← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَهَلْ انْتِفَاءُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْحُكْمِ كَمَا قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَخْفِيفًا عَنْهُ؟ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ يُنْبِي مَا سَبَقَ فِي مَعْنَى رَفْعِ الْقَلَمِ. وَهَلْ يُخَاطَبُ بِالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ؟ الْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالُوا: إنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بِالنَّدْبِ، وَلِهَذَا جَعَلُوا لَهُ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: إذَا عَلَّقْنَا التَّكْلِيفَ بِالْبُلُوغِ، فَهَلْ يَصِيرُ مُكَلَّفًا بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ التَّعْرِيفُ وَالْقَبُولُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فِي كِتَابِ " فَهْمِ السُّنَنِ ". قَالَ: وَقَوْلُنَا: إنَّهُ يَصِيرُ مُكَلَّفًا فِي الْوَقْتِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَانِعٌ، فَإِذَا انْقَضَى وَقْتُ أَدَائِهِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِهِ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ بِهِ. [الشَّرْطُ] الرَّابِعُ: الْعَقْلُ فَالْمَجْنُونُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ إجْمَاعًا، وَيَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْقِلُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَلَا يَبْعُدُ مِنْ الْقَائِلِينَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ جَوَازُ تَكْلِيفِهِ كَالْغَافِلِ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِوُجُوبِ قَضَاءِ الصَّوْمِ عَلَى الْمَجْنُونِ. نَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَضَعَّفَهَا مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ الْمَجْنُونِ الْمُطْبِقِ، كَمَنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا.

стр. 457

قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي الْمُرْشِدِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الْمَجْنُونُ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْإِفَاقَةِ كَمَا يُوَجَّهُ عَلَى الْمَعْدُومِ بِشَرْطِ الْوُجُودِ، وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الصَّبِيِّ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا الْجُنُونُ الطَّارِئُ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ الْمُقَارِنِ لَهُ. نَعَمْ طُرُوءُ الْجُنُونِ عَلَى الْكَافِرِ لَا يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَلِهَذَا لَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ الْمَجْنُونِ الْمُسْلِمِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَمِقْدَارُ الْعَقْلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّكْلِيفِ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْمَضَارِّ وَالْمَنَافِعِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ وَيَسْتَشْهِدَ عَلَى مَا لَمْ يُعْلَمْ بِاضْطِرَارٍ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ كَانَ عَاقِلًا، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ مُتَفَاوِتِينَ فِي تَكَامُلِ الْعُقُولِ كُلِّفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ عَقْلُهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجَازِي كُلَّ إنْسَانٍ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ» وَانْظُرْ إلَى قَوْلِ عُمَرَ لِرَجُلٍ عَيِيٍّ. أَشْهَدُ أَنَّ خَالِقَك وَخَالِقَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَاحِدٌ.

стр. 458

وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ ": جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ: " عَلِّمُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ "؟ أَيْ لَا تَنْبُوَا الْأَفْهَامُ عَنْهُ، فَيُكَذَّبُونَ لِذَلِكَ. وَقِيلَ: إنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى الْعَقْلِ. [الشَّرْطُ] الْخَامِسُ: الْفَهْمُ وَالْمَعْنَى فِيهِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ ": إنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفِعْلِ عَلَى سَبِيلِ الْقَصْدِ وَالِامْتِثَالُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَهُوَ ضَرُورِيٌّ فَيُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ كَالنَّائِمِ وَالنَّاسِي لِمُضَادَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْفَهْمَ، فَيَنْتَفِي شَرْطُ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَلِقَوْلِهِ ﷺ ، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . وَأَمَّا إيجَابُ الْعِبَادَةِ عَلَى النَّائِمِ وَالْغَافِلِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْغَفْلَةِ، لِأَنَّ الْإِيجَابَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَالنَّائِمُ يَضْمَنُ مَا يُتْلِفُهُ فِي نَوْمِهِ؟ قُلْنَا: الْخِطَابُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ عَنْهُ حَالَةَ النَّوْمِ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ أَتْلَفَ الصَّبِيُّ شَيْئًا ضَمِنَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ. وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي الْأَسْرَارِ ": النَّهْيُ لَا يُلَاقِي السَّاهِيَ، إذْ لَا يُمْكِنُهُ

стр. 459

التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَكَفَّارَةِ الْخَطَأِ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحْظُورٌ عَقْدُهُ إلَّا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ السَّاهِيَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ لَا يُنَافِيهِ تَحْنِيثُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي الْيَمِينِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ تَحْنِيثَهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بَلْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهَذَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ كَالصَّبِيِّ. وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ ": مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِالنَّوْمِ وَطَبَقَ الْوَقْتَ، فَهُوَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ. وَصَارَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى تَكْلِيفِ النَّائِمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ عَنَوْا بِهِ ضَمَانَ الْمُتْلِفَاتِ وَنَحْوُهُ فَالْمَجْنُونُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ إجْمَاعًا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ أَوْجَبْتُمْ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: لِلْأَمْرِ الْجَدِيدِ قَالَ: وَالْحُكْمُ فِي السَّاهِي وَالْجَاهِلِ كَالنَّائِمِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَكَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ يُنَازَعُ فِيهِ.

стр. 460

وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ هَلْ يُخَاطَبُونَ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ كَافَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ، وَنَقَلَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ. قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْخِطَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ ثُبُوتُ الْفِعْلِ فِي الذِّمَّةِ وَلَمَّا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْمُتَكَلِّمُونَ هَذَا مَنَعُوهُ. اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَنِسْيَانُ الْأَحْكَامِ بِسَبَبِ قُوَّةِ الشَّهَوَاتِ لَا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ، كَمَنْ رَأَى امْرَأَةً جَمِيلَةً، وَهُوَ يَعْلَمُ تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلَيْهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا غَافِلًا عَنْ تَحْرِيمِ النَّظَرِ. وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْكِبْرِ وَالْفَخْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ. وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ لَا يَقَعُ الْأَمْرُ فِيهِ وَلَا النَّهْيُ عَنْهُ، لِامْتِنَاعِ الْأَمْرِ بِمَا لَا يُهَيَّأُ قَصْدٌ، لِأَنَّهُ لَوْ قَصَدَ تَرْكَهُ لَمْ يَكُنْ نَاسِيًا لَهُ، وَالْمُرْتَفِعُ إنَّمَا هُوَ الْإِثْمُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَالَ ﷺ ، «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَكُلُّ مَا أَخْطَأْت بَيْنَك وَبَيْنَ رَبِّك فَغَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ فَيَضْمَنُهُ، وَلِهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ وَغَيْرُهُ. [فُرُوعٌ الِانْشِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ بِلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ] الِانْشِغَالُ عَنْ الصَّلَاةِ بِلَعِبِ الشِّطْرَنْجِ لَوْ شَغَلَهُ اللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ غَافِلٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَثُرَ وَتَكَرَّرَ فَسَقَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

стр. 461

قَالَ الرَّافِعِيُّ: هَكَذَا ذَكَرُوهُ، وَفِيهِ إشْكَالٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْصِيَةِ الْغَافِلِ وَالسَّاهِي، ثُمَّ قِيَاسُهُ الطَّرْدُ فِي شُغْلِ النَّفْسِ بِسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ. قُلْت: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ نِسْيَانَ الْعِبَادَةِ لِسَبَبِ الشَّهْوَةِ لَا يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ فَلَا يَرِدُ إشْكَالُ الرَّافِعِيِّ. [تَكْلِيف السَّكْرَان] تَنْبِيهٌ [السَّكْرَانُ] السَّكْرَانُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَالْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ ": السَّكْرَانُ عِنْدَنَا غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَوَجُّهُ الْخِطَابِ عَلَى مَنْ لَا يَتَصَوَّرُ، وَلَكِنْ غُلِّظَ الْأَمْرُ فِي سُكْرِهِ رَدْعًا وَمَنْعًا، فَأُلْحِقَ بِالصَّاحِي. مِمَّنْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ مُجَلِّي فِي الذَّخَائِرِ "، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ: وَإِنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ " عَنْ أَصْحَابِنَا الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ: وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ حَالَةَ السُّكْرِ، وَمُرَادُنَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.

стр. 462

قُلْت: وَالصَّحِيحُ: أَنَّ السَّكْرَانَ الْمُعْتَدِيَ بِسُكْرِهِ مُكَلَّفٌ مَأْثُومٌ. هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ " فَقَالَ: وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ نَبِيذًا فَأَسْكَرَهُ فَطَلَّقَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَالْحُدُودُ كُلُّهَا وَالْفَرَائِضُ، وَلَا تُسْقِطُ الْمَعْصِيَةُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْمَعْصِيَةُ بِالسُّكْرِ مِنْ النَّبِيذِ عَنْهُ فَرْضًا وَلَا طَلَاقًا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَذَا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، وَالْمَرِيضُ وَالْمَجْنُونُ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ. قِيلَ: الْمَرِيضُ مَأْجُورٌ وَمُكَفَّرٌ عَنْهُ بِالْمَرَضِ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ. وَهَذَا آثِمٌ مَضْرُوبٌ عَلَى السُّكْرِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ، فَكَيْفَ يُقَاسُ مَنْ عَلَيْهِ الْعِقَابُ بِمَنْ لَهُ الثَّوَابُ؟ وَالصَّلَاةُ مَرْفُوعَةٌ عَنْ مَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا تُرْفَعُ عَنْ السَّكْرَانِ، وَكَذَلِكَ الْفَرَائِضُ مِنْ حَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. اهـ. وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَنُسِبَ مُقَابِلُهُ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَلِهَذَا صَحَّحَ الشَّافِعِيُّ تَصَرُّفَاتِهِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِقَوْلِهِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» . قَالَ: وَالسَّكْرَانُ لَيْسَ فِي مَعْنَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ". الْمَرِيضُ مَأْجُورٌ مُكَفَّرٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ الْقَلَمُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَهَذَا آثِمٌ مَضْرُوبٌ عَلَى السُّكْرِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ. اهـ. قِيلَ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَضْرُوبٌ عَلَى السُّكْرِ ": فِيهِ تَجَوُّزٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى الشُّرْبِ سَكِرَ أَمْ لَمْ يَسْكَرْ، لَكِنَّهُ يُرِيدُ عَلَى سَبَبِ السُّكْرِ.

стр. 463

وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى تَكْلِيفِهِ مَعَ إخْرَاجِ الْأُصُولِيِّينَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ مَنْ لَا يَفْهَمُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: بَلْ السَّكْرَانُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ النَّائِمِ الَّذِي يُمْكِنُهُ تَنْبِيهُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ قَوْلًا ثَالِثًا مُفَصِّلًا بَيْنَ السَّكْرَانِ وَغَيْرِهِ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، أَوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ عَلَى السَّكْرَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ عَنْ رُتْبَةِ التَّمْيِيزِ دُونَ الطَّافِحِ الْمُغْشَى عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْغَافِلِ مُطْلَقًا، فَقَدْرُهُ ﵁ يَجُلُّ عَنْ ذَلِكَ. قُلْت: وَبِالثَّانِي صَرَّحَ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَالْأَقْرَبُ احْتِمَالٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ فِي حَقِّهِ مُسْتَصْحَبٌ لَا وَاقِعٌ وُقُوعًا مُبْتَدَأً كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْخَارِجِ مِنْ الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ: إنَّهُ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ. الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْتِزَامِهِ بِقَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفَاتِ، فَقِيلَ: لَا دَلَالَةَ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي حَقِّهِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: لَمَّا كَانَ سُكْرُهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي

стр. 464

دَعْوَى السُّكْرِ لِفِسْقِهِ أَلْزَمْنَاهُ حُكْمَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَطَرَدْنَا مَا لَزِمَهُ فِي حَالِ الْيَقِظَةِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إلْزَامُنَا لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ وَلَا يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ. وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ وَقَالَ: هَذَا الْجَوَابُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ لَا يَقْتَضِي قَتْلًا وَلَا إيقَاعَ طَلَاقٍ وَلَا إلْزَامَ حَدٍّ، وَكَوْنُ الزِّنَا جُعِلَ سَبَبًا لِإِيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ. قُلْت: الطَّلَاقُ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْخِطَابَانِ، لِأَنَّهُ إمَّا مُبَاحٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ، فَيَكُونُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ هُوَ مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ سَبَبًا لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَثُبُوتُ الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ خِطَابُ وَضْعٍ فَقَطْ لَا تَكْلِيفٌ. حَقُّهُ كَمَا فِي الْإِرْثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ ": اُخْتُلِفَ فِي السَّكْرَانِ، فَقِيلَ: لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ، لِزَوَالِ عَقْلِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ طَلَاقُهُ، لِأَنَّهُ فِي الشَّرِيعَةِ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ فِي حَالِ سُكْرِهِ إذَا كَانَ زَوَالُ عَقْلِهِ بِأَمْرٍ عَصَى اللَّهَ فِيهِ، فَعُوقِبَ بِأَنْ أُلْحِقَ بِالْمُكَلَّفِينَ رَدْعًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ. قَالَ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ جَائِزٌ مُحْتَمَلٌ لِوُرُودِ الشَّرِيعَةِ بِهِمَا. اهـ. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْمُنْتَهِي إلَى مَا لَا يَعْقِلُ أَلْبَتَّةَ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ شَرْحِ الْمِفْتَاحِ "، فَقَالَ: قُلْت: وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ فِي تَصَرُّفِ السَّكْرَانِ: إنَّ السَّكْرَانَ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعْقِلُ مَا يَقُولُ: فَهَذَا مُخَاطَبٌ وَتَصِحُّ جَمِيعُ تَصَرُّفَاتِهِ،

стр. 465

وَالثَّانِي: لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، وَقَدْ زَالَ عَقْلُهُ وَذَهَبَ حِسُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَهَذَا غَيْرُ مُخَاطَبٍ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ، وَلَا حُكْمَ لِكَلَامِهِ، وَهَذَا أَدْوَنُ حَالَةً مِنْ الْمَجْنُونِ هَذَا هُوَ اخْتِيَارِي. انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهَذَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ فِي النِّهَايَةِ "، وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ إذَا انْتَهَى إلَى حَالَةِ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِإِلْحَاقِهِ بِهِمَا. قَالَ: وَأَبْعَدَ مَنْ أَجْرَاهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَحْصُولِ " الْخِلَافُ فِي الْمُلْتَجِّ أَمَّا الْمُنْتَشِي، فَمُكَلَّفٌ إجْمَاعًا. قُلْت: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُهُمْ عَنْ الْآيَةِ، وَمِمَّنْ أَطْلَقَ تَكْلِيفَ السَّكْرَانِ شَيْخَا الْمَذْهَبِ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَفَّالُ، وَنَقَلَاهُ عَنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ " وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ فِي كِتَابِ الْأَذَانِ مِنْ شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ " وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ نَقَلَ الْمَنْعَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 466

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: قَالَ أَبِي: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَجَدْت السَّكْرَانَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ عَنْهُ الْقَلَمُ، وَكَانَ أَبِي يُعْجِبُهُ هَذَا وَيَذْهَبُ إلَيْهِ. اهـ. وَأَطَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي التَّقْرِيبِ " عَدَمَ تَكْلِيفِهِ، ثُمَّ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ لَكِنْ بَعْدَ السُّكْرِ بِمَا كَانَ فِي السُّكْرِ، وَهَذَا الْكَلَامُ مَجْمَعُ مَذَاهِبِ الْفَرِيقَيْنِ. وَصَرَّحَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ " بِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ مَعَ تَقْرِيرِهِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مُؤَاخَذَتَهُ الْمُصَرِّحَةُ بِالتَّكْلِيفِ، وَهُوَ مُؤَوَّلٌ بِمَا سَبَقَ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْنَعُ تَوَجُّهَ الْخِطَابِ إلَيْهِ، أَمَّا ثُبُوتُ الْأَحْكَامِ فِي حَقِّهِ، وَتَنْفِيذُ بَعْضِ أَقْوَالِهِ فَلَا يُمْنَعُ. قَالَ: وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي تَكَالِيفِ النَّاسِي فِي اسْتِمْرَارِ نِسْيَانِهِ، إذْ لَوْ كَانَ مِمَّنْ فَهِمَ الْخِطَابَ، لَكَانَ مُتَذَكِّرًا لَا نَاسِيًا، قَالَ: وَلَعَلَّ مَنْ قَالَ بِتَكْلِيفِهِ بَنَاهُ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: الظَّاهِرُ عِنْدَنَا تَكْلِيفُ السَّكْرَانِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: التَّكْلِيفُ بِمَعْنَى إيجَابِ الْقَضَاءِ عَامٌّ فِي النَّاسِي وَالنَّائِمِ وَالسَّكْرَانِ، وَبِمَعْنَى عَدَمِ الْخِطَابِ حَاصِلٌ فِي النَّائِمِ وَالنَّاسِي. وَأَمَّا السَّكْرَانُ فَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ يُلْحَقُ بِهِمَا، وَعِنْدَنَا بِخِلَافِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ

стр. 467

أَنَّهُ مُخَاطَبٌ حَالَةَ السُّكْرِ، وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ عَبْدَانَ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَكْلِيفِ السَّكْرَانِ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَقَدْ يُدْخِلُونَهُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَمَا أَدْخَلَتْهُ طَائِفَةٌ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْإِثْمِ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْهُ حَالَ السُّكْرِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَشَاطٌ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ طَافِحًا أَوْ مُخْتَلِطًا فَمَحَلُّ نَظَرٍ. وَلَعَلَّ الْفُقَهَاءَ لَا يَرَوْنَ الْإِثْمَ، أَوْ لَعَلَّهُمْ يُرِيدُونَ الطَّافِحَ، وَالْأُصُولِيُّونَ يُرِيدُونَ الْمُخْتَلِطَ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ فِيهِمَا تَكْلِيفٌ مَعَ الْغَفْلَةِ. [الشَّرْطُ] السَّادِسُ الِاخْتِيَارُ فَيُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ، وَهُوَ مَنْ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنْ الْفِعْلِ مَعَ حُضُورِ عَقْلِهِ كَمَنْ يُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ فَهُوَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْوُقُوعِ، وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ، وَلَا هُوَ بِفَاعِلٍ لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ آلَةٌ مَحْضَةٌ كَالسِّكِّينِ فِي يَدِ الْقَاطِعِ، وَحَرَكَةٌ كَحَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ وَمِثْلُهُ الْمُضْطَرُّ. وَاتَّفَقَ أَئِمَّتُنَا عَلَى أَنَّ الْمُضْطَرَّ إلَى فِعْلٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ الَّذِي اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَوْقَ الْمُلْجَأِ، وَعِنْدَنَا مِثْلُهُ، كَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ وَأُلْقِيَ عَلَى شَخْصٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ صَرَّحُوا بِتَكْلِيفِهِ، فَقَالُوا: الْمُضْطَرُّ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْلُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَجِبُ. قَدْ يُوَجَّهُ بِأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَيُقَالُ: لَا فِعْلَ لِلْمُضْطَرِّ وَلَا اخْتِيَارَ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِيجَابُ وَيَكْتَفِي بِصُورَةِ الدَّاعِيَةِ، لَكِنْ جِهَةُ التَّكْلِيفِ فِيهِ سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي الْمُكْرَهِ. وَكَذَلِكَ يُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنْ الْفِعْلِ إلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى إيقَاعِ مَا أُكْرِهَ بِهِ، كَمَنْ قَالَ لَهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَتَوَعَّدُ: اُقْتُلْ زَيْدًا وَإِلَّا

стр. 468

قَتَلْتُك، لَا يَجِدُ مَنْدُوحَةً عَنْ قَتْلِهِ إلَّا بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْهَلَاكِ، فَإِقْدَامُهُ عَلَى قَتْلِ زَيْدٍ لَيْسَ كَوُقُوعِ الَّذِي أُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَكِنْ تَكْلِيفُهُ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ تَكْلِيفِ الْمُلْجَأِ، وَلِهَذَا أُبِيحَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَلِمَةُ الْكُفْرِ. وَأَمَّا تَأْثِيمُ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ فَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُكْرَهٌ وَأَنَّهُ قَتْلٌ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ ذُو وَجْهَيْنِ: الْإِكْرَاهُ وَلَا إثْمَ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَجِهَةُ الْإِيثَارِ وَلَا إكْرَاهَ فِيهَا، وَهَذَا لِأَنَّك قُلْت: اُقْتُلْ زَيْدًا وَإِلَّا قَتَلْتُك، فَمَعْنَاهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ زَيْدٍ، فَإِذَا آثَرَ نَفْسَهُ فَقَدْ أَثِمَ، لِأَنَّهُ اخْتِيَارٌ، وَهَذَا كَمَا قِيلَ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ: مَحَلُّ التَّخْيِيرِ لَا وُجُوبَ فِيهِ، وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ. وَهَذَا تَحْقِيقٌ حَسَنٌ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِاسْتِثْنَاءِ صُورَةِ الْقَتْلِ مِنْ قَوْلِنَا الْمُكْرَهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ إلَّا فِي صُوَرٍ إنَّمَا ذَكَرُوهُ لِضَبْطِ تِلْكَ الصُّوَرِ، لَا أَنَّهُ مُسْتَثْنًى حَقِيقَةً. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَإِنَّهُ احْتَجَّ عَلَى إسْقَاطِ قَوْلِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلِلْكُفْرِ أَحْكَامٌ، فَلَمَّا وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَقَطَتْ أَحْكَامُ الْإِكْرَاهِ عَنْ الْقَوْلِ كُلِّهِ، لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي السُّنَنِ " وَعَضَّدَهُ بِحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» .

стр. 469

وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّ الْمُكْرَهَ مُكَلَّفٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَنَقَلُوا الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ "، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي شَرْحِ اللُّمَعِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَبَنَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أَصْلِهِمْ فِي وُجُوبِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ الِامْتِثَالِ، وَكَيْفَ يُثَابُ عَلَى مَا هُوَ مُكْرَهٌ عَلَيْهِ إذْ لَا يُجِبْ دَاعِي الشَّرْعِ؟ وَإِنَّمَا يُجِيبُ دَاعِيَ الْإِكْرَاهِ؟ وَأَلْحَقُوا هَذَا بِالْأَفْعَالِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا عَادَةً كَحُصُولِ الشِّبَعِ عَنْ الْأَكْلِ وَالرِّيِّ عَنْ الشُّرْبِ، فَكَمَا يَسْتَحِيلُ التَّكْلِيفُ بِالْوَاجِبِ عَقْلًا وَعَادَةً، فَكَذَا يَسْتَحِيلُ بِفِعْلِ الْمُكْرَهِ. [الْمُكْرَهُ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ لِفَهْمِ الْخِطَابِ] وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّ الْمُكْرَهَ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ لِفَهْمِ الْخِطَابِ، وَأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا مَا فِي الْإِقْدَامِ أَوْ الِانْكِفَافِ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي تَكْلِيفِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُتَقَرِّبًا فَيَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ وَهُوَ غَيْرُ الْكَلَامِ فِي تَكْلِيفِهِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَنَعْنِي بِالْمُكْرَهِ مَنْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ فَيُحْمَلُ مَثَلًا عَلَى الصَّلَاةِ بِالْإِرْجَافِ وَالْخَوْفِ وَقَتْلِ السَّيْفِ، وَاَلَّذِي بِهِ رَعْشَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُكْرَهًا فِي رِعْدَتِهِ.

стр. 470

وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَصِحُّ تَكْلِيفُ الْمُكْرَهِ مَعَ وِفَاقِهِمْ عَلَى اقْتِدَارِهِ، وَزَادُوا عَلَيْنَا: فَقَالُوا: الْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مَعْنَى لِتَفْصِيلِ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعِهِ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ وَغَيْرِهِ، وَلَا لِمَنْ جَعَلَهُ قَوْلًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَةِ. وَكَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ ": قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: لَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ إلَّا مَعَ تَصَوُّرِ اقْتِدَارِ الْمُكْرَهِ، فَمَنْ بِهِ رَعْشَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُكْرَهًا، وَإِنَّمَا الْمُكْرَهُ الْمُخْتَارُ لِتَحْرِيكِهَا، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي تَكْلِيفِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اقْتِدَارِهِ وَاخْتِبَارِهِ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ، وَبَالَغُوا حَتَّى قَالُوا: إنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ، وَالْمُكْرَهُ الْقَادِرُ عَلَى الْفِعْلِ قَادِرٌ عَلَى ضِدِّهِ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: إذَا قَدَرَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ تَتَعَلَّقْ قُدْرَتُهُ بِتَرْكِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى تَوَجُّهِ النَّهْيِ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ عَنْ الْقَتْلِ، وَهَذَا عَيْنُ التَّكْلِيفِ. انْتَهَى. وَهَذَا يُعْلَمُ جَوَابُهُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ تَأْثِيمَ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُكْرَهًا. وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ قَدْ نَازَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، فَقَالَ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ يُنَافِي التَّكْلِيفَ. قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبًا لِأَحَدٍ وَإِنَّمَا مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْإِلْجَاءَ الَّذِي يُنَافِي اخْتِيَارَ الْعَبْدِ يُنَافِي التَّكْلِيفَ كَالْإِيمَانِ حَالَةَ الْيَأْسِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ.

стр. 471

قَالَ: وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِمَا عَدَا مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَنُقِلَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْمُكْرَهَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ، وَهَذَا خَطَأٌ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْخِطَابِ مِنْ الْمُخْتَارِ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ تَحْمِيلُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَحَالَةُ الْمُكْرَهِ أَدْخَلُ فِي أَبْوَابِ التَّكْلِيفِ وَالْمَشَاقِّ مِنْ حَالَةِ الْمُخْتَارِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الْفِعْلِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَوَاجِبُ الِانْقِيَادِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِسْلَامُ، وَمَوْعُودٌ عَلَيْهِ الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ. إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ رَأَوْا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ الْمُلْجَأَ لَيْسَ بِمُخَاطَبٍ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمُلْجَأَ وَالْمُكْرَهَ وَاحِدٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُلْجَأُ هُوَ الَّذِي لَا يُخَاطَبُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّرْكِ بَلْ يَكُونُ مَدْفُوعًا وَمَحْمُولًا بِأَبْلَغِ جِهَاتِ الْحَمْلِ. كَمَنْ شُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ رِبَاطًا وَأُلْقَى عَلَى عُنُقِ إنْسَانٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْدِفَاعُ، فَهَذَا لَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَلَهُ قَصْدٌ وَقُدْرَةٌ فَكَانَ مُكَلَّفًا. وَلِهَذَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: الْقُدْرَةُ تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، لِأَنَّهَا لَوْ صَلَحَتْ لِفِعْلٍ دُونَ فِعْلٍ صَارَ الشَّخْصُ مَدْفُوعًا إلَيْهِ وَمُلْجَأً، وَلَأَمْكَنَهُ الِامْتِنَاعُ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَصْلُحُ لِلضِّدَّيْنِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالُوا: الْإِيمَانُ حَالَةَ الْيَأْسِ لَا يَنْفَعُ وَهُوَ إيمَانُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ النَّافِعَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ: أَمَّا يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَتَصِيرُ الْمَعَارِفُ ضَرُورِيَّةً فَلَا يَنْفَعُ، لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ أُلْجِئُوا. اهـ. وَمَا قَالَهُ فِي الْمُلْجَأِ: إنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُونَ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَلْ الْأَظْهَرُ التَّفْصِيلُ. وَقَالَ فِي الْمَحْصُولِ ": إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَجَرَى عَلَيْهِ أَتْبَاعُهُ، وَقَالَ

стр. 472

الْآمِدِيُّ: إنَّهُ الْحَقُّ وَقَرَّرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَيَنْبَنِي كَلَامُ الْمُطْلِقِينَ عَلَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَرْهَانٍ: إنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يُخَالِفُونَ فِي تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مِنْ نَقْلِ الْفُحُولِ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ نَقْلُهُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ لَا يُوجَدُ فِي مَشَاهِيرِ كُتُبِهِمْ، بَلْ قَالَ الْبَزْدَوِيُّ فِي كِتَابِهِ: الْمُكْرَهُ عِنْدَنَا مُكَلَّفٌ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ مُبْتَلًى بَيْنَ فَرْضٍ وَحَظْرٍ، وَإِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ إلَخْ، وَقَدْ قَالُوا بِنُفُوذِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَعِتْقِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَسَبَقَ فِي فَصْلِ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لِلتَّكْلِيفِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمَبْسُوطِ " مِنْهُمْ فِيهِ وَنَقَلَ الْإِبْيَارِيُّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ، فَالْإِكْرَاهُ لَا يُؤَثِّرُ عِنْدَهُمْ فِي الْإِقْرَارِ وَيُؤَثِّرُ فِي الْإِنْشَاءِ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا امْتِنَاعَ تَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: الْقَوْلُ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ. وَالْأُخْرَى: وُجُوبُ الثَّوَابِ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ، عِنْدَهُمْ الْإِثَابَةُ. وَقَدْ نَقَضَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ الْقَتْلُ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الزِّنَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، فَقَدْ كُلِّفَ حَالَةَ

стр. 473

الْإِكْرَاهِ، وَلَمْ يَرْتَضِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا، وَقَالَ: إنَّ الْقَوْمَ لَا يَمْنَعُونَ مِنْ الشَّيْءِ مَعَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ فِي الْمِحْنَةِ وَاقْتِضَاءِ الثَّوَابِ، وَإِنَّمَا الَّذِي مَنَعُوهُ الِاضْطِرَارَ إلَى الْفِعْلِ مَعَ الْأَمْرِ بِهِ. [التَّكْلِيفُ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى قِسْمَيْنِ] وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ هَذَا النَّقْضُ غَيْرُ وَارِدٍ، لِأَنَّ التَّكْلِيفَ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُكَلَّفَ بِالنَّهْيِ عَمَّا أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِهِ كَمَنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَى إيقَاعِهِ، كَمَنْ تَضَيَّقَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ بِحَيْثُ لَمْ تَبْقَ فِيهِ سَعَةٌ لِغَيْرِهَا فَأَكْرَهَهُ إنْسَانٌ عَلَى فِعْلِهَا لِهَذَا هُوَ الَّذِي مَنَعَتْ الْمُعْتَزِلَةُ صِحَّةَ التَّكْلِيفِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إذَا وَافَقَ دَاعِيَةَ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةُ الشَّرْعِ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ حَيَّةٍ أَوْ كَافِرٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. أَمَّا مَا خَالَفَ دَاعِيَةَ الْإِكْرَاهِ دَاعِيَةُ الشَّرْعِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ، وَهَذَا أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ ": اخْتَلَفُوا فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُخَاطَبٌ بِهِ، فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّ الْعَزْمَ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ

стр. 474

الْجِنْسِ الْعَزْمُ وَالنِّيَّةُ، وَهِيَ الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ، وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنْ النَّاسِ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقِيلَ لَهُ صَلِّ، وَإِلَّا قُتِلْت، أَمَّا إذَا قِيلَ لَهُ: إنْ صَلَّيْت قُتِلْت، فَظَنَّ الْقَاضِي أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ، فَغَلَّطَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَقَالُوا: لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ مَأْمُورٌ بِهَا. وَإِنْ رُخِّصَ لَهُ فِي تَرْكِهَا، فَلَيْسَ التَّرْخِيصُ مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ الْمَأْثَمَ، وَهَذَا الْغَلَطُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْقَاضِي لَيْسَ بِقَوْلٍ لَهُ، وَإِنَّمَا حَكَاهُ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ " عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ. قَالُوا: لَا يُتَصَوَّرُ الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ إلَى الْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ يُتَصَوَّرُ انْكِفَافُهُ عَنْهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ، فَكَذَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ، وَبِهِ يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ، وَإِنَّمَا غَلِطَ إذَنْ مِنْ نَسَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي أَبْطَلَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْت مَا قَالُوهُ قَبْلَ أَنْ أَرَى كَلَامَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ الْفِعْلُ الَّذِي اُضْطُرَّ إلَيْهِ. تَعْرِيفُ الْمُضْطَرِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ. فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: الْمُضْطَرُّ الْمُلْجَأُ إلَى مَقْدُورِهِ لِدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَوَقَّعٍ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُقَدَّرِ الْمُلْجَأِ إلَيْهِ.

стр. 475

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: الْمُضْطَرُّ الْمَحْمُولُ عَلَى مَا عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَرٌ مِنْ مَقْدُورَاتِهِ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَضَرُّ مِنْهُ. وَزَعَمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ قَاطِبَةً أَنَّ الْمُضْطَرَّ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فِعْلٌ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ فِيهِ الْغَيْرُ فِعْلًا هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَقْدُورَاتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ فِيهِ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى مُدَافَعَةِ الْفِعْلِ، وَخَالَفَهُ ابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ. فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُلْجَأَ قَادِرٌ عَلَى مَا أُلْجِئَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فِيهِ غَيْرُهُ فِعْلًا، لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِي تَعْرِيفِهِ، فَالْمُلْجَأُ دُونَ الْمُضْطَرِّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، وَدُونَهُمَا الْمُكْرَهُ الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ مِنْ عَدَمِ اخْتِيَارِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَصَارَ كَالْآلَةِ الْمَحْضَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْمٌ، هُوَ الْمُضْطَرُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ وَأُلْقَى عَلَى شَخْصٍ فَقَتَلَهُ بِثِقَلِهِ أَوْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ فَمَاتَ وَسَقَطَ عَلَى شَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ. وَلَيْسَ كَالْمُكْرَهِ وَلَا كَالْمُضْطَرِّ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى عَدَمِ اخْتِيَارِهِ عَدَمُ إحْسَاسِهِ وَشُعُورِهِ فَأَبْعَدُ عَنْ الضَّمَانِ. وَقَدْ خَرَجَ لَنَا مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ، وَهُوَ الْحَقُّ، ثُمَّ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ وَاقِعٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ وَالْمُخْتَارُ سَوَاءً فِي الِاخْتِيَارِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ: قَالَ الْقَاضِي فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ ": الْفَرْقُ بَيْنَهَا أَنَّ الْمُخْتَارَ مُطْلَقُ

стр. 476

الدَّوَاعِي وَالْإِرَادَاتِ، وَالْمُكْرَهُ مَقْصُورُ الدَّوَاعِي وَالْإِرَادَةِ عَلَى فِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَا يَخْتَارُ غَيْرَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ صَارَتْ هَذِهِ حَالُهُ؟ قِيلَ: لِمَا يَخَافُهُ مِنْ عِظَمِ الضَّرَرِ فَهُوَ يَدْفَعُ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ بِأَدْوَنِهِمَا وَدَوَاعِيهِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَهَاهُنَا أُمُورٌ: أَحَدُهَا: هَذَا الْإِكْرَاهُ الَّذِي أَسْقَطَ الشَّارِعُ حُكْمَهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ حَقِيقَتِهِ لِيَتَحَقَّقَ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مَا لَا يُزِيلُ حَقِيقَتَهُ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، أَوْ مَا يُزِيلُهَا فَلَا يَسْقُطُ الْحُكْمُ، إذْ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَهَذَا كَمَنْ قِيلَ لَهُ: طَلِّقْ زَوْجَتَك، فَقَالَ: طَلَّقْت زَوْجَاتِي كُلَّهُنَّ، فَيَقَعُ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ لَا مُكْرَهٌ. وَقَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مَا يَتَرَدَّدُ الذِّهْنُ فِي أَنَّهُ مُزِيلٌ، لِكَوْنِهِ إكْرَاهًا أَوْ غَيْرَ مُزِيلٍ فَيَقَعُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْقُطُ أَثَرُ التَّصَرُّفِ بِهِ أَمْ لَا يَسْقُطُ؟ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: مَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ: طَلِّقْ إحْدَى زَوْجَتَيْك، وَحُمِلَ عَلَى تَعَيُّنِ إحْدَاهُمَا لَا عَلَى إبْهَامِ الطَّلَاقِ، فَإِنَّ الْمَحْمُولَ عَلَى الْإِبْهَامِ مَحْمُولٌ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي نَفْسِهِ لَا عَلَى أَحَدِ شَيْئَيْنِ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ: طَلِّقْ إمَّا هَذِهِ وَإِمَّا هَذِهِ، فَقَالَ: طَلَّقْت هَذِهِ، فَهَلْ هُوَ اخْتِيَارٌ أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ اخْتِيَارٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ دُونَ الْقَلْبِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ الْإِكْرَاهُ عَلَى عِلْمٍ بِشَيْءٍ أَوْ جَهْلٍ بِهِ أَوْ حُبٍّ أَوْ بُغْضٍ أَوْ عَزْمٍ عَلَى شَيْءٍ. الثَّالِثُ: يُشْتَرَطُ لِكَوْنِ الْإِكْرَاهِ مَرْفُوعَ الْحُكْمِ شُرُوطٌ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَعَّدُ بِهِ فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ أَشَقَّ مِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا يَشْهَدُ لَهُ الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ الْقِصَاصِ، وَلَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ الْمُكْرَهِ.

стр. 477

بَيَانُهُ: أَنَّ نَفْسَهُ وَنَفْسَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مَنْ يَقْتُلُهُ مُسْتَوِيَانِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، فَإِيثَارُهُ نَفْسَهُ نَاشِئٌ عَنْ شَهَوَاتِ الْأَنْفُسِ وَحُظُوظِهَا، وَمَحَبَّتِهَا الْبَقَاءَ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَزْيَدَ مِنْ مَحَبَّتِهَا لِبَقَاءِ غَيْرِهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ مِنْ نَظَرِ الْعُقَلَاءِ، الشَّرْعَ الَّذِي يَتَعَبَّدُونَ بِهِ. وَبِهَذَا خَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ قَوْلِنَا: الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَرَتِّبًا عَلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ حِينَئِذٍ جَعَلَ فِعْلَهُ كَلَا فِعْلٍ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَرَتِّبًا عَلَى أَمْرٍ حِسِّيٍّ لَا يُنْسَبُ إلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنْ كَانَ نَاشِئًا عَنْهَا فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْإِكْرَاهِ حِينَئِذٍ، لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِكْرَاهِ الْفِعْلُ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَمَوْضِعَ الْحُكْمِ الِانْفِعَالُ وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ، لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ الْوُقُوعِ بَعْدَ الْفِعْلِ، لِأَنَّهُ أَثَرُ الْفِعْلِ، وَالشَّارِعُ قَدْ يُرَتِّبُ الْحُكْمَ عَلَى الْفِعْلِ، وَقَدْ رَتَّبَهُ عَلَى الِانْفِعَالِ وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي رَفْعُهُ مَشَقَّةٌ عَلَيْنَا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ، وَفِي الثَّانِي مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَكَيْفَ يَرْتَفِعُ؟ وَبِهَذَا خَرَجَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الرَّضَاعِ وَعَلَى الْحَدَثِ، فَإِذَا أَكْرَهَ امْرَأَةً حَتَّى أَرْضَعَتْ خَمْسَ رَضَعَاتٍ حَرُمَ رَضَاعُهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ الْحُرْمَةَ بِوُصُولِ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ حَتَّى لَوْ حُلِبَ قَبْلَ مَوْتِهَا وَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرُمَ، وَإِذَا أُكْرِهَ فَأَحْدَثَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، لِأَنَّ الِانْتِقَاضَ مَنُوطٌ بِالْحَدَثِ وَقَدْ وُجِدَ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهَذَا مَوْضِعُ الرُّخْصَةِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ الشَّارِعِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ فَقَدْ كَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْمُكْرَهِ أَنْ يَفْعَلَ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أُكْرِهَ وَلَمْ يَسْقُطْ أَثَرُ فِعْلِهِ، وَكَانَ آثِمًا عَلَى كَوْنِهِ أَحْوَجَ إلَى أَنْ يُكْرَهَ، وَهَذَا كَالْمُرْتَدِّ وَالْحَرْبِيِّ يُكْرَهَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَإِسْلَامُهُمَا صَحِيحٌ وَهُمَا آثِمَانِ، لِكَوْنِهِمَا أَحْوَجَا إلَى الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْإِسْلَامُ إنْ وَقَعَ مِنْهُمَا عِنْدَ الْإِكْرَاهِ

стр. 478

بَاطِنًا كَمَا وَقَعَ ظَاهِرًا فَهُوَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَحُكْمُهُمَا فِي الظَّاهِرِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْبَاطِنِ كَافِرَانِ، لِمَا أَضْمَرَاهُ مِنْ حَيْثُ الطَّوِيَّةُ. وَمِنْ الْإِكْرَاهِ بِالْحَقِّ أَمْرُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِالْبَيْعِ، فَيَمْتَنِعُ فَلَهُ جَبْرُهُ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ بَيْعُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ الْوَاجِبِ. الرَّابِعُ: فِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ: ذَكَرُوا فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُكْرَهَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وَالتَّكْلِيفِ، وَذَكَرُوا فِي الْفِقْهِ أَنَّ طَلَاقَهُ وَإِقْرَارَهُ وَرِدَّتَهُ لَا تَصِحُّ، فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يُخَفَّفُ عَنْهُ بِأَنْ لَا يُلْزَمَ بِحُكْمِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَخْتَرْهُ مِنْ طَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَغَيْرِهِمَا، لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا. الْخَامِسُ: قِيلَ: لِلْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَأْخَذَانِ. أَحَدُهُمَا: الْخِلَافُ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ فَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا، اتَّجَهَ الْقَوْلُ بِتَكْلِيفِ الْمُكْرَهِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَفْقِ إرَادَتِهِ فَيَصِيرُ التَّكْلِيفُ بِهَا مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَرَ تَكْلِيفَ الْمُكْرَهِ، لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقٌ لَهُمْ لَا لَهُ سُبْحَانَهُ تَحْقِيقًا لِعَدْلِهِ: إذْ لَوْ خَلَقَهَا ثُمَّ عَابَ عَلَيْهَا كَانَ ذَلِكَ جَوْرًا. الثَّانِي: أَنَّهُ هَلْ فِي التَّخْوِيفِ وَالْإِكْرَاهِ مَا يَتَضَمَّنُ ضَرُورِيَّةَ الْفِعْلِ أَيْ: مَا يَقْتَضِي اضْطِرَارَ الْمُكْرَهِ إلَى الْفِعْلِ لِدَاعِي الطَّبْعِ أَمْ لَا؟ [الشَّرْطُ] السَّابِعُ [عِلْمُ الْمُخَاطَبِ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا] أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ زَمَنِ الِامْتِثَالِ حَتَّى يُتَصَوَّرَ مِنْهُ قَصْدُ الِامْتِثَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ شَرْطِهِ، وَتَمَكُّنِهِ فِي الْوَقْتِ.

стр. 479

قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى اشْتِرَاطِهِ، وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: لَا نَعْلَمُهُ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ الْإِمْكَانَ شَرْطٌ لِتَحَقُّقِ الْأَمْرِ، وَالْجَهْلُ بِالشَّرْطِ مُحَقَّقٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْجَهْلَ بِالشُّرُوطِ، نَعَمْ. أَجْمَعَ مَنْ قَبْلَنَا عَلَى إطْلَاقِ وُرُودِ الْأَمْرِ بِنَاءً عَلَى تَقْدِيرِ بَقَاءِ أَكْثَرِهِمْ، وَظُهُورِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ. قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو هَاشِمٍ لَا دَافِعَ لَهُ إلَّا أَصْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ فِي النَّسْخِ. وَمَذْهَبُهُ فِيهِ: أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ قَطْعًا، ثُمَّ رُفِعَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالنَّسْخِ. فَقَالَ: ثَانِيًا عَلَيْهِ إذَا تَوَجَّهَ أَمْرٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ فَقَطْ تَنَجَّزَ الْأَمْرُ، ثُمَّ إذَا زَالَ إمْكَانُهُ فَلَا رَيْبَ فِي الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فِي الشَّرْطِ الْقَضَاءُ لَا فِي شَرْطِ أَصْلِ الْأَمْرِ. وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ هُوَ اللَّفْظَ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ، الطَّلَبُ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي شَرْطَهُ الْإِمْكَانَ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ كَوْنَ الْإِمْكَانِ شَرْطًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ إلَّا بِهِ، وَأَبُو هَاشِمٍ لَا يُنْكِرُ وُجُوبَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، وَنِيَّةُ الْوُجُودِ وَالتَّرَدُّدِ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ لَا يُنْكَرُ، فَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ. اهـ. وَأَمَّا الْقَاضِي فَفَرْضُ الْخِلَافِ فِي الصِّحَّةِ فَقَالَ: أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ إذَا اتَّصَلَ بِالْمُكَلَّفِ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُهُ مِنْ الِامْتِثَالِ فَيَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى عَلَى صِفَةِ التَّكْلِيفِ، فَنَسْتَيْقِنُ الْحَالَ تَوَجُّهَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الِاسْتِقْبَالِ فَإِنْ بَقِيَ دَامَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ مَاتَ انْقَطَعَ عَنْهُ. وَقَالَتْ الْقَدَرِيَّةُ: لَا يَصِحُّ عِلْمُهُ بِتَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْإِقْدَامِ عَلَى الِامْتِثَالِ، أَوْ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُهُ مَعَ تَرْكِهِ، فَقَالُوا: لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ كَوْنُهُ مَأْمُورًا قَطْعًا. وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا نَقُولُ: يَقْطَعُ بِذَلِكَ وَيُؤَوَّلُ تَوَقُّعُهُ فِي اسْتِدَامَةِ الْوُجُوبِ إلَى تَوَقُّعِ الِاحْتِرَامِ وَالْبَقَاءِ.

стр. 480

وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": الْوَاحِدُ مِنَّا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا عَلَى الْحَقِيقَةِ هَذَا مَذْهَبُ كَافَّةِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَدْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى تَكْلِيفِ الْعَاجِزِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَعِنْدَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ، وَأَبُو هَاشِمٍ بَنَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَإِنْ سَلِمَ لَهُ، فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ وَإِنْ أُبْطِلَ بَطَلَ مَذْهَبُهُ. وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي بِأَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي الْعِبَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالتَّقَرُّبِ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهَا، وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ. وَشُبْهَةُ أَبِي هَاشِمٍ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْأَمْرِ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنَا فَلَا يَكُونُ الْمَأْمُورُ عَالِمًا اهـ. وَأَمَّا أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَقَالَ: الْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُكْتَسَبِ. عِلْمُ الْمُكْتَسِبِ بِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا الشَّرْطُ كَوْنُ الْمَقْدُورِ مِمَّا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِهِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَصِحُّ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا اتَّصَلَ الْخِطَابُ بِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الِامْتِثَالِ عَلِمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ، فَيُقْطَعُ بِهِ لَكِنْ يَفْتَقِرُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا إلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ الْأَوْقَاتِ بِشَرْطِ وَفَاءِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ تَوَجَّهَ الْخَطَأُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ الْإِمْكَانِ حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِالِامْتِثَالِ فِي الْحَالِ لَمْ يَعْرِفْ الْوُجُوبَ أَيْضًا مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يَتَصَوَّرُ فِيهِ الِامْتِثَالَ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِبَقَاءِ الْإِمْكَانِ لَهُ إلَى انْقِرَاضِ زَمَانٍ يَمْتَنِعُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَالْإِمْكَانُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ،

стр. 481

وَالْجَاهِلُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ جَاهِلٌ بِوُقُوعِ الْمَشْرُوطِ لَا مَحَالَةَ، وَتَمَسَّكَ الْقَاضِي بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ إلَى الْمُكَلَّفِ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَوْلُهُمْ: يُفْضِي إلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَعْلَمُ أَحَدٌ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ الْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَكَمَا لَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَعْلَمُ غَيْرُهُ مِنْهُ. وَمَالَ الْإِمَامُ إلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ: تَشْغِيبُ الْقَاضِي بِالْإِجْمَاعِ تَهْوِيلٌ بِلَا تَحْصِيلٍ، فَإِنَّ إطْلَاقَاتِ الشَّرْعِ لَا تُعْرَضُ عَلَى مَأْخَذِ الْحَقَائِقِ بَلْ تُحْمَلُ عَلَى حُكْمِ الْعُرْفِ وَالتَّفَاهُمِ الظَّاهِرِ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ مُحَرَّمٌ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ تَعَاطِيهَا. تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ: الْقَطْعِيُّ أَيْ: أَنَّهُ هَلْ يَقْطَعُ بِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا قَبْلَ زَمَنِ الِامْتِثَالِ؟ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ لَا يُخَالِفُ فِي الظَّنِّ، فَإِنَّ الشُّرُوعَ فِي الْفِعْلِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَطْعُ بَلْ تَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ مَهْمَا بَادَرَ وَاسْتَمَرَّ فِي حَيَاتِهِ إلَى الْفَرَاغِ. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كَانَ الْآمِرُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِامْتِثَالِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بَقَاءَهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَيْضًا

стр. 482

[التَّنْبِيهُ] الثَّالِثُ. أَنَّ الْخِلَافَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآحَادِ لَا فِي حَقِّ الْجِنْسِ، فَقَدْ وَافَقَ أَبُو هَاشِمٍ عَلَى أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وَهُوَ الِاسْتِطَاعَةُ مَعْلُومٌ هُنَا قَطْعًا، لِعِلْمِنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعُمُّ الْكُلَّ بِالْهَلَاكِ كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ. وَفَرَضَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا خَصَّ بِالْخِطَابِ وَاحِدًا وَكَانَ مُنْدَرِجًا مَعَ آخَرَ تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ، وَهُوَ فِي حَالَةِ اتِّصَالِ الْخِطَابِ بِهِ مُسْتَجْمِعٌ شَرَائِطَ التَّكْلِيفِ. وَلَمْ يَقِفْ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْخِلَافِ: هَذَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ خَاصًّا، فَإِنْ كَانَ عَامًّا وَلَمْ يُعْلَمْ انْقِرَاضُ الْجَمِيعِ بَلْ بَعْضُهُمْ فَأَظُنُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ، إذْ أَكْثَرُ أَوَامِرِ اللَّهِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمُكَلَّفِينَ يَمُوتُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، وَكَلَامُ بَعْضِهِمْ يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِيهِ أَيْضًا. انْتَهَى. مَسْأَلَةٌ [هَلْ يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ] قِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بَلْ يُشْتَرَطُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْعِلْمِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِي حُكْمِ الْخِطَابِ هَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: ثَالِثُهَا: يَثْبُتُ الْمُبْتَدَأُ دُونَ النَّاسِخِ، قَالَ: وَالْمَرْجِعُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ ، الصَّحَابَةَ بِاسْتِدْرَاكِ مَا فَعَلُوهُ عَلَى خِلَافِ الْأَمْرِ حَيْثُ جَهِلُوهُ كَمَا لَمْ يَأْمُرْ الْمُشَمِّتَ الْعَاطِسَ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُصَلِّيَ إلَى قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَغَيْرِهِ.

стр. 483

الرَّابِعُ مِنْ التَّنْبِيهَاتِ سَبَقَ عَنْ إلْكِيَا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ أَبَا هَاشِمٍ لَا يَمْنَعُ الْإِقْدَامَ لَكِنَّ أَبَا هَاشِمٍ بَنَاهُ عَلَى مَأْخَذٍ لَهُ كَلَامِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ تُلَازِمُهُ الْإِرَادَةُ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ انْتِقَاءَ الشَّرْطِ لَمْ يَتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ الْمُعَلَّقِ طَلَبُهُ عَلَى شَرْطٍ، وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ فِي الْأَصْلِ، فَلِهَذَا خَالَفْنَاهُ فِي الْفَرْعِ. وَحَاصِلُ الْخِلَافِ: يَرْجِعُ إلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الِامْتِثَالِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي تَوَجُّهِ الْخِطَابِ أَوْ شَرْطٌ فِي إيقَاعِ الْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ وَحُصُولِهِ؟ فَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ أَوْ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّرُوعُ فِي الْعِبَادَةِ لَا عَلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ، فَإِنَّ الْقَطْعَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِبَقَائِهِ بِكَوْنِهِ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ لِإِمْكَانِ الْمَوْتِ بَلْ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَاسْتِمْرَارُ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِنَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْأَمْرِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الْإِتْمَامِ. [مَسْأَلَةٌ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَنْتَفِي شَرْطُ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ] الْفِعْلُ الَّذِي يَنْتَفِي شَرْطُ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ إنْ جَهِلَ الْآمِرُ انْتِفَاءَهُ، كَالْوَاحِدِ مِنَّا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَأْمُورِ عَلَى صِفَاتِ التَّكْلِيفِ فَيَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُ، لِانْطِوَاءِ الْغَيْبِ عَنَّا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ إشْعَارٌ بِالْخِلَافِ فِيهِ، وَإِنْ عَلِمَ انْتِفَاءَهُ كَمَا إذَا أَمَرَ اللَّهُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَوْتَهُ فِي رَمَضَانَ، فَهَلْ يَصِحُّ

стр. 484

التَّكْلِيفُ بِهِ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ: يَصِحُّ وَيَقَعُ، وَلِذَلِكَ يَعْلَمُ الْمُكَلَّفُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وُجُودَ شَرْطِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْوَقْتِ، وَلَوْلَا أَنَّ تَحَقُّقَ الشَّرْطِ فِي الْوَقْتِ لَيْسَ شَرْطًا فِي التَّكْلِيفِ لَمَا عُلِمَ قَبْلَ وَقْتِهِ، إذَا الْجَهْلُ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ الْجَهْلَ بِالْمَشْرُوطِ. وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: يُمْتَنَعُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَقَالُوا: إنَّمَا يَصِحُّ الشَّرْطُ مِنَّا لِتَرَدُّدِنَا حَتَّى لَوْ عَلِمَ الْوَاحِدُ مِنَّا بِوَحْيٍ أَوْ إعْلَامِ نَبِيٍّ مَا يَكُونُ مِنْ حَالِ مُخَاطَبِهِ. لَا يَصِحُّ أَيْضًا تَقْيِيدُ الْخِطَابِ بِبَقَاءِ الْمُخَاطَبِ عَلَى صِفَةِ التَّكْلِيفِ، وَوَافَقَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَالْحَقُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِالْمُحَالِ فِي شَيْءٍ وَيَجُوزُ مِنْ الْقَدِيمِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ عَبْدَهُ بِمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ. وَلَهُ فَوَائِدُ ثَلَاثَةٌ: إحْدَاهَا: اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ، وَيَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالِاعْتِقَادِ كَمَا يَجُوزُ بِالْفِعْلِ. الثَّانِيَةُ: الْعَزْمُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَهُ إنْ أَدْرَكَهُ الْوَقْتُ عَلَى صِفَةِ التَّكْلِيفِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ فَيُثَابُ، أَوْ لَا يَعْزِمُ فَيُعَاقَبُ. الثَّالِثَةُ: جَوَازُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ مَصْلَحَةٌ وَلُطْفٌ، وَيَكُونُ فِيهِ فَائِدَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا، وَهُوَ شَكُّ الْمُكَلَّفِ فِي بَقَائِهِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ وَقْتَ الْخِطَابِ لَا يَدْرِي هَلْ يَبْقَى إلَى وَقْتِ الْفِعْلِ أَوْ لَا؟ وَيَنْقَطِعُ هَذَا التَّكْلِيفُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ كَانْقِطَاعِ سَائِرِ التَّكَالِيفِ الْمُتَكَرِّرَةِ. وَحَاصِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ اللَّهَ إذَا عَلِمَ أَنَّ زَيْدًا سَيَمُوتُ غَدًا، فَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِالصَّوْمِ غَدًا بِشَرْطِ أَنْ يَعِيشَ غَدًا أَمْ لَا؟ فَرَجَعَ

стр. 485

الْخِلَافُ إلَى تَحْقِيقِ الْأَمْرِ بِالشَّرْطِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَصْحَابُنَا جَوَّزُوهُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ مَنَعُوهُ، وَقَالُوا: يَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمُكَلَّفِ. وَزَعَمُوا: أَنَّ الشَّرْطَ فِي أَمْرِهِ تَعَالَى مُحَالٌ، لِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَقَعُ حَيْثُ الشَّكُّ، وَالْبَارِئُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا شَرْطَ. فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ طَالِعَةٌ لَا يَقُولُ: إنْ كَانَتْ الشَّمْسُ طَلَعَتْ دَخَلْت الدَّارَ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ مِنْ الشَّاكِّ كَالْوَاحِدِ مِنَّا، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ حَصَلَ الْعِلْمُ لِلْوَاحِدِ مِنَّا بِإِخْبَارِ نَبِيٍّ امْتَنَعَ الْأَمْرُ بِالشَّرْطِ فِيهِ أَيْضًا، وَلَمْ يَقْصُرُوا خِلَافَهُمْ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَهُ بَلْ عَدَّوْهُ إلَى مَا عَلِمَ وُجُودَهُ أَيْضًا، فَقَالُوا: إنْ كَانَ الشَّرْطُ مِمَّا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ بِهِ أَمْرًا بِهِ، بَلْ هُوَ جَارٍ: مَجْرَى: صُمْ غَدًا إنْ صَعِدْت السَّمَاءَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْأَمْرِ فِي شَيْءٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ مَشْرُوطًا بِهِ بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ: صَلِّ إنْ كَانَتْ الشَّمْسُ مَخْلُوقَةً، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْمَشْرُوطِ فِي شَيْءٍ، لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَلَى تَرَدُّدٍ فِي الْحُصُولِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّرَدُّدَ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، فَلَا يُتَصَوَّرُ تَعْلِيقٌ عَلَى الشَّرْطِ أَلْبَتَّةَ لَا إنْ عَلِمَ وُقُوعَهُ، وَلَا إنْ عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ. وَأَلْزَمَهُمْ الْقَاضِي أَنْ لَا يَتَقَيَّدَ وَعْدُهُ وَوَعِيدُهُ أَيْضًا كَمَا لَا يَتَقَيَّدَ أَمْرُهُ مَعَ أَنَّ مُعْظَمَ وَعْدِ الْقُرْآنِ وَوَعِيدِهِ مُقَيَّدٌ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ [الكهف: ١٨] قَالَ: وَلَا وَجْهَ لِلتَّرَدُّدِ فِي الشَّرْطِ مَعَ عِلْمِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ يَعْلَمُ. وَلَهُ فَائِدَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ ابْتِلَاءَ الْمُكَلَّفِ وَامْتِحَانَهُ فِي تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَى الِامْتِثَالِ وَالْعَزْمِ. وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْمَعْدُومَ وَالْعَاجِزَ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدِرَ فِي حَالِ الْحَاجَةِ إلَى الْقُدْرَةِ.

стр. 486

وَأَجَابَ أَبُو الْحُسَيْنِ بِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُ بِشَرْطٍ أَنْ يَقْدِرُ. وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ حُكْمَنَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَلَّفَهُ الْفِعْلَ مَشْرُوطًا بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْدِرُ، فَالشَّرْطُ دَاخِلٌ عَلَى حُكْمِنَا لَا عَلَى تَكْلِيفِ اللَّهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْمُخَالِفُ هَذَا رَجَعَ النِّزَاعُ إلَى اللَّفْظِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: إنَّمَا حَمَلَ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى ذَلِكَ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَيُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ، فَأَمَّا مَا تَحَقَّقَ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا فَلَا يَصْلُحُ لِلشَّرْطِيَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ يُلَازِمُ الْإِرَادَةَ فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ انْتِفَاءَ الشَّرْطِ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِلْفِعْلِ الَّذِي عَلَّقَ طَلَبَهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَقُولُ بِاقْتِرَانِ الْأَمْرِ بِالْإِرَادَةِ، فَيَصِحُّ الْأَمْرُ بِمَا لَمْ يُرِدْهُ. هَذَا تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَتَرْجَمَ بَعْضُ مُخْتَصِرِي الْبُرْهَانِ " وَهُوَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِنْ جِنْسِ الْمُمْكِنِ فَيَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُخَاطَبُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَسَعُ الْفِعْلَ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، وَلَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ. قَالَ: وَاعْتَقَدَ الْإِمَامُ أَنَّ الْقَاضِيَ سَلَّمَ لَهُ كَوْنَ الْإِمْكَانِ شَرْطًا، فَقَالَ: يَلْزَمُ إذَا بَانَ أَنْ لَا إمْكَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَكْلِيفٌ، وَلَيْسَ كَمَا اعْتَقَدَهُ، لِأَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرْجَمَتَهَا بِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِشَرْطِهِ يُسَمَّى أَمْرًا أَمْ لَا؟ وَلِهَذَا ذَكَرَهَا فِي بَحْثِ الْأَوَامِرِ دُونَ التَّكَالِيفِ. تَنْبِيهَاتٌ

стр. 487

التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ [الْعِلْمُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ] مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا لِلَّتِي قَبْلَهَا أَعْنِي مَسْأَلَةَ الْعِلْمِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْرُ بِالشَّرْطِ صَحَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ اللَّه بِشَرْطِ الْبَقَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، لِأَنَّهُ إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ نَحْوَ الْمُكَلَّفِ بِحُكْمٍ ظَاهِرِ الْبَقَاءِ فَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى أَمْ لَا؟ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ فَرْعًا لِلَّتِي قَبْلَهَا، فَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمَأْمُورَ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ جَوَّزَ وُرُودَهُ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ لَمْ يُجَوِّزْهُ صَرَّحَ بِهِ الْهِنْدِيُّ. وَكَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، فَقَالُوا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْبَنِي عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، وَهُوَ أَنَّا قُلْنَا: نَقْطَعُ الْمُكَلَّفَ بِالْتِزَامِ مَا كُلِّفَ مَعَ التَّرَدُّدِ فِي حُكْمِ الْعَاقِبَةِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْمَقْصُودُ، وَنَقُولُ: لَوْ وَرَدَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا هَلْ يَقُولُونَ: يَتَعَلَّقُ بِالْمُكَلَّفِ فِي الْحَالِ قَطْعًا أَوْ يَسْتَرِيبُونَ فِيهِ؟ فَإِنْ اسْتَرَبْتُمْ عُدْنَا إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَإِنْ قَطَعْتُمْ مَعَ انْطِوَاءِ الْعَاقِبَةِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا مَعَ ذُهُولِهِ عَمَّا يَكُونُ، وَالْأَمْرُ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا تُصَوِّرَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا يَعْتَقِدُ فِيهِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ؟

стр. 488

التَّنْبِيهُ] الثَّانِي [الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ لَهُ أَحْوَالٌ] قَالَ الْعَبْدَرِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى ": الْأَمْرُ الْمُقَيَّدُ بِالشَّرْطِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مَعْلُومًا انْتِفَاؤُهُ عِنْدَ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ جَمِيعًا، فَهَذَا مَمْنُوعٌ بِالِاتِّفَاقِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا عِنْدَهُمَا فَجَائِرٌ بِالِاتِّفَاقِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْآمِرِ مَجْهُولًا عِنْدَ الْمَأْمُورِ. فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ جَوَّزَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنَعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَهُمْ الْمُصِيبُونَ فِي هَذَا اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي فَرَضُوا فِيهِ الْكَلَامَ لَيْسَ هُوَ صِيغَةَ اللَّفْظِ، إنَّمَا فَرَضُوا الْكَلَامَ فِي الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالنَّفْسِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِ الْآمِرِ طَلَبُ مَا يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ، بَلْ طَلَبُ مَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ وَأَنْ لَا يَقَعَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمُمْكِنِ، فَالْمَأْمُورُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا عِنْدَ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بَلْ عِنْدَ وُقُوعِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَأَيْضًا فَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُورُ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَاقِعًا لَا مَحَالَةَ فَبَطَلَ كَوْنُهُ مُمْكِنًا وَصَارَ وَاجِبًا، وَهَذَا مُحَالٌ فَنَقِيضُهُ مُحَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا عِنْدَ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بَلْ عِنْدَ وُقُوعِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. انْتَهَى. وَفِيمَا ذَكَرَهُ نِزَاعٌ. وَفَاتَهُ قِسْمٌ رَابِعٌ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَالِمًا بِالِانْتِفَاءِ دُونَ الْآمِرِ، فَلَا يَصِحُّ وِفَاقًا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ وَهُوَ الِامْتِثَالُ، وَعَدَمُ صِحَّةِ طَلَبِهِ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ.

стр. 489

وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ. [تَفْرِيعُ الْغَزَالِيِّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ] فَرَّعَ الْغَزَالِيُّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فُرُوعًا: مِنْهَا: لَوْ عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ بِالْعَادَةِ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، أَوْ بِقَوْلِ نَبِيٍّ حَيْضًا أَوْ مَوْتًا أَوْ جُنُونًا، فَهَلْ يَلْزَمُهَا نِيَّةُ الصَّوْمِ حَتَّى تَصُومَ الْبَعْضَ؟ قَالَ: أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَنْبَغِي اللُّزُومُ، لِأَنَّ بَعْضَ الْيَوْمِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، وَهِيَ غَيْرُ مَأْمُورَةٍ بِالْكُلِّ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ، لِأَنَّ الْمُرَخِّصَ فِي الْإِفْطَارِ لَمْ يُوجَدْ وَالْأَمْرُ قَائِمٌ فِي الْحَالِ، وَالْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ. اهـ. وَقَدْ نُوزِعَ فِي قَوْلِهِ: " وَالْأَمْرُ قَائِمٌ فِي الْحَالِ " بِقَوْلِهِ: فِي كِتَابِ النَّسْخِ: إنْ جَهِلَ الْمَأْمُورُ شَرْطَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَمْرُ قَائِمًا فِي الْحَالِ وَالْمُكَلَّفُ عَالِمٌ بِطَرَيَانِ الْحَيْضِ، وَالْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ كِلَاهُمَا يَعْلَمَانِهِ؟ وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: إنْ صَلَّيْت أَوْ شَرَعْت فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّوْمِ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، ثُمَّ شَرَعَ ثُمَّ أَفْسَدَهَا أَوْ مَاتَ أَوْ جُنَّ فَفِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ خِلَافٌ يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا الْأَصْلِ فَلَا يَحْنَثُ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيَحْنَثُ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِنَا، وَكَذَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا فَرْعًا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَفِيهِ نَظَرٌ،

стр. 490

لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ فُرُوعِ هَذَا الْأَصْلِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَقُولَ: إنْ صُمْت يَوْمًا كَامِلًا مِنْ رَمَضَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ لَكِنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَقَعُ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَمْ يَصُمْ يَوْمًا كَامِلًا. وَمِنْهَا: لَوْ أَفْسَدَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ثُمَّ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ حَاضَتْ فِي أَثْنَائِهِ سَقَطَتْ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ. لَا يُقَالُ: هَذَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ، فَإِنَّ السُّقُوطَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْأَمْرِ بِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ مِنْ خَصَائِصِ وُجُوبِ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي لَا يَتَعَرَّضُ الِانْقِطَاعُ فِيهِ. وَمِنْهَا: لَوْ نَذَرَ الصِّيَامَ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ غَدًا، فَنَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ نَذْرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ اخْتَلَفُوا فِي الْإِجْزَاءِ، وَقِيَاسُ هَذَا الْأَصْلِ الْوُجُوبُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ يَقُولُ بِهِ كَالْحَائِضِ. [التَّنْبِيهُ] الرَّابِعُ اسْتَشْكَلَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِحِكَايَتِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ، كَإِيمَانِ أَبِي لَهَبٍ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا سَنَذْكُرُهُ هُنَاكَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِمَا وَاحِدٌ ثُمَّ الصُّورَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، لِأَنَّ الْعِلْمَ هُنَاكَ تَعَلَّقَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ مَعَ بُلُوغِ

стр. 491

الْمُكَلَّفِ حَالَةَ التَّمَكُّنِ، وَهُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَالَةَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ زَمَنِ الِامْتِثَالِ. وَأَيْضًا فَتِلْكَ فِي وُرُودِ التَّكْلِيفِ مُنَجَّزًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، وَلَكِنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ. وَمَأْخَذُ الْمَنْعِ فِيهَا تَكْلِيفُ الْمُحَالِ، وَهَذِهِ فِي الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ هَلْ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ؟ وَمَأْخَذُ الْمَانِعِ فِيهَا عَدَمُ تَصَوُّرِ الشَّرْطِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْصُرْ خِلَافَهُ عَلَى مَا عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ بَلْ عَدَّاهُ إلَى مَا عَلِمَ وُقُوعَهُ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. [التَّنْبِيهُ] الْخَامِسُ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسْأَلَةِ بِالْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ عِلْمِ انْتِفَاءِ وُقُوعِهِ قَاصِرٌ، فَإِنَّ خِلَافَهُمْ لَا يَخُصُّ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَإِنَّمَا خِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الْأَمْرُ بِشَرْطٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ [التَّنْبِيهُ] السَّادِسُ كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَسْخَ الشَّيْءِ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْفِعْلِ وَقْتَ وُجُوبِهِ شَرْطُ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا اللَّائِقُ بِأُصُولِهِمْ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَهُ كَمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، فَاخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَذَهَبَ بَعْضٌ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَبَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اشْتِرَاطِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشَدَّ مُلَاءَمَةً لَهُ.

стр. 492

فَائِدَةٌ [تَكْلِيفُ الْمُتَمَكِّنِ وَوُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْكِنِ] قَالَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ ": يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ وَيَقَعُ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: قَوْلُهُ: يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ، بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْدُورِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْبُرْهَانِ " صِحَّةُ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَرَاهُ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ. فَأَمَّا عَلَى مَا نَرَاهُ نَحْنُ مِنْ اقْتِرَانِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا قَادِرٌ، وَإِنْ أَطْلَقْنَا أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا مُتَمَكِّنٌ، فَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ فِي الْوَاقِعِ إلَّا مَنْ لَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ إيقَاعِ الْمَطْلُوبِ. فَأَمَّا اشْتِرَاطُ تَحْقِيقِ الْإِمْكَانِ الَّذِي هُوَ الِاقْتِدَارُ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ أَبَدًا فِي جَرَيَانِ الْعَادَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ، وَمِنْ الْمُتَعَذَّرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ مَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الِامْتِثَالِ. [مَسْأَلَةٌ الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ] [الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ] الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ عِنْدَنَا بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَأَصْلُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمَّا أَثْبَتُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ آمِرًا نَاهِيًا مُخْبِرًا. قِيلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِ الْخُصُومِ الْقَائِلِينَ

стр. 493

بِحُدُوثِهِ: إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِدُونِ الْمُخَاطَبِ عَبَثٌ، فَاضْطَرَبَ الْأَصْحَابُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى فِرْقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: قَالَتْ: إنَّ الْمَعْدُومَ فِي الْأَزَلِ مَأْمُورٌ عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَزَلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ، وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ لَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ حَالَ عَدَمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ، ثُمَّ إنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ. وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الْأَشَاعِرَةُ هَكَذَا نَقَلُوهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ مِنْهُمْ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. قَالَ إِلْكِيَا: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ مَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَجَوَّزَهُ الْأَشْعَرِيُّ بَلْ أَوْجَبُوهُ، لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ قَدِيمٌ وَلَا مُخَاطِبَ أَزَلًا. وَأَنْكَرَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مُسْتَمْسِكِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ، وَلَا يُعْقَلُ الطَّلَبُ مِنْ الْمَعْدُومِ، فَقِيلَ: هَذَا الطَّلَبُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطِبًا أَوْ مُتَعَلِّقًا، فَإِنَّهُ نَفْيٌ، وَإِذَا قُلْت: النَّفْيُ مُتَعَلِّقٌ فَكَأَنَّك قُلْت: لَا مُتَعَلِّقَ، فَقِيلَ لَهُمْ: الْمَعْدُومُ كَيْفَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؟ قُلْنَا: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِنَا فَقِيلَ: هَذَا أَمْرٌ وَلَا مَأْمُورَ. قُلْنَا: هُوَ بِتَقْدِيرِ أَمْرٍ فَإِنَّ الطَّلَبَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ فَلَا يَثْبُتُ دُونَ مُتَعَلَّقِهِ أَصْلًا، كَالْعِلْمِ لَا يَثْبُتُ دُونَ مَعْلُومٍ وَالْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ تَقْدِيرًا. قَالَ: وَأَصْحَابُ الشَّيْخِ يَقُولُونَ: مَعْنَى قَوْلِنَا: " إنَّهُ فِي الْأَزَلِ آمِرٌ " أَنَّهُ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ بَعْدَ وُجُودِهِ كَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ

стр. 494

الصِّفَاتِ، وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ يَجُرُّ إلَى مَا سِوَاهُ. اهـ. وَقَدْ عَظُمَ النَّكِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى انْكِفَافِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ، فَقَالُوا: كَلَامُ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَوَعْدًا أَوْ وَعِيدًا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الصِّفَاتُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطَبِينَ فِيمَا لَا يَزَالُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَهُوَ يَسْتَحِيلُ، وَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ كَلَامًا أَزَلًا، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهَا فِيمَا لَا يَزَالُ؟ وَسَهَّلَ الطُّرْطُوشِيُّ أَمْرَ هَذَا الْخِلَافِ، فَقَالَ: لَيْسَ خِلَافًا فِي مَعْنًى، وَإِنَّمَا خِلَافٌ عَائِدٌ إلَى لُغَةٍ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ، وَامْتِنَاعُ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ آمِرًا نَاهِيًا وَتَسْمِيَةِ كَلَامِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا الِاقْتِضَاءَ قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِئِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أُطْلِقُ عَلَيْهِ آمِرًا وَلَا عَلَى كَلَامِهِ أَمْرًا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِمُتَعَلَّقِهِ، فَحِينَئِذٍ أُسَمِّيهِ آمِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَدَّدَ فِي الْقَدِيمِ شَيْءٌ وَهَذَا قَرِيبٌ. وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: الْأَقْوَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ آمِرٌ قَبْلَ التَّعْلِيقِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعَالَى قَادِرٌ قَبْلَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ. اهـ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرِدْ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ قِيَامَ التَّعَلُّقِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ قِيَامُ الطَّلَبِ بِالذَّاتِ مِنْ الْمَعْدُومِ إذَا وُجِدَ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ إنَّمَا أَرَادَ التَّنْجِيزَ، وَالتَّعَلُّقُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّنْجِيزِ تَكْلِيفُ

стр. 495

الْمَعْدُومِ بِأَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ فِي حَالِ عَدَمِهِ بَلْ تَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ عَلَى صِفَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُوقِعُهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ وَاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَدَمَ التَّنْجِيزِ بَلْ التَّنْجِيزُ وَاقِعٌ، وَهَذَا مَعْنَاهُ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا فِي الْعَدَمِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْعَدَمِ فَقَدْ زَلَّ، فَإِنَّ إتْيَانَهُ بِهِ فِي الْعَدَمِ كَمَا يَسْتَدْعِي الْإِمْكَانَ كَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْأَمْرُ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى صِفَةِ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ الَّتِي فِيهَا الْوُجُوبُ. وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِذَلِكَ: الْوَكَالَةُ فَإِنَّ تَعْلِيقَهَا بَاطِلٌ عَلَى الذَّهَبِ، وَلَوْ نَجَّزَ الْوَكَالَةَ وَعَلَّقَ التَّصَرُّفَ عَلَى شَرْطٍ جَازَ، وَهُوَ الْآنَ وَكِيلُ وَكَالَةٍ مُنَجَّزَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا عَلَى مُقْتَضَاهَا، وَهُوَ وِجْدَانُ الشَّرْطِ. الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَتْ: إنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ آمِرٌ مِنْ غَيْرِ مَأْمُورٍ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَمَرَّ وَبَقِيَ صَارَ الْمُكَلَّفُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الْوُجُودِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مِثَالًا: وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَرُبَ مَوْتُهُ قَبْلَ وِلَادَةِ وَلَدِهِ، فَرُبَّمَا يَقُولُ لِبَعْضِ النَّاسِ: إذَا أَدْرَكْت وَلَدِي، فَقُلْ لَهُ: إنَّ أَبَاك كَانَ يَأْمُرُك بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ. فَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَ الْآمِرُ، وَالْمَأْمُورُ مَعْدُومٌ حَتَّى لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الْأَمْرُ إلَى أَوَانِ بُلُوغِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ لَصَارَ مَأْمُورًا بِهِ. قَالَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحَاتِ ": وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا لَيْسَ هُنَاكَ مَأْمُورٌ وَلَا مَنْ يَنْهَى إلَيْهِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ الْخَبَرُ، وَالْخَبَرُ فِي الْأَزَلِ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ إضَافَتُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ
следующие страницы →