Полный текст (3 423 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كَانَ الْفَسَادُ مَقْصُورًا عَلَى الصُّورَةِ أَوْ يَشْمَلُ الصُّورَةَ وَالْمَادَّةَ لَا يَسْتَلْزِمُ، كَقَوْلِنَا: لَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِحَجَرٍ، وَكُلُّ حَجَرٍ جَمَادٌ يَلْزَمُ لَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِجَمَادٍ عِلْمًا. وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ الْقِيَاسِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ؛ لِعَدَمِ إيجَابِ الصُّغْرَى.
ضَابِطٌ: [الْإِدْرَاكُ] الْإِدْرَاكُ بِلَا حُكْمٍ تَصَوُّرٌ، وَمَعَ الْحُكْمِ تَصْدِيقٌ، لَكِنْ مَجْمُوعُهُمَا أَوْ الْحُكْمُ وَحْدَهُ فِيهِ خِلَافٌ، فَذَهَبَ الْقُدَمَاءُ إلَى أَنَّهُ الْحُكْمُ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّهُ الْمَجْمُوعُ. وَمَالَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ "، وَهُوَ جَهْلٌ، إنْ كَانَ جَازِمًا غَيْرَ مُطَابِقٍ، وَتَقْلِيدٌ إنْ طَابَقَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ، وَعِلْمٌ إنْ كَانَ لِمُوجِبٍ عَقْلِيٍّ أَوْ حِسِّيٍّ، أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمُتَوَاتِرَات، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَازِمًا فَإِنْ تَسَاوَى طَرَفَاهُ، فَهُوَ الشَّكُّ، وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ صَادِقٌ إنْ طَابَقَ، أَوْ كَاذِبٌ إنْ لَمْ يُطَابِقْ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ. وَلَا يَرِدُ قَوْلُ الْقَائِلِ: اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ حَادِثٌ. وَكُلُّ حَادِثٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ، فَكَيْفَ يَقُولُونَ فِي الِاعْتِقَادِ لَهُ بِالْمُوجِبِ؟ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ مَا ذَكَرْنَا، وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ لَيْسَ عَنْ بُرْهَانٍ حِسِّيٍّ، أَوْ عَقْلِيٍّ، أَوْ مُرَكَّبٍ مِنْهُمَا.
وَأُورِدَ بِأَنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ لَا حُكْمَ فِيهِ، فَكَيْفَ يُورَدُ فِي قِسْمِ الْحُكْمِ؟ وَأَيْضًا فَالْوَهْمُ يُنَافِي الْحُكْمَ بِالشَّيْءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّاكَّ لَهُ حُكْمَانِ مُتَسَاوِيَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَاكِمٌ بِجَوَازِ وُقُوعِ
стр. 72
هَذَا النَّقِيضِ بَدَلًا عَنْ النَّقِيضِ الْآخَرِ، وَبِالْعَكْسِ. وَالظَّانُّ حَاكِمٌ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ الْوَهْمِ، وَحُكْمُهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ يَكُونُ مَرْجُوحًا، فَظَهَرَ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ، وَكَذَلِكَ الْوَاهِمُ. نَعَمْ جَعْلُهُمْ التَّقْلِيدَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ لَا لِمُوجِبٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ التَّقْلِيدِ، بَلْ يَخُصُّ الصَّحِيحَ مِنْهُ، وَجَعْلُهُمْ الْجَهْلَ هُوَ الْحُكْمَ الْجَازِمَ مِنْ غَيْرِ مُطَابَقَةٍ لَا يَعُمُّ أَنْوَاعَ الْجَهْلِ بَلْ يَخُصُّ الْمُرَكَّبَ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ الْجَهْلُ الْبَسِيطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ، وَسَمَّى الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْوَهْمَ تَجْوِيزًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ الشَّكُّ وَالظَّنُّ مُتَرَادِفَانِ. .
قُلْت: وَهَذَا إنَّمَا قَالُوهُ فِي الْأَحْدَاثِ لَا مُطْلَقًا. أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ؟ . يُرِيدُونَ التَّسَاوِيَ أَوْ الْمَرْجُوحَ، وَإِلَّا فَهُوَ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الِاعْتِكَافِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِهَذَا يُسَمِّي الرَّاجِحَ غَالِبَ الظَّنِّ، ثُمَّ رُجِّحَ أَنَّ مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ هُوَ الشَّكُّ، وَالرَّاجِحُ ظَنٌّ، وَالزَّائِدُ فِي الرُّجْحَانِ غَالِبُ الظَّنِّ.
стр. 73
[مَسْأَلَةٌ فِي الْعِلْمِ]
ِ] . قَالَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ سُمِّيَ عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ يَهْتَدِي بِهَا الْعَالِمُ إلَى مَا قَدْ جَهِلَهُ النَّاسُ، وَهُوَ كَالْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ بِالطَّرِيقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِلْمِ الْمُنْقَسِمِ إلَى تَصَوُّرٍ خَاصٍّ أَوْ تَصْدِيقٍ خَاصٍّ، وَهُمَا اللَّذَانِ يُوجِبَانِ لِمَنْ قَامَ بِهِ تَمْيِيزًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. هَلْ يُحَدُّ أَمْ لَا يُحَدُّ؟ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَمِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ اخْتَلَفُوا فِي تَوْجِيهِهِ، فَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ اشْتَرَطُوا فِي الْحَدِّ الْجِنْسَ الْأَقْرَبَ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ، وَاشْتَرَطُوا ذِكْرَ جَمِيعِ الذَّاتِيَّاتِ كَمَا يُقَالُ: عَرَضِيُّ لَوْنِ سَوَادٍ، وَالْأَوَّلُ جِنْسٌ أَقْرَبُ، وَفِي الْعِلْمِ لَا يُقَالُ: عَرَضِيُّ عِلْمٍ، فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ، وَقَالَ الْأُصُولِيُّونَ: لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ عِبَارَةٌ دَالَّةٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ فَلَا يُحَدُّ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ اللَّبَّانِ:؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ الْأَشْيَاءِ فَلَا مَعْنَى لِحَدِّهِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ "، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ الطَّائِيِّ أَنَّهُ مَنَعَ إطْلَاقَ الْحَدِّ فِي الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا
стр. 74
يُقَالُ: حَقِيقَةُ الْعِلْمِ كَذَا؛ لِأَنَّ الْحَقَائِقَ لَا يَخْتَلِفُ الْقَدِيمُ وَالْحَادِثُ بِخِلَافِ الْعِلْمِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا إنَّمَا هُوَ مَجَازٌ، فَأَجْرَوْا الْحَدَّ مُجْرَى الِاسْمِ تَوَسُّعًا، وَقَالَ الرَّازِيَّ: ضَرُورِيٌّ إذْ بِهِ تُعَرَّفُ الْأَشْيَاءُ فَلَوْ عُرِّفَ الْعِلْمُ لَوَجَبَ أَنْ يُعَرَّفَ بِغَيْرِهِ لِاسْتِحَالَةِ تَعْرِيفِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَالْغَرَضُ أَنَّ غَيْرَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، ثُمَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: هُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لِمُوجِبٍ كَمَا سَبَقَ فِي الضَّابِطِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَيُحَدُّ وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الذِّهْنِيُّ تَعْرِيفُهُ تَصْدِيقِيٌّ، وَالْمُدَّعَى مَعْرِفَتُهُ تَصَوُّرِيٌّ فَلَا تَنَاقُضَ. قُلْنَا: إنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنْ التَّعْرِيفُ لِلنِّسْبَةِ فِي التَّصْدِيقِ تَعْرِيفٌ لِتَصَوُّرٍ؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ لَيْسَتْ تَصْدِيقًا بَلْ مُقَرَّرَةٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ضَرُورِيٌّ وَلَا يُحَدُّ. وَهُوَ قَضِيَّةُ نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَنْهُ، وَالْمَوْجُودُ فِي الْمَحْصُولِ " مَا ذَكَرْته أَوَّلًا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْقُشَيْرِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ: يَعْسُرُ تَعْرِيفُهُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ. وَإِنَّمَا يُعَرَّفُ بِالتَّقْسِيمِ وَالْمِثَالِ، ثُمَّ يَعْرِضُ فِي رَوْمِ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ إلَى انْتِفَاءِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَضْدَادِهِ
стр. 75
وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الْآمِدِيُّ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْمَذْكُورَةَ إنْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً لَهُ عَمَّا سِوَاهُ فَلَيْسَتْ مُعَرِّفَةً، وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً فَذَلِكَ رَسْمٌ. وَهَذَا إنَّمَا يَرِدُ لَوْ أَحَالَا الرَّسْمَ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ. وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ يُعَرَّفُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ كَغَيْرِهِ، فَقَالَ الْقُدَمَاءُ: هُوَ مَعْرِفَةُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. .
وَأُورِدَ بِأَنَّهُ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَبِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْعِلْمِ، وَرُتْبَةُ الْمُشْتَقِّ فِي الْمَعْرِفَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ رُتْبَةِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، وَقَدْ أُخِذَ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ فَيَلْزَمُ مَا ذَكَرْنَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ تَجَوَّزُوا فِي الْمَعْلُومِ، وَقِيلَ: إنَّهُ مَنْقُوضٌ بِعِلْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى مَعْرِفَةً إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ، وَبِمَعْرِفَةِ الْمُقَلِّدِ إذْ لَيْسَتْ عِلْمًا، وَبِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً وَهُوَ قَوْلُهُ: عَلَى مَا هُوَ بِهِ: إذْ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْعِلْمُ، وَالْعِلْمُ إنَّمَا يَكُونُ مُطَابِقًا وَاحِدًا، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: مَعْرِفَةً، لَكَفَى. وَقِيلَ: ذُكِرَتْ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى نَفْيِ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِوُجُودِ عِلْمٍ وَلَا مَعْلُومَ، وَهُمْ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَاسْتَحْسَنَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ وُجْدَانُ النَّفْسِ النَّاطِقَةِ الْأُمُورَ بِحَقَائِقِهَا، وَهَذَا تَعْرِيفُ الْمَجْهُولِ بِمِثْلِهِ، أَوْ دُونِهِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ أَظْهَرُ مِنْ وُجْدَانِ النَّفْسِ أَوْ مِثْلِهِ.
ثُمَّ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ عِلْمِ اللَّهِ، وَغَيْرُ مَانِعٍ لِوُجْدَانِ الْمُقَلِّدِ، وَلَيْسَ بِعِلْمٍ
стр. 76
وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: إثْبَاتُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْأَحْسَنُ أَنَّهُ إدْرَاكُ الْعُلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. وَالْأَوْلَى كَمَا قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ ": إنَّهُ مَعْرِفَةُ الْعُلُومِ فَيَشْمَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ، وَلَا نَظَرَ إلَى الِاشْتِقَاقِ حَتَّى يَلْزَمَ الدَّوْرُ. قَالَ: وَلَوْ قُلْت: مَا يُعْلَمُ بِهِ الْعُلُومُ لَكَانَ أَسَدَّ وَقَدْ أَوْمَأَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَنَّهُ مَا أَوْجَبَ لِمَحَلِّهِ الِاتِّصَافَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا، وَقِيلَ: تَبَيُّنُ الْمَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَعْرِفَةُ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِعِلْمِ اللَّهِ: مَعْرِفَةٌ. وَلَا يُقَالُ لَهُ: عَارِفٌ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " شَرْحِ تَرْتِيبِ الْمُذْهَبِ " إجْمَاعَ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُسَمَّى عَارِفًا، وَدُفِعَ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ: «تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْك فِي الشِّدَّةِ» بِأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِهِ.
وَنَقَلَ الْمُقْتَرِحُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ " عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ سُمِّيَ عِلْمُ اللَّهِ مَعْرِفَةً لِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ ضَعَّفَهُ بِأَنَّ الْخِطَابَ لَمْ يُسَقْ لِبَيَانِ الْعِلْمِ، وَلَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْمَعْرِفَةِ هَاهُنَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ثَمَرَةَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْإِقْبَالُ فِي الْإِلْطَافِ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى الْبَارِي عَارِفًا. انْتَهَى. وَقِيلَ الْمُرَادُ: الْمُجَازَاةُ. وَخُرِّجَ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْفَارِضِ:
قَلْبِي يُحَدِّثُنِي بِأَنَّك مُتْلِفِي ... رُوحِي فِدَاك عَرَفْت أَمْ لَمْ تَعْرِفْ.
стр. 77
[مَسْأَلَةٌ تَفَاوُتُ الْعُلُومِ]
هَلْ تَتَفَاوَتُ الْعُلُومُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْبُرْهَانِ ": وَأَئِمَّتُنَا عَلَى التَّفَاوُتِ، وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ. وَقَالَ الْأُرْمَوِيُّ فِي التَّحْصِيلِ ": إنَّهُ الْحَقُّ، وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيُّ، الْمُحَقِّقُونَ عَلَى عَدَمِ تَفَاوُتِهَا، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَاخْتَارَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي كِتَابِ التَّرْجِيحِ "، وَالْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ "، وَالْأَنْبَارِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَنَقَلَ فِي الْبُرْهَانِ " فِي التَّرْجِيحِ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْمَعْقُولَاتِ لَا تَرْجِيحَ فِيهَا.
قُلْت: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَارُضُهَا بِخِلَافِ تَفَاوُتِهَا فِي رُتْبَتِهَا فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ عَدَمَ التَّفَاوُتِ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ، بَلْ فِي طَرِيقِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَثْرَةِ الْمُقَدِّمَاتِ وَقِلَّتِهَا وَوُضُوحِهَا وَخَفَائِهَا
стр. 78
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ وَالْأَفْضَلِ الْخُونَجِيِّ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ عَدَمَ التَّفَاوُتِ، وَعَكَسَ الْخُونَجِيُّ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلِأَجْلِ التَّفَاوُتِ قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: رُؤْيَةُ اللَّهِ يَعْنِي فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ عِلْمٍ بِهِ هُوَ أَجْلَى مِنْ مُطْلَقِ الْعِلْمِ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ إدْرَاكِ الْحِسِّ إلَى الْمُحَسِّ بِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ. قَالَ: وَهَذِهِ عَقَائِدُ لَا تَتَأَتَّى إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّفَاوُتِ. اهـ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ لَا تَتَفَاوَتُ. قَالَ: وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ الدَّلَائِلِ أَوْضَحُ مِنْ بَعْضٍ كَالْبَصَرِ الْمُدْرِكِ لِمَا قَرُبَ إلَيْهِ إدْرَاكًا بِخِلَافِ مَا بَعُدَ مِنْهُ عَنْ الْمَسَافَةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِدْرَاكُ مِنْ جَوْهَرٍ وَاحِدٍ، فَمِنْهُ مَا يَقَعُ جَلِيًّا، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مَعَ التَّحْدِيقِ وَالتَّأَمُّلِ، وَكَذَلِكَ مَنْزِلَةُ الْفِكْرِ وَالتَّدَبُّرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ تَفَاوُتُهَا، فَإِنَّهُ قَالَ: امْتَحَنَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ وُجُوهِ الْعِلْمِ، فَجَعَلَ مِنْهُ الْخَفِيَّ وَمِنْهُ الْجَلِيَّ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ لَوْ كَانَتْ كُلُّهَا جَلِيَّةً لَارْتَفَعَ التَّنَازُعُ وَزَالَ الِاخْتِلَافُ، وَمَا اُحْتِيجَ إلَى تَدَبُّرٍ وَفِكْرٍ، وَلَبَطَلَ الِابْتِلَاءُ، وَلَمْ يَقَعْ الِامْتِحَانُ، وَلَا وُجِدَ شَكٌّ وَلَا ظَنٌّ وَلَا جَهْلٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حِينَئِذٍ يَكُونُ طَبَقًا. وَلَوْ كَانَتْ كُلُّهَا خَفِيَّةً لَمْ يُتَوَصَّلْ إلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْهَا، إذْ الْخَفِيُّ لَا يُعْلَمُ بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا لَكَانَ جَلِيًّا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِخَفِيٍّ وَلَا جَلِيٍّ ثَبَتَ أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ جَلِيٌّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ خَفِيٌّ. اهـ
стр. 79
فَحَصَلَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا: التَّفَاوُتُ، وَعَلَى هَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ وَحَقِّ الْيَقِينِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ إنَّ مُوسَى لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ لَمَّا سَمِعَ عَنْ قَوْمِهِ وَأَلْقَاهَا حِينَ رَآهُمْ» . وَقَالَ أَئِمَّةُ الْحَقِيقَةِ: الْعِلْمُ بِاَللَّهِ إنْ كَانَ بِالْأَدِلَّةِ فَهُوَ عِلْمُ الْيَقِينِ، فَإِذَا قَوِيَ فَهُوَ عَيْنُ الْيَقِينِ، فَإِذَا فَنِيَ فِيهِ فَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. وَيُقَالُ: عِلْمُ الْيَقِينِ كَالنَّاظِرِ إلَى الْبَحْرِ، وَعَيْنُ الْيَقِينِ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ، وَحَقُّ الْيَقِينِ كَمَنْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ. اهـ. وَقَدْ أُورِدَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ التَّفَاوُتِ أَنَّهُ يَكُونُ عِلْمُ الْأُمَمِ مُمَاثِلًا لِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَهُمْ مُفَاوِتٌ لِعِلْمِنَا وَكَذَلِكَ رُجْحَانُ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي الْمَعَارِفِ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى صِفَةٍ لِلْبَارِي تَعَالَى لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى زِيَادَةِ عِلْمٍ بِمَعْلُومٍ آخَرَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَفَاوُتًا فِي الْعِلْمِ. الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَلِمَ رَبُّهُ بِوُجُوهِ أَدِلَّةٍ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَى جَمِيعِهَا، فَيَرْجِعُ التَّفَاوُتُ إلَى أَعْدَادِ الْمَعْلُومِ، لَا إلَى نَفْسِ الْعِلْمِ. وَأَمَّا رُجْحَانُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعَارِفِ وَتَوَالِيهَا إذَا حَصَلَتْ بِلَا فَتْرَةٍ، وَلَا غَفْلَةٍ
стр. 80
ثُمَّ إذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَفَاوَتَ الْعَارِفُونَ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْغَفْلَةِ وَكَثْرَتِهَا، وَقِلَّةِ الْمَعَارِفِ وَكَثْرَتِهَا، وَلِهَذَا قَالَ ﵊: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى كَثْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ لَا إلَى التَّفَاوُتِ فِي الْعِلْمِ الْوَاحِدِ بِالْمَعْلُومِ الْوَاحِدِ. وَلَوْ كَانَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا لَقَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ كَمَا أَعْلَمُ فَهَذِهِ عِبَارَةُ التَّفَاوُتِ فِي نَفْسِ الْعِلْمِ، وَقَالَ أَيْضًا فِي التَّفَاوُتِ بِاعْتِبَارِ اعْتِرَاضِ الْغَفَلَاتِ قِلَّةً وَكَثْرَةً: «لَوْ تَكُونُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ» مُشِيرًا إلَى أَنَّ الْغَفْلَةَ تَخْتَلِسُهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ عَنْهُ وَتَتَحَامَاهُمْ بِحَضْرَتِهِ تِلْكَ الْحَضْرَةُ الْمُقَدَّسَةُ صَلَوَاتُ اللَّه عَلَى صَاحِبِهَا وَسَلَامُهُ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا تَعَذَّرَ التَّفَاوُتُ فِي ذَوَاتِ الْعُلُومِ، فَلِمَ لَا أُضِيفَ التَّفَاوُتُ إلَى طُرُقِهَا؟ فَمِنْهَا الْبَدِيهِيُّ، وَمِنْهَا النَّظَرِيُّ. قُلْنَا: إذَا حُقِّقَتْ الْحَقَائِقُ فَكُلُّ عِلْمٍ نَظَرِيٍّ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمٍ بِمُقَدِّمَتَيْنِ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. فَإِنْ قُلْت: فَنَرَى بَعْضَ الْمَعَارِفِ يَصْعُبُ وَبَعْضُهَا يَسْهُلُ. قُلْت: ذَلِكَ التَّفَاوُتُ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ نَشَأَ عَنْ كَثْرَةِ الْمُقَدِّمَاتِ لِلْعِلْمِ الْوَاحِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مَعْلُومَاتٌ تَرَتَّبَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلِكُلِّ مَعْلُومٍ مُقَدِّمَتَانِ، فَمَا جَاءَ التَّفَاوُتُ إلَّا مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الْمُحَصَّلِ مِنْ الْمَعَارِفِ، وَقِلَّتِهِ لَا مِنْ بُعْدِ الطَّرِيقِ وَقُرْبِهَا، وَالْمَعْلُومُ وَاحِدٌ.
стр. 81
[مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ]
ٌ] . الْعِلْمُ إمَّا قَدِيمٌ فَلَا يُوصَفُ بِنَظَرٍ وَلَا ضَرُورَةٍ لِتَعَالِي اللَّهِ عَنْ الضَّرُورَةِ وَالِاحْتِيَاجِ إلَى النَّظَرِ، وَهُوَ وَاحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْلُومَاتِ عَلَى حَقَائِقِهَا تَعَلُّقًا سَابِقًا لَهُ حُكْمُ الْإِحَاطَةِ بِمَعْلُومَاتِهِ، لَا يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا، إذْ لَيْسَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ارْتِسَامِ صُوَرِهَا وَلَا يَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِهَا وَلَا يُوصَفُ بِالْكَسْبِ وَلَا بِالضَّرُورَةِ، بَلْ عِلْمٌ حُضُورِيٌّ وَوَاجِبِيٌّ ذَاتِيٌّ. قَالَ صَاحِبُ التَّلْوِيحَاتِ " كُنْت مُتَفَكِّرًا فِي الْعِلْمِ الْقَدِيمِ، وَكَيْفَ صُورَةُ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومَاتِ؟ . فَأَخَذَتْنِي سِنَةٌ مِنْ نَوْمٍ، فَخَطَرَ لِي شَيْخٌ لَهُ أُبَّهَةٌ جَمِيلَةٌ، فَعَرَضْت عَلَيْهِ مَا أَنَا فِيهِ مُفَكِّرًا. فَقَالَ لِي: أَتَعْقِلُ ذَاتَك؟ فَقُلْت لَهُ نَعَمْ، فَقَالَ: تَعَقُّلُك بِاكْتِسَابِ صُورَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ ذَاتِك؟ فَقُلْت لَهُ: لَا، فَقَالَ هَذَا حَلُّ مَا أَنْتَ فِيهِ مُفَكِّرٌ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَذَا التَّعَقُّلُ الْوَاجِبِيُّ الْحُضُورِيُّ الذَّاتِيُّ، ثُمَّ تَرَكَنِي وَانْصَرَفَ. فَيَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى تِلْكَ السِّنَةِ.
[" الْعِلْمُ الْحَادِثُ "] وَإِمَّا حَادِثٌ، وَيَنْقَسِمُ إلَى ضَرُورِيٍّ وَإِلَى نَظَرِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَفَى مُجَرَّدُ تَصَوُّرِ طَرَفَيْ الْقَضِيَّةِ فِي الْجَزْمِ بِهِ فَضَرُورِيٌّ، وَإِلَّا فَنَظَرِيٌّ، وَلَا خِلَافَ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ " فِي انْقِسَامِ التَّصْدِيقِ إلَيْهِمَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي التَّصَوُّرِ،
стр. 82
فَقِيلَ: لَيْسَ مِنْهُ كَسْبِيٌّ، بَلْ جَمِيعُ التَّصَوُّرَاتِ لَا تُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي الْمُحَصَّلِ "، فَقَالَ: إنَّ التَّصَوُّرَاتِ كُلَّهَا بَدِيهِيَّةٌ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ يَنْقَسِمُ إلَى الْكَسْبِيِّ وَالْبَدِيهِيِّ. قِيلَ: وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ بُطْلَانُهُ؛ لِأَنَّهُ يَكَادُ يَكُونُ مِنْ قِسْمَيْ الضَّرُورِيِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَدِيهِيَّةً لَمَا وَجَدْنَا أَنْفُسَنَا طَالِبَةً لِتَصَوُّرِ الْمَلَكِ وَالْجِنِّ، وَلَمَا طَلَبَتْ أَيْضًا حُدُوثَ الْعَالَمِ، أَوْ إمْكَانَهُ، وَلَمَا اخْتَلَفَتْ الْعُقَلَاءُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، لَا جَرَمَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَافَقَ الْجُمْهُورَ. فَالتَّصَوُّرُ الْبَدِيهِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَالنَّظَرِيُّ كَمَعْرِفَةِ الْمَلَكِ وَالرُّوحِ، وَالتَّصْدِيقُ الْبَدِيهِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ، وَالنَّظَرِيُّ كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ ": قِيلَ: الضَّرُورِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَكٌّ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ الَّذِي لَا يَقَعُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَقْلِيِّ مِنْهُ أَمَّا الْحِسِّيُّ فَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسَاتِ. وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الْحِسِّيُّ سَمْعًا فَهُوَ الْمُتَوَاتِرَاتُ. وَإِلَّا فَالتَّجْرِيبَاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالتَّجْرِبَةُ مَرَّاتٍ. وَصَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ جَلِيَّةٌ، وَأَنَّ النَّظَرَ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي أَنْحَاءِ الضَّرُورِيَّاتِ غَيْرَ أَنَّ الضَّرُورِيَّاتِ
стр. 83
لَمَّا انْقَسَمَتْ إلَى مَهْجُومٍ عَلَيْهِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى، وَإِلَى مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى فِكْرٍ سَمَّى أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ ضَرُورِيًّا وَالْآخَرَ نَظَرِيًّا. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ ثُمَّ الضَّرُورِيُّ يَقَعُ مَقْدُورًا لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقًا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ، وَأَمَّا النَّظَرِيُّ فَعِنْدَ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ مَقْدُورٌ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ.
وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّهَا مَقْدُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اكْتِسَابٌ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي كُنَّا سَمِعْنَاهُ قَدِيمًا مِنْ مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَمَّمَ نَظَرَهُ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ شَاءَ أَوْ أَبَى، فَلَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُكْتَسَبًا لَهُ لَتَوَقَّفَ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ ": ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ، وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْعُلُومَ الْحَادِثَةَ بِأَسْرِهَا ضَرُورِيَّةٌ. وَإِنَّمَا الْمَقْدُورُ طَلَبُهَا بِالنَّظَرِ الْمُفْضِي إلَيْهَا، فَإِذَا تَمَّ النَّظَرُ وَانْدَفَعَ عَنْ مَرَاسِمِهِ أَضْدَادُ الْعِلْمِ بِالْمَنْظُورِ فِيهِ حَصَلَ الْعِلْمُ لَا مَحَالَةَ مِنْ غَيْرِ إيثَارٍ، وَدَرْكُ اقْتِدَارِهِ، وَهُوَ بِالْقُدْرَةِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُلُومَ الَّتِي تَعْقُبُ النَّظَرَ تَقَعُ وُقُوعَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ، فَقَدْ ظَنَّ أَمْرًا بَعِيدًا. ثُمَّ إنَّ الْأُسْتَاذَ انْفَرَدَ بِقَوْلٍ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَجُوزُ فَرْضُ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ نَظَرٍ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الْعِلْمُ فِي حَقِّ مَنْ اقْتَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْظُرْ كَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مُوجِبِ إيثَارِ الْمُتَّصِفِ بِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ سَدِيدٍ.
وَتَحَصَّلَ لَنَا مَذَاهِبُ:
стр. 84
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ تَصَوُّرُهَا وَتَصْدِيقُهَا، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا بِإِنْكَارِ النَّظَرِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ إذَا تَمَّ وَقَعَ الْعِلْمُ عَقِبَهُ ضَرُورَةً لَا مَقْدُورًا. الثَّانِي: كُلُّهَا كَسْبِيَّةٌ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ، بَعْضُهَا ضَرُورِيٌّ، وَبَعْضُهَا كَسْبِيٌّ. الرَّابِعُ: الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَبِالِاعْتِقَادَاتِ الصَّحِيحَةِ ضَرُورِيٌّ، وَغَيْرُهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ مُثَابٌ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ. الْخَامِسُ: التَّصَوُّرَاتُ ضَرُورِيَّةٌ، وَالتَّصْدِيقَاتُ مُنْقَسِمَةٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِمَامُ فِي الْمُحَصَّلِ "، وَيَرِدُ عَلَيْهِ مَا أُورِدَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّ الْمَعْرِفَةَ ضَرُورِيَّةٌ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.
وَاتَّفَقَتْ الْأَشَاعِرَةُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ نَظَرِيًّا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ ضَرُورِيًّا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا خَلْقُ الْمَقْدُورِ بِدُونِ الْقُدْرَةِ، وَلَا امْتِنَاعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ عِنْدَنَا. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مِنْ طَرِيقِ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا طَرِيقُ الْوُجُودِ فَقَدْ أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا الْيَوْمَ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا مُكْتَسَبَةٌ لَا تَقَعُ إلَّا عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَإِنَّمَا تَقَعُ فِي الْآخِرَةِ ضَرُورِيَّةً
стр. 85
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَقَعُ مَقْدُورًا مُكْتَسَبًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ؟ . فَاخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الضَّرُورِيُّ نَظَرِيًّا؟ . فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يَتِمُّ الْعَقْلُ إلَّا بِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَقَعَ نَظَرِيًّا، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ يَجُوزُ.
وَطُرُقُ الْعِلْمِ عَلَى الْمَشْهُورِ مُنْحَصِرَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ: عَقْلٍ وَسَمْعٍ وَحِسٍّ، وَعَنَوْا بِالْحِسِّ عُلُومَ الْإِدْرَاكَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَاضْطَرَبُوا فِي عُلُومِ الْإِلْهَامِ وَالتَّوَسُّمِ وَالْمُحَادَثَةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَعَلَّهُمْ عَنَوْا بِالْإِلْهَامِ أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ مُخْتَرَعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: يَنْحَصِرُ فِي الْحِسِّ وَالِاسْتِدْلَالِ. قَالَ: وَالسَّمْعُ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ عُلُومِ الْحِسِّ؛ لِأَنَّ الْمَسْمُوعَ مَحْسُوسٌ، ثُمَّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ صَوَابِهِ وَخَطَئِهِ تُدْرَكُ بِالِاسْتِدْلَالِ. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَوَائِلِ حَصْرُهَا فِي الْحِسِّ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهُوَ غَلَطٌ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ بَلْ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْمَعْلُومَ مَا يَتَشَكَّلُ فِي الْحَوَاسِّ، وَمَا لَا يَتَشَكَّلُ، وَيُفْضِي إلَيْهِ نَظَرُ الْعَقْلِ، فَهُوَ مَعْقُولٌ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَعْلُومِ وَالْمَعْقُولِ، فَتَوَهَّمَ مَنْ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: لَا مَعْلُومَ إلَّا الْمَحْسُوسُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ إلَّا بِالْحِسِّ، وَتُوُهِّمَ مِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ النَّظَرِيَّاتِ مَعْقُولَاتٌ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ شَيْءٌ إلَّا بِالنَّظَرِ
стр. 86
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ فِي إدْرَاكِ الْحَوَاسِّ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعُلُومِ؟ وَآخِرُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَأَطْلَقُوا الْخِلَافَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: إدْرَاكُ الْحِسِّ الْمَحْسُوسِ. وَالثَّانِي: الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسِ. وَالثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِعُلُومٍ أُخْرَى تَنْشَأُ عَنْ الْمَحْسُوسِ. وَالرَّابِعُ: لَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ عِلْمٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ قَطْعًا. وَهَلْ الثَّانِي يُخَالِفُ الْأَوَّلَ أَوْ هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ؟ هَذَا مَحَلُّ الْخِلَافِ. ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْخِلَافِ، فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمُ الْإِسْكَافُ إنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَإِنَّ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ وَالْمَعْلُومَ وَاحِدٌ، وَالْإِدْرَاكُ وَالْعِلْمُ بِالْمُدْرَكِ مُخْتَلِفَانِ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ مَعْنَوِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ وَالْحَادِثَ يَجْمَعُهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مَعَ الْقَطْعِ بِاخْتِلَافِهِمَا، وَحَكَى الْقَرَافِيُّ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْإِدْرَاكَ لِلْحَوَاسِّ أَوْ لِلنَّفْسِ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ؟ . وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ: الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَنَرْتَضِيهِ أَنَّ جُمْلَةَ الطُّرُقِ الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ وَالِاسْتِدْلَالِيَّة تَنْحَصِرُ فِي أَدِلَّةٍ خَمْسَةٍ: الْعُقُولِ، وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ،
стр. 87
وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ. قَالَ: وَلَا عِبْرَةَ بِمَا يَطْلُبُهُ الْمُنَجِّمُونَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ بِذَهَابِ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَنَجْمِ كَذَا.
[الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ]
[الرُّؤْيَا] . وَأَمَّا الرُّؤْيَا، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» ، وَهَذِهِ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ كُلُّهَا طُرُقُ عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ لَهُمْ طُرُقًا فِي الْعُلُومِ لَا نَصِلُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا بِالْخَبَرِ. قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ كَلَامِ الْبَهَائِمِ وَالْجَمَادَاتِ وَالْوَحْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالرُّؤْيَا مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ. قَالَ: وَقَدْ اجْتَهَدْت فِي تَحْصِيلِ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ مَا هِيَ؟ فَبَلَغْت مِنْهَا إلَى اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي كِتَابِ الْوَصْفِ وَالصِّفَةِ " وَأَنَا فِي طَلَبِ الْبَاقِي. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالرُّؤْيَا شَيْءٌ حَتَّى لَوْ رَأَى وَاحِدٌ فِي مَنَامِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِحُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. انْتَهَى. قُلْت: وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " أَدَبِ الْجَدَلِ " فِي ذَلِكَ وَجْهًا وَالْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ بِالْمَنَامِ إلَّا فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ، أَوْ بِتَقْرِيرِهِمْ، وَعَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمَرَهُ بِأَمْرٍ ثَبَتَ عَنْهُ
стр. 88
فِي الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ كَالْأَمْرِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ لَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ فِي الْيَقِظَةِ خِلَافُهُ اُسْتُحِبَّ الْعَمَلُ بِهِ. قُلْت: وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ عَلَى مَنْ قَذَفَ امْرَأَةً بِأَنَّهَا وُطِئَتْ فِي النَّوْمِ، وَلَا عَلَيْهِ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى فِي النَّوْمِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ": أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ إنَّهُ وَطِئَ أُمَّهُ فِي النَّوْمِ، فَحَمَلَهُ إلَى عَلِيٍّ ﵁، فَقَالَ: أَقِمْهُ فِي الشَّمْسِ، وَاضْرِبْ ظِلَّهُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ.
[فَصْلٌ فِي مَرَاتِبِ الْعُلُومِ]
قَالَ أَئِمَّتُنَا: مَرَاتِبُ الْعُلُومِ عَشَرَةٌ: الْأُولَى: عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِنَفْسِهِ، وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ، وَلِذَاتِهِ. الثَّانِيَةُ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِاسْتِحَالَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ، وَانْحَطَّتْ هَذِهِ عَنْ الْأُولَى لِلْحَاجَةِ فِيهَا إلَى الْفِكْرِ فِي ذَوَاتِ الْمُتَضَادَّاتِ وَتَضَادِّهَا. الثَّالِثَةُ: الْعِلْمُ بِالْمُحَسَّاتِ وَانْحَطَّتْ عَنْ الثَّانِيَةِ، لِتَطَرُّقِ الْآفَاتِ إلَى الْحَوَاسِّ. الرَّابِعَةُ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَقِبَ خَبَرِ التَّوَاتُرِ، وَانْحَطَّتْ عَمَّا قَبْلَهَا
стр. 89
لِإِمْكَانِ. التَّوَاطُؤِ عَلَى الْمُخْبِرِينَ، وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ فِكْرٍ. وَلِهَذَا قَالَ الْكَعْبِيُّ: إنَّ الْعِلْمَ عَقِبَهُ نَظَرِيٌّ. الْخَامِسَةُ: الْعِلْمُ بِالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ، وَانْحَطَّتْ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُعَانَاةِ وَالْمَقَاسَاتِ وَتَوَقُّعِ الْغَلَطَاتِ. السَّادِسَةُ: الْعِلْمُ الْمُسْتَنِدُ إلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَخَجَلِ الْخَجِلِ، وَكَوَجَلِ الْوَجِلِ، وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ، وَانْحَطَّتْ لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي مَحَالِّ الْأَحْوَالِ. السَّابِعَةُ: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَانْحَطَّتْ؛ لِأَنَّ النَّظَرِيَّ مُنْحَطٌّ عَنْ الضَّرُورِيِّ. الثَّامِنَةُ: الْعِلْمُ بِجَوَازِ النُّبُوَّاتِ، وَجَوَازِ وُرُودِ الشَّرَائِعِ. التَّاسِعَةُ: الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ إذَا وَقَعَتْ. الْعَاشِرَةُ: الْعِلْمُ بِوُقُوعِ السَّمْعِيَّاتِ وَمُسْتَنَدُهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: الْعِلْمُ النَّظَرِيُّ يَنْضَبِطُ بِالضَّابِطِ سَبَبُهُ الذِّهْنُ قَبْلَهُ، وَالْعِلْمُ الْعَادِيُّ يُخَلِّي الْعَكْسَ لَا يَنْضَبِطُ سَبَبُهُ حَتَّى يَحْصُلَ هُوَ فَإِذَا حَصَلَ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَهُ قَدْ كَمُلَ، وَلَوْ رُوجِعْنَا فِي أَوَّلِ زَمَنِ كَمَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَنَا شُعُورٌ بِهِ حَالَةَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرَاتِ، فَإِنَّ السَّامِعَ لَا يَزَالُ يَتَرَقَّى فِي الظُّنُونِ تَرَقِّيًا خَفِيًّا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى عَدَدٍ حَصَلَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَيُّ عَدَدٍ حَصَلَ
стр. 90
لَك عِنْدَهُ الْعِلْمُ؟ لَمْ يَفْطِنْ لِذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ الْعُلُومُ الْعَادِيَّةُ بِجُمْلَتِهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ الْعُلُومِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ وَلَا تَشْعُرُ النَّفْسُ بِهِ أَوَّلَ قِيَامِهِ، وَهُوَ مِنْ الْعَجَبِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ تَتَفَاوَتُ كَمَا بَيَّنَّا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ وَالْحِسِّيَّاتِ رَاجِحَةٌ عَلَى النَّظَرِيَّاتِ، وَأَمَّا أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ تَتَرَجَّحُ عَلَى الْحِسِّيَّاتِ أَوْ الْعَكْسُ، فَمَحَلُّ نَظَرٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُ الْبَدِيهِيَّاتِ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَا الضَّرُورِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُقَدِّمَاتُهُ أَجْلَى وَأَقَلَّ كَانَ رَاجِحًا عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا يَجِدُ الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةً بَيْنَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنْ الْجُزْءِ، وَبَيْنَ عِلْمِهِ بِثُبُوتِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَالْخَلَاءِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقِينِيًّا عَلَى اعْتِقَادِهِ. لَا يُقَالُ: إنَّهُ وَإِنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ نَظَرِيٍّ، فَلَمْ يَحْصُلْ الْجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. الثَّالِثُ: قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ مِنْ الْبُرْهَانِ ": الْعُلُومُ الْحَاصِلَةُ عَنْ حُكْمِ الْعَادَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَلَا تَنْضَبِطُ انْضِبَاطَ الْمَحْدُودَاتِ، وَهَذَا كَالْعِلْمِ بِخَجَلِ الْخَجِلِ، وَوَجِلِ الْوَجِلِ، وَغَضَبِ الْغَضْبَانِ، فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْقَرَائِنُ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا عُلُومٌ بَدِيهِيَّةٌ لَا يَأْبَاهَا إلَّا جَاحِدٌ، وَلَوْ رَامَ وَاجِدُهَا ضَبْطَهَا لَمْ يَقْدِرْ
стр. 91
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: مَنْ شَاهَدَ رَضِيعًا قَدْ الْتَقَمَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ، وَرَأَى مِنْهُ آثَارَ الِامْتِصَاصِ، وَحَرَكَةَ الْغَلْصَمَةِ لَمْ يَسْتَرِبْ فِي وُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ، وَحَلَّ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ شَهَادَةً تَامَّةً بِالرَّضَاعِ. وَلَوْ أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ بِالرَّضَاعِ، وَلَكِنْ شَهِدَ بِالْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ لَهُ عَلَى الشَّهَادَةِ لَمْ يَثْبُتْ الرَّضَاعُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يَسْمَعُهُ الْقَاضِي وَصْفًا لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْعِيَانِ، وَاَلَّذِي يُفْضِي بِالْعَايِنِ إلَى دَرْكِ الْيَقِينِ يَدِقُّ مُدْرَكُهُ عَنْ عِبَارَةِ الْوَصَّافِينَ، وَلَوْ قِيلَ لِأَذْكَى خَلْقِ اللَّهِ قَرِيحَةً وَأَحَدِّهِمْ ذِهْنًا: افْصِلْ بَيْنَ حُمْرَةِ وَجْنَةِ الْغَضْبَانِ وَبَيْنَ حُمْرَةِ الْمَوْعُوكِ لَمْ تُسَاعِدْهُ عِبَارَةٌ، فَإِنَّ الْقَرَائِنَ لَا يَبْلُغُهَا غَايَاتُ الْعِبَارَاتِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَتَوَقَّفْ حُصُولُ الْعِلْمِ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ عَلَى عَدَدٍ مَحْصُورٍ، وَلَكِنْ إذَا ثَبَتَ قَرَائِنُ الصِّدْقِ ثَبَتَ الْعِلْمُ بِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الِاخْتِلَافُ فِي الْمُحِسَّاتِ]
ِ] . اخْتَلَفُوا فِي الْمُحِسَّاتِ، فَقِيلَ: كُلُّهَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ مُقَدَّمَانِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْبَصَرَ عَلَى السَّمْعِ، لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ السَّمْعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْأَشِعَّةِ الْمُتَعَرِّضَةِ لِلتَّعْرِيجَاتِ وَالْحَرَكَاتِ؛ وَلِأَنَّ السَّمْعَ لَا يَخْتَصُّ دَرْكُهُ بِجِهَةٍ بِخِلَافِ الْبَصَرِ، وَاخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا، وَقَالَ: قَدَّمَ اللَّهُ السَّمْعَ عَلَى الْبَصَرِ، فَقَالَ:
стр. 92
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ أَصَمَّ، وَمِنْ الْأَنْبِيَاءِ عُمْيَانًا. وَقَالَ أَئِمَّتُنَا: وَهَذَا فُضُولٌ مِنْهُ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فَقَدَّمَ أَبُو الْحَسَنِ مَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ عَلَى مَا يُدْرَكُ بِنَظَرِ الْعَقْلِ، وَقَدَّمَ الْقَلَانِسِيُّ مَا يُعْلَمُ بِالنَّظَرِ عَلَى مَا يُعْلَمُ بِالْمُحِسَّاتِ؛ لِأَنَّ تَعَرُّضَ الْحَوَاسِّ لِلْآفَاتِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَرُّضِ الْعَقْلِ لَهَا. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَكُلُّ هَذَا تَكْثِيرُ الْجَوْزِ بِالْعَفِنِ. وَقَدْ اخْتَرْنَا أَنَّ الْعُلُومَ ضَرُورِيَّةٌ لَا تَقْدِيمَ وَلَا تَأْخِيرَ. نَعَمْ قَدْ يَطُولُ الطَّرِيقُ وَيَقْصُرُ فَيَتَرَتَّبُ الْأَمْرُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا الْعُلُومُ فِي أَنْفُسِهَا فَلَا تَرَتُّبَ فِيهَا.
[مَسْأَلَةٌ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَعْلُومٍ وَاحِدٍ]
مَنَعَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَعْلُومٍ وَاحِدٍ، لَكِنْ قَيَّدَهُ بِمَا لَا يَتَلَازَمُ، وَأَجَازَ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ الْحَادِثِ بِمَعْلُومَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ. فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُعْلَمَ أَحَدُهُمَا وَيُجْهَلَ الْآخَرُ، وَهِيَ مَعْلُومَاتُ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ، كَالْعِلْمِ " بِفَوْقٍ "، فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَعْلَمَ " فَوْقَ " مَنْ يَجْهَلُ " تَحْتَ " بِخِلَافِ مَا لَا يَتَلَازَمُ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، فَلِأَنَّهُ مِنْ اتِّحَادِ الْعُلُومِ، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ أَنْ يُعْلَمَ
стр. 93
ضِدَّانِ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ، وَأَمَّا أَبُو الْحَسَنِ الْبَاهِلِيُّ أُسْتَاذُ الْقَاضِي فَإِنَّهُ اخْتَارَ تَعَلُّقَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِمَعْلُومَاتٍ، وَمَنَعَهُ فِي النَّظَرِيَّاتِ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُقَارِنُ الْعِلْمُ بِالْجُمْلَةِ الْجَهْلَ بِالتَّفْصِيلِ]
يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يُقَارِنُ الْعِلْمُ بِالْجُمْلَةِ الْجَهْلَ بِالتَّفْصِيلِ؟ فَرَآهُ الْقَاضِي مُقَارِنًا لَهُ، وَلَمْ يَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ كَوْنَ هَذَا الْعَرْضِ عَرْضًا، وَنَجْهَلُ كَوْنَهُ سَوَادًا. وَتَارَةً يُعْلَمُ كَوْنُهُ عَرَضًا وَنَعْلَمُ كَوْنَهُ سَوَادًا، فَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْعِلْمِ بِالْوَصْفِ الْمُتَقَدِّمِ الْجَهْلُ بِالْوَصْفِ الْحَاضِرِ.
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَمِنْ هَذَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ مَا أَطْلَقَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْتَرْسِلُ عِلْمُهُ عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِتَفَاصِيلِ آحَادِهِ. قَالَ: وَدِدْت لَوْ مَحَوْته بِدَمِي، وَفِي نُسْخَةٍ: بِمَاءِ عَيْنِي، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ. وَظَنُّوا أَنَّ الْإِمَامَ يُوَافِقُ الْفَلَاسِفَةَ فِي نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، وَهَذَا سُوءُ فَهْمٍ عَنْ الرَّجُلِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ وَيَتَحَاشَى عَنْهُ، بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الْعِلْمَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى تَعَلُّقًا إجْمَالِيًّا أَوْ تَفْصِيلِيًّا؟ . فَهُوَ يَقُولُ: كَمَا أَنَّ مَا لَا يَتَنَاهَى لَا يَدْخُلُ فِي الْوُجُودِ، كَذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الِاسْتِحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي الْعِلْمِ لَكَانَ إمَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ الْمَعْلُومَاتِ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ فَقَدْ تَنَاهَى، وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ. وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَمَا
стр. 94
حَصَلَتْ الْإِحَاطَةُ. وَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ ﵁. وَهُوَ شَنَّعَ عَلَيْهِ فِيهِ أَيْضًا لَكِنَّهُ دُونَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ مُنْكِرَ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ يَقُولُ: لَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْهَا أَصْلًا لَا مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ وَلَا مَا لَمْ يَدْخُلْ، وَأَمَّا هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ الْإِمَامُ فَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوُجُودِ؛ لِعَدَمِ تَنَاهِيهِ. أَمَّا مَا دَخَلَ الْوُجُودَ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ جَهْمٍ وَهِشَامٍ غَيْرَ أَنَّهُمَا يَقُولَانِ بِعُلُومٍ حَادِثَةٍ، وَالْإِمَامُ يَقُولُ بِعِلْمٍ وَاحِدٍ قَدِيمٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبُرْهَانِ " أَيْضًا بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَقِّ، فَقَالَ فِي النَّسْخِ فِي الْكَلَامِ مَعَ الْيَهُودِ: وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ النَّسْخَ يَمْتَنِعُ مِنْ جِهَةِ إفْضَائِهِ إلَى الْبَدَاءِ، وَالْقَدِيمُ مُتَعَالٍ عَنْهُ فَلَا حَقِيقَةَ لِهَذَا، فَإِنَّ الْبَدَاءَ إذَا أُرِيدَ بِهِ تَبْيِينُ مَا لَمْ يَكُنْ مُبَيَّنًا فِي عِلْمِهِ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ النَّسْخِ، فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى كَانَ عَالِمًا فِي أَزَلِهِ بِتَفَاصِيلِ مَا لَمْ يَقَعْ فِيمَا لَا يَزَالُ. انْتَهَى. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ أَخْذٌ بِيَدِهِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الَّذِي قَالَهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ وَالِدِهِ الْإِمَامِ ضِيَاءِ الدِّينِ عَنْ
стр. 95
أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لِلَّهِ تَعَالَى مَعْلُومَاتٌ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَلَهُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَعْلُومَاتِ مَعْلُومَاتٌ أُخْرَى لَا نِهَايَةَ لَهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَهُوَ تَعَالَى عَالِمٌ بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنَّمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَلَا مُتَعَلَّقَ فِيهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ جَلِيلِ مَا يُسْتَفَادُ.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ يُوجَدُ عِلْمٌ لَا مَعْلُومَ لَهُ]
ُ؟ . لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلَّا أَبُو هَاشِمٍ فَإِنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ عِلْمٌ بِلَا مَعْلُومٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ.
[مَسْأَلَةٌ طُرُقُ مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ]
ِ] قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: يُعْرَفُ الشَّيْءُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: بِآثَارِهِ كَالِاسْتِدْلَالِ بِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِعِ، وَبِالْمَبْنِيِّ عَلَى الْبَانِي. الثَّانِي: بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ
стр. 96
الثَّالِثُ: بِالْمُشَاهَدَةِ، وَيُعْرَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِآثَارِهِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] . وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُعْرَفُ بِحَسَبِ ذَاتِهِ الْمَخْصُوصَةِ؟ . فَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ يُعْرَفُ، وَنُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَيُعْرَفُ بِالْمُشَاهَدَةِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَالثَّالِثُ أَقْوَى مِنْ الثَّانِي، وَالثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُسَلِّمُ قُوَّةَ مَعْرِفَةِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ مُطْلَقًا بَلْ فِيهِ تَفْصِيلٌ: وَهُوَ أَنَّ الْمُشَاهَدَةَ فِي حَقِّ عَارِفٍ لِلذَّاتِ أَقْوَى مِنْهَا فِي مَعْرِفَتِهَا بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الذَّاتَ. قِيلَ: وَهَذَا لَا مَحِيصَ عَنْهُ، فَإِنَّ مَنْ وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ مِنْ بلخش وَبِنَفْشِ وَزُجَاجٍ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَهَا لَا تُفِيدُهُ الْمُشَاهَدَةُ فِي مَعْرِفَةِ الذَّاتِ شَيْئًا.
وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّا نُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَقَدْ حَارَتْ الْأَلْبَابُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّ اكْتِفَاءَ الْأَصْحَابِ بِالرُّؤْيَةِ كَالصِّفَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي حَقِّ الْعَالِمِ بِالْمَوْصُوفِ؛ لِتُزِيلَ الرُّؤْيَةُ الضَّرَرَ عَنْهُ. أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَا تُفِيدُهُ الرُّؤْيَةُ فَلَا يُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا. وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُشَاهِدُهُ فِي الْعُقَلَاءِ مِنْ مُعَانَدَتِهِمْ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُونَ، لَا يَكْتَفُونَ بِرُؤْيَتِهِمْ بَلْ يَسْتَصْحِبُونَ الْخَبِيرِينَ بِذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ التَّصْرِيَةِ وَجْهًا: أَنَّ الْعِيَانَ لَا يَكْفِي فِي حَقِّ
стр. 97
مَنْ لَا يُفِيدُهُ الْعِيَانُ مَعْرِفَةً، وَأَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَلَا أَثَرَ لِعِيَانِهِ، قَالَ: وَهَذَا الْوَجْهُ فِيمَا لَوْ اشْتَرَى زُجَاجَةً ظَنَّهَا جَوْهَرَةً، وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ.
إحْدَاهُمَا: لَوْ رَأَى الْعَيْبَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَيْبُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا كَانَ يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ رَأَى الْعَيْبَ وَعَلِمَ أَنَّهُ عَيْبٌ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ غَيْرَ الْعَيْبِ الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَرَضِيَ بِمَا ظَنَّهُ لَا بِمَا هُوَ عَيْبٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ إذَا كَانَ الَّذِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَشَدَّ ضَرَرًا، وَفِيمَا قَالَهُ هَذَا الْفَاضِلُ نَظَرٌ. فَقَدْ أَطْبَقَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِالْمُشَاهَدَةِ هُوَ أَتَمُّ النَّظَرِ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ يُنْعِمُ اللَّهُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِرُؤْيَتِهِ. وَلَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِأَنَّ هَذَا الْمَرْئِيَّ هُوَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِحَاطَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّكْيِيفِ مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِ سُبْحَانَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لِتَصِحَّ الرُّؤْيَةُ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ الذَّاتِ، وَتَمْثِيلُهُ بِالْجَوَاهِرِ الثَّلَاثَةِ ضَعِيفٌ، إذْ مَعَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا يَبْقَى مِثَالٌ، بَلْ قَدْ قَالَ الْأَئِمَّةُ: مَعَارِفُ الْآخِرَةِ كُلُّهَا ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ نَقُولَ: الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ لَهُمْ كَافٍ فِي مَعْرِفَةِ الذَّاتِ، ثُمَّ تَنْضَمُّ إلَيْهِ الْمُشَاهَدَةُ فَيَكُونُ أَتَمَّ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ. ثُمَّ مَا رَأَيْته مِنْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ الرُّؤْيَةُ لَا يُتَّجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا فِي حَقِّهِ، وَأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَزُولُ عَنْهُ بِذَلِكَ فَيَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْغَبْنَ يُثْبِتُ الْخِيَارَ إذَا كَانَ بِمِقْدَارِ الثُّلُثِ فَصَاعِدًا، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ،
стр. 98
وَعَنْ أَحْمَدَ كَمَالِكٍ وَعَنْهُ يُثْبِتُ إذَا كَانَ بِمِقْدَارِ السُّدُسِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ قَضِيَّةُ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ ﷺ : «إذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» وَشَرَعَ لَهُ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَانَتْ الْخَدِيعَةُ تُثْبِتُ الْخِيَارَ لَمَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ: (لَا خِلَابَةَ) ، وَلَا إلَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ، بَلْ كَانَ خِيَارُ الْغَبْنِ كَافِيًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ. وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِالصِّفَةِ لَا تُفِيدُ إلَّا فِي حَقِّ الْعَالِمِ بِالْمَوْصُوفِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ السَّلَامَةُ عَنْ الْعُيُوبِ، فَلَا يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا.
[مَسْأَلَةٌ الْجَهْلُ]
ُ] الْجَهْلُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ. وَيُسَمَّى بَسِيطًا. وَقِيلَ: لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ جَهْلٌ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَقِيلَ: إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الظَّنِّ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَاهُ عِلْمًا، وَالشَّكُّ وَالْغَفْلَةُ، وَإِصْلَاحُهُ عَدَمُ كُلِّ عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ أَوْ وَقْفٍ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا أَوْ مَظْنُونًا أَوْ مَشْكُوكًا أَوْ مَوْقُوفًا فِيهِ مِمَّنْ شَأْنُهُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ
стр. 99
وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الِاعْتِقَادُ الْبَاطِلُ، وَيُسَمَّى مُرَكَّبًا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: اعْتِقَادُ الْمُعْتَقِدِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَنُقِضَ بِالنَّظَرِ الْمُطَابِقِ عَكْسًا، فَإِنَّ النَّاظِرَ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا أَوْ ظَانًّا فَهُوَ جَاهِلٌ؛ لِكَوْنِهِ ضِدًّا لَهُمَا عِنْدَهُ فَيَكُونُ النَّاظِرُ إذَنْ جَاهِلًا مَعَ أَنَّ اعْتِقَادَهُ مُطَابِقٌ. وَهُوَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ عَدَمِيٌّ يُقَابِلُ الْعِلْمَ تَقَابُلَ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ. وَبِالثَّانِي وُجُودِيٌّ يُقَابِلُ الْعِلْمَ تَقَابُلَ الضِّدَّيْنِ، وَالثَّانِي يُقَالُ فِيهِ: أَخْطَأَ وَغَلِطَ، وَمُخَاطَبَتُهُ مُخَاطَبَةُ عِنَادٍ وَمُخَاطَبَةُ الْأَوَّلِ مُخَاطَبَةُ تَعْلِيمٍ. قَالَ الرَّازِيَّ: وَاَلَّذِي يُمْكِنُهُ طَلَبُ الْعِلْمِ هُوَ صَاحِبُ الْجَهْلِ الْبَسِيطِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْعِلْمَ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ إلَّا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَصَارَ صَارِفًا لَهُ عَنْ طَلَبِهِ، وَهَلْ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا ذَاتِيَّةٌ أَوْ لِلصَّارِفِ؟ . فِيهِ احْتِمَالَانِ. وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْكِفَايَةِ " اُخْتُلِفَ فِي الْجَهْلِ، فَقِيلَ: هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَقِيلَ: تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ. وَقِيلَ: اعْتِقَادُ الْمَعْلُومِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ ": الْجَهْلُ اعْتِقَادُ الْمَعْلُومِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالِاعْتِقَادِ فِي حَدِّ الْجَهْلِ. اهـ. وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْمُرَكَّبِ فَقَطْ، إذْ الْبَسِيطُ لَا اعْتِقَادَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ، فَكَأَنَّهُ
стр. 100
لَيْسَ بِجَهْلٍ عِنْدَهُ.
وَكَذَلِكَ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَحَكَوْا خِلَافًا عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ فِي أَنَّ الْجَهْلَ هَلْ هُوَ مِثْلُ الْعِلْمِ؟ فَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى أَنَّهُ مِثْلٌ لَهُ.
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ كَوْنَ زَيْدٍ فِي الدَّارِ مَثَلًا، وَلَيْسَ هُوَ فِيهَا فَإِنَّ اعْتِقَادَهُ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ جَهْلٌ مِنْ جِنْسِ الثَّانِي الَّذِي عَلِمَهُ. وَمَا بِهِ الِافْتِرَاقُ مِنْ كَوْنِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ، وَعَدَمُهُ فِي الْأُخْرَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مُوجِبِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الِاعْتِقَادَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ لِلشَّيْءِ عَلَى وَفْقِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِثْلُ الْعِلْمِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ لَسْنَا نُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ. أَمَّا الْبَسِيطُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ جَهْلٌ، فَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ لَيْسَ مِثْلًا لِلْعِلْمِ، فَإِنَّ عَدَمَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ مِثْلًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ.
[تَنْبِيهٌ] مَنْ تَصَوَّرَ فِي الذَّاتِ أَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ، فَهَلْ هُوَ جَاهِلٌ بِالذَّاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا ذَاتٌ أَوْ بِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدَ؟ وَقَدْ يُقَالُ: الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ هَلْ هُوَ جَهْلٌ بِالْمَوْصُوفِ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؟ الظَّاهِرُ: الثَّانِي، وَمِنْ ثَمَّ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا نَكَحَ امْرَأَتَيْنِ وَشَرَطَ فِيهِمَا الْإِسْلَامَ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا النَّسَبَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ، فَاخْتُلِفَ هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ وَالْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ هُوَ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ. مَأْخَذُهُ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مُعَيَّنٌ لَا يَتَبَدَّلُ بِالْخَلَفِ فِي الصِّفَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْفَسَادِ مَأْخَذُهُ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَةِ كَاخْتِلَافِ الْعَيْنِ
стр. 101
وَأَخَذَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ تَكْفِيرَ مُنْكِرِي صِفَاتِ اللَّهِ. وَالْأَصَحُّ: عَدَمُ التَّكْفِيرِ، كَمَا أَنَّ الْأَصَحَّ هُنَا صِحَّةُ النِّكَاحِ، لَكِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَيْعِ إذَا قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْفَرَسَ، فَكَانَ بَغْلًا أَنَّ الْأَصَحَّ: عَدَمُ الصِّحَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ الظَّنُّ]
الظَّنُّ هُوَ الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ مِنْ اعْتِقَادَيْ الطَّرَفَيْنِ، وَكَذَا رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ لَا اعْتِقَادُ الرَّاجِحِ أَوْ الرُّجْحَانِ، فَاعْتِقَادُ الرُّجْحَانِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إمَّا مُحَقَّقٌ عَنْ بُرْهَانٍ، وَهُوَ الْعِلْمُ، أَوْ لَا، وَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْجَهْلُ. فَهُوَ مُتَعَلَّقُ نَفْسِ الرُّجْحَانِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ ثَابِتٌ لَا رُجْحَانَ فِيهِ، وَأَمَّا رُجْحَانُ الِاعْتِقَادِ بِأَنْ يَكُونَ فِي النَّفْسِ احْتِمَالَانِ مُتَعَارِضَانِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَرْجَحُ فِي نَظَرِهِ، فَالْأَوَّلُ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الذِّهْنِ، وَقِيلَ: تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ. وَنُقِضَ بِالْجَزْمِ تَجْوِيزُ أَمْرَيْنِ وَلَيْسَ بِظَنٍّ. وَقِيلَ: تَغْلِيبُ أَحَدِ الْمُجَوَّزَيْنِ وَفِيهِ إجْمَالٌ؛ لِأَنَّ التَّغْلِيبَ إمَّا فِي نَفْسِ الْمُجَوَّزِ، وَإِمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يَكُونُ جَزْمًا وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَالثَّانِي قَرِيبٌ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ أَخِيرًا: إنَّهُ تَرَجُّحُ أَحَدِ مُمْكِنَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي النَّفْسِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَتَارَةً: إنَّهُ تَرَجُّحُ وُقُوعِ أَحَدِ مُمْكِنَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ.
стр. 102
وَقَوْلُهُ: " مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ ": يَعْنِي عِنْدَ ذِكْرِ الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ بِالتَّرْجِيحِ. وَحِينَئِذٍ فَهُوَ تَرَدُّدٌ بَيْنَ إرَادَةِ رُجْحَانِ الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ الْحَقُّ، وَبَيْنَ رُجْحَانِ الْمُعْتَقَدِ، أَوْ اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ ظَنًّا.
[مَسْأَلَةٌ الظَّنُّ طَرِيقُ الْحُكْمِ]
ِ] وَهُوَ طَرِيقٌ لِلْحُكْمِ إذَا كَانَ عَنْ أَمَارَةٍ، وَلِهَذَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ، وَخَبَرِ الْمُقَوِّمِينَ وَالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ مَظْنُونَةً. وَشَرَطَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعِدَّةِ " لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ وُجُودَ أَمَارَةٍ صَحِيحَةٍ، وَعَدَمَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ كَمَا يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ. وَالْأَوَّلُ: يُوَافِقُ تَصْحِيحَ الْفُقَهَاءِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْأَوَانِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ، وَالثَّانِي: يُخَالِفُ تَجْوِيزَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِي الْأَوَانِي مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ. قَالَ: وَالظَّنُّ يَقَعُ عِنْدَ الْأَمَارَةِ كَمَا يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَ الدَّلِيلِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ ": لَا يَقَعُ عَنْ الْأَمَارَةِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ بِاخْتِيَارِ النَّاظِرِ فِي الْأَمَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يَنْظُرُونَ فِي الْأَمَارَةِ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي الظَّنِّ، وَلَوْ كَانَ كَمَا ذُكِرَ لَعُمِلَ بِالظَّنِّ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ.
стр. 103
[مَسْأَلَةٌ تَفَاوُتُ الظُّنُونِ]
ِ] وَفِي تَفَاوُتِ الظُّنُونِ قَوْلَانِ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي تَفَاوُتِ الْعُلُومِ. فَقِيلَ: لَا تَتَفَاوَتُ كَمَا لَا تَتَفَاوَتُ الْعُلُومُ، وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ الْأَدِلَّةُ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ. بَلْ الظَّنُّ يَقْبَلُ الْأَشَدِّيَّةَ وَالْأَضْعَفِيَّةَ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَرُبَّ شَكٍّ فِي أَصْلِ الشَّيْءِ، وَشَكٍّ فِي وَصْفِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْأَصْلِ. فَالشَّكُّ فِي الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ يُقَابِلُهُ احْتِمَالَانِ، وَالشَّكُّ فِي الْوَصْفِ خَاصَّةً يُقَابِلُهُ احْتِمَالٌ وَاحِدٌ. وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ﵁: مَنْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ فَشَكُّهُ وَسْوَسَةٌ فَيَسْتَصْحِبُ الْحِلَّ. وَلَوْ حَلَفَ يَقِينًا، ثُمَّ شَكَّ هَلْ حَنِثَ أَمْ لَا؟ فَشَكُّهُ هَاهُنَا مُعْتَبَرٌ يُوجِبُ الِانْكِفَافَ وَالْحَظْرَ، وَهَلْ هُوَ وُجُوبُ قَضَاءٍ أَوْ وُجُوبُ إرْشَادٍ لَا إلْزَامٌ مِنْ الْقَاضِي؟ فِيهِ خِلَافٌ لِلْمَالِكِيَّةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَقِفُ أَحَدٌ إذَا ظَنَّ شَيْئًا مَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ الظَّنِّ كَمَا يَقِفُ عَلَى أَصْلِ الظَّنِّ؟ . قُلْت: لَا يَقِفُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ إلَّا تَقْرِيبًا إنَّمَا الَّذِي يُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ يَقِينًا هُوَ الْعِلْمُ، وَمِثَالُهُ فِي الْمَحْسُوسَاتِ: أَنَّ الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيُثْبِتُهُ الْعَقْلُ، وَلَكِنْ لَا يُثْبِتُهُ الْحِسُّ، وَإِنْ أَثْبَتَ تَفَاوُتًا بَيْنَ الْأَجْرَامِ صِغَرًا وَكِبَرًا لَكِنَّهُ إثْبَاتٌ بِالتَّقْرِيبِ، لَا بِتَحْقِيقِ أَعْدَادِ الْجَوَاهِرِ بِأَعْدَادِ الْجَوَاهِرِ كَإِنْكَارِ الظُّنُونِ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْأَجْوَدِ، لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ
стр. 104
تَحْقِيقًا، إذْ مَا مِنْ أَجْوَدَ مَفْرُوضٍ إلَّا وَيُمْكِنُ أَجْوَدُ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ تَنْزِيلًا لِلَّفْظِ عَلَى الْقَرِيبِ. وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ: هَذَا الظَّنُّ أَعْلَى الظُّنُونِ: يَعْنُونَ مِنْ أَعْلَى الظُّنُونِ الْوَاضِحَةِ فِيهِ.
[مَسْأَلَةٌ أَقْسَامُ الظَّنِّ]
ِّ] وَأَقْسَامُهُ خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ أُمُورٍ مُسَلَّمَةٍ، وَهُوَ الْعِلْمُ الظَّنِّيُّ الَّذِي مُسْتَنَدُهُ قَضِيَّةٌ أَوْ قَضَايَا مُسَلَّمَةٌ بِأَنْفُسِهَا. ثَانِيهَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ أُمُورٍ مَشْهُورَةٍ، وَهُوَ ظَنٌّ مُطَابِقٌ مُسْتَنِدٌ إلَى أُمُورٍ مَشْهُورَةٍ بِالتَّصْدِيقِ عِنْدَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ. وَثَالِثُهَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ أُمُورٍ مَقْبُولَةٍ فِي الْعَقْلِ بِسَبَبِ حُسْنِ الظَّنِّ بِمَنْ أُخِذَتْ عَنْهُ. رَابِعُهَا: الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ ظَنٌّ مُطَابِقٌ مُسْتَنَدُهُ قَرَائِنُ أَحْوَالٍ ظَاهِرَةٍ. خَامِسُهَا: مَا كَانَ عَنْ وَهْمٍ فِي غَيْرِ مَحْسُوسٍ، وَهُوَ مَا أَوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِهِ قُوَّةُ الْوَهْمِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْعِلْمِ الظَّنِّيِّ، وَلَيْسَ بِهِ تَجَوُّزٌ.
стр. 105
[مَسْأَلَةٌ الشَّكُّ]
ُّ] الشَّكُّ: قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: أَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: شَكَكْت الشَّيْءَ إذَا جَمَعْته بِشَيْءٍ يَدْخُلُ فِيهِ، وَالشَّكُّ: هُوَ اجْتِمَاعُ شَيْئَيْنِ فِي الضَّمِيرِ، وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: اعْتِقَادَانِ يَتَعَاقَبَانِ لَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَأَفْسَدُوهُ بِمَا إذَا زَالَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِاعْتِقَادٍ آخَرَ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ: عَدَمُ الْعِلْمِ: وَهُوَ فَاسِدٌ لِحُصُولِهِ مِنْ الْجَمَادِ وَالنَّائِمِ، وَلَا يُوصَفُ بِالشَّكِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: اسْتِوَاءُ مُعْتَقَدَيْنِ فِي نَفْسِ الْمُسْتَرِيبِ مَعَ قَطْعِهِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: " اسْتِوَاءُ " وَقَوْلُهُ: " الْمُسْتَرِيبِ " فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، إذْ لَا يُمْكِنُ اسْتِرَابَةٌ مَعَ ظُهُورِ أَحَدِهِمَا، وَلَا اسْتِوَاءٌ مَعَ عَدَمِ اسْتِرَابَةٍ، وَأَيْضًا فَغَيْرُ جَامِعٍ؛ لِمَا إذَا ظُنَّ عَدَمُ الِاجْتِمَاعِ. فَإِنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ: مَعَ قَطْعِهِ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَصْفُ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بِكَوْنِهِ مُعْتَقَدًا، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَعَلُّقُ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِهِ، وَذَلِكَ مَعَ الِاسْتِوَاءِ مُحَالٌ، وَقَدْ يَمْنَعُ الِاسْتِحَالَةَ، إذْ الِاعْتِقَادُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْجَازِمِ.
стр. 106
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ الِاسْتِرَابَةُ فِي مُعْتَقَدَيْنِ. وَأَفْسَدَهُ الْآمِدِيُّ بِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الِاسْتِرَابَةِ وَالِاعْتِقَادِ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَهَذَا الْإِفْسَادُ فَاسِدٌ؛ لِعَدَمِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرَابَةَ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالِاعْتِقَادَ لِصَلَاحِيَةِ إرَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ جَزْمٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرَادُفًا. نَعَمْ هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِمَا إذَا كَانَتْ الِاسْتِرَابَةُ فِي غَيْرِ نَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ مِنْ وَقْفٍ وَشَكٍّ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرُ مَانِعٍ؛ لِدُخُولِ الِاسْتِرَابَةِ فِي مُعْتَقَدَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَكٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ وُقُوعًا. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْأَقْرَبُ أَنَّ الشَّكَّ التَّرَدُّدُ فِي أَمْرَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَا تَرْجِيحَ لِوُقُوعِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي النَّفْسِ. انْتَهَى. وَيَرِدُ عَلَى الْجَمِيعِ التَّقَيُّدُ بِالْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ الشَّكَّ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا لَوْ شَكَّ هَلْ زَيْدٌ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ أَوْ نَائِمٌ؟ وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ الشَّكَّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّرَدُّدُ فِي ثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ تَرَدُّدًا عَلَى السَّوَاءِ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ بَلْ يَحْكُمُ بِأَحَدِهِمَا مَعَ تَجْوِيزِ نَقِيضِهِ تَجْوِيزَ اسْتِوَاءٍ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ لِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ يُعْتَبَرُ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ بِالتَّشَهِّي
стр. 107
قَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ شَكٌّ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَنْ تَوَقَّفَ عَنْ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ وَنَفْيِهِ يُقَالُ: إنَّهُ شَاكٌّ فِي وُجُودِهِ وَنَفْيِهِ. انْتَهَى. وَنَبَّهَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى فَائِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ الشَّكَّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ. وَقَالَ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنْ يَتَقَاوَمَ سَبَبُهُمَا. ذَكَرَهُ فِي " النِّهَايَةِ " فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لَا يُسَمَّى شَكًّا، وَكَذَلِكَ مَنْ غَفَلَ عَنْ شَيْءٍ بِالْكُلِّيَّةِ. فَيَسْأَلُ عَنْهُ لَا يُسَمَّى شَاكًّا. وَكَلَامُ الرَّاغِبِ يُوَافِقُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: هُوَ اعْتِدَالُ النَّقِيضَيْنِ عِنْدَ الْإِنْسَانِ وَتَسَاوِيهِمَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِوُجُودِ أَمَارَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ عِنْدَهُ فِي النَّقِيضِ أَوْ لِعَدَمِ الْأَمَارَةِ فِيهِمَا. وَالشَّكُّ رُبَّمَا كَانَ فِي الشَّيْءِ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ أَوْ لَا؟ وَرُبَّمَا كَانَ فِي جِنْسِهِ أَيْ: أَيُّ جِنْسٍ هُوَ؟ وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَعْضِ صِفَاتِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ فِي الْغَرَضِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وُجِدَ. وَالشَّكُّ ضَرْبٌ مِنْ الْجَهْلِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ قَدْ يَكُونُ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالنَّقِيضِ أَصْلًا، فَكُلُّ شَكٍّ جَهْلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَهْلٍ شَكًّا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] وَأَصْلُهُ: إمَّا مِنْ شَكَكْت الشَّيْءَ أَيْ خَرَقْته، فَكَانَ الشَّكُّ الْخَرْقَ فِي الشَّيْءِ وَكَوْنَهُ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ الرَّائِي مُسْتَقَرًّا يَثْبُتُ فِيهِ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعَارًا مِنْ الشَّكِّ، وَهُوَ لُصُوقُ الْعَضُدِ بِالْجَنْبِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَلَاصَقَ النَّقِيضَانِ. فَلَا يَدْخُلُ الْفَهْمُ وَالرَّأْيُ لِتَخَلُّلِهِ بَيْنَهُمَا، وَلِهَذَا يَقُولَانِ: الْتَبَسَ الْأَمْرُ وَاخْتَلَطَ وَأَشْكَلَ وَنَحْوَهُ مِنْ الِاسْتِعَارَاتِ
стр. 108
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: فِي الْإِحْيَاءِ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي مَرَاتِبِ الشُّبُهَاتِ: الشَّكُّ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ نَشَآ عَنْ سَبَبَيْنِ، وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ لَهُمَا سَبَبَانِ مُتَقَابِلَانِ.
وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا لَا يُدْرَى وَبَيْنَ مَا لَا يُشَكُّ فِيهِ. وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: إذَا دَخَلْت بَلَدًا غَرِيبًا، وَدَخَلْت سُوقًا، وَوَجَدْت قَصَّابًا أَوْ خَبَّازًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَا عَلَامَةَ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُرِيبًا أَوْ خَائِنًا، وَلَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ، فَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى حَالُهُ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَقَالَ فِي الْبَابِ الثَّانِي: لَوْ سُئِلَ الْإِنْسَانُ عَنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ الَّتِي أَدَّاهَا قَبْلَ هَذَا بِعِدَّةِ سِنِينَ كَانَتْ أَرْبَعًا أَوْ ثَلَاثًا؟ لَمْ يَتَحَقَّقْ قَطْعًا أَنَّهَا أَرْبَعُ، وَإِذَا لَمْ يَقْطَعْ جُوِّزَ أَنْ تَكُونَ ثَلَاثًا، وَهَذَا التَّجْوِيزُ لَا يَكُونُ شَكًّا إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ سَبَبٌ أَوْجَبَ اعْتِقَادَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا، فَلْيُفْهَمْ حَقِيقَةُ الشَّكِّ حَتَّى لَا يَشْتَبِهُ بِالْوَهْمِ وَالتَّجْوِيزِ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
[مَسْأَلَةٌ الشَّكُّ لَا يُبْنَى عَلَيْهِ حُكْمٌ]
ٌ] وَالشَّكُّ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إذَا كَانَ هُنَاكَ أَصْلٌ اُسْتُصْحِبَ عَلَى خِلَافِهِ.
стр. 109
وَاسْتَثْنَى ابْنُ الْقَاصِّ فِي " التَّلْخِيصِ " مِنْ ذَلِكَ إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً وَقَدْ خُولِفَ فِيهَا. .
[مَسْأَلَةٌ الْوَهْمُ]
ُ] الْوَهْمُ: هُوَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ. قَالَ ابْنُ الْخَبَّازِ: وَهُوَ كَنُفُورِ النَّفْسِ مِنْ الْمَيِّتِ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ بَطْشِهِ، وَنُفُورِهَا مِنْ شُرْبِ الْجَلَّابِ فِي قَارُورَةِ الْحَجَّامِ، وَلَوْ غُسِلَتْ أَلْفَ مَرَّةٍ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ إلَّا فِي قَلِيلٍ، كَوَهْمِ وُجُودِ الْمَاءِ بَعْدَ تَحَقُّقِ عَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ عِنْدَنَا. وَنِيَّةُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا فَيَأْتِي بِهِ وَنَحْوُهُ.
[مَسْأَلَةٌ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ]
ُ] السَّهْوُ: مَا تَنَبَّهَ صَاحِبُهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ. وَالْخَطَأُ مَا لَا يَتَنَبَّهُ صَاحِبُهُ، أَوْ يَتَنَبَّهُ بَعْدَ إتْعَابٍ. قَالَهُ السَّكَّاكِيُّ فِي " الْمِفْتَاحِ ".
стр. 110
وَقِيلَ: السَّهْوُ: الذُّهُولُ عَنْ الْمَعْلُومِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ اللُّغَوِيِّينَ تَرَادُفُهُ مَعَ النِّسْيَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " النِّهَايَةِ ": السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ. وَالسَّهْوُ عَنْهُ تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ.
[خَاتِمَةٌ]
[خَاتِمَةٌ] لَا شَكَّ فِي أَنَّ الْعِلْمَ وَجَمِيعَ أَضْدَادِهِ مَا خَلَا الشَّكَّ فِيهَا حُكْمٌ، وَأَمَّا الشَّكُّ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الشَّاكَّ حَاكِمٌ بِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ بَدَلَ الْآخَرِ، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ. إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَالظَّنِّ هُوَ الْمَعْلُومُ وَالْمُعْتَقَدُ وَالْمَظْنُونُ، وَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي الشَّكِّ - إنْ قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ - الْأَمْرُ أَنَّ الْمَشْكُوكَ فِيهِمَا، أَوْ نَفْيَ غَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْوَهْمُ فَهَلْ الْمَحْكُومُ بِهِ الْمَوْهُومُ أَوْ الْمَظْنُونُ؟ فِيهِ بَحْثٌ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: الْمَوْهُومُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الظَّانُّ لَيْسَ حَاكِمًا لِمَا يُقَابِلُ ظَنَّهُ، فَيَكُونُ حَاكِمًا بِالضِّدَّيْنِ مَعًا يَحْكُمُ بِالْقِيَامِ مَثَلًا رَاجِحًا، وَبِعَدَمِ الْقِيَامِ مَرْجُوحًا، وَكَيْفَ يَحْكُمُ الذِّهْنُ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ خِلَافُهُ؟ . وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ الْوَهْمُ مَعْدُودًا فِي الْقِسْمَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ.
следующие страницы →