْلِيدًا. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَمْرٌ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَجْتَهِدُونَ

стр. 3355

فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَ أَقْوَالِهِمْ الْوَحْيُ فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُمْ يَجْتَهِدُونَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ السَّبَبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا الْوَحْيُ أَوْ الِاجْتِهَادُ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَدْ عَلِمْنَا السَّبَبَ، وَاجْتِهَادُهُمْ مَعْلُومُ الْعِصْمَةِ. قُلْت: وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الْقَفَّالَ بَنَى الْخِلَافَ فِي تَسْمِيَتِهِ مُقَلِّدًا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ ﵇ يَقُولُ عَنْ قِيَاسٍ؟ فَإِنْ كَانَ يَقُولُهُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَيُقَلَّدُ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَقَالَهُ عَنْ وَحْيٍ أَوْ قِيَاسٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي التَّعْلِيقِ ": لَا خِلَافَ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُسَمَّى تَقْلِيدًا. وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِهِ ﵇ فَهَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا؟ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي حَقِيقَةِ التَّقْلِيدِ مَاذَا؟ قُلْت: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ السِّلْسِلَةِ " أَنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ الصَّحَابِيِّ لَمَّا ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ مَا نَصُّهُ: فَإِمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . انْتَهَى. وَخَطَّأَ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَلَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَى جَعْلِ الْقَبُولِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَقْلِيدًا وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقَبُولَ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ وَجْهِهِ. وَفِي وُقُوعِ اسْمِ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى رُجُوعِ الْخِلَافِ إلَى اللَّفْظِ، وَبِهِ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَقَالَ: هُوَ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ يَهُونُ مَوْقِعُهَا عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ. وَاخْتَارَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، بَلْ هُوَ اتِّبَاعُ شَخْصٍ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ فِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً، فَلَا يَكُونُ قَبُولُ قَوْلِهِ قَبُولَ قَوْلٍ فِي الدِّينِ مِنْ قَائِلِهِ بِلَا حُجَّةٍ. وَأَغْرَبَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْآخِذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵊، وَالرَّاجِعَ إلَيْهِ لَيْسَ بِمُقَلِّدٍ، بَلْ هُوَ

стр. 3356

صَائِرٌ إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ. فَأَمَّا كَوْنُهُ صَائِرًا إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ فَلَا رَيْبَ فِيهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَمَرْدُودٌ بِالْخِلَافِ السَّابِقِ. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ سِوَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ يُقَلَّدُ، بَلْ وَفِي أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ سِوَاهُ. وَأَمَّا الْقَاضِي فَإِنَّهُ أَوَّلَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِتَقْلِيدِهِ ﵊ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْت؟ وَلَا: لِمَ قُلْت؟ ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَكَذَا فَكَذَا أَيْضًا جَاءَ فِي الْعَامِّيِّ مَعَ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْأَلُهُ: مِنْ أَيْنَ قُلْت؟ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامِّيُّ عَنْهُ مُقَلِّدًا فَلَا يَكُونُ أَيْضًا. هَذَا كَذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي مَمْنُوعٌ. بَلْ الْأَصْحَابُ اخْتَلَفُوا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَلَى طُرُقٍ: (أَحَدُهَا) تَأْوِيلُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ فِي اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَلَا فِي اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ. وَرَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الْقَاضِي، وَقَدْ أَوَّلَهُ كَمَا رَأَيْت، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ. وَاتَّفَقَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ عَلَى الِاعْتِضَادِ بِهَذَا النَّصِّ مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، فَجَرَتْ عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَثْنَى دُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَتَصَرَّفَتْ فِي الْمُسْتَثْنَى بِالتَّأْوِيلِ إمَّا مَعَ الِاعْتِرَاضِ، كَالْقَاضِي، أَوْ لَا مَعَهُ، كَالْغَزَالِيِّ. وَ (ثَانِيهَا) فِرْقَةٌ اعْتَقَدَتْ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُقَلِّدٌ، وَأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ مَقْبُولٌ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ لَمْ تَجْرِ عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، لَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمِنْهُمْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: هَذَا مَذْكُورٌ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَرَأْسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، فَقَالَ فِي أَوَّلِ " تَعْلِيقِهِ " إذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بِحَالٍ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ ": إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا إلَّا الرَّسُولَ. فَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَقَدْ غَلِطَ، وَتَقْلِيدُ الرَّسُولِ لَا يَجُوزُ. وَإِنَّمَا صُورَتُهُ صُورَةُ التَّقْلِيدِ، وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ تَقْلِيدٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ كَانَ جَوَابُهُ فِي الصُّورَةِ مِثْلَ

стр. 3357

أَنْ يُسْأَلَ الشَّافِعِيُّ فَيُجِيبَ، لَكِنَّ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ قَبُولُ قَوْلِ الْمُجِيبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يُمْكِنُ هُنَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الدَّلِيلِ، وَجَوَابُ الرَّسُولِ بِعَيْنِهِ حُجَّةٌ وَدَلِيلٌ، فَلَا يَكُونُ مِثْلُهُ فِي الْجَوَابِ. انْتَهَى. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لِلنَّصِّ تَأْوِيلَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بَعْدَ الرَّسُولِ، بَلْ يَفْتَرِقُونَ، فَعَالِمُهُمْ لَا يُقَلِّدُ، وَعَامِّيُّهُمْ يُقَلِّدُ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَنِسْبَةُ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إلَيْهِ سَوَاءٌ، وَالْكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ تَقْلِيدًا، بَلْ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ لِلْعَامِّيِّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عَنْ مَأْخَذِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ [فَلَيْسَ] لِعَامِّيٍّ وَلَا لِلْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: لِمَ؟ وَلَا: مِنْ أَيْنَ؟ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَبْقَى لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ عَمَلٌ إلَّا فِي تَعْمِيمِ قَوْلِهِ " أَحَدٍ " عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى: كُلُّ أَحَدٍ. وَ (ثَانِيهِمَا) إبْقَاءُ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ ﷺ . وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يُقَلَّدُ. وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّقْلِيدِ أَنْ يُلْقِيَ الْمَرْءُ الْمَقَالِيدَ وَيَطْرَحَ كُلَّهُ وَيَجْعَلَ اعْتِمَادَهُ فِيمَا يَقَعُ لَهُ مِنْ الْحَوَادِثِ وَفِي تَفَرُّقِ حَمْلِهَا عَلَى الرَّسُولِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ نُدْرَةٌ. وَإِنَّمَا تَطْمَئِنُّ فِيمَنْ لَا يُخْطِئُ، وَذَلِكَ هُوَ مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ، وَهُوَ الرَّسُولُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فَإِنْ قُلْت: وَالرُّجُوعُ إلَى الْمُجْتَهِدِ رُجُوعٌ إلَيْهِ. قِيلَ: وَلَكِنْ لَا وُثُوقَ بِصَوَابِ الْمُجْتَهِدِ. فَإِذًا لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ ﷺ . وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَهْيُ الشَّافِعِيِّ عَنْ التَّقْلِيدِ حَيْثُ قَالَ الْمُزَنِيّ: هَذَا مُخْتَصَرٌ اخْتَصَرْتُهُ مِنْ عِلْمِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ، مَعَ عِلْمِهِ نَهْيُهُ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ. انْتَهَى. فَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ: يُقَلَّدُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُقَلَّدُ فَتْوَاهُ. وَأَمَّا دَعْوَى الْقَاضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقَلَّدُ فَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ

стр. 3358

شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ الْمُقَلِّدُ لَا شَكَّ عِنْدَهُ، لِوُثُوقِهِ بِالْمُقَلَّدِ الَّذِي أَلْقَى بِتَقَالِيدِهِ إلَيْهِ، وَلَمَّا تَقَارَبَ الْخِلَافُ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَلَمَّا اعْتَقَدَ الْقَاضِي أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدٌ، وَأَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ مَعَ التَّقْلِيدِ، تَبَعًا لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ (إيمَانِ الْمُقَلِّدِ) الَّتِي تُعْزَى لِأَبِي الْحَسَنِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقْنَا الْكَلَامَ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّقْلِيدِ، لِيَخْرُجَ مِنْهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. وَمِنْ ثَمَّ عَقَدَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " بَابًا فِي إمْكَانِ التَّقْلِيدِ فِي جُمْلَةِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ. ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ عَقَدَ بَابًا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي فُرُوعِ الْأَحْكَامِ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي أُصُولِهَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَنَّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ، هَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَوْعِ اجْتِهَادٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ فِي زِيَادَتِهِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، لِأَنَّهُ بَذَلَ مَجْهُودَهُ فِي الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": الَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ أَصْلًا، فَإِنَّ قَوْلَ الْعَالِمِ حُجَّةٌ فِي حَقِّ الْمُسْتَفْتِي. نَصَبَهُ الرَّبُّ عَلَمًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِهِ، كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ، وَاجْتِهَادُهُ عَلَمٌ عَلَيْهِ. وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْلِيدٌ مُبَاحٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ. إذْ التَّقْلِيدُ عَلَى مَا عَرَّفَهُ الْقَاضِي: اتِّبَاعُ مَنْ لَمْ يَقُمْ بِاتِّبَاعِهِ حُجَّةٌ وَلَمْ يَسْتَنِدْ إلَى عِلْمٍ. قَالَ: وَلَوْ سَاغَ تَسْمِيَةُ الْعَامِّيِّ مُقَلِّدًا مَعَ [أَنَّ] قَوْلَ الْعَالِمِ فِي حَقِّهِ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمُتَمَسِّكَ بِالنُّصُوصِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّلَائِلِ مُقَلِّدًا. قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ، فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا. وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَيْ التَّقْلِيدِ.

стр. 3359

وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ - قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - إلَى أَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ فِيمَا يَأْخُذُهُ، لِأَنَّا إنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ بِلَا حُجَّةٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ، إذْ قَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَأْخَذِهِ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي قَوْلِ الْمُفْتِي أَيْضًا. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَلَعَلَّهُ الْأَوْلَى، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حُجَّةُ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ قَبْلُ، وَالْإِجْمَاعُ سَبَقَ الْقَاضِي. عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدًا فَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا تَقْلِيدٌ. وَمَنْ نَظَرَ كُتُبَ الْعُلَمَاءِ وَالْخِلَافِيِّينَ وَجَدَهَا طَافِحَةً بِجَعْلِ الْعَوَامّ مُقَلِّدِينَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى " بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ ظَانٌّ صِدْقَهُ، وَالظَّنُّ مَعْلُومٌ، وَوُجُوبُ الْحُكْمِ عِنْدَ الظَّنِّ، وَهَذَا عِلْمٌ قَاطِعٌ، وَالتَّقْلِيدُ جَهْلٌ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رَفَعْتُمْ التَّقْلِيدَ مِنْ الْبَيْنِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَقْلِيدَ أَحَدٍ سِوَى الرَّسُولِ، فَقَدْ أَثْبَتَ تَقْلِيدًا. قُلْنَا: قَدْ صَرَّحَ بِإِبْطَالِ التَّقْلِيدِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ الِاسْتِفْتَاءَ، وَقَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَشَهَادَةَ الْعُدُولِ تَقْلِيدًا. نَعَمْ، يَجُوزُ تَسْمِيَةُ قَوْلِ الرَّسُولِ تَقْلِيدًا تَوَسُّعًا وَاسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَوَجْهُ التَّجَوُّزِ أَنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً دَلَّتْ عَلَى صِدْقِهِ جُمْلَةً فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، فَكَانَ تَصْدِيقًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ خَاصَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى ذَلِكَ تَقْلِيدًا مَجَازًا. انْتَهَى. وَهَذَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي، وَلَا يُوَافِقُ عَلَى أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَالْقَاضِي إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ. وَلَمْ يَقْتَصِرْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فَعَلَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ بَلْ زَادَا: لَوْ سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى مَنْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ. قُلْت: وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " أَيْضًا. وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِنَا. أَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَالْآمِدِيَّ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ فَلَا تَنْبَغِي هَذِهِ التَّسْمِيَةُ، لِخُرُوجِهَا عَنْ وَضْعِ اللِّسَانِ. وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ مُقَلَّدًا، وَإِذَا عُرِفَتْ الْمَدَارِكُ هَانَتْ الْمَسَالِكُ.

стр. 3360

وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْغَزَالِيَّ يَقُولَانِ: لَا تَقْلِيدَ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَيَقُولُ: لَا تَقْلِيدَ فِي رُجُوعِ الْمَرْءِ إلَى قَوْلِ الْعَامِّيِّ، وَالْمُجْتَهِدِ إلَى قَوْلِ مِثْلِهِ، يَعْنِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ بِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِيَخْرُجَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا جَوَّزَهُ قَوْمٌ. وَاعْتَرَضَ الْآمِدِيُّ - تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ - بِأَنَّهُ لَوْ سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْمُفْتِي وَالشُّهُودِ تَقْلِيدًا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا مُشَاحَّةَ فِي اللَّفْظِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ تَبِعَ الْآمِدِيَّ، وَكَذَا ابْنُ الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِمَا يُوَافِقُهُمْ حُكْمًا. غَيْرَ أَنَّهُ أَتَى بِغَيْرِ تَعْرِيفِهِمْ لِلتَّقْلِيدِ. وَمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُفْتِي لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ مَعَ دَعْوَاهُ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْفُتْيَا " مِنْ مُنَازَعَةِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ فَعَجَبٌ، إذْ كَيْفَ يُقْضَى عَلَى أَبِي عَلِيٍّ - وَهُوَ الْحَبْرُ - بِالتَّقْلِيدِ، وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ عَلَى الْعَامِّيِّ الصِّرْفِ، وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ وَقْتَ التَّعْرِيفِ مَعَ الْغَزَالِيِّ، وَعِنْدَ الِانْفِصَالِ جَرَى عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدٌ. وَقَدْ يَأْخُذُ الْمُجْتَهِدُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ، وَلَكِنْ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ أَخْذًا مَجَازٌ، لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْهُ لِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ نَظَرُهُ، لَا لِكَوْنِ ذَلِكَ قَالَهُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ - إنْ سُمِّيَ - لِسَبْقِهِ إلَيْهِ كَمَا نَقُولُ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ مَالِكٍ، أَوْ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَسَائِلَ سَبَقَاهُ إلَى الْقَوْلِ بِهَا. وَمَنْ تَبَحَّرَ فِي مَذْهَبِ إمَامٍ وَلَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَأَفْتَى عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ كَانَ الْمُسْتَفْتِي مُقَلِّدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ، لَا لِلْمُفْتِي. حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ. ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي ". وَجَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْغِيَاثِيِّ ". وَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ، إلَّا أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ الْهَرَوِيَّ أَحَدُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُقَلِّدُ الْمُتَبَحِّرَ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَنْبَغِي تَخْرِيجُ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُنَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ.

стр. 3361

مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ لَيْسَ مِنْ طُرُقِ الْعِلْمِ بِوَجْهٍ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الدَّعْوَى لَا يُثْمِرُ عِلْمًا، لِأَنَّ صُورَةَ دَعْوَى الْمُحِقِّ صُورَةُ دَعْوَى الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا يُثْمِرُ بِالدَّلِيلِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": قِيلَ: مَنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافِ: أَحَدُهَا - النَّبِيُّ ﵊، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى صِدْقِهِ، وَالثَّانِي - الْمُخَبِّرُ عَنْ الرَّسُولِ. وَالثَّالِثُ - الْمُجْمِعُونَ عَلَى حُكْمٍ، فَتَقْلِيدُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَاجِبٌ. وَالرَّابِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَجْهَيْنِ فِي تَسْمِيَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَقْلِيدًا، قَالَ: وَأَوْلَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِ إلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فِي عَدَالَتِهِ فَصَارَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا بِدَلِيلٍ. قَالَ: وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْأُمَّةِ إذَا قَالَتْ قَوْلًا عَنْ إجْمَاعٍ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الرَّسُولِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقَاضِي إلَى الْبَيِّنَةِ، لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ. قُلْت: وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةٍ كَمَا سَبَقَ.

стр. 3362

فَصْلٌ التَّقْلِيدُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُقَلَّدُ عَالِمًا بِأَنَّ الَّذِي يُقَلِّدُهُ لَا يُخْطِئُ، فِيمَا قَلَّدَهُ فِيهِ، فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ بِمُجَرَّدِهِ، كَقَبُولِ الْأَئِمَّةِ عَنْ الرَّسُولِ الْأَحْكَامَ، وَقَبُولِ قَوْلِ الْمُجْمِعِينَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ تَقْلِيدًا. وَالثَّانِي: قَبُولُهُ عَلَى احْتِمَالِ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ. وَالْعُلُومُ نَوْعَانِ: عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ. الْأَوَّلُ: الْعَقْلِيُّ وَهُوَ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهَا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ، بَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا بِالنَّظَرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ " عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ فِي التَّوْحِيدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ خَشَى الْمُكَلَّفُ أَنْ يَمُوتَ لَمْ يَجُزْ التَّقْلِيدُ. وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ فِيهَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَا يَعْرِفُهُ بِالدَّلِيلِ. وَقَالُوا: الْعَقَائِدُ الْأُصُولِيَّةُ عَقْلِيَّةٌ، وَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِي الْعَقْلِ. وَقَالَ: وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِ هَذَا، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ الْعَوَامُّ لِاعْتِقَادِ الْأُصُولِ بِدَلَائِلِهَا، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَمِثْلُهُ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ " عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ التَّقْلِيدِ فِيهَا، تَأَسِّيًا بِالسَّلَفِ، إذْ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﵊ أَجْلَافَ الْعَرَبِ بِالنَّظَرِ، وَنَازَعَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ

стр. 3363

فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالنَّظَرِ الْمُصْطَلَحُ، مِنْ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ النَّظَرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّرْتِيبِ وَالِاصْطِلَاحُ مَمْنُوعٌ، وَكَيْفَ وَقَدْ شَاهَدُوا الْمُعْجِزَةَ، وَأَحْوَالَ الرَّسُولِ، وَالْقَرَائِنُ الَّتِي شَاهَدُوهَا أَفَادَتْهُمْ الْقَطْعَ. وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ التَّقْلِيدُ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهِ حَرَامٌ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْأَحْوَذِيِّ " عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ ": لَمْ يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ إلَّا الْحَنَابِلَةُ، وَقَالَ الْإسْفَرايِينِيّ: لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: وَسَأَلْت الْحَنَابِلَةَ فَقَالُوا: مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا مَنْعُ التَّقْلِيدِ وَالْغَزَالِيُّ يَمِيلُ إلَيْهِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ " عَنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ كَتَبَةِ الْحَدِيثِ، أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَرَوْنَ الشُّرُوعَ فِي مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ كُفْرًا، وَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَالنَّظَرَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وَهُوَ طَرِيقٌ إلَى حُصُولِ الْعِلْمِ حَتَّى يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الِاعْتِقَادُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُؤْمِنًا وَزَالَ عَنْهُ كُلْفَةُ طَلَبِ الْأَدِلَّةِ، وَمَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ، أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالِاعْتِقَادِ الصَّافِي مِنْ الشُّبْهَةِ وَالشُّكُوكِ، فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ أَنْوَاعِ النَّعَمِ وَأَحَلَّهَا، حَتَّى لَمْ يَكِلْهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، لَا سِيَّمَا الْعَوَامُّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجِدُهُ فِي صِيَانَةِ اعْتِقَادِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ شَاهَدَ ذَلِكَ بِالْأَدِلَّةِ. وَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ، كَانَ مُقَلِّدًا فِي الدَّلِيلِ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَجْمَعُوا، عَلَى أَنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي النِّيَّاتِ، بِحَيْثُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الشُّبْهَةِ.

стр. 3364

إلَّا مَا يَرِدُ عَلَى صَاحِبِ الِاسْتِدْلَالِ، وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِوُجُوبِ النَّظَرِ، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ اعْتَقَدَ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ: إنَّهُ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ فَسَقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ، وَبِهِ قَالَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، حَتَّى يَخْرُجَ فِيهَا عَنْ جُمْلَةِ الْمُقَلِّدِينَ. انْتَهَى. وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيّ، وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمُحَقِّقِينَ صِحَّتَهُ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ قَبُولَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَإِنَّ التَّقْلِيدَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَدْ يَكُونُ ظَنًّا، وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا، فَهَذَا لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ. أَمَّا التَّقْلِيدُ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ لَا الْمُوجِبِ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي الْإِيمَانِ، إلَّا أَبُو هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَإِذَا مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَ فِيهِ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ، بِحَيْثُ يَحِلُّ لَهُ الْفَتْوَى فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إيجَابُ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ، بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ الصَّوَابِ، وَمَتَى أَوْجَبْنَا ذَلِكَ فَمَتَى يُوجَدُ مِنْ الْعَوَامّ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ؟ وَيَصْدُرُ عَقِيدَتُهُ عَنْهُ؟ كَيْفَ وَهُمْ لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ لَمْ يَفْهَمُوهَا، وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَامِّيِّ، أَنْ يَتَلَقَّى مَا يُرِيدُ - أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَلْقَى [بِهِ] رَبَّهُ - مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَيَتْبَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيُقَلِّدَهُمْ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ طَاهِرٍ عَنْ الْأَهْوَاءِ وَالْإِدْخَالِ، ثُمَّ يَعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، فَلَا يَحُولُ، وَلَا يَزُولُ، وَلَوْ قُطِّعَ إرْبًا، فَهَنِيئًا لَهُمْ السَّلَامَةُ، وَالْبَعْدُ عَنْ الشُّبُهَاتِ الدَّاخِلَةِ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ، وَالْوَرَطَاتِ الَّتِي تَغُولُهَا، حَتَّى أَدَّتْ بِهِمْ إلَى الْمَهَاوِي وَالْمَهَالِكِ، وَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّبُهَاتُ الْعَظِيمَةُ وَصَارُوا مُتَجَرِّئِينَ، وَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مُتَوَرِّعٌ عَفِيفٌ إلَّا الْقَلِيلَ، فَإِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ وَرَعِ الْأَلْسِنَةِ، وَأَرْسَلُوهَا فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِجُرْأَةٍ وَعَدَمِ مَهَابَةٍ وَحُرْمَةٍ، فَفَاتَهُمْ وَرَعُ سَائِرِ الْجَوَارِحِ، وَذَهَبَ

стр. 3365

عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَرَعُ اللِّسَانِ، وَالْإِنْسَانُ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَإِذَا خَرِبَ جَانِبٌ مِنْهُ، تَدَاعَى سَائِرُهُ إلَى الْخَرَابِ، وَلِأَنَّهُ مَا مِنْ دَلِيلٍ لِفَرِيقٍ مِنْهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ، إلَّا وَلِخُصُومِهِمْ عَلَيْهِ مِنْ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ. وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِقَدْرِ مَا يَنَالُ الْمُسْلِمُ بِهِ رَدَّ الْخَاطِرِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ إيجَابُ التَّوَصُّلِ إلَى الْعَقَائِدِ فِي الْأُصُولِ، بِالطَّرِيقِ الَّذِي اعْتَقَدُوا، وَسَامُوا بِهِ الْخَلْقَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ أَدَّى بِهِمْ ذَلِكَ إلَى تَكْفِيرِ الْعَوَامّ أَجْمَعَ، وَهَذَا هُوَ الْخَطِيئَةُ الشَّنْعَاءُ، وَالدَّاءُ الْعُضَالُ، وَإِذَا كَانَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ هُمْ الْعَوَامُّ، وَبِهِمْ قِوَامُ الدِّينِ، وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ رَحَى الْإِسْلَامِ، وَلَعَلَّ لَا يُوجَدُ فِي الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الْمِائَةَ أَلْفٍ، مَنْ يَقُومُ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي تَعْتَبِرُونَهَا، إلَّا الْعَدَدَ الْقَلِيلَ الشَّاذَّ الشَّارِدَ النَّادِرَ، وَلَعَلَّهُ لَا يَبْلُغُ عَقْدَ الْعَشَرَةِ، فَمَنْ يَجِدُ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبْلَهُ، أَنْ يَحْكُمَ بِكُفْرِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ أَجْمَعَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ لَا عَقِيدَةَ لَهُمْ فِي أُصُولٍ أَصْلًا، وَإِنَّهُمْ أَمْثَالُ الْبَهَائِمِ. انْتَهَى. الثَّانِي: الشَّرْعِيُّ: وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْفُرُوعِ وَالْمَذَاهِبِ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ: فِرْقَةٌ أَوْجَبَتْ التَّقْلِيدَ وَفِرْقَةٌ حَرَّمَتْهُ وَفِرْقَةٌ تَوَسَّطَتْ. [الْأَوَّلُ] فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى تَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا، كَالتَّقْلِيدِ فِي الْأُصُولِ، وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَزْمٍ، وَكَادَ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ التَّقْلِيدِ، قَالَ وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: (أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي، فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ) وَقَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: وَدِدْت أَنِّي ضُرِبْت بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَكَلَّمْت فِيهَا بِرَأْيٍ سَوْطًا، عَلَى أَنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَى السِّيَاطِ قَالَ: فَهَذَا مَالِكٌ يَنْهَى عَنْ تَقْلِيدِهِ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَتَأْخُذُ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْت عَلَيَّ زُنَّارًا؟ أَرَأَيْتَنِي خَارِجًا مِنْ كَنِيسَةٍ؟ حَتَّى تَقُولَ لِي فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : أَتَأْخُذُ بِهَذَا؟
следующие страницы →