Полный текст (3 423 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
جُمْلَتِهَا مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ أَنْبِيَائِهِ، وَرُسُلِهِ ﵈، وَمِنْهَا عِلْمُ الْأَحْوَالِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْآدَابِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. قُلْت: وَلِهَذَا صَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الدِّينِ وَسَمَّاهُ " الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ ".
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِهِمْ الْفِقْهَ بِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ: أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمُدَوَّنَةَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لَيْسَتْ بِفِقْهٍ اصْطِلَاحًا، وَأَنَّ حَافِظَهَا لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَبِهِ صَرَّحَ الْعَبْدَرِيُّ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ مِنْ شَرْحِ " الْمُسْتَصْفَى ". قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ نَتَائِجُ الْفِقْهِ، وَالْعَارِفُ بِهَا فُرُوعِيٌّ، وَإِنَّمَا الْفَقِيهُ هُوَ الْمُجْتَهِدُ الَّذِي يُنْتِجُ تِلْكَ الْفُرُوعَ عَنْ أَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَيَتَلَقَّاهَا مِنْهُ الْفُرُوعِيُّ تَقْلِيدًا وَيُدَوِّنُهَا وَيَحْفَظُهَا. وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: هُمْ نَقَلَةُ فِقْهٍ لَا فُقَهَاءُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ": الْفَقِيهُ مَنْ لَهُ الْفِقْهُ، فَكُلُّ مَنْ لَهُ الْفِقْهُ فَقِيهٌ، وَمَنْ لَا فِقْهَ لَهُ فَلَيْسَ بِفَقِيهٍ. قَالَ: وَالْفَقِيهُ هُوَ الْعَالِمُ بِأَحْكَامِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ الْفَقِيهُ فِي مَسْأَلَةٍ لَمْ يَسْمَعْهَا كَكَلَامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ سَمِعَهَا: فَلَيْسَ بِفَقِيهٍ: حَكَاه عَنْهُ ابْنُ الْهَمْدَانِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْحَنَفِيَّةِ ".
стр. 37
وَقَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: الْفَقِيهُ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْفِقْهُ. وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ ": صِفَةَ الْمُفْتِي وَهُوَ الْفَقِيهُ فَذَكَرَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً تَأْتِي فِي بَابِ الِاجْتِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أُصُولُ الْفِقْهِ لُغَةً: مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْفِقْهُ، وَلَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَجْمُوعُ طُرُقِ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ، وَحَالَةُ الْمُسْتَدِلِّ بِهَا. فَقَوْلُنَا: " مَجْمُوعُ " لِيَعُمَّهَا، فَإِذَنْ بَعْضُهَا بَعْضُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَا كُلُّهَا. وَقَوْلُنَا: " طُرُقِ " لِيَعُمَّ الدَّلِيلَ وَالْأَمَارَةَ عَلَى اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ. وَخَرَجَ بِالْإِجْمَالِ: أَدِلَّةُ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، فَلَا يُقَالُ لَهَا فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ: أُصُولُ فِقْهٍ، وَإِنْ كَانَ التَّحْقِيقُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، إذْ هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ وَأَقَلُّ تَخْصِيصًا، وَلِأَنَّهُ يُوَافِقُ قَوْلَنَا: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ لِهَذَا الْحُكْمِ، وَلِهَذَا الْبَابِ، وَحِينَئِذٍ فَاِتِّخَاذُ الْأَدِلَّةِ فِي آحَادِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَيَكُونُ الْإِجْمَالُ شَرْطًا فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ، لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهَا، أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الدَّلَائِلِ، وَكَيْفِيَّةِ الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، وَالْبَاقِي كَالتَّابِعِ وَالتَّتِمَّةِ، لَكِنْ لَمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِإِدْخَالِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَضْعًا أُدْخِلَ فِيهِ حَدًّا.
стр. 38
قُلْت: وَعَلَيْهِ جَرَى الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ "، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى "، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ "، وَقَالَ: أُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ، وَكَيْفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ. اهـ. بَلْ قَدْ يُقَالُ: الدَّلِيلُ هُوَ الْأَصْلُ بِالذَّاتِ، وَالْبَاقِي بِالتَّبَعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالدَّلِيلِ. قَالَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ ". وَالْمُرَادُ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ هَاهُنَا الشُّرُوطُ وَالْمُقَدِّمَاتُ وَتَرْتِيبُهَا مَعَهُ، لِيُسْتَدَلَّ بِالطُّرُقِ عَلَى الْفِقْهِ. هَذَا مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ، وَالْفُقَهَاءُ يُطْلِقُونَ ذَلِكَ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي تَنْدَرِجُ فِيهَا الْجُزْئِيَّاتُ، كَقَوْلِهِمْ: الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ. وَقَوْلِهِمْ: يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ الَّتِي يَنْدَرِجُ فِيهَا الْفُرُوعُ الْمُنْتَشِرَةُ، وَعَلَيْهِ سَمَّى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ كِتَابَهُ " الْقَوَاعِدَ "، وَيُقَالُ: إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ اخْتَرَعَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ. وَيُوجَدُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مُتَفَرِّقَاتٌ مِنْهَا. هَلْ الْأُصُولُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ أَنْفُسُهَا أَوْ الْعِلْمُ بِهَا؟ طَرِيقَانِ. وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَدِلَّةِ، وَعَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " وَالرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ بِأَنَّهُ نَفْسُ الْأَدِلَّةِ. وَوَجْهُ الْخِلَافِ أَنَّهُ كَمَا يَتَوَقَّفُ الْفِقْهُ عَلَى هَذِهِ الْحَقَائِقِ يَتَوَقَّفُ أَيْضًا عَلَى الْعِلْمِ بِهَا، فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ إطْلَاقُ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنْفُسِهَا، وَعَلَى الْعِلْمِ بِهَا. وَالثَّانِي أَوْلَى لِوُجُوهٍ:
стр. 39
أَحَدُهَا: أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ ثَابِتٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الشَّخْصُ. وَثَانِيهَا: أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَجْعَلُونَ أُصُولَ الْفِقْهِ لِلْمَعْلُومِ، فَيَقُولُونَ: هَذَا كِتَابُ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْأُصُولَ فِي اللُّغَةِ الْأَدِلَّةُ فَجَعَلَهُ اصْطِلَاحًا نَفْسَ الْأَدِلَّةِ أَقْرَبُ إلَى الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْعِلْمِ كَمَا سَبَقَ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَوَارَدُوا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ اللَّقَبِيَّ، وَهُوَ كَوْنُهُ عِلْمًا عَلَى هَذَا الْفَنِّ حَدَّهُ بِالْعِلْمِ، وَمَنْ أَرَادَ الْإِضَافِيَّ حَدَّهُ بِنَفْسِ الْأَدِلَّةِ، وَلِهَذَا لَمَّا جَمَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ بَيْنَهُمَا عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ بِالْعِلْمِ، وَالْإِضَافِيَّ بِالْأَدِلَّةِ. نَعَمْ: الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ بِالْأَدِلَّةِ، يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى إرَادَةِ الْعِلْمِ بِهَا. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْأَدِلَّةِ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَالِاسْتِدْلَالُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: هِيَ ثَلَاثَةٌ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَمَنَعَا أَنْ تَكُونَ الْقَوَانِينُ الْكُلِّيَّةُ الظَّنِّيَّةُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ ": الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَا لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْعِلْمُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْمَقَايِيسِ لَا يُعَدُّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ. فَإِنْ قِيلَ: فَأَخْبَارُ الْآحَادِ وَالْمَقَايِيسُ لَا تُفْضِي إلَى الْعُلُومِ، وَهِيَ مِنْ
стр. 40
أَدِلَّةِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. قِيلَ لَهُ: إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُصُولِ تَثْبِيتُهَا أَدِلَّةً عَلَى وُجُوبِ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ مِمَّا يُدْرَكُ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُتَلَقَّى مِنْهَا فَيَتَعَلَّقُ بِالْفِقْهِ دُونَ أُصُولِهِ. وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ ": فَإِنْ قِيلَ: مُعْظَمُ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ ظُنُونٌ. قُلْنَا: لَيْسَتْ الظُّنُونُ فِقْهًا، وَإِنَّمَا الْفِقْهُ الْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ قِيَامِ الظُّنُونِ. وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: أَخْبَارُ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةُ لَا تُوجِبُ الْعَمَلَ لِذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، وَهُوَ الْأَدِلَّةُ الْقَطْعِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ رِوَايَةِ الْآحَادِ وَقِيَامِ الْأَقْيِسَةِ. قَالَ: وَهُمَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدَا إلَّا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لَكِنْ حَظُّ الْأُصُولِيِّ إبَانَةُ الْقَاطِعِ فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا لِيُبْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ، وَيَرْتَبِطَ الدَّلِيلُ بِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَقَالَ: أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الدَّلِيلِ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْقِيَاسِ، وَهُوَ خِلَافٌ هَيِّنٌ. .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الْغَرَضُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ، وَمَعْرِفَةُ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ، لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْرَأَ أَبْوَابَهُ وَجَدَهَا إمَّا دَلِيلًا عَلَى حُكْمٍ أَوْ طَرِيقًا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ كَمَعْرِفَةِ النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَالْعِلَلِ، وَالرُّجْحَانِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعْرِفَةٌ مُحِيطَةٌ بِالْأَدِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ. وَمَعْرِفَةُ الْأَخْبَارِ وَطُرُقِهَا مَعْرِفَةٌ بِالطُّرُقِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى الدَّلَائِلِ الْمَنْصُوصَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ. وَهَاهُنَا أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَسْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ. كَأُصُولِ الْفِقْهِ،
стр. 41
وَالْفِقْهِ، وَالنَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَالطِّبِّ. هَلْ هِيَ مَنْقُولَةٌ أَوْ لَا؟ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ، كَالْعَقَبَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةِ.
قَالَ: وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَرْجَحُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْغَلَبَةِ يَتَقَيَّدُ بِمَا فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ أَوْ الْإِضَافَةُ، وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الْعُلُومِ تُطْلَقُ عُرْفًا مَعَ التَّنْكِيرِ وَالْقَطْعِ عَنْ الْإِضَافَةِ كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَعْرِفُ فِقْهًا وَنَحْوًا.
قُلْت: وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ كَمَا سَبَقَ، وَبِالثَّانِي صَرَّحَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَالطُّرْطُوشِيُّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِهِ، وَقَالَ: فَيَكُونُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَلِيمِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ، وَمَا رَجَّحَ بِهِ الثَّانِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ مَعَ التَّنْكِيرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعِلْمِيَّةِ فَإِنَّ الْعِلْمَ يُنْكِرُ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا.
الثَّانِي: إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ فَهِيَ أَسْمَاءُ أَجْنَاسٍ أَوْ أَعْلَامُ أَجْنَاسٍ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ، لِقَبُولِهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَالْعِلْمُ لَا يَقْبَلُهُ، وَلِاشْتِهَارِهَا فِي الْعُرْفِ، كَاشْتِهَارِ لَفْظِ الدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَلَمٍ هَذَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَعْرِفَةٍ. أَمَّا أُصُولُ الْفِقْهِ فَهُوَ مَعْرِفَةٌ بِالْإِضَافَةِ. وَنُقِلَ إلَى هَذَا الْعَلَمِ الْخَاصُّ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ، فَهُوَ عَلَمُ جِنْسٍ، لِأَنَّهُ الْمُمَيِّزُ لِهَذَا الْجِنْسِ بِخُصُوصِهِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ يُطْلَقُ مُضَافًا وَمُضَافًا إلَيْهِ، وَيُطْلَقُ عَلَمًا عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْخَاصِّ.
стр. 42
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ الْإِضَافِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
وَالصَّوَابُ: تَعْرِيفُ اللَّقَبِيِّ وَلَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ. وَأَمَّا جَزَاؤُهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ عَلَى حِدَتِهِ. إنَّمَا هُوَ كَغُلَامِ زَيْدٍ إذَا سَمَّيْت بِهِ لَمْ يَتَطَلَّبْ مَعْنَى الْغُلَامِ، وَلَا مَعْنَى زَيْدٍ، وَلَيْسَ لَنَا حَدَّانِ إضَافِيٌّ وَلَقَبِيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ اللَّقَبِيُّ فَقَطْ.
[فَصْلٌ الْغَرَضُ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ وَحَقِيقَتُهُ وَمَادَّتُهُ وَمَوْضُوعُهُ وَمَسَائِلُهُ]
يَجِبُ عَلَى كُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ أَنْ يَعْلَمَ مَا الْغَرَضُ مِنْهُ؟ وَمَا هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ وَفِيمَ؟ وَكَيْفَ يُحَصَّلُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ لَهُ الطَّلَبُ وَيَسْهُلَ؟ وَالْأَوَّلُ: فَائِدَتُهُ.
وَالثَّانِي: حَقِيقَتُهُ وَمَبَادِئُهُ. وَالثَّالِثُ: مَادَّتُهُ الَّتِي مِنْهَا يَسْتَمِدُّ. وَالرَّابِعُ: مَوْضُوعُهُ، وَالْخَامِسُ: مَسَائِلُهُ.
أَمَّا الْفَائِدَةُ: فَهِيَ الْغَايَةُ الْمُوَصِّلَةُ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَلِلسَّبَبِ الْغَائِيِّ اعْتِبَارَانِ: أَوَّلُ الْفِكْرِ، وَيُسَمَّى الْبَاعِثَ. وَمُنْتَهَاهُ وَهُوَ آخِرُ الْعَمَلِ، وَيُسَمَّى الْفَائِدَةَ.
стр. 43
وَأَمَّا الْحَقِيقَةُ: وَهُوَ اقْتِنَاصُهُ بِحَدٍّ أَوْ رَسْمٍ أَوْ تَقْسِيمٍ. وَالْقَصْدُ بِهِ الْإِرْشَادُ إلَى الْمَطْلُوبِ وَإِيضَاحُهُ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي التَّعْلِيمِ لِلْغَيْرِ، وَأَمَّا الطَّالِبُ لِنَفْسِهِ إذَا لَاحَ لَهُ حَقِيقَةُ مَا يَطْلُبُ صَحَّ طَلَبُهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ عِبَارَةً عَنْهُ صَالِحَةً لِلْحَدِّ فَلَا يَكُونُ هَذَا شَرْطًا إلَّا فِي حَقِّ مَنْ أَرَادَ التَّعْلِيمَ لَا التَّعَلُّمَ.
وَأَمَّا الْمَادَّةُ: فَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَابِعُوهُ: أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ عُلُومٍ: الْكَلَامِ، وَالْفِقْهِ، وَالْعَرَبِيَّةِ.
أَمَّا الْكَلَامُ: فَلِتَوَقُّفِ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَارِي تَعَالَى بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ مِنْ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رَسُولِهِ، وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى دَعْوَى الرِّسَالَةِ. وَذَلِكَ كُلُّهُ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ فَيُسَلَّمُ هُنَا.
وَتَخُصُّ النَّظَرَ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ هُنَا بِعِلْمِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُخَاطَبٍ، وَقُدْرَةِ الْعَبْدِ كَسْبًا لَيُكَلَّفَ، وَتَعَلُّقِ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِيُوجَدَ الْحُكْمُ، وَرَفْعِ التَّعَلُّقِ فَيُنْسَخَ، وَصِدْقِ الْمُبَلِّغِ لِيُبَيِّنَّ.
وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ: فَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ جَاءَتْ بِلِسَانٍ الْعَرَبِ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُنُونٍ:
عِلْمِ النَّحْوِ: وَهُوَ عِلْمُ مَجَارِي أَوَاخِرِ الْكَلِمِ رَفْعًا، وَنَصْبًا، وَجَرًّا، وَجَزْمًا.
وَعِلْمُ اللُّغَةِ: وَهِيَ تَحْقِيقُ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَوَاتِهَا.
وَعِلْمُ الْأَدَبِ: وَهُوَ عِلْمُ نَظْمِ الْكَلَامِ، وَمَعْرِفَةُ مَرَاتِبِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْحَالِ.
стр. 44
وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا مَادَّةً لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْأُصُولِ، وَهُوَ الْخِطَابُ دُونَ مَسَائِلِ الْأَخْبَارِ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالنَّسْخُ، وَالْقِيَاسُ، وَهِيَ مُعْظَمُ الْأُصُولِ. ثُمَّ إنَّ الْمَادَّةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلَى نَظِيرِ الْمَادَّةِ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا مَادَّةٌ لِفَهْمِ الْأَدِلَّةِ.
وَأَمَّا الْفِقْهُ: فَلِأَنَّهُ مَدْلُولُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَأُصُولُ الْفِقْهِ أَدِلَّتُهُ، وَلَا يُعْلَمُ الدَّلِيلُ مُجَرَّدًا مِنْ مَدْلُولِهِ.
وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ اسْتِمْدَادِهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ: إنَّ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ فِيهِ أَلْفَاظٌ لَا تُعْلَمُ مُسَمَّيَاتُهَا مِنْ غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ لَكِنَّهَا تُؤْخَذُ مُسَلَّمَةً فِيهِ. عَلَى أَنْ يُبَرْهِنَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ، أَوْ تَكُونَ مُسَلَّمَةً فِي نَفْسِهَا. وَهِيَ الْعِلْمُ، وَالظَّنُّ، وَالدَّلِيلُ، وَالْأَمَارَةُ، وَالنَّظَرُ، لِأَنَّ لَفْظَ الطُّرُقِ يَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَالْحُكْمُ أَيْضًا، إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ فِي غَيْرِ أُصُولِ الدِّينِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْهُ غَيْرُ مَا عَدَّدْنَاهُ، فَهُوَ تَبَعٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا الْعِلْمِ، لِيَتَوَقَّفَ مِنْهُ إذَنْ عَلَى بَعْضِهِ لَا عَلَى كُلِّهِ. وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ اسْتِمْدَادَ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّسُولِ الَّذِي دَلَّ التَّكَلُّمُ عَلَى صِدْقِهِ، فَيُنْظَرُ فِي وَجْهِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ.
إمَّا بِمَلْفُوظِهِ، أَوْ بِمَفْهُومِهِ، أَوْ بِمَعْقُولِ مَعْنَاهُ وَمُسْتَنْبَطِهِ، وَلَا يُجَاوِزُ نَظَرُ الْأُصُولِيِّ ذَلِكَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلَهُ.
قَالَ: وَقَوْلُ الرَّسُولِ إنَّمَا يَثْبُتُ صِدْقُهُ وَكَوْنُهُ حُجَّةً مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ.
وَهَذَا لَيْسَ بِمَرَضِيٍّ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُوجَدُ فِيهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ مَعْرِفَةَ الْعِلْمِ، وَالظَّنَّ، وَالدَّلِيلَ، وَالنَّظَرَ وَغَيْرَهُ مِمَّا سَبَقَ. وَقَوْلُهُ بِأَنَّ نَظَرَ الْأُصُولِيِّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ مَمْنُوعٌ. فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي الِاسْتِصْحَابِ وَالْأَفْعَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ، وَلَا فِعْلَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَادَّةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: إسْنَادِيَّةٍ، مُقَوَّمَةٍ، فَالْمُقَوَّمَةُ دَاخِلَةٌ فِي أَجْزَاءِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهِيَ الْفِقْهُ، وَالْإِسْنَادِيَّة مَا اسْتَنَدَتْ إلَى الدَّلِيلِ، كَعِلْمِ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أُصُولَ
стр. 45
الْفِقْهَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلْمَ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا عِلْمُ الْكَلَامِ دَلِيلُ الْمُعْجِزَةِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْأُصُولِ، فَاسْتَنَدَ إلَى الدَّلِيلِ. وَكَذَلِكَ مَادَّةُ الْعَرَبِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُجْعَلُ الْفِقْهُ مَادَّةً لِلْأُصُولِ. وَهُوَ فَرْعُ الْأُصُولِ، وَمَادَّةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ، فَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ أَصْلًا وَالْأَصْلُ فَرْعًا؟ أَجَابَ الْمُقْتَرِحُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْبُرْهَانِ " بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ الْفِقْهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، فَيُذْكَرُ الْوَاجِبُ بِمَا هُوَ وَاجِبٌ، وَالْمَنْدُوبُ بِمَا هُوَ مَنْدُوبٌ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مُبَيِّنٌ حَقِيقَةَ الْأُصُولِ. وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يُذْكَرَ جُزْئِيَّاتُ الْمَسَائِلِ، فَإِنَّ ذِكْرَهَا يُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ.
[تَوَقُّفُ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَى الْفِقْهِ]
وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الْفِقْهِ تَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْفِقْهِ، إذْ يَسْتَحِيلُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهَا أُصُولَ فِقْهٍ مَا لَمْ يُتَصَوَّرْ الْفِقْهُ، لِأَنَّ الْمُضَافَ إلَى مَعْرِفَةٍ إضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَعَرَّفَ بِهَا، وَلَا يُمْكِنُ التَّعْرِيفُ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ سَبْقِ مَعْرِفَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُرَكَّبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِمُفْرَدَاتِهِ ضَرُورَةً وَأَمَّا الْمَوْضُوعُ: فَشَيْءٌ يَبْحَثُ عَنْ أَوْصَافِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمَنْطِقِيِّينَ: مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ. أَيْ مَا يَلْحَقُ الشَّيْءَ لِذَاتِهِ، كَالتَّعَجُّبِ اللَّاحِقِ لِلْإِنْسَانِ لِذَاتِهِ، لَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ آخَرَ. أَوْ لِجُزْئِهِ، كَالْمَشْيِ اللَّاحِقِ لَهُ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا.
أَوْ لِأَمْرٍ يُسَاوِيهِ، كَالضَّحِكِ اللَّاحِقِ لَهُ بِوَاسِطَةِ التَّعَجُّبِ، فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أَعْرَاضُهُ الذَّاتِيَّةُ.
وَقَدْ يَكُونُ لِأَعَمَّ دَاخِلٍ فِيهِ. كَالْحَرَكَةِ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّهُ مَهْجُورٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَوْضُوعَاتِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ إلَيْهِ. فَمَوْضُوعُ الْفِقْهِ: أَفْعَالُ
стр. 46
الْمُكَلَّفِينَ، وَمَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ: الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةِ. وَمَوْضُوعُ الْهَنْدَسَةِ: الْمِقْدَارُ، وَمَوْضُوعُ الطِّبِّ: بَدَنُ الْإِنْسَانِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِيَ مَجَالُ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ يُبْحَثُ فِيهَا عَنْ أَعْرَاضِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ اللَّاحِقَةِ بِهَا، كَمَا أَنَّهُمْ شَبَّهُوا مَا يُبْحَثُ فِي كُلِّ عِلْمٍ عَنْ أَعْرَاضِهِ وَأَحْوَالِهِ بِمَادَّةٍ حِسِّيَّةٍ يَضَعُهَا إنْسَانٌ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُوقِعَ فِيهَا أَثَرًا مَا، كَالْخَشَبِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَّارُ حَتَّى يَصِيرَ سَرِيرًا، أَوْ بَابًا. وَكَالْفِضَّةِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الصَّائِغُ حَتَّى يَصِيرَ خَاتَمًا أَوْ سِوَارًا وَنَحْوَهُ.
وَأَمَّا مَبَادِئُ كُلِّ عِلْمٍ فَهِيَ حُدُودُ مَوْضُوعِهِ وَأَجْزَائِهِ وَأَعْرَاضِهِ مَعَ الْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي تُؤَلَّفُ عَنْهَا قِيَاسَاتُهُ. وَذَلِكَ كَحَدِّ الْبَدَنِ وَأَعْضَائِهِ، وَمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ صِحَّةٍ وَسَقَمٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الطِّبِّ. وَحَدُّ الْفِعْلِ وَأَصْنَافُهُ وَأَشْخَاصُهُ وَمَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلْمِ الْفِقْهِ، وَحَدُّ اللَّفْظِ، وَمَا يَعْرِضُ مِنْ صَوَابٍ وَخَطَأٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّحْوِ.
وَهُوَ جَمْعُ مَبْدَأٍ، وَمَبْدَأُ الشَّيْءِ هُوَ مَحَلُّ بِدَايَتِهِ. وَسُمِّيَتْ حُدُودُ مَوْضُوعِ الْعِلْمِ وَأَجْزَاؤُهُ وَمُقَدِّمَاتُهُ الَّتِي هِيَ مَادَّةُ قِيَاسَاتِهِ مَبَادِئَ، لِأَنَّهُ عَنْهَا وَمِنْهَا يَنْشَأُ، وَيَبْدُو.
وَأَمَّا مَسَائِلُ كُلِّ عِلْمٍ فَهِيَ مَطَالِبُهُ الْجُزْئِيَّةُ الَّتِي يُطْلَبُ إثْبَاتُهَا فِيهِ كَمَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا لِلْفِقْهِ، وَمَسَائِلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْعَامِّ، وَالْخَاصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَغَيْرِهَا لِأُصُولِ الْفِقْهِ.
وَالْمَوْضُوعُ: قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا، كَالْعَدَدِ لِلْحِسَابِ، وَقَدْ يَكُونُ كَثِيرًا، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَنَاسُبٌ، أَيْ: مُشَارَكَةٌ. إمَّا فِي ذَاتِيٍّ، كَمَا إذَا جُعِلَ الِاسْمُ، وَالْفِعْلُ، وَالْحَرْفُ، مَوْضُوعَاتِ النَّحْوِ، لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْجِنْسِ، وَهُوَ الْكَلِمَةُ. وَإِمَّا فِي عَرَضِيٍّ كَمَا إذَا جُعِلَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ وَأَجْزَاؤُهُ وَالْأَدْوِيَةُ
стр. 47
وَالْأَغْذِيَةُ مَوْضُوعَاتِ الطِّبِّ، لِاشْتِرَاكِهَا فِي غَايَةٍ، وَهِيَ الصِّحَّةُ.
وَمَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَإِنَّهُ إمَّا وَاحِدٌ، وَهُوَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ مِنْ جِهَةِ إنَّهُ مُوَصِّلٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِمَّا كَثِيرٌ، وَهُوَ أَقْسَامُ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لِاشْتِرَاكِهَا إمَّا فِي جِنْسِهَا، وَهُوَ الدَّلِيلُ، أَوْ فِي غَايَتِهَا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ أَكْثَرُ مِنْ مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ، يَجُوزُ مُطْلَقًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْرَكَهُ فِي أَمْرٍ ذَاتِيٍّ، أَوْ عَرَضِيٍّ، كَالطِّبِّ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، وَعَنْ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا. وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ مُطْلَقًا، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الِانْتِشَارِ.
وَاخْتَارَ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ تَفْصِيلًا: وَهُوَ إنْ كَانَ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ إضَافِيًّا جَازَ، كَمَا أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي الْأُصُولِ عَنْ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْحُكْمِ، وَالْمَنْطِقُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ إيصَالِ تَصَوُّرٍ، أَوْ تَصْدِيقٍ إلَى تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْعَوَارِضِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ نَاشِئَةً عَنْ أَحَدِ الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَبَعْضُهَا عَنْ الْآخَرِ، فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ كِلَا الْمُتَضَايِفَيْنِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ إضَافِيٍّ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ، ثُمَّ إنْ كَانَ إضَافِيًّا، فَقَدْ يَكُونُ الْمُضَافُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ مَوْضُوعَ ذَلِكَ الْعِلْمِ، كَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا، كَعِلْمِ الْمَنْطِقِ، فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ الْقَوْلُ الشَّارِحُ، وَالدَّلِيلُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوَصِّلُ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ
стр. 48
[مَفْهُوم الدَّلِيلُ]
الدَّلِيلُ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الرُّشْدُ لِلْمَطْلُوبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ فَاعِلُ الدَّلَالَةِ، وَمُظْهِرُهَا، فَيَكُونُ مَعْنَى الدَّلِيلِ الدَّالَّ " فَعِيلٌ " بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، كَعَلِيمٍ وَقَدِيرٍ مَأْخُوذٌ مِنْ دَلِيلِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُرْشِدُهُمْ إلَى مَقْصُودِهِمْ قَالَ الْقَاضِي: وَالدَّالُّ: نَاصِبُ الدَّلَالَةِ وَمُخْتَرِعُهَا، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَمَنْ عَدَاهُ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ. وَعِنْدَ الْبَاقِينَ الدَّالُّ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ، وَاسْتُبْعِدَ، إذْ الْحَاكِي وَالْمُدَرِّسُ لَا يُسَمَّى دَالًّا، وَهُوَ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الدَّالُّ ذَاكِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمَسُّكِ بِهَا. وَيُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى دَلِيلًا بِالْإِضَافَةِ. وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ " الْحُدُودِ "، قَالَ: وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى: يَا دَلِيلَ الْمُتَحَيِّرِينَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الْعَكَّاكِينَ. وَحَكَى غَيْرُهُ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ الدَّلِيلِ عَلَى اللَّهِ وَجْهَيْنِ مُفَرَّعَيْنِ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ هَلْ تَثْبُتُ قِيَاسًا أَمْ لَا؟ لَكِنْ صَحَّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَدْعُوَ، فَيَقُولَ: يَا دَلِيلَ الْحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ. الثَّانِي: مَا بِهِ الْإِرْشَادُ، أَيْ: الْعَلَامَةُ الْمَنْصُوبَةُ لِمَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْعَالَمُ دَلِيلُ الصَّانِعِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: حَقِيقَةُ الدَّلِيلِ: الدَّالُّ، وَقِيلَ: بَلْ الْعَلَامَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَدْلُولِ بِنَاءً عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَعْنَيَيْنِ فِي اللُّغَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلدَّالِ
стр. 49
حَقِيقَةً، وَصَارَ فِي الْعُرْفِ اسْمًا لِلِاسْتِعْمَالِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى الْمَطْلُوبِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيُسَمَّى دَلَالَةً وَمُسْتَدَلًّا بِهِ، وَحُجَّةً، وَسُلْطَانًا، وَبُرْهَانًا وَبَيَانًا، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي " تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ " قَالَ: وَسَوَاءٌ أَوْجَبَ عِلْمَ الْيَقِينِ، أَوْ دُونَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يُسَمَّى الدَّلِيلُ حُجَّةً وَبُرْهَانًا. وَقِيلَ: بَلْ هُمَا اسْمٌ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّعْوَى. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالْحُجَّةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ مَا دَلَّ عَلَى مَطْلُوبِك، وَالْحُجَّةُ مَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَالثَّانِي: الدَّلِيلُ مَا دَلَّ عَلَى صَوَابِك. وَالْحُجَّةُ مَا دَفَعَ عَنْك قَوْلَ مُخَالِفِك. اهـ. وَخَصَّ الْمُتَكَلِّمُونَ اسْمَ الدَّلِيلِ مَا دَلَّ بِالْمَقْطُوعِ بِهِ مِنْ السَّمْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَيُسَمُّونَهُ أَمَارَةً. وَحَكَاهُ فِي التَّلْخِيصِ " عَنْ مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ.
стр. 50
وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ أَيْضًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يُطْلِقُونَ الدَّلِيلَ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَابْنِ الصَّبَّاغِ. وَحَكَاهُ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَسُلَيْمٍ الرَّازِيّ، وَأَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَابْنِ عَقِيلٍ وَالزَّاغُونِيِّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَحَكَاهُ فِي " التَّلْخِيصِ " عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَحُكِيَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. قِيلَ: وَلَعَلَّ مَنْشَأَهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ الْأَدِلَّةَ الظَّنِّيَّةَ لَا تُحَصِّلُ صِفَاتٍ تَقْتَضِي الظَّنَّ كَمَا تَقْتَضِي الْأَدِلَّةُ الْيَقِينِيَّةُ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا يُحَصِّلُ الظَّنَّ اتِّفَاقًا عِنْدَهَا، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إنَّ الظَّنِّيَّاتِ لَيْسَ فِيهَا تَرْتِيبٌ، وَتَقْدِيمٌ، وَتَأْخِيرٌ، وَلَيْسَ فِيهَا
стр. 51
خَطَأٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ الْمُصَوِّبَةُ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الدَّلِيلِ عَلَى الظَّنِّيِّ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْلُومِ وَالْمَظْنُونِ، فَأَمَّا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى دَلِيلًا وَضْعًا. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْفُقَهَاءُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْمُتَكَلِّمُونَ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِ عِيَارِ النَّظَرِ ": قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ: مَعْنَى الدَّلِيلِ مُظْهِرُ الدَّلَالَةِ، وَمِنْهُ دَلِيلُ الْقَوْمِ، وَقَالَ: إنَّ تَسْمِيَةَ الدَّلَالَةِ دَلِيلًا مَجَازٌ، وَإِنْ كَانَ إذَا قِيلَ لَهُ: لَوْ كَانَ الدَّلِيلُ مُظْهِرَ الدَّلَالَةِ، لَوَجَبَ عَلَى الْمَسْئُولِ عَنْ الدَّلَالَةِ إذَا قِيلَ لَهُ: مَا الدَّلِيلُ؟ أَنْ يَقُولَ: أَنَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُظْهِرُ لِلدَّلَالَةِ. أَجَابَ بِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ: مَنْ الدَّلِيلُ؟ قَالَ: أَنَا وَإِذَا وَقَعَ السُّؤَالُ بِحَرْفِ " مَا " عُرِفَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّؤَالُ عَنْ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ " مَا " إنَّمَا يُسْأَلُ بِهِ عَمَّا لَا يُوصَفُ بِالتَّمْيِيزِ. وَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الدَّلَالَةُ، وَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا لَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ، وَعَلَى هَذَا فَتَسْمِيَةُ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ دَلِيلًا مَجَازٌ. اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: الدَّلَالَةُ مَصْدَرُ قَوْلِك: دَلَّ يَدُلُّ دَلَالَةً وَيُسَمَّى دَلِيلًا مَجَازًا مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ. كَقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ صَوْمٌ
стр. 52
وَأَمَّا الدَّالُّ: فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، فَقِيلَ: هُوَ الدَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي نَصَبَ أَدِلَّةَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِلدَّلِيلِ تَحْصِيلٌ سِوَى تَجْرِيدِ الْفِكْرِ مِنْ ذِي فِكْرَةٍ صَحِيحَةٍ إلَى جِهَةٍ يَتَطَرَّقُ إلَى مِثْلِهَا تَصْدِيقٌ، أَوْ تَكْذِيبٌ.
[أَقْسَامُ الدَّلِيلِ]
[أَقْسَامُ الدَّلِيلِ] وَيَنْقَسِمُ الدَّلِيلُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: سَمْعِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَوَضْعِيٍّ. فَالسَّمْعِيُّ: هُوَ اللَّفْظِيُّ الْمَسْمُوعُ، وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ. أَعْنِي الْكِتَابَ، وَالسُّنَّةَ، وَالْإِجْمَاعَ، وَالِاسْتِدْلَالَ. وَأَمَّا عُرْفُ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَإِنَّهُمْ إذَا أَطْلَقُوا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ، فَلَا يُرِيدُونَ بِهِ غَيْرَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعَ قَالَهُ الْآمِدِيُّ " فِي " الْأَبْكَارِ ". الثَّانِي: الْعَقْلِيُّ: وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى وَضْعٍ، كَدَلَالَةِ الْحُدُوثِ عَلَى الْمُحْدِثِ، وَالْإِحْكَامِ عَلَى الْعَالِمِ. الثَّالِثُ: الْوَضْعِيُّ: وَهُوَ مَا دَلَّ بِقَضِيَّةِ اسْتِنَادِهِ، وَمِنْهُ الْعِبَارَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَعَانِي فِي اللُّغَاتِ. قَالَ: وَأَلْحَقَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ الْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى صِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَقَالَ مَا دَلَّ عَقْلًا لَا يَتَبَدَّلُ، وَمَا دَلَّ وَضْعًا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَدَّلَ. لَكِنَّ الْإِمَامَ فِي الْإِرْشَادِ " اخْتَارَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَقْلِيَّةٌ
стр. 53
وَهُوَ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَسَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ أَيْضًا.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي " الْأَبْكَارِ ": الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شَيْخُنَا وَالْقَاضِي وَالْمُحَقِّقُونَ: أَنَّ دَلَالَةَ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ لَيْسَتْ دَلَالَةً عَقْلِيَّةً وَلَا سَمْعِيَّةً. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَقْلًا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ، وَيَرْتَبِطُ بِمَدْلُولِهِ لِذَاتِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَعُ الْخَوَارِقُ عِنْدَ تَصَرُّمِ الدُّنْيَا مَعَ عَدَمِ دَلَالَتِهَا عَلَى تَصْدِيقِ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ، فَإِنَّهُ لَا إرْسَالَ، وَلَا رَسُولَ إذْ ذَاكَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ السَّمْعِيَّةَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صِدْقِهِ فَلَوْ تَوَقَّفَ صِدْقُ الرَّسُولِ عَلَيْهَا لَكَانَ دَوْرًا، بَلْ دَلَالَتُهَا عَلَى صِدْقِهِ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الدَّلَالَاتِ الْوَضْعِيَّةِ النَّازِلَةِ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ، فَكَانَتْ نَازِلَةً مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: صَدَقَ.
ثُمَّ الْعَقْلِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ كَالْأَدِلَّةِ فِي أُصُولِ الْعَقَائِدِ، وَإِلَى مَا لَا يَقْتَضِيهِ، وَكَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ، وَإِلَى مَا لَا يَقْتَضِيهِ، كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْمُقَايِسِ السَّمْعِيَّةِ. فَكَمَا لَا يُوصَفُ بِاقْتِضَاءِ الْعِلْمِ لَا يُوصَفُ بِاقْتِضَاءِ غَلَبَةِ الظَّنِّ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَزِلُّ فِيهِ مُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِحُصُولِ الظَّنِّ فِي أَثَرِهَا مِنْ غَيْرِ تَضَمُّنِهَا. وَيَتَنَوَّعُ الْعَقْلِيُّ إلَى اسْتِقْرَائِيٍّ، وَتَمْثِيلِيٍّ، وَاقْتِرَانِيٍّ، وَاسْتِثْنَائِيٍّ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ، وَيَتَأَلَّفُ الْمُتَّصِلُ مِنْ الْمُتَلَازِمَاتِ، وَالْمُنْفَصِلُ مِنْ الْمُتَضَادَّاتِ، وَنَوَّعَهَا الْأَصْحَابُ أَرْبَعَةً: بِنَاءُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ: وَإِنْتَاجُ الْمُقَدِّمَاتِ النَّتَائِجَ، وَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
стр. 54
وَنَازَعَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْأَوَّلِ. وَقَالَ: عِنْدَنَا لَا أَصْلَ لِبِنَاءِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَأَنَّ الْحُكْمَ بِهِ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ فِي الْغَائِبِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ الشَّاهِدِ، وَإِلَّا فَذِكْرُ الشَّاهِدِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَلَيْسَ فِي الْمَعْقُولَاتِ قِيَاسٌ. قَالَ: وَكَذَا قِيَاسُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ فِي الْمَعْقُولَاتِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّلِيلِ الْوُجُودُ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمِيًّا، وَلِهَذَا يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ الْآيَاتِ عَلَى كَذِبِ الْمُتَنَبِّئِ، وَبِعَدَمِ الْأَدِلَّةِ وَالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ عَلَى انْحِصَارِ أَوْصَافِ الْأَجْنَاسِ فِيمَا أَدْرَكْنَاهُ. وَالدَّلِيلُ لَا يَقْتَضِي مَدْلُولَهُ، وَلَا يُوجِبُهُ إيجَابَ الْعِلَّةِ مَعْلُولَهَا بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَدْلُولِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، كَالْعِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْحُدُوثَ لَمَّا دَلَّ عَلَى الْمُحْدِثِ اسْتَحَالَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُوجِبُهُ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. وَالْقَصْدُ بِهَذَا التَّحَرُّزُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الدَّلِيلُ يُوجِبُهُ كَذَا، وَالدَّلَالَةُ تَقْتَضِي مَدْلُولَهَا كَذَا.
وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مُحْتَاجًا لِدَلِيلٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. قَالَ: فَمَنَعَهُ قَوْمٌ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ. وَقَالُوا: الْأَدِلَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وَإِلَى مَا هُوَ فِي ثَوَانِي الْعَقْلِ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ. وَاخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ: أَنَّا إذَا أَقَمْنَا دَلِيلًا عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ مَثَلًا، فَهَلْ الْمَدْلُولُ حُدُوثُ الْعَالَمِ أَوْ الْعِلْمُ بِحُدُوثِهِ؟ وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ أَنَّ حُدُوثَ الْأَكْوَانِ دَالٌّ عَلَى حُدُوثِ الْجَوَاهِرِ سَوَاءٌ نَظَرَ النَّاظِرُ أَوْ لَا.
стр. 55
وَاخْتَلَفُوا فِي الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ هَلْ تُفِيدُ الْقَطْعَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: نَعَمْ. وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تُفِيدُ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّ أَنَّهَا تُفِيدُ الْقَطْعَ إنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ مُشَاهَدَةٌ، أَوْ مَعْقُولَةٌ كَالتَّوَاتُرِ وَلَا يُفِيدُ الْيَقِينَ إلَّا بَعْدَ تَيَقُّنِ أُمُورٍ عَشَرَةٍ: عِصْمَةِ رُوَاةِ نَاقِلِيهَا، وَصِحَّةِ إعْرَابِهَا، وَتَصْرِيفِهَا، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَالْمَجَازِ، وَالتَّخْصِيصِ بِالْأَشْخَاصِ، وَالْأَزْمَانِ، وَعَدَمِ الْإِضْمَارِ، وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ اللَّفْظِيِّ، قِيلَ: وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسْخَ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عِنْدَهُ فِي التَّخْصِيصِ بِالْأَزْمَانِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي أُصُولِهِ: وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الْيَقِينِ حُصُولُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُفَصَّلَةً فِي الذِّهْنِ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِتَرَبُّصِ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، لَا أَقَلَّ مِنْهَا، وَلَا أَكْثَرَ. وَأَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ لَمْ يَخْطِرْ لَنَا تَفْصِيلُ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْبَالِ. وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِي الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ: إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ الذِّهْنُ بِتَفْصِيلِ شُرُوطِهِ حَالَةَ حُصُولِ الْعِلْمِ بِهِ.
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ، فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ لَنَا الْيَقِينُ بِهِ قَبْلَ إحْضَارِ تِلْكَ الْأُمُورِ بِالْبَالِ. قَالَ: وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَسْمَعَ الْقَاصِرُ كَلَامَ الْإِمَامِ هَذَا. فَيَظُنَّ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ حَتَّى يَخْطِرَ لَهُ تِلْكَ الْأُمُورُ بِبَالِهِ، وَيَعْتَبِرَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا فَتَشُكَّ نَفْسُهُ مِمَّا حَصَلَ
стр. 56
لَهُ مِنْ الْيَقِينِ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ظَنَّ تِلْكَ الْأُمُورِ، أَوْ بَعْضِهَا بِالدَّلِيلِ ظَنٌّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ قَرَائِنُ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ حَالِيَّةٌ، فَيَحْصُلُ الْيَقِينُ مِنْهَا. انْتَهَى. وَرَدَّهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ بَعْضَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ، وَالشِّعْرِ قَدْ بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ كَرَفْعِ الْفَاعِلِ، وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي قَطْعِيَّةَ جَمِيعِ النَّقْلِيَّاتِ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ التَّرَاكِيبِ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِمَدْلُولِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ جَمِيعَ التَّوَاتُرَاتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ إذَا أَدَّى إلَى إثْبَاتِ أَمْرٍ، وَقَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُعَارِضٌ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ كَمَا يُتَصَوَّرُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْعَقْلِيِّ وَالنَّقْلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
стр. 57
[مَسْأَلَةٌ أَدِلَّةُ الْعُقُولِ]
ِ] قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: أَنْكَرَ دَاوُد وَأَصْحَابُهُ أَدِلَّةَ الْعُقُولِ. وَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ إلَى أَنَّهَا صَحِيحَةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحْوِجْنَا إلَيْهَا؛ لِأَنَّ أَوَّلَ مَحْجُوجٍ بِالسَّمْعِ آدَم ﵇ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: " لَا تَأْكُلْ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْعَقْلِ قَدْ كُفِينَا الْأَمْرَ فِيهَا وَاسْتَقْلَلْنَا بِالسَّمْعِ. قَالَ: وَعِنْدَنَا أَنَّ دَلَائِلَ الْعُقُولِ صَحِيحَةٌ بِهَا نَدْرِي الْأَشْيَاءَ، لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْمُعْجِزَةِ إنَّمَا دَلَّ عَلَيْهَا الْعَقْلُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] وَلَمْ يُرِدْ سُبْحَانَهُ بِالْأَفْئِدَةِ قِطْعَةَ اللَّحْمِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ التَّمْيِيزَ، وَبِهَذِهِ الْآيَةِ اُحْتُجَّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْعَقْلِ الْفُؤَادُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْإِسْلَامِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الْعُقُولَ طُرُقُ الْمَعْلُومَاتِ. قَالَ: وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَا يُعْرَفُ شَيْءٌ إلَّا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ.
فَرْعٌ [قَضَايَا الْعُقُولِ] وَقَضَايَا الْعُقُولِ ضَرْبَانِ: مَا عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ كَالتَّوْحِيدِ، فَيُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وَإِنْ كَانَ عَنْ اسْتِدْلَالٍ لِلْوُصُولِ إلَيْهِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ. وَمَا عُلِمَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَهُوَ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ كَآحَادِ الْأَنْبِيَاءِ إذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ،
стр. 58
فَيُوجِبُ عِلْمَ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَا يُوجِبُ عِلْمَ الِاضْطِرَارِ؛ لِحُدُوثِهِ عَنْ دَلِيلِ الْعَقْلِ لَا عَنْ ضَرُورَتِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي أُصُولِ النُّبُوَّاتِ عَلَى الْعُمُومِ هَلْ تُعْلَمُ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ بِدَلِيلِهِ؟ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّعَبُّدِ بِالشَّرَائِعِ. هَلْ اقْتَرَنَ بِالْعَقْلِ أَوْ يَعْقُبُهُ؟ فَذَهَبَ مَنْ جَعَلَهُ مُقْتَرِنًا بِالْعَقْلِ إلَى إثْبَاتِ عُمُومِ النُّبُوَّاتِ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ وَذَهَبَ مَنْ جَعَلَهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْعَقْلِ إلَى إثْبَاتِهَا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ.
ضَابِطٌ [الْبَاحِثُ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ] . الْبَاحِثُ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إمَّا فِي إثْبَاتِهِ أَوْ فِي نَفْيِهِ، فَفِي الْأَوَّلِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ مُثْبِتٍ، وَهُوَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَالْقِيَاسُ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي الثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ دَلِيلٍ، فَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ. وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشَّرْعُ بَاقٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ عَلَى مَا تَقَرَّرَ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى سَمَّاهُ الْغَزَالِيُّ: دَلِيلًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِوُجُودِ دَلِيلٍ بَاقٍ، وَذَلِكَ الدَّلِيلُ إمَّا أَنْ لَا يَسْتَلْزِمَ النَّفْيَ لِمَعْقُولِيَّتِهِ، أَوْ يَسْتَلْزِمَ، وَالْأَوَّلُ: نُصُوصُ الْأَدِلَّةِ، وَالثَّانِي: هُوَ الْمَانِعُ وَفُقْدَانُ الشَّرْطِ.
فَائِدَةٌ [أَدِلَّةُ النَّفْيِ أَوْسَعُ مِنْ أَدِلَّةِ الْإِثْبَاتِ]
أَدِلَّةُ النَّفْيِ أَوْسَعُ مِنْ أَدِلَّةِ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ. وَقَدْ يَدُلُّ الشَّيْءُ عَلَى النَّفْيِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى الثُّبُوتِ أَصْلًا كَالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: لَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي.
стр. 59
[مَفْهُوم النَّظَرُ]
النَّظَرُ لُغَةً الِانْتِظَارُ، وَتَقْلِيبُ الْحَدَقَةِ نَحْوَ الْمَرْئِيِّ، وَالرَّحْمَةُ، وَالتَّأَمُّلُ. وَيَتَمَيَّزُ بِالْمُعَدِّي مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: الْفِكْرُ الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ ": الْفِكْرُ هُوَ انْتِقَالُ النَّفْسِ مِنْ الْمَعَانِي انْتِقَالًا بِالْقَصْدِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِطَلَبِ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ، فَيُسَمَّى نَظَرًا. وَقَدْ لَا يَكُونُ كَأَكْثَرِ حَدِيثِ النَّفْسِ، فَلَا يُسَمَّى نَظَرًا بَلْ تَخَيُّلًا وَفِكْرًا. وَالْفِكْرُ أَعَمُّ مِنْ النَّظَرِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ قَصْدَ النَّاظِرِ الِانْتِقَالُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَدِّ، وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ ": حَقِيقَةُ النَّظَرِ تُرَدَّدُ فِي أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ وَمَرَاتِبِهَا، وَقَالَ فِيمَا بَعْدُ: عِنْدَنَا مُبَاحَثَةٌ فِي أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَسَالِيبِهَا، وَقَدْ اعْتَرَفَ فِيمَا بَعْدُ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ تَنْقَسِمُ إلَى هَاجِمٍ عَلَيْهِ، وَيُسَمَّى ضَرُورِيًّا. وَإِلَى مَا يَحْتَاجُ إلَى فِكْرٍ، فَيُسَمَّى نَظَرِيًّا. قِيلَ: وَهَذَا نَقْضٌ لِقَوْلِهِ: إنَّ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ. وَأَمَّا حَصْرُ النَّظَرِ فِي الضَّرُورِيَّاتِ فَلَا يَسْتَقِيمُ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِ الضَّرُورِيَّاتِ ضَرُورَةً، ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالشَّكِّ
стр. 60
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: النَّظَرُ هُوَ الْفِكْرُ الَّذِي يَطْلُبُ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا، وَهُوَ مُطَّرِدٌ فِي الْقَاطِعِ وَالظَّنِّيِّ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " بِهِ " مِنْ بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ بِهَا بَلْ عِنْدَهَا، فَيَكُونُ شَرْطًا لِلطَّلَبِ. كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ الْآمِدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ، وَأَجَابَ عَمَّا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ خِلَافَهُ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ حَدَّانِ مُخْتَلِفَانِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هُوَ الْفِكْرُ فِي الشَّيْءِ الْمَنْظُورِ فِيهِ طَلَبًا، لِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَقَدْ يُفْضِي إلَى الصَّوَابِ إذَا رُتِّبَ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يَكُونُ خَطَأً إذَا خُولِفَ تَرْتِيبُهُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الِاقْتِصَادِ ": إذَا أَرَدْت إدْرَاكَ الْعِلْمِ الْمَطْلُوبِ فَعَلَيْك وَظِيفَتَانِ: إحْدَاهُمَا، إحْضَارُ الْأَصْلَيْنِ أَيْ: الْمُقَدِّمَتَيْنِ فِي ذِهْنِك. وَهَذَا يُسَمَّى فِكْرًا. وَالْآخَرُ يَسُوقُك إلَى التَّفَطُّنِ. لِوُجْهَةِ لُزُومِ الْمَطْلُوبِ مِنْ ازْدِوَاجِ الْأَصْلَيْنِ، وَهَذَا يُسَمَّى طَلَبًا. قَالَ: فَلِذَلِكَ مَنْ جَرَّدَ الْتِفَاتَهُ إلَى الْوَظِيفَةِ الْأُولَى جَدَّ النَّظَرَ بِأَنَّهُ الْفِكْرُ، وَمَنْ جَرَّدَ الْتِفَاتَهُ إلَى الثَّانِيَةِ قَالَ: إنَّهُ طَلَبُ عِلْمٍ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ. قَالَ: وَمَنْ الْتَفَتَ إلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَالَ: إنَّهُ الْفِكْرُ الَّذِي يَطْلُبُ بِهِ مَنْ قَامَ بِهِ عِلْمًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ. قَالُوا: وَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ
стр. 61
لَهُ صُورَةٌ فِي الْقَلْبِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ (تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ) . وَقَالَ بَعْضُ الْأَذْكِيَاءِ: الْفِكْرُ مَقْلُوبُ الْفَرْكِ غَيْرَ أَنَّ الْفِكْرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْمَعَانِي. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ الْكَبِيرِ ": النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ مَعْنًى غَيْرُ الْفِكْرِ وَالرَّوِيَّةِ، بَلْ يُوجَدُ عَقِبَهُ. خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يُفَكِّرُ أَوَّلًا فِي الْجِسْمِ. هَلْ هُوَ قَدِيمٌ أَوْ حَادِثٌ؟ وَمَا دَامَ مُفَكِّرًا فَهُوَ شَاكٌّ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ وَالْفِكْرُ مُتَغَايِرَيْنِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ ": وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجِدَالِ وَالنَّظَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ: طَلَبُ الصَّوَابِ، وَالْجِدَالَ: نُصْرَةُ الْقَوْلِ. وَالثَّانِي: النَّظَرُ: الْفِكْرُ بِالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ، وَالْجِدَالُ: الِاحْتِجَاجُ بِاللِّسَانِ
، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[أَقْسَامُ النَّظَرِ]
مَسْأَلَةٌ
[أَقْسَامُ النَّظَرِ] وَأَقْسَامُهُ أَرْبَعَةٌ: لِأَنَّهُ إمَّا جَازِمٌ أَوْ لَا. وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا مُطَابِقٌ أَوْ لَا، وَإِنْ شِئْت قُلْت: إمَّا صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ: وَكُلُّ وَاحِدٍ إمَّا جَازِمٌ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ، فَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ: هُوَ النَّظَرُ الْمُطَابِقُ. وَالْفَاسِدُ. هُوَ الَّذِي لَمْ يُفِدْ الْمَطْلُوبَ
стр. 62
إمَّا لِلْخَطَأِ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ أَنَّهُ قُصِدَ بِهِ شَيْءٌ فَأَفَادَ غَيْرَهُ، أَوْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَقَسَّمَهُ الْآمِدِيُّ إلَى صَحِيحٍ: وَهُوَ مَا قَدْ وَقَفَ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ، وَنَاقَضَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّ الصَّحِيحَ مِنْهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرَى الظَّنَّ عِلْمًا بَلْ ضِدًّا لِلْعِلْمِ، وَهُوَ أَحَدُ طُرُقِ الْعِلْمِ خِلَافًا لِلسُّوفِسْطَائِيَّةِ النَّافِينَ لِلْحَقَائِقِ، وَالسُّمَنِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ، وَشَرْطُهُ: الْعَقْلُ، وَانْتِفَاءُ مَا فِيهِ كَالْغَفْلَةِ، وَهَلْ السَّهْوُ عَنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالنِّسْيَانُ لَهُ ضِدٌّ لَهُ أَمْ لَا؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى. وَعِنْدَهُ لَا يَكُونُ غَيْرُ الْعِلْمِ ضِدًّا لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُفِيدُ الْعِلْمُ الظَّنَّ لَيْسَ عِلْمًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَاهِلًا بِالْمَطْلُوبِ، وَلَا عَالِمًا بِهِ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَلَا مِنْ وَجْهٍ تَطْلُبُهُ، لِاسْتِحَالَةِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ: إنَّهُ يُنَافِي الْعِلْمَ بِمَا يَنْظُرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ طَلَبٌ، وَطَلَبُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَيُنَافِي الْجَهْلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلَ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ عَالِمًا، وَهُوَ يَصْرِفُهُ عَنْ الطَّلَبِ. قِيلَ: لَكِنْ هَذَا فِي الْمُرَكَّبِ، وَهُوَ يُنَافِي الْبَسِيطَ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْهُ، وَأَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي شُبْهَةٍ. بِمَعْنَى أَنْ يَقَعَ نَظَرُهُ عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخْطَأَ الدَّلِيلَ لَمْ يَصِحَّ نَظَرُهُ وَلِهَذَا، أَخْطَأَ مَنْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوَفَّقْ فِي نَظَرِهِ لِإِصَابَةِ الدَّلِيلِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى شُبْهَةٍ أَدْرَكَ الدَّلِيلَ غَيْرُهُ، وَأَنْ يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الدَّلِيلِ، وَتَرْتِيبُهُ عَلَى حَقِيقَةٍ بِتَقْدِيمِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ، وَتَأْخِيرِ مَا يَجِبُ تَأْخِيرُهُ وَأَنْ يَعْلَمَ الْوُجُوهَ الَّتِي تَدُلُّ مِنْهَا الْأَدِلَّةُ، وَلَا يَكْفِيهِ الْعِلْمُ بِذَاتِ الدَّلَالَةِ مَعَ الذُّهُولِ عَنْ الْوَجْهِ الَّذِي مِنْهُ تَدُلُّ الدَّلَالَةُ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ عِلْمَ الِاكْتِسَابِ لَا عِلْمَ الضَّرُورَةِ
стр. 63
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْمَنْصُورِ: يَجِبُ أَوَّلًا أَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ غَائِبًا عَنْ الْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ فِيمَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، أَوْ الْبَدَاهَةِ لَا مَدْخَلَ لِلنَّظَرِ فِيهِ. ثُمَّ يَعْلَمُ الضَّرُورِيَّاتِ الْحِسِّيَّةَ وَالْبَدِيهِيَّةَ، وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ رَدِّ الْغَائِبِ إلَى مَحْسُوسٍ أَوْ مَعْلُومٍ بِالْبَدَاهَةِ، ثُمَّ يَعْلَمُ وُجُودَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَعْلَمُ وَجْهَ تَعَلُّقِ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﵊ بِالْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ مَنْ لَا يَعْرِفُ وُجُودَ الْقُرْآنِ فِي الْعَالَمِ. وَلَا مَنْ عَرَفَ وُجُودَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ظَهَرَ عَلَى يَدَيْهِ. وَلَا مَنْ عَرَفَ ظُهُورَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ تَحَدَّى بِهِ الْعَرَبَ فَعَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ.
قَالَ: وَمِنْ شَرْطِهِ إذَا كَانَ دَلِيلُهُ يَدُلُّ عَلَى شَيْئَيْنِ فَأَكْثَرَ أَنْ يُجْرِيَهُ فِيهِمَا، فَأَمَّا أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ فِي أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ وَيَمْنَعَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي الْآخَرِ، فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلدَّلِيلِ عَلَى غَيْرِ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِهِ الْمُحْكَمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْكَمَاتِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى كَوْنِ فَاعِلِهَا عَالِمًا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ لَهُ عِلْمًا. فَإِذَا لَمْ يُجْرُوا هَذِهِ الدَّلَالَةَ فِي عِلْمِ الْبَارِي لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُ بِهَا عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا.
قُلْت: وَمِنْهُ اسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ، وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُ الْإِقْبَاضُ. وَالْحَدِيثُ كَمَا دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ دَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِقْبَاضِ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ الْإِقْبَاضِ لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُهُمْ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ. وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ كَانَ النَّظَرُ مُثْمِرًا لِلْعِلْمِ وَمُنْتِجًا لَهُ، وَإِنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَ فَاسِدًا، وَلَمْ
стр. 64
يَقَعْ بَعْدَهُ عِلْمٌ قَالَ أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ يَتَضَمَّنُ جُزْءًا مِنْ الْعِلْمِ خِلَافًا لِابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ النَّظَرِ لَا يَتَضَمَّنُ جُزْءًا مِنْ الْعِلْمِ، بَلْ لَا يُثْمِرُ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ، فَإِذَا اسْتَوْفَى النَّظَرَ حَصَلَ بَعْدَهُ الْعِلْمُ، وَهَذَا كَالنَّظَرِ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ، فَإِنَّنَا نَنْظُرُ أَوَّلًا فِي إثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ فَإِذَا نَظَرْنَا فِيهِ حَصَلَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْعَرَضِ فَقَطْ، ثُمَّ نَنْظُرُ ثَانِيًا فِي حُدُوثِهِ فَنَعْلَمُ حُدُوثَهُ، وَرُبَّمَا تَكُونُ الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُودِ الْأَعْرَاضِ أَوْ حُدُوثِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ يَجِبُ النَّظَرُ فِيهَا، فَيَحْصُلُ لَنَا الْعِلْمُ بِكُلٍّ مِنْ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ عِلْمًا، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي سَائِرِ الْأَدِلَّةِ. قُلْت: وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ عِلْمٌ مَا فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ أَبُو يَعْلَى، وَإِنْ أُرِيدَ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ، فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ الْآخَرُونَ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْفِقْهِيُّ أَنَّ الْحَدَثَ هَلْ يَرْتَفِعُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِ الْأَعْضَاءِ؟ .
[مَسْأَلَةٌ النَّظَرُ مُكْتَسَبٌ]
" النَّظَرُ مُكْتَسَبٌ " النَّظَرُ مُكْتَسَبٌ بِالِاتِّفَاقِ وَإِذَا وُجِدَ بِشُرُوطِهِ أَفَادَ الْعِلْمَ. وَقَالَتْ الْحُكَمَاءُ: النَّظَرُ فِي الْإِلَهِيَّاتِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ فِي الْهَنْدَسِيَّاتِ وَالْحِسَابَاتِ، وَيَقَعُ الْعِلْمُ عَقِبَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: مَعَ آخِرِ
стр. 65
جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ. حَكَاهُ عَبْدُ الْجَلِيلِ فِي " شَرْحِ اللَّامِعِ ". وَعَلَى الْأَوَّلِ فَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ حُصُولِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَبِهِ قَالَ الْأَشْعَرِيُّ إنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ عَادَةً بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَحُصُولِ الشِّبَعِ عَقِبَ الْأَكْلِ، وَالرَّيِّ عَقِبَ الشُّرْبِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ خَرْقُهُ جَائِزًا وَعَدَمُهُ مُمْكِنًا. وَهَاهُنَا حُصُولُ الْعِلْمِ وَاجِبٌ لَا مَحَالَةَ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَحْصُلَ عَقِبَ كَمَالِ النَّظَرِ، وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِالتَّوَلُّدِ، وَهُوَ الْحَاصِلُ عَنْ الْمَقْدُورِ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لَا بِالْمُبَاشَرَةِ كَحَرَكَةِ السَّهْمِ عَنْ الرَّمْيِ، وَيَجِبُ وُقُوعُهُ بَعْدَ النَّظَرِ كَوُقُوعِ الْمَعْلُولِ بَعْدَ الْعِلَّةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ عَقْلًا بِإِيجَابٍ ذَاتِيٍّ، أَيْ: ذَاتُهُ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ ". وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَضَمُّنِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمُنْتِجَةِ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، لَا يَكُونُ النَّظَرُ عِلَّةً، وَلَا مُوَلَّدًا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ
стр. 66
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ النَّظَرَ غَيْرُ مُوَلِّدٍ لِلْعِلْمِ. بِقِيَامِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قُدْرَةَ الْإِنْسَانِ لَا تُوجَدُ قَبْلَ مَقْدُورِهَا. وَإِذَا ثَبَتَ لَنَا هَذَا الْأَصْلُ بِدَلِيلٍ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الْوَاقِعُ عَقِبَ النَّظَرِ مِنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ، لَوَجَبَ كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَيْهِ بِقُدْرَةٍ تُقَارِنُهُ، أَوْ تُقَارِنُ الْقُدْرَةَ عَلَى سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ النَّظَرُ. وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَقَدُّمَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَقْدُورِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ النَّظَرِ]
[الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ النَّظَرِ] اُخْتُلِفَ فِي الْعِلْمِ الْحَاصِلِ عَقِبَ النَّظَرِ، فَمَنْ قَالَ فِي الْأُولَى بِالتَّضَمُّنِ، أَوْ الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ قَالَ: إنَّهُ ضَرُورِيٌّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَإِلْكِيَا، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ " وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ بِالْعَادَةِ فَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ لِجَوَازِ خَرْقِهَا، فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنْ كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا، إذْ الضَّرُورِيُّ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ النَّفْسَ لُزُومًا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِانْفِكَاكُ عَقْلًا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ يَتَضَمَّنُ تَرْتِيبَ الْعِلْمِ بَعْدَهُ، فَالنَّظَرُ الْفَاسِدُ، وَفِي الشُّبْهَةِ لَا يَقْتَضِي الْجَهْلَ، وَلَا الشَّكَّ، وَلَا شَيْئًا مِنْ أَضْدَادِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يَتَعَلَّقُ بِمَدْلُولِهِ، وَالشُّبْهَةُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِأَضْدَادِ الْعُلُومِ
стр. 67
[مَسْأَلَةٌ النَّظَرُ وَاجِبٌ شَرْعًا]
النَّظَرُ وَاجِبٌ شَرْعًا. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ قَامَ عَلَى وُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِالنَّظَرِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْأَصَحُّ: أَنَّ النَّظَرَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا شَاكِّينَ فِيمَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فَيَلْزَمُهُمْ الْبَحْثُ عَنْهُ، وَالنَّظَرُ فِيهِ إلَى أَنْ يَعْتَقِدُوهُ، أَوْ يَعْرِفُوهُ. قَالَ: وَمَعْرِفَةُ ذَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْخَاصَّةِ، وَهُمْ قَائِمُونَ بِهِ عَنْ الْعَامَّةِ لَا فِي تَعْرِيفِ ذَلِكَ لَهُمْ وَمِنْ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا هُمْ مُكَلَّفُونَ بِاعْتِقَادِهِ، وَقَالَ بَعْضُ نُبَلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا الَّذِي قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ النَّظَرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ ابْتِدَاءً غَيْرُ عَارِفٍ بِاَللَّهِ حَتَّى يَنْظُرَ، وَيَسْتَدِلَّ، فَيَكُونُ النَّظَرُ أَوَّلَ الطَّاعَاتِ وَهَذَا خِلَافُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ قَطُّ إنْسَانٌ إلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ رَبَّهُ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُقِرًّا حَتَّى يَنْظُرَ وَيَسْتَدِلَّ. اللَّهُمَّ إلَّا مَنْ عَرَضَ لَهُ مَا أَفْسَدَ فِطْرَتَهُ ابْتِدَاءً، فَيَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى النَّظَرِ. نَعَمْ النَّظَرُ الصَّحِيحُ يُقَوِّي الْمَعْرِفَةَ، وَيُثَبِّتُهَا فَإِنَّ الْمَعَارِفَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَهَذَا جُمُوحٌ إلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ ضَرُورِيَّةٌ لَا نَظَرِيَّةٌ، وَالصَّحِيحُ:
стр. 68
الْأَوَّلُ، إذْ لَوْ كَانَتْ ضَرُورِيَّةً لَكَانَ التَّكْلِيفُ بِهَا مُحَالًا، وَنَحْنُ مُكَلَّفُونَ بِمَعْرِفَتِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ تَفْرِيقًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا. أَحَدُهَا: أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ النَّظَرُ الْمُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَمَعْرِفَةِ الصَّانِعِ، وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ. وَالثَّالِثُ: الْقَصْدُ إلَى النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فِي الْإِرْشَادِ ". وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَالْخَامِسُ: قَوْلُ أَبِي هَاشِمٍ الشَّكُّ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ فُورَكٍ؛ لِامْتِنَاعِ النَّظَرِ مِنْ الْعَالِمِ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ طَلَبٌ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ الشَّاكِّ. وَزَيَّفَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ الْهُجُومُ عَلَى النَّظَرِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ تَرَدُّدٍ. وَالسَّادِسُ: الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَالسَّابِعُ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَالثَّامِنُ: قَبُولُ الْإِسْلَامِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْعَمَلِ، ثُمَّ النَّظَرُ بَعْدَ الْقَبُولِ.
стр. 69
وَالتَّاسِعُ: اعْتِقَادُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ، وَالْعَاشِرُ: التَّقْلِيدُ. وَالْحَادِيَ عَشَرَ: النَّظَرُ وَلَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ الشَّكِّ مِمَّا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ، فَيَلْزَمُ الْبَحْثُ عَنْهُ حَتَّى يَعْتَقِدَهُ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ رُبَّمَا تَتَدَاخَلُ وَتَخْتَلِفُ فِي الْعِبَارَةِ.
وَقَالَ الرَّازِيَّ فِي التَّحْصِيلِ " الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْوَاجِبِ الْوَاجِبُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُهَا مَقْدُورَةً وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَنْ لَا يَجْعَلُهَا مَقْدُورَةً. وَإِنْ أُرِيدَ مِنْ الْوَاجِبِ كَيْفَ كَانَ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الْقَصْدُ. قُلْت: بَلْ مَعْنَوِيٌّ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي التَّعْصِيَةِ بِتَرْكِ النَّظَرِ عَلَى مَنْ أَوْجَبَهُ دُونَ مَنْ لَا يُوجِبُهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ " إنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ النَّظَرُ فَمَنْ أَمْكَنَهُ زَمَانٌ يَسَعُ النَّظَرَ التَّامَّ، وَلَمْ يَنْظُرْ فَهُوَ عَاصٍ، وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَصْلًا، فَهُوَ كَالصَّبِيِّ. وَمَنْ أَمْكَنَهُ مَا يَسَعُ لِبَعْضِ النَّظَرِ دُونَ تَمَامِهِ فَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَالْأَظْهَرُ: عِصْيَانُهُ كَالْمَرْأَةِ تُصْبِحُ طَاهِرَةً فَتُفْطِرُ، ثُمَّ تَحِيضُ. فَإِنَّهَا عَاصِيَةٌ، وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا لَمْ يُمْكِنْهَا إتْمَامُ الصَّوْمِ.
وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: بِسَبَبِ هَذَا الْخِلَافِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ أَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ أَوْ كَسْبِيَّةٌ؟ فَمَنْ قَالَ: ضَرُورِيَّةٌ قَالَ: أَوَّلُ فَرْضٍ الْإِقْرَارُ بِاَللَّهِ، وَمَنْ قَالَ: كَسْبِيَّةٌ قَالَ: أَوَّلُ فَرْضٍ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى الْمَعْرِفَةِ، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ " فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْقِيَاسِ: أَنْكَرَ
стр. 70
أَهْلُ الْحَدِيثِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَوْلَ أَهْلِ الْكَلَامِ: إنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ النَّظَرُ، وَقَالُوا: إنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ مَعْرِفَةُ اللَّهِ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ: أَمْهِلُونِي؛ لِأَنْظُرَ فَأَبْحَثَ فَإِنَّهُ لَا يُمْهَلُ، وَلَا يُنْظَرُ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ: أَسْلِمْ فِي الْحَالِ، وَإِلَّا فَأَنْتَ مَعْرُوضٌ عَلَى السَّيْفِ. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ: انْتَهَى، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَقَدْ حَكَوْا فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ، فَقَالَ: عَرَضَتْ لِي شُبْهَةٌ فَأَزِيلُوهَا؛ لِأَعُودَ إلَى مَا كُنْت عَلَيْهِ. هَلْ يُنَاظَرُ لِإِزَالَتِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ: الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ ": إذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ أَوَّلَ النَّظَرِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ عَلَيْهِ، وَعَلَى تَرْكِ مَا بَعْدَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ الْأَوَّلِ عِقَابًا أَعْظَمَ مِنْ عِقَابِ تَرْكِ النَّظَرِ الثَّانِي: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ فِعْلِ الْأَوَّلِ غَيْرَ أَنَّ عِقَابَهُ عَظِيمٌ يَجْرِي مَجْرَى الْعِقَابِ عَلَى تَرْكِ كُلِّ النَّظَرِ.
[مَسْأَلَةٌ النَّظَرُ الْفَاسِدُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ]
َ] قَدْ سَبَقَ أَنَّ النَّظَرَ الْفَاسِدَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ: يَسْتَلْزِمُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَسَادَ إنْ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الْمَادَّةِ اسْتَلْزَمَ الْجَهْلَ؛ لِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ كُلَّ قَدِيمٍ غَنِيٌّ عَنْ الْغَيْرِ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ غَنِيٌّ عَنْ الْمُؤَثِّرِ، وَهُوَ جَهْلٌ مُحَالٌ. وَإِنْ
стр. 71
كَانَ الْفَسَادُ مَقْصُورًا عَلَى الصُّورَةِ أَوْ يَشْمَلُ الصُّورَةَ وَالْمَادَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُ، كَقَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِحَجَرٍ، وَكُلُّ حَجَرٍ جَمَادٌ يَلْزَمُ لَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِجَمَادٍ عِلْمًا. وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ الْقِيَاسِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ؛ لِعَدَمِ إيجَابِ الصُّغْرَى.
ضَابِطٌ: [الْإِدْرَاكُ] الْإِدْرَاكُ بِلَا حُكْمٍ تَصَوُّرٌ، وَمَعَ الْحُكْمِ تَصْدِيقٌ، لَكِنْ مَجْمُوعُهُمَا أَوْ الْحُكْمُ وَحْدَهُ فِيهِ خِلَافٌ، فَذَهَبَ الْقُدَمَاءُ إلَى أَنَّهُ الْحُكْمُ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ. وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ "، وَهُوَ جَهْلٌ، إنْ كَانَ جَازِمًا غَيْرَ مُطَابِقٍ، وَتَقْلِيدٌ إنْ طَابَقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ، وَعِلْمٌ إنْ كَانَ لِمُوجِبٍ عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ، أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمُتَوَاتِرَات، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازِمًا فَإِنْ تَسَاوَى طَرَفَاهُ، فَهُوَ الشَّكُّ، وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ صَادِقٌ إنْ طَابَقَ، أَوْ كَاذِبٌ إنْ لَمْ يُطَابِقْ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ. وَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْقَائِلِ: اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ حَادِثٌ. وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ فِي الِاعْتِقَادِ لَهُ بِالْمُوجِبِ؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ مَا ذَكَرْنَا، وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ لَيْسَ عَنْ بُرْهَانٍ حِسِّيٍّ، أَوْ عَقْلِيٍّ، أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا.
وَأُورِدَ بِأَنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ لَا حُكْمَ فِيهِ، فَكَيْفَ يُورَدُ فِي قِسْمِ الْحُكْمِ؟ وَأَيْضًا فَالْوَهْمُ يُنَافِي الْحُكْمَ بِالشَّيْءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّاكَّ لَهُ حُكْمَانِ مُتَسَاوِيَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاكِمٌ بِجَوَازِ وُقُوعِ
стр. 72
هَذَا النَّقِيضِ بَدَلًا عَنْ النَّقِيضِ الْآخَرِ، وَبِالْعَكْسِ. وَالظَّانُّ حَاكِمٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ الْوَهْمِ، وَحُكْمُهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ يَكُونُ مَرْجُوحًا، فَظَهَرَ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ، وَكَذَلِكَ الْوَاهِمُ. نَعَمْ جَعْلُهُمْ التَّقْلِيدَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ لَا لِمُوجِبٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ التَّقْلِيدِ، بَلْ يَخُصُّ الصَّحِيحَ مِنْهُ، وَجَعْلُهُمْ الْجَهْلَ هُوَ الْحُكْمَ الْجَازِمَ مِنْ غَيْرِ مُطَابَقَةٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْجَهْلِ بَلْ يَخُصُّ الْمُرَكَّبَ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ الْجَهْلُ الْبَسِيطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ، وَسَمَّى الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْوَهْمَ تَجْوِيزًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الشَّكُّ وَالظَّنُّ مُتَرَادِفَانِ. .
قُلْت: وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ لَا مُطْلَقًا. أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ؟ . يُرِيدُونَ التَّسَاوِيَ أَوْ الْمَرْجُوحَ، وَإِلَّا فَهُوَ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِهَذَا يُسَمِّي الرَّاجِحَ غَالِبَ الظَّنِّ، ثُمَّ رُجِّحَ أَنَّ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ هُوَ الشَّكُّ، وَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالزَّائِدُ فِي الرُّجْحَانِ غَالِبُ الظَّنِّ.
стр. 73
[مَسْأَلَةٌ فِي الْعِلْمِ]
ِ] . قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ سُمِّيَ عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ يَهْتَدِي بِهَا الْعَالِمُ إلَى مَا قَدْ جَهِلَهُ النَّاسُ، وَهُوَ كَالْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ بِالطَّرِيقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ الْمُنْقَسِمِ إلَى تَصَوُّرٍ خَاصٍّ أَوْ تَصْدِيقٍ خَاصٍّ، وَهُمَا اللَّذَانِ يُوجِبَانِ لِمَنْ قَامَ بِهِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. هَلْ يُحَدُّ أَمْ لَا يُحَدُّ؟ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ اشْتَرَطُوا فِي الْحَدِّ الْجِنْسَ الْأَقْرَبَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ، وَاشْتَرَطُوا ذِكْرَ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ كَمَا يُقَالُ: عَرَضِيُّ لَوْنِ سَوَادٍ، وَالْأَوَّلُ جِنْسٌ أَقْرَبُ، وَفِي الْعِلْمِ لَا يُقَالُ: عَرَضِيُّ عِلْمٍ، فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ، وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ عِبَارَةٌ دَالَّةٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ فَلَا يُحَدُّ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ:؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ فَلَا مَعْنَى لِحَدِّهِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ "، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ أَنَّهُ مَنَعَ إطْلَاقَ الْحَدِّ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا
стр. 74
يُقَالُ: حَقِيقَةُ الْعِلْمِ كَذَا؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا يَخْتَلِفُ الْقَدِيمُ وَالْحَادِثُ بِخِلَافِ الْعِلْمِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ، فَأَجْرَوْا الْحَدَّ مُجْرَى الِاسْمِ تَوَسُّعًا، وَقَالَ الرَّازِيَّ: ضَرُورِيٌّ إذْ بِهِ تُعَرَّفُ الْأَشْيَاءُ فَلَوْ عُرِّفَ الْعِلْمُ لَوَجَبَ أَنْ يُعَرَّفَ بِغَيْرِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ غَيْرَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لِمُوجِبٍ كَمَا سَبَقَ فِي الضَّابِطِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَيُحَدُّ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الذِّهْنِيُّ تَعْرِيفُهُ تَصْدِيقِيٌّ، وَالْمُدَّعَى مَعْرِفَتُهُ تَصَوُّرِيٌّ فَلَا تَنَاقُضَ. قُلْنَا: إنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ التَّعْرِيفُ لِلنِّسْبَةِ فِي التَّصْدِيقِ تَعْرِيفٌ لِتَصَوُّرٍ؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ لَيْسَتْ تَصْدِيقًا بَلْ مُقَرَّرَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَرُورِيٌّ وَلَا يُحَدُّ. وَهُوَ قَضِيَّةُ نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَنْهُ، وَالْمَوْجُودُ فِي الْمَحْصُولِ " مَا ذَكَرْته أَوَّلًا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْقُشَيْرِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ: يَعْسُرُ تَعْرِيفُهُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ. وَإِنَّمَا يُعَرَّفُ بِالتَّقْسِيمِ وَالْمِثَالِ، ثُمَّ يَعْرِضُ فِي رَوْمِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ إلَى انْتِفَاءِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَضْدَادِهِ
стр. 75
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الْآمِدِيُّ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْمَذْكُورَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً لَهُ عَمَّا سِوَاهُ فَلَيْسَتْ مُعَرِّفَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً فَذَلِكَ رَسْمٌ. وَهَذَا إنَّمَا يَرِدُ لَوْ أَحَالَا الرَّسْمَ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ يُعَرَّفُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ كَغَيْرِهِ، فَقَالَ الْقُدَمَاءُ: هُوَ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. .
وَأُورِدَ بِأَنَّهُ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَبِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعِلْمِ، وَرُتْبَةُ الْمُشْتَقِّ فِي الْمَعْرِفَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ رُتْبَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، وَقَدْ أُخِذَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ فَيَلْزَمُ مَا ذَكَرْنَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ تَجَوَّزُوا فِي الْمَعْلُومِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَنْقُوضٌ بِعِلْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مَعْرِفَةً إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَبِمَعْرِفَةِ الْمُقَلِّدِ إذْ لَيْسَتْ عِلْمًا، وَبِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى مَا هُوَ بِهِ: إذْ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْعِلْمُ، وَالْعِلْمُ إنَّمَا يَكُونُ مُطَابِقًا وَاحِدًا، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: مَعْرِفَةً، لَكَفَى. وَقِيلَ: ذُكِرَتْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِوُجُودِ عِلْمٍ وَلَا مَعْلُومَ، وَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ وُجْدَانُ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الْأُمُورَ بِحَقَائِقِهَا، وَهَذَا تَعْرِيفُ الْمَجْهُولِ بِمِثْلِهِ، أَوْ دُونِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ أَظْهَرُ مِنْ وُجْدَانِ النَّفْسِ أَوْ مِثْلِهِ.
ثُمَّ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ عِلْمِ اللَّهِ، وَغَيْرُ مَانِعٍ لِوُجْدَانِ الْمُقَلِّدِ، وَلَيْسَ بِعِلْمٍ
следующие страницы →