← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وَثَالِثُهَا: الْحَجُّ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ وَيَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ. وَحُكْمُ الْبَاطِلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَلَا يَمْضِي بِخِلَافِ الْفَاسِدِ. هَذَا حُكْمُ مَا يَطْرَأُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ ابْتِدَاءً، فَيُتَصَوَّرُ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ جَامَعَ، ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا، وَقِيلَ: صَحِيحًا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ. قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا فَيَنْعَقِدُ فَاسِدًا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَدَمَ الِانْعِقَادِ. وَرَابِعُهَا: الْعَارِيَّةُ وَقَدْ صَوَّرَهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ " فَإِنَّهُ حَكَى فِي صِحَّةِ إعَارَةِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ خِلَافًا، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَبْطَلْنَاهَا فَفِي طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، لِأَنَّهَا إعَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَفِي طَرِيقِ الْمَرَاوِزَةِ أَنَّهَا غَيْرُ مَضْمُونَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْإِعَارَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ كَذَا حَصَرَهَا جَمَاعَةٌ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. وَمِنْ صُورَةِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ وَتَجِبُ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ. أَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ مَثَلًا صَبِيٌّ رَجُلًا بَالِغًا فَعَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِأَنَّهُ الَّذِي فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ عَمَلَهُ وَتَكُونُ بَاطِلَةً. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِلْمَدْيُونِ: اعْزِلْ قَدْرَ حَقِّي، فَعَزَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَارَضْتُك عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْعَزْلِ، فَإِذَا تَصَرَّفَ الْمَأْمُورُ فَإِنْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ فَهُوَ مِلْكٌ لَهُ، وَإِنْ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لِلْقِرَاضِ وَنَقَدَهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الشِّرَاءُ لِلْقِرَاضِ وَيَكُونُ قِرَاضًا فَاسِدًا وَلَهُ الْأُجْرَةُ وَالرِّبْحُ لِبَيْتِ الْمَالِ.

стр. 422

وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ قِرَاضًا لَا فَاسِدًا وَلَا صَحِيحًا بَلْ هُوَ بَاطِلٌ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: بِعْتُك وَلَمْ يَذْكُرْ ثَمَنًا وَسَلَّمَ، وَتَلِفَتْ الْعَيْنُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي هَلْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَبِيعًا فَيَكُونُ أَمَانَةً. وَمِنْهَا: لَوْ نَكَحَ بِلَا وَلِيٍّ فَهُوَ فَاسِدٌ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ لَا الْحَدَّ، وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلَا إذْنٍ فَبَاطِلٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ: عِنْدِي. أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمْ يُوَافِقُوا الْحَنَفِيَّةَ فِي هَذَا التَّفْرِيقِ أَصْلًا، لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُثْبِتُونَ بَيْعًا فَاسِدًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعَ الْقَبْضِ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْعُقُودُ لَهَا صُوَرٌ لُغَةً وَعُرْفًا مِنْ عَاقِدٍ وَمَعْقُودٍ عَلَيْهِ وَصِيغَةٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِنْ وُجِدَتْ كُلُّهَا فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ فُقِدَ الْعَاقِدُ أَوْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَوْ الصِّيغَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَلَا عَقْدَ أَصْلًا، وَلَا يَحْنَثُ بِهِ إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَنُسَمِّيهِ بَيْعًا بَاطِلًا مَجَازًا، وَإِنْ وُجِدَتْ وَقَارَنَهَا مُفْسِدٌ مِنْ عَدَمِ شَرْطٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَعِنْدَنَا هُوَ بَاطِلٌ خِلَافًا لَهُمْ. وَوَافَقُونَا عَلَى الْبُطْلَانِ إذَا كَانَ الْفَسَادُ لِصِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَبَيْعِ الْمَلَاقِيحِ. وَنَحْنُ لَا نُرَتِّبُ عَلَى الْفَاسِدِ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَكِنْ لَنَا قَاعِدَةٌ، وَهِيَ إذَا كَانَ لِلْفِعْلِ عُمُومٌ وَبَطَلَ الْخُصُوصُ قَدْ لَا يَعْمَلُ الْعُمُومُ. فَالْمَسَائِلُ الَّتِي رَتَّبَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهَا حُكْمًا مِنْ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ هِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. اهـ. فَائِدَةٌ أَقْسَامُ الْبَاطِلِ قَسَّمَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ " الْبَاطِلَ إلَى خَمْسَةٍ: الْإِحَالَةُ

стр. 423

وَالْمُنَاقَضَةُ وَالْفُحْشُ وَالْغَلَطُ، قَالَ: وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ خَارِجَةٌ عَنْ الْأُصُولِ فَمَنْ صَارَ إلَيْهَا فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَالْخَامِسُ يُسَمَّى الْخَطَأُ، فَعَلَيْهِ تَدُورُ الْمُنَاظَرَاتُ، وَإِلَيْهِ يُقْصَدُ بِالْمُطَالَبَاتِ. قَالَ: فَالْإِحَالَةُ: مَا دَفَعَهُ الْحِسُّ، وَالْمُنَاقَضَةُ: مَا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالِاخْتِلَافِ، وَالْفُحْشُ: مَا يَسْتَقْبِحُهُ الْعَقْلُ، وَالْغَلَطُ: مَا طَرَحَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَالْخَطَأُ: كُلُّ مُتَلَبِّسٍ قَامَ فَسَادُهُ دَلِيلٌ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدُّ الْمُحَالِ كُلُّ جُمْلَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ وَلَا فَائِدَةٌ قَالَ: وَإِنَّمَا يُطْلِقُهُ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ عَلَى فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ حَتَّى يَعْتَدَّ بِهِ فَإِذَا فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الشَّرْطِ يُقَالُ: هَذَا فِعْلٌ مُحَالٌ فَيُقَالُ: الصَّلَاةُ بِلَا طَهَارَةٍ مُحَالٌ، وَالْبَيْعُ بِلَا ثَمَنٍ مُحَالٌ، وَالصَّوْمُ بِاللَّيْلِ مُحَالٌ. انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ] [الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ فِي مَدْلُولِهِمَا] الْحُكْمُ يُوصَفُ بِالْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَفِيهِمَا مَبَاحِثُ: [الْمَبْحَثُ] الْأَوَّلُ فِي مَدْلُولِهِمَا. الْعَزِيمَةُ أَمَّا الْعَزِيمَةُ فَهِيَ لُغَةً: الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]

стр. 424

وَشَرْعًا: عِبَارَةٌ عَنْ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ السَّالِمِ مُوجِبُهُ عَنْ الْمُعَارِضِ، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَمَشْرُوعِيَّةِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهَا مِنْ التَّكَالِيفِ. قِيلَ: وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ حَيْثُ لَا يَقُومُ دَلِيلُ الْمَنْعِ عَزِيمَةٌ، وَهُوَ لَا يُطَابِقُ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ، وَلَا الِاصْطِلَاحَ الْفِقْهِيَّ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ وَالْجَزْمِ كَمَا يُقَالُ عَزَمْت عَلَيْك بِكَذَا وَكَذَا، وَلِهَذَا يُقَابِلُونَهُ بِمَا فِيهِ تَرْخِيصٌ، وَالْإِبَاحَةُ بِمُجَرَّدِهَا لَيْسَ فِيهَا هَذَا الْمَعْنَى. وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِالْوَاجِبَاتِ فَإِنَّهُمَا قَالَا: مَا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِلْزَامِ اللَّهِ تَعَالَى. أَيْ بِإِيجَابِهِ. وَلَيْسَ كَمَا قَالَا، فَإِنَّهَا تُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الرُّخْصَةِ، وَالرُّخْصَةُ تَكُونُ فِي الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ مَا يُقَابِلُهَا، وَمِثَالُ دُخُولِ الْإِبَاحَةِ فِيهَا قَوْلُهُمْ: " ص " مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَدُخُولُ الْحَرَامِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَخْمَصَةِ هُوَ عَزِيمَةٌ، لِأَنَّ حُكْمَهَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ خَلَا عَنْ الْمُعَارِضِ، فَإِذَا وُجِدَتْ الْمَخْمَصَةُ حَصَلَ الْمُعَارِضُ لِدَلِيلِ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ رَاجِحٌ عَلَيْهِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ، فَجَازَ الْأَكْلُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ.

стр. 425

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ عَزِيمَةً لِكَوْنِهَا مُكَلِّفَةً بِتَرْكِهَا، وَمُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَنَّ مَنْ كُلِّفَ بِتَرْكِ شَيْءٍ لَمْ يُكَلَّفْ بِفِعْلِهِ فِي حَالِ تَكْلِيفِهِ بِتَرْكِهِ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يَرِدْ. الرُّخْصَةُ وَأَمَّا الرُّخْصَةُ فَهِيَ لُغَةً: الْيُسْرُ وَالسُّهُولَةُ، وَمِنْهُ رَخُصَ السِّعْرُ إذَا تَرَاجَعَ وَسَهُلَ الشِّرَاءُ، وَفِيهَا لُغَاتٌ ثَلَاثٌ: رُخُصَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْخَاءِ، وَرُخْصَةٌ بِإِسْكَانِ الْخَاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنْ الْأُولَى، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَصْلًا بِنَفْسِهَا، وَالثَّالِثَةُ: خُرْصَةٌ بِتَقْدِيمِ الْخَاءِ حَكَاهَا الْفَارَابِيُّ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا مَقْلُوبَةٌ مِنْ الْأُولَى، وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسُنِ النَّاسِ فَتْحُ الْخَاءِ وَلَا يَشْهَدُ لَهُ سَمَاعٌ وَلَا قِيَاسٌ، لِأَنَّ " فُعَّلَةٌ " تَكُونُ لِلْفَاعِلِ كَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ وَضُحَكَةٌ، وَلِلْمَفْعُولِ كَلُقَطَةٍ، فَقِيَاسُهُ إنْ ثَبَتَ هُنَا: أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْكَثِيرِ الرَّخِيصِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا فَشَا الرُّخْصُ فِيهِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْإِحْكَامِ ": الرُّخْصَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ: الْأَخْذُ بِالرُّخْصَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَخْذِ الْمَصْدَرَ، وَيُحْتَمَلُ أَرَادَ اسْمَ الْفَاعِلِ، وَالْقِيَاسُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَنْقُولُ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ: فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: مَا جَازَ فِعْلُهُ مَعَ قِيَامِ الْمُقْتَضِي لِلْمَنْعِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ، وَأَنَّهَا

стр. 426

قَدْ تَكُونُ بِجَوَازِ التَّرْكِ، وَأَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا كَذَلِكَ، لِأَنَّهَا عَلَى خِلَافِ التَّخْفِيفِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ، كَذَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا بَعْضُ مَا هُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَى الْعَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَاشٍ عَلَى الْأَصْلِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: طَلَبُ الْفِعْلِ السَّالِمِ عَنْ الْمَانِعِ الْمُشْتَهِرِ، وَاحْتُرِزَ بِالْمُشْتَهِرِ عَنْ نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُقُودَ الْمُخَالِفَةَ لِلْقِيَاسِ كَالسَّلَمِ وَالْمُسَابَقَةِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: مَا جَازَ فِعْلُهُ أَوْ تَرْكُهُ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ مِنْهُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: مَا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِيجَابِهِ تَعَالَى وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقِيلَ: مَا خَرَجَ عَنْ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ لِعَارِضٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ التَّعَبُّدُ بِالتَّحْرِيمِ. وَقِيلَ: اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، فَإِنْ أُرِيدَ إبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرَّمِ بِلَا حُرْمَةٍ فَهُوَ قَوْلٌ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَإِنْ أُرِيدَ إبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ الْحُرْمَةِ، فَهُوَ قَوْلٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَكِلَاهُمَا فَاسِدٌ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ مَعَ الْمُعَارِضِ أَيْ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْمَنْعِ. وَقِيلَ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ مَعَ كَوْنِهِ حَرَامًا فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ أَيْ الشَّرْعِيِّ، لَا الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَصْلَحِيِّ، لِأَنَّهُ إنَّمَا عَدَلَ بِهِ عَنْ نَظَائِرِهِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ. هَذَا فِي جَانِبِ الْفِعْلِ، وَفِي جَانِبِ التَّرْكِ أَنْ يُوسِعَ لِلْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ

стр. 427

مَعَ قِيَامِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ تَخْفِيفًا وَتَرَفُّهًا سَوَاءٌ كَانَ التَّغْيِيرُ فِي وَضْعِهِ أَوْ حُكْمِهِ. وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ مَعَ بَقَاءِ الْوَصْفِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ مُحَرَّمًا مَعَ سُقُوطِ حُكْمِهِ، كَإِجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ مَعَ قِيَامِ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْقُطَ الْحَظْرُ وَالْمُؤَاخَذَةُ جَمِيعًا كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ وَمَاتَ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ. [الْمَبْحَثُ الثَّانِي الرُّخْصَة مِنْ أَيِّ الْخِطَابَيْنِ] فِي أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ أَيِّ الْخِطَابَيْنِ؟ فَأَمَّا الْآمِدِيُّ فَجَعَلَهَا مِنْ أَنْوَاعِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالْحَقُّ: أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الِاقْتِضَاءِ، وَلِهَذَا قَسَّمُوهَا إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ وَمُبَاحَةٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّهَا مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّازِيَّ أَنَّهَا نَفْسُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَالْقَوْلَانِ غَيْرُ خَارِجَيْنِ عَنْ الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: الرُّخْصَةُ التَّيْسِيرُ، وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي قَوْلُهُمْ: هَذَا رُخْصِي مِنْ الْمَاءِ أَيْ: هَذَا شُرْبِي.

стр. 428

[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ] فِي أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ: وَقَدْ قَسَّمَهَا الْأُصُولِيُّونَ إلَى ثَلَاثَةٍ: وَاجِبَةٌ، وَمَنْدُوبَةٌ، وَمُبَاحَةٌ. فَالْوَاجِبَةُ كَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ بِاللُّقْمَةِ، وَكَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ بِنَاءً عَلَى النُّفُوسِ حَقُّ اللَّهِ وَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْمُكَلَّفِينَ، فَيَجِبُ حِفْظُهَا لِيَسْتَوْفِيَ اللَّهَ حَقَّهُ مِنْهَا بِالتَّكْلِيفِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً لِوُجُودِ الْمَلْزُومِ وَالتَّأْكِيدِ قَالَ: وَلَا مَانِعَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ رُخْصَةً مِنْ وَجْهٍ وَعَزِيمَةً مِنْ وَجْهٍ، فَمِنْ حَيْثُ قَامَ الدَّلِيلُ الْمَانِعُ نُسَمِّيهِ رُخْصَةً، وَمِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ نُسَمِّيهِ عَزِيمَةً. وَهَذَا التَّرَدُّدُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ سَبَقَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ " وَتَرَدَّدَ فِي أَنَّ الْوَاجِبَاتِ هَلْ يُوصَفُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالرُّخْصَةِ؟ وَقَالَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ مِنْ النِّهَايَةِ ": يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَكْلُ الْمَيْتَةِ لَيْسَ بِرُخْصَةٍ، فَإِنَّهُ وَاجِبٌ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ صَاحِبُهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ": الصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لَا رُخْصَةٌ، كَالْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي رَمَضَانَ، وَيَتَحَصَّلُ بِذَلِكَ فِي مُجَامَعَةِ الرُّخْصَةِ لِلْوُجُوبِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ يُجَامِعُهَا، وَلَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّاهَا وَالْمَنْدُوبَةُ كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَالْمُبَاحَةُ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَلَيْسَ بِتَمْثِيلٍ صَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ عِنْدَ مَشَقَّةِ الصَّوْمِ وَيُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ إبَاحَةٌ.

стр. 429

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَمْ أَجِدْ لَهُ مِثَالًا بَعْدَ الْبَحْثِ الْكَثِيرِ إلَّا التَّيَمُّمَ عِنْدَ وُجْدَانِ الْمَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ، وَالْوُضُوءُ مُسْتَوِيًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أَصْحَابِنَا. قُلْت: هَذَا إنْ جَعَلْنَا التَّيَمُّمَ رُخْصَةً، وَفِيهِ خِلَافٌ: وَالْأَوْلَى: التَّمْثِيلُ بِتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، وَفِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ لِلْعَبَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِبَادَاتِ، أَمَّا الْمُعَامَلَاتِ فَرُخَصُهَا كَثِيرَةٌ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْعَرَايَا عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْمُسْتَصْفَى " أَبْدَى احْتِمَالَيْنِ فِي السَّلَمِ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَرَايَا، وَسَنَذْكُرُ فِي الْقِيَاسِ عَلَى الرُّخَصِ، بَلْ يَأْتِي فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ " لَبَنُ الْمَأْكُولِ طَاهِرٌ، وَذَلِكَ عِنْدِي فِي حُكْمِ الرُّخَصِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَيْهَا وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ بِإِحْلَالِهَا. وَذَكَرَ فِي الْبَسِيطِ " مِثْلَهُ فِي شَعْرِ الْمَأْكُولِ الْبَائِنِ فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُ رُخْصَةٌ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الْمَلَابِسِ.

стр. 430

وَأَهْمَلَ الْأُصُولِيُّونَ رَابِعًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَالْإِفْطَارِ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ التَّضَرُّرِ بِالصَّوْمِ، وَكَتَرْكِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجَرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تُجَامِعُ التَّحْرِيمَ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» . وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: الرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي، لَكِنْ لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ فَانْكَسَرَ وَصَلَّى قَاعِدًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَعَ أَنَّ إسْقَاطَ الْقَضَاءِ عَنْ الْقَاعِدِ رُخْصَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَعْصِيَةَ انْتَهَتْ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْحَرَامَ فَأَكَلَ الْمَيْتَةَ لِلضَّرُورَةِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ حَرَامٌ إلَّا أَنَّهُ رُخِّصَ لَهُ فِيهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ "، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُوصَفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ فَيَبْقَى التَّنَاوُلُ وَهُوَ وَاجِبٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا وَلَيْسَ ذَا وَجْهَيْنِ. تَنْبِيهٌ [فِي تَقْسِيمِ الرُّخْصَةِ] اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ الْأُصُولِيِّينَ يُقَسِّمُونَ الرُّخْصَةَ إلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يُثِيرُ فِي ذَلِكَ بَحْثًا، وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُمْ ذِكْرَ مَا وَقَعَ بِهِ التَّرْخِيصُ أَوْ ذِكْرَ الْحَالَةِ الَّتِي صَارَتْ إلَيْهِ الْعِبَادَةُ بَعْدَ التَّرْخِيصِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الْإِحْلَالِ، لِأَنَّ الْإِحْلَالَ هُوَ الَّذِي جُعِلَ لَهُ التَّيْسِيرُ وَالسُّهُولَةُ، وَكَوْنُ ذَلِكَ الَّذِي حَلَّ يَعْرِضُ

стр. 431

لَهُ أَمْرٌ آخَرُ يُصَيِّرُهُ وَاجِبًا لَيْسَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي شَيْءٍ، فَالتَّرْخِيصُ لِلْمُضْطَرِّ مِنْ الْمَيْتَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ إحْلَالُهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَرَامًا، وَكَوْنُهَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَمْرٌ آخَرُ نَشَأَ عَنْ وُجُوبِ حِفْظِ النَّفْسِ، فَلَا يَكُونُ الرُّخْصَةُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلَّا بِمُجَرَّدِ الْإِحْلَالِ. وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ ذِكْرَ الْأَحْوَالِ الَّتِي صَارَتْ إلَيْهَا الْعِبَادَةُ بَعْدَ التَّرْخِيصِ فَتَقْسِيمُهَا إلَى ثَلَاثَةٍ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ بِالِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَوْعًا، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ خَمْسَةٌ، وَكُلٌّ مِنْهَا إذَا صَارَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ يَخْرُجُ مِنْهُ خَمْسُ أَقْسَامٍ فِي الْخَمْسَةِ السَّابِقَةِ، فَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ قِسْمًا. يَسْقُطُ مِنْهَا انْتِقَالُ كُلِّ حُكْمٍ إلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مُحَالٌ صَارَتْ عِشْرِينَ، يَسْقُطُ مِنْهَا التَّرْخِيصُ فِي الْمُبَاحِ إلَى الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَحَقُّ مِنْ الْإِبَاحَةِ، فَلَا رُخْصَةَ فِيهَا صَارَتْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَيَسْقُطُ مِنْهَا تَخْفِيفُ الْمُسْتَحَبِّ إلَى الْوَاجِبِ فَإِنَّهُ لَا تَسْهِيلَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ تَخْفِيفُ الْمَكْرُوهِ إلَى الْحَرَامِ مُحَالٌ أَيْضًا فَيَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِسْمًا. الْأَوَّلُ: رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. الثَّانِي: رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ، كَالْقَصْرِ فِي السَّفَرِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. الثَّالِثُ: رُخْصَةٌ مَكْرُوهَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ، كَالْقَصْرِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالتَّرْخِيصُ فِي النَّفْلِ عَنْ التَّحْرِيمِ إلَى الْكَرَاهَةِ. الرَّابِعُ: رُخْصَةٌ مُبَاحَةٌ أَصْلُهَا التَّحْرِيمُ، كَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ بَذْلِ ثَمَنِ الْمَاءِ لَهُ، أَوْ بَذْلِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ، أَوْ إقْرَاضِ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ إذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَذَبَحَهُ وَمَيْتَةً فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. الْخَامِسُ: رُخْصَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ أَصْلُهَا الْوُجُوبُ، كَإِتْمَامِ الصَّلَاةِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ

стр. 432

أَيَّامٍ، وَكَالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ لِلْقَوِيِّ وَالتَّرْخِيصُ فِي النَّفْلِ فِي الْقُعُودِ. تَنْبِيهٌ [قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الرُّخْصَةِ اخْتِيَارِيًّا] قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الرُّخْصَةِ اخْتِيَارِيًّا، كَالسَّفَرِ. وَاضْطِرَارِيًّا كَالِاغْتِصَاصِ بِاللُّقْمَةِ الْمُبِيحِ لِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَرَافِيِّ: قَدْ يُبَاحُ سَبَبُهَا كَالسَّفَرِ وَقَدْ لَا يُبَاحُ كَالْغُصَّةِ، لِأَنَّ الْغُصَّةَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا حَظْرٍ. قِيلَ: وَالْعَجَبُ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَيْفَ رَجَّحُوا الْأَخْذَ بِالرُّخْصَةِ فِي الْفِطْرِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ مَعَ سُهُولَةِ الْخَطْبِ فِيهَا؟ وَرَجَّحُوا الْعَزِيمَةَ فِيمَا يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِمَّا أَنْ يُرَجِّحُوا الرُّخْصَةَ مُطْلَقًا أَوْ الْعَزِيمَةَ مُطْلَقًا. أَمَّا الْفَرْقُ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: لَهُ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ أَوْ الْعَزِيمَةِ هِيَ الْعِبَادَةُ، فَفِي أَيِّهِمَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ أَعْظَمَ رَجَّحْنَا الْأَخْذَ بِهِ، وَالْعِبَادَةُ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ دُونَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ، قِيلَ: هَذَا يَبْطُلُ بِالصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ عِبَادَةً، وَقَدْ رَجَّحْتُمْ الْفِطْرَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِي اسْتِيفَاءِ حَقِّ اللَّهِ فِي النَّفْسِ أَعْظَمُ لِأَنَّهَا إذَا بَقِيَتْ وُجِدَ مِنْهَا [الشَّهَوَاتُ] الْمُتَعَدِّدَةُ الْأَنْوَاعُ، أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ مِنْ تَرْكِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ مِنْ الْعِبَادَةِ.

стр. 433

فَائِدَةٌ الرُّخْصَةُ إمَّا كَامِلَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ تَنْقَسِمُ الرُّخْصَةُ إلَى كَامِلَةٍ وَهِيَ الَّتِي لَا شَيْءَ مَعَهَا كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَإِلَى نَاقِصَةٍ وَهِيَ بِخِلَافِهِ كَالْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ وَهَذَا تَلْمِحَتُهُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمَسْحُ رُخْصَةُ كَمَالٍ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ فِيمَا لَا يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ كَامِلَةٌ وَمَعَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ رُخْصَةٌ نَاقِصَةٌ. تَنْبِيهٌ [تَشْكِيكُ الْآمِدِيَّ فِي تَحْقِيقِ الرُّخْصَةِ] شَكَّكَ الْآمِدِيُّ فِي تَحْقِيقِ الرُّخْصَةِ بِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُرَخِّصَ إنْ كَانَ رَاجِحًا عَلَى السَّبَبِ الْمُحَرَّمِ كَانَ مُوجِبُهُ عَزِيمَةً، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ حُكْمٍ ثَابِتٍ رَاجِحٍ مَعَ وُجُودِ الْمُعَارِضِ الْمَرْجُوحِ رُخْصَةً، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ مَرْجُوحًا فَأَيُّ شَيْءٍ يُرَجِّحُ دَلِيلَ الرُّخْصَةِ؟ ، ثُمَّ قَالَ: الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَرْجُوحٌ قَالَ: هُوَ أَشْبَهُ بِالرُّخْصَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّيْسِيرِ بِالْعَمَلِ بِالْمَرْجُوحِ، أَجَابَ الْهِنْدِيُّ بِالْتِزَامِ أَنَّ الْعُذْرَ الْمُرَخِّصَ رَاجِحٌ. قَوْلُهُ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ رَاجِحٍ رُخْصَةً. قُلْنَا: الرَّاجِحُ قِسْمَانِ: رَاجِحٌ شُرِعَ لِعُذْرٍ، وَاسْتُفِيدَ رُجْحَانُهُ مِنْ دَلِيلٍ خَاصٍّ فَهُوَ رُخْصَةٌ أَبَدًا، وَكُلُّ خَاصٍّ عَارَضَ الْعَامَّ، وَكَانَ خُرُوجُهُ لِعُذْرٍ

стр. 434

فَهُوَ رُخْصَةٌ، وَرَاجِحٌ شُرِعَ لَا لِعُذْرٍ وَتَسْهِيلٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ هَذَا. [مَسْأَلَةٌ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ] مِنْ لَوَاحِقِ خِطَابِ الْوَضْعِ تَقْسِيمُ الْحُكْمِ إلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَإِعَادَةٍ. وَالضَّابِطُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ إنْ فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا الْمَحْدُودِ شَرْعًا سُمِّيَتْ أَدَاءً، كَفِعْلِ الْمَغْرِبِ مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، فَخَرَجَ مَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ الْوَقْتُ فَلَا يُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي أَيِّ زَمَانٍ كَانَ، كَالْإِيمَانِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ عِنْدَ حُضُورِ الْعَدُوِّ. بِخِلَافِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ قُصِدَ مِنْهُ الْفِعْلُ وَالزَّمَانُ. وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ يُسَمَّى أَدَاءً شَرْعًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نَزَلَتْ فِي تَسْلِيمِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَلِأَصْحَابِنَا أَنَّ هَذَا مَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَالْكَلَامُ فِي الِاصْطِلَاحِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُقُوعُ الْجَمِيعِ فِي الْوَقْتِ بَلْ

стр. 435

لَوْ وَقَعَ بَعْضُهُ كَرَكْعَةٍ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْجَمِيعَ أَدَاءٌ تَبَعًا لِلرَّكْعَةِ، فَإِنَّهَا لِمُعْظَمِ الصَّلَاةِ وَقِيلَ: بَلْ يُحْكَمُ بِبَقَاءِ الْوَقْتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَتَكُونُ الْعِبَادَةُ كُلُّهَا مَفْعُولَةً فِي الْوَقْتِ، وَهَذَا أَمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: بَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ، أَوْ مُوَسَّعًا كَالصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ فُعِلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى أَمْ لَا. هَذَا هُوَ قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ " وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى " وَالْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ ". ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ: فَإِنْ فَعَلَ ثَانِيًا بَعْدَ ذَلِكَ سُمِّيَ إعَادَةً، فَظَنَّ أَتْبَاعُهُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لِلْإِطْلَاقِ السَّابِقِ فَقَيَّدُوهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَالصَّوَابُ: أَنَّ الْأَدَاءَ اسْمٌ لِمَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ مُطْلَقًا مَسْبُوقًا كَانَ أَوْ سَابِقًا، وَإِنْ سَبَقَهُ أَدَاءً مُخْتَلٌّ سُمِّيَ إعَادَةً، فَالْإِعَادَةُ قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الْأَدَاءِ، فَكُلُّ إعَادَةٍ أَدَاءٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَلَا تَغْتَرَّ بِمَا تَقْتَضِيهِ عِبَارَةُ التَّحْصِيلِ " وَالْمِنْهَاجِ " مِنْ كَوْنِهِ قَسِيمًا لَهُ. وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْخَلَلِ فِي الْإِجْزَاءِ كَمَنْ صَلَّى بِدُونِ شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ، أَوْ فِي الْكَمَالِ كَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَعَادَهَا فِي جَمَاعَةٍ فِي الْوَقْتِ؟ خِلَافٌ، وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ الْقَاضِي. فَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْإِعَادَةَ فِعْلٌ مِثْلُ مَا مَضَى فَاسِدًا كَانَ الْمَاضِي أَوْ صَحِيحًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فِي الْإِعَادَةِ. فَعَلَى هَذَا بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْإِعَادَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيَنْفَرِدُ الْأَدَاءُ فِي الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَتَنْفَرِدُ الْإِعَادَةُ بِمَا إذَا قَضَى صَلَاةً، وَأَفْسَدَهَا، ثُمَّ أَعَادَهَا، وَيَجْتَمِعَانِ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ عَلَى مَا سَبَقَ.

стр. 436

وَقَالَ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ ": الْإِعَادَةُ اسْمٌ لِلْعِبَادَةِ يُبْتَدَأُ بِهَا، ثُمَّ لَا يُتِمُّ فِعْلَهَا إمَّا بِأَنْ لَا يَعْقِدَهَا صَحِيحَةً، وَإِمَّا بِأَنْ يَطْرَأَ الْفَسَادُ عَلَيْهَا، وَقَدْ. يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ فَتَكُونُ أَدَاءً، وَبَعْدَ الْوَقْتِ فَتَكُونُ قَضَاءً، وَرُبَّمَا عَبَّرَ بِالْإِعَادَةِ عَنْ الْعِبَادَةِ الَّتِي تُؤَخَّرُ، أَمَّا إنْ أَدَّى خَارِجَ وَقْتِهِ الْمُضَيَّقِ أَوْ الْمُوَسَّعِ الْمُتَعَيِّنِ لَهُ سُمِّيَ قَضَاءً سَوَاءٌ كَانَ التَّأْثِيرُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ سَبَقَ بِنَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ أَمْ لَا. وَخَرَجَ بِالْمُقَدَّرِ: الْمُعَيَّنُ عَنْ الْمُقَدَّرِ بِغَيْرِهِ، بَلْ بِضَرْبٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ كَالْمُوَسَّعِ فِي الْحَجِّ إذَا تَضَيَّقَ وَقْتُهُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَدَّاهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْمُخْتَارِ، وَسَيَأْتِي، وَسَوَاءٌ وَجَبَ أَدَاؤُهُ أَوْ لَمْ يَجِبْ وَلَكِنْ وُجِدَ سَبَبُ الْأَمْرِ، وَلَا يَصِحُّ عَقْلًا كَالنَّائِمِ أَوْ شَرْعًا كَالْحَائِضِ، أَوْ يَصِحُّ لَكِنَّهُ سَقَطَ لِمَانِعٍ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ كَالسَّفَرِ، أَوْ لَا بِاخْتِيَارِهِ كَالْمَرَضِ، وَمَا لَا يُوجَدُ فِيهِ سَبَبُ الْأَمْرِ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْوَقْتِ قَضَاءً إجْمَاعًا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، كَمَا لَوْ صَلَّى الصَّبِيُّ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ فِي حَالَةِ الصِّبَا، وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَوَجَبَ كَانَ فِعْلُهُ خَارِجَ الْوَقْتِ قَضَاءً حَقِيقَةً بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ لِعَارِضٍ سُمِّيَ قَضَاءً أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ» لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ قَضَاءٌ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَسْمِيَةِ الْعِبَادَةِ قَضَاءً تَقَدَّمَ سَبَبُ وُجُوبِ أَدَائِهَا لَا وُجُوبُ أَدَائِهَا، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَةُ عِبَادَةِ الْمَجْنُونِ وَالْحَائِضِ قَضَاءً، إذْ لَمْ يُخَاطَبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَالَةَ

стр. 437

الْحَيْضِ، وَخَالَفَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، فَقَالَ: الْحَيْضُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ، وَنَسَبَهُ إلَى الْحَنَفِيَّةِ وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ فِي مَحَلِّ الْوِفَاقِ هَلْ كَانَ لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ فَيَكُونُ هَاهُنَا حَقِيقَةً لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، أَوْ لِاسْتِدْرَاكِ مَصْلَحَةِ مَا وَجَبَ فَيَكُونُ هَاهُنَا مَجَازًا لِعَدَمِ الْوُجُوبِ؟ وَذَكَرَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ: أَنَّ مَأْخَذَ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَضَاءَ هَلْ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؟ فَمَنْ أَوْجَبَهُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ أَطْلَقَ اسْمَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعَلَى مُقَابِلِهِ يَكُونُ مَجَازًا، ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِاشْتِرَاطِ سَبْقِ الْوُجُوبِ فِي الْقَضَاءِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْرِكِ أَوْ وُجُوبُهُ فِي الْجُمْلَةِ؟ قَوْلَانِ. وَيَتَحَصَّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ فِعْلَهُمْ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي قَضَاءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقَضَاءِ سَبْقُ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا سَبْقُ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ بِسَبَبِهِ، وَفِعْلُهُمْ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي قَضَاءٌ. قُلْنَا: لَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَاجِبَانِ عَلَيْهِمْ بِأَسْبَابِهِمَا لَمَا جَازَ لَهُمْ تَرْكُهُمَا لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُهُمَا إجْمَاعًا. قَالُوا: شُهُودُ الشَّهْرِ مُوجِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهُمْ قَدْ شَهِدُوا الشَّهْرَ.

стр. 438

قُلْنَا: شُهُودُ الشَّهْرِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبًا لِلصَّوْمِ عَلَيْهِمْ لَكِنَّ الْعُذْرَ مَانِعٌ مِنْ الْوُجُوبِ، وَالشَّيْءُ قَدْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُوجِبِهِ لِمَانِعٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ شُهُودِ الشَّهْرِ وُجُوبُ الصَّوْمِ عَلَيْهِمْ. قَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": فَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ اسْمُ الْقَضَاءِ إنَّمَا جَاءَ لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ الْوُجُوبِ مُنْفَكًّا عَنْ الْوُجُوبِ، لَا لِأَنَّهُ وَجَدَ سَبَبَ الْوُجُوبِ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ التَّرْكِ جُزْءُ مَاهِيَةِ الْوُجُوبِ، فَيَسْتَحِيلُ تَحَقُّقُ الْوُجُوبِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ. ثُمَّ تَقَدُّمُ السَّبَبِ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّأْثِيمِ بِالتَّرْكِ كَالْقَاتِلِ الْمُتَعَمِّدِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْ الْفِعْلِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالْحَائِضِ، ثُمَّ قَدْ يَصِحُّ مَعَ الْإِجْزَاءِ وَقَدْ لَا يَصِحُّ إمَّا شَرْعًا كَالْحَيْضِ أَوْ عَقْلًا كَالنَّوْمِ، ثُمَّ قِيلَ: الْقَضَاءُ لَا يُوصَفُ إلَّا بِالْوَاجِبِ، وَقِيلَ: لَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ غَيْرَهُ وَهُمَا فَاسِدَانِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُوصَفُ بِالثَّلَاثَةِ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: يَقْضِي الرَّوَاتِبَ عَلَى الْأَظْهَرِ. تَنْبِيهٌ [لَا فَرْقَ بَيْنَ تَسْمِيَةِ الْقَضَاءِ أَدَاءً وَبِالْعَكْسِ] مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ رَاجِعٌ إلَى التَّلْقِيبِ وَالِاصْطِلَاحِ، وَإِلَّا فَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَمَّى الْقَضَاءُ أَدَاءً وَالْأَدَاءُ قَضَاءً، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْقَدَ الْقَضَاءُ بِنِيَّةِ الْأَدَاءِ، فَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هِيَ أَلْفَاظٌ وَأَلْقَابٌ تُطْلَقُ وَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " ذَيَّلَ الْكَلَامَ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ هَلْ يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ؟ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ.

стр. 439

[فَرْعٌ تَأْخِيرُ الْمَأْمُورِ بِهِ هَلْ يَكُونُ قَضَاءً] إذَا قُلْنَا بِالْفَوْرِ فِي الْأَوَامِرِ فَإِذَا أَخَّرَ الْمَأْمُورَ بِهِ، فَهَلْ يَكُونُ قَضَاءً لِأَنَّهُ أَوْقَعَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا؟ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي أَمَالِيهِ ": الْوَقْتُ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَقْتٌ يُسْتَفَادُ مِنْ الصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَأْمُورِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ الشَّرْعِ حَدَّ لِلْعِبَادَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَوْ لَمْ يَحُدَّ، وَوَقْتٌ يَحُدُّهُ الشَّرْعُ لِلْعِبَادَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ اللَّفْظِ اقْتَضَاهُ أَوْ لَا. وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ فِي حَدِّ الْقَضَاءِ هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ، فَتَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا تَكُونُ قَضَاءً بَلْ إنَّمَا تَكُونُ إنْ خَرَجَتْ عَنْ وَقْتِهَا الْمَضْرُوبِ لَهَا لَا أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ الْوَقْتِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ. [فَائِدَةٌ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَقَعُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَتَكُونُ أَدَاءً] لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ تَقَعُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَتَكُونُ أَدَاءً غَيْرَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إذَا عَجَّلَهَا قَبْلَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَلَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ يَتَوَقَّفُ قَضَاؤُهَا إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ: إحْدَاهُمَا: إذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَيَكُونُ أَدَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَضَاءً، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيمَا عَدَا أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

стр. 440

الثَّانِيَةُ: النَّوَافِلُ الْمُؤَقَّتَةُ فِيهَا قَوْلٌ أَنَّهَا لَا تُقْضَى إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى. [مَسْأَلَةٌ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْبَقَاءِ] وَإِذَا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِالتَّعْيِينِ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ فِي الْوَقْتِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْبَقَاءِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَصَى، فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَبَقِيَ بَعْدَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ أَدَاءٌ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ خَطَأَ ظَنِّهِ، وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْقَاضِيَانِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ: قَضَاءٌ، لِأَنَّهُ تَضَيَّقَ بِتَأْخِيرِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ زَمَنِهِ الْمَحْدُودِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: النَّظَرُ إلَى الْحَالِ أَوْ الْمَآلِ؟ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْحَالِ فَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ إلَى الْمَآلِ فَقَدْ زَالَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَانْكَشَفَ خِلَافُ ذَلِكَ، فَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى التَّوَسُّعِ، وَرَجَّحَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: إنَّ اعْتِبَارَ الْمَوْجُودِ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ اعْتِبَارِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ اُعْتُبِرَ غَيْرَ مُحَقَّقٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ بَعْدَ الْوَقْتِ: وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً أَوْ أَدَاءً أَصَحُّهُمَا، قَضَاءٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ اعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ أَرَادَ الْقَاضِي وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ فَبَعِيدٌ، لِوُقُوعِهَا فِي الْوَقْتِ، وَيَلْزَمُهُ لَوْ اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنَّهُ يُعْصَى بِالتَّأْخِيرِ وَقَدْ يَلْتَزِمُهُمَا.

стр. 441

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ بَاقٍ حَتَّى يَكُونَ إيجَابُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بَعِيدًا، بَلْ وَقْتُ الْأَدَاءِ خَرَجَ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ فَإِذَا كَذَّبَ ظَنَّهُ، وَاسْتَمَرَّتْ حَيَاتُهُ صَارَ كَمَا لَوْ مَاتَ، ثُمَّ عَاشَ فِي الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ الصَّلَاةَ بِتَكْلِيفٍ ثَانٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ الْأَوَّلِ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْوِي الْقَضَاءَ، لِأَنَّهُ يَقْضِي مَا الْتَزَمَهُ فِي الذِّمَّةِ بِشُرُوعِهِ قَالَ: وَعَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ نِيَّةِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي: أَنَّهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ الَّذِي ظَنَّهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، لِعُدُولِهِ عَمَّا ظَنَّهُ الْحَقَّ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتْبَعُ الظُّنُونَ لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَصَرَّحَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْقَاضِي بِأَنَّ مَعْنَاهُ وُجُوبُ نِيَّةِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ وَقْتُهُ شَرْعًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ مُقَدَّرًا بِأَصْلِ الطَّلَبِ. قَالَ: وَكَلَامُ الْقَاضِي ظَاهِرٌ لَوْلَا أَنَّهُ يُقَالُ عَلَى مَنْ لَزِمَهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ فَأَخَّرَهُ: قَاضِي الْقَضَاءِ. وَرَدَّ الْآمِدِيُّ طَرِيقَةَ الْقَاضِي بِأَنَّ جَمِيعَ الْوَقْتِ كَانَ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ قَبْلَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ تَضَيُّقَهُ بِالْمَوْتِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، ثُمَّ ظَنُّ الْمُكَلَّفِ الْمَذْكُورُ إنَّمَا أَثَّرَ فِي تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْثِيمِهِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ بَقَاءُ الْوَقْتِ الْأَصْلِيِّ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ، فَإِنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيِّ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ وَافَقَ الْقَاضِي عَلَى ذَلِكَ. قِيلَ: وَخَرَجَ عَنْ هَذَا مَنْزَعٌ صَعْبٌ عَلَى الْقَاضِي: وَهُوَ أَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَالْإِثْمَ عَلَى التَّأْخِيرِ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ، وَظَنُّ الْمُكَلَّفِ إنَّمَا يُنَاسِبُ تَأْثِيرَهُ فِي الْأُمُورِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَتُقْلَبُ حَقَائِقُهَا، لِأَنَّهَا

стр. 442

أُمُورٌ تَقْدِيرِيَّةٌ أَوْ تَقْرِيبِيَّةٌ كَالْإِثْمِ وَالثَّوَابِ جَازَ أَنْ يَتْبَعَ الظُّنُونَ وَالِاعْتِقَادَاتِ أَمَّا الْأُمُورُ الْوَضْعِيَّةُ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَلَا يَقْوَى الْمُكَلَّفُ عَلَى قَلْبِ حَقَائِقِهَا. تَنْبِيهٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا مَضَى مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى حِينِ الْفِعْلِ زَمَنٌ يَسَعُ الْفَرْضَ حَتَّى يَتَّجِهَ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفَعَلَهُ، فَلْيَكُنْ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى ظَنِّ هَذَا الْمُكَلَّفِ صَارَ وَقْتُ الْأَدَاءِ الْأَصْلِيُّ وَقْتَ قَضَاءٍ فِي حَقِّهِ هُوَ قَلْبًا لِحَقِيقَةِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ. وَأَمَّا الصُّوَرُ الَّتِي قَاسَ عَلَيْهَا الْآمِدِيُّ وَهِيَ تَأْخِيرُ الْمُوَسَّعِ بِدُونِ الْعَزْمِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ بِحُصُولِ الظَّنِّ الْمُنَاسِبِ لِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَيْهِ فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي، وَالظَّنُّ وُجُودِيٌّ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْآمِدِيَّ فَإِنَّهُ قَدْ عَصَى مَعْصِيَةً عَدَمِيَّةً، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهَا فَلَا يَقْوَى عَلَى مُنَاسَبَةِ تَغْيِيرِ أَمْرٍ وَضْعِيٍّ. فَرْعٌ لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَتَى بِهَا فِي الْوَقْتِ. قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: يَكُونُ قَضَاءً، لِأَنَّ بِالشُّرُوعِ يَضِيقُ الْوَقْتُ بِدَلِيلِ امْتِنَاعِ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهَا بَعْدَهُ إلَّا قَضَاءً، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِيمَا سَبَقَ. وَذَكَرَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّ فِي نَصِّ الْأُمِّ إشَارَةً إلَيْهِ حَيْثُ مَنَعَ الْخُرُوجَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ فَقَالَ: فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا بِلَا عُذْرٍ كَانَ مُفْسِدًا آثِمًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ

стр. 443

أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يَنْسَلِبُ عَنْهَا اسْمُ الْأَدَاءِ، لِبَقَاءِ الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ شَرْعًا، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبُ التَّنْبِيهِ " فِي اللُّمَعِ " فَقَالَ: فَأَمَّا إذَا دَخَلَ فِيهَا فَأَفْسَدَهَا نَسِيَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِهَا فَأَعَادَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ سُمِّيَ إعَادَةً وَأَدَاءً. انْتَهَى. وَأَشَارَ فِي شَرْحِهَا إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَهُوَ حَقٌّ، وَبِهِ يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَأَتْبَاعِهِ دَعْوَاهُمْ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِمْ بِالْقَضَاءِ فِي مُقِيمٍ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا، ثُمَّ سَافَرَ لَا يَقْصُرُ، أَوْ مُسَافِرٌ أَتَمَّ وَاقْتَدَى بِمُقِيمٍ، ثُمَّ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لَا يَقْضِي إلَّا تَمَامًا بِنَاءً عَلَى مَنْعِ قَصْرِ الْفَوَائِتِ، بَلْ الْجَارِي عَلَى وَفْقِ الْفِقْهِ الْقَصْرُ وَاسْتِئْنَافُ الْجُمُعَةِ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ فِيهَا مَا بَقِيَ الْوَقْتُ. نَعَمْ. نَقَلَ فِي الشَّامِلِ " عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ: إنْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، لِأَنَّهُ عَقَدَهَا أَرْبَعًا، فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِيهَا فَقَدْ قَصَدَ إفْسَادَهَا، وَظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ أَنَّهَا تَصِيرُ قَضَاءً بِإِفْسَادِهَا فِي الْوَقْتِ، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: إذَا أَحْرَمَ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا تَامَّةً، لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَلْزَمُ بِالدُّخُولِ فِيهَا إذَا أَفْسَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَزِمَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ، كَالْحَجِّ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. تَنْبِيهٌ لَا يَجِيءُ هَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ وَقْتُ الْقَضَاءِ مُوَسَّعًا كَالْمَتْرُوكِ

стр. 444

بِعُذْرٍ فَإِذَا شَرَعَ فِي قَضَائِهِ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَا يُقْضَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [التَّكْلِيفُ] ُ لُغَةً: مِنْ الْكُلْفَةِ بِمَعْنَى الْمَشَقَّةِ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ: قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ أُصُولِ الْفِقْهِ ": حَدَّهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ إرَادَةُ الْمُكَلِّفِ مِنْ الْمُكَلَّفِ فِعْلَ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ. اهـ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ": الْأَمْرُ بِطَاعَةٍ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَعْصِيَةٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ التَّكْلِيفُ مَقْرُونًا بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَكَانَ مَا تَخَلَّلَ كِتَابَهُ مِنْ الْقِصَصِ عِظَةً وَاعْتِبَارًا تَقْوَى مَعَهَا الرَّغْبَةُ وَيَزْدَادُ بِهَا الرَّهْبَةُ. وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ الْأَمْرُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ: أَوْ النَّهْيُ عَمَّا فِي الِامْتِنَاعِ عَنْهُ كُلْفَةٌ، وَعَدَّ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ مِنْ التَّكْلِيفِ.

стр. 445

وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ إلْزَامٌ فِيهِ كُلْفَةٌ ، وَعَلَى هَذَا فَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ لَا كُلْفَةَ فِيهِمَا، لِأَنَّهَا تُنَافِي التَّخْيِيرَ. قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ عِبَارَةٌ عَمَّا خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، وَالنَّدْبُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ مُثَابٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ التَّسَاوِي، وَمَا نَقَلْنَا عَنْ الْقَاضِي تَبِعَنَا فِيهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي: أَنَّهُ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ كَمَقَالَةِ الْإِمَامِ فَلْيُنْظَرْ، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ. وَزَعَمَ الْإِمَامُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْحَظْرَ وَالْوُجُوبَ قَطْعًا، وَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِبَاحَةَ قَطْعًا إلَّا عِنْدَ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَفِي تَنَاوُلِهِ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ خِلَافٌ وَسَلَكَتْ الْحَنَفِيَّةُ مَسْلَكًا آخَرَ فَقَالُوا: التَّكْلِيفُ يَنْقَسِمُ إلَى وُجُوبِ أَدَاءً، وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ بِالْفِعْلِ إيجَادًا أَوْ إعْدَامًا، وَإِلَى وُجُوبٍ فِي الذِّمَّةِ سَابِقٍ عَلَيْهِ، وَعَنَوْا بِهِ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ صَاحِبُ الذِّمَّةِ لِلْإِلْزَامِ، كَالصَّبِيِّ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَشْتَغِلُ بِالْعِوَضِ، ثُمَّ إنَّمَا يَجِبُ الْأَدَاءُ عَلَى الْوَلِيِّ. وَزَعَمُوا اسْتِدْعَاءَ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ عَقْلًا وَفَهْمًا لِلْخِطَابِ بِخِلَافِ الثَّانِي: قَالُوا: الْأَوَّلُ مُتَلَقًّى مِنْ الْخِطَابِ، وَالثَّانِي مِنْ الْأَسْبَابِ فَمُسْتَغْرِقُ الْوَقْتِ

стр. 446

بِالنَّوْمِ يَقْضِي الصَّلَاةَ مَعَ ارْتِفَاعِ قَلَمِ التَّكْلِيفِ عَنْ النَّائِمِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوُجُوبُ مُضَافًا إلَى أَسْبَابٍ شَرْعِيَّةٍ دُونَ الْخِطَابِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِذَلِكَ. وَزَعَمُوا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْوَقْتُ، وَالصَّوْمِ الشَّهْرُ، وَتَسَلَّقُوا بِهِ إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، إذْ الْوُجُوبُ بِالسَّبَبِ وَهُوَ الشَّهْرُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَعِنْدَنَا لَا وُجُوبَ إلَّا بِالْخِطَابِ لَا بِالْأَسْبَابِ. [مَسْأَلَةٌ التَّكْلِيفُ حَسَنٌ فِي الْعُقُولِ] التَّكْلِيفُ حَسَنٌ فِي الْعُقُولِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى مَنْ عُلِمَتْ طَاعَتُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي حُسْنِهِ إذَا تَوَجَّهَ إلَى مَنْ عُرِفَتْ مَعْصِيَتُهُ، فَاسْتَحْسَنَهُ الْمُعْتَزِلَةُ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلثَّوَابِ، وَلَمْ يَسْتَحْسِنْهُ الْأَشْعَرِيَّةُ، لِأَنَّهُ بِالْمَعْصِيَةِ مُعَرَّضٌ لِلْعِقَابِ. كَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ دَلَائِلِ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ". قَالَ: وَالْأَوَّلُ: أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ: وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُمْ فِيهِ قَوْلًا. [مَسْأَلَةٌ التَّكْلِيفُ هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِالْأَصْلَحِ] اُخْتُلِفَ فِي التَّكْلِيفِ هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا بِالْأَصْلَحِ؟

стр. 447

فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْأَصْلَحِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ مَنْفَعَةُ الْعِبَادِ. وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ وَجَمْعٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ مَصْلَحَةٍ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِجَمِيعِهَا، فَمَنْ اعْتَبَرَ بِالْأَصْلَحِ مَنَعَ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَبِهِ يَصِحُّ تَكْلِيفُ مَا لَحِقَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةُ الْمُحْتَمَلَةُ. وَاخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، فَجَوَّزَهَا الْفُقَهَاءُ، وَمَنَعَ مِنْهَا بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقَدْ وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ. قَالَ الْقَاضِي: وَمُتَعَلَّقُ التَّكْلِيفِ اكْتِسَابُ الْعَبْدِ الْأَفْعَالَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذَوَاتِهَا وَلَا بِحُدُوثِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ. التَّكْلِيفُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِيجَادِ وَالْإِحْدَاثِ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ خَلْقُ الْأَفْعَالِ عِنْدَهُمْ. وَلَا يُعْقَلُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِاجْتِمَاعِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: التَّكْلِيفُ وَهُوَ الْمَصْدَرُ، وَالْمُكَلَّفُ وَهُوَ مَنْ يَقُومُ بِهِ التَّكْلِيفُ، وَأَصْلُهُ طَالِبٌ مُلْزِمٌ، لَكِنْ قَدْ حَقَّقْنَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا طَاعَةَ اللَّهِ، وَطَاعَةَ مَنْ أَوْجَبَ طَاعَتَهُ الْمُكَلَّفُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَدْعَى مِنْهُ الْفِعْلَ، وَالْمُكَلَّفُ بِهِ هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنَّمَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ، أَوْ الْمَفْعُولِ مِنْ الْمَصَادِرِ، فَلِهَذَا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى

стр. 448

التَّكْلِيفِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ مَعْرِفَةُ الطَّائِعِ لِيُثَابَ وَالْعَاصِي لِيُعَاقَبَ، فَلِهَذَا اُشْتُرِطَ لِهَذَا شُرُوطٌ بَعْضُهَا فِي الْمُكَلَّفِ ، وَبَعْضُهَا فِي الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُكَلَّفِ وَالتَّكْلِيفِ قَدْ عُرِفَا فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى الْأَخِيرَيْنِ. [الْمُكَلَّفُ] الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُكَلَّفُ وَهُوَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: الْحَيَاةُ: فَالْمَيِّتُ لَا يُكَلَّفُ وَإِنْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ الْمُحَالِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجَسٍ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ مَاتَتْ الْمُعْتَدَّةُ الْمُحْرِمَةُ جَازَ تَطْيِيبُهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْخِطَابَ سَقَطَ بِالْمَوْتِ. نَعَمْ قَدْ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّكْلِيفِ، وَلِهَذَا يُمْتَنَعُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ بِالْحَرِيرِ، وَكَذَا بِالزَّعْفَرَانِ وَالْمُعَصْفَرِ إنْ مَنَعْنَاهُ فِي الْحَيَاةِ كَمَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمُ إذَا مَاتَ يَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ، وَإِزَالَةُ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ. وَعَلَّلَهُ الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْحَجَّ أَلْزَمُ الْعُقُودِ فَبَقِيَ حُكْمُهُ كَمَا يَبْقَى حُكْمُ الْإِسْلَامِ. وَلَوْ مَاتَ الْمُحْرِمُ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْحَلْقُ فَإِذَا حَلَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَفِي وُقُوعِهِ الْمَوْقِعَ نَظَرٌ لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا.

стр. 449

[فَرْعٌ تَكْلِيفُ مَنْ أَحُيِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ] تَكْلِيفُ مَنْ أَحُيِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَنْ أُحْيِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَاَلَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَكَالْخَارِجِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ أُلُوفٌ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ": اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ تَكْلِيفِ مَنْ أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ: يَبْقَى، لِئَلَّا يَخْلُوَ عَاقِلٌ مِنْ تَعَبُّدٍ، وَقِيلَ: يَسْقُطُ، فَالتَّكْلِيفُ مُعْتَبَرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الِاضْطِرَارِ. اهـ.، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ ": إذَا جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ أَهْلِ الْآخِرَةِ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْآخِرَةِ الِاضْطِرَابُ إلَى الْمَعْرِفَةِ، وَبَعْدَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا تَكْلِيفَ وَأَهْلُ الصَّاعِقَةِ يَجُوزُ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَضْطَرَّهُمْ فَصَحَّ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْمُضْطَرَّةَ لَا تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَ [الْيَهُودُ] قَدْ أَبَوْا أَخْذَ الْكِتَابِ، فَرَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ، فَآمَنُوا وَقَبِلُوهُ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ هَذَا آيَةٌ مُضْطَرَّةٌ. وَقَوْلُ الرَّازِيَّ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمَعْرِفَةِ بَاقٍ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ تُؤَجَّجُ نَارٌ وَيُؤْمَرُونَ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ صُرِفَ عَنْهَا، وَهَذَا تَكْلِيفٌ.

стр. 450

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُمْ: الْآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ، وَالدُّنْيَا دَارُ تَكْلِيفٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي كُلِّ دَارٍ فِي الْآخِرَةِ الْجَزَاءُ كَمَا فِي الدُّنْيَا التَّكْلِيفُ. [الشَّرْطُ] الثَّانِي: كَوْنُهُ مِنْ الثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ فَيَخْرُجُ الْبَهَائِمُ وَالْجَمَادَاتُ. وَحَكَى الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمُعْتَمَد " عَنْ أَهْلِ التَّنَاسُخِ، أَنَّ فَرَائِضَ اللَّهِ تَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَأَنَّ جَمِيعَهَا عُقَلَاءُ مُكَلَّفُونَ لِفَرَائِض اللَّهِ. وَعَنْ الْآخَرِينَ تَكْلِيفُ الْجِبَالِ وَالْأَشْجَارِ وَالْحِيطَانِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ. وَرُدَّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ قِرَدَةً رَجَمُوا مَنْ زَنَى بَيْنَهُمْ، فَإِنْ، صَحَّ فَلَعَلَّهُ مِنْ بَقَايَا مَنْ كُلِّفَ. [الشَّرْطُ] الثَّالِثُ: الْبُلُوغُ: فَالصَّبِيُّ لَيْسَ مُكَلَّفًا أَصْلًا لِقُصُورِ فَهْمِهِ عَنْ إدْرَاكِ مَعَانِي الْخِطَابِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ ": وَمُدْرِكُ شَرْطِهِ الشَّرْعُ، وَلَوْ رَدَدْنَا إلَى الْعَقْلِ لَمْ يَسْتَحِلْ تَكْلِيفُ الْعَاقِلِ الْمُمَيِّزِ مِنْ الصِّبْيَانِ.

стр. 451

وَقَالَ فِي بَابِ الْحَجْرِ مِنْ النِّهَايَةِ ": كَأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُلْزِمْ الصَّبِيَّ قَضَايَا التَّكْلِيفِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ مِنْ مَظِنَّةِ الْغَبَاوَةِ وَضَعْفِ الْعَقْلِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِأَعْبَاءِ التَّكْلِيفِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ عَرَى عَنْ الْبَلِيَّةِ الْعُظْمَى، وَهِيَ الشَّهْوَةُ فَرَبَطَ الشَّرْعُ الْتِزَامَ التَّكْلِيفِ بِأَمَدٍ وَتَرْكِيبِ الشَّهْوَةِ، أَمَّا الْأَمَدُ فَيُشِيرُ إلَى التَّهْذِيبِ بِالتَّجَارِبِ، وَأَمَّا تَرْكِيبُ الشَّهْوَةِ فَإِنَّهُ يُعَرِّضُ لِلْبَلَايَا الْعِظَامِ، فَرَأَى الشَّرْعُ تَثْبِيتَ التَّكْلِيفِ مَعَهُ زَاجِرًا. وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ مُرَادُهُمْ وُجُوبُ الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ لَا خِطَابُ الْأَدَاءِ. وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ أَنَّ الصَّبِيَّ مُخَاطَبٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَعَلَّ مُرَادَهُ خِطَابُ الْوَضْعِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ " فِي الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَابِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ: الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يَدْخُلَانِ فِي خِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَيَدْخُلَانِ فِي خِطَابِ الْإِلْزَامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾ [النساء: ٩٢] وَقَوْلُهُ ﷺ : «فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ نَحْوَهُ.

стр. 452

وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالطُّرْطُوشِيُّ: الصَّبِيُّ لَا يَدْخُلُ فِي الْخِطَابِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ التَّكْلِيفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا بِالْإِخْبَارِ لَا وُجُوبَ لَا يُنَافِيهِ الصِّغَرُ لِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ فَيَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِمَالِهِ، وَيُخَاطَبُ بِذَلِكَ وَلِيُّهُ. وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ تَدْخُلُ فِي حَقِّ الْأَطْفَالِ مِنْ النِّسَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةُ. وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عَلَى ابْنِ الْعَشْرِ وُجُوبَ مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِهَا، إذْ لَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا وَقَالَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " قُبَيْلَ بَابِ اخْتِلَافِ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ: وَأَوْمَأَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ " إلَى أَنَّهَا تَجِبُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا عُقُوبَةَ الْبَالِغِ. وَرَأَيْت كَثِيرًا مِنْ الْمَشَايِخِ مُرْتَكِبِينَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَلَيْسَ بِمَذْهَبٍ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هَذَا قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ عَشْرًا. اهـ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّسَالَةِ " بِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ لَا يَجِبَانِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَاسْتَصْوَبَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ " قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ. قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا وَمَلُومٌ عَلَى تَرْكِهَا، وَمَا حَكَاهُ عَنْ النَّصِّ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ

стр. 453

عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ وَلِيِّهِ، لِأَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِهَا وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَاَلَّذِي يَسْتَدْعِي التَّكْلِيفَ إنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ. وَأَمَّا أَفْهَمِيَّةُ الْعِقَابِ فَهُوَ الضَّرْبُ عَلَى تَرْكِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوُجُوبِ. أَمَّا الْإِيجَابُ وَدُخُولُهُ فِي خِطَابِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ السُّبْكِيُّ أَنَّ الصَّبِيَّ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فَإِنَّ الْخِطَابَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّاسِ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَبِيٍّ «يَا بُنَيَّ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيك» قَالَ: وَعَدُّ الْأُصُولِيِّينَ ذَلِكَ فِي أَمْرِ التَّأْدِيبِ لَا يَضُرُّنَا. قَالَ: وَالصَّبِيُّ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ أَمْرَ إيجَابٍ، وَالْمُرَادُ بِالْإِيجَابِ الْأَمْرُ الْجَازِمُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الصَّبِيِّ لَكِنَّ الْوُجُوبَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ إنْ لَمْ يَكُنْ مُمَيِّزًا بِالْأَدِلَّةِ. عَلَى أَنَّ الْفَهْمَ شَرْطُ التَّكْلِيفِ، وَلِرَفْعِ الْقَلَمِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا. وَإِذَا فَسَّرْنَا الْإِيجَابَ بِالْأَمْرِ الْجَازِمِ لَمْ يُمْتَنَعْ تَخَلُّفُ الْوُجُوبِ لِمَعْنَى التَّكْلِيفِ عَنْ الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْجَزْمِ، وَلَا نَعْنِي بِالْجَازِمِ الْمَنْعَ مِنْ هَذِهِ إنَّمَا الْجَزْمُ صِفَةٌ لِلطَّلَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُتْبَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَرُتْبَةُ الْفَرْضِ هِيَ

стр. 454

الْعُلْيَا، لِأَنَّهُ لَا رُخْصَةَ فِيهَا، وَالْمَنْدُوبُ فِيهِ رُخْصَةٌ مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَةِ الْوَاجِبِ، وَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَالِغِ وَالصَّبِيِّ: وَالشَّخْصُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أُمُورٌ إنْ وُجِدَتْ تَرَتَّبَ مُقْتَضَاهُ كَالْوُجُوبِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْإِيجَابِ وَإِلَّا فَلَا. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَسْتَبْعِدْهُ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ الَّذِي اقْتَضَتْ رُخْصَةُ اللَّهِ رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْهُ. انْتَهَى. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ " فِي بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ: وَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ بَعْضَ الْفَرْضِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَذَكَرَ الْعِدَّةَ وَذَكَرَ مَا يَلْزَمُهُ فِيمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ أَمْتِعَةِ النَّاسِ. قَالَ: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ الْمَأْثَمَ فَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا. أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيًّا هُوَ أَعْلَمُ بِمَعْنَى مَا رَوَى؟ كَانَ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى الصِّغَارِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَإِنَّمَا نَسَبَ هَذَا الْكَلَامَ إلَى عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ عَنْهُ يَصِحُّ، وَقَدْ رَفَعَهُ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، وَوَقَفَهُ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ. اهـ. وَسَلَكَ الْقَفَّالُ طَرِيقًا آخَرَ فِي الْإِيجَابِ، فَقَالَ: إنَّ الصَّبِيَّ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ أَمْرَ إيجَابٍ، لِأَنَّهُ آكَدُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِهَا.

стр. 455

قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْأَسْرَارِ ": فَقُلْت لَهُ: لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ. قَالَ: أَمَرَ الْأَوْلِيَاءَ لِيَأْمُرُوهُ فَهُوَ كَأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى النَّبِيَّ ﷺ ، فِيمَا يَلْزَمُ أُمَّتَهُ. وَفِيمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ الْوَلِيُّ، وَفِي أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ بِالضَّرْبِ عِنْدَ تَرْكِ الصَّلَاةِ مَا يُصَرِّحُ بِنَفْيِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ، إذْ لَوْ كَانُوا مُكَلَّفِينَ لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْوَلِيِّ كَمَا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَرْبُ اسْتِصْلَاحٍ كَالْبَهِيمَةِ. وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: أَنَّهُ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ الصَّبِيُّ مُكَلَّفًا، وَهُوَ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُولَدَ لَهُ، ثُمَّ اُعْتُبِرَ الْبُلُوغُ بِالسِّنِّ، وَحَمَلَا عَلَيْهِ حَدِيثَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ الصَّبِيِّ» فَإِنَّ الرَّفْعَ يَقْتَضِي الْوَضْعَ. وَاخْتُلِفَ فِي الْبُلُوغِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ عَقْلِيٌّ لِلتَّكْلِيفِ، لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَظِنَّةُ الْعِبَادَةِ أَوْ شَرْعِيٌّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. تَنْبِيهَانِ التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ: لَا يُخَاطَبُ الصَّبِيُّ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الصَّبِيِّ فَلَا يُخَاطَبُ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ،

стр. 456

وَهَلْ انْتِفَاءُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ كَمَا قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَخْفِيفًا عَنْهُ؟ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُنْبِي مَا سَبَقَ فِي مَعْنَى رَفْعِ الْقَلَمِ. وَهَلْ يُخَاطَبُ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالنَّدْبِ، وَلِهَذَا جَعَلُوا لَهُ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: إذَا عَلَّقْنَا التَّكْلِيفَ بِالْبُلُوغِ، فَهَلْ يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ التَّعْرِيفُ وَالْقَبُولُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ " فَهْمِ السُّنَنِ ". قَالَ: وَقَوْلُنَا: إنَّهُ يَصِيرُ مُكَلَّفًا فِي الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَانِعٌ، فَإِذَا انْقَضَى وَقْتُ أَدَائِهِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ. [الشَّرْطُ] الرَّابِعُ: الْعَقْلُ فَالْمَجْنُونُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ إجْمَاعًا، وَيَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْ الْقَائِلِينَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ جَوَازُ تَكْلِيفِهِ كَالْغَافِلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِوُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْمَجْنُونِ. نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَضَعَّفَهَا مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ، كَمَنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا.

стр. 457

قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمَجْنُونُ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْإِفَاقَةِ كَمَا يُوَجَّهُ عَلَى الْمَعْدُومِ بِشَرْطِ الْوُجُودِ، وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الصَّبِيِّ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الْجُنُونُ الطَّارِئُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ الْمُقَارِنِ لَهُ. نَعَمْ طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى الْكَافِرِ لَا يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَلِهَذَا لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمُسْلِمِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَمِقْدَارُ الْعَقْلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ وَيَسْتَشْهِدَ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ بِاضْطِرَارٍ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ كَانَ عَاقِلًا، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ مُتَفَاوِتِينَ فِي تَكَامُلِ الْعُقُولِ كُلِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ عَقْلُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجَازِي كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ» وَانْظُرْ إلَى قَوْلِ عُمَرَ لِرَجُلٍ عَيِيٍّ. أَشْهَدُ أَنَّ خَالِقَك وَخَالِقَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَاحِدٌ.

стр. 458

وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ": جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ: " عَلِّمُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ "؟ أَيْ لَا تَنْبُوَا الْأَفْهَامُ عَنْهُ، فَيُكَذَّبُونَ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: إنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى الْعَقْلِ. [الشَّرْطُ] الْخَامِسُ: الْفَهْمُ وَالْمَعْنَى فِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ ": إنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ وَالِامْتِثَالُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ فَيُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي لِمُضَادَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْفَهْمَ، فَيَنْتَفِي شَرْطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ ، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . وَأَمَّا إيجَابُ الْعِبَادَةِ عَلَى النَّائِمِ وَالْغَافِلِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّائِمُ يَضْمَنُ مَا يُتْلِفُهُ فِي نَوْمِهِ؟ قُلْنَا: الْخِطَابُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ حَالَةَ النَّوْمِ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ شَيْئًا ضَمِنَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ. وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي الْأَسْرَارِ ": النَّهْيُ لَا يُلَاقِي السَّاهِيَ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ

стр. 459

التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَكَفَّارَةِ الْخَطَأِ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحْظُورٌ عَقْدُهُ إلَّا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ السَّاهِيَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ لَا يُنَافِيهِ تَحْنِيثُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي الْيَمِينِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ تَحْنِيثَهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بَلْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهَذَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ كَالصَّبِيِّ. وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ ": مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالنَّوْمِ وَطَبَقَ الْوَقْتَ، فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ. وَصَارَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى تَكْلِيفِ النَّائِمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ عَنَوْا بِهِ ضَمَانَ الْمُتْلِفَاتِ وَنَحْوُهُ فَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ إجْمَاعًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَوْجَبْتُمْ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: لِلْأَمْرِ الْجَدِيدِ قَالَ: وَالْحُكْمُ فِي السَّاهِي وَالْجَاهِلِ كَالنَّائِمِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُنَازَعُ فِيهِ.

стр. 460

وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ هَلْ يُخَاطَبُونَ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ كَافَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ، وَنَقَلَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْخِطَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثُبُوتُ الْفِعْلِ فِي الذِّمَّةِ وَلَمَّا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْمُتَكَلِّمُونَ هَذَا مَنَعُوهُ. اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنِسْيَانُ الْأَحْكَامِ بِسَبَبِ قُوَّةِ الشَّهَوَاتِ لَا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، كَمَنْ رَأَى امْرَأَةً جَمِيلَةً، وَهُوَ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلَيْهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا غَافِلًا عَنْ تَحْرِيمِ النَّظَرِ. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَا يَقَعُ الْأَمْرُ فِيهِ وَلَا النَّهْيُ عَنْهُ، لِامْتِنَاعِ الْأَمْرِ بِمَا لَا يُهَيَّأُ قَصْدٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ تَرْكَهُ لَمْ يَكُنْ نَاسِيًا لَهُ، وَالْمُرْتَفِعُ إنَّمَا هُوَ الْإِثْمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ ﷺ ، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَكُلُّ مَا أَخْطَأْت بَيْنَك وَبَيْنَ رَبِّك فَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ فَيَضْمَنُهُ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَغَيْرُهُ. [فُرُوعٌ الِانْشِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ بِلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ] الِانْشِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ بِلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ لَوْ شَغَلَهُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَثُرَ وَتَكَرَّرَ فَسَقَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
следующие страницы →