← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الْمُكَلَّفِ حَالَةَ التَّمَكُّنِ، وَهُنَا فِيمَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَالَةَ التَّمَكُّنِ بِأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ زَمَنِ الِامْتِثَالِ. وَأَيْضًا فَتِلْكَ فِي وُرُودِ التَّكْلِيفِ مُنَجَّزًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، وَلَكِنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ. وَمَأْخَذُ الْمَنْعِ فِيهَا تَكْلِيفُ الْمُحَالِ، وَهَذِهِ فِي الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ هَلْ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ؟ وَمَأْخَذُ الْمَانِعِ فِيهَا عَدَمُ تَصَوُّرِ الشَّرْطِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَلِهَذَا لَمْ يَقْصُرْ خِلَافَهُ عَلَى مَا عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ بَلْ عَدَّاهُ إلَى مَا عَلِمَ وُقُوعَهُ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ. [التَّنْبِيهُ] الْخَامِسُ ظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ تَصْوِيرَ الْمَسْأَلَةِ بِالْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ عِلْمِ انْتِفَاءِ وُقُوعِهِ قَاصِرٌ، فَإِنَّ خِلَافَهُمْ لَا يَخُصُّ هَذِهِ الْحَالَةَ، وَإِنَّمَا خِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الْأَمْرُ بِشَرْطٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؟ [التَّنْبِيهُ] السَّادِسُ كُلُّ مَنْ مَنَعَ نَسْخَ الشَّيْءِ قَبْلَ حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ كَالْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْفِعْلِ وَقْتَ وُجُوبِهِ شَرْطُ تَحَقُّقِ الْأَمْرِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا اللَّائِقُ بِأُصُولِهِمْ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَهُ كَمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، فَاخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ وَذَهَبَ بَعْضٌ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَبَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى اشْتِرَاطِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لَيْسَ مُنَاقِضًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشَدَّ مُلَاءَمَةً لَهُ.

стр. 492

فَائِدَةٌ [تَكْلِيفُ الْمُتَمَكِّنِ وَوُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْكِنِ] قَالَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ ": يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ وَيَقَعُ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ. قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: قَوْلُهُ: يُكَلَّفُ الْمُتَمَكِّنُ، بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَقْدُورِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْبُرْهَانِ " صِحَّةُ ذَلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ مَا يَرَاهُ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ. فَأَمَّا عَلَى مَا نَرَاهُ نَحْنُ مِنْ اقْتِرَانِ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ فَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا قَادِرٌ، وَإِنْ أَطْلَقْنَا أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ إلَّا مُتَمَكِّنٌ، فَإِنَّمَا نُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ فِي الْوَاقِعِ إلَّا مَنْ لَا يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ إيقَاعِ الْمَطْلُوبِ. فَأَمَّا اشْتِرَاطُ تَحْقِيقِ الْإِمْكَانِ الَّذِي هُوَ الِاقْتِدَارُ فَغَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَلْ لَا سَبِيلَ إلَى عِلْمِهِ أَبَدًا فِي جَرَيَانِ الْعَادَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ، وَمِنْ الْمُتَعَذَّرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي تَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ مَا لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ الِامْتِثَالِ. [مَسْأَلَةٌ الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ] [الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ] الْمَعْدُومُ الَّذِي تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ مَأْمُورٌ عِنْدَنَا بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وَأَصْلُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ أَصْحَابَنَا لَمَّا أَثْبَتُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ آمِرًا نَاهِيًا مُخْبِرًا. قِيلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِ الْخُصُومِ الْقَائِلِينَ

стр. 493

بِحُدُوثِهِ: إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِدُونِ الْمُخَاطَبِ عَبَثٌ، فَاضْطَرَبَ الْأَصْحَابُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى فِرْقَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: قَالَتْ: إنَّ الْمَعْدُومَ فِي الْأَزَلِ مَأْمُورٌ عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهِ فِي الْأَزَلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ، وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ لَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ حَالَ عَدَمِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِتَقْدِيرِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مَوْجُودًا فِي الْأَزَلِ، ثُمَّ إنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ. وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الْأَشَاعِرَةُ هَكَذَا نَقَلُوهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ مِنْهُمْ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. قَالَ إِلْكِيَا: تَعَلُّقُ الْأَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ مَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَجَوَّزَهُ الْأَشْعَرِيُّ بَلْ أَوْجَبُوهُ، لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ قَدِيمٌ وَلَا مُخَاطِبَ أَزَلًا. وَأَنْكَرَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مُسْتَمْسِكِينَ بِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ، وَلَا يُعْقَلُ الطَّلَبُ مِنْ الْمَعْدُومِ، فَقِيلَ: هَذَا الطَّلَبُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ، فَإِنَّ الْمَعْدُومَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطِبًا أَوْ مُتَعَلِّقًا، فَإِنَّهُ نَفْيٌ، وَإِذَا قُلْت: النَّفْيُ مُتَعَلِّقٌ فَكَأَنَّك قُلْت: لَا مُتَعَلِّقَ، فَقِيلَ لَهُمْ: الْمَعْدُومُ كَيْفَ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا؟ قُلْنَا: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِنَا فَقِيلَ: هَذَا أَمْرٌ وَلَا مَأْمُورَ. قُلْنَا: هُوَ بِتَقْدِيرِ أَمْرٍ فَإِنَّ الطَّلَبَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ فَلَا يَثْبُتُ دُونَ مُتَعَلَّقِهِ أَصْلًا، كَالْعِلْمِ لَا يَثْبُتُ دُونَ مَعْلُومٍ وَالْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ تَقْدِيرًا. قَالَ: وَأَصْحَابُ الشَّيْخِ يَقُولُونَ: مَعْنَى قَوْلِنَا: " إنَّهُ فِي الْأَزَلِ آمِرٌ " أَنَّهُ صَالِحٌ لَأَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمَوْجُودِ بَعْدَ وُجُودِهِ كَالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ

стр. 494

الصِّفَاتِ، وَإِنْكَارُ بَعْضِهَا بِهَذَا الطَّرِيقِ يَجُرُّ إلَى مَا سِوَاهُ. اهـ. وَقَدْ عَظُمَ النَّكِيرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْأَشْعَرِيِّ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى انْكِفَافِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْقُدَمَاءِ، فَقَالُوا: كَلَامُ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا وَوَعْدًا أَوْ وَعِيدًا، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ هَذِهِ الصِّفَاتُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطَبِينَ فِيمَا لَا يَزَالُ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ إثْبَاتٌ لِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ، وَهُوَ يَسْتَحِيلُ، وَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ كَلَامًا أَزَلًا، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ كَوْنُهَا فِيمَا لَا يَزَالُ؟ وَسَهَّلَ الطُّرْطُوشِيُّ أَمْرَ هَذَا الْخِلَافِ، فَقَالَ: لَيْسَ خِلَافًا فِي مَعْنًى، وَإِنَّمَا خِلَافٌ عَائِدٌ إلَى لُغَةٍ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى وُجُودِ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ، وَامْتِنَاعُ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ آمِرًا نَاهِيًا وَتَسْمِيَةِ كَلَامِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ أَجْلِهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ هَذَا الِاقْتِضَاءَ قَائِمٌ بِذَاتِ الْبَارِئِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ، وَإِنَّمَا قَالَ: لَا أُطْلِقُ عَلَيْهِ آمِرًا وَلَا عَلَى كَلَامِهِ أَمْرًا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِمُتَعَلَّقِهِ، فَحِينَئِذٍ أُسَمِّيهِ آمِرًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَجَدَّدَ فِي الْقَدِيمِ شَيْءٌ وَهَذَا قَرِيبٌ. وَعِنْدَ هَذَا نَقُولُ: الْأَقْوَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ آمِرٌ قَبْلَ التَّعْلِيقِ، كَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعَالَى قَادِرٌ قَبْلَ وُجُودِ الْمَقْدُورِ. اهـ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرِدْ تَنْجِيزَ التَّكْلِيفِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ قِيَامَ التَّعَلُّقِ الْعَقْلِيِّ، وَهُوَ قِيَامُ الطَّلَبِ بِالذَّاتِ مِنْ الْمَعْدُومِ إذَا وُجِدَ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ إنَّمَا أَرَادَ التَّنْجِيزَ، وَالتَّعَلُّقُ عِنْدَهُ قَدِيمٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّنْجِيزِ تَكْلِيفُ

стр. 495

الْمَعْدُومِ بِأَنْ يُوجَدَ الْفِعْلُ فِي حَالِ عَدَمِهِ بَلْ تَعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ عَلَى صِفَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا يُوقِعُهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِهِ وَاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَدَمَ التَّنْجِيزِ بَلْ التَّنْجِيزُ وَاقِعٌ، وَهَذَا مَعْنَاهُ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا فِي الْعَدَمِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْعَدَمِ فَقَدْ زَلَّ، فَإِنَّ إتْيَانَهُ بِهِ فِي الْعَدَمِ كَمَا يَسْتَدْعِي الْإِمْكَانَ كَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَالْأَمْرُ لَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى صِفَةِ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ بَعْدَ اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ الَّتِي فِيهَا الْوُجُوبُ. وَأَقْرَبُ مِثَالٍ لِذَلِكَ: الْوَكَالَةُ فَإِنَّ تَعْلِيقَهَا بَاطِلٌ عَلَى الذَّهَبِ، وَلَوْ نَجَّزَ الْوَكَالَةَ وَعَلَّقَ التَّصَرُّفَ عَلَى شَرْطٍ جَازَ، وَهُوَ الْآنَ وَكِيلُ وَكَالَةٍ مُنَجَّزَةٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا عَلَى مُقْتَضَاهَا، وَهُوَ وِجْدَانُ الشَّرْطِ. الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَتْ: إنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ آمِرٌ مِنْ غَيْرِ مَأْمُورٍ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَمَرَّ وَبَقِيَ صَارَ الْمُكَلَّفُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الْوُجُودِ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَضَرَبُوا لِذَلِكَ مِثَالًا: وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَرُبَ مَوْتُهُ قَبْلَ وِلَادَةِ وَلَدِهِ، فَرُبَّمَا يَقُولُ لِبَعْضِ النَّاسِ: إذَا أَدْرَكْت وَلَدِي، فَقُلْ لَهُ: إنَّ أَبَاك كَانَ يَأْمُرُك بِتَحْصِيلِ الْعِلْمِ. فَهَاهُنَا قَدْ وُجِدَ الْآمِرُ، وَالْمَأْمُورُ مَعْدُومٌ حَتَّى لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ الْأَمْرُ إلَى أَوَانِ بُلُوغِ ذَلِكَ الصَّبِيِّ لَصَارَ مَأْمُورًا بِهِ. قَالَ صَاحِبُ " التَّنْقِيحَاتِ ": وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ الْكَلَامُ فِيمَا لَيْسَ هُنَاكَ مَأْمُورٌ وَلَا مَنْ يَنْهَى إلَيْهِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَصْلِ الْأَشَاعِرَةِ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ إنَّمَا هُوَ الْخَبَرُ، وَالْخَبَرُ فِي الْأَزَلِ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ إضَافَتُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ

стр. 496

تَخْتَلِفُ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعِلْمِ فَإِنَّهُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْلُومَاتِ. وَلَعَلَّ الْأَشَاعِرَةَ إنَّمَا ذَهَبُوا إلَى انْحِصَارِ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْخَبَرِ. لِهَذَا الْغَرَضِ وَالْقَائِلُونَ بِجَوَازِ أَمْرِ الْمَعْدُومِ اخْتَلَفُوا كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. فَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ أَمْرُ إنْذَارٍ وَإِعْلَامٍ، وَلَيْسَ بِأَمْرِ إيجَابٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّهُ أَمْرُ إيجَابٍ عَلَى شَرْطِ الْوُجُودِ، فَإِنَّ مَا يَتَحَاشَى مِنْ الْإِيجَابِ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْإِعْدَامِ، وَكَمَا يَتَعَذَّرُ إلْزَامُ الْمَعْدُومِ شَيْئًا يَتَعَذَّرُ إعْلَامُهُ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَوْجُودٍ وَاحِدٍ فَصَاعِدًا، ثُمَّ يَتَّبِعُهُ الْمَعْدُومُونَ عَلَى شَرْطِ الْوُجُودِ وَسُقُوطُ هَذَا وَاضِحٌ. قُلْت: وَهُوَ يُضَاهِي قَوْلَ الْفُقَهَاءِ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْمَعْدُومِ تَبَعًا لِمَوْجُودٍ كَوَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَأَنْكَرُوا خِطَابَ الْمَعْدُومِ وَتَوَصَّلُوا بِزَعْمِهِمْ إلَى إبْطَالِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَعَلَى، هَذَا فَهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ الْوَارِدَةِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، تَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِينَ، وَأَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ تَنَاوَلَهُ بِدَلِيلٍ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ فِي " الْهِدَايَةِ " عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ اخْتِيَارَ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومِينَ وَأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَوْجُودِينَ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّهُ إذَا احْتَجَّ عَلَيْنَا بِأَمْرٍ أَوْ خَبَرٍ يَلْزَمُنَا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُنَا لَوْ كُنَّا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَوْجُودِينَ مِنْ غَيْرِ قِيَاسٍ إنْ قُلْنَا الْأَمْرُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتَنَاوَلُهُ فَيَحْتَاجُ إلَى قِيَاسٍ أَوْ دَلِيلٍ آخَرَ لِإِلْحَاقِ الْمَوْجُودِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالْمَوْجُودِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ.

стр. 497

وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الشَّامِلِ " مَذْهَبَ الشَّيْخِ وَأَشَارَ فِي " الْبُرْهَانِ " إلَى الْمَيْلِ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي: وَعَلَى قَضِيَّةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتَلَفَ الصَّائِرُونَ إلَى قِدَمِ كَلَامِ الرَّبِّ تَعَالَى وَأَنَّ كَلَامَهُ هَلْ يَتَّصِفُ فِي أَزَلِهِ بِكَوْنِهِ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَمْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى وُجُودِ الْمُكَلَّفِينَ وَتَوَفُّرِ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ؟ فَمَنْ جَوَّزَ أَمْرَ الْمَعْدُومِ صَارَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الرَّبِّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ أَمْرًا، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَعَلَ كَوْنَهُ أَمْرًا مِنْ الصِّفَاتِ الْآيِلَةِ إلَى الْفِعْلِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَتَّصِفْ فِي أَزَلِهِ بِكَوْنِهِ خَالِقًا، فَلَمَّا خَلَقَ وُصِفَ بِكَوْنِهِ خَالِقًا. قَالَ: وَاَلَّذِي نَرْتَضِيهِ جَوَازُ أَمْرِ الْمَعْدُومِ عَلَى التَّحْقِيقِ بِشَرْطِ الْوُجُودِ، وَأَنْكَرَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ قَاطِبَةً. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِشَرْطِ الْوُجُودِ وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْخِطَابَ بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ أَمْرَ مَعْدُومٍ، وَإِنْ أَرَادَ خِطَابَهُ حَالَةَ الْعَدَمِ فَذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْمَشْرُوطُ عَلَى الشَّرْطِ. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ أَصْلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ إثْبَاتُ كَلَامِ النَّفْسِ لِلْبَارِئِ، فَعِنْدَنَا أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ أَبَدًا، وَهُوَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا خَبَرًا وَاسْتِخْبَارًا، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَمْرٌ لِلْمَعْدُومِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي الْأَزَلِ اتَّصَفَ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا، وَنَحْنُ مَعْدُومُونَ إذْ ذَاكَ لَا مَحَالَةَ. وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَصَارُوا إلَى أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ حَادِثٌ بِخَلْقِهِ إذَا أَمَرَ أَوْ نَهَى وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ فَلَا أَمْرَ وَلَا نَهْيَ قَبْلَ الْمَأْمُورِ.

стр. 498

وَنُقِلَ عَنْ الْقَلَانِسِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ قَالَ: الْبَارِئُ تَعَالَى مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا إلَّا أَنَّ كَلَامَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ إلَّا إذَا أَمَرَ وَنَهَى وَدَخَلَ الْمُكَلَّفُونَ وَحَدَّثَ الْمُخَاطَبُونَ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُمْ أَحَالُوا وُجُودَ أَمْرٍ وَلَا مَأْمُورَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ اللَّهِ أَحَدٌ فِي الْأَزَلِ حَتَّى يَأْمُرَهُ وَيَنْهَاهُ فَيَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْأَمْرِ لِاسْتِحَالَةِ الْكَلَامِ. وَدُهِشَ لِهَذَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَلَانِسِيُّ وَغَيْرِهِ حَتَّى رَكِبَ مَرْكَبًا صَعْبًا فَأَنْكَرَ كَوْنَ كَلَامِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ أَمْرًا وَنَهْيًا وَوَعْدًا وَوَعِيدًا، فَخَلَصَ بِهَذَا مِنْ إلْزَامِهِمْ، لِأَنَّهُ إذَا نَفَى الْأَمْرَ فِي الْأَزَلِ لَمْ تَجِدْ الْمُعْتَزِلَةُ سَبِيلًا إلَى الطَّعْنِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي قِدَمِ الْقُرْآنِ، لَكِنَّهُ اسْتَبْعَدَ أَمْرًا وَفَرَّ مِنْهُ، فَوَقَعَ فِي آخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ كَلَامَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَدِيمًا فِي الْأَزَلِ عَلَى غَيْرِ حَقَائِقِ الْكَلَامِ مِنْ كَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا. وَإِثْبَاتُ كَلَامٍ لَيْسَ بِأَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا خَبَرٍ. وَلَا اسْتِخْبَارٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَكَأَنَّ مُثْبَتَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَلَامًا، وَإِنَّمَا أَثْبَتَ صِفَةً أُخْرَى غَيْرَ كَلَامٍ. فَالْحَاصِلُ: صُعُوبَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَنْشَأَ عَنْهَا نَفْيُ قِدَمِ الْكَلَامِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَإِمَّا إثْبَاتُ قِدَمِ الْكَلَامِ، وَفِيهِ إثْبَاتُ قِدَمِ الْخَلَائِقِ الْمَأْمُورِينَ أَوْ إثْبَاتِ أَمْرٍ وَلَا مَأْمُورَ، وَإِمَّا إثْبَاتُ كَلَامٍ قَدِيمٍ عَارَضَ حَقَائِقَ الْكَلَامِ، فَأَمَّا شَيْخُ الْمَذْهَبِ الْأَشْعَرِيُّ فَلَمْ يَسْتَبْعِدْ إثْبَاتَ أَمْرٍ فِي الْأَزَلِ وَلَا مَأْمُورَ لِأَنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا أَمْرَ الْغَائِبِ، وَإِنَّمَا يُتَوَجَّهُ عِنْدَ حُضُورِهِ. وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الَّذِي نَجِدُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا تَقْدِيرُ أَمْرٍ إذَا حَضَرَ لَا نَفْسَ الْأَمْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَكَلَامُ اللَّهِ وَأَوَامِرِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا التَّقْدِيرُ.

стр. 499

وَاسْتَدَلَّ شَيْخُنَا بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَعْدُومَ يَأْمُرُ بِهِ. تَقُولُ بِهِ: زُرْنِي غَدًا، وَبِأَنَّ الْخَلْقَ إلَى يَوْمِنَا لَمْ يَزَالُوا مَأْمُورِينَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَصْفُو بَعْدَ تَصَوُّرِ أَحْكَامِ التَّعَلُّقَاتِ وَمُتَعَلِّقَاتهَا، وَصَرْفِ التَّعْيِينِ إلَى الْمُتَعَلِّقَاتِ لَا الْمُتَعَلِّقِ، وَهُوَ مِنْ الْغَوَامِضِ. وَأَهْلُ الْحَقِّ أَثْبَتُوا هَذِهِ التَّعَلُّقَاتِ أَزَلِيَّةً، لِأَنَّ نَفْيَهَا عَنْ الْبَارِي سُبْحَانَهُ فِي الْأَزَلِ مُحَالٌ. وَقَالَ الْمُقْتَرَحُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْبُرْهَانِ ": التَّقْدِيرُ هَاهُنَا لَيْسَ عَائِدًا إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ حَادِثٌ وَيَسْتَحِيلُ قِيَامُ الْحَادِثِ بِذَاتِهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ إلَى الْمُكَلَّفِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدِّرُ فِي نَفْسِهِ احْتِمَالُ وُجُودِ هَذَا الْمَعْدُومِ، وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يُوجَدَ، فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ يَكُونُ مَأْمُورًا قَالَ: وَإِنْ صَدَّقْنَا وَحَقَّقْنَا قُلْنَا: الْأَمْرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْمَعْدُومِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ الْمُتَوَقَّعِ كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ الْأَزَلِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ الَّذِي سَيَكُونُ، كَذَلِكَ الْمَطْلُوبُ الْأَزَلِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّكْلِيفِ الَّذِي سَيَكُونُ، فَالْأَمْرُ إذَنْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَوْجُودِ، أَوْ يَتَعَلَّقُ الطَّلَبُ بِالْمَوْجُودِ بِالْمَعْدُومِ، فَإِنَّ نَفْيَ التَّنْجِيزِ يُشْعِرُ بِذَلِكَ. تَنْبِيهَانِ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ هَذَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمَأْمُورَ مَتَى يَصِيرُ مَأْمُورًا؟ هَلْ مِنْ الْأَزَلِ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ وَشُرُوطٍ أُخْرَى؟ وَإِنْ كَانَ أَنْشَأَ الْأَمْرَ مُتَقَدِّمًا يُضَاهِيهِ الْبَحْثُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ.

стр. 500

الْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ: بِالتَّعْلِيقِ يَنْعَقِدُ سَبَبُهُ، وَعِنْدَ الصِّفَةِ تَعَذَّرَ إنْشَاؤُهُ وَيُجْعَلُ كَالنَّازِلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَقُولُونَ: إنَّ التَّعْلِيقَ الْمُتَقَدِّمَ هُوَ الْعِلَّةُ فَيُؤَثِّرُ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا أَنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ كَذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِمْ الْآنَ، وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ مَصْرِفُهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا يَصِيرُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ إذَا انْقَرَضَ مِنْ قَبْلِهِ وَلَعَلَّ خِلَافَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَأْتِي فِي ذَلِكَ. وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاةِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى فَهَلْ نَقُولُ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقَالَ بِهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، لِأَنَّ أَهْلَ الشَّيْءِ هُوَ الْمُسْتَقِرُّ فِي اسْتِحْقَاقِهِ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا» ؟ فَكَذَلِكَ يَقُولُ: إنَّ مِنْ شَرْطِ اسْمِ الْوَقْفَ الِاسْتِحْقَاقُ. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي لَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ " لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ " تَنَاقُضٌ، كَمَا قَدْ يَظُنُّ، فَإِنَّهُ إنْ فَسَّرَ لَا حُكْمَ بِعَدَمِ الْعِلْمِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ فَسَّرَ بِعَدَمِ الْحُكْمِ، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّا نَقُولُ: دَالُّ الْحُكْمِ فِي الْأَزَلِ وَتَعَلُّقُهُ بِالْمُكَلَّفِ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ بَعْثَةِ الرُّسُلِ ﵈ فَمَعْنَى لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ: أَيْ لَا تَعَلُّقَ لِلْأَمْرِ فَلَا تَنَاقُضَ. [مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُكَلَّفِ الْحُرِّيَّةُ] وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُكَلَّفِ الْحُرِّيَّةُ بَلْ يُدَخِّلُ الْعَبِيدُ فِي الْخِطَابِ الْعَامِّ

стр. 501

نَحْوَ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] وَهُوَ كَالْحُرِّ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْخِطَابِ بِالْأَحْرَارِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي الْعُمُومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحُكْمُ مَنْ فِيهِ جُزْءٌ مِنْ الرِّقِّ حُكْمُ الرَّقِيقِ. قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِي بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ " بَيَانِ الْبُرْهَانِ " وَقَلَّ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ فِي " الْإِرْشَادِ ": وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَالُ لَا يَدْخُلُ فِيهِ لِعَدَمِ الْمِلْكِ. [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الذُّكُورِ فِي الْإِنَاثِ فِي الْخِطَابِ] [دُخُولُ الذُّكُورِ فِي الْإِنَاثِ فِي الْخِطَابِ] لَا يُشْتَرَطُ الذُّكُورِيَّةُ بَلْ الْخِطَابُ يَشْمَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَتَّبِعُ فِي ذَلِكَ وَضْعَ اللُّغَةِ، فَإِنْ وَرَدَتْ لَفْظٌ تَخُصُّ الرِّجَالَ خَصَّصْنَا بِهِمْ فَإِنْ وُضِعَتْ شَرِكَةٌ حَمَلْنَاهَا عَلَى الِاشْتِرَاكِ سَيَأْتِي فِي الْعُمُومِ، وَيَتَنَاوَلُ الْخُنْثَى، لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأُصُولِيُّونَ. [مَسْأَلَةٌ تَكْلِيفُ الْجِنِّ] [تَكْلِيفُ الْجِنِّ] وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّكْلِيفِ الْإِنْسِيَّةُ بَلْ الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ، وَقَدْ وَقَعَ

стр. 502

نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِفُرُوعِ الدِّينِ فَقَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ: إنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَا عَلَى حَدِّ تَكْلِيفِ الْإِنْسِ بِهَا، لِأَنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْإِنْسَ بِالْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَبِالضَّرُورَةِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي بَعْضِ التَّكَالِيفِ. مِثَالُهُ. أَنَّ الْجِنَّ قَدْ أُعْطِيَ بَعْضُهُمْ قُوَّةَ الطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِقَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْحَجِّ طَائِرًا، وَالْإِنْسَانُ لِعَدَمِ تِلْكَ الْقُوَّةِ لَا يُخَاطَبُ بِذَلِكَ. هَذَا فِي طَرَفِ زِيَادَةِ تَكْلِيفِهِمْ عَلَى تَكْلِيفِ الْإِنْسِ، فَكُلُّ تَكْلِيفِهِ يَتَعَلَّقُ بِخُصُوصِ طَبِيعَةِ الْإِنْسِ يَنْتَفِي فِي حَقِّ الْجِنِّ، لِعَدَمِ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَكْلِيفِ الْجِنِّ بِالْفُرُوعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرْسِلَ بِالْقُرْآنِ إلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَجَمِيعُ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ يَتَوَجَّهُ إلَى الْجِنْسَيْنِ، وَقَدْ تَضْمَنَّ ذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ الْإِنْسِ مُخَاطَبُونَ بِهَا وَكَذَلِكَ كُفَّارُ الْجِنِّ. [الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُكَلَّفُ بِهِ] ِ] وَلَهُ شُرُوطٌ [شُرُوطُ الْمُكَلَّفِ بِهِ] أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا مِنْ حَيْثُ هُوَ يُمْكِنُ حُدُوثُهُ، إذْ إيجَادُ الْمَوْجُودِ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَدَمَ الْأَصْلِيَّ، إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِلْقُدْرَةِ. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِكَسْبِ الْمُكَلَّفِ، فَلَا يَصِحُّ أَمْرُ زَيْدٍ بِكِتَابَةِ عَمْرٍو، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى هَذَا بِإِلْزَامِ الْعَاقِلَةِ دِيَةَ خَطَأِ وَلِيِّهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا وَالْمُخَالِفُ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ. قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفَرَائِضِ: ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ إلَى أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ عَلَى

стр. 503

الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ بِمَا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْفَرَائِضِ، وَكَانَ مَنْ يُوَفَّقُ لِذَلِكَ مُصِيبًا وَمَنْ تَعَدَّاهُ مُخْطِئًا. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا زَلَلٌ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ تَكْلِيفٌ عَلَى عَمَائِهِ. رَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ بِالْفِعْلِ، وَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ وَالْكَفُّ فِعْلُ الْإِنْسَانِ دَاخِلٌ تَحْتَ كَسْبِهِ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّرْكُ نَفْيٌ مَحْضٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ وَلَا الْكَسْبِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ» نَعَمْ. لَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ عَلَى الْكَفِّ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ دُونَ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ. خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لَهُ عَلَى خِلَافٍ فِي هَذَا الشَّرْطِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَبَعْضُهُمْ تَرْجَمَهَا بِالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِهَا. فَنَقُولُ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَعْدُومَ إمَّا مُمْكِنٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ مُمْتَنِعٌ، فَالْمُمْكِنُ مَا اسْتَوَتْ نِسْبَتُهُ إلَى الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ فَيَحْتَاجُ فِي وُجُودِهِ إلَى مُرَجِّحٍ وَمُخَصِّصٍ، وَالْوَاجِبُ مَا تَرَجَّحَ وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ وَالْمُمْتَنِعُ مَا تَرَجَّحَ عَدَمُهُ عَلَى وُجُودِهِ، ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهُ أَوْ امْتِنَاعُهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَالْوَاجِبُ لَا لِذَاتِهِ مَا تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى سَبَبٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ كَسَائِرِ الْمَوْجُودَاتِ حَالَ وُجُودِهَا، وَالْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ

стр. 504

الضِّدَّيْنِ، وَالْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ أَنَّ فُلَانًا يَمُوتُ كَافِرًا وَهُوَ أَمْثَالُ الْمَشْهُورِ فِي هَذَا الْبَابِ. فَإِذَنْ الْمُحَالُ ضَرْبَانِ: مُحَالٌ لِذَاتِهِ وَمُحَالٌ لِغَيْرِهِ، وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا. وَيُطْلِقُهُ الْأُصُولِيُّونَ وَالْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى أَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: مَا لَا يُعْقَلُ عَلَى حَالٍ، وَهُوَ الْمُسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَقَلْبِ الْأَجْنَاسِ، وَإِعْدَامِ الْقَدِيمِ، وَإِيجَادِ الْمَوْجُودِ. الثَّانِي: عَلَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدُورِ الْبَشَرِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ كَخَلْقِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ وَإِلَّا لَمَا أَدْرَكُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ عَجْزًا عَنْهُ. الثَّالِثُ: مَا لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ، كَالطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَالْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ. الرَّابِعُ: عَلَى جِنْسِ الْمَقْدُورِ فِي الْعَادَةِ وَلَكِنْ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً عَلَيْهِ، وَمِنْ هَذَا جَمِيعُ الطَّاعَاتِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ، وَالْمَعَاصِي الْوَاقِعَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُقَدِّرْ الْعَاصِيَ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا الْمُمْتَنِعَ مِنْ الطَّاعَةِ عَلَى فِعْلِهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ قِسْمًا آخَرَ، وَهُوَ تَكْلِيفُ الْقَاعِدِ الْقِيَامَ وَالْقَائِمِ الْقُعُودَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْقُدْرَةِ.

стр. 505

إذَا عَلِمَتْ هَذَا فَالنَّظَرُ فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ، وَالثَّانِي: الْوُقُوعُ. [جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ] [جَوَازُ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ] أَمَّا الْجَوَازُ فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ مُطْلَقًا، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الشَّامِلِ " الَّذِي مَالَ إلَيْهِ أَكْثَرُ أَجْوِبَةِ شَيْخِنَا وَارْتَضَاهُ الْمُحَصِّلُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ جَائِزٌ عَقْلًا، وَكَذَلِكَ تَكْلِيفُ الشَّيْءِ مَعَ تَقْدِيرِ الْمَنْعِ مِنْهُ اسْتِمْرَارًا، وَفِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ لَا يُسَوِّغُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ كَجَمْعِ الضِّدَّيْنِ، وَالْإِقْدَامِ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْمَانِعِ مِنْهُ، وَمَعَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ ثُمَّ لَمْ يَصِرْ فِي مَنْعِهِ إلَى التَّقْبِيحِ الَّذِي ادَّعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ بَاطِلٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ " الْإِرْشَادُ ": مِنْ صُوَرِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ، وَإِيقَاعُ مَا يَخْرُجُ عَنْ قَبِيلِ الْمَقْدُورَاتِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ. اهـ. وَقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ " الْوَجِيزِ " عَلَى الْجَوَازِ، فَإِنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى الْقَائِلِينَ بِاسْتِحَالَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُحَالًا لَمَا اسْتَقَامَ الِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ بِدَفْعِهِ. اهـ. يَعْنِي لَوْلَا جَوَازُهُ لَمَا اسْتَعَاذُوا مِنْهُ، إذْ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ مُحَالٍ مُحَالٌ، وَالْخَصْمُ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، ثُمَّ هِيَ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَدْرِ الْآيَةِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 506

وَحَاوَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ نَفْيَ هَذَا الْمَذْهَبِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ، وَزَعَمَ أَنَّ الَّذِي جَوَّزَهُ وُرُودُ صِيغَةٍ مُضَاهِيَةٍ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالْغَرَضُ مِنْهَا تَعْجِيزُ وَتَبْيِينُ حُلُولِ الْعِقَابِ الَّذِي لَا مَحِيصَ عَنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبًا وَاقْتِضَاءً، وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] فَإِنَّ ظَاهِرَهُ تَعْلِيقُ الْخَلَاصِ مِنْ الْعِقَابِ بِانْسِلَاكِ الْجَمَلِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَعْلِيقًا، وَإِنَّمَا هُوَ إبْدَاءُ الْيَأْسِ مِنْ النَّجَاةِ. وَيَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ صَدْرُ الْآيَةِ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَهَذَا مَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الشَّامِلِ " عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَارْتَضَاهُ صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " حَيْثُ قَالَ فِي بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ جَائِزٌ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْأَمْرُ بِالْمُحَالِ لِذَاتِهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَصَوَّرُ الطَّاعَةَ مِنَّا فِي ذَلِكَ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ نَعْجَزُ عَنْهُ قَطْعًا وَأَنَّهُ مَتَى أَمَرَنَا بِهِ حَصَلَ الْإِعْلَامُ بِنُزُولِ الْعِقَابِ لَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمَّا حَكَاهُ عَنْ وَالِدِهِ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَقْلًا تَسْمِيَةُ الطَّلَبِ مِنْ الْمُحَالِ لَزِمَ مِثْلُهُ وَتَكْلِيفُ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْفِعْلِ وَإِنْ سَاغَ تَسْمِيَةُ ذَلِكَ طَلَبًا سَاغَ فِي تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَيُعْتَضَدُ ذَلِكَ بِأَصْلٍ عَظِيمٍ مِنْ أُصُولِنَا، وَهُوَ أَنَّ التَّكْلِيفَ الصَّادِرَ لَيْسَ مَنِّ شَرْطِ ثُبُوتِهِ كَوْنُ الْمُكَلَّفِ مُرِيدًا لِوُقُوعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ إرَادَةُ وُقُوعِ الْمُحَالِ، وَأَمَّا طَلَبُهُ مَعَ انْتِفَاءِ إرَادَةِ امْتِنَاعِهِ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": وَسَاعَدَهُمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ.

стр. 507

قُلْت: وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَنَقَلَهُ فِي " الْمُرْشِدِ " عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَمِنْ الْأَقْدَمِينَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ " الدَّلَائِلِ وَالْإِعْلَامِ " وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي " الْأُمِّ " فَإِنَّهُ قَالَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَنَّ عَلَيْكُمْ إتْيَانَ الْأَمْرِ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ، لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا كُلِّفُوا فِيمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ الْفِعْلِ اسْتِطَاعَةَ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُكَلَّفٌ. وَأَمَّا النَّهْيُ فَالتُّرْكُ لِكُلِّ مَا أَرَادَ تَرْكَهُ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفِ شَيْءٍ يَحْدُثُ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مُتَكَلَّفٌ عَنْهُ. اهـ لَفْظُهُ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَيْسَ مَأْخَذُ الْمَانِعِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ كَمَا صَارَ إلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ مَأْخَذُهُمْ: أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ لَا يَصِحَّانِ مِنْ الْعَاجِزِ فَبَطَلَ تَقْدِيرُ الْوُجُوبِ وَعَلَى هَذَا إنَّمَا كُلِّفَ أَبُو لَهَبٍ بِأَنْ يُصَدِّقَ بِأَنْ لَا يَصْدُقَ، بَلْ كُلِّفَ أَنْ يُصَدِّقَ، وَلَوْ صَدَّقَ لَكَانَ مِمَّنْ لَا يَصْدُقُ، لِقَوْلِهِ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] أَيْ إنْ لَمْ يُؤْمِنْ، وَخِلَافُ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ، فَلَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُ الْعَاجِزِ. وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ، أَوْ لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ، وَنُقِلَ عَنْ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ مَيْلِ الْغَزَالِيِّ وَقَدْ رَأَيْت فِي " الْإِحْيَاءِ " لَهُ التَّصْرِيحُ بِالْجَوَازِ، وَقَالَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ وَجَدَ لَهُ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ. وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ " الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَاَلَّذِي يَمْنَعُهُ الْمُحَالُ بِنَفْسِهِ وَإِيمَانُ أَبِي لَهَبٍ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِيلٌ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فَلَا يَكُونُ

стр. 508

دَاخِلًا فِي مَا مَنَعْنَاهُ، هَذَا كَلَامُهُ، وَغَلَطَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا. وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ بِالْمَحَالِ، فَإِنْ وَرَدَ لَا نُسَمِّيهِ تَكْلِيفًا بَلْ عَلَامَةً نَصَبَهَا اللَّهُ عَلَى عَذَابِ مَنْ كَلَّفَهُ بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَالْخِلَافُ عَلَى هَذَا لَفْظِيٌّ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعْنَوِيٌّ، وَقَالَ فِي " الْوَجِيزِ ": إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ تَسْمِيَتَهُ تَكْلِيفًا وَإِلَيْهِ مَالَ الْأُسْتَاذُ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى تَسْمِيَتِهِ تَكْلِيفًا. [وُقُوعُ التَّكَلُّفِ بِالْمُحَالِ] وَأَمَّا الْوُقُوعُ السَّمْعِيُّ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ، وَقِيلَ: إنَّ الْأُسْتَاذَ حَكَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ. قَالَ الْإِمَامُ فِي " الشَّامِلِ ": وَإِلَيْهِ صَارَ الدَّهْمَاءُ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَعَلَيْهِ جُلُّ الْفُقَهَاءِ قَاطِبَةً، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى وُقُوعِهِ. وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ كَقَلْبِ الْحَقَائِقِ مَعَ بَقَاءِ الْحَقِيقَةِ الْأُولَى، فَيُمْتَنَعُ. وَأَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ فَيَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ فِي " الشَّامِلِ ". وَقِيلَ: وَقَعَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، حَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي جَعْفَرِ بْنِ السَّمْنَانِيِّ. وَاضْطَرَبَ النَّاقِلُونَ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ وَاقِعٌ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ فِي الْإِرْشَادِ، وَأَنَّهُ احْتَجَّ لِلْوُقُوعِ الشَّرْعِيِّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ أَبَا جَهْلٍ

стр. 509

أَنْ يُصَدِّقَهُ، وَيُؤْمِنَ بِهِ فِي جَمِيعِ مَا يُخْبِرُ عَنْهُ، وَمِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ، وَذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ اهـ. وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ فِي " الْإِحْكَامِ " وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَلَ الْوَقْفَ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي " الشَّامِلِ "، وَمِنْهُمْ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَتْبَاعُهُ كَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ بَرْهَانٍ: وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِ بَلْ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا عِنْدَهُ لِغَيْرِ الْمُمْكِنِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَا يَقَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْعَبْدُ إذَنْ مُخَاطَبٌ بِمَا لَيْسَ إلَيْهِ إيقَاعُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَعْنًى لِلتَّمْوِيهِ بِالْكَسْبِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِفِعْلِ الْغَيْرِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَهُ مَعَ الْفِعْلِ وَالتَّكْلِيفُ بِهِ يَتَوَجَّهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهُوَ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ حَالَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ حَالَ الْخِطَابِ. وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ الْقُدْرَةَ لَمْ تُقَارِنْ الْفِعْلَ، وَإِنْ قَارَنَتْ الضِّدَّ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُمَا ضَعِيفَانِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ عَلَى رَأْيِ الشَّيْخِ لَا عَلَى رَأْيِهِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمًا أَنَّ بَعْضَ التَّكَالِيفِ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لَا كُلِّهِ

стр. 510

وَهُوَ مَقْصُودُ الْمَسَائِلِ وَنَقِيضُ مَقْصُودِهِ، بَلْ الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ لَيْسَ ضِدًّا لَهُ، وَهَذَا لِأَنَّ ضِدَّهُ الْوُجُودِيُّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ التَّلَبُّسَ بِهِ تَرْكُهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي أَمَرَ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِيهِ، وَهُوَ فِي زَمَانِ وُرُودِ الْخِطَابِ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِهِ، لِأَنَّ زَمَانَ الْفِعْلِ هُوَ الزَّمَانُ الثَّانِي إنْ كَانَ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ. سَلَّمْنَا أَنَّ ذَلِكَ ضِدُّهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَكِنَّهُ حَاصِلٌ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ، وَالْأَمْرُ بِتَرْكِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ مَا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَى الشَّيْخِ، لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْفِعْلِ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ قَبْلَهُ عِنْدَهُ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ نَقَلَ الْإِمَامُ فَإِنْ صَحَّ هَذَا مِنْ مَذْهَبِهِ كَانَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ لَازِمٍ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَكْلِيفُهُ قَبْلَ وُقُوعِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، لِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ تُمَكِّنُ مِنْ إيجَادِ الْفِعْلِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى فَسَادٍ سَبَقَهَا الْفِعْلُ، أَنَّهَا عَرَضٌ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَزِمَ بَقَاءُ الْأَعْرَاضِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ. ثُمَّ الشَّرْعُ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ اسْتِطَاعَةِ الْفِعْلِ بِأَنَّا لَا نَحْكُمُ بِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَغْلَطْ الْقَوْمُ فِي نَقْلِ مَذْهَبِ الرَّجُلِ، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْأَشْعَرِيَّ أَجَازَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ أَيْ فِي الْحَالِ لَا فِي الِاسْتِقْبَالِ وَمَا يَكُونُ إيقَاعُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالِ، وَلَوْ قُيِّدَ إطْلَاقُهُ بِهَذَا لَمْ يَتَعَقَّبْ عَلَيْهِمْ نَقْلُهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَخْذَ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ، لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَلَامُ الْأَشْعَرِيِّ مُصَرِّحٌ بِوُقُوعِ الْمُمْتَنِعِ

стр. 511

لِغَيْرِهِ وَالِاضْطِرَابُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ " الْإِيجَازِ " بِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَاجِزِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَتَكْلِيفَ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ صَحِيحٌ وَجَائِزٌ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ وُجِدَ تَكْلِيفُ اللَّهِ الْعِبَادَ بِمَا هُوَ مُحَالٌ لَا يَصِحُّ وُجُودُهُ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَضِيَّةِ أَبِي لَهَبٍ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ. وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِالْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ وَاجِبٌ. وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَفَى الْقُدْرَةَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْخَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَكْلِيفِهِ بِمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ وَقُصَارَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجَوِّزُونَ ظَوَاهِرُ لَا تُفْضِي إلَى الْقَطْعِ وَلَيْسَ الِامْتِنَاعُ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْعَقْلِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمِ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " إلَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ لَا يُسَمَّى مُسْتَحِيلًا. لِأَنَّهُ فِي ذَاتِهِ جَائِزُ الْوُقُوفِ. [التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ] فَوَائِدُ الْأُولَى [التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ] نَقَلَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْإِجْمَاعَ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ عَقْلًا بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ بُرْهَانٍ قَالَ: إنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِنَا

стр. 512

صَارُوا إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى تَكْلِيفًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَلَّفَ الْكُفَّارَ بِالْإِيمَانِ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَعَ الْفِعْلِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي التَّكْلِيفِ بِفِعْلٍ مَشْرُوطٍ عَلِمَ الْآمِرُ انْتِفَاءَ وُقُوعِهِ يَجْرِي هُنَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ". فَقَالَ: قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ يَعْنِي عَبْدَ الْجَبَّارِ: لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُكَلَّفَ الْوَاحِدَ بِالْأَمْرِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْهُ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ يَعْجَزُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى وَيَقْدِرَ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَقَدْ حَكَى الْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا فِي أَنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ هَلْ هُوَ مُسْتَحِيلٌ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ؟ فَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ فِي التَّكْلِيفِ بِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَنْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ صَارَ إيمَانُهُ كَالْمُمْتَنِعِ إيقَاعُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَخَالَفَ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمُخَالَفَةُ عِلْمِهِ لَا تَصِحُّ، وَلَكِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى عَدَمِ الْإِمْكَانِ. مِنْ نَاحِيَةِ الْفِعْلِ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ، وَعِلْمُ اللَّهِ لَا يَصِيرُ الْمُمْكِنُ غَيْرَ مُمْكِنٍ، فَبَقِيَ عَلَى إمْكَانِهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْإِيمَانُ فِي حَقِّهِمْ كَالْمَعْجُوزِ عَنْهُ الْمُسْتَحِيلِ لِأَجْلِ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ، لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ أَنَّ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مَقْدُورٌ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ. قُلْت: وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَعَ الْفِعْلِ.

стр. 513

الثَّانِيَةُ [كَيْفَ يَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَا يُخَالِفُ عِلْمَهُ؟] اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ تَوْجِيهَ الْجَوَازِ، فَقَالَ: إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ بَعْضَ الْخَلْقِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ لَا يُطِيعُونَ وَلَا يَمْتَثِلُونَ فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِنْهُمْ مَا يُخَالِفُ عِلْمَهُ؟ فَعَلَى هَذَا فَقَدْ كَلَّفَهُمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَ، لِأَنَّ مَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَوَاجِبٌ لَازِمٌ أَنْ لَا يَكُونَ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ. وَأَجَابَ: بِأَنْ أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّ تَوْجِيهَ الْخِطَابِ لِلْأَشْقِيَاءِ الَّذِينَ لَا يَمْتَثِلُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ، وَلَا يَجْتَنِبُونَ مَا نُهُوا عَنْهُ لَيْسَ طَلَبًا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَامَةٌ وُضِعَتْ عَلَى شَقَاوَتِهِمْ، وَأَمَارَةٌ نُصِبَتْ، عَلَى تَعْذِيبِهِمْ، إذْ لَا يَبْعُدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْخَبَرِ. قُلْت: وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ حَكَاهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ وَزَيَّفَهَا، وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْأُسْتَاذِ كَمَا سَبَقَ، وَاسْتَأْنَسَ لَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ بِتَكْلِيفِ الْمُصَوِّرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً. . . الْحَدِيثَ. الثَّالِثَةُ [اسْتِحَالَةُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْكُفْرِ] قَالَ الْإِمَامُ فِي " الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ " يَسْتَحِيلُ وُرُودُ الْأَمْرِ بِالْكُفْرِ بِاَللَّهِ

стр. 514

تَعَالَى، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ الْأَمْرُ بِالْجَهْلِ بِهِ؟ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ جَمْعِ الضِّدَّيْنِ. الرَّابِعَةُ [التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ الْمَشْرُوطِ مُسْتَحِيلٌ] اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ بِالْمُمْكِنِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطٍ مُسْتَحِيلٍ أَمْ لَا؟ أَمَّا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فَاتَّفَقُوا عَلَى الْمَنْعِ هَاهُنَا، وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ كَمَا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِنَفْسِ الْمُسْتَحِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِتَهَافُتِ الصِّيغَةِ، وَأَنَّهُ إذَا قِيلَ: إنْ تَحَرَّكَ زَيْدٌ فِي حَالِ سُكُونِهِ فَقُمْ، فَإِنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ، فَلَا يَقُمْ. فَسَلَبَ مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ. الْخَامِسَةُ [تَأْقِيتُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتٍ لَا يَسَعُهَا] لَا يَجُوزُ تَأْقِيتُ الْعِبَادَةِ بِوَقْتٍ لَا يَسَعُهَا إنْ مَنَعْنَا تَكْلِيفَ الْمُسْتَحِيلِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، مَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ الضَّرُورَاتِ قَدْرَ رَكْعَةٍ مِنْ آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَزِمَتْهُ، فَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ بَلْ الْقَضَاءِ. قَالَهُ الْإِمَامُ فِي التَّلْخِيصِ. السَّادِسَةُ [الْفَرْقُ بَيْنَ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ] فَرْقٌ بَيْنَ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، فَتَكْلِيفُ الْمُحَالِ: أَنْ يَرْجِعَ

стр. 515

الْخَلَلُ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ فَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ الْخَلَلُ إلَى الْمَأْمُورِ نَفْسِهِ، كَتَكْلِيفِ الْمَيِّتِ وَالْجَمَادِ وَالْبَهَائِمِ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِالْإِجْمَاعِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. السَّابِعَةُ تَكَرَّرَ فِي كَلَامِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّمَسُّكُ بِقَضِيَّةِ أَبِي لَهَبٍ وَأَبِي جَهْلٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إنَّمَا خَصَّ الْأُصُولِيُّونَ ذِكْرَ أَبِي لَهَبٍ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْكُفَّارِ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِنْ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ، عِلْمُ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ، فَلِهَذَا أَكْثَرُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِذَلِكَ. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْكُفَّارِ كَأَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، فَقَدْ صَارَ إيمَانُهُ كَالْمُمْتَنِعِ إيقَاعُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَخَالَفَ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى. وَنَاقَشَ الْقَرَافِيُّ فِي التَّمْثِيلِ بِأَبِي لَهَبٍ، وَقَالَ: إنَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ بِعَدَمِ إيمَانِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] وَلَا دَلِيلَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّبَّ هُوَ الْخُسْرَانُ، وَقَدْ يَخْسَرُ الْإِنْسَانُ، وَيَدْخُلُ النَّارَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِمَعَاصِيهِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] فَمَخْصُوصَةٌ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي تَفْسِيرِهِ صِحَّتَهَا وَقَالَ: هَذَا لَا يَثْبُتُ وَلَا يُوجَدُ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَلَا فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَا يُؤْمِنُ وَكَلَّفَهُ بِالْإِيمَانِ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ، وَقَالَ: إنَّمَا يَنْبَغِي التَّمْثِيلُ بِقَضِيَّةِ ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ إنْ وَسَّعَ عَلَيْهِ لِيَتَصَدَّقَ، فَلَمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَجَاءَهُ

стр. 516

مُصَدِّقُ رَسُولِهِ ﷺ يَطْلُبُ مِنْهُ الزَّكَاةَ امْتَنَعَ، وَقَالَ: (مَا هَذِهِ إلَّا وَالْجِزْيَةُ سَوَاءٌ) ، فَرَجَعَ الْمُصَدِّقُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] . قَالَ: فَهَذَا الَّذِي نَبْغِي أَنْ يُمَثِّلَ بِهَا التَّكْلِيفُ، بِخِلَافِ الْمَعْلُومِ مَعَ انْكِشَافِ الْعَاقِبَةِ لِثُبُوتِهَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ. قَالَ: وَقَدْ عَلِمْت اخْتِلَافَ الْأُصُولِيِّينَ هَلْ يَسْتَمِرُّ التَّكْلِيفُ مَعَ كَشْفِ الْعَاقِبَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مِنْ جِنْسِ الْمُمْكِنِ أَوْ لَا يَسْتَمِرُّ نَظَرًا إلَى مَا يَخْلُصُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؟ أَوْ نَقُولُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ اللَّهَ كَلَّفَ هَؤُلَاءِ بِالْإِيمَانِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ الْإِيمَانَ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ مُخْلِصٌ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ إذَا كَلَّفَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ أَنْ يُصَدِّقُوا بِكُلِّ خَبَرٍ، وَمِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْعُمُومِ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ لَا يَصْدُقُونَ عَادَ الْإِشْكَالُ. وَالتَّحْقِيقُ: الْتِزَامُ رَفْعِ التَّكْلِيفِ عَنْ هَؤُلَاءِ وَيَقْدِرُ أَحَدُهُمْ عِنْدَ إخْبَارِ اللَّهِ عَنْهُ بِأَنْ يُؤْمِنَ أَبَدًا فِي عَدَدِ الْأَمْوَاتِ الَّذِينَ يَئِسَ مِنْهُمْ، وَانْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِي حَقِّهِمْ، نِقْمَةً عَلَيْهِمْ لَا رَحْمَةً بِهِمْ. اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ عَجِيبٌ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ مَا سَبَقَ عَنْ الْأُسْتَاذِ وَالْجُوَيْنِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. وَقَوْلُهُ: إنَّهَا نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ قَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَقَالَ

стр. 517

فِي كِتَابِهِ " الْمَغَازِي ": وَقَدْ عُدَّ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ فِيمَنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: وَيُعَارِضُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ فِي ثَعْلَبَةَ: إنَّهُ مَانِعُ الزَّكَاةِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ غَيْرُ صَحِيحٍ. [مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ لَا يُشْتَرَطْ فِيهِ الْإِمْكَانُ] ُ] سَبَقَ فِي الْكَلَامِ الْوُجُوبُ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الْإِمْكَانِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ أَمَّا ثُبُوتُ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِمْكَانُ بَلْ يُبْنَى عَلَى السَّبَبِ، فَإِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ ثَبَتَ حُكْمُهُ وَتَرْجَمَ بَعْضُهُمْ هُنَا التَّمَكُّنَ مِنْ الْفِعْلِ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي إلْزَامِ الْأَمْرِ؟ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " الْمَحْصُولِ ": ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ ثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ، وَقَدْ فَاوَضْت فِي ذَلِكَ عُلَمَاءَهُ، فَقَالَ لِي شَيْخَا مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبُو الْوَفَا ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَرْجَانِيُّ: إنَّ الْمَسْأَلَةَ صَحِيحَةٌ فِي مَذْهَبِنَا فِي إلْزَامِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ قَضَاءَ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي حَالِ إغْمَائِهِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَمْرِ، أَمَّا النَّهْيُ فَإِنْ كَانَ عَنْ تَرْكٍ، فَكَذَلِكَ يُشْتَرَطُ التَّمَكُّنُ، وَإِنْ كَانَ عَنْ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ التَّمَكُّنِ مَعْنًى، لِأَنَّ التَّرْكَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّمَكُّنِ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاحْذَرُوهُ» فَشَرَطَ الِاسْتِطَاعَةَ فِي الْأَمْرِ، وَأَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي النَّهْيِ تَنْبِيهًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.

стр. 518

[مَسْأَلَةٌ خِطَابُ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ] سَبَقَ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ مِنْ التَّمَكُّنِ وَالْفَهْمِ وَنَحْوِهِمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ، أَمَّا حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي تَكْلِيفِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ، وَإِنْ كَانَتْ أَعَمَّ مِنْهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهَا بِأَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ فِي الْإِمْكَانِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ قَوْلُنَا، أَوْ الْإِمْكَانُ نَاجِزًا وَهُوَ وَقَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ؟ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَتَّبٍ وَهِيَ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ فَهُمْ مُكَلَّفُونَ بِهَا إجْمَاعًا، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي تَصْدِيقُ الرُّسُلِ وَعَدَمُ تَكْذِيبِهِمْ، وَالْكَفُّ عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِهِمْ اهـ. مَعَ أَنَّ الْكَفَّ عَنْ قِتَالِهِمْ مِنْ الْفُرُوعِ.

стр. 519

وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْمُبْتَدَعَةِ أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْمَعَارِفِ. قَالَ: وَاخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ رَآهَا ضَرُورِيَّةً، فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرُوا بِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهَا كَسْبِيَّةً، وَلَكِنَّهُ مَنَعَ الْخِطَابَ لِمَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْفَنِّ. اهـ. وَتَرَدَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي كَلِمَتَيْ الشَّهَادَةِ هَلْ هِيَ مِنْ الْفُرُوعِ؟ حَتَّى لَا يُكَلَّفُوا بِهَا عَلَى قَوْلٍ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالشَّهَادَةُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَمُقَدَّمَاتُ الْإِيمَانِ، كَالنَّظَرِ هَلْ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْإِيمَانِ حَتَّى تَكُونَ وَاجِبَةً عَلَيْهِ أَوْ يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي مُقَدَّمَةِ الْوَاجِبِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنْ كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَهِيَ فُرُوعُ الشَّرِيعَةِ، فَالْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ. [جَوَازُ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ عَقْلًا] أَمَّا الْجَوَازُ عَقْلًا فَمَحَلُّ وِفَاقٍ كَمَا قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَمُرَادُهُ وِفَاقُ أَصْحَابِنَا، وَإِلَّا فَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبُوا عَقْلًا بِالْفُرُوعِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " كِفَايَةِ الْفُحُولِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: أَجَازَهُ عَقْلًا قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ. [جَوَازُ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ شَرْعًا] أَمَّا شَرْعًا فَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا مُطْلَقًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي بِشَرْطِ تَقَدُّمِ

стр. 520

الْإِيمَانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ بِالْكُفْرِ وَنَقْصِ الْمِكْيَالِ، وَقَوْمَ لُوطٍ بِالْكُفْرِ وَإِتْيَانِ الذُّكُورِ، وَذَمَّ عَادًا قَوْمَ هُودٍ بِالْكُفْرِ وَشِدَّةِ الْبَطْشِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: تَحْرِيمُ ثَمَنِ الْخَمْرِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ، وَالْمَمْلُوكِ يُعْتَقُ، وَالذِّمِّيِّ يُسْلِمُ، فِيمَا إذَا أَهَلَّ كَافِرٌ بِحَجٍّ، ثُمَّ جَامَعَ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ عَرَفَةَ فَجَدَّدَ إحْرَامًا وَأَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا فِي حَالِ الشِّرْكِ، لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ. قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا زَعَمْت أَنَّهُ كَانَ فِي إحْرَامِهِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، أَفَكَانَ الْفَرْضُ عَنْهُ مَوْضُوعًا؟ قِيلَ: لَا بَلْ كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيُؤَدِّي الْفَرَائِضَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ﵎ عَلَى نَبِيِّهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ، وَمَا لَمْ أَعْلَمْ [الْمُسْلِمِينَ] اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ أَسْلَمَ ائْتَنَفَ الْفَرَائِضَ مِنْ يَوْمِ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي الشِّرْكِ مِنْهَا، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتَقَامَ. هَذَا لَفْظُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ " وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْحَلِيمِيُّ. وَقَالَ فِي " الْمِنْهَاجِ ": إنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الطَّاعَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ. قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُؤَاخِذُ اللَّهُ أَحَدًا بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ

стр. 521

فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ» . قَالَ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالنَّوَاهِي إذَا يُحْسِنُ فِي الْإِسْلَامِ، لِانْتِفَاءِ مَا يُحْبِطُهَا بِخِلَافِ مَنْ أَسْلَمَ وَأَحْسَنَ فَإِنَّ. إسْلَامَهُ يُحْبِطُ كُفْرَهُ، وَحَسَنَاتِهِ تُحْبِطُ سَيِّئَاتِهِ وَمُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ لَا يُنَافِي الْمَعَاصِيَ لِجَوَازِ صُدُورِهَا مِنْ السَّلَمِ فَلَا يَكُونُ مُحْبِطًا لَهَا. اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ نَقَلُوهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَالْجَصَّاصِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ. إنَّهُ قَوْلُ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَمَذْهَبُ عَامَّةِ مَشَايِخِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، لِأَنَّ الْكُفْرَ رَأْسُ الْمَعَاصِي فَلَا يَسْتَفِيدُ بِهِ سُقُوطُ الْخِطَابِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ. عِبَارَتُهُ: إنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَوَقَعَ فِي " الْمُنْتَخَبِ " نِسْبَتُهُ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَهُوَ غَلَطٌ، فَإِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ بِتَكْلِيفِهِمْ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجِرَاحِ وَهُوَ كَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ: مَا بَدَأْنَا بِهِ. اهـ.

стр. 522

وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ. قُلْت: اخْتَارَهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيُّ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى " بِالْجَامِعِ " إنَّهُ الَّذِي يَأْتِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ طَلَاقُهُمْ، وَلَا أَيْمَانُهُمْ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ. وَزَادَ حَتَّى قَالَ: إنَّهُمْ إنَّمَا يَقْطَعُونَ فِي السَّرِقَةِ، وَيَقْتُلُونَ فِي الْحِرَابَةِ مِنْ بَابِ الدَّفْعِ، فَهُوَ تَعْزِيرٌ لَا حَدٌّ، لِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ كَفَّارَاتٌ. وَزَادَ، فَقَالَ: إنَّ الْمُحَدِّثَ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ فِعْلِ الطَّهَارَةِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ﵁ بِقَوْلِهِ فِي الْحَائِضِ: إنَّهَا تَنْتَظِرُ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ غَسْلِهَا وَفَرَاغِهَا مِنْ الْأَمْرِ اللَّازِمِ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ: لَيْسَ عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ فُرُوعِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّوْمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ، لِأَنَّ الشِّرْكَ أَبْطَلَ كُلَّ عِبَادَةٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ وُجُوبُهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّهِ بَعْدُ. قَالَ: وَلَمْ أَرَ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حُجَّةٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَفَكَّرْت فِي ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْ إلَّا أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْعِبَادَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ كَمَا لَمْ يَجْعَلْ الْعَبْدَ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمَالِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْخِطَابِ. وَقَالَ الْعَالِمُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ ثِقَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ، لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى تَفْرِيعَاتِهِمْ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: إنَّ الْكَافِرَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ فَأَسْلَمَ وَأَحْرَمَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ،

стр. 523

وَلَوْ كَانَ لِلْكَافِرِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ فِطْرِهِ، وَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ النَّصْرَانِيَّةِ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْحَيْضِ لِعَادَتِهَا دُونَ الْعَشَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ، وَيَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ، لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِرَةِ كَذَلِكَ. أَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، فَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يُؤَاخَذُوا عَلَى تَرْكِهَا. قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا أَصْحَابُنَا، لَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَدَلُّوا مِنْ مَسَائِلِهِمْ عَلَى هَذَا، وَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتِ الرِّدَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ عِنْدَنَا، ثُمَّ ضَعُفَ الِاسْتِدْلَال. قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَرْعًا لِأَصْلٍ مَعْرُوفٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ: أَنَّ الشَّرَائِعَ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ، وَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ، فَيُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، وَعِنْدَنَا لَيْسَتْ مِنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ فَلَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَائِهَا مَا لَمْ يُؤْمِنُوا، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ انْقَسَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إلَى اسْتِحَالَةِ تَكْلِيفِهِمْ عَقْلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَحِلَّهُ، وَلَكِنَّهُمْ مَعَ الْجَوَازِ لَمْ يُكَلَّفُوا. وَقَالَ الْقَاضِي: أَقْطَعُ بِالْجَوَازِ، وَلَا أَقْطَعُ بِأَنَّ هَذَا الْجَائِزَ وَقَعَ، وَلَكِنْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ، لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُمْكِنٌ فِي

стр. 524

حَالَةَ الْكُفْرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّقَرُّبُ، فَجَازَ التَّكَلُّفُ بِهَا دُونَ الْأَوَامِرِ، فَإِنَّ شَرْطَهَا الْعَزِيمَةُ، وَفِعْلُ التَّقْرِيبِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمُقَرَّبِ إلَيْهِ مُحَالٌ، فَامْتُنِعَ التَّكْلِيفُ بِهَا. وَحَكَى النَّوَوِيُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ فِي " التَّحْقِيقِ " أَوْجُهًا لِلْأَصْحَابِ، وَسَبَقَ حِكَايَةُ الْأُسْتَاذِ وَابْنِ كَجٍّ الْأَوَّلَيْنِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِيُّ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كِتَابِ " بَيَانِ الْبُرْهَانِ " بِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تَقَعُ عَلَيْهِمْ فِي فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ تَرْكِ الْمَأْمُورَاتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِ الْإِيمَانِ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ، وَيُحَدُّ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَيُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ فَعَلَهَا فِي كُفْرِهِ لَمْ تَصِحَّ مِنْهُ؟ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ. [تَكْلِيفُ الْكُفَّارِ بِالنَّوَاهِي] وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالنَّوَاهِي، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَكْلِيفِهِمْ بِالْأَوَامِرِ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ " الْأُصُولِ " وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ مِنْ " تَعْلِيقِهِ " قَالَ: وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَمَنْهِيُّونَ عَنْهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ.

стр. 525

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: لَا خِلَافَ أَنَّ خِطَابَ الزَّوَاجِرِ مِنْ الزِّنَا وَالْقَذْفِ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ كَمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. اهـ. وَهَذَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِيمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ فِيمَا إذَا قَتَلَ الْحَرْبِيُّ مُسْلِمًا أَوْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالًا ثَمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَجِبُ ضَمَانُهَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ. قَالَ: وَذَكَرَ الْعَبَّادِيُّ أَنَّهُ يُعْزَى ذَلِكَ أَيْضًا لِلْمُزَنِيِّ فِي " الْمَنْثُورِ ". وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّفْضِيلِ، لِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَمْرٌ، وَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ التُّرُوكَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تَصَوُّرٍ بِخِلَافِ الْفِعْلِ وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْأَوَامِرِ فَقَطْ. حَكَاهُ ابْنُ الْمُرَحَّلِ فِي " الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ " وَلَعَلَّهُ انْقَلَبَ مِمَّا قَبْلَهُ، وَيَرُدُّهُ الْإِجْمَاعُ السَّابِقُ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِالنَّوَاهِي. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْمُرْتَدَّ مُكَلَّفٌ دُونَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " وَالطُّرْطُوشِيُّ فِي " الْعُمْدَةِ "، لِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَلَا مَعْنًى لِهَذَا التَّفْصِيلِ، لِأَنَّ مَأْخَذَ النَّقِيِّ فِيهِمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ جَهْلُهُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ يَطْرُقُ الْأَصْلَ وَالْمُرْتَدَّ لَكِنْ ظَاهِرُ

стр. 526

عِبَارَةِ الْإِمَامِ فِي " الْمَحْصُولِ " أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَطْرُقُ الْمُرْتَدُّ، وَالْأَشْبَهُ الْأَوَّلُ. وَلِهَذَا نَقَلَ الْأَصْحَابُ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الرِّدَّةَ تُسْقِطُ الْأَعْمَالَ السَّابِقَةَ وَتَمْنَعُ الْوُجُوبَ فِي الْحَالِ. وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَقْضِي صَلَاةَ أَيَّامِ رِدَّتِهِ، وَعِنْدَنَا تَلْزَمُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ": يُمْكِنُ بِنَا الْخِلَافُ فِي إحْبَاطِ الرِّدَّةِ الْأَعْمَالُ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ سَاوَى الْمُرْتَدُّ الْأَصْلِيُّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامِ رِدَّتِهِ. قُلْت: إنَّمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُرْتَدِّ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ لَا يَسْقُطُ بِخِلَافِ الْأَصْلِيِّ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الزَّكَاةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، وَالثَّانِي مَوْقُوفٌ. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَهُوَ نَظِيرُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ كَمَا إذَا أَسْلَمَ يُزَكِّي فَكَذَا إذَا أَسْلَمَ يُصَلِّي. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا عَدَا الْجِهَادَ، أَمَّا الْجِهَادُ فَلَا، لِامْتِنَاعِ قِتَالِهِمْ أَنْفُسِهِمْ، حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ أَيْنَ وَجَدْته. قُلْت: صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ "، فَقَالَ: وَالذِّمِّيُّ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي " كِتَابِ السِّيَرِ ": الذِّمِّيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ. وَلِهَذَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْجِهَادِ لَا يَبْلُغُ بِهِ سَهْمُ رَاجِلٍ عَلَى أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ، كَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ. نَعَمْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ اسْتِئْجَارُهُ عَلَى الْجِهَادِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ فَرْضٍ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ. السَّابِعُ: الْوَقْفُ. حَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي تَقْرِيبِهِ " عَنْ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ نَفْسِهِ.

стр. 527

وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْمَدَارِكِ ": عُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ تَرْدِيدُ الْقَوْلِ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ وَنَصُّهُ فِي " الرِّسَالَةِ ": الْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا. قُلْت: وَقَدْ يَخْرُجُ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَصْحَابِ فِي الْفُرُوعِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ: وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ فَلَيْسَ بِمُكَلَّفٍ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا يَقُولُونَ فِي الْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: لَا يَجِبُ حَدُّهَا عَلَى الْحَرْبِيِّ، لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ. وَحَكَى الطُّرْطُوشِيُّ فِي " الْعُمْدَةِ " أَنَّ الْوَاقِفِيَّةَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَافَقُوا عَلَى كَوْنِهِمْ مُخَاطَبِينَ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ دُخُولَهُمْ فِي الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ بِظَوَاهِرِهَا، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِدَلِيلٍ. اهـ وَبِهِ يَخْرُجُ مَذْهَبٌ تَاسِعٌ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ ": الصَّائِرُونَ إلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ لَا يَدْعُونَ ذَلِكَ عَقْلًا وُجُوبًا بَلْ يُجَوِّزُونَ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ خُرُوجَهُمْ عَنْ التَّكْلِيفِ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ. كَيْفَ وَقَدْ أُخْرِجَ كَالْحَائِضِ عَنْ الْتِزَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ؟ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ سَائِغٌ عَقْلًا وَتَرْكُ تَكْلِيفِهِمْ جَائِزٌ عَقْلًا غَيْرَ أَنَّ فِي أَدِلَّةِ السَّمْعِ مَا يَقْتَضِي تَكْلِيفَهُمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَارُوا إلَى مَنْعِ تَكْلِيفِهِمْ، فَاخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ صَارَ إلَى اسْتِحَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عَقْلًا وَمَنَعَ إبْطَالَ أَدِلَّةِ السَّمْعِ بِهِمْ. [التَّنْبِيهُ الْأَوَّلُ اسْتِحَالَةُ مُخَاطَبَةِ الْكَافِرِ بِإِنْشَاءِ فَرْعٍ عَلَى الصِّحَّةِ] تَنْبِيهَاتٌ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ [اسْتِحَالَةُ مُخَاطَبَةِ الْكَافِرِ بِإِنْشَاءِ فَرْعٍ عَلَى الصِّحَّةِ] فِي تَحْقِيقِ مَقَالَةِ أَصْحَابِنَا: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَافِرَ

стр. 528

مُسْتَحِيلٌ أَنْ يُخَاطَبَ بِإِنْشَاءِ فَرْعٍ عَلَى الصِّحَّةِ، وَكَذَا الْمُحْدِثُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُخَاطَبَ بِإِنْشَاءِ الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ مُخَاطَبُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى مَا يَقَعُ آخِرًا، وَلَا يَتَنَجَّزُ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قَبْلَ وُقُوعِ الشَّرْطِ، وَلَكِنْ إذَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ مَا يَسَعُ الشَّرْطَ وَالْمَشْرُوطَ وَالْأَوَائِلَ وَالْأَوَاخِرَ، فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُعَاقَبَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى حُكْمِ التَّكْلِيفِ مُعَاقَبَةَ مَنْ يُخَالِفُ أَمْرًا نُوجِبُهُ عَلَيْهِ نَاجِزًا. فَمَنْ أَبَى ذَلِكَ قَضَى عَلَيْهِ قَاطِعُ الْعَقْلِ بِالْفَسَادِ، وَمَنْ جَوَّزَ تَنَجُّزَ الْخِطَابِ بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قَبْلَ وُقُوعِ الشَّرْطِ فَقَدْ سَوَّغَ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُرُوعِ وَأَوَاخِرِ الْعَقَائِدِ وَبَيْنَ صَلَاةِ الْمُحْدِثِ فَهُوَ مُبْطِلٌ مُطْلَقًا. وَقَالَ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ مِنْ " النِّهَايَةِ ": مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ، أَرَادَ رَبْطَ الْمَأْثَمِ بِهِمْ فِي دَرْئِهِمْ بِالشَّرْعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ عَلَى كُلِّ مُحَرَّمٍ فِي الشَّرْعِ اقْتَحَمُوهُ وَكُلِّ وَاجِبٍ تَرَكُوهُ، فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَشَرَائِطِهَا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْتِزَامِهَا انْتَهَى. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِتَكْلِيفِهِمْ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ كَيْفَ يُكَلَّفُونَ بِمَا لَوْ فَعَلُوهُ لَمَا صَحَّ؟ وَلِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. وَالصَّوَابُ: أَنْ نَقُولَ: مُكَلَّفُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى الْفُرُوعِ بِهِ وَتَقَدُّمِ الْأَصْلِ، فَإِذَا مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْصِيلُ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَثِمُوا عَلَيْهَا مَعًا كَالْمُحْدِثِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَهَذَا نَافِعٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ إطْلَاقِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُصُولِ التَّكْلِيفَ وَفِي الْفُرُوعِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ لَا تَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الْإِشْكَالُ يَدُورُ فِي النَّفْسِ. وَجَمَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ مُرَادَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهَا فِي الدُّنْيَا مَعَ كُفْرِهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمْ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ

стр. 529

الْمَاضِي وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِعُقُوبَةِ الْآخِرَةِ. وَمُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ الْعِقَابُ الْأُخْرَوِيُّ زِيَادَةٌ عَلَى عِقَابِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمُطَالَبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فَاسِدَةٌ أَوْقَعَهُمْ فِيهَا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: فَائِدَتُهُ مُضَاعَفَةُ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. وَلَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّهُ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ إلَّا فِي الْآخِرَةِ، بَلْ هُوَ جَوَابٌ عَمَّا الْتَزَمَ الْخَصْمُ فِي مَسَائِلَ خَاصَّةٍ لَا تَظْهَرُ لِلْخِلَافِ فِيهَا فَائِدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْخَاصُّ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ مُطْلَقًا، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَحْكَامًا كَثِيرَةً تَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا: وَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ فِي الْجَمْعِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ التَّخْرِيجُ أَصْلًا لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا غَيْرُ مُرَادِ ثَمَّ. [التَّنْبِيهُ الثَّانِي هَلْ يُخَاطَبُ الْكَافِرُ بِالْفُرُوعِ] [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي [هَلْ يُخَاطَبُ الْكَافِرُ بِالْفُرُوعِ] زَعَمَ الشَّيْخَانِ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ وَأَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ السِّيَرِ مِنْ " النِّهَايَةِ "، وَوَالِدُهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي " الْفُرُوقِ "، وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَالْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَغَيْرُهُمْ: هَلْ الْخِلَافُ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ لِأَجْلِ إخْلَالِهِ بِالشَّرْعِيَّاتِ أَمْ لَا؟ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْفِعْلُ حَالَ الْكُفْرِ عَلَى أَنْ يَكُونَ قَضَاءً مِنْهُ لِكُفْرِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ إذَا أَسْلَمَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " أَيْضًا عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى، فَقَالَ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ: أَنَّ مَنْ قَالَ. بِالْخِطَابِ قَالَ: يَسْتَحِقُّونَ الذَّمَّ مِنَّا وَالْعِقَابَ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى الْإِخْلَالِ بِهَا، كَمَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِالْإِخْلَالِ بِالْإِيمَانِ، وَمَنْ قَالَ: لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ عَلَى

стр. 530

الْإِخْلَالِ بِالْعِبَادَاتِ بَلْ عَلَى الْكُفْرِ وَتَرْكِ الْإِيمَانِ لَا غَيْرُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لَهُ فَوَائِدُ: مِنْهَا: تَيْسِيرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ وَهُوَ خَيِّرُ النَّفْسِ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي تَيْسِيرِ إسْلَامِهِ. وَمِنْهَا: التَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ " شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ ": إنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْكَافِرِ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ. قَالَ: فَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ فَلَيْسَ الْإِسْلَامُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ بَلْ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّمَا دَخَلَ الْوَقْتُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَجِبُ عَلَيْهِ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ؟ قُلْنَا: كَالْمُحْدِثِ لَا تَصِحُّ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِ بِشَرِيطَةِ الْوُضُوءِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَسْلِمْ وَصَلِّ، يُقَالُ لِلْمُحْدِثِ: تَوَضَّأْ وَصَلِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ فِي " التَّجْرِيدِ " وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُشْرِكِينَ هَلْ هُمْ مُخَاطَبُونَ بِالزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ أَصْحَابِنَا هَلْ خُوطِبُوا مَعَ الْإِيمَانِ بِالْعِبَادَاتِ؟ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى ذَلِكَ لِمُخَاطَبَتِهِمْ بِالْإِيمَانِ وَأَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ: إنَّهُمْ فِي حَالِ الْكُفْرِ إنَّمَا خُوطِبُوا
следующие страницы →