← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ بَنَاهُ أَبُو هَاشِمٍ عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَأَصْلُهُ الْفَاسِدُ مِنْ مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ. وَحَاصِلُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ هَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا أَوْ يَنْقَطِعُ؟ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِتَوَسُّطِهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا يَعْصِي بِمَا تَوَرَّطَ بِهِ مِنْ الْعُدْوَانِ السَّابِقِ، وَقَالَ: وَهُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ عَاصٍ فِي خُرُوجِهِ وَلَا نَهْيَ عَلَيْهِ فَسُقُوطُ النَّهْيِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَتَعْصِيَتُهُ لِتَسَبُّبِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، إذْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَعْصِيَةٌ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وَلَا عِقَابٌ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي مَسْأَلَةِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ غَصَبَ مَالًا وَغَابَ بِهِ، ثُمَّ تَابَ وَتَوَجَّهَ رَاجِعًا، وَكَذَا اسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَضَعَّفَهُ الْغَزَالِيُّ لِاعْتِرَافِهِ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ، فَالْمَعْصِيَةُ إلَى مَاذَا تَسْتَنِدُ؟ . وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ إلَّا بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، وَقَدْ سَلِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ فَانْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: فِيهِ جِهَتَانِ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِافْتِرَاغِ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ اللُّبْثِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ سَوَاءٌ كَمَا قَالَهُ فِي " الْبُرْهَانِ ": قُلْنَا: مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ الِامْتِثَالَ مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا جَاءَ الِاتِّحَادُ مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَا خَيْرَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، فَلَا يُكَلَّفُ.

стр. 352

قُلْتُ: وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ: وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَوْ غَسَلَ الطِّيبَ غَيْرُهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ غَسَلَهُ هُوَ بِيَدِهِ يَفْتَدِي مِنْ غَسْلِهِ. قِيلَ: إنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ، وَإِنْ مَاسَّهُ فَلَا، إنَّمَا مَاسَّهُ لِيُذْهِبَهُ عَنْهُ، ثُمَّ يُمَاسُّهُ لِيَتَطَيَّبَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُهُ، وَهَذَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَطِيعُ، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَلِأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الذَّنْبِ لَا لِلزِّيَادَةِ مِنْهُ، فَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ. اهـ لَفْظُهُ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْوُقُوعِ فِي حَرَامٍ فَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ لَا يُوصَفُ حَالَةَ التَّخَلُّصِ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الدُّخُولِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ " الْفُرُوقِ ": قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ. اهـ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ نَفْسَ إشْغَالِ الْحَيِّزِ بَاقٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَنَفْسَ الِانْتِقَالِ هُوَ جَائِزٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ، إذْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ. هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ؟ .

стр. 353

قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ وَالنَّزْعَ يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَقَالَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ: بَلْ يَجُوزُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْأُمِّ "؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَقَعُ فِي النِّكَاحِ، وَاَلَّذِي يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ هُوَ النَّزْعُ، وَالنَّزْعُ تَرْكُ الْمَأْثَمِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: اُدْخُلْ دَارِي وَلَا تُقِمْ فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ غَرَضَهُ يَظْهَرُ بِمَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا أَبُو هَاشِمٍ، فَحَارَتْ فِيهَا عُقُولُ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ مَنْ تَوَسَّطَ جَمْعًا مِنْ الْجَرْحَى، وَجَثَمَ عَلَى صَدْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَهَلَكَ مَنْ تَحْتَهُ، وَلَوْ انْتَقَلَ لَهَلَكَ آخَرُ، يَعْنِي مَعَ تَسَاوِي الرَّجُلَيْنِ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَتَحَصَّلْ فِيهَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَبْتٍ، وَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، وَوَجْهُ السُّقُوطِ اسْتِحَالَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَاسْتِمْرَارُ الْعِصْيَانِ، لِتَسَبُّبِهِ إلَى مَا لَا يَخْلُصُ مِنْهُ، وَلَوْ فُرِضَ إلْقَاءُ رَجُلٍ عَلَى صَدْرِ آخَرَ، بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْوَاقِعِ اخْتِيَارٌ فَلَا تَكْلِيفَ وَلَا عِصْيَانَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَمْكُثُ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَيُحْتَمَلُ التَّخْيِيرُ، وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلَّهِ فِيهِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِمُكْثٍ وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَكِنْ إنْ تَعَدَّى فِي الِابْتِدَاءِ

стр. 354

اسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْعُدْوَانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، وَنَفَى الْحُكْمُ حُكْمَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَقَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ لَا حُكْمَ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ. هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَلَمْ أَفْهَمْهُ بَعْدُ، وَقَدْ كَرَّرْتُهُ عَلَيْهِ مِرَارًا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كَانَ لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مُحَقَّقَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ، وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ: هَذَا لَا أَفْهَمُهُ يَعْنِي لَا لِعَجْزِ السَّامِعِ عَنْ فَهْمِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَفْهُومٍ فِي نَفْسِهِ. اهـ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: أَرَدْت انْتِفَاءَ الْحُكْمِ يَعْنِي الْحُكْمَ الْخَاصَّ وَهِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، وَتَكُونُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ حُكْمًا لِلَّهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ " النِّهَايَةِ ": لَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ، وَهَذَا حُكْمٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: انْتِقَالُك ابْتِدَاءُ فِعْلٍ مِنْك وَاسْتِقْرَارُك فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ مَا وَقَعَ ضَرُورِيًّا، وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَجِبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُمْكِنًا، وَإِذَا امْتَنَعَ بِإِيجَابِهِ بِحَالٍ، وَالْمُمْتَنِعُ شَرْعًا كَالْمُمْتَنِعِ حِسًّا وَطَبْعًا. قَالَ: وَهَذَا فِي الدِّمَاءِ لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، فَالتَّحْقِيقُ فِيهَا لَيْسَ بِالْبِدْعِ، فَلَوْ وَقَعَ بَيْنَ أَوَانٍ وَلَا بُدَّ مِنْ انْكِسَارِ بَعْضِهَا أَقَامَ أَوْ انْتَقَلَ فَيَتَعَيَّنُ

стр. 355

فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّخْيِيرُ. اهـ. وَقَدْ سَأَلَ الْغَزَالِيُّ الْإِمَامَ فِي كِبَرِهِ عَنْ هَذَا، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ لَا حُكْمَ وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ؟ فَقَالَ: حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَفْهَمُ هَذَا؟ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنْ تَسَبَّبَ إلَى الْوُقُوعِ أَثِمَ بِالنَّسَبِ، وَإِلَّا فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إنْ وَقَعَ عَلَى الْجَرْحَى بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ الْمُكْثُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ، وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِاسْتِمْرَارٍ وَكُرْهٍ، أَوْ بِانْتِقَالِهِ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى آخَرَ قَطْعًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " يُحْتَمَلُ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِالِاخْتِيَارِ مُهْلِكٍ وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ، فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَنْتَقِلُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ فِي سَلَامَةِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَهْلِكَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ، أَوْ يَمُوتَ بِأَجَلِهِ قَبْلَ الْجُثُومِ إلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ؛ لِتَعَادُلِ الْمَفْسَدَتَيْنِ. قَالَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ دَلَّسَ بِفَرْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضِيقُ كَمَا زَعَمَ إلَّا بِأَنْ نَفْرِضَ جَوْهَرَيْنِ مُفْرَدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ، قَدْ جَثَمَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ بَقِيَ أَهْلَك، وَإِنْ انْتَقَلَ فَرَّ مِنْ انْتِقَالِهِ عَنْ الْجَوْهَرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ زَمَنُ جُثُومِهِ عَلَى الْجَوْهَرِ الثَّانِي لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ وَهَذَا فَرْضٌ مُسْتَحِيلٌ، فَإِنَّ الْأَجْسَامَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَزْمِنَةُ انْتِقَالِهَا مَعْدُودَةٌ، فَهُوَ إذَا انْتَقَلَ مَضَتْ أَزْمِنَةٌ بَيْنَ الِانْتِقَالِ وَالْجُثُومِ هُوَ فِيهَا سَالِمٌ مِنْ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ الثَّانِي قَبْلَ الْجُثُومِ عَلَيْهِ، فَيَسْلَمُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا فَالِانْتِقَالُ مُتَرَجِّحٌ فَيَتَعَيَّنُ، وَكَذَلِكَ مُتَوَسِّطُ الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْخُرُوجِ، وَيَكُونُ بِهِ مُطِيعًا لَا عَاصِيًا.

стр. 356

قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي هَاشِمٍ: لَا تَكْلِيفَ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ، وَبِخُلُوِّ الْوَاقِعَةِ مَعَ الْتِزَامِهِ فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَدَمَ الْخُلُوِّ، وَاحْتِجَاجِهِ بِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ. [تَكْمِيلٌ تضاد الْمَكْرُوه وَالْوَاجِبِ] ِ] كَمَا يَتَضَادُّ الْحَرَامُ وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ وَالْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ مَطْلُوبُ التَّرْكِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ انْصَرَفَتْ الْكَرَاهَةُ عَنْ ذَاتِ الْوَاجِبِ إلَى غَيْرِهِ صَحَّ الْجَمْعُ، كَكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ، وَنَحْوِهَا، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْقَضَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ حَكَى وَجْهًا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. [مَسْأَلَةٌ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ] ِ] يَجُوزُ أَنْ يَحْرُمَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ

стр. 357

ذَلِكَ، وَقَالَ: لَمْ تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ، وَأَوَّلُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] عَلَى جَعْلِ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبُحَ أَحَدُهُمَا قَبُحَ الْآخَرُ فَيَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي " أُصُولٍ " عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ الْأَوَّلَ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " مُحْتَجًّا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْآيَةِ عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي الشَّرْعِ النَّهْيُ عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا لَمْ تُحْمَلْ الْآيَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَوُقُوعُهُ. وَعَلَى هَذَا فَاخْتَلَفُوا، فَعِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْكُلِّ بَلْ الْمُحَرَّمُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، وَيَجُوزُ لَهُ فِعْلُ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي جَانِبِ الْإِيجَابِ، كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: الْكُلُّ حَرَامٌ، كَقَوْلِهِمْ فِي جَانِبِ الْإِيجَابِ: الْكُلُّ وَاجِبٌ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا الْجَمْعَ هُنَاكَ، وَهُنَا أَوْجَبُوا اجْتِنَابَ الْكُلِّ، فَيَبْقَى النِّزَاعُ هُنَا مَعْنَوِيًّا بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ. وَتَوَقَّفَ فِيهِ الْهِنْدِيُّ، إذْ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. قَالَ: وَالْقِيَاسُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ كَمَا يَتْبَعُ الْحُسْنَ الْخَاصَّ عِنْدَهُمْ. فَكَذَا التَّحْرِيمُ يَتْبَعُ الْقُبْحَ الْخَاصَّ، فَإِنْ وَجَبَ الْكَفُّ عَنْ الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى اسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ التَّحْرِيمَ، فَلْيَجِبْ فِعْلُ الْجَمِيعِ فِي صُورَةِ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى اسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْإِيجَابَ.

стр. 358

قُلْت: مَأْخَذُ الْخِلَافِ هُنَا: أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا مُتَعَلَّقَ التَّحْرِيمِ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ، وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ، وَنَقُولُ: مُتَعَلِّقُ أَحَدِ الْخُصُوصِيَّيْنِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت: إحْدَى الْحِصَّتَيْنِ الْمُعَيَّنَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا، وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَ وَاحِدٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، وَالنَّهْيِ الْمُخَيَّرِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِمَفْهُومِ أَحَدِهَا وَالْخُصُوصِيَّاتُ مُتَعَلَّقُ التَّخْيِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْمُشْتَرَكِ إيجَابُ الْخُصُوصِيَّاتِ كَمَا مَضَى. وَأَمَّا النَّهْيُ فَإِنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمُشْتَرَكِ لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمُ الْخُصُوصِيَّاتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مِنْهُ فَرْدٌ إلَى الْوُجُودِ لَدَخَلَ فِي ضِمْنِهِ الْمُشْتَرَكُ الْمُحَرَّمُ، وَوَقَعَ الْمَحْذُورُ، كَمَا إذَا حَرَّمَ الْخِنْزِيرَ يَلْزَمُ تَحْرِيمُ السَّمِينِ مِنْهُ وَالْهَزِيلِ وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا لَاقَى فِي الْمَجْمُوعِ عَيْنًا لَا الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ أَنْ لَا يَدْخُلَ مَاهِيَّةُ الْمَجْمُوعِ فِي الْوُجُودِ، وَالْمَاهِيَّةُ تَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِ جُزْءٍ مِنْهَا، وَأَيُّ أُخْتٍ تَرَكَهَا خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْمَجْمُوعِ فَلَيْسَ كَالْأَمْرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْحَقُّ نَفْيُ التَّحْرِيمِ الْمُخَيَّرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ فِي الْأُخْتَيْنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ لَا إحْدَاهُمَا، وَلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ إمَّا أَحَدُهَا أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَفِي كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ إشَارَةٌ إلَيْهِ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مَأْخَذُهُ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّ النَّهْيَ عَنْ نَوْعٍ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ أَفْرَادِهِ، إذْ فِي كُلِّ فَرْدٍ النَّهْيُ، مِثْلُ " لَا تَزْنِ " فَلَا شَيْءَ مِنْ الزِّنَى بِحَلَالٍ،

стр. 359

وَإِلَّا لَصَدَقَ أَنَّهُ زِنًى. وَالْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، وَآخَرُونَ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْكُلِّ يَسْتَلْزِمُ بَعْضَ أَفْرَادِهِ وَقَالَ صَاحِبُ " الْوَاضِحِ " مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: النَّهْيُ عَنْ أَشْيَاءَ عَلَى التَّخْيِيرِ إنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: لَا تَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُلُوُّ مِنْهَا كُلِّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِلَّا لَمْ يَحْسُنْ النَّهْيُ عَنْ كُلِّهَا كَقَوْلِهِ: لَا تَفْعَلْ فِي يَدِك حَرَكَةً وَلَا سُكُونًا. وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ رَأْيُ أَصْحَابِنَا فِي النَّهْيِ عَنْ أَشْيَاءَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي قُبْحَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْأَضْدَادُ بِجُمْلَتِهَا قَبِيحَةً، وَلَا يَنْفَكُّ الْإِنْسَانُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُنْهَى عَنْهَا بِأَجْمَعَ، فَإِذَا نَهَى عَنْ ضِدَّيْنِ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْهُمَا إلَى ثَالِثٍ صَحَّ، وَيَصِحُّ مِنْهُ فِعْلُهَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَيَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَعَلَهُ كَانَ قَبِيحًا، وَالنَّهْيُ عَنْهُمَا مَعَ تَضَادِّهِمَا عَنْ الْجَمْعِ لَا يَحْسُنُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِي الْمَقْدُورِ، وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَمَتَى مَا أَمَرَ بِشَيْئَيْنِ ضِدَّيْنِ كَانَ لَهُ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَهَذَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا لَزِمَ الْمُكَلَّفَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الضِّدَّيْنِ كَانَا وَاجِبَيْنِ عَلَى التَّخْيِيرِ، فَإِذَا نُهِيَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ النَّهْيِ، فَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَلَا يَصِحُّ، وَيُفَارِقُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مِمَّا يُفَارِقُ الْأَمْرَ النَّهْيُ: أَنَّهُ إذَا نُهِيَ عَنْ أَشْيَاءَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ فِعْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَفْظُ التَّخْيِيرِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٤] الْآيَةَ.

стр. 360

[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُقَالُ هَذَا أَحْرَمُ مِنْ هَذَا] ؟] سَبَقَ فِي بَحْثِ الْوَاجِبِ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقَالُ هَذَا أَوْجَبُ مِنْ هَذَا؟ أَجْرَاهُ ابْنُ بَزِيزَةَ فِي " شَرْحِ الْأَحْكَامِ " فِي أَنَّهُ هَلْ يُقَالُ هَذَا أَحْرَمُ مِنْ هَذَا أَمْ لَا؟ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ مَقُولٌ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَوْ كَثْرَةِ الزَّوَاجِرِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِ الطَّلَبِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّنَى بِالْأُمِّ أَشَدُّ مِنْ الزِّنَى بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَى فِي الْمَسْجِدِ آثَمُ مِنْ الزِّنَى فِي الْكَنِيسَةِ. وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ شِدَّةَ التَّحْرِيمِ فِيهِ إلَى أَنَّهُ فَعَلَ حَرَامَيْنِ، وَالْكَلَامُ لَمْ يَقَعْ إلَّا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. اهـ. [خَاتِمَةٌ تَرْكُ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ] ِ] قِيلَ: تَرْكُ الْوَاجِبِ فِي الشَّرِيعَةِ بَلْ وَفِي الْعَقْلِ أَعْظَمُ مِنْ فِعْلِ الْحَرَامِ لِوُجُوهٍ. الْأَوَّلِ: أَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ، وَتَرْكَ الْمُحَرَّمِ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ،

стр. 361

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فَبَيَّنَ أَنَّ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ مِمَّا فِيهَا مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْفَحْشَاءِ. الثَّانِي: أَنَّ أَعْظَمَ الْحَسَنَاتِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَهُوَ أَدَاءُ وَاجِبٍ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ كُفْرٌ.

стр. 362

[فَصْلٌ فِي الْمُبَاحِ] ِ وَهُوَ مَا أُذِنَ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَرْكٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِاقْتِضَاءِ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ، فَخَرَجَ بِالْإِذْنِ بَقَاءُ الْأَشْيَاءِ عَلَى حُكْمِهَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مُبَاحًا، وَخَرَجَ فِعْلُ اللَّهِ فَلَا يُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَقِّ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَالْأُسْتَاذُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ. وَقَوْلُنَا: مِنْ حَيْثُ هُوَ تُرِكَ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ بِالْحَرَامِ وَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ، فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سَوَاءً، بَلْ يَكُونُ تَرْكُهُ وَاجِبًا، وَإِنَّمَا يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ إذَا تَرَكَ الْمُبَاحَ بِمِثْلِهِ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَقَدْ يُتْرَكُ بِالْوَاجِبِ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يُتْرَكُ بِمَنْدُوبٍ كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَقَدْ يُتْرَكُ بِالْحَرَامِ، كَتَرْكِ الْبَيْعِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْكَذِبِ وَالْقَذْفِ.

стр. 363

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ حُكْمَ الْمُبَاحِ يَتَغَيَّرُ بِمُرَاعَاةِ غَيْرِهِ فَيَصِيرُ وَاجِبًا إذَا كَانَ فِي تَرْكِهِ الْهَلَاكُ، وَيَصِيرُ مُحَرَّمًا إذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ فَوَاتُ فَرِيضَةٍ أَوْ حُصُولُ مَفْسَدَةٍ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَيَصِيرُ مَكْرُوهًا إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِ نِيَّةُ مَكْرُوهٍ، وَيَصِيرُ مَنْدُوبًا إذَا قَصَدَ بِهِ الْعَوْنَ عَلَى الطَّاعَةِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءُ ": بَعْضُ الْمُبَاحِ يَصِيرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ صَغِيرَةً كَالتَّرَنُّمِ بِالْغِنَاءِ، وَلَعِبِ الشَّطْرَنْجِ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ. وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا حَدُّوا الْمُبَاحَ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا حَرَجَ فِي فِعْلِهِ وَلَا فِي تَرْكِهِ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ عَسِرٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ فِعْلُ اللَّهِ وَفِعْلُ السَّاهِي وَالْغَافِلِ وَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ؛ لِاسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْمَنْعِ الشَّرْعِيِّ بِهَا، فَإِذَا شَمِلَتْ الْإِبَاحَةُ لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَمْنَعُ كَوْنَهَا مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ امْتَنَعَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الْإِبَاحَةِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَإِلَّا لَمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الْأَفْعَالُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِهَا. وَمِنْ أَسْمَائِهِ: الْحَلَالُ وَالْمُطْلَقُ وَالْجَائِزُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ ": كُلُّ مُبَاحٍ جَائِزٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَائِزٍ مُبَاحًا، فَإِنَّا نَقُولُ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ: إنَّهَا جَائِزٌ حُدُوثَهَا، وَلَا نَقُولُ: إنَّهَا مُبَاحَةٌ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ الْمُبَاحَ إذَا وَقَعَ لِتَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ ثَمَّتَ بِكُلِّ الْمُرَادَاتِ.

стр. 364

وَخَالَفَتْ الْمُعْتَزِلَةُ، فَقَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَيْرُ مُرِيدٍ لِلْمُبَاحِ وَلَا كَارِهٍ لَهُ، وَنَشَأَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فِعْلَ شَيْءٍ وَرَدَتْ فِيهِ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا تَكْلِيفًا. [مَسْأَلَةٌ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْمُبَاحُ] ُ] يُطْلَقُ الْمُبَاحُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ. الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا مَا صَرَّحَ فِيهِ الشَّرْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ لِلْمُسَافِرِ: إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ. الثَّانِي: مَا سَكَتَ عَنْهُ الشَّرْعُ، فَيُقَالُ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ، وَيُوصَفُ بِالْإِبَاحَةِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثِ، وَهُوَ مَا جَازَ فِعْلُهُ، اسْتَوَى طَرَفَاهُ أَوْ لَا. وَقَدْ يُطْلَقُ الْمُبَاحُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهُ قَوْلُنَا: الْحَلْقُ فِي الْحَجِّ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَالْمُرَادُ بِالْإِبَاحَةِ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّحْلِيلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ. وَقَدْ يَجْرِي فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ: جَازَ لَهُ أَوْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَيُرِيدُونَ

стр. 365

بِهِ الْوُجُوبَ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ دَائِرًا بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْوُجُوبِ فَيَسْتَفِيدُ بِقَوْلِهِمْ: يَجُوزُ نَفْيُ الْحُرْمَةِ فَيَبْقَى الْوُجُوبُ، وَلِهَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ عَلِمَ دُخُولَ رَمَضَانَ بِالْحِسَابِ: إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ، وَكَذَا لَا يَحْسُنُ قَوْلُهُمْ فِي الصَّبِيِّ: لَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ وَجَبَ. [مَسْأَلَةٌ مِنْ صِيَغِ الْمُبَاحِ] ِ] وَمِنْ صِيَغِهِ أَعْنِي الْمُبَاحَ: رَفْعُ الْحَرَجِ، كَقَوْلِهِ ﷺ لِلسَّائِلِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» وَمِنْ صِيَغِهِ فِي الْقُرْآنِ: نَفْيُ الْجُنَاحِ، وَمِنْ ثَمَّ صَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْقَصْرَ مُبَاحٌ لَا وَاجِبٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وَالْجُنَاحُ: الْإِثْمُ، وَهَذَا مِنْ صِفَةِ الْمُبَاحِ لَا الْوَاجِبِ. وَأُجِيبُ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ بِأَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: نُزُولُهَا عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ ظَنُّهُمْ أَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

стр. 366

[مَسْأَلَةٌ الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ] ٌّ] الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ يَلْتَفِتُ إلَى تَفْسِيرِ الْمُبَاحِ، إنْ عَرَّفَهُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ، وَهُوَ اصْطِلَاحُ الْأَقْدَمِينَ، فَنَفْيُ الْحَرَجِ ثَابِتٌ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَلَا يَكُونُ مِنْ الشَّرْعِ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِعْلَامِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ فَالْإِعْلَامُ بِهِ إنَّمَا يُعْلَمُ مِنْ الشَّرْعِ فَيَكُونُ شَرْعِيًّا. [مَسْأَلَةٌ الْإِبَاحَةُ لَيْسَتْ بِتَكْلِيفٍ] ٍ] الْإِبَاحَةُ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بِتَكْلِيفٍ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّهُ تَكْلِيفٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّا كُلِّفْنَا اعْتِقَادَ إبَاحَتِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لِلْإِبَاحَةِ لَيْسَ بِمُبَاحٍ بَلْ وَاجِبٍ، وَكَلَامُنَا فِي الْمُبَاحِ. وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ تَكْلِيفٌ بِمَعْرِفَةِ حُكْمِهِ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَقَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْعِلْمَ بِحُكْمِ الْمُبَاحِ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِ الْمُبَاحِ.

стр. 367

قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَقَدْ غَلَّطَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، ثُمَّ وَقَعَ فِيهِ حَيْثُ قَالَ فِي حَدِّ الْفِقْهِ: إنَّهُ الْعِلْمُ بِأَحْكَامِ الْمُكَلَّفِينَ، وَفِي الْفِقْهِ مُبَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِدُخُولِ الْمُبَاحِ فِي التَّكْلِيفِ هَلْ دَخَلَ فِيهِ بِإِذْنٍ أَوْ أَمْرٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: بِإِذْنٍ لِيَخْرُجَ عَنْ حُكْمِ النَّدْبِ. وَالثَّانِي: بِأَمْرٍ دُونَ أَمْرِ النَّدْبِ، كَمَا أَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ دُونَ أَمْرِ الْوَاجِبِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى خُرُوجِهِ مِنْ التَّكْلِيفِ بِإِذْنٍ أَوْ أَمْرٍ، لِاخْتِصَاصِ التَّكْلِيفِ بِمَا تَضَمَّنَهُ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ. [مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ لَا يُسَمَّى قَبِيحًا] ] أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُسَمَّى قَبِيحًا، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسَمَّى حَسَنًا أَمْ لَا؟ وَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْحَسَنِ، وَقَدْ سَبَقَ. [مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ هَلْ هُوَ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ] ِ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ هَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ؟

стр. 368

[مَسْأَلَةٌ الْمُبَاحُ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ] ِ] الْمُبَاحُ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ؟ خِلَافٌ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي مَاذَا؟ هَلْ هُوَ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ أَوْ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْ فِي النَّدْبِ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ حَيْثُ قَالَ: كُلُّ فِعْلٍ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، فَهُوَ وَاجِبٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَرَكَ بِهِ الْحَرَامَ. وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِفِعْلِهِ مُطِيعًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي عَنْ الْكَعْبِيِّ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " بِأَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ دُونَ الْأَمْرِ بِالنَّدْبِ، وَالنَّدْبَ دُونَ الْأَمْرِ بِالْإِيجَابِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْأَمْرَ عَلَى الْمُبَاحِ فَلَا يُسَمَّى الْمُبَاحُ وَاجِبًا، وَلَا الْإِبَاحَةُ إيجَابًا، وَتَبِعَهُ فِي هَذَا الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ " وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ الْكَعْبِيُّ مُفَاجِئًا بِإِنْكَارِ الْمُبَاحِ

стр. 369

وَهُوَ قَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنْهُ فِي " الْبُرْهَانِ " وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: أَنَّهُ بَاحَ بِإِنْكَارِ الْمُبَاحِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَقَالَ: هُوَ وَاجِبٌ، وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْأَوْسَطِ " وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمْ وَالْأَلْيَقُ بِهِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَنَسَبَهُ إلَى مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ، فَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ إذَنْ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ قَالَ بِهِ أَبُو الْفَرَجِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: حَكَاهُ عَنْهُ الْبَاجِيُّ، ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَ مُرَادُهُمْ بِكَوْنِ الْمُبَاحِ مَأْمُورًا بِهِ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، فَالْخِلَافُ فِي الْعِبَارَةِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْإِبَاحَةَ لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءٌ لَهُ عَلَى جِهَةِ الْإِيجَابِ أَوْ النَّدْبِ وَأَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: ذَهَبَ الْكَعْبِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا مُبَاحَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَهُ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُبَاحَ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَكِنَّهُ دُونَ النَّدْبِ، كَمَا أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ وَلَكِنْ دُونَ الْوَاجِبِ، وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ، وَيَحْسُنُ أَنْ يَطْلُبَهُ الطَّالِبُ لِحُسْنِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ فِي الْفَتْوَى، وَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَإِنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ إمَّا أَنْ يَتَرَجَّحَ فِعْلُهُ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ لَا: فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ فَهُوَ الْمُبَاحُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ تَرَجَّحَ فَإِنْ لَحِقَ الذَّمُّ عَلَى تَرْكِهِ؛ فَهُوَ الْوَاجِبُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمَنْدُوبُ، وَمَنْ تَخَيَّلَ وَاسِطَةً فَلَا عَقْلَ لَهُ. انْتَهَى.

стр. 370

وَأَلْزَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَصْحَابَنَا الْمَصِيرَ إلَى مَقَالَةِ الْكَعْبِيِّ مِنْ قَوْلِهِمْ: النَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّنَى لَمَّا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَإِنَّ الْقَوَاطِعَ عَنْهُ بِالِاشْتِغَالِ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا كَوْنِ حُكْمِهَا عِنْدَ الْكَعْبِيِّ أَوْ أَحَدِهَا وَاجِبًا عَلَى الْمُكَلَّفِ الْتَبَسَ بِهِ لِيَكُونَ قَاطِعًا لَهُ عَنْ الزِّنَى، وَيُخَيَّرُ فِي الْأَشْغَالِ الْقَاطِعَةِ، فَمَا اخْتَارَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهِ مِنْهَا تَعَيَّنَ وُجُوبُهُ كَمَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا: إنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ أَضْدَادٌ كَثِيرَةٌ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ الَّتِي يَكُونُ التَّلَبُّسُ بِهَا يَقْطَعُهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَيَكُونُ مُخَيَّرًا فِي التَّلَبُّسِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ وَيَجْرِي مَجْرَى التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَالْحَقُّ: أَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ بِخِطَابِ الْإِبَاحَةِ إنَّمَا هُوَ ذَاتُهُ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ آخَرَ، فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَاغِلٌ عَنْ الْمَعَاصِي فَلَيْسَ هَذَا بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَلَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْمُكَلَّفِ، وَمَا صَوَّرَهُ الْكَعْبِيُّ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ ذَرِيعَةً وَوَسِيلَةً فَلَا نُنْكِرُهُ، وَلَكِنْ الْمُنْكَرُ قَصْدُ الشَّارِعِ إلَيْهِ، وَلِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَأَنَّهُ نَقِيضُ الْوَاجِبِ، وَكَوْنُهَا وُصْلَةً لَا يَغْلِبُ حُكْمُهَا الْمَقْصُودَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ شَرْعًا. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ يَتَّجِهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَخِلَافِ الْكَعْبِيِّ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْوَاجِبَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابٌ مَقْصُودٌ، وَالْإِبَاحَةُ مَقْصُودَةٌ فِي الْإِبَاحَاتِ، وَلَمْ يُشْرَعْ لِلنَّهْيِ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: " لَا تَزْنِ وَلَا تَسْرِقْ " لَمْ يُطْلَقْ لَهُ الرَّوَاحُ وَالْمَجِيءُ مِنْ غَيْرِ خُطُورِ النَّهْيِ عَنْ السَّرِقَةِ. وَلَيْسَ الْوُجُوبُ وَصْفًا رَاجِعًا إلَى الْعَيْنِ حَتَّى يُقَالَ: لَا أَثَرَ لِقَصْدِ الْمُخَاطَبِ فِيهِ، وَلَعَلَّ الْكَعْبِيَّ يَعْتَقِدُ الْوُجُوبَ وَصْفًا رَاجِعًا إلَى الْعَيْنِ كَمَا قَالُوا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، أَوْ يُخَالِفُ فِي الْعِبَارَةِ.

стр. 371

قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةِ " إذْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَلَا عَقْلِيَّةٌ ". نَعَمْ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَوَائِدُ شَرْعِيَّةٌ، فَإِنَّ النَّاوِيَ لِلصَّوْمِ لَا يَقْصِدُ الْإِمْسَاكَ لَيْلًا، وَلَا يَنْوِي بِصَوْمِهِ تَقَرُّبًا، وَقَدْ يُقَالُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مِقْدَارُهُ فَيُقَالُ: الْمَجْهُولُ كَيْفَ يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا إمْكَانَ فِيهِ؟ وَالْمُخَالِفُ فِيهِ يَقُولُ: لَا جَرَمَ هَذَا النَّوْعُ وَآخِرُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِنْهُمَا لَا يَتَبَيَّنُ فَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَتَبْقَى تَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَإِلَّا فَمَا عَلِمَ الْحَكِيمُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى أَدَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَجْعَلُهُ وَاجِبًا. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": بَنَى الْكَعْبِيُّ مَذْهَبَهُ عَلَى أَصْلٍ إذَا سَلِمَ لَهُ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالنَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، وَلَا مُخَلِّصَ مِنْ مَذْهَبِهِ إلَّا بِإِنْكَارِ هَذَا الْأَصْلِ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ: احْتَجَّ الْكَعْبِيُّ بِأَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ تَرْكُ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ مُبَاحٍ إلَّا وَهُوَ تَرْكٌ لِمَحْظُورٍ. وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْمُبَاحِ وَاجِبًا مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهِ تَرْكًا لِمَحْظُورٍ، وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَمْرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ لِجَوَازِ تَرْكِهِ بِوَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، فَلَا يَكُونُ تَرْكًا لِلْحَرَامِ بَلْ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُهُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْمُبَاحُ الَّذِي بِهِ يُتْرَكُ الْحَرَامُ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَفِيهِ إقْرَارٌ بِأَنَّ بَعْضَ الْمُبَاحِ وَاجِبٌ.

стр. 372

قَالَ الْآمِدِيُّ: هَذَا الْجَوَابُ صَادِرٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ كَلَامَهُ فَإِنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِدُونِ التَّلَبُّسِ بِضِدِّهِ مِنْ أَضْدَادِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَالتَّلَبُّسُ بِضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِهِ وَاجِبٌ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا مُضَيَّقًا كَإِنْقَاذِ أَعْمَى مِنْ بِئْرٍ وَاشْتَغَلَ بِالصَّلَاةِ أَنَّهُ حَرَامٌ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ. قَالَ: وَلَا مُخَلِّصَ عَنْهُ إلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ مِنْ عَقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ اسْتَصْعَبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَزَعَمُوا أَنَّ كَلَامَ الْكَعْبِيِّ صَحِيحٌ حَتَّى قَالَ الْآمِدِيُّ: عَسَى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِي حَلُّهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: قَوْلُهُ إنَّ الْحَرَامَ إذَا تُرِكَ بِهِ حَرَامٌ آخَرُ يَكُونُ وَاجِبًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يُقَالُ عَلَيْهِ: إنَّ التَّفْصِيلَ بِالْجِهَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَقْلِ دُونَ الْخَارِجِ، فَلَيْسَ لَنَا فِي الْخَارِجِ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَكُونُ وَاجِبًا حَرَامًا؛ لِاسْتِحَالَةِ تَقَوُّمِ الْمَاهِيَّةِ بِفَصْلَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ، وَهُمَا فَصْلُ الْوُجُوبِ وَفَصْلُ الْحُرْمَةِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يُقَالُ عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الْمُبَاحَ وَاجِبٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْوُجُوبِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَقَدْ عُلِمَ بِالْبَدِيهَةِ امْتِنَاعُ تَقْوِيمِ الْمَاهِيَّةِ بِفَصْلَيْنِ أَوْ فُصُولٍ مُتَعَانِدَةٍ، وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ مُمَيِّزَانِ ذَاتِيَّانِ بِخِلَافِ الْمُمَيِّزَيْنِ الْعَرَضِيَّيْنِ الْخَاصَّيْنِ وَاللَّازِمَيْنِ. وَأَيْضًا نَقُولُ: قَوْلُهُ " فِعْلُ " الْمُبَاحِ تَرْكُ الْحَرَامِ. قُلْنَا: تَرْكُهُ لَهُ بِخُصُوصِهِ أَوْ تَرْكٌ لَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْفِعْلِ وَاجِبًا، وَأَمَّا

стр. 373

الثَّانِي فَلَا نُسَلِّمُ، وَسَنَدُ الْمَنْعِ أَنَّ التَّلَبُّسَ بِالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ تَرْكٌ لِجَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ وَالْمُبَاحَةِ غَيْرَ الْفِعْلِ الْمُتَلَبَّسِ بِهِ، وَتَرْكُ الْجَمْعِ الْمَذْكُورِ لَا يَتَعَيَّنُ بِهِ ضِدٌّ مُعَيَّنٌ عَمَلًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْ مَفْهُومِهِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ، ثُمَّ نَقُولُ: مَا ذَكَرْتُمْ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ. قُلْنَا: مَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَيْسَ بِمُضَيَّقٍ، وَلِتَرْكِ الْحَرَامِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ اللَّوَازِمُ تَسَاقَطَتْ فَيَبْقَى الْمُبَاحُ عَلَى إبَاحَتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَعَارُضِ اللُّزُومِ الَّذِي اسْتَلْزَمَهُ لَوَازِمُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَمَتَى تَعَارَضَتْ اللَّوَازِمُ تَسَاقَطَتْ. الثَّالِثِ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا جَمِيعَ الْأَفْعَالِ دَائِرَةً أَخَذَتْ الْأَفْعَالُ الْمُبَاحَةُ خُمْسَهَا. فَإِذَا حَصَلَ الْفِعْلُ الْمُتَلَبَّسُ بِهِ فَهُوَ مَرْكَزُ الدَّائِرَةِ، وَإِذَا كَانَ مَثَلًا مُبَاحًا بِالذَّاتِ الَّذِي أَقَرَّ الْكَعْبِيُّ بِهِ حَصَلَ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ نِسْبَةٌ إلَى كُلِّ خُمْسٍ مِنْ أَجْزَاءِ الدَّائِرَةِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُبَاحٌ فَتَسَاقَطَتْ النِّسَبُ الْخَمْسُ، وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ الذَّاتِيَّةُ. الثَّانِي: مِنْ أَدِلَّةِ الدَّائِرَةِ إذَا تَلَبَّسَ الْمُتَلَبِّسُ حَصَلَتْ لَهُ الْإِبَاحَةُ بِالذَّاتِ وَبِالنِّسْبَةِ حَصَلَ مِنْهُ الْوُجُوبُ نَاشِئًا عَنْ النِّسْبَةِ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ أَمْرَانِ يَقْتَضِيَانِ حُكْمَيْنِ عَارَضَهُمَا أَمْرٌ مُسَاوٍ لِأَحَدِهِمَا يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ مُرَجِّحٌ وُقُوعَ نَقِيضِ الْأَمْرَيْنِ، فَيَرْجَحُ الْقَوْلُ بِإِبَاحَةِ الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ. الثَّالِثِ: أَنْ تَقُولَ: هَذَا الْفِعْلُ فِيهِ إبَاحَةٌ ذَاتِيَّةٌ، وَإِبَاحَةٌ نِسْبِيَّةٌ، وَفِيهِ وُجُوبٌ نِسْبِيٌّ مُعَارِضٌ لِلْإِبَاحَةِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَتَبْقَى الْإِبَاحَةُ الذَّاتِيَّةُ. الرَّابِعِ: أَنْ تَقُولَ: الْإِبَاحَةُ النِّسْبِيَّةُ تُرَجَّحُ بِانْفِرَادِهَا عَلَى الْوُجُوبِ

стр. 374

النِّسْبِيِّ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ النِّسْبِيَّةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى النِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْوُجُوبُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَرْكِ الْحَرَامِ، وَالْحَرَامُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى النِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ فَتَرْجَحُ الْإِبَاحَةُ، وَقَدْ رُدَّ مَذْهَبُ الْكَعْبِيِّ أَيْضًا بِاسْتِلْزَامِ كَوْنِ الْمَنْدُوبِ وَاجِبًا، إذْ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ، وَكَذَا سَائِرُ الْأَقْسَامِ مَعَ نَقَائِضِهَا، وَلَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ انْتِقَالٍ عَنْ تَحْرِيمٍ مِنْ قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ نَوْمٍ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، وَهُوَ خَرْقُ الْإِجْمَاعِ، وَيَلْزَمُ فِيمَا إذَا اشْتَغَلَ عَنْ الْقَتْلِ بِالزِّنَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا، فَيَجْمَعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ وَلِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَمَنْ سُبِقَ بِالْإِجْمَاعِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُبَاحُ أَحَدُ أَضْدَادِ الْمُحَرَّمِ، وَالتَّلَبُّسُ بِأَحَدِهَا وَاجِبٌ، وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْوُجُوبِ، كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَهُوَ قَوِيُّ الْإِشْكَالِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْوَاصِفِينَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّخْيِيرِ بِالْوُجُوبِ، لَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: الْوَاجِبُ الْمُسَمَّى فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وَصْفُ أَحَدِ الْمُبَاحَاتِ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْوُجُوبِ.

стр. 375

[فَصْلٌ فِي الْمَنْدُوبِ] ِ وَهُوَ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَلَا يُذَمُّ تَارِكُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَارِكٌ لَهُ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ مَا لَوْ أَقْدَمَ عَلَى ضِدٍّ مِنْ أَضْدَادِ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ فِي نَفْسِهِ، فَيَلْحَقُهُ الْإِثْمُ إذَا تَرَكَ الْمَنْدُوبَ مِنْ حَيْثُ عِصْيَانُهُ لَا مِنْ حَيْثُ تَرْكُهُ الْمَنْدُوبَ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ". قَالَ: وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ مَا يُمْدَحُ فَاعِلُهُ وَلَا يُذَمُّ تَارِكُهُ بَاطِلٌ، لِصِدْقِهِ عَلَى فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُسَمَّى نَدْبًا كَمَا لَا يُسَمَّى مُبَاحًا. وَالنَّدْبُ، وَالْمُسْتَحَبُّ، وَالتَّطَوُّعُ، وَالسُّنَّةُ أَسْمَاءٌ مُتَرَادِفَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَفِي " الْمَحْصُولِ ": لَفْظُ السُّنَّةِ يَخْتَصُّ فِي الْعُرْفِ بِالْمَنْدُوبِ بِدَلِيلِ قَوْلِنَا: هَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: السُّنَّةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَنْدُوبِ بَلْ تَتَنَاوَلُ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ أَوْ نَدْبِيَّتُهُ. اهـ.

стр. 376

وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ: مَا عَدَا الْفَرَائِضَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: سُنَّةٌ: وَهِيَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ . وَمُسْتَحَبٌّ: وَهُوَ مَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِهِ مَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَتَطَوُّعَاتٌ: وَهُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ بِخُصُوصِهِ نَقْلٌ بَلْ يَفْعَلُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَرَدَّهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْمِنْهَاجِ " بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَفْعَالُهُ فِيهَا سُنَّةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ، وَالِاسْتِسْقَاءُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةُ لَمْ يُنْقَلْ إلَّا مَرَّةً، وَذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ اهـ. وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: أَنَّ النَّفَلَ وَالتَّطَوُّعَ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ وَهُمَا مَا سِوَى الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَالْمُسْتَحَبِّ، وَنَحْوُ ذَلِكَ أَنْوَاعٌ لَهَا. وَفِي وَجْهٍ رَابِعٍ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ: السُّنَّةُ مَا اُسْتُحِبَّ فِعْلُهُ وَكُرِهَ تَرْكُهُ، وَالتَّطَوُّعُ مَا اُسْتُحِبَّ فِعْلُهُ وَلَمْ يُكْرَهْ تَرْكُهُ. وَفِي وَجْهٍ خَامِسٍ: حَكَاهُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ " الْمَطْلَبِ ": السُّنَّةُ مَا فَعَلَهُ ﷺ ، وَالْمُسْتَحَبُّ مَا أَمَرَ بِهِ سَوَاءٌ فَعَلَهُ أَوْ لَا، أَوْ فَعَلَهُ وَلَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهِ، فَالسُّنَّةُ إذًا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْإِدَامَةِ، وَقِيلَ: السُّنَّةُ مَا تُرَتَّبُ كَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَالنَّفَلُ وَالنَّدْبُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ "، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": النَّفَلُ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إلَّا أَنَّهُ دُونَهُ فِي الرُّتْبَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مَا ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهُ فِي الْأَمْرِ وَبَالَغَ الشَّرْعُ فِي التَّخْصِيصِ مِنْهُ يُسَمَّى سُنَّةً، وَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ تَطَوُّعًا وَنَافِلَةً، وَمَا تَوَسَّطَ بَيْنَ هَذَيْنِ فَضِيلَةً وَمُرَغَّبًا فِيهِ.

стр. 377

وَفَرَّقَ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْهَيْئَةِ: بِأَنَّ الْهَيْئَةَ مَا يَتَهَيَّأُ بِهَا فِعْلُ الْعِبَادَةِ، وَالسُّنَّةَ مَا كَانَتْ فِي أَفْعَالِهَا الرَّاتِبَةِ فِيهَا، وَجَعَلَ التَّسْمِيَةَ وَغَسْلَ الْكَفَّيْنِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الْهَيْئَاتِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ، وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو تَمَّامٍ بِمَكَّةَ. قَالَ: سَأَلْت الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ بِبَغْدَادَ عَنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إنَّهُ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ وَنَفْلٌ وَهَيْئَةٌ، فَقَالَ: هَذِهِ عَامِّيَّةٌ فِي الْفِقْهِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إلَّا فَرْضٌ لَا غَيْرُ. قَالَ: وَقَدْ اتَّبَعَهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فَذَكَرَ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ سُنَّةً وَهَيْئَةً، وَأَرَادَ بِالْهَيْئَةِ رَفْعَ الْيَدَيْنِ وَنَحْوَهُ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى السُّنَّةِ. قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ سَأَلْت عَنْ هَذَا أُسْتَاذِي الْقَاضِي أَبَا الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيَّ بِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ: هَذِهِ أَلْقَابٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَلَا نَعْرِفُهَا فِي الشَّرْعِ. قُلْت لَهُ: قَدْ ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا الْبَغْدَادِيُّونَ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ، فَقَالَ: الْجَوَابُ عَلَيْكُمْ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا النُّظَّارُ، فَقَالُوا: السُّنَّةُ مَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي جَمَاعَةٍ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ

стр. 378

سُنَّةً، وَالْفَضِيلَةُ مَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ نَفْسِهَا كَالْقُنُوتِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. قَالَ: وَهَذَا خِلَافٌ لَفْظِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي الثَّوَابِ، فَالسُّنَّةُ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَالنَّدْبُ وَمُتَعَلِّقُهُ مِنْ الثَّوَابِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَدْ رَكِبَ الشَّافِعِيُّ مَسْلَكًا ضَيِّقًا فَأَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ سُنَّةً، ثُمَّ قَالَ: إنَّ تَرْكَ السُّورَةِ لَا يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ، وَتَرْكَ الْقُنُوتِ يَقْتَضِي، حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُوجَدُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ. [مَسْأَلَةٌ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ] ِ] الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيِّ، وَابْنِ الصَّبَّاغِ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْأَمْرِ وَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْعَلُهُ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ حَمْلٌ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَإِخْرَاجُ الْبَعْضِ فَكَانَ حَقِيقَةً كَلَفْظِ الْعُمُومِ إذَا خُصَّ فِي بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَلِهَذَا قَسَّمُوا الْأَمْرَ

стр. 379

إلَى وَاجِبٍ وَنَدْبٍ، وَمَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ، وَقَالَ الْكَرْخِيّ وَأَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ، وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ، وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الرَّازِيَّ فِي " الْمَحْصُولِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ ": الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، وَهُوَ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَقَوْلُنَا: إنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْأَمْرَ إنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ فَالْمَنْدُوبُ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِلَّا فَمَأْمُورٌ بِهِ، قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَاقِفِيَّةِ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ، فَكَيْفَ اخْتَارَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ التَّوَقُّفُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ صِيغَةَ " افْعَلْ " حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ؟ وَهَذَا السُّؤَالُ يَخُصُّ الْآمِدِيَّ، وَابْنَ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُمَا زَعَمَاهُ كَذَلِكَ.

стр. 380

قُلْنَا: الْكَلَامُ هُنَا فِي الْأَمْرِ هُوَ صِيغَةُ " أم ر " لَا فِي صِيغَةِ " افْعَلْ " وَالْأَمْرُ مَقُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ بِالْحَقِيقَةِ، وَ " افْعَلْ " يَخْتَصُّ بِالْوُجُوبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لَا يَكُونُ إلَّا إيجَابًا، وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقًا، فَيَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ لَا فِي الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا فَهُوَ بَحْثٌ آخَرُ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ مُشَكَّكٌ كَالْوُجُودِ وَالْبَيَاضِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي مِنْهُمْ بِأَنَّ النَّدْبَ بَعْضُ الْوُجُوبِ فَهُوَ كَدَلَالَةِ الْعَلَمِ عَلَى بَعْضِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَجَازٍ، وَإِنَّمَا الْمَجَازُ دَلَالَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ. قِيلَ: وَالْمَنْدُوبُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ إلَّا أَنَّ إطْلَاقَهُ عَلَى الْوَاجِبِ أَوْلَى أَوْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْإِطْلَاقِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ الشَّرْعِيِّ. ثُمَّ قِيلَ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، إذْ الْمَنْدُوبُ مَطْلُوبٌ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَعَلَى هَذَا مَطْلُوبُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ اقْتِضَاءُ الشَّرْعِ لِلْمَنْدُوبِ أَمْرٌ حَقِيقَةً أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ، وَلَهُ فَوَائِدُ: أَحَدُهَا: قَالَ الْمَازِرِيُّ، وَالْإِبْيَارِيُّ: إنَّمَا جَعَلَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ لَفْظِيًّا؛ لِتَعَلُّقِهِ بِبَحْثِ اللُّغَةِ، وَإِلَّا فَفَائِدَتُهَا فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ إذَا قَالَ الرَّاوِي: أُمِرْنَا، أَوْ أَمَرَنَا

стр. 381

النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا فَإِنْ قُلْنَا: لَفْظُ الْأَمْرِ يَخْتَصُّ بِالْوُجُوبِ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي ذَلِكَ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خُولِفَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْبَحْثُ الْعَقْلِيُّ هَلْ وَجَدَ فِي النَّدْبِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ؟ وَالثَّانِي: هَلْ يُسَمَّى النَّدْبُ أَمْرًا؟ وَهَذَا بَحْثٌ لُغَوِيٌّ، وَقَدْ نُوزِعَ فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا جَعَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الصَّحَابِيُّ: أُمِرْنَا أَوْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ نَهَانَا فَعِنْدَنَا يَجِبُ قَبُولُهُ، وَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ: لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُعْقَلَ لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ، وَعِنْدَنَا مَأْمُورٌ بِهِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْأَمْرِ وَدَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْوُجُوبَ فَمَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَمَلَهُ عَلَى النَّدْبِ، وَلَمْ يَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إلَى دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُ حَقِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالْإِطْلَاقِ، وَالْأُخْرَى بِالتَّقْيِيدِ، وَكَمَا حُمِلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى إحْدَاهُمَا حُمِلَ عِنْدَ التَّقْيِيدِ عَلَى الْأُخْرَى، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَجَازٌ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلَالَةٍ ذَكَرَهُ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ". الثَّالِثَةُ: لِحَمْلِ لَفْظِ الْأَمْرِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَجْهَانِ: وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": مَنْشَأُ الْخِلَافِ هَاهُنَا: أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي مَاذَا؟ فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي التَّرْجِيحِ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِجَوَازِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ، وَلَا بِالْمَنْعِ مِنْهُ فَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي التَّرْجِيحِ الْمَانِعِ مِنْ النَّقِيضِ فَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.

стр. 382

وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْأَمْرَ إنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ فَلَا. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ» ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَأَمَرْتُهُمْ أَمْرَ إيجَابٍ لَا أَمْرَ نَدْبٍ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ (لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ) . [فُرُوعٌ الْمَنْدُوبُ حَسَنٌ] ٌ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ مِنْ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْقَاضِي خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ التَّكْلِيفِ، وَسَيَأْتِي، وَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَإِلَّا لَنَاقَضَ أَصْلَ نَدْبِيَّتِهِ، وَأَمَّا وُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ فَلِاخْتِصَاصِهِ بِأَنَّ فَرْضَهُ كَنَفْلِهِ نِيَّةً وَكَفَّارَةً

стр. 383

وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مُفَرَّعَةً عَلَى مَسْأَلَةِ الْكَعْبِيِّ، وَهُوَ أَنَّ مَا جَازَ تَرْكُهُ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ وَاجِبًا، وَالْحَقُّ: خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الْكَعْبِيِّ مَا يَجُوزُ تَرْكُهُ، وَالْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ هُنَا لَا يُجَوِّزُ التَّرْكَ، فَلَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهَا عَلَيْهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَوَقَعَ لِي مَأْخَذٌ لَطِيفٌ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ الشَّرْعَ يُلْزِمُ أَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَنَحْوَهُمَا عِبَادَاتٌ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، فَلَوْ رَكَعَ إنْسَانٌ، فَتَرَكَ السُّجُودَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا أَلْبَتَّةَ، فَإِذَا شَرَعَ فِيمَا لَا يَتَجَزَّأُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ، وَيَكُونُ التَّقْوِيمُ عَلَى مُعْتِقِ الْبَعْضِ أَصْلًا فِي هَذَا، فَإِنَّ حَاصِلَهُ إيجَابُ الْإِتْمَامِ عَلَى مَنْ شَرَعَ وَيَكُونُ نَظِيرَ عِتْقِ مُشْكِلٍ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ حَيْثُ قَبْلُ التَّجْزِئَةِ ابْتِدَاءً وَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ التَّنَفُّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِضَرُورَةِ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِ الْأَرْكَانِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ الْإِتْمَامِ إلَى الْإِيمَاءِ. قُلْتُ: وَهُوَ يَرْجِعُ لِمُنَاسَبَةٍ مُتَدَافِعَةٍ كَمَا تَرَى. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ احْتَجَّ عَلَى الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فَإِنَّهُ جَاهِلٌ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا: لَا تُبْطِلُوهَا بِالرِّيَاءِ وَأَخْلِصُوهَا، وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: لَا تُبْطِلُوهَا بِالْكَبَائِرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَدْ يُقَالُ: اللَّفْظُ

стр. 384

عَامٌّ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ، وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ. وَفِي " الِاسْتِذْكَارِ " لِلدَّارِمِيِّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ: إذَا دَخَلَ فِي عَمَلِ تَطَوُّعٍ، ثُمَّ نَوَاهُ وَاجِبًا فَحَكَى أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ: يَجِبُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجِبُ. وَهَلْ يَجِبُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ؟ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ وَجَبَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِسْقَاءِ فِي الْجَدْبِ تَجِبُ طَاعَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ لَا يَجِبُ كَمَا لَوْ أَمَرَهُمْ بِالْعِتْقِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إذَا أَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، فَهُوَ يُشْبِهُ أَمْرَهُ بِالصَّدَقَةِ، وَذَكَرُوا فِي السِّيَرِ: أَنَّ الْإِمَامَ يَأْمُرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": قُلْت: الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْأَمْرِ، وَإِنْ قُلْنَا: صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالطَّاعَةِ لَا سِيَّمَا مَا كَانَ شِعَارًا ظَاهِرًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَنْدُوبِ آكَدَ مِنْ بَعْضٍ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَا يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْوَاجِبِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ تَفَاصِيلُ الْأُجُورِ وَالثَّوَابِ، وَإِنْ تَسَاوَتْ فِي التَّرْكِ. وَقَسَّمَ الْفُقَهَاءُ السُّنَنَ إلَى أَبْعَاضٍ وَهَيْئَاتٍ فَخَصُّوا مَا تَأَكَّدَ أَمْرُهُ بِاسْمِ الْبَعْضِ كَأَنَّهُ لِتَأَكُّدِهِ صَارَ كَالْجُزْءِ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ.

стр. 385

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": لَا خَفَاءَ أَنَّ مَرَاتِبَ السُّنَنِ مُتَفَاوِتَةٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَانْقِسَامِ ذَلِكَ إلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ وَمُتَوَسِّطَةٍ، وَنَازِلَةٍ وَذَلِكَ بِحَسَبِ الدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى الطَّلَبِ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا أَنَّهُمْ رُبَّمَا فَرَّقُوا بِلَفْظِ الْهَيْئَاتِ. قَالَ: وَأَمَّا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السُّنَنِ وَالْفَضَائِلِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ أَرَهُ إلَّا فِي كَلَامِ صَاحِبِ " الذَّخَائِرِ " فَإِنَّهُ حَكَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ غَسْلَ الْكَفِّ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ أَوْ مِنْ فَضَائِلِهِ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُتْرَكُ الْمَنْدُوبُ إذَا صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ] ِ] وَلَا يُتْرَكُ لِكَوْنِهِ صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ خِلَافًا لِابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِهَذَا تُرِكَ التَّرْجِيعُ فِي الْأَذَانِ، وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ، وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَسْطِيحُ الْقُبُورِ مُحْتَجًّا «بِأَنَّهُ ﷺ تَرَكَ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ لَمَّا أُخْبِرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُهُ» . وَأُجِيبُ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُشَرِّعٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ لَا يَتْرُكُ سُنَّةً صَحَّتْ عَنْهُ، وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ بَيْنَ السُّنَنِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَبَيْنَ الْهَيْئَاتِ التَّابِعَةِ، فَقَالَ: لَا يُتْرَكُ الْقُنُوتُ إذَا صَارَ شِعَارًا لِلْمُبْتَدِعَةِ بِخِلَافِ التَّسْطِيحِ، وَالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا هَيْئَاتٌ تَابِعَةٌ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا.

стр. 386

[مَسْأَلَةٌ لَا يُتْرَكُ الْمَنْدُوبُ لِخَوْفِ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ] ُ] وَلَا يُتْرَكُ لِخَوْفِ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَوَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي " الِاسْتِذْكَارِ " أَنَّهُ قَالَ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُدَاوِمَ الْإِمَامُ عَلَى مِثْلِ أَنْ يَقْرَأَ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ بِالْجُمُعَةِ وَنَحْوِهِ؛ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ الْعَامَّةُ وُجُوبَهُ. [مَسْأَلَةٌ سُنَّةُ الْعَيْنِ وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ] ِ] وَكَمَا يَنْقَسِمُ الْفَرْضُ إلَى عَيْنٍ وَكِفَايَةٍ فَكَذَلِكَ السُّنَّةُ. وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ أَنْ يَقَعَ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ الِاسْتِحْبَابِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَيَنْقَطِعَ دَلَالَةُ النَّصِّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَبْقَى مُتَسَحَّبًا بَلْ دَاخِلًا فِي حَيِّزِ الْمُبَاحِ أَوْ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الْعَيْنِ فَإِنَّهَا بِفِعْلِ الْبَعْضِ الِاسْتِحْبَابُ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " وَمِثَالُ سُنَّةِ الْعَيْنِ الْوِتْرُ، وَصِيَامُ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَمِثَالُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ وَالتَّسْلِيمُ وَالتَّشْمِيتُ، وَكَذَا الْأُضْحِيَّةَ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ: إذَا ضَحَّى الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ، فَقَدْ وَقَعَ اسْمُ الْأُضْحِيَّةِ، وَكَذَلِكَ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْأَكْلِ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ مَا يَقْتَضِيهِ، وَكَذَا مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا يُنْدَبُ إلَيْهِ.

стр. 387

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيُفَارِقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ سُنَّةَ الْكِفَايَةِ فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يُنَافِيهِ الِاسْتِحْبَابُ فِي حَقِّ مَنْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي سَقَطَ بِهِ الْفَرْضُ، وَالسُّنَّةُ عَلَى الْكِفَايَةِ يُنَافِيهَا الِاسْتِحْبَابُ فِيمَا زَادَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي اقْتَضَى الِاسْتِحْبَابَ، وَهُنَا فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: [الْمَشْهُورُ وُقُوعُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ] . الْمَشْهُورُ وُقُوعُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّاشِيُّ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْمُعْتَمَدِ " فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَا نَصُّهُ: لَمْ نَرَ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ سُنَّةً عَلَى الْكِفَايَةِ بِحَالٍ، وَالسُّنَنُ مَعْلُومَةٌ وَيُخَالِفُ الْفَرْضُ حَيْثُ انْقَسَمَ إلَى عَيْنٍ وَكِفَايَةٍ، فَإِنَّ فِي الْكِفَايَةِ فَائِدَةً، وَهِيَ السُّقُوطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ عَلَى الْبَاقِينَ، وَالسُّنَّةُ لَا يَظْهَرُ لَهَا أَثَرٌ فِي كَوْنِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا إثْمَ فِي تَرْكِهَا فَتَسْقُطُ كَمَنْ تَرَكَ بِفِعْلِ مَنْ فَعَلَ، وَإِنَّمَا هِيَ ثَوَابٌ يَحْصُلُ لَهُ بِالسَّلَامِ مَثَلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابٌ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ يُوجَدُ مِنْ جِهَةٍ تُسَاوِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ جَمَاعَةٌ سُنَّ لَهُمْ تَحِيَّةٌ بِالْمَسْجِدِ، وَلَا تَسْقُطُ سُنَّةُ التَّحِيَّةِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ وَهَذَا لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مُوَجَّهٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ احْتِيَاطًا؛ لِيَحْصُلَ ذَلِكَ الْفَرْضُ، فَإِذَا فَعَلَ بَعْضُهُمْ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَسَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ، وَالسُّنَّةُ إنَّمَا أُمِرَ بِهَا اسْتِحْبَابًا لِحَظِّ الْمَأْمُورِ فِي تَحْصِيلِ الثَّوَابِ لَهُ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ بِمَا لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ. اهـ. الثَّانِيَةُ [سُنَّةُ الْكِفَايَةِ أَهَمُّ مِنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ] قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَهَمُّ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ جِهَةِ إسْقَاطِ الْحَرَجِ عَنْ الْكُلِّ، فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا فِي سُنَّةِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ، لَكِنْ لَا حَرَجَ هُنَا فَلْيَكُنْ أَفْضَلِيَّةُ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ مِنْ جِهَةِ تَحْصِيلِهِ الثَّوَابَ لِلْجَمِيعِ، وَفِيهِ بُعْدٌ كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ

стр. 388

الْأُضْحِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ غَيْرُهُ فِي ثَوَابِ أُضْحِيَّتِهِ وَذَبَحَ عَنْ نَفْسِهِ جَازَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ «تَضْحِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ، وَقَوْلُهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ» . فَائِدَةٌ [الْعِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى] الْعِبَادَةُ هِيَ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: بِمَا افْتَقَرَ مِنْ الطَّاعَاتِ إلَى النِّيَّةِ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": قَالَ: وَالطَّاعَةُ: مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْمُطَاعِ، وَالْمَعْصِيَةُ مُخَالَفَةُ الْمُرَادِ. وَقِيلَ: مُخَالَفَةُ الْمَعَاصِي، وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ شَرْطُهُ الْإِرَادَةُ. قَالَ: وَالْعِبَادَةُ مَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ مَنْوِيًّا بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلًا كَالصَّلَاةِ، أَوْ تَرْكًا كَالزِّنَا، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْوُضُوءُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ؛ لِعَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ، وَلَنَا: أَنَّ الْعِبَادَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ التَّعَبُّدِ، وَعَدَمُ النِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ عِبَادَةً، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا، وَعِنْدِي: أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالطَّاعَةَ وَالْقُرْبَةَ إنَّمَا يَكُونُ فِعْلًا وَتَرْكًا إذَا فَعَلَ

стр. 389

الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ تَعَبُّدًا أَوْ تَرَكَهُ تَعَبُّدًا، فَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ لَا بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ، أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ لِغَرَضٍ آخَرَ غَيْرِ التَّعَبُّدِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عِبَادَةً مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٨] وَأَمَّا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهَا التَّرْكُ فَصَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّعَبُّدَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمُ الْفِعْلِ، وَلَكِنْ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الْإِزَالَةَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِأَجْلِ النَّهْيِ عَنْهُ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عِبَادَةً. وَأَمَّا الْقُرْبَةُ فَقَالَ الْقَفَّالُ الْمَرْوَزِيِّ: مَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي " الْأَسْرَارِ " قَالَ: وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا، وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ النَّفْعُ لِلْآدَمِيِّ. [خَاتِمَةٌ السُّنَّةُ لَا تَعْدِلُ الْوَاجِبَ] َ] قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي " الْأَمَالِي ": قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا يَعْدِلُ شَيْءٌ مِنْ السُّنَنِ وَاجِبًا أَبَدًا وَهُوَ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ مُرَتَّبَانِ عَلَى حَسَبِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، وَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ: ثَمَنُ دِرْهَمٍ مِنْ الزَّكَاةِ تَرْبُو مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَصْلَحَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ تَطَوُّعًا، وَأَنَّ قِيَامَ الدَّهْرِ لَا يَعْدِلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، هَذَا خِلَافُ الْقَوَاعِدِ. اهـ. وَفِيهِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ إشْكَالَهُ هَذَا يَرْجِعُ بِالْإِشْكَالِ عَلَى مَنْعِهِ السَّابِقِ، كَمَزِيَّةِ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ، لِتَوَفُّرِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ مُتَقَابِلَةً لِمَصْلَحَةٍ

стр. 390

خَاصَّةٍ، وَلَيْسَتْ مَفْسَدَةُ تَرْكِ النُّهُوضِ بِمُهِمَّاتِ شَعَائِرِ الدِّينِ أَقَلَّ مِنْ مَفْسَدَةِ التَّارِكِ لِفَرْضِ عَيْنٍ بَلْ أَكْثَرُ لِمَا فِيهِ مِنْ خَرْمِ نِظَامِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ. الثَّانِي: أَنَّ مَا مَثَّلَ بِهِ قَدْ يَلْتَزِمُ، إذْ تَرْكُ التَّطَوُّعِ صَدَقَةً كَانَ أَوْ صَلَاةً لَا إثْمَ فِيهِ، وَإِنْ كَثُرَ بِخِلَافِ الْفَرْضِ، وَإِنْ قَلَّ، فَنَاسَبَ تَأَكُّدُهُ وَالِاعْتِنَاءُ بِهِ بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ، فَلَا يَمْتَنِعُ إطْلَاقُ التَّفْضِيلِ. الثَّالِثُ: فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ صُوَرٌ تَقْتَضِي تَرْجِيحَ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ. مِنْهَا: أَنَّ إبْرَاءَ الْمُعْسِرِ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ، لِحُصُولِ الْغَرَضِ وَزِيَادَةٍ، وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي " الْأَذْكَارِ ": أَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ أَفْضَلُ؛ لِحَدِيثٍ صَحِيحٍ فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَذَانَ سُنَّةٌ وَالْإِمَامَةَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِيهِمَا مَعَ تَرْجِيحِهِ الْأَذَانَ. وَمِنْهَا: مَا صَحَّحَهُ أَيْضًا مِنْ تَفْضِيلِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ مَعَ وُجُوبِهِ فِي الْقَدِيمِ.
следующие страницы →