Полный текст (3 423 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَالْحَائِضِ الَّذِينَ لَا يَلْزَمُهُمْ فِعْلُ الصَّوْمِ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ عُذْرِهِمْ. هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؟ فَمَذْهَبُنَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُمْ يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُهُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْعُذْرُ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي الْحَالِ دُونَ الْمَرِيضِ. قَالُوا: وَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي " الْفُرُوقِ ": وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: إنَّ الْمُسَافِرَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ الْوَاجِبَ غَيْرُ كَوْنِهِ وَاجِبًا. فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمُبَاحٍ، بَلْ الْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ فِعْلِ الْعَزْمِ عَلَى قَضَائِهِ، فَيَكُونُ الْعَزْمُ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ مِنْ الْوَقْتِ، وَحَاصِلُهُ: الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، وَأَمَّا الْحَائِضُ فَفِي وُجُوبِهِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ. صَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ الْوُجُوبَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهَا لَا تُخَاطَبُ بِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ ": إنَّهُ الْأَصَحُّ، إذْ الْقَضَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. قُلْت: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ "، فَقَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَالِغِينَ.
стр. 317
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا التَّنْزِيلُ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْبَالِغِينَ الْعَالِمِينَ دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَمَنْ بَلَغَ مِمَّنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ ذَوِي الْحَيْضِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ. هَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ: إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْمَانِعِ فَحَقٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْإِتْيَانِ بِالصَّوْمِ حَالَةَ الْحَيْضِ فَبَاطِلٌ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَيْضًا، وَقِيلَ: بَلْ يَظْهَرُ فِي النِّيَّةِ إذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. وَحَكَى إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا بِمَعْنَى تَرَتُّبِهِ فِي ذِمَّتِهَا لَا وُجُوبِ أَدَائِهِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى مَا تُؤَدِّيهِ بَعْدَ الْحَيْضِ قَضَاءً، وَرَأَيْت مَنْ يَحْكِي ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ لَا يَعْنِي غَيْرَ ذَلِكَ، فَبَقِيَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ قَبْلَ الطُّهْرِ أَمْ لَا؟ وَنَظِيرُ هَذَا، أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ هَلْ يُوصَفُ قَبْلَ الْحُلُولِ بِالْوُجُوبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ فِي بَابِ الدَّعَاوَى.
وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْلَ الْمَحِلِّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إلَيْك الْآنَ وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقًا؟ قَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى هَذَا. قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ كَمَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ " التَّدْبِيرِ ": أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إلْزَامٌ وَمُطَالَبَةٌ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا.
стр. 318
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ]
ِ قَالَ الْكَعْبِيُّ: الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَرْكُ الْحَرَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ، فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَحْثِ الْمُبَاحِ.
стр. 319
[فَصْلٌ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ]
ِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ: كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرَادُ حُصُولُهُ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ عَيْنُ مَنْ يَتَوَلَّاهُ. فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَاعِلُ، وَجَعَلَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، لَكِنْ الْحَقُّ: أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَنْقَطِعُ النَّظَرُ عَنْ فَاعِلِهِ بِدَلِيلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. نَعَمْ لَيْسَ الْفَاعِلُ فِيهِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ، إذْ لَا بُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ فَاعِلٍ، وَالْقَصْدُ بِالذَّاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: " دِينِيٍّ " بَنَاهُ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ الْمَعَاشِ لَيْسَ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَسِيطِ " تَبِعَا لِإِمَامِهِ. لَكِنْ الصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا، وَمَا حَرُمَ تَرْكُهُ وَجَبَ فِعْلُهُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
стр. 320
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ]
ِ) فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَمِلَ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، وَالثَّانِيَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ عِنْدَ التَّرْكِ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَالْوُجُوبُ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ لَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ]
(الْمَسْأَلَةُ) الثَّانِيَةُ (هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ؟) اخْتَلَفُوا هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِتَعَذُّرِ خِطَابِ الْمَجْهُولِ بِخِلَافِ خِطَابِ الْمُعَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ كَالْكَفَّارَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " الْأُمِّ ": مِنْهَا قَوْلُهُ: حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَجْزَأَهُ عَنْهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهُوَ كَالْجِهَادِ عَلَيْهِمْ حَقٌّ أَنْ لَا يَدَعُوهُ، وَإِذَا انْتَدَبَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفِي النَّاحِيَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْجِهَادُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَالْفَضْلُ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ التَّخَلُّفِ عَنْهُمْ.
стр. 321
وَقَالَ فِي بَابِ السَّلَفِ فِيمَنْ حَضَرَ كِتَابَ حَقٍّ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: وَلَوْ تَرَكَ كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْكِتَابَ خِفْت أَنْ يَأْثَمُوا بَلْ لَا أَرَاهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الْإِثْمِ وَأَيُّهُمْ قَامَ بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الشُّهُودِ إذَا دُعُوا لِلْأَدَاءِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي طُرُقِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ.
قَالُوا: وَالْجُمْلَةُ مُخَاطَبَةٌ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْكِفَايَةُ سَقَطَ الْحَرَجُ، وَمَتَى لَمْ تَقَعْ الْكِفَايَةُ فَالْكُلُّ آثِمُونَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ مِنْ جِهَةِ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا فِي السُّقُوطِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ. ثُمَّ عِبَارَةُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى عَيْنِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْجَمِيعِ. قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَمِيعٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، فَإِنْ قَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ الْجَمِيعُ. وَيَظْهَرُ تَغَايُرُ الْقَوْلَيْنِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّأْثِيمِ عِنْدَ التَّرْكِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تَأْثِيمُ كُلِّ وَاحِدٍ يَكُونُ وَاقِعًا بِالذَّاتِ، وَعَلَى الثَّانِي بِالْعَرَضِ، وَقَدْ ضَعَّفَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحَاتِ " الْقَوْلَ الثَّانِيَ بِأَنَّ الْوُجُوبَ إذَا تَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِالْفِعْلِ، وَلَيْسَ الشَّيْءُ مِمَّا يَفُوتُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِسْقَاطُهُ عَنْ الْبَاقِينَ رَفْعٌ لِلطَّلَبِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ فَيَكُونُ نَسْخًا، وَلَا يَصِحُّ دُونَ خِطَابٍ جَدِيدٍ، وَلَا خِطَابَ، فَلَا نَسْخَ، فَلَا سُقُوطَ. بِخِلَافِ مَا إذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ وُجُوبُهُ عَلَى الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَمِيعٌ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ هَذَا الْإِشْكَالُ، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إيجَابِ الْحُكْمِ
стр. 322
عَلَى جُمْلَةٍ إيجَابُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الثَّانِي، فَإِنَّ تَكْلِيفَ الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ لَا يُعْقَلُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْأَفْرَادُ رَجَعَ لِقَوْلِنَا.
وَقَوْلُهُ: يَلْزَمُ مِنْهُ رَفْعُ الطَّلَبِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّسْخِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ رَفْعَ الطَّلَبِ كَمَا يَكُونُ بِالنَّسْخِ يَكُونُ بِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ احْتِرَامًا لِلْمَيِّتِ كَمَا أَوْجَبَ دَفْنَهُ سَتْرًا لَهُ، فَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ طَائِفَةٌ زَالَتْ الْعِلَّةُ فَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ؛ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ، كَمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ وُجُوبُ الدَّفْنِ إذَا احْتَرَقَ الْمَيِّتُ أَوْ أَكَلَهُ السَّبُعُ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ.
وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ قَوْلَهُمْ: " وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ " فِيهِ تَجَوُّزٌ، فَإِنَّ عِلَّةَ السُّقُوطِ بِالْحَقِيقَةِ هِيَ انْتِفَاءُ عِلَّةِ الْوُجُوبِ لَا فِعْلُ الْبَعْضِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِعْلُ الْبَعْضِ سَبَبًا لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ نُسِبَ السُّقُوطُ إلَيْهِ تَجَوُّزًا. هَذَا إنْ عَلَّلْنَا أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَقَاصِدِ، وَمَنْ لَمْ يُعَلِّلْهَا بِالْمَقَاصِدِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدَاءُ بَعْضِهِمْ أَمَارَةً عَلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَاقِينَ، وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْكُلِّ لَمَا سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ حِينَئِذٍ يَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ، وَتَارِكُ الْوَاجِبِ مُسْتَحِقُّ الْعِقَابِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَعَلَّقٌ بِالْجَمِيعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْجَمِيعِ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ سُقُوطَهُ عَنْ الْبَاقِينَ لَتَعَذُّرِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَالتَّكْلِيفُ تَارَةً يَسْقُطُ بِالِامْتِثَالِ، وَتَارَةً يَسْقُطُ بِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هَلْ نَقُولُ إذَا فَعَلَهُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُمْ، أَوْ نَقُولُ بِأَنَّ آخِرَ الْأَمْرِ أَنَّ الْوُجُوبَ لَمْ يَتَنَاوَلْ سِوَى مَنْ فَعَلَهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ.
стр. 323
قُلْت: وَهُوَ يُشْبِهُ الْقَوْلَ الْمَحْكِيَّ فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِالْفِعْلِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَعْضِ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ هُوَ مُبْهَمٌ أَوْ مُعَيَّنٌ؟ قَوْلَانِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ هَلْ هُوَ مَنْ قَامَ بِهِ أَوْ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ دُونَ النَّاسِ؟ قَوْلَانِ، وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَجْهُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِطَائِفَةٍ مُبْهَمَةٍ وَيَتَعَيَّنُ بِالْفِعْلِ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ تَفْصِيلًا بَيْنَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا يَجِبُ وَإِلَّا وَجَبَ، وَاسْتَحْسَنَهُ. قَالَ: وَالْخِلَافُ عِنْدِي لَفْظِيٌّ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. قُلْت: وَقَدْ يُقَالُ: بِأَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ؟ فَمَنْ قَالَ: يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْجَبَهُ بِالشُّرُوعِ لِمُشَابِهَتِهِ فَرْضَ الْعَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: إذَا فَعَلَتْهُ طَائِفَةٌ، ثُمَّ فَعَلَتْهُ أُخْرَى هَلْ يَقَعُ فِعْلُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ.
وَكَلَامُ الْإِمَامِ فِي الْمَحْصُولِ مُضْطَرِبٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ: عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُتَنَاوِلًا لِجَمَاعَةٍ لَا عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، وَمُرَادُهُ بِالْجَمْعِ أَعَمُّ مِنْ التَّعْمِيمِ وَالِاجْتِمَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَسَمَهُ إلَيْهِمَا، فَقَالَ فِي التَّنَاوُلِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ: إنَّهُ مُمْكِنٌ فَقَدْ يَكُونُ فِعْلُ بَعْضِهِمْ شَرْطًا فِي فِعْلِ الْبَعْضِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْجَمِيعِ لَا جَمِيعًا وَلَا إنْسَانًا، وَإِنَّمَا عَلَى الْبَعْضِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: فَمَتَى حَصَلَ ذَلِكَ بِالْبَعْضِ لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِينَ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجَمِيعِ لَمَا قَالَ: " لَمْ يَلْزَمْ الْبَاقِينَ " بَلْ كَانَ يَقُولُ: (سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ) غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ السُّقُوطِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ لِيُجْمَعَ كَلَامَاهُ.
стр. 324
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ]
ِ أَثِمُوا) إذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمُوا، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالْبَعْضِ، وَوَجَّهَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْأَذَانِ مِنْ " النِّهَايَةِ " بِأَنَّ تَعْطِيلَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ الْجَمِيعِ بِمَثَابَةِ تَعْطِيلِ الْوَاحِدِ فَرْضَ الْعَيْنِ، فَلِهَذَا يَنَالُ الْكَافَّةَ الْحَرَجُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، كَمَا يَنَالُهُ الْوَاحِدَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ قُوتِلُوا، وَشَبَّهَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " ذَلِكَ بِمَنْ ضَمِنَ أَلْفًا عَنْ الْمَدْيُونِ، ثُمَّ تَمَنَّعَ مَعَ الْمَضْمُونِ عَنْهُ عَنْ الْأَدَاءِ فَيَعْصِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَرْكِ أَدَاءِ الْأَلْفِ الْمُلْتَزَمَةِ، وَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ الْمُطَالِبُ مِنْهُمَا أَلْفًا، فَلَمَّا عَمَّهُمَا الْوُجُوبُ عَمَّتْهُمَا الْمَعْصِيَةُ بِالتَّرْكِ. وَحَكَى أَصْحَابُنَا وَجْهَيْنِ فِي تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ. هَلْ يَعُمُّهُمْ الْإِثْمُ أَوْ يَخْتَصُّ بِاَلَّذِينَ نُدِبُوا إلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَصَحُّهُمَا: يَأْثَمُ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ التَّكْلِيفُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنُوطٌ بِالظَّنِّ لَا بِالتَّحْقِيقِ]
(الْمَسْأَلَةُ) الرَّابِعَةُ (التَّكْلِيفُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مَنُوطٌ بِالظَّنِّ لَا بِالتَّحْقِيقِ) التَّكْلِيفُ بِهِ مَنُوطٌ بِالظَّنِّ لَا بِالتَّحْقِيقِ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَامَ بِهِ غَيْرُهُ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ أَحَدٌ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى فِعْلِ الْجَمِيعِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ " مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْغَيْرَ هَلْ يَفْعَلُ أَوْ لَا؟
стр. 325
غَيْرُ مُمْكِنٍ إنَّمَا الْمُمْكِنُ تَحْصِيلُ الظَّنِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْوُجُوبُ عَلَى الْكُلِّ مَعْلُومٌ فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَلَيْسَ مِنْهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُمْكِنُ إلَى حُصُولِ الْعِلْمِ، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّمَا لَا يُمْكِنُ الْعِلْمُ بِعَدَمِ فِعْلِ الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّ غَيْرَهَا يَقُومُ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: سَقَطَ أَيْ فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاضِي فَيُمْكِنُ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ.
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ سُقُوطُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً]
(الْمَسْأَلَةُ) الْخَامِسَةُ (سُقُوطُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً) إذَا أَتَى بِهِ دَفْعَةً جَمِيعُ مَنْ خُوطِبَ بِهِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُمْ، وَحَصَلَ ثَوَابُهُ لَهُمْ، وَيَقَعُ فِعْلُ كُلٍّ فَرْضًا، إذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِوَصْفِهِ بِالْقِيَامِ بِالْفَرْضِ مِنْ الْبَعْضِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِالْفَرْضِيَّةِ لِلْجَمِيعِ. حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ عَنْ الْأَئِمَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَإِيصَالِ الْمُتَوَضِّئِ الْمَاءَ إلَى جَمِيعِ رَأْسِهِ دَفْعَةً، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجَمِيعَ فَرْضٌ، أَوْ الْفَرْضَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فَقَطْ؟ وَلَكِنْ قَدْ يُخَيَّلُ لِلْفَطِنِ فَرْقٌ وَيَقُولُ: مَرْتَبَةُ الْفَرْضِيَّةِ فَوْقَ رُتْبَةِ السُّنَّةِ وَكُلُّ مُصَلٍّ فِي الْجَمْعِ الْكَبِيرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُحْرَمَ رُتْبَةَ الْفَرْضِيَّةِ، وَقَدْ قَامَ بِمَا أُمِرَ بِهِ، وَهَذَا لَطِيفٌ لَا يَصِحُّ مِثْلُهُ فِي الْمَسْحِ، وَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إذَا بَاشَرَهُ أَكْثَرُ مَنْ يَحْصُلُ بِهِ تَأَدِّي الْفَرْضِ، هَلْ يُوصَفُ فِعْلُ الْجَمِيعِ بِالْفَرْضِيَّةِ؟ قَالَ: وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ الْكِفَايَةُ بِغَيْرِهِ أَرَدْنَا بِهِ يُسْتَحَبُّ الشُّرُوعُ وَالِابْتِدَاءُ، وَلَمْ نُرِدْ بِهِ أَنَّهُ يَقَعُ مُسْتَحَبًّا فِي حَقِّهِ إذَا شَرَعَ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِ.
стр. 326
[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ يَسْقُطُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِمَنْ فَعَلَهُ أَوَّلًا]
) إذَا أَتَوْا بِهِ عَلَى التَّعَاقُبِ، فَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ آخَرُونَ، سَقَطَ بِالْأَوَّلِينَ، وَوَقَعَ فِعْلُ الْآخَرِينَ فَرْضًا، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْأَذَانِ مِنْ " التَّحْرِيرِ "، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَفَصَّلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، فَقَالَ: إنْ لَحِقُوا بِهِمْ قَبْلَ تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ كَانَ مَا فَعَلُوهُ فَرْضًا وَإِنْ حَصَلَتْ الْكِفَايَةُ بِغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهُ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ.
ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ لَهُ أَمْثِلَةً. مِنْهَا: أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعَدُوِّ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِدَفْعِهِمْ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِمْ آخَرُونَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، فَيُكْتَبُ لَهُمْ أَجْرُ الْفَرْضِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ فِي الثَّوَابِ لِقِلَّةِ الْعَمَلِ وَكَثْرَتِهِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِلْمِ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ الْوَاجِبَةُ، ثُمَّ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ مَنْ يَشْتَغِلُ بِهِ، فَيَكُونُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمْ تَكْمُلْ بَعْدُ، وَمِنْهَا: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَوْ أَحْرَمَتْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْأُولَى كَانُوا كَمَنْ صَلَّى دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ أَحْرَمُوا بَعْدَهُ. قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: إنَّ الثَّانِيَةَ تَكُونُ فَرْضًا أَيْضًا إذْ لَا تَقَعُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ نَافِلَةً. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الرُّويَانِيِّ. وَمِنْهَا: لَوْ رَدَّ الْجَمِيعُ السَّلَامَ كَانُوا مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ سَوَاءٌ كَانُوا مَعًا أَوْ مُتَعَقِّبِينَ صَرَّحُوا بِهِ فِي السِّيَرِ.
стр. 327
[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ وَفِعْلُ الْبَعْضِ مُسْقِطٌ لِلْحَرَجِ أَمْ لَا]
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ، وَفِعْلُ الْبَعْضِ مُسْقِطٌ لِلْحَرَجِ، فَهَلْ ذَلِكَ بِالشُّرُوعِ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ الْقَطْعِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالصَّوَابُ: الثَّانِي، وَيُحْتَمَلُ بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ هَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ؟
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ]
. الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَعْنَى قَوْلِهِمْ سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: سَقَطَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ - أَيْ بَعْضِ مُكَلَّفٍ؛ لِيَخْرُجَ مَا قَامَ بِهِ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ شَيْئًا، وَلِهَذَا لَوْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ فَأَجَابَ الصَّبِيُّ وَحْدَهُ لَا يَسْقُطُ فَرْضُهُمْ بِجَوَابِهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالُوا: إذَا حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ لَا يَسْتَأْجِرُ صَبِيًّا، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْإِسْلَامِ. نَعَمْ تَسْقُطُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِصَلَاةِ الصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ عِنْدَ وُجُودِ الرِّجَالِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": إنَّ الصَّبِيَّ إذَا أَذَّنَ، وَقُلْنَا: الْأَذَانُ فَرْضُ كِفَايَةٍ حَصَلَ الْفَرْضُ بِأَذَانِهِ.
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَة سُقُوط فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ]
ِ هَلْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْمَلَائِكَةِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ
стр. 328
فِي " تَذْكِرَةِ الْخِلَافِ " فِي مَسْأَلَةِ تَغْسِيلِ الشَّهِيدِ الْجُنُبِ. فَقَالَ: غُسْلُ الْمَلَائِكَةِ لَا يُسْقِطُ مَا تُعُبِّدَ بِهِ الْآدَمِيُّ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَقِيَاسُ سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ هَلْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْجِنِّ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ تَصْرِيحًا، وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَسَنَذْكُرُهُ.
[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ فَرْضُ الْكِفَايَة يَلْزَم بِالشُّرُوعِ]
ِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْمَطْلَبِ " فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ، وَأَشَارَ فِي بَابِ اللَّقِيطِ إلَى أَنَّ عَدَمَ اللُّزُومِ إنَّمَا هُوَ بَحْثٌ لِلْإِمَامِ، وَلِهَذَا قَالُوا: يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِحُضُورِ الصَّفِّ، وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُ الْجِنَازَةِ عَلَى الْأَصَحِّ بِالشُّرُوعِ، وَأَمَّا تَجْوِيزُهُمْ الْخُرُوجَ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فَبَعِيدٌ، وَلَمْ يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ شَيْئًا بِخُصُوصِهِ، وَإِنَّمَا صَحَّحُوا فِي أَفْرَادِ مَسَائِلِهَا مَا يُخَالِفُ الْآخَرَ، وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ: أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ إذَا أَنِسَ مِنْ نَفْسِهِ النَّجَابَةَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ، وَصَحَّحَا خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْبَارِزِيُّ فِي تَمْيِيزِهِ ": وَلَا يَلْزَمُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا فِي الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. اهـ.
стр. 329
وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ، وَقَالَ فِي " الْوَسِيطِ ": وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَلِيقُ بِأَصْلِ الشَّافِعِيِّ تَعْيِينُ الْحُكْمِ بِالشُّرُوعِ، فَإِنَّ الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ التَّطَوُّعُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْتِقَاطِ الْمَنْبُوذِ: وَمَنْ لَابَسَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إتْمَامِهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِضْرَابَ عَنْهُ، فَقَدْ نَقُولُ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْمُلَابَسَةِ مُتَعَيِّنًا، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَتَفْصِيلٌ سَأَذْكُرُهُ فِي بَابِ السِّيَرِ. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمَفْعُولِ أَوَّلًا، أَمَّا لَوْ شَرَعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ هَلْ يَلْزَمُ؟ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ ": لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَمَا صَلَّى عَلَيْهَا فَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ لَهُ " الْخُرُوجُ؟ " يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَقَعُ فَرْضًا أَمْ لَا؟ وَفِيهِ جَوَابَانِ، وَالْقِيَاسُ عِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَقَعُ فَرْضًا، لِأَنَّ الْفَرْضَ مَا لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. اهـ. وَيَنْبَغِي جَرَيَانُهُ فِي سَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوُقُوعِ الثَّانِيَةِ فَرْضًا.
стр. 330
[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَة هَلْ يَتَعَيَّنُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ]
ِ؟) إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، صَنَّفَ فِيهِ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ: أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَمَرَ شَخْصًا بِتَجْهِيزِ مَيِّتٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَة الْقِيَام بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ]
(الْمَسْأَلَةُ) الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ) قِيلَ: الْقِيَامُ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَوْلَى مِنْ الْقِيَامِ بِفَرْضِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ فِيهَا الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَفِي فَرْضِ الْعَيْنِ يُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَطْ. حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي " شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ " وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُحِيطِ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ " وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ " الْغِيَاثِيِّ "، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ
стр. 331
بِوُجُوبِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْبَعْضِ، وَوَهَمَ بَعْضُهُمْ فَحَكَى عَنْ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِيَامِ بِهَذَا الْجِنْسِ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ عِبَارَةُ الْجُوَيْنِيِّ: " وَلِلْقَائِمِ بِهِ مَزِيَّةٌ "، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَزِيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ.
عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ مَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ، فَفِي " الْأُمِّ ": إنَّ قَطْعَ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ الرَّوَاتِبِ مَكْرُوهٌ، إذْ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِهِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءِ " فِي شُرُوطِ الِاشْتِغَالِ بِعِلْمِ الْخِلَافِ: أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِهِ وَهُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مَنْ لَمْ يَتَفَرَّغْ عَنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ. قَالَ: وَمَنْ عَلَيْهِ فَرْضُ عَيْنٍ فَاشْتَغَلَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَزَعَمَ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَقُّ فَهُوَ كَذَّابٌ. وَمِثَالُهُ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي نَفْسِهِ وَتَبَحَّرَ فِي تَحْصِيلِ الثِّيَابِ وَنَسْجِهَا قَصْدًا لِسَتْرِ الْعَوْرَاتِ. اهـ.
وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ فَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُخَصِّصُهُ بِمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ أَوَّلًا. أَمَّا مَنْ فَعَلَهُ ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ، وَإِنْ كُنَّا نُسَمِّي فِعْلَ الْآخَرِينَ فَرْضًا عَلَى رَأْيٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الزَّمْلَكَانِيِّ: مَا ذَكَرَ مِنْ تَفْضِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَعَارَضَا فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ تَعَيُّنِهَا وَحِينَئِذٍ هُمَا فَرَضَا عَيْنٍ، وَمَا يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَارَضَا، وَكَانَ فَرْضُ الْعَيْنِ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصٍ، وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ، فَفَرْضُ الْعَيْنِ أَوْلَى.
стр. 332
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَة يُتَصَوَّرُ الْمُخَيَّرُ فِي الْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ]
ِّ) كَمَا يُتَصَوَّرُ الْمُخَيَّرُ فِي الْوَاجِبِ الْعَيْنِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ كَذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَقَدْ ظَفِرْت لَهُ بِمِثَالٍ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرُقَهُ الْخِلَافُ. أَنَّهُ هَلْ الْوَاجِبُ الْجَمِيعُ أَوْ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ؟ .
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَة الْجَمْع بَيْنَ قَوْلِ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ]
(الْمَسْأَلَةُ) الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ اُسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَقَوْلِ الْفُقَهَاءِ: لَوْ صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ طَائِفَةٌ ثَانِيَةٌ وَقَعَتْ صَلَاتُهُمْ فَرْضًا أَيْضًا، وَإِذَا سَقَطَ الْفَرْضُ بِالْأُولَى كَيْفَ تَقَعُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ فَرْضًا؟ ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ مِنْ " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " فَقَالَ: عِبَارَةُ الْمُحَقِّقِينَ: " يَسْقُطُ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ " أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِ هَذَا الْفِعْلِ، فَلَوْ فَعَلُوهُ وَقَعَ فَرْضًا كَمَا لَوْ فَعَلُوهُ مَعَ الْأَوَّلِينَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا عِبَارَةُ مَنْ يَقُولُ: سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْبَاقِينَ، فَمَعْنَاهُ سَقَطَ حَرَجُ الْفَرْضِ وَإِثْمُهُ. اهـ. قُلْت: وَهِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَيَشْهَدُ لَهُ مَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي:
стр. 333
إنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تَنْوِي بِصَلَاتِهِمْ الْفَرْضَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ غَيْرِهِمْ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الْحَرَجَ لَا الْفَرْضَ، وَهَذَا قَدْ يُنْكِرُهُ الشَّادِي فِي الْعِلْمِ، وَيَقُولُ: لَا مَعْنَى لِلْفَرْضِ إلَّا الَّذِي يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، فَإِذَا كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْأُولَى لَا يَلْحَقُ الثَّانِيَةَ حَرَجٌ عَلَى التَّرْكِ، فَلَا مَعْنَى لِبَقَاءِ الْفَرْضِ فِي حَقِّهِمْ، وَقَدْ أُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَحْصُلُ تَمَامُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَالثَّانِي: يَتَجَدَّدُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكْرَارِ الْفَاعِلِينَ لَهُ كَالِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَحِفْظِ الْقُرْآنِ، وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الشَّفَاعَةُ، فَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ وَنَحْوُهَا كُلُّ أَحَدٍ مُخَاطَبٌ بِهِ، وَإِذَا وَقَعَ يَقَعُ فَرْضًا تَقَدَّمَهُ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ إلَّا بِشَرْطِ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ، فَإِذَا قَامَ غَيْرُهُ بِهِ جَازَ التَّرْكُ وَارْتَفَعَ الْحَرَجُ.
стр. 334
[فَصْلٌ فِي الْحَرَامِ]
ِ وَهُوَ لُغَةً: الْمَنْعُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] أَيْ: حَرَمْنَاهُ رَضَاعَهُنَّ وَمَنَعْنَاهُ مِنْهُنَّ، إذْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مُكَلَّفًا، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ كَقَوْلِهِ:
فَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا ... عَلَى شَجْوِهِ إلَّا بَكَيْت عَلَى عَمْرٍو
وَعَلَيْهِ خَرَجَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ٩٥] أَيْ وَوَاجِبٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَرَدْنَا إهْلَاكَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنْ الْكُفْرِ إلَى الْإِيمَانِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ الْقَبِيحُ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَالْمَحْظُورُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: الْحَرَامُ يَكُونُ مُؤَبَّدًا، وَالْمَحْظُورُ قَدْ يَكُونُ
стр. 335
إلَى غَايَةٍ حَكَاهُ عَنْهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي فُرُوقِهِ "، وَفِي " النُّكَتِ " لِابْنِ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيِّ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْبَصْرِيَّ عَنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مُحَرَّمٌ فِي الْقَبِيحِ إذَا كَانَ طَرِيقُ قُبْحِهِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَيَقُولُونَ: مَكْرُوهٌ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ مُجْتَهَدًا فِيهِ كَسُؤْرِ كَثِيرٍ مِنْ السِّبَاعِ. قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: وَسَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ مَكْرُوهًا أَيْضًا تَوَسُّعًا، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ لَفْظَ الْمَكْرُوهِ لَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
تَنْبِيهٌ (الْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِلذَّمِّ) الْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مُلَازِمَةً لِلذَّمِّ وَالْإِثْمِ لَا طَرْدًا وَلَا عَكْسًا، فَقَدْ يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ، كَمَا إذَا قَدِمَ عَلَى زَوْجِهِ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، وَقَدْ يَحْرُمُ مَا لَيْسَ فِيهِ إثْمٌ، كَمَا إذَا قَدِمَ عَلَى أَجْنَبِيَّةٍ يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ تَابِعَانِ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ الْأَبْضَاعَ، وَالْأَمْوَالَ، وَالْأَزْوَاجَ فِي أَحْوَالٍ بِشُرُوطٍ، وَحَرَّمَهَا بِدُونِ ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، جَعَلَ الْإِثْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِذَا قَدِمَ الْعَبْدُ عَلَى فِعْلٍ يَعْتَقِدُهُ حَلَالًا وَهُوَ حَرَامٌ لَا إثْمَ عَلَيْهِ تَخْفِيفًا عَلَى الْعَبْدِ، وَإِذَا أَقْدَمَ عَلَى فِعْلٍ يَظُنُّهُ حَرَامًا وَهُوَ حَلَالٌ عَاقَبَهُ عَلَى الْجُرْأَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِنَا: هَذَا الْفِعْلُ حَرَامٌ أَنَّ الشَّارِعَ لَهُ تَشَوُّفٌ إلَى تَرْكِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا: حَلَالٌ خِلَافُ ذَلِكَ.
стр. 336
وَالْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ يُطْلَقَانِ تَارَةً عَلَى مَا فِيهِ إثْمٌ وَمَا لَيْسَ فِيهِ، وَهُوَ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ بِقَوْلِهِمْ: الْحَرَامُ مَا يُذَمُّ عَلَيْهِ، وَتَارَةً عَلَى مَا لِلشَّارِعِ فِيهِ تَشَوُّفٌ إلَى تَرْكِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَطْءُ الشُّبْهَةِ، أَعْنِي شُبْهَةَ الْمَحَلِّ حَرَامٌ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا إثْمَ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ عَلَى رَأْيٍ، وَهَذَا يُمْكِنُ رَدُّ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ إلَيْهِ فِي حَدِّ الْحَرَامِ بِأَنَّهُ مَا يُذَمُّ فَاعِلُهُ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُذَمُّ بِالْقُوَّةِ. أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ، يُذَمُّ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، وَإِنْ اسْتَنْكَرْت إطْلَاقَ الْحُرْمَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، فَانْظُرْ إلَى قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ: لَوْ اشْتَبَهَتْ الْمَنْكُوحَةُ بِأَجْنَبِيَّةٍ حُرِّمَتَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ: إذَا قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ حُرِّمَتَا تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ، فَإِحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ فِي الْفَرْعَيْنِ حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ الْإِثْمِ عَلَى الْجُرْأَةِ، وَهِيَ الَّتِي فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهَا الزَّوْجَةُ فِي الْأُولَى، وَاَلَّتِي سَيُعَيِّنُهَا فِي الثَّانِيَةِ، وَالْأُخْرَى حَرَامٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، فَقَوْلُهُمْ: حُرِّمَتَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُمْ: تَغْلِيبًا لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَثْبَتُوا التَّحَرُّمَ لِلزَّوْجَةِ بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ، وَصَرَفُوهُ عَنْهَا بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي. وَمَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ ذَهَابًا إلَى مُوَافَقَةِ مَنْ يَقُولُ: الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ يُوصَفُ بِهِمَا الذَّوَاتُ بَلْ هُوَ تَوَسُّطٌ. وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ يُوصَفُ بِهِمَا ذَوَاتُ الْأَفْعَالِ طَابَقَتْ الِاعْتِقَادَ أَمْ لَا. وَهَذَا إذَا تَبَيَّنَ لَك فِي الْحَرَامِ نَقَلْته إلَى بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ.
وَانْظُرْ قَوْلَ الْبَيْضَاوِيِّ: قَالَ الْفُقَهَاءُ: يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْحَائِضِ، وَالْمَرِيضِ، وَالْمُسَافِرِ، فَرُبَّ وَاجِبٍ يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِتَرْكِهِ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ، وَيَكُونُ فِي
стр. 337
نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا، وَبِالْعَكْسِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِيمَنْ صَلَّى وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ: لَقِيَ اللَّهَ وَعَلَيْهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُهُ، فَهَذَا تَرَكَ الْوَاجِبَ وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى تَشَوُّفِ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ بِمَعْنَى التَّكْلِيفِ.
[مَسْأَلَةٌ الْحُرْمَةُ لَا تُلَازِمُ الْفَسَادَ]
َ) الْحُرْمَةُ لَا تُلَازِمُ الْفَسَادَ، فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ مُحَرَّمًا مَعَ الصِّحَّةِ. كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَثَوْبِ الْحَرِيرِ، وَفَائِدَةُ التَّحْرِيمِ سُقُوطُ الثَّوَابِ.
[مَسْأَلَةٌ مَا لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ]
ِ) مَا لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ. فَالْأَوَّلُ: مَا كَانَ مِنْ أَجْزَائِهِ كَالزِّنَى. فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهُ نَهْيٌ عَنْ أَجْزَائِهِ، وَهِيَ الْإِيلَاجَاتُ وَالْإِخْرَاجَاتُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَا تَزْنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لَا تُولِجْ وَلَا تُخْرِجْ، وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ شُرُوطِهِ وَأَسْبَابِهِ كَمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مِنْ الْمُفَاخَذَةِ، وَالْقُبْلَةِ، وَسَائِرِ الدَّوَاعِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ الْعَقْدُ عَلَى الْأُمِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ سَبَبَ الْوَطْءِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَانَ الْعَقْدُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ إلَيْهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ.
стр. 338
الثَّالِثُ: مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَمَا إذَا اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فِي بَلْدَةٍ صَغِيرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهُنَّ، وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ نِكَاحَ الْأَجْنَبِيَّاتِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، لَكِنْ لَمَّا اخْتَلَطَتْ بِهِنَّ الْأُخْتُ، وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ كَانَ تَحْرِيمُ الْأَجْنَبِيَّاتِ مِنْ ضَرُورَاتِ تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ، وَلِهَذَا لَوْ تَعَيَّنَتْ حَرُمَ نِكَاحُهَا عَلَى الْخُصُوصِ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَا لَوْ وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْمَاءِ، فَإِنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَقَالَ: الْمَاءُ طَاهِرٌ فِي عَيْنِهِ، وَلَمْ يَصِرْ نَجَسًا بِحَالٍ، وَإِنَّمَا النَّجَاسَةُ مُجَاوِرَةٌ، فَلَمْ يُنْهَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ، لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَسِ. فَكَانَ تَحْرِيمُ اسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ مِنْ ضَرُورَاتِهِ اسْتِعْمَالُ النَّجَسِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَلِيقُ بِأُصُولِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ قَاعِدَتَهُ. أَنَّ الْمَاءَ جَوْهَرٌ طَاهِرٌ، وَالطَّاهِرُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ نَجَسًا فِي عَيْنِهِ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْأَعْيَانِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ وُسْعِ الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَهْيٌ عَنْ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ.
وَيُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِفَضْلِ الْمُكَاثَرَةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كُوثِرَ عَادَ طَهُورًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ صَارَ الْمَاءُ عَيْنُهُ نَجَسًا بِالْمُخَالَطَةِ لَمَا تَصَوَّرَ انْقِلَابُهُ طَاهِرًا بِالْمُكَاثَرَةِ. قَالَ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْمَائِعَ اللَّطِيفَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ خَالَطَتْ أَجْزَاؤُهُ أَجْزَاءَهَا، وَامْتَزَجَتْ بِهِ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ الْكُلِّ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا مَعْنَى لَهَا إلَّا الِاجْتِنَابَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الِاجْتِنَابِ ثَابِتٌ فِي الْكُلِّ وَقَدْ وَافَقَ عَلَى حِكَايَةِ هَذَا الْخِلَافِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، فَقَالَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَصِيرُ كُلُّهُ نَجَسًا، وَهُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا، وَقِيلَ: إنَّمَا حَرُمَ الْكُلُّ لِتَعَذُّرِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُبَاحِ قَالَ وَهُوَ يَلِيقُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قُلْت وَهُوَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ " وَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ
стр. 339
فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ رَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ وُجُوبَ الِاجْتِنَابِ عِنْدَ اخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي عِلَّةِ الِاجْتِنَابِ مَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": اخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَاطِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، فَقِيلَ: يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ النَّجَاسَةَ مُسْتَهْلَكَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَمَارَةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِهْلَاكِهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ عَدَمُ تَغَيُّرِ الْمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ كَثْرَةُ الْمَاءِ.
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَ الْكَثْرَةَ بِالْقُلَّتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مِنْ قَدَّرَهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. إذَا عَلِمْت هَذَا، فَنَقُولُ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْكَفُّ عَنْ الْمَحْظُورِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، كَمَا إذَا اخْتَلَطَ بِالطَّاهِرِ النَّجَسُ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ يَقَعُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ أَوْ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ، فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِطَ وَيَمْتَزِجَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ، فَيَجِبُ الْكَفُّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ، وَيُحْكَمُ بِتَحْرِيمِ الْكُلِّ. قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَكَذَا لَا يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِالْمَمْنُوعِ أَصَالَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ: فِي أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي كَيْفِيَّةِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا سَبَقَ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِدُخُولِ أَجْزَاءِ الْبَعْضِ فِي الْبَعْضِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْ الْكُلِّ، كَالْمَرْأَةِ الَّتِي هِيَ حَلَالٌ تَخْتَلِطُ بِالْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُطَلَّقَةُ بِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ، وَالْمُذَكَّاةُ بِالْمَيْتَةِ، فَيَحْرُمُ إحْدَاهَا بِالْأَصَالَةِ وَهِيَ الْمُحَرَّمَةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمَيِّتَةُ، وَالْأُخْرَى بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ وَهِيَ الزَّوْجَةُ، وَالْمُذَكَّاةُ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالْأَصَالَةِ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَلَا يَتِمُّ اجْتِنَابُهُ إلَّا بِاجْتِنَابِ مَا
стр. 340
اشْتَبَهَ بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَقِيلَ: تُبَاحُ الْمُذَكَّاةُ وَالْأَجْنَبِيَّةُ وَلَكِنْ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمَا. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا تَوَهُّمُ هَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَهُمَا أَيْ: قَائِمٌ بِذَاتِهِمَا، كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بِالْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ، وَهُمَا الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ وَوُجُوبُ الْكَفِّ، وَحِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ مُرَادَ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُذَكَّاةِ بِعَارِضِ الِاشْتِبَاهِ، وَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُبَاحَتَانِ، فَالْخِلَافُ إذَنْ لَفْظِيٌّ. الثَّانِي: مَا يُسْقِطُ حُكْمَ التَّحْرِيمِ، كَمَا إذَا اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسَاءِ بَلْدَةٍ عَظِيمَةٍ، فَيُجْعَلُ كَالْعَدَمِ، وَيُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ أَيِّ امْرَأَةٍ أَرَادَ.
الثَّالِثُ: مَا يُتَحَرَّى فِيهِ، كَالثِّيَابِ وَالْأَوَانِي. قَالَ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ ": وَكَانَ الْقِيَاسُ عَدَمَ التَّحَرِّي؛ لِأَنَّ تَرْكَ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ لَا يَتَأَتَّى بِيَقِينٍ إلَّا بِتَرْكِ الْجَمِيعِ. قَالَ: وَهَاهُنَا فِيهِ خِلَافٌ، يَعْنِي هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاجْتِهَادِ أَمْ يَجُوزُ الْهُجُومُ بِمُجَرِّدِ الظَّنِّ؟ وَالْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ، وَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً حُرِّمَتَا جَمِيعًا إلَى حِينِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُطَلَّقَةَ وَغَيْرَهَا، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ غَلَبَ الْحَرَامُ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ قَبْلَهُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَحِلُّ قَبْلَهُمَا وَالطَّلَاقُ غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ مَحَلًّا، فَصَارَ كَمَا إذَا بَاعَ أَحَدٌ عَبْدَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: حُرِّمَتَا جَمِيعًا، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ
стр. 341
تَعْيِينُ مَحَلِّ الطَّلَاقِ، ثُمَّ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَنْعُ فِي ذَلِكَ مُوجَبُ ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ، أَمَّا الْمُضِيُّ إلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ، وَالْأُخْرَى مَنْكُوحَةٌ كَمَا تَوَهَّمُوهُ فِي اخْتِلَاطِ الْمَنْكُوحَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَنْقَدِحُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ الْآدَمِيِّ عَرَضَ بَعْدَ التَّعْيِينِ. أَمَّا هَذَا فَلَيْسَ مُتَعَيِّنًا فِي نَفْسِهِ، بَلْ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى مُطْلَقًا لِإِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا. اهـ.
وَمَا قَالَهُ أَوَّلًا مِنْ احْتِمَالِ حِلِّ الْوَطْءِ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي كِتَابِ " الْخِلَافِ وَالْإِجْمَاعِ "، وَلَوْ قِيلَ: بِحِلِّ وَطْءِ إحْدَاهُمَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ لِإِحْدَاهُمَا تَعْيِينٌ لِلطَّلَاقِ فِي الْأُخْرَى، كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَبْعُدْ، ثُمَّ إذَا عَيَّنَ إحْدَاهُمَا فِي نِيَّتِهِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ مِنْ " النِّهَايَةِ ": أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ التَّحْرِيمَ مَا لَمْ يُقَدِّمُ بَيَانًا. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إذَا عَرَفَ الْمُطَلَّقَةَ حَلَّ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى فِي الْبَاطِنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ غِشْيَانِهِمَا جَمِيعًا. أَمَّا إذَا غَشِيَ إحْدَاهُمَا فَمَا سَبَبُ الْمَنْعِ حِينَئِذٍ؟ ثُمَّ حَمَلَ كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا إذَا ظَهَرَتْ الْوَاقِعَةُ لِلْحَاكِمِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ تَعْيِينٌ بِالنِّيَّةِ. أَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ؟ وَجْهَانِ، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعِتْقِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَإِنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ لَهُ حُكْمًا وَأَثَرًا.
стр. 342
[مَسْأَلَةٌ لَوْ تَعَدَّى عَمَّا أُبِيحَ لَهُ]
ُ) سَبَقَ فِي الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالْقَدْرِ الزَّائِدِ هَلْ يَقَعُ الْجَمْعُ فَرْضًا أَمْ لَا؟ وَنَظِيرُهُ هُنَا لَوْ تَعَدَّى عَمَّا أُبِيحَ لَهُ، كَمَا لَوْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ فِي الْخَلْوَةِ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَةِ هَلْ يَأْثَمُ عَلَى الْكُلِّ أَوْ عَلَى الزَّائِدِ فَقَطْ؟ فِيهِ خِلَافٌ. حَكَاهُ الشَّيْخُ صَدْرُ الدِّينِ بْنُ الْوَكِيلِ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، وَيُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ قَاعِدَةٍ فِي الْفِقْهِ، وَهِيَ أَنَّ تَعَدِّيَ الْمُسْتَحِقِّ هَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ أَوْ يَبْقَى مَعَهُ الْمُسْتَحَقُّ وَيَبْطُلُ الزَّائِدُ؟ فِيهِ خِلَافٌ فِي بَابِ الْقَسْمِ، وَبَابِ الْقِصَاصِ وَغَيْرِهِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا نُسِخَ التَّحْرِيمُ هَلْ تَبْقَى الْكَرَاهَةُ]
ُ؟) سَبَقَ فِي الْوَاجِبِ أَنَّهُ إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ هَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ؟ وَنَظِيرُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: إذَا نُسِخَ التَّحْرِيمُ هَلْ تَبْقَى الْكَرَاهَةُ؟ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْأُصُولِيُّونَ لِذَلِكَ، فَيُحْتَمَلُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ هُنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ اشْتِرَاكًا فِي الْجِنْسِ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَنْعِ، وَامْتَازَ الْحَرَامُ بِالْجُرْمِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ الْجُرْمُ يَبْقَى مُطْلَقُ الْمَنْعِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، فَإِنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ هُنَاكَ أَنَّ الْمُبَاحَ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ جِنْسٌ لِلْحَرَامِ.
стр. 343
[مَسْأَلَةٌ الْحَرَامُ وَالْوَاجِبُ مُتَنَاقِضَانِ]
ِ) قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَرَامَ وَالْوَاجِبَ مُتَنَاقِضَانِ فَلَا يَجْتَمِعَانِ، فَالْحَرَامُ بِالشَّخْصِ لَا يَكُونُ حَرَامًا وَوَاجِبًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا إذَا جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ لِذَاتِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاحِدَ يُقَالُ بِالتَّشْكِيكِ عَلَى الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ، وَعَلَى الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ، وَعَلَى الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ، فَأَمَّا الْوَاحِدُ بِالنَّوْعِ، كَمُطْلَقِ السُّجُودِ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ، بِمَعْنَى أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ وَاجِبٌ وَبَعْضَهَا حَرَامٌ؟ فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ، وَاحْتَجُّوا بِوُقُوعِهِ، فَإِنَّ السُّجُودَ لِلَّهِ وَاجِبٌ، وَلِلصَّنَمِ حَرَامٌ بَلْ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧] فَالسُّجُودُ نَوْعٌ وَاحِدٌ قَدْ أُمِرَ بِبَعْضِهِ، وَنُهِيَ عَنْ بَعْضِهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ تَعْظِيمُ الصَّنَمِ لَا نَفْسُ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ لِنَصِّ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى أَنَّ السَّاجِدَ لِلصَّنَمِ عَاصٍ بِنَفْسِ السُّجُودِ وَالْقَصْدِ جَمِيعًا عَلَى مَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَحْرُمُ السُّجُودُ، بَلْ الْمُحَرَّمُ الْقَصْدُ إلَى ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ: أَنَّ أَفْرَادَ النَّوْعِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَأَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ: أَيْ الْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَيْسَ لَهُ إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ لَهُ جِهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا جِهَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ
стр. 344
كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ جِهَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ مِنْ جِهَةٍ وَيُنْهَى عَنْهُ مِنْ جِهَةٍ كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ؟ فَجَوَّزَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: يَصِحُّ. لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْجِهَاتِ يُوجِبُ التَّغَايُرَ، لِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ وَالْإِضَافَاتِ، وَذَلِكَ يَدْفَعُ التَّنَاقُضَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَهُمَا مُتَعَلِّقَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَجَعَلُوا اخْتِلَافَ، الْجِهَتَيْنِ كَاخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ مُنْفَكَّةٌ عَنْ الْأُخْرَى، وَاجْتِمَاعُهُمَا إنَّمَا وَقَعَ بِاخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ فَلَيْسَا مُتَلَازِمَيْنِ، فَلَا تَنَاقُضَ.
وَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ وَأَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيَّانِ وَأَبُو شِمْرٍ الْحَنَفِيُّ، وَالزَّيْدِيَّةُ، وَالظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ، وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَصْبَغَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي " النُّكَتِ "
стр. 345
وَقَالَ: لَا وَجْهَ لِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي إجْزَائِهَا مَعَ خِلَافِ الزَّيْدِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَأَبُو شِمْرٍ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ لِذَلِكَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ " وَجْهًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَكَذَا ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي فَتَاوِيهِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ. قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَا تَقَعُ مَأْمُورًا بِهَا، وَلَكِنْ يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، كَمَا يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالْأَعْذَارِ الطَّارِئَةِ مِنْ الْجُنُونِ وَغَيْرِهِ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا سَبَبًا لِسُقُوطِ الْفَرْضِ، أَوْ أَمَارَةً عَلَيْهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا عِلَّةً لِسُقُوطِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي صِحَّتَهَا. هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْهُ فِي " الْبُرْهَانِ " وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " وَاخْتَارَهُ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَالسُّهْرَوَرْدِي.
وَنَقَلَ الْهِنْدِيُّ عَنْهُ: لَا يَصِحُّ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِهَا لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ: يَسْقُطُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ لَا بِهَا وَلَا عِنْدَهَا، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ. هَكَذَا نَقَلَ بَعْضُهُمْ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يَقُولُ بِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْقَضَاءِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا يَقُولُ بِسُقُوطٍ بِهَا وَلَا عِنْدَهَا. اهـ.
وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ " الْمُسْتَصْفَى "، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي " الْمَعَالِمِ " هِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْفُقَهَاءِ، ثُمَّ إنْ صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ
стр. 346
قُلْنَا: يَسْقُطُ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ. انْتَهَى. وَالْإِجْمَاعُ لَمْ يَنْقُلْهُ الْقَاضِي صَرِيحًا، وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِمَسْلَكٍ اسْتِنْبَاطِيٍّ عَلَى زَعْمِهِ، فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ الْعُصَاةَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ: كَانَ فِي السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ فِي التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِدُونِ مَا فَرَضَهُ الْقَاضِي، وَضَعَّفَهُ الْإِبْيَارِيُّ، قَالَ: وَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى نَقْلِ الْإِجْمَاعِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ بِدُونِهِ، وَكَيْفَ لَا يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ فِي هَذَا؟ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: خِلَافُ أَحْمَدَ لَا يَقْدَحُ فِي الْإِجْمَاعِ، بَلْ الْإِجْمَاعُ السَّالِفُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّلَمَةَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَلَوْ أُمِرُوا بِهِ لَانْتَشَرَ، وَلَمَّا صَحَّتْ أَدِلَّةُ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ لُزُومِ تَوَارُدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ الِاخْتِيَارِيِّ قَالَ بِهَا فَحَكَمَ بِفَسَادِ الصَّلَاةِ وَلَمَّا صَحَّ عِنْدَهُ إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوا بِالْقَضَاءِ فِي الْبُقَعِ الْمَغْصُوبَةِ قَالَ: إنَّ الْإِجْزَاءَ يَحْصُلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا.
قِيلَ: فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْإِجْمَاعُ فَلَا مَحِيصَ عَمَّا قَالَ، فَإِنَّهُ إعْمَالٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّلِيلَيْنِ فِي مَحَلِّهِ، وَأَنَّى يَصِحُّ هَذَا الْإِجْمَاعُ، وَخِلَافُ أَحْمَدَ قَدْ مَلَأَ الْأَسْمَاعَ، فَلَوْ سَبَقَهُ إجْمَاعٌ لَكَانَ أَجْدَرَ مِنْ الْقَاضِي بِمَعْرِفَتِهِ، وَمِمَّنْ مَنَعَ الْإِجْمَاعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ إلْكِيَا: مُسْتَنَدُهُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ إجْمَاعُ الْأَوَّلِينَ، وَالْإِجْمَاعُ إنْ
стр. 347
لَمْ يَسْلَمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُمْكِنٌ تَحْقِيقُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَهُوَ مُمَاطِلٌ يُصَلِّي مَعَ الْمَطْلِ، فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ وَإِمْكَانُ الْإِجْمَاعِ هَاهُنَا بَعِيدٌ، وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَسِرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ تَقْدِيرِ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ، وَالْغَصْبُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانَ قَلِيلَ الْوُقُوعِ. اهـ. وَعَلَى تَقْدِيرِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَيْهِ فَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْقَاضِي، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ الْآنِيَةِ مِنْ " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ": أَنَّ أَصْحَابَنَا يَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الصِّحَّةِ قَبْلَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ، وَهَذَا لَوْ تَمَّ دَفَعَ مَذْهَبَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: مَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ هَلْ عَادَ لِعَيْنِ الصَّلَاةِ أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَبْطَلَهَا، وَقِيلَ: بَلْ أَصْلُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ؟ فَعِنْدَنَا لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يَتَنَاوَلُهُ.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِفِعْلٍ إذَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ كَرِهَ الشَّرْعُ إيقَاعَهُ عَلَيْهِ، لَا يَكُونُ مُمْتَثِلًا. وَقِيلَ: يَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَائِلِينَ بِالصِّحَّةِ صِحَّةُ يَوْمِ النَّحْرِ نَقْضًا، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُهُمْ: الْغَصْبُ مُنْفَكٌّ عَنْ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْوُقُوعِ يَوْمَ النَّحْرِ
стр. 348
تَخْصِيصٌ لِلدَّعْوَى بِمَا يُجَوِّزُ انْفِكَاكَ الْجِهَتَيْنِ فِيهِ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ صَوْمُ يَوْمٍ خِيفَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكُ فِيهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ مَعَ الصِّحَّةِ، وَكَذَا إذَا صَلَّى فِي الْبَلَدِ الَّذِي حَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ فِيهِ؛ لِأَجْلِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ إجْمَاعًا.
وَعَنْ ابْنِ تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ نَقَلَ أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: يَجُوزُ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا، وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ عَقْلًا لَا شَرْعًا. وَالرَّابِعُ: يَجُوزُ شَرْعًا لَا عَقْلًا. قَالَ: وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِمْ: يَصِحُّ عِنْدَهَا لَا بِهَا. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الصِّحَّةِ. ثَالِثُهَا: إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لَمْ يَصِحَّ وَإِلَّا صَحَّتْ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْقَطْعِ أَوْ الِاجْتِهَادِ؟ فَقَالَ الْقَاضِي: الصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ مَسَائِلِ الْقَطْعِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، وَقَالَ الْمُصِيبُ فِيهَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَحِّحَ أَخَذَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ، وَمَنْ أَبْطَلَ أَخَذَهُ مِنْ التَّضَادِّ الَّذِي بَيْنَ الْقُرْبَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَيَدَّعِي اسْتِحَالَتَهُ عَقْلًا، فَالْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا قَطْعِيَّةٌ، وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّعْيِينِ.
стр. 349
الْأُولَى إذَا قُلْنَا: يَصِحُّ فَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ " الْفَتَاوَى " الَّتِي نَقَلَهَا الْقَاضِي أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الصَّبَّاغِ أَنَّ الْمَحْفُوظَ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا بِالْعِرَاقِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ، وَلَا ثَوَابَ فِيهَا، وَإِنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ " الْكَامِلِ " أَنَّا إذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ الثَّوَابُ، وَيَكُونُ مُثَابًا عَلَى فِعْلِهِ عَاصِيًا بِمُقَامِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَنْصُورِ: وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ إذَا صَحَّحْنَا. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُثَابُ يَعْتَضِدُ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ أَجْرَ الْعَمَلِ الْوَاقِعِ قَبْلَهَا فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
الثَّانِيَةُ: أَطْلَقُوا الْكَلَامَ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْمَطْلَبِ ": عِنْدِي أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَقْصُودَيْنِ أَدَاءَ مَا وَجَبَ وَحُصُولَ الثَّوَابِ، فَإِذَا انْتَفَى الثَّوَابُ صَحَّتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ الْآخَرِ، وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ فِي سُقُوطِ خِطَابِ الشَّرْعِ حُصُولَ الثَّوَابِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الرِّدَّةَ تُحْبِطُ أَجْرَ الْأَعْمَالِ الْوَاقِعَةِ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا لَوْ أَسْلَمَ، وَكَذَا نَقُولُ فِيمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ قَهْرًا لَا يُثَابُ عَلَيْهَا؛ لِفَقْدِ النِّيَّةِ مِنْهُ، وَسَقَطَ بِهَا خِطَابُ الشَّرْعِ عَنْهُ؛ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَهْلِ السَّهْمَانِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْخَطِيبِ: وَإِنْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ
стр. 350
إعَادَتِهَا، فَنَقُولُ سَقَطَ الْفَرْضُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَلِهَذَا قَالَ فِي " التَّنْبِيهِ ": فَإِنْ صَلَّى لَمْ يُعِدْ، وَلَمْ يَقُلْ: صَحَّتْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي " الْمُهَذَّبِ ": وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَلَاةُ النَّفْلِ لَا مَقْصُودَ فِيهَا غَيْرَ الثَّوَابِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَا تَنْعَقِدُ، وَإِطْلَاقُ مَنْ أَطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ بِالْفَرْضِ. اهـ.
[فَرْعٌ كَوْنُ الْوَاحِدِ وَاجِبًا وَحَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ]
ِ] قَالَ الْجُمْهُورُ: الْمُجَوِّزُونَ كَوْنُ الْوَاحِدِ وَاجِبًا وَحَرَامًا بِاعْتِبَارَيْنِ هَذَا إذَا أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ بِأَحَدِهِمَا مُنْفَكًّا عَنْ الْآخَرِ، أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو الْمُخَاطَبُ عَنْهُمَا، بِأَنْ يَقُولَ: لَا تَنْطِقْ، وَلَا تَسْكُتْ، وَلَا تَتَحَرَّكْ، وَلَا تَسْكُنْ، فَإِنْ مَنَعْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ مَنَعْنَاهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ جَوَّزْنَاهُ عَقْلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَعَلَى هَذَا مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً أَوْ تَخَطَّى زَرْعَ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَابَ وَتَوَجَّهَ لِلْخُرُوجِ، وَاخْتَارَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ، أَوْ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي مُحَرَّمٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَخُرُوجُهُ وَاجِبٌ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ اعْتِبَارَانِ، الشَّغْلُ وَالتَّفْرِيغُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِالتَّفْرِيغِ إلَّا بِالشَّغْلِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كَفِّ الزَّانِي عَنْ الزِّنَى. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ كَافَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: خُرُوجُهُ كَلُبْثِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَذَلِكَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَمَأْمُورٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ انْفِصَالٌ عَنْ الْمُكْثِ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْهُ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي الشَّمِر مِنْ
стр. 351
الْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ بَنَاهُ أَبُو هَاشِمٍ عَلَى أَصْلِهِ الْفَاسِدِ فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، فَأَصْلُهُ الْفَاسِدُ مِنْ مَنْعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
وَحَاصِلُ الْخِلَافِ: أَنَّ الْأَمْرَ الشَّرْعِيَّ هَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا أَوْ يَنْقَطِعُ؟ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا لِتَوَسُّطِهَا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ، وَإِنَّمَا يَعْصِي بِمَا تَوَرَّطَ بِهِ مِنْ الْعُدْوَانِ السَّابِقِ، وَقَالَ: وَهُوَ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ بِحُكْمِ الِاسْتِصْحَابِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ عَاصٍ فِي خُرُوجِهِ وَلَا نَهْيَ عَلَيْهِ فَسُقُوطُ النَّهْيِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَتَعْصِيَتُهُ لِتَسَبُّبِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، إذْ لَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَعْصِيَةٌ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وَلَا عِقَابٌ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي مَسْأَلَةِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ غَصَبَ مَالًا وَغَابَ بِهِ، ثُمَّ تَابَ وَتَوَجَّهَ رَاجِعًا، وَكَذَا اسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَضَعَّفَهُ الْغَزَالِيُّ لِاعْتِرَافِهِ بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ، فَالْمَعْصِيَةُ إلَى مَاذَا تَسْتَنِدُ؟ . وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا مَعْصِيَةَ إلَّا بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، وَقَدْ سَلِمَ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ فَانْتَهَضَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: فِيهِ جِهَتَانِ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِافْتِرَاغِ مِلْكِ الْغَيْرِ، وَالنَّهْيُ عَنْ اللُّبْثِ، كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ سَوَاءٌ كَمَا قَالَهُ فِي " الْبُرْهَانِ ": قُلْنَا: مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَا جِهَتَيْنِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِثَالِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ الِامْتِثَالَ مُمْكِنٌ، وَإِنَّمَا جَاءَ الِاتِّحَادُ مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ، وَالتَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَا خَيْرَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، فَلَا يُكَلَّفُ.
стр. 352
قُلْتُ: وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْمُحْرِمِ إذَا تَطَيَّبَ: وَلَا رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ عَلَى غَسْلِهِ، وَهَذَا مُرَخَّصٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَوْ غَسَلَ الطِّيبَ غَيْرُهُ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَإِنْ غَسَلَهُ هُوَ بِيَدِهِ يَفْتَدِي مِنْ غَسْلِهِ. قِيلَ: إنَّ عَلَيْهِ غَسْلَهُ، وَإِنْ مَاسَّهُ فَلَا، إنَّمَا مَاسَّهُ لِيُذْهِبَهُ عَنْهُ، ثُمَّ يُمَاسُّهُ لِيَتَطَيَّبَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُهُ، وَهَذَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهُ خَرَجَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَطِيعُ، وَلَوْ دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا، وَلَمْ أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ يَمْشِي مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَلِأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ مِنْ الذَّنْبِ لَا لِلزِّيَادَةِ مِنْهُ، فَهَكَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ. اهـ لَفْظُهُ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْوُقُوعِ فِي حَرَامٍ فَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ لَا يُوصَفُ حَالَةَ التَّخَلُّصِ بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ، كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمُ الدُّخُولِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ " الْفُرُوقِ ": قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِلْغَصْبِ. اهـ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ نَفْسَ إشْغَالِ الْحَيِّزِ بَاقٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَنَفْسَ الِانْتِقَالِ هُوَ جَائِزٌ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ، إذْ هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ. هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ؟ .
стр. 353
قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عِنْدَ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ وَالنَّزْعَ يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَقَالَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ: بَلْ يَجُوزُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْأُمِّ "؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يَقَعُ فِي النِّكَاحِ، وَاَلَّذِي يَقَعُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ هُوَ النَّزْعُ، وَالنَّزْعُ تَرْكُ الْمَأْثَمِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: اُدْخُلْ دَارِي وَلَا تُقِمْ فِيهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ غَرَضَهُ يَظْهَرُ بِمَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا أَبُو هَاشِمٍ، فَحَارَتْ فِيهَا عُقُولُ الْفُقَهَاءِ وَهِيَ مَنْ تَوَسَّطَ جَمْعًا مِنْ الْجَرْحَى، وَجَثَمَ عَلَى صَدْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَهَلَكَ مَنْ تَحْتَهُ، وَلَوْ انْتَقَلَ لَهَلَكَ آخَرُ، يَعْنِي مَعَ تَسَاوِي الرَّجُلَيْنِ فِي جَمِيعِ الْخِصَالِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَتَحَصَّلْ فِيهَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَبْتٍ، وَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، وَوَجْهُ السُّقُوطِ اسْتِحَالَةُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَاسْتِمْرَارُ الْعِصْيَانِ، لِتَسَبُّبِهِ إلَى مَا لَا يَخْلُصُ مِنْهُ، وَلَوْ فُرِضَ إلْقَاءُ رَجُلٍ عَلَى صَدْرِ آخَرَ، بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَى الْوَاقِعِ اخْتِيَارٌ فَلَا تَكْلِيفَ وَلَا عِصْيَانَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: يَمْكُثُ، فَإِنَّ الِانْتِقَالَ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَيُحْتَمَلُ التَّخْيِيرُ، وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلَّهِ فِيهِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِمُكْثٍ وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَكِنْ إنْ تَعَدَّى فِي الِابْتِدَاءِ
стр. 354
اسْتَصْحَبَ حُكْمَ الْعُدْوَانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ، وَنَفَى الْحُكْمُ حُكْمَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَقَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ لَا حُكْمَ، وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ. هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَلَمْ أَفْهَمْهُ بَعْدُ، وَقَدْ كَرَّرْتُهُ عَلَيْهِ مِرَارًا، وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرَائِعِ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كَانَ لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مُحَقَّقَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ، وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ مَعَ الْإِمَامِ، وَقَوْلُهُ: هَذَا لَا أَفْهَمُهُ يَعْنِي لَا لِعَجْزِ السَّامِعِ عَنْ فَهْمِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَفْهُومٍ فِي نَفْسِهِ. اهـ. وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: أَرَدْت انْتِفَاءَ الْحُكْمِ يَعْنِي الْحُكْمَ الْخَاصَّ وَهِيَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ، وَتَكُونُ الْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ حُكْمًا لِلَّهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ " النِّهَايَةِ ": لَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ عَنْهُ فِيمَا فَعَلَهُ، وَهَذَا حُكْمٌ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: انْتِقَالُك ابْتِدَاءُ فِعْلٍ مِنْك وَاسْتِقْرَارُك فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ مَا وَقَعَ ضَرُورِيًّا، وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الِانْتِقَالَ إنَّمَا يَجِبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا كَانَ مُمْكِنًا، وَإِذَا امْتَنَعَ بِإِيجَابِهِ بِحَالٍ، وَالْمُمْتَنِعُ شَرْعًا كَالْمُمْتَنِعِ حِسًّا وَطَبْعًا. قَالَ: وَهَذَا فِي الدِّمَاءِ لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، فَالتَّحْقِيقُ فِيهَا لَيْسَ بِالْبِدْعِ، فَلَوْ وَقَعَ بَيْنَ أَوَانٍ وَلَا بُدَّ مِنْ انْكِسَارِ بَعْضِهَا أَقَامَ أَوْ انْتَقَلَ فَيَتَعَيَّنُ
стр. 355
فِي هَذِهِ الصُّورَةِ التَّخْيِيرُ. اهـ.
وَقَدْ سَأَلَ الْغَزَالِيُّ الْإِمَامَ فِي كِبَرِهِ عَنْ هَذَا، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ لَا حُكْمَ وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ؟ فَقَالَ: حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَفْهَمُ هَذَا؟ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنْ تَسَبَّبَ إلَى الْوُقُوعِ أَثِمَ بِالنَّسَبِ، وَإِلَّا فَلَا إثْمَ وَلَا ضَمَانَ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إنْ وَقَعَ عَلَى الْجَرْحَى بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ الْمُكْثُ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ، وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِاسْتِمْرَارٍ وَكُرْهٍ، أَوْ بِانْتِقَالِهِ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى آخَرَ قَطْعًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " يُحْتَمَلُ وُجُوبُ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِالِاخْتِيَارِ مُهْلِكٍ وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ، فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعَدَمِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَنْتَقِلُ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ يُحَقِّقُ الْمَصْلَحَةَ فِي سَلَامَةِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَهْلِكَ الْمُنْتَقَلُ إلَيْهِ، أَوْ يَمُوتَ بِأَجَلِهِ قَبْلَ الْجُثُومِ إلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَخَيَّرَ؛ لِتَعَادُلِ الْمَفْسَدَتَيْنِ.
قَالَ: وَلَعَمْرِي لَقَدْ دَلَّسَ بِفَرْضِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضِيقُ كَمَا زَعَمَ إلَّا بِأَنْ نَفْرِضَ جَوْهَرَيْنِ مُفْرَدَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ، قَدْ جَثَمَ جَوْهَرٌ فَرْدٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ بَقِيَ أَهْلَك، وَإِنْ انْتَقَلَ فَرَّ مِنْ انْتِقَالِهِ عَنْ الْجَوْهَرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ زَمَنُ جُثُومِهِ عَلَى الْجَوْهَرِ الثَّانِي لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ وَهَذَا فَرْضٌ مُسْتَحِيلٌ، فَإِنَّ الْأَجْسَامَ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَزْمِنَةُ انْتِقَالِهَا مَعْدُودَةٌ، فَهُوَ إذَا انْتَقَلَ مَضَتْ أَزْمِنَةٌ بَيْنَ الِانْتِقَالِ وَالْجُثُومِ هُوَ فِيهَا سَالِمٌ مِنْ الْقَضِيَّتَيْنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَمُوتَ الثَّانِي قَبْلَ الْجُثُومِ عَلَيْهِ، فَيَسْلَمُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا فَالِانْتِقَالُ مُتَرَجِّحٌ فَيَتَعَيَّنُ، وَكَذَلِكَ مُتَوَسِّطُ الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، حُكْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْخُرُوجِ، وَيَكُونُ بِهِ مُطِيعًا لَا عَاصِيًا.
следующие страницы →