Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
جَزَمَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ " فَقَالَ فِي خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ: وَمِنْهَا الْعِصْمَةُ مِنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَخُصُّوا بِأَدِلَّاءٍ حَتَّى تَتَّسِعَ الضُّرُوبُ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَإِذَا تَفَاوَتَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَجْلِهِ فِي ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ هُوَ الَّذِي أَعْلَمَ الْعُلَمَاءَ أَوْلَى بِالِارْتِقَاءِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ عَامَّةَ سُنَنِ الرَّسُولِ تَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ بَذَلُوا الْجَهْدَ فِيهِ فَهُوَ إذًا يَفْهَمُهُ ﵊ فَهْمًا لَا يَبْلُغُهُ فَهْمُ غَيْرِهِ ﵊. انْتَهَى.
وَقِيلَ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَرَّ عَلَيْهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ " وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ الْحَدِيثِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَهُ عُذْرًا لِعُمَرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَارْتِضَاءُ الرَّافِعِيِّ فِي الْعَدَدِ، فِي الْكَلَامِ عَنْ سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ الْوَفَاةِ، وَكَذَا ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِحْكَامِ " قَالَ: «كَفِعْلِهِ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إذْ أُنْزِلَتْ عَبَسَ» قُلْت: وَهُوَ قَوْلٌ لَا نُورَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ غَيْرُ صَوَابٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ
стр. 3292
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَهِدُونَ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَنَصٍّ وَ (الثَّانِي) الْمَنْعُ، لَكِنْ لَا يُقِرُّهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَزُولَ الِارْتِيَابُ بِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُقِرًّا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِنَصٍّ وَقَالَا: قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَبِيُّنَا ﵊ مَعْصُومٌ فِي الِاجْتِهَادِ مِنْ الْخَطَأِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَسْتَدْرِكُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قُلْت: وَهَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي الْأَقْضِيَةِ فَحَصَلَ فِي عِصْمَتِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ مَذَاهِبُ: (ثَالِثُهَا) : نَبِيُّنَا فَقَطْ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ مُقِرِّينَ عَلَى الْخَطَأِ فِي وَقْتِ التَّنْفِيذِ، وَلَا يُمْهِلُونَ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَسْتَدْرِكَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ قُلْت: وَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَهُوَ أَفْسَدُ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي غَيْرِ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَيَجُوزُ عَلَى الْكُلِّ، لِحَدِيثِ التَّلْقِيحِ.
مَسْأَلَةٌ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ تَنْحَصِرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْإِمَامَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْفَتْوَى وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْثِ الْجُيُوشِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِنْقَاذِهِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَهُوَ الْقَضَاءُ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ الْقُضَاةُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ وَالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَهُوَ الْفَتْوَى وَالْخِلَافُ فِي الْكُلِّ ثُمَّ إذَا دَارَتْ الْحَادِثَةُ بَيْنَ تَنْزِيلِهَا عَلَى الْقَضَاءِ أَوْ عَلَى الْفَتْوَى فَعِنْدَنَا تَنْزِيلُهَا عَلَى الْقَضَاءِ أَوْلَى.
стр. 3293
[الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي زَمَانِهِمْ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي زَمَانِهِمْ كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ. وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَقَامَيْنِ: الْجَوَازُ، وَالْوُقُوعُ. أَمَّا الْجَوَازُ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَنُقِلَ عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي هَاشِمٍ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى مُسْتَحِيلٍ. فَإِنْ أَرَادُوا مَنْعَ الشَّرْعِ تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ فَهُوَ مَفْقُودٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَصْفَى، وَقَالَ فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْغَائِبِ عَنْهُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ فَيَجُوزُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ. ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا: فَقِيلَ: يُكْتَفَى بِسُكُوتِهِ ﵇، حَكَاهُ فِي
стр. 3294
الْمُسْتَصْفَى. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ مَنْعٌ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَلَيْسَ بِمَرَضِيٍّ، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِزَمَانِهِ ﵊ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ نَزَّلَ السُّكُوتَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ صَرِيحَ الْإِذْنِ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵇، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ طَلَبِ النَّصِّ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلسَّالِكِ فِي بَرِّيَّةٍ مَخُوفَةٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى رَأْيِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ سُؤَالِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ الطَّرِيقِ عَنْ عِلْمٍ. وَإِذَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ يَجُوزُ أَنْ يَكِلَهُ النَّبِيُّ ﵇ إلَى اجْتِهَادِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: يُشْتَرَطُ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ مَعَ النَّصِّ ثُمَّ يَتَأَمَّلُ: فَإِنْ كَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ صِرْنَا إلَى النَّصِّ، كَذَلِكَ يَجْتَهِدُ بِحَضْرَتِهِ، فَإِنْ أَفْتَى عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقٌّ، وَفَصَّلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْحَاضِرِ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ، كَإِيجَابِ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَقَدْ أَفْتَى أَبُو السَّنَابِلِ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَأَخْطَأَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، كَاجْتِهَادِهِمْ فِيمَا يَجْعَلُونَ عَلَمًا لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى إيجَابِ شَرِيعَةٍ تُلْزِمُ، وَإِنَّمَا كَانَ إيذَانًا مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَاجْتَهَدَ قَوْمٌ بِحَضْرَتِهِ ﵊ فِيمَنْ هُمْ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ هُمْ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ. قُلْت: وَإِذَا جَوَّزْنَا لِلْغَائِبِ فَمَا ضَابِطُ الْغَيْبَةِ؟ هَلْ هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا. لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " أَنَّهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ بِفَرْسَخٍ أَوْ فَرَاسِخَ.
стр. 3295
وَأَمَّا الْوُقُوعُ: فَاخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِأَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَقَعَ ظَنًّا لَا قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، فَقَالَ: وَقَعَ لِلْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَهُوَ اُسْتُبْشِعَ فِي الِاسْتِقَامَةِ، وَأَمْيَلُ إلَى الِاقْتِصَادِ مِنْ حَيْثُ تَعَذُّرُ الْمُرَاجَعَةِ مَعَ تَأَنِّي الدَّارِّ فِي كُلِّ وَاقِعَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّ الْأَقْوَى عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ صَاحِبُ " اللُّبَابِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْحَاضِرِ، وَقَطَعَ فِي الْغَائِبِ بِالْوُقُوعِ. هَذَا حَاصِلُ مَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ الْأَقْوَالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ لَهُ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ، كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ، فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُمَا، لِأَنَّ مُعَاذًا قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي، فَاسْتَصْوَبَهُ، وَسَوَاءٌ اجْتَهَدَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ. وَيَكُونُ اجْتِهَادُهُ أَمْرًا مُسَوَّغًا مَا لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ. ثَانِيهِمَا - أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ وِلَايَةٌ فَلَهُ حَالَانِ: (أَحَدُهُمَا) - أَنْ يَظْفَرَ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَدَرَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ، لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بِأَصْلٍ لَازِمٍ. و (ثَانِيهِمَا) - أَنْ يَعْدَمَ أَصْلًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخَافُ فَوَاتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَشْرَعَ.
стр. 3296
وَ (الثَّانِي) يَجُوزُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ. وَعَلَى هَذَا فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ فِيهِ، لِوُجُودِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إذَا قَدِمَ الرَّسُولُ أَنْ يَسْأَلَهُ. الْقِسْمُ الثَّانِي - أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاصِلًا فِي مَدِينَةِ الرَّسُولِ ﵊ وَغَائِبًا عَنْ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ فِي اجْتِهَادِهِ إلَى أَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحَّ وَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، لِأَنَّ الْعَجْلَانِيُّ سَأَلَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ عَنْ قَذْفِ امْرَأَتِهِ بِمَا سَمَّاهُ فَقَالَ لَهُ: حَدٌّ فِي ظَهْرِك إنْ لَمْ تَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قِيلَ لَهُ فَتَوَقَّفَ فِيهِ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ أَجَابَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ الْمُجْتَهِدُ إلَى أَصْلٍ فَفِي جَوَازِ اجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ، قَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي ": وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ اجْتِهَادُهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ، لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَكْلِيفٌ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَوَامِرِ بِهَا، وَالْمُعَامَلَاتُ تَخْفِيفٌ فَتُعْتَبَرُ النَّوَاهِي عَنْهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاضِرًا فِي مَجْلِسِ الرَّسُولِ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِالِاجْتِهَادِ صَحَّ اجْتِهَادُهُ، كَمَا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِاجْتِهَادِ لَمْ يَصِحَّ اجْتِهَادُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَيُقِرَّهُ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ بِإِقْرَارِهِ عَلَيْهِ صَحِيحًا، كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَلَبَ الْقَتِيلِ وَقَدْ أَخَذَهُ غَيْرُ قَاتِلِهِ. قُلْت: وَفِي مَعْنَى أَمْرِهِ بِهِ الْمُشَاوَرَةُ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] [وَقَدْ شَاوَرَهُمْ فِي أَمْرِ الْأَسْرَى وَغَيْرِهِ] . وَكَذَلِكَ اجْتِهَادُهُمْ بِحَضْرَتِهِ لِيَعْرِضُوا عَلَيْهِ رَأْيَهُمْ، فَإِنْ صَحَّ قَبِلَهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ. كَبَحْثِ الطَّالِبِ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ.
وَقَدْ اجْتَهَدَ مُعَاذٌ فِي تَرْكِهِ قَضَاءَ الْغَائِبِ أَوَّلًا، ثُمَّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ وَرَضِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: (قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ) وَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ مَحْوِ اسْمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الصَّحِيفَةِ، وَكَانَ اجْتِهَادًا عَظِيمًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ صُوَرٌ يَجُوزُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ.
стр. 3297
وَقَدْ احْتَجَّ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى الْوُقُوعِ: (١) بِقَضِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ : (صَدَقَ) وَلَمْ يَقُلْهُ الصِّدِّيقُ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ.
(٢) : وَكَذَلِكَ حَكَّمَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ قَالَ: (لَقَدْ حَكَمْت بِحُكْمِ اللَّهِ) . (٣) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنْ يَحْكُمَا بَيْنَ خَصْمَيْنِ، وَقَالَ لَهُمَا: إنْ أَصَبْتُمَا فَلَكُمَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنْ أَخْطَأْتُمَا فَلَكُمَا حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ. وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَظَرٌ: أَمَّا (الْأَوَّلُ) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَتَلَ عَامَ حُنَيْنٍ مُشْرِكًا ثُمَّ إنَّهُ ﵇ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقُومُ أَبُو قَتَادَةَ
стр. 3298
فَلَا يَجِدُ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثَةُ قَالَ: يَا أَبَا قَتَادَةَ مَا لَك؟ قَالَ: فَقَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ» . قَالَ أَبُو بَكْرٍ. . . الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمْ يَقُلْهُ بِالِاجْتِهَادِ، بَلْ هُوَ تَنْفِيذٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» .
وَأَمَّا (الثَّانِي) فَالنِّزَاعُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ ﷺ لِيُخْبِرَهُ، كَغَالِبِ عَادَاتِهِمْ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهَا بِرَأْيِهِ مِمَّا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ. وَتَحْكِيمُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، لِأَنَّهُ ﵇ فَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِي وَاقِعَةٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ﵇. وَأَمَّا (الثَّالِثُ) فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، بَلْ رَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْحُبَابِ حَدَّثَهُ عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ خَصْمَيْنِ جَاءَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: (اقْضِ بَيْنَهُمَا) وَذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ فِي كِتَابِ الْقُضَاةِ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ فَرَجِ بْنِ فَضَالَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهْرَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: جَاءَ خَصْمَانِ إلَى النَّبِيِّ (ص) ، فَقَالَ ﵇: (اقْضِ بَيْنَهُمَا) فَقُلْت، يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنْتَ أَوْلَى بِهِ،
стр. 3299
قَالَ: وَإِنْ كَانَ، قُلْتَ: مَا أَقْضِي؟ قَالَ: (عَلَى أَنَّك إنْ أَصَبْتَ كَانَ لَك عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنْ أَخْطَأْتَ كَانَ لَك حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ) وَمَدَارُهُ عَلَى فَرَجٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَشَيْخُهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُوهُ مَجْهُولَانِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ أَبِيهِ، وَالِاخْتِلَافُ هَلْ هُوَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَوْ عَنْ أَبِيهِ. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَاكِمُ فِي (الْمُسْتَدْرَكِ) الْحَدِيثَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ ﵊ نَادَى يَوْمَ انْصَرَفَ مِنْ الْأَحْزَابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ النِّزَاعَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجْتَهِدُ فِيمَا لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ أَوْ يُرَاجِعُ، وَهَذَا اجْتِهَادٌ فِي نَصِّهِ ﵇ مَا الْمُرَادُ بِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَقْصُودَ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي الْجُمْلَةِ. و (الثَّانِي) أَنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ لَهُمْ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي. وَصَوَّبَهُ ﵊. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَحَدِيثُ بَعْثِهِ ﵇ عَلِيًّا قَاضِيًا، وَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ ".
стр. 3300
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ «حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ ثَلَاثَةً وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ، فَأَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ فِي الْوَلَدِ، فَقَالَ: أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ أَرَى أَنْ نُقْرِعَ بَيْنَكُمْ، فَقَرَعَ أَحَدُهُمْ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْوَلَدَ، فَقَالَ ﵇: مَا أَعْلَمُ فِيهَا إلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ» . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، بِسَنَدٍ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ إذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ سَأَلَهُمْ فَأَوْمَئُوا إلَيْهِ بِاَلَّذِي سُبِقَ. فَقَالَ ﵇: اصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ مُعَاذٌ» . وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ تَغَيَّرَ مِنْ يَوْمئِذٍ وَأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ بِأَمْرِهِ ﵇ وَنُسِخَ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ. بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُعْجَمِهِ "، بِسَنَدٍ عَلَى شَرْطِهِمَا إلَّا فُلَيْحًا فَعَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَلَفْظُهُ: عَنْ «مُعَاذٍ قَالَ: فَجِئْت يَوْمًا وَقَدْ سُبِقْت وَأُشِيرَ إلَيَّ بِاَلَّذِي سُبِقْت بِهِ. فَقُلْتُ: لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ كُنْت عَلَيْهَا، فَكُنْت بِحَالِهِمْ الَّتِي وَجَدْتُهُمْ عَلَيْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُمْتُ. فَصَلَّيْتُ وَاسْتَقْبَلَ ﵊ النَّاسَ وَقَالَ: مَنْ الْقَائِلُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا: مُعَاذٌ، فَقَالَ قَدْ سَنَّ لَكُمْ فَاقْتَدُوا بِهِ. إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ سُبِقَ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَلِيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ بِصَلَاتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ بِهِ» . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُوَافَقَةِ عُمَرَ ﵁ رَبَّهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَتِهِ ﵊.
стр. 3301
فَائِدَةٌ قَالَ الرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ ": الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا ثَمَرَةَ لَهُ فِي الْفِقْهِ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ الْوَكِيلِ وَقَالَ: بَلْ فِي مَسَائِلَ الْفِقْهِ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ. مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ وَمَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ. فَفِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَجْهَانِ: (أَصَحُّهُمَا) يَجْتَهِدُ وَلَا يُكَلِّفُ الْغَيْرَ، بِدَلِيلِ طَهَارَتِهِ مِنْ الْإِنَاءِ الْمَظْنُونِ طَهَارَتُهُ وَهُوَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُجَوِّزُ الِاجْتِهَادَ فِي زَمَنِهِ. (الثَّانِي) لَا، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ. وَكَذَلِكَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، هَلْ تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَمَكُّنِ الْوَقْتِ. وَرُجْحَانُ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ فِيهَا أَقْوَى مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا التَّرْجِيحُ وَهْمٌ، فَالْقَادِرُ عَلَى سُؤَالِ الرَّسُولِ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْيَقِينِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَحْيٌ، وَإِلَّا فَمَا لَمْ يَنْزِلْ الْوَحْيُ فَلَا حُكْمَ فَلَا قَطْعَ وَلَا ظَنَّ. فَغَايَةُ الْقَادِرِ سُؤَال عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُجَوِّزُ نُزُولَ الْوَحْيِ فَيَكُونُ مُجَوِّزًا لِلْيَقِينِ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُ هَذَا الْخِلَافِ الْأُصُولِيِّ مَا فِي الِاجْتِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ التَّحَرِّي، وَمَا فِيهِ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقٍ لَا يَأْمَنُ فِيهَا الْخَطَأُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ طَرِيقٍ يَأْمَنُ فِيهِ الْخَطَأَ، فَمَا قَالَهُ الرَّازِيَّ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ لِلْخِلَافِ صَحِيحٌ. نَعَمْ، الْخِلَافُ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لَهُ ﵇ تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِسُؤَالِ اللَّهِ، وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ، بَلْ قُدْرَتُهُ عَلَى الْيَقِينِ مَقْطُوعٌ بِهَا، سَوَاءٌ وَقَعَ الْجَوَابُ فِي الْحَالِ. كَمَا كَانَ أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ، أَوْ بَعْدَ انْتِظَارِ الْوَحْيِ كَمَا فِي اجْتِهَادِهِ سَوَاءٌ. وَإِنَّمَا الْمَانِعُ مِنْ التَّخْرِيجِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ
стр. 3302
عُلِمَ، وَإِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ فِي تَعْيِينِهِ، وَمَسْأَلَتُنَا اجْتِهَادٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ غَيْرِ مَعْلُومٍ لَهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّجْوِيزِ فِي الْمُشْتَبَهِ بَعْدَ عِلْمِهِ الْجَوَازُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ. .
مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ وَمَا تَرَى مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، فَإِنَّك لَا تَحْكُمُ إلَّا بِالصَّوَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ. وَقَدْ سَبَقَتْ.
стр. 3303
الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمُجْتَهَدُ، فِيهِ وَهُوَ كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أَوْ عِلْمِيٍّ يُقْصَدُ بِهِ الْعِلْمُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ. فَخَرَجَ بِالشَّرْعِيِّ الْعَقْلِيُّ فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ. وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ مَا هُوَ كَسْبٌ لِلْمُكَلَّفِ إقْدَامًا وَإِحْجَامًا. وَبِالْعَمَلِيِّ مَا تَضَمَّنَهُ عِلْمُ الْأُصُولِ مِنْ الْمَظْنُونَاتِ الَّتِي يَسْتَنِدُ الْعَمَلُ إلَيْهَا. وَقَوْلُنَا: لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ احْتِرَازًا عَمَّا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّهُ إذَا ظَفِرَ فِيهِ بِالدَّلِيلِ حَرُمَ الرُّجُوعُ إلَى الظَّنِّ. مَسْأَلَةٌ فِي الْحَادِثَةِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِشَيْءٍ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَحْكُمَ فِي نَظِيرِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي قَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ. وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ ابْنُ عَقِيلٍ: إنْ كَانَ لَهُ ﷺ حُكْمٌ فِي نَظِيرِهَا يَصِحُّ اسْتِخْرَاجُهُ مِنْ مَعْنَى نُطْقِهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِرُجُوعِنَا إلَى طَلَبِ الْحُكْمِ مَعَ إمْسَاكِهِ عَنْهُ. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ بَحْثٌ فِي الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ، أَمَّا الْوُقُوعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لِوُجُوبِ الْبَيَانِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. .
стр. 3304
فَصْلٌ فِي تَحْلِيلِ الْحُجَجِ لَيْسَ يَكْفِي فِي حُصُولِ الْمَلَكَةِ عَلَى شَيْءٍ تَعَرُّفُهُ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الِارْتِيَاضِ فِي مُبَاشَرَتِهِ، فَلِذَلِكَ إنَّمَا تَصِيرُ لِلْفَقِيهِ مَلَكَةُ الِاحْتِجَاجِ وَاسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَرْتَاضَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَمَا أَتَوْا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ. وَرُبَّمَا أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ الْعَنَاءِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ تِلْكَ الْأَقْوَالِ مِنْ فَاسِدِهَا. وَمِمَّا يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى تَحْلِيلِ مَا فِي الْكِتَابِ وَرَدِّهِ إلَى الْحُجَجِ، فَمَا وَافَقَ مِنْهَا التَّأْلِيفُ الصَّوَابَ فَهُوَ صَوَابٌ، وَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَمَا أَشْكَلَ أَمْرُهُ تَوَقَّفَ فِيهِ. .
стр. 3305
[فَصْلٌ فِي وَظِيفَةِ الْمُجْتَهِدِ إذَا عَرَضَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ]
ٌ اعْلَمْ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَطْلُبَ لِنَفْسِهِ أَقْوَى الْحُجَجِ عِنْدَ اللَّهِ مَا وَجَدَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، لِأَنَّ الْحُجَّةَ كُلَّمَا قَوِيَتْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الزَّلَلِ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ ": " وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى " وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": إذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ فِيهِ فَلْيَعْرِضْهَا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ثُمَّ الْآحَادِ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ لَمْ يُخَضْ فِي الْقِيَاسِ، بَلْ يَلْتَفِتُ إلَى ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ فِي الْمُخَصِّصَاتِ مِنْ قِيَاسٍ وَخَبَرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُخَصِّصًا حَكَمَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْثُرْ عَلَى ظَاهِرٍ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ نَظَرَ إلَى الْمَذَاهِبِ، فَإِنْ وَجَدَهَا مُجْمَعًا عَلَيْهَا اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إجْمَاعًا خَاضَ فِي الْقِيَاسِ. وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا، وَيُقَدِّمُهَا عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ، كَمَا فِي الْقَتْلِ بِالْمُثَقِّلِ، فَيُقَدِّمُ قَاعِدَةَ الرَّدْعِ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلَمِ، فَإِنْ عَدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ فِي النُّصُوصِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ، وَإِلَّا انْحَدَرَ إلَى قِيَاسٍ مُخَيَّلٍ، فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَى طَرْدٍ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا تَدْرِيجُ النَّظَرِ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَلَقَدْ أَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عَنْ ذَلِكَ الْأَخْبَارُ، وَذَلِكَ تَأْخِيرُ مَرْتَبَةٍ لَا تَأْخِيرُ عَمَلٍ، إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُقَدَّمٌ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُقَدَّمٌ فِي الْمَرْتَبَةِ، فَإِنَّهُ مُسْتَنَدُ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ. وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ نَظَرَهُ فِي الْإِجْمَاعِ يَكُونُ أَوَّلًا، إذْ النُّصُوصُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً، وَلَا كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ النَّصَّ عَلَى الظَّاهِرِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ يَطْلُبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٌ مَا هُوَ.
стр. 3306
الْأَشْرَفُ، فَأَوَّلُ مَا يَطْلُبُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ النَّصَّ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالظَّاهِرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فِي مَنْطُوقِهَا وَلَا مَفْهُومِهَا رَجَعَ إلَى أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ فِي تَقْرِيرِهِ بَعْضَ أُمَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَظَرَ فِي الْإِجْمَاعِ، ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ إنْ لَمْ يَجِدْ الْإِجْمَاعَ. وَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ عَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ آخِرَ الْمَرَاتِبِ إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا الْحُكْمُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " ذَلِكَ كُلَّهُ. وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": يَجِبُ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَفِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَيَنْظُرُ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا فَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ، وَهُمَا فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِفَادَةِ الْقَطْعِ، فَإِنْ وَجَدَ أَخَذَ بِهِ وَإِلَّا نَظَرَ بَعْدُ فِي عُمُومَاتِهَا وَظَوَاهِرِهَا، فَإِنْ وَجَدَ وَإِلَّا نَظَرَ فِي مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ، فَإِنْ عَارِضَ الْقِيَاسُ عُمُومًا، أَوْ خَبَرٌ وَاحِدٌ عُمُومًا وَعَدِمَ التَّرْجِيحَ تَوَقَّفَ عَلَى رَأْيٍ، وَتَخَيَّرَ عَلَى رَأْيٍ، وَإِنْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ نَظَرَ فِي النَّسْخِ وَالتَّرْجِيحِ، فَإِنْ عَدِمَهُمَا جَاءَ الْخِلَافُ فِي التَّخْيِيرِ وَالْوَقْفِ. فَإِنْ عَدِمَ، بَنَاهُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. .
مَسْأَلَةٌ يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِالنَّصِّ الظَّاهِرِ الْبَحْثُ عَنْ الْمُعَارِضِ هَلْ لَهُ نَاسِخٌ أَوْ مُخَصِّصٌ أَوْ مُقَيِّدٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَلَهُ الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي بَابِ الْعُمُومِ، فِي التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْمُخَصِّصِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ فَإِلَى أَيِّ وَقْتٍ يَبْحَثُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ هُنَاكَ فَاسْتَحْضِرْهُ. وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ " الْمَحْصُولِ "
стр. 3307
أَنَّهُ قَطَعَ هُنَا بِالْبَحْثِ عَنْ الْمُعَارِضِ مَعَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ. وَحُكِيَ الْخِلَافُ فِيهِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَيَجْرِي هَذَا فِي كُلِّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ، كَالْقِيَاسِ مَعَ الِاسْتِصْحَابِ وَغَيْرِهَا. نَعَمْ، إذَا وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ الْإِجْمَاعَ عَمِلَ بِهِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ وَلَا طَلَبٍ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا قَالَ الْإِبْيَارِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ لَهُ مُعَارِضٌ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ، وَلَا يَصِحُّ نَسْخُهُ. .
стр. 3308
[فَصْلٌ الِاجْتِهَادُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ]
فَصْلٌ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الِاجْتِهَادُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ تَنْقَسِمُ طُرُقُهُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا - مَا كَانَ الِاجْتِهَادُ مُسْتَخْرَجًا مِنْ مَعْنَى النَّصِّ: كَاسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا مِنْ الْبُرِّ، فَهَذَا صَحِيحٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ. ثَانِيهَا - مَا اسْتَخْرَجَهُ مِنْ شَبَهِ النَّصِّ: كَالْعَبْدِ فِي ثُبُوتِ مِلْكِهِ، لِتَرَدُّدِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ، وَشَبَهِهِ بِالْبَهِيمَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ، فَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ وَالْمُنْكِرِينَ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُنْكَرِينَ لَهُ جَعَلُوهُ دَاخِلًا فِي عُمُومِ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْقِيَاسِ جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِأَحَدِ الشَّبَهَيْنِ. ثَالِثُهَا - مَا كَانَ مُسْتَخْرَجًا مِنْ عُمُومِ النَّصِّ: كَاَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعُمُّ الْأَبَ وَالزَّوْجَ وَالْمُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا. وَهَذَا صَحِيحٌ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالتَّرْجِيحِ. رَابِعُهَا - مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ إجْمَالِ النَّصِّ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُتْعَةِ: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ فِي قَدْرِ الْمُتْعَةِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ. خَامِسُهَا - مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ أَحْوَالِ النَّصِّ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَاحْتَمَلَ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَاحْتَمَلَ صِيَامَ السَّبْعَةِ إذَا رَجَعَ فِي طَرِيقِهِ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ، فَصَحَّ الِاجْتِهَادُ فِي تَغْلِيبِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. سَادِسُهَا - مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ دَلَائِلِ النَّصِّ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، فَإِنَّهُ
стр. 3309
أَكْثَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، فِي أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدِينٍ فَاسْتَدْلَلْنَا عَلَى تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ بِمُدٍّ فَإِنَّهُ أَقَلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا سَابِعُهَا - مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ أَمَارَاتِ النَّصِّ: كَاسْتِخْرَاجِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ لِمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ، مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] مَعَ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ بِالْأَمَارَاتِ وَالدَّلَالَةِ عَلَيْهَا مِنْ هُبُوطِ الرِّيَاحِ وَمَطَالِعِ النُّجُومِ. ثَامِنُهَا - مَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ وَلَا أَصْلَ قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ عَلَى وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِأَصْلٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الشَّرْعِ إلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَلِهَذَا كَانَ يُنْكِرُ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ، لِأَنَّهُ تَغْلِيبُ ظَنٍّ بِغَيْرِ أَصْلٍ. وَ (الثَّانِي) : يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ بِهِ، لِأَنَّهُ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَغْنَى عَنْ أَصْلٍ. وَقَدْ اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى مَا دُونَ الْحَدِّ بِآرَائِهِمْ فِي أَصْلِهِ مِنْ ضَرْبٍ وَحَبْسٍ. وَفِي تَقْدِيرِهِ بِعَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي حَالٍ، وَبِعِشْرِينَ فِي حَالٍ. وَلَيْسَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَقَادِيرِ أَصْلٌ مَشْرُوعٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ يُسْتَعْمَلُ مَعَ عَدَمِ الْقِيَاسِ. .
مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُزَنِيّ ﵀ فِي كِتَابِ " فَسَادِ التَّقْلِيدِ ": إذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ وَادَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ بِأَنَّ قَوْلَهَا نَظَرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّحَابَةِ وَطَلَبُهُمْ الْحَقَّ بِالشُّورَى الْمَوْرُوثَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] فَيُحْضِرُ الْإِمَامُ أَهْلَ زَمَانِهِ فَيُنَاظِرُهُمْ فِيمَا
стр. 3310
مَضَى وَحَدَثَ مِنْ الْخِلَافِ، وَيَسْأَلُ كُلَّ فِرْقَةٍ عَمَّا اخْتَارَتْ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَافِ وَالْمُنَاصَحَةِ، وَيَحُضُّهُمْ عَلَى الْقَصْدِ بِهِ إلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ النَّظَرُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يَقُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَالسَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، قِيلَ: عَلَى الْعَالِمِ الَّذِي وَقَفَ فِي الْفَتْوَى مَوْقِفَ الْإِمَامِ أَنْ يَطْلُبَ الْعُلَمَاءَ فَيُنَاظِرَهُمْ بِمِثْلِ مُنَاظَرَةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ كَانَ - أَوْ كَانُوا - بِمَوْضِعٍ لَا يَصِلُ فِيهِ إلَيْهِمْ فَأَقْرَبُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ النَّظَرُ فِي كُتُبِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالِاحْتِجَاجُ لَهُمْ، وَعَلَيْهِمْ تَتَبُّعُ الْحَقِّ مِمَّنْ قَامَتْ حُجَّتُهُ فِيهِمْ بِمَا وُصِفَتْ، وَإِدَامَةُ الرَّغْبَةِ إلَى اللَّهِ فِي تَوْفِيقِهِ لِلْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ خَيْرًا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ. انْتَهَى. وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ. .
فَائِدَةٌ عَلَى فَقِيهِ النَّفْسِ ذِي الْمَلَكَةِ الصَّحِيحَةِ تَتَبُّعُ أَلْفَاظِ الْوَحْيَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي مِنْهُمَا. وَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَجَدَهَا مَمْلُوءَةً، وَوَرَدَ الْبَحْرَ الَّذِي لَا يَنْزِفُ، وَكُلَّمَا ظَفِرَ بِأَيَّةٍ طَلَبَ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا، وَاسْتَمَدَّ مِنْ الْوَهَّابِ. وَمِنْ فِقْهِ الْفِقْهِ قَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» إنَّ فِيهِ احْتِيَاطًا لِلْمَالِ وَإِنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَنْ لَا يُضَيَّعَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّعَ. وَالْفَقِيهُ أَعْلَى، يَأْخُذُ مِنْ هَذَا مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ الْجَالِسَ عَلَى الْحَاجَةِ، أَوْ الْمُسْتَرِيحَ عَلَى الْقَارِعَةِ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ إذَا بَاحَثَ نَفْسَهُ قَالَ لَهَا: هَلَّا حَصَّلْت ثَوَابًا وَعَمَلًا صَالِحًا، فَإِذَا قَالَ لَهُ الْوَسْوَاسُ: أَنْتَ عَلَى الْخَلَاءِ، وَمَا عَسَاك تُحَصِّلُ مِنْ الطَّاعَةِ وَأَنْتَ بِمَكَانٍ تَنَزَّهَ عَنْهُ ذِكْرُ اللَّهِ، يَقُولُ، إنَّمَا مُنِعْنَا ذِكْرَ اللَّهِ بِالْأَلْسُنِ، فَهَلَّا اسْتَحْضَرْتَ ذِكْرَ الْمُنْعِمِ بِدَفْعِ هَذَا الْأَذَى عَنَّا، وَتَهَيُّؤِ الْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ، حَتَّى لَا يَخْلُو تَحْصِيلُ الطَّاعَةِ مِنْ الْمَحَالِّ.
стр. 3311
الْقَذِرَةِ. كَمَا أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَغْفُلْ عَنْ فَتْحِ تَحْصِيلِ الْمَالِ مِنْ الْمُقَذَّرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ بِمُعَالَجَةِ الدِّبَاغِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَهُنَّ» فَيَتَعَدَّى اسْتِنْبَاطُهُ إلَى تَحْرِيمِ كُلِّ مَا يُوقِعُ الْقَطِيعَةَ وَالْوَحْشَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِفْسَادَ مَا بَيْنَهُمْ حَتَّى السَّعْيَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي مَنَاصِبِ بَعْضٍ وَوَظِيفَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ تَغْنَمُ بِتَحْصِيلِ الْفَوَائِدِ وَتَثْمِيرِ الْأَعْمَالِ. .
مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ حُكْمٌ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ لِدَلِيلٍ كَانَ حُكْمَ اللَّهِ فِي حَقِّهِ إلَى أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ. وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ " - وَهُوَ مِنْ كُتُبِ " الْأُمِّ " مِنْ أَوَاخِرِهَا -: فَإِذَا قَدِمَ الْمُرْتَدُّ لِيُقْتَلَ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَقَتَلَهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ فَاَلَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ فَعَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ، وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ. وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ الْإِحْصَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ " أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ: لَوْ كَانَ يَذْهَبُ - أَيْ الْمُحْرِمُ - إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَحِلُّ إذَا بَعَثَ الْهَدْيَ بِمِنًى، فَبَعَثَ الْهَدْيَ فَنَحَرَ هُنَاكَ أَوْ ذَبَحَ لَمْ يَحِلَّ. وَكَانَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَإِذَا رَجَعَ إلَى مَكَّةَ كَانَ حَرَامًا كَمَا كَانَ. (قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ﵀) : وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ مَذْهَبًا وَعَمِلَ بِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّةِ فِعْلِهِ عِنْدَهُ، لِأَنَّ هَذَا اعْتَقَدَ جَوَازَ التَّحَلُّلِ وَتَحَلَّلَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَلَالًا بِذَلِكَ وَلَمْ نُصَحِّحْهُ فِي حَقِّهِ. وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " عَنْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَقَرَّهُ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الزِّنَا فِي الشُّبْهَةِ:
стр. 3312
كُلُّ جِهَةٍ صَحَّحَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَبَاحَ الْوَطْءَ بِهَا لَا حَدَّ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ. .
مَسْأَلَةٌ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ لَا يَقُولُ فِي مَسْأَلَةٍ: " لَا أَعْلَمُ " حَتَّى يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي النَّظَرِ فِيهَا ثُمَّ يَقِفُ. كَمَا أَنَّهُ لَا يَقُولُ: " أَعْلَمُ " وَيَذْكُرُ مَا عَلِمَهُ حَتَّى يُجْهِدَ نَفْسَهُ وَيَعْلَمَ، نَقَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَالِمَ لَيْسَ كَالْعَامِّيِّ، فَقَوْلُهُ: لَا أَعْلَمُ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْمَسْأَلَةِ وَيُطْمِعُ السَّائِلَ فِي الْإِقْدَامِ مَعَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مَنْصُوصَةَ الْحُكْمِ. وَأَيْضًا فَالْعَالِمُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لِيَتَعَلَّمَ وَيَعْلَمَ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ " لَا أَعْلَمُ " مِنْ الدِّينِ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَقِفَ عِنْدَ مُقْتَضَيَاتِ الْعِلْمِ بَعْدَ سَبْرِهَا. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُطْلِقُ " لَا أَعْلَمُ " إطْلَاقًا. أَمَّا مَنْ يُقَيِّدُ كَلَامَهُ بِمَا يَعْرِفُ فِيهِ الْمَعْنَى فَلَا يَمْنَعُ. .
مَسْأَلَةٌ هَلْ عَلَى الْمُجْتَهِدِ بَيَانُ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ عِلْمُهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ؟ يُتَّجَهُ فِيهِ تَخْرِيجُ خِلَافٍ مِنْ الْمُفْتِي: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْفَتْوَى، أَوْ لَا يَجِبُ الشَّاهِدُ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ مُسْتَنَدِهِ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ أَوْ لَا يَجِبُ؟ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا إلَّا عَلَى اعْتِقَادِ صِحَّةِ وُقُوعِهَا. وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي. نَعَمْ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ: يُبَيِّنُ الْفَرْعَ فِي الْأَدَاءِ جِهَةُ التَّحَمُّلِ مِنْ اسْتِدْعَاءٍ أَوْ أَدَاءً أَوْ بَيَانِ سَبَبٍ. قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ الْغَالِبَ الْجَهْلُ بِطَرِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ وَوَثِقَ بِهِ الْقَاضِي جَازَ تَرْكُهُ. .
стр. 3313
مَسْأَلَةٌ إذَا وَجَدْنَا عَنْ مُجْتَهِدٍ حُكْمًا وَظَفِرْنَا لَهُ بِدَلِيلٍ مُنَاسِبٍ، وَفَقَدْنَا غَيْرَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا جَعْلُهُ مُعْتَمَدًا لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ؟ جَزَمَ بِهِ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ " قَالَ: وَلِهَذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّا إذَا رَأَيْنَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ حُكْمًا. وَظَفِرْنَا لَهُ بِمُنَاسَبَةٍ جَزَمْنَا بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا مَعَ تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَقْلًا، لَكِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَيْهِ. .
مَسْأَلَةٌ يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقْصِدَ بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ وَإِصَابَةَ الْعَيْنِ الَّتِي يَجْتَهِدُ فِيهَا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُزَنِيّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالنَّصِّ. وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِاجْتِهَادِهِ إلَى طَلَبِ الْحَقِّ وَإِصَابَةِ الْعَيْنِ. فَيَجْمَعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلْيَعْمَلْ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ، فَيَجْعَلُونَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادَ وَلَا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ طَلَبَ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ، وَنُسِبَ إلَى أَبِي يُوسُفَ. وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقِيلَ: فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ طَلَبُ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ، كَقَوْلِنَا، وَفِي بَعْضِهَا يَعْمَلُ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَأَبِي يُوسُفَ. وَقَدْ اخْتَلَطَتْ مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي هَذَا حَتَّى الْتَبَسَتْ. وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلَيْهِ طَلَبَ الِاجْتِهَادِ. لَا طَلَبَ الْحَقِّ. بِأَنَّ مَا أَخْفَاهُ اللَّهُ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى إظْهَارِهِ. وَفِي إلْزَامِهِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَهُوَ غَلَطٌ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ نَوْعٌ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ قَوْلَيْنِ: أَنَّهُ
стр. 3314
هَلْ الْمُكَلَّفُ بِهِ الِاجْتِهَادُ لَا غَيْرُ، أَوْ كُلِّفَ التَّوَجُّهَ لِلْقِبْلَةِ؟ وَفَائِدَتُهُمَا فِيمَا لَوْ اجْتَهَدَ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ، هَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَجِبُ، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ " هُنَاكَ هَذَا الْخِلَافَ أَيْضًا وَقَالَ: إنَّهُ يَجْرِي فِي كُلِّ مُجْتَهَدٍ فِيهِ، فَفِي قَوْلٍ يُكَلَّفُ إصَابَةَ الْمَطْلُوبِ، وَفِي قَوْلٍ يُكَلَّفُ بَذْلَ الْمَجْهُودِ فِي الِاجْتِهَادِ. .
فِي حُكْمِ الِاجْتِهَادِ: لَا يَخْلُو حَالُ الْمُجْتَهِدِ فِيهِ إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ عَلَيْهِ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ تَخْتَلِفَ: فَإِنْ اتَّفَقَتْ فَهُوَ إجْمَاعٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ: الْأَوَّلُ - الْعَقْلِيُّ: فَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ مِمَّا يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ، كَمَا فِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، فَالْحَقُّ فِيهَا وَاحِدٌ، هُوَ الْمُكَلَّفُ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ. فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ. وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَكَمَا فِي وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ اسْمَ (الْكُفْرِ) ، فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ، لِعُدُولِهِ عَنْ الْحَقِّ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ دِينِيَّةً. أَمَّا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَمَا فِي وُجُوبِ تَرْكِيبِ الْأَجْسَامِ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ، وَانْحِصَارِ اللَّفْظِ فِي الْمُفْرَدِ وَالْمُؤَلَّفِ، فَلَا الْمُخْطِئُ فِيهِ آثِمٌ، وَلَا الْمُصِيبُ مَأْجُورٌ، إذْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا مَجْرَى الْخَطَأِ فِي أَنَّ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ أَكْبَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ أَصْغَرَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأُصُولِ
стр. 3315
مُصِيبٌ. وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ الْجَاحِظِ. وَيَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ الْمُخَالِفِينَ فِي الدِّينِ مُخْطِئًا. وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَجَعَلَ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاحِدًا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ فِي جَمِيعِهَا غَيْرَ آثِمٍ.
أَمَّا رَأْيُ الْعَنْبَرِيِّ فَبَيَّنَ الِاسْتِحَالَةَ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ، وَأَمَّا [رَأْيُ] الْجَاحِظِ فَبَاطِلٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَكَانَ ابْنُ الْعَنْبَرِيِّ يَقُولُ فِي مُثْبِتِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ، وَفِي نَافِي الْقَدَرِ: هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ، وَقَدْ اُسْتُبْشِعَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ فِي اجْتِهَادِهِمْ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ، كَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس، فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْت: وَهَذَا أَحَدُ الْمَنْقُولَاتِ عَنْهُ. قَالَ الْقَاضِي فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ": اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ فَقَالَ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ: إنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الدِّينِ تَجْمَعُهُمْ الْمِلَّةُ. وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصَوِّبُونَ.
وَغَلَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ فَصَوَّبَ الْكَافِرِينَ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ الرَّاكِنِينَ إلَى الْبِدْعَةِ. وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ: أَنْتُمَا (أَوَّلًا) مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا. و (ثَانِيًا) إذَا أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ
стр. 3316
خَرَجْتُمَا عَنْ حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَانْخَرَطْتُمَا فِي سِلْكِ الْأَنْعَامِ. وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ - كَمَا نُقِلَ عَنْ الْجَاحِظِ - فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِالْمُجْمِعِينَ عَلَى الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ: مِمَّا خَاضَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ. وَأَجْمَعُوا قَبْلَ الْعَنْبَرِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ إدْرَاكُ بُطْلَانِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ": لَعَلَّهُ أَرَادَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَخَلْقَ الْقُرْآنِ، إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُكَلَّفُ الْخَوْضَ فِيهِ، بِخِلَافِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا فَاسِدٌ، فَإِنَّ اعْتِقَادَ الْإِصَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى هَذَا مُحَالٌ. وَقَالَ إلْكِيَا: ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٌ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ وَنَفْيِهَا فَالْمُخْطِئُ فِيهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَلَوْ كَانَ مُبْطِلًا فِي اعْتِقَادِهِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الْمِلَّةِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ مَا كُلِّفُوا إلَّا اعْتِقَادَ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَبْحَثْ الصَّحَابَةُ عَنْ مَعْنَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ، عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ اعْتِقَادَهَا لَا يَجُرُّ حَرَجًا. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي اجْتِهَادِهِ، وَلَكِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْمُصِيبِ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُمَا الْجَوَازُ فِي الْأُصُولِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى حَطِّ الْإِثْمِ، لَا بِمَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِلْحَقِّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إذْ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَمَا ذَكَرَاهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا، لَكِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَخْلِيدِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُورَكٍ فَنُقِلَ عَنْهُ ذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّأْوِيلُ، نَحْوُ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ.
стр. 3317
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي " الشِّفَاءِ ": ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كَانَ عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ مِثْلَهُ عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَحَكَى قَوْمٌ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ. وَتَمَامُهُ فِي أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ وَالْبُلْهِ مُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الِاسْتِدْلَال، وَقَدْ نَحَا الْغَزَالِيُّ قَرِيبًا مِنْ هَذَا الْمَنْحَى فِي كِتَابِ " التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ " وَقَائِلُ هَذَا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَدًا مِنْ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ، وَكُلُّ مَنْ فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ فِي تَكْفِيرِهِمْ أَوْ شَكَّ، لِقِيَامِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى كُفْرِهِمْ. فَمَنْ وَقَفَ فِيهِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ. انْتَهَى.
وَمَا نَسَبَهُ لِلْغَزَالِيِّ غَلَطٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِفَسَادِ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ، كَمَا سَبَقَ عَنْهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي كِتَابِ " التَّفْرِقَةِ " هُوَ قَوْلُهُ: إنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ مِنْ نَصَارَى الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْوِيبُهُمْ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ. وَإِنَّمَا نَبَّهْت عَلَى هَذَا لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَا نُقِلَ عَنْ الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ إنْ أَرَادَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيَّنٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْمُتَفَاضِلَانِ لَا يَكُونَانِ حَقَّيْنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَذَلَ الْوُسْعَ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْأُصُولِيَّاتِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا غَيْرَ مُعَاقَبٍ فَهَذَا أَقْرَبُ وَجْهًا، لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُعْقَدُ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُوقِبَ وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ لَزِمَ تَكْلِيفُهُ لِمَا لَا يُطَاقَ.
стр. 3318
وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ الْعَنْبَرِيُّ عَمَّا رُدَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْيِيتِ الْمُشْتَرَكِينَ وَاغْتِرَارِهِمْ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَانِدِ وَغَيْرِهِ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: الْمُكَلَّفُ مِنْهُ مَعَ إمْكَانِ النَّظَرِ بَيْنَ مُعَانِدٍ وَمُقَصِّرٍ، وَأَنَا أَقُولُ بِهَلَاكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. هَذَا إنْ كَانَ مَا قَالَا بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَأَمَّا الَّذِي حُكِيَ عَنْهُ مِنْ الْإِصَابَةِ فِي الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ فَبَاطِلٌ قَطْعًا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فِي الْأُصُولِ وَالْمُجَسِّمَةِ: فَلَا شَكَّ فِي تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَكْفِيرِهِ. وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا: وَأَظْهَرُ مَذْهَبَيْهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ " إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ ": وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عِنْد مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ. وَقَالَ: اخْطَفْنَا فِي عِبَارَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ. وَالْخِلَافُ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ: لَا يُكَفِّرُ، قِيلَ لَهُ: أَلَا تُكَفِّرُ مَنْ يُكَفِّرُك؟ فَعَادَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ الْآخَرَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ عَلَى تَرْكِ التَّكْفِيرِ. وَقَالُوا: إنَّمَا نُكَفِّرُ مَنْ جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ، أَوْ عَلِمَ وُجُودَهُ وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا، أَوْ قَالَ قَوْلًا، أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ كَافِرٍ. وَمَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَصْحَابَهُ فِي نَفْيِ الْبَقَاءِ أَيْضًا، كَمَا يُكَفَّرُ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. قُلْت: وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَكْفِيرَ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ تَأَوَّلُوهُ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. .
الثَّانِي - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ: كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَكَوْنِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً، وَكَالْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَفِي الْحَاصِلِ عَنْ اجْتِهَادٍ، وَمِنْهُ اعْتِقَادُ كَوْنِ الْمُصِيبِ وَاحِدًا فِي الظَّنِّيَّاتِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ:
стр. 3319
فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ وَأَدِلَّتُهَا قَطْعِيَّةٌ، وَالْمُخَالِفُ فِيهَا آثِمٌ مُخْطِئٌ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " شَرْحِ الْعُمَدِ ": لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٌ مُصِيبًا، بَلْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، بِخِلَافِ الْفِقْهِ فِي الْأَمْرَيْنِ، قَالَ: وَالْمُخْطِئُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَلْحَقُ بِأُصُولِ الدِّينِ. كَذَا قَالَ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَقَدْ خَالَفَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي مَسَائِلَ ضَعِيفَةِ الْمَدَارِكِ، كَالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى الْحُرُوبِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَنْبَغِي تَأْثِيمُهُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً، كَمَا أَنَّا فِي أُصُولِ الدِّينِ لَا نُؤَثِّمُ مَنْ يَقُولُ: الْعَرْضُ يَبْقَى زَمَانَيْنِ أَوْ بِنَفْيِ الْخَلَا وَإِثْبَاتِ الْمَلَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. .
[الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ أَوْ مُتَعَدِّد]
الثَّالِثُ - مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ: فَقَالَ الْأَصَمُّ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ: إنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ وَأَنَّ أَدِلَّتَهَا قَاطِعَةٌ، فَلِذَلِكَ مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ فِيهَا فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ، فَكَيْفَ بِمَسَائِلِ الْعَقَائِدِ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْمَذْهَبُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ حُجَّةً، وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْعُمُومَاتُ كُلُّهَا، فَالْحُجَجُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ هَذِهِ حُجَّةً يَلْزَمُهَا بُطْلَانُ هَذَا الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ فَقَدْ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ مِنْهَا مَا لَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَلَّتِي لَا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَهِيَ الَّتِي أَدِلَّتُهَا قَاطِعَةٌ فِيهَا، فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهَا مِنْ دِينِ النَّبِيِّ ﵊ كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ الزِّنَى وَالْخَمْرِ، وَالْمُخْطِئُ فِي هَذَا كَافِرٌ لِتَكْذِيبِهِ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ. وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، كَجَوَازِ بَيْعِ الْحَصَا، وَتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمُخْطِئُ فِي هَذِهِ آثِمٌ غَيْرُ كَافِرٍ.
стр. 3320
وَأَمَّا الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ فَهِيَ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، وَنَفْيِ وُجُوبِ الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا عُدِمَتْ فِيهَا النُّصُوصُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَمُضَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ وَيُرْجَعُ فِيهَا إلَى الِاجْتِهَادِ، فَلَيْسَ بِآثِمٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عِوَضِهَا امْتِحَانًا مِنْ اللَّهِ لِعِبَادِهِ، لِيَتَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فِي دَرَجَاتِ الْعِلْمِ وَمَرَاتِبِ الْكَرَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وَعَلَى هَذَا يَتَأَوَّلُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» فَعَلَى هَذَا النَّوْعِ يُحْمَلُ هَذَا لِلَّفْظِ دُونَ النَّوْعِ الْآخَرِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ خَاصًّا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ، هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ؟ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِمْ فَنَقُولُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهَا، وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ، وَمُصِيبٌ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ جَوَازَ الْجَمِيعِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْجَمِيعِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ بِخُرَاسَانَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّ مَنْ أَدَّى اجْتِهَادَهُ إلَى حُكْمٍ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ مُخَالَفَتُهُ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ
стр. 3321
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ﵏ إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَنَا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَيَّنٌ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَلَالًا حَرَامًا، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَنَاظَرُوا فِي الْمَسَائِلِ وَاحْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِهِ، وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ إصَابَةَ الْحَقِّ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُخْطِئٌ إلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَخْطَأَهُ. وَنَسَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى الشَّافِعِيِّ، تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ: " وَأَدَّى مَا كُلِّفَ ". فَظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ " أَصَابَ "، وَغَلَّطُوهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ أَدَّى مَا كُلِّفَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: الْحَقُّ مِنْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ، وَالْآخَرُ بَاطِلٌ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ فَأَكْثَرَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِي " الشَّرْحِ " فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، لَا أَعْلَمُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَإِنَّمَا نَسَبَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِمَذْهَبِهِ إلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَادُّعُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ فِي الْمُجْتَهِدِ: " أَدَّى مَا كُلِّفَ " فَقَالُوا: الْمُؤَدِّي مَا كُلِّفَ مُصِيبٌ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ رَفْعَ الْإِثْمِ عَنْهُ، لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ خِلَافَ الْحَقِّ لَأَثِمَ، وَإِذَا خَالَفَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يَكُنْ آثِمًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَدِّي مَا كُلِّفَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَدَّى مَا كُلِّفَ عِنْدَ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ وَضْعَ الدَّلِيلِ فِي حَقِّهِ، وَسَلَكَ مَا وَجَبَ مِنْ طَرِيقِهِ.
стр. 3322
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَيْت فِيهِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فَاقْرَأْ الْبَابَ فَإِنَّك تَجِدُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ خَطَأٌ. ثُمَّ غَلَّطَ أَبُو إِسْحَاقَ الْقَوْلَ عَلَى مَنْ نَسَبَ إلَى الشَّافِعِيِّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَذْهَبُهُ: إذَا اجْتَهَدَ اثْنَانِ فِي الْقِبْلَةِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُمَا إلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَتَوَجَّهَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَتِهِ، وَلَوْ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخْطِئٌ عِنْدَهُ. وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَى خَلَفَ مَنْ لَا يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَلَهُ نَظَائِرُ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ بِيَقِينٍ، هَلْ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَمْ لَا؟ وَالْأَصَحُّ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَمَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يَقُولُ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ: لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ فَبَانَ غَنِيًّا، تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ؟ قَوْلَانِ: قَالَ الْقَاضِي: وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اخْتِيَارُ أَبِي حَامِدٍ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ صَاحِبُ " الْإِيضَاحِ " فِي " أُصُولِهِ " إنَّ اللَّهَ نَصَّبَ عَلَى الْحَقِّ عَلَمًا، وَجَعَلَ لَهُمْ إلَيْهِ طَرِيقًا فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ عُذِرَ بِخَطَئِهِ وَأُجِرَ عَلَى قَصْدِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْلَةُ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ اسْتَقْصَى الْمُزَنِيّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ " التَّرْغِيبِ فِي الْعِلْمِ " وَقَطَعَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ وَدَلَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَهُوَ مَذْهَبُ كُلِّ مَنْ صَنَّفَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُجَاهِدٍ. وَابْنُ فَوْرَك وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَقَالَ: نُقِضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْبَصْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِجُعَلٍ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ أَبَانَ.
стр. 3323
الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ "، وَلَكِنَّهُ مَالَ إلَى اخْتِيَارِ: " كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ " وَهَذَا مَذْهَبُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَهُمْ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْبِدْعَةِ، وَقَالُوا هَذَا لِجَهْلِهِمْ بِمَعَانِي الْفِقْهِ وَطُرُقِهِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَقِّ، الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا عَدَاهُ مِنْ الشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ، وَقَالُوا: لَيْسَ فِيهَا طَرِيقٌ أَوْلَى مِنْ طَرِيقٍ، وَلَا أَمَارَةَ أَقْوَى مِنْ أُخْرَى، وَالْجَمِيعُ مُتَكَافِئُونَ. وَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ حَكَمَ بِهِ، فَيَحْكُمُونَ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَهُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَبَسَطُوا لِذَلِكَ أَلْسِنَةَ نُفَاةِ الْقِيَاسِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ فِي طَلَبٍ يُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ أَوْ إلَى الظَّنِّ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عِلْمًا وظَنًّا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْنَا إصَابَتَهُ، وَإِنَّمَا كَلَّفَ الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِهِ، وَكُلُّ مَنْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ، وَقَدْ أَدَّى مَا كُلِّفَ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي أُصُولِهِ ": قَدْ أَضَافَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا هَذَا إلَى الشَّافِعِيِّ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ: " لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ ": قَالَ: وَهُوَ خَطَأٌ عَلَى أَصْلِهِ، لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَنَّ أَحَدَهُمَا مُخْطِئٌ لَا مَحَالَةَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَنُقِلَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، كَقَوْلِنَا. وَفِي بَعْضِهَا كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ. وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ فِي وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ الْمُصِيبُ إلَّا وَاحِدًا. وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا مَا أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ. وَقَالَ ﵊: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ» انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: صَارَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَالْمُخْطِئُ لَهُ مَعْذُورٌ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو حَامِدٍ.
إلَّا أَنَّهُ كُلِّفَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. ثُمَّ نَصَّ ابْنُ كَجٍّ عَلَى هَذَا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى خَطَأٍ. ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ مَعْذُورٌ.
стр. 3324
وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ: لِلنَّاسِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا - أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ، فَمَنْ وَضَعَ النَّظَرَ مَوْضِعَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَمَنْ قَصَرَ عَنْهُ وَفَقَدَ الصَّوَابَ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَا إثْمَ، وَلَا نَقُولُ؛ إنَّهُ مَعْذُورٌ، لِأَنَّ الْمَعْذُورَ مَنْ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ لَا عُذْرَ فِي تَرْكِهِ، كَالْعَاجِزِ عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ. وَهُوَ عِنْدَنَا قَدْ كُلِّفَ إصَابَةَ الْعَيْنِ لَكِنَّهُ خَفَّفَ أَمْرَ خَطَئِهِ وَأُجِرَ عَلَى قَصْدِهِ الصَّوَابَ، وَحُكْمُهُ نَافِذٌ عَلَى الظَّاهِرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ نَصَّ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " وَ " أَدَبِ الْقَاضِي ".
وَقَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فَالْحَقُّ فِي وَاحِدٍ مِنْ قَوْلَيْهِمَا. وَالثَّانِي - أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَيْنِ لَمْ يُكَلَّفُوا إصَابَتَهُ، وَكُلُّهُمْ مُصِيبُونَ لِمَا كُلِّفُوا مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ مُخْطِئًا. وَالثَّالِثُ - أَنَّهُمَا كُلِّفُوا الرَّدَّ إلَى الْأَشْبَهِ عَلَى طَرِيقِ الظَّنِّ. انْتَهَى. فَحَصَلَ وَجْهَانِ فِي أَنَّهُ يُقَالُ فِيهِ مَعْذُورٌ أَمْ لَا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا، فَقِيلَ: الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ، وَمَا عَدَاهُ بَاطِلٌ، إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَنْ الْمُخْطِئِ، وَقِيلَ: إنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ هَذَا أَحَدُهُمَا. وَالثَّانِي: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِأَخَرَةٍ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مَقْطُوعٍ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّ مُخْطِئَهُ مَأْثُومٌ، وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ مَنْقُوضٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ فِي أَنَّهُ هَلْ الْكُلُّ
стр. 3325
مُصِيبٌ فِي اجْتِهَادِهِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: الْمُخْطِئُ فِي الْحُكْمِ مُخْطِئٌ فِي الِاجْتِهَادِ. وَقِيلَ: الْكُلُّ مُصِيبٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْحُكْمِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ عِنْدَ اللَّهِ شَبَهًا رُبَّمَا أَصَابَهُ الْمُجْتَهِدُ وَرُبَّمَا أَخْطَأَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ. وَالْقَائِلُونَ بِالْأَشْبَهِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ، فَقِيلَ: تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنَّهُ أَشْبَهَ. وَقِيلَ: الشَّبَهُ عِنْدَ اللَّهِ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ قُوَّةُ الشُّبْهَةِ، فَهُوَ الْأَمَارَةُ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ يَجِبُ طَلَبُهُ. وَقِيلَ الْأَشْبَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ فِي الْحَادِثَةِ حُكْمُ لَوْ نَصَّ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ لَمْ يَنُصَّ إلَّا عَلَيْهِ. وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا هُوَ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَأَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عَنْ الْمُخْطِئِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": كَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَقُولَانِ: إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ، وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذَلِكَ. وَقَالَ سُلَيْمٌ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهَا وَاحِدٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُنَصِّبُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا [إمَّا] غَامِضًا وَإِمَّا جَلِيًّا. وَكُلِّفَ الْمُجْتَهِدُ طَلَبَهُ وَإِصَابَتَهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَإِذَا اجْتَهَدَ وَأَصَابَهُ كَانَ مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ، وَلَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَجْرٌ عَلَى إصَابَتِهِ. وَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ، إلَّا أَنَّ لَهُ أَجْرًا عَلَى اجْتِهَادِهِ، وَالْخَطَأُ مَرْفُوعٌ.
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ الْمَرِيسِيِّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمُّ وَزَادُوا فَقَالُوا: عَلَيْهِ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، ثُمَّ أَخْطَأَهُ، كَانَ آثِمًا مُضَلِّلًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ " إبْطَالِ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ ": إنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْ الْمُجْتَهِدَ إصَابَتَهُ وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ طَلَبَهُ، فَإِنْ أَصَابَهُ كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ أَخْطَأَ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ، لَا فِي الْحُكْمِ.
стр. 3326
وَحُكِيَ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ. وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَسْرِهَا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ حُكْمٌ مَطْلُوبٌ عَلَى الْيَقِينِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وَيَكُونُ مُصِيبًا. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ أَمْ لَا. عَلَى قَوْلَيْنِ. وَمَعْنَى الْأَشْبَهِ أَنَّ اللَّهَ لَوْ أَنْزَلَ حُكْمًا فِي الْحَادِثَةِ لَكَانَ هُوَ فَيَجِبُ طَلَبُ ذَلِكَ الْأَشْبَهِ. وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ عَنْهُمْ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّ اللَّهَ نَصَّبَ عَلَى الْحُكْمَيْنِ مَعًا دَلِيلًا، إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ إذَا تَكَافَأَتْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَغَمُضَتْ تَحَيَّرَ. وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ [إلَى] أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ، وَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مُخْطِئًا لِلْمَطْلُوبِ مُصِيبًا فِي اجْتِهَادِهِ، كَالْقَوْلِ الثَّانِي لِلْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخُرَاسَانِيُّونَ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ فُورَكٍ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَأَنَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ.
فَإِنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ، لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَوَّلِ. وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فِيهَا قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ حُكْمٌ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فِيهَا، وَاخْتَارَ هَذَا وَنَصَرَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ، وَلَا دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلْمُعْتَزِلَةِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوعِ: - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ، وَاَلَّذِي يُؤَدِّي إلَى غَيْرِهِ شُبْهَةٌ وَلَيْسَ بِالدَّلِيلِ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْمُجْتَهِدِينَ إصَابَةَ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ الَّذِي نَصَّبَهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ كَانَ مَعْذُورًا عَلَى خَطَئِهِ مُثَابًا عَلَى قَصْدِهِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
стр. 3327
الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ. وَقَالَ الْمُزَنِيّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، إلَّا أَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ مِنْ أَقْوَالِهِمْ.
قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِيهَا مَسَائِلُ نَقَضُوا فِيهَا الْحُكْمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَسَائِرِ مَا حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالِاسْتِحْسَانِ، وَأَوْجَبُوا الْحَدَّ عَلَى وَاطِئِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ فِي ذَلِكَ. وَأَوْجَبُوا إعَادَةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ أَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ أَوْ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِعَادَةَ الصَّوْمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ نِيَّتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَوْ نَوَى فِي فَرْضِهِ التَّطَوُّعَ، وَكَذَلِكَ نَقَضُوا الْحُكْمَ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِخِلَافِ خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ، وَخَبَرِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، وَالْعَرَايَا، وَالْفَلَسِ. وَكَانَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ يَنْقُضَانِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شَهَادَةَ، أَوْ شَهَادَةَ فَاسِقَيْنِ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ قَبْلَ قَوْلِ الْمُزَنِيّ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إصَابَةَ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ فِعْلَ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ صَلَّى إلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ خَطَأَهُ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ عِنْدَهُمَا إصَابَةَ عَيْنِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الصَّلَاةَ بِالِاجْتِهَادِ. انْتَهَى. وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِ " فَسَادِ التَّقْلِيدِ " لِلْمُزَنِيِّ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ إنْكَارُ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْفَتَاوَى، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لِمُخَالِفِهِ: قَدْ أَصَبْت فِيمَا خَالَفْتَنِي فِيهِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ، وَيُرْوَى عَنْ السَّمْتِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَالْإِثْمُ فِيهِ مَرْفُوعٌ، قَالَ: وَجَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي طَسْتٍ ثُمَّ غَرِمَهُ لِلْمُقْضَى عَلَيْهِ. قَالَ الْمُزَنِيّ: فَلَوْ كَانَ يَقْطَعُ بِأَنَّ الَّذِي قَضَى بِهِ هُوَ الْحَقُّ لَمَا تَأَثَّمَ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا غَرِمَ لِلظَّالِمِ ثَمَنَ طَسْتٍ فِي حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ ظَالِمٌ بِمَنْعِهِ إيَّاهُ مِنْ صَاحِبِهِ، قَالَ: وَلَكِنَّهُ عِنْدِي
стр. 3328
خَافَ أَنْ يَكُونَ قَضَى عَلَيْهِ بِمَا أَغْفَلَ مِنْهُ وَظَلَمَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، فَتَوَرَّعَ فَاسْتَحَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ وَغَرِمَهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ غَرِمَهُ لَهُ وَهُوَ يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا طَلَبُ الثَّوَابِ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ إعْطَاءَهُ لِمُحْتَاجٍ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَصَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي طَبَقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُصِيبٌ، وَالْغُلَاةُ مِنْهُمْ أَثْبَتُوا أَوْ نَفَوْا مَطْلُوبًا مُعَيَّنًا. وَعَزَا الْقَاضِي مَذْهَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ: لَوْلَاهُ لَكُنْت لَا أَعُدُّهُ مِنْ أَحْزَابِ الْأُصُولِيِّينَ. ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي عَمَلِهِ قَطْعًا. وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَهُوَ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ وَيُخْطِئُ الْمُخَالِفُ فِيهِ، أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي الظَّنِّيَّاتِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ إلْكِيَا: انْقَسَمُوا عَلَى قِسْمَيْنِ: غُلَاةٌ وَمُقْتَصِدَةٌ. فَالْغُلَاةُ افْتَرَقُوا مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهَا أَنْ يَأْخُذَ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُسْتَدْرَكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَأْخُذُ بِمَا يَشَاءُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا الْمَذْهَبُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ، أَمَّا السَّفْسَطَةُ فَلِكَوْنِهِ حَلَالًا حَرَامًا فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ. و (الثَّانِي) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ. فَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ كُلِّ مُجْتَهِدٍ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ.
стр. 3329
وَأَمَّا الْمُقْتَصِدَةُ فَقَالُوا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِي عَمَلِهِ قَطْعًا، وَلَا يُقْطَعُ بِإِصَابَةِ مَا عِنْدَ اللَّهِ، وَادَّعُوا أَنَّ فِي الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ حُكْمًا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ شَوْقُ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَطْلُوبُ الْبَاحِثِينَ، وَرُبَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَ إصَابَتِهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَصًّا. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَالْمُجْتَهِدُ مُقَصِّرٌ بِالنَّظَرِ فِيهِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَمَنْ قَصَّرَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَصِرْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ خَطَؤُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ، فَقَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً، وَقَدْ يَكُونُ صَغِيرَةً. وَهَذَا مَذْهَبُ الْغُلَاةِ، وَمِنْهُمْ الْأَصَمُّ وَالْمَرِيسِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِدْلَال. وَقِيلَ: فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ، إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِدِقَّتِهِ وَغُمُوضِ طَرِيقِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ آثِمٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَفَرٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَحُكِيَ. عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ، وَالْقِيَاسُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَالْفُرُوعُ الَّتِي تَتَجَاذَبُهَا أُصُولٌ كَثِيرَةٌ وَيُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا قِيَاسُ عِلِّيَّةِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٌ فِيهَا مُصِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْمُحَصِّلُونَ. وَقَالَ فِي بَعْضِ مَجْمُوعَاتِهِ فِي جَوَابٍ سُئِلَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُثَابَ عَنْهُ، لِأَنَّ الثَّوَابَ لَا يَكُونُ فِيمَا لَا يَسُوغُ، وَلَا فِي الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ.
стр. 3330
ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ خَطَأً قُصَارَى أَمْرِهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، فَكَيْفَ يَطْمَعُ فِي الثَّوَابِ عَلَى خَطَأٍ لَمْ يَصْنَعْهُ. وَقَدْ تَكَرَّرَتْ أَلْفَاظُهُ فِي كُتُبِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْهُ مِنْ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا حَكَيْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ آخِرًا وَبَيْنَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمْ يُكَلَّفْ الْأَشْبَهَ، وَاَلَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَنَّهُ كُلِّفَ إصَابَتَهُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا إنْ كَانَ خَطَؤُهُ صَغِيرًا. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاتِّحَادِ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ، فَقِيلَ: يُمْنَعُ مِنْ وُرُودِ التَّعَبُّدِ فِي الْفُرُوعِ بِالْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ وَقِيلَ: السَّمْعُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِهِ وَاحِدٌ. وَذَهَبَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَأَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي، أَيْ أَنَّ الْمُصَوِّبَةَ انْقَسَمُوا إلَى غُلَاةٍ وَمُقْتَصِدَةٍ.
وَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَالَهُ إلْكِيَا. وَقَالَ فِي " الْقَوَاطِعِ ": ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ، وَالْبَاقُونَ مُخْطِئُونَ، غَيْرَ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْذَرُ فِيهِ الْمُخْطِئُ وَلَا يُؤَثَّمُ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُهُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ قَوْلٌ سِوَاهُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) مَا قُلْنَاهُ، وَ (الْآخَرُ) أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلُوهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، وَمُخَالِفُهُ خَطَأٌ وَصَاحِبُهُ مَأْثُومٌ، قَالَ: وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي أُصُولِهِ ": قَالَ فَرِيقٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْحَوَادِثِ الَّتِي يَجُوزُ الْفَتْوَى فِي أَحْكَامِهَا بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ حُقُوقٌ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ بِعَيْنِهِ.
ثُمَّ إنَّهُمْ افْتَرَقُوا، فَقَالَ
следующие страницы →