Полный текст (3 423 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الْكِتَابَةِ لَا لِجَمِيعِهَا، لَا مَا يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْحَالَ هُوَ الْمُقَارِنُ وُجُودُ مَعْنَاهُ لِوُجُودِ لَفْظِهِ، لِأَنَّ مُدَّةَ وُجُودِ اللَّفْظِ لَا تَتَّسِعُ لِوُجُودِ مَعْنَى الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْحَالِ عَنْ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْجَمِيعِ لِاتِّصَالِ أَجْزَاءِ الْكَلِمَةِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي
نَقْلُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبِلِ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَدَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ: سُمِّيَا مُتَبَايِعَيْنِ لِشُرُوعِهِمَا فِي تَقْرِيرِ الثَّمَنِ وَالْمُبَادَلَةِ.
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُسَمَّيَانِ مُتَبَايِعَيْنِ بَلْ مُتَسَاوِمَيْنِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كُنَّا مُتَبَايِعَيْنِ، وَكَانَا مُتَسَاوِمَيْنِ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ التَّبَايُعُ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَهُ مَدْلُولَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْلُبَ الدَّلَالَةَ عَلَى الزَّمَانِ، فَلَا يَشْعُرُ بِتَجَدُّدٍ وَلَا حُدُوثٍ نَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: سَيْفُهُ قَطُوعٌ، وَزَيْدٌ صَارِعُ مِصْرَ، أَيْ: شَأْنُهُ ذَلِكَ، فَهَذَا حَقِيقَةٌ، لِأَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي السَّيْفِ: لَيْسَ بِقَطُوعٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُقْصَدَ الْفِعْلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَاعِلُ كَأَفْعَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ فَإِنَّهُ يُوصَفُ فِي الْأَزَلِ بِالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ حَقِيقَةً، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ صِفَاتِ الْفِعْلِ حَادِثَةٌ وَإِنْ كَانَ يَتَغَيَّرُ فَهُوَ مَوْضِعُ الْمَسْأَلَةِ.
стр. 737
وَكَانَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ يَقُولُ: مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ سِينَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَنْطِقِيِّينَ أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْمُسْتَقْبَلِ، حَقِيقَةً أَيْضًا لِقَوْلِهِمْ: إذَا قُلْنَا: كُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ، فَمَعْنَاهُ كُلُّ مَا هُوَ إنْسَانٌ فِي الْحَالِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَهُوَ حَيَوَانٌ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّ الْحُكْمَ عَلَى مُسَمَّى الْإِنْسَانِ وَمُسَمَّى الْإِنْسَانِ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أَوْ حَاضِرًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، لِأَنَّا لَمَّا أَطْلَقْنَا اللَّفْظَ مَا أَرَدْنَا بِهِ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهَذَا مُرَادُنَا بِقَوْلِنَا: إنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ حَقِيقَةٌ، أَيْ: إذَا أُرِيدَ مِنْهُ الْحَالُ الَّتِي فِيهَا كَذَلِكَ وَإِنْ أُطْلِقَ الْإِنْسَانُ مَثَلًا عَلَى النُّطْفَةِ أَوْ الطِّينِ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَصِيرُ إلَيْهِ فَهَذَا مَجَازٌ، لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مُسَمَّى الْإِنْسَانِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسَمَّاهُ، وَكَذَلِكَ إذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ عَنْ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَأُرِيدَ تِلْكَ الْخَارِجَةُ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ فِيهِ الْخِلَافُ عَنْ ابْنِ سِينَا. [التَّنْبِيهُ] الثَّالِثُ
أَنَّ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ عَنْ ابْنِ سِينَا وَأَبِي هَاشِمٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَرًا، بَيَّنَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ. أَمَّا ابْنُ سِينَا فَلَا يُوجَدُ لَهُ مَوْضُوعٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا فِي الْعَرَبِيَّةِ حَتَّى يُؤْخَذَ خِلَافُهُ مِنْهُمَا؛. نَعَمْ، قَالَ: إنَّ الِاصْطِلَاحَ فِي عِلْمِ الْمَنْطِقِ أَنَّ قَوْلَنَا: كُلُّ " ج ب " أَنَّا لَا نَعْنِي بِهِ مَا هُوَ " ج " دَائِمًا. أَوْ فِي الْحَالِ أَوْ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ مَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ " ج " سَوَاءٌ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلُ أَوْ الْحَالُ دَائِمًا أَوْ غَيْرَ دَائِمٍ، فَهَذَا مَا اُصْطُلِحَ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا إذَا قِيلَ: الضَّارِبُ مُتَحَرِّكٌ، لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الضَّارِبِ فِي الْحَالِ، بَلْ عَلَى مَا صَدَقَ عَلَيْهِ الضَّارِبُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الصِّدْقُ فِي الْمَاضِي أَوْ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ الْحَالِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الِاصْطِلَاحَاتِ لَا مُنَاقَشَةَ فِيهَا.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ
стр. 738
الِاصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إلَّا إذَا ادَّعَى صَاحِبُ الْإِصْلَاحِ الْمُوَافَقَةَ، وَابْنُ سِينَا وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَنْطِقِيِّينَ يَدَّعُونَ ذَلِكَ، عَلَى أَنَّ الرَّازِيَّ فِي كُتُبِهِ الْمَنْطِقِيَّةِ قَدْ وَافَقَ ابْنُ سِينَا فِي هَذَا الِاصْطِلَاحِ، وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ فَفِيهِ بَحْثٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّالِفَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ صِدْقُ الْمُشْتَقِّ بِدُونِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مِنْهُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي صِدْقِ الْمُشْتَقِّ أَنْ يَقُومَ بِهِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ؟ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ: إنَّ الضَّارِبَ لَا يَصْدُقُ حَقِيقَةً إلَّا فِي حَالِ صُدُورِ الضَّرْبِ مِنْ الضَّارِبِ، وَأَبُو هَاشِمٍ يَقُولُ: يَكْفِي فِي صِدْقِ الضَّارِبِ حَقِيقَةً أَنْ يَكُونَ الضَّرْبُ وُجِدَ فِي الْوُجُودِ وَانْقَضَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ أَصْلًا فَلَا يَقُولُ بِصِدْقِ الضَّارِبِ حَقِيقَةً، فَيَلْزَمُهُ التَّنَاقُضُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَا نُقِلَ عَنْهُ أَوَّلًا صُورَتُهُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ فَحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ، لَكِنَّ الْإِمَامَ جَعَلَ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ. [التَّنْبِيهُ] الرَّابِعُ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَجْرِي فِي الصِّفَاتِ الْقَارَّةِ الْمَحْسُوسَةِ كَالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ، لِأَنَّا عَلَى قَطْعٍ بِأَنَّ اللُّغَوِيَّ لَا يُطْلِقُ عَلَى الْأَبْيَضِ بَعْدَ اسْوِدَادِهِ أَنَّهُ أَبْيَضُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ: لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ نَائِمٌ بِاعْتِبَارِ النَّوْمِ السَّابِقِ، وَادَّعَى الْآمِدِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الضَّرْبِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُنْقَضِيَةِ، فَإِطْلَاقُ الْمُشْتَقِّ عَلَى مَحِلِّهَا مِنْ بَابِ الْأَحْكَامِ، فَلَا يَبْعُدُ إطْلَاقُهُ حَالَ خُلُوِّهِ عَنْ مَفْهُومِهِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ.
стр. 739
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا: مَحِلُّهُ إذَا كَانَ الْمُشْتَقُّ مَحْكُومًا بِهِ، كَقَوْلِك: زَيْدٌ مُشْرِكٌ أَوْ زَانٍ أَوْ سَارِقٌ، فَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ كَقَوْلِك السَّارِقُ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا فِيمَنْ اتَّصَفَ بِهِ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ قَالَ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَشْكَلَ الْقَطْعُ وَالْجَلْدُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَزْمِنَةَ: الْمَاضِي، وَالْحَالُ، وَالِاسْتِقْبَالُ، إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ زَمَنِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ، فَتَكُونُ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَنَظَائِرُهَا مَجَازَاتٍ بِاعْتِبَارِ مَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فِي زَمَانِنَا، لِأَنَّهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ غَيْرُ زَمَنِ الْخِطَابِ عِنْدَ النُّزُولِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا مُخَلِّصَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ إلَّا بِمَا سَبَقَ.
قَالَ: فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَحْكُمْ فِي تِلْكَ الْآيَاتِ بِشِرْكِ وَاحِدٍ وَلَا زِنَاهُ، وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالْجَلْدِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ يَعُمُّ مُتَعَلِّقَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَكَانَ يَسْتَشْكِلُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَنْ فِي زَمَانِهِ مِنْ الْفُضَلَاءِ يَتَخَبَّطُونَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يُوَفَّقُوا لِلصَّوَابِ فِيهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ مُنْدَفِعٌ بِدُونِ هَذَا فَإِنَّ الْمَجَازَ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهُ إلَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْمُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ بَعْدَ وُرُودِ هَذِهِ النُّصُوصِ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَتَثْبُتُ تِلْكَ الْأَحْكَامُ فِيهِمْ.
وَالْحَقُّ: أَنَّ هَاهُنَا شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إطْلَاقُ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِزَمَانٍ، كَقَوْلِنَا: الْخَمْرُ حَرَامٌ، فَهَذَا اللَّفْظُ صَادِقٌ سَوَاءٌ كَانَتْ الْخَمْرَةُ مَوْجُودَةً أَمْ لَا. وَإِطْلَاقُ الْخَمْرِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ حَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ مَعْنَاهُ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالَةِ اتِّصَافِهِ بِالْخَمْرِيَّةِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَلَا مَجَازَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا: الْقَاتِلُ مَقْتُولٌ، وَنَحْوُهُ، وَمِنْهُ
стр. 740
قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ اتَّصَفَ بِالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشِّرْكِ وَنَحْوِهَا حَاضِرًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا، وَلَمْ يُقْصَدْ بِالزَّانِي إلَّا مَنْ اُتُّصِفَ بِالزِّنَى حِينَ زِنَاهُ، وَكَذَلِكَ بَاقِيهَا.
الثَّانِي: إطْلَاقُهُ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَجَازٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ: وَإِنَّمَا الْوَهْمُ سَرَى لِلْقَرَافِيِّ قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ بِحَسَبِ زَمَنِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ الْإِشْكَالِ، وَلَا يُنْجِيهِ مَا أَجَابَ بِهِ، وَالْقَاعِدَةُ صَحِيحَةٌ فِي نَفْسِهَا وَلَكِنْ لَمْ يَفْهَمُوهَا حَقَّ فَهْمِهَا قَالَ: وَهَاهُنَا أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَنَحْوَهُمَا إنَّمَا دَلَّ عَلَى شَخْصٍ مُتَّصِفٍ بِالْمَصْدَرِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، فَضَارِبٌ مَدْلُولُهُ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِضَرْبٍ صَادِرٍ مِنْهُ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ لِزَمَانٍ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى الزَّمَانِ الْأَعَمُّ مِنْ الْحَالِ فَلَأَنْ لَا يَدُلَّ عَلَى الْحَالِ الْأَخَصُّ مِنْهُ أَوْلَى، فَكَيْفَ يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ؟ وَأَعْنِي بِالْحَالِ هُنَا زَمَنَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَإِنَّمَا الْتَبَسَ عَلَى بَعْضِ الْمُبْتَدِئِينَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مِنْ قَوْلِنَا: زَيْدٌ ضَارِبٌ أَنَّهُ ضَارِبٌ فِي الْحَالِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا لِدَلَالَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَيْهِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّك تَقُولُ: هَذَا حَجَرٌ، وَتُرِيدُ إنْسَانًا فَيُفْهَمُ مِنْهُ الْحَالُ
стр. 741
أَيْضًا مَعَ أَنَّ الْحَجَرَ وَالْإِنْسَانَ لَا دَلَالَةَ لَهُمَا عَلَى الزَّمَانِ. فَإِنْ قُلْت: اسْمُ الْفَاعِلِ يَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَنٍ، فَاسْمُ الْفَاعِلِ دَالٌّ عَلَى الزَّمَانِ بِالِالْتِزَامِ. قُلْت الْمُعْتَبَرُ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ هَاهُنَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ مُطْلَقُ الزَّمَانِ، وَإِذَا كُنَّا نَقُولُ: إنَّ الْيَوْمَ وَغَدًا وَأَمْسَ وَالزَّمَانَ وَالْآنَ أَسْمَاءٌ مَعَ أَنَّهَا لَا مَدْلُولَ لَهَا غَيْرَ الزَّمَانِ، فَمَا ظَنُّك بِمَا يَسْتَلْزِمُهُ؟ وَاَلَّذِي مَنَعْنَا وُجُودَهُ فِي الِاسْمِ هُوَ دَلَالَتُهُ عَلَى الزَّمَانِ كَمَا يَدُلُّ الْفِعْلُ عَلَيْهِ، وَأَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى زَمَنٍ مَاضٍ غَيْرِ زَمَانِ الْخِطَابِ أَوْ مُقَارِنٍ لَهُ أَوْ مُسْتَقْبَلٍ عَنْهُ، فَهَذَا هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْفِعْلُ وَلَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ.
فَإِنْ قُلْت: " ضَرَبَ " دَلَّ عَلَى زَمَانٍ مَاضٍ غَيْرِ زَمَنِ الْخِطَابِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ أَنَّ زَمَنَ الْخِطَابِ مُسْتَقْبَلٌ عَنْهُ، وَيَضْرِبُ وَاضْرِبْ بِالْعَكْسِ، وَتَضْرِبُ إذَا جَعَلْته لِلْحَالِ دَلَّ عَلَى زَمَانٍ مَاضٍ، وَهُوَ زَمَنُ الْخِطَابِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَفْعَالِ دَالٌّ عَلَى زَمَانَيْنِ زَمَنِ الْخِطَابِ وَزَمَنٍ مَنْسُوبٍ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا فِي الْحَاضِرِ مُتَّحِدَيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ لَا بِمَادَّتِهِ وَلَا بِصُورَتِهِ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ الْيَوْمَ وَأَمْسِ وَغَدًا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ بِمَادَّتِهِ، وَأَخْذُهُ فِي حَدِّ الْفِعْلِ أَنْ يَدُلَّ بِبِنْيَتِهِ لِيُحْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ مَدْخُولٌ بِمَا حَرَّرْنَاهُ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى زَمَنِ الْخِطَابِ أَلْبَتَّةَ، وَأَنَّ قَوْلَنَا: إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ بِمَعْنَى الْحَالِ حَقِيقَةً لَيْسَ بِهَذَا الْمَعْنَى خِلَافًا لِمَنْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الْفَاعِلِ شَخْصٌ مُتَّصِفٌ بِالْفِعْلِ كَمَا قَدَّمْنَا حَاضِرًا كَانَ أَوْ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا، يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَنِ الْخِطَابِ، وَهَذَا الْمَدْلُولُ
стр. 742
مُرَكَّبٌ بِقَيْدِ الِاتِّصَافِ بِالْفِعْلِ لَا بُدَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ جُزْئَيْ الْمَدْلُولِ، فَمَتَى لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وُجُودٌ فِيهِ فِي زَمَنٍ مَا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ حُصُولِ مَدْلُولِهِ، وَمَتَى اتَّصَفَ بِالْفِعْلِ فِي زَمَنٍ بَقِيَ ذَلِكَ الزَّمَنُ الْمَدْلُولُ حَاصِلًا بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِهِ بِاعْتِبَارِ تَوَقُّعِ مَحْصُولِهِ مَجَازٌ، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلْمُرَكَّبِ مِنْ جُزْأَيْنِ مَوْجُودَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ حُصُولِهِ مَجَازٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِ الْخِطَابِ، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَقْتِ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلِاشْتِقَاقِ. وَإِنَّمَا تَطَرَّقَتْ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى مَوْضُوعِهِ وَعَلَى غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، فَمَوْضُوعُهُ هُوَ التَّرْكِيبُ وَقْتَ التَّرْكِيبِ، فَإِنْ أُرِيدَ، كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيهِ سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَمْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُهُ مَجَازًا سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهِ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَمْ غَيْرَهُ. وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ حَالَةَ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِالشَّخْصِ هَلْ هِيَ شَرْطٌ فِي الْمَدْلُولِ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا شَرْطٌ لِضَرُورَةِ التَّرْكِيبِ، فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْحَالُ، وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا لِكَوْنِ الزَّمَانِ مَأْخُوذًا فِي مَوْضُوعِهِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمُرَكَّبِ وَحَقِيقَةُ الْمُرَكَّبِ عَقْلًا تَسْتَدْعِي وَقْتَ التَّرْكِيبِ. فَكَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ شَرْطًا لِوُجُودِ الْمَدْلُولِ الصَّحِيحِ لِلِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقِيِّ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْفَاعِلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالِ حَقِيقَةٌ أَيْ: مَقْصُودٌ بِهِ الْحَالُ الَّذِي وُجِدَ مَدْلُولُهُ فِيهَا، وَهِيَ حَالَ قِيَامِ الْمَعْنَى بِهِ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَاعِدَةُ الِاشْتِقَاقِ وَاسْتِدْعَاؤُهُ وُجُودَ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ مُرَكَّبٌ وَالْمُشْتَقَّ مِنْهُ مُفْرَدٌ، وَالْمُرَكَّبُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُفْرَدِ.
وَاعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا وَقْتُ الْخِطَابِ فَغَلِطَ وَمَعْنَى
стр. 743
قَوْلِهِمْ: إنَّ إطْلَاقَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ، أَيْ إذَا قَصَدَ تِلْكَ الْحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ الْإِطْلَاقُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا.
وَمَعْنَى قَوْلِنَا: قَصَدَ بِهِ تِلْكَ الْحَالَ، أَيْ قَصَدَ مَدْلُولَهُ الْكَائِنَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَأَمَّا الْحَالُ، فَلَيْسَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ مَوْضُوعًا لَهُ.
الثَّالِثُ: قَدْ عَرَفْت أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ، وَأَنَّهُ إنْ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ وَقْتُ حُصُولِ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ كَانَ حَقِيقَةً، وَإِلَّا كَانَ مَجَازًا وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا وَاقِعًا جُزْءَ كَلَامٍ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُ الْمُفْرَدِ يُوصَفُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّك إذَا ذَكَرْت الْأَسْمَاءَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَتَرْكِيبٍ وَأَرَدْت بِهَا حَقَائِقَهَا كَانَتْ حَقِيقَةً وَإِلَّا مَجَازًا.
وَإِذَا وَقَعَ جُزْءُ الْكَلَامِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ طَلَبًا أَوْ خَبَرًا، فَإِنْ كَانَ طَلَبًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] اقْتَضَى طَلَبَ قَتْلٍ مُسْتَقْبَلٍ لِأَشْخَاصِ الْمُتَّصِفِينَ بِالشِّرْكِ حِينَ الْقَتْلِ، سَوَاءٌ كَانُوا مَوْجُودِينَ حَالَةَ الْخِطَابِ أَمْ حَادِثِينِ بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُشْرِكُ بَعْدُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، لِأَنَّهُ مَا قُصِدَ بِهِ إلَّا مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالشِّرْكِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا؟ وَلَا يَدْخُلُ مَنْ أَشْرَكَ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَلَا مَنْ ظُنَّ أَنَّهُ مُشْرِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُسَمَّى مُشْرِكًا حَقِيقَةً، بَلْ مَجَازًا لِأَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ.
وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ سُؤَالَ الْقَرَافِيِّ لَا وَقْعَ لَهُ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَحْكُومُ بِهِ يُقَالُ لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مَعْنَاهُ الَّذِينَ هُمْ مُشْرِكُونَ، فَقَدْ وَقَعَ اسْمُ الْفَاعِلِ مَحْكُومًا بِهِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ لَيْسَ يُرَادُ، يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُك: الْقَاتِلُ يُقْتَلُ أَوْ الْكَافِرُ يُقْتَلُ، وَأَرَدْت بِهِ مَعْهُودًا حَاضِرًا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً حَتَّى يَكُونَ الْقَتْلُ قَائِمًا بِهِ مِنْ حِينِ الْخِطَابِ وَهُوَ مِمَّا اقْتَضَتْهُ الْقَاعِدَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ. هَذَا حُكْمُ
стр. 744
الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا، فَإِنْ كَانَ مَاضِيًا وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَكِرَةً غَيْرَ عَامَّةٍ، كَقَوْلِك: قَتَلْت كَافِرًا، فَصِدْقُهُ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِي الْمَاضِي حَالَةَ الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَتْ مُضَافَةً إلَيْهَا " كُلَّ " كَقَوْلِك: قَتَلْتُ كُلَّ كَافِرٍ، اقْتَضَتْ تَعْمِيمَ الْقَتْلِ لِكُلِّ كَافِرٍ فِي الْمَاضِي، وَهَلْ الْكَافِرُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي فَيَكُونُ مَخْصُوصًا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ أَلْبَتَّةَ؟ فِي الدَّلَالَةِ فِيهِ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي شَخْصٍ مُتَّصِفٍ بِحَدَثٍ حَالَ قِيَامِهِ بِهِ، وَمَجَازٌ فِيمَا سَيَتَّصِفُ بِهِ، وَكَذَا فِيمَا انْقَضَى اتِّصَافُهُ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَالِاعْتِبَارُ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِزَمَانِ الِاتِّصَافِ لَا بِزَمَانِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ أَوْ بِهِ أَوْ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ حَيْثُ وُجِدَ فِي قَضِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ مُقَيَّدًا بِزَمَانِ فِعْلِهَا، وَفِي قَضِيَّةٍ اسْمِيَّةٍ إنْ قُيِّدَتْ تَقَيَّدَتْ، وَإِنْ أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ عَلَى الْحَالِ بِاسْمِ فَاعِلٍ كَانَ الْمَحْكُومُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ أَوْ الْجَامِدَةِ.
[مَسْأَلَةٌ الِاشْتِقَاقُ مِنْ الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالشَّيْءِ]
ِ] فِي الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِالشَّيْءِ هَلْ يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ مِنْهُ اسْمٌ؟
قَالَ الرَّازِيَّ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الْمَعْنَى اسْمٌ كَأَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ وَالْآلَامِ اسْتَحَالَ أَنْ يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ مِنْهُ اسْمٌ بِالضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اسْمٌ فَفِيهِ مَقَامَانِ:
أَحَدُهَا: هَلْ يَجِبُ أَنْ يُشْتَقَّ اسْمٌ لَهَا مِنْهَا؟ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ أَئِمَّتِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ وُجُوبُهُ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَمَّا قَالُوا:
стр. 745
إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ كَلَامَهُ فِي جِسْمٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا لَهُمْ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ ذَلِكَ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ.
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُشْتَقَّ لِمَحِلِّهِ مِنْهُ اسْمٌ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَحِلِّ مِنْهُ اسْمٌ؟ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا: لَا، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ نَعَمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَلَامِ.
ثُمَّ إنَّ الْأَشَاعِرَةَ أَطْلَقُوا عَلَى اللَّهِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ، وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَلَا يُطْلِقُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى اللَّهِ بِاعْتِبَارِ خَلْقِهِ لِلْكَلَامِ فِي اللَّوْحِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَلَا يَعْتَرِفُونَ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، فَإِذَنْ اسْمُ الْمُتَكَلِّمِ صَادِقٌ عَلَى اللَّهِ، وَلَمْ يَقُمْ بِذَاتِ اللَّهِ الْكَلَامُ، وَيُسَمَّى مُتَكَلِّمًا، وَمَا قَامَ بِهِ لَا يُسَمَّى مُتَكَلِّمًا. هَذَا حَاصِلُ مَا قَالَهُ، ثُمَّ إنَّهُ مَالَ إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ قِيَامُهُ بِمَنْ لَهُ الِاشْتِقَاقُ. إذْ الْكَيُّ وَالْحِدَادُ وَنَحْوُهُمَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ أُمُورٍ يَمْتَنِعُ قِيَامُهَا بِمَنْ لَهُ الِاشْتِقَاقُ.
وَرُدَّ مَا قَالَهُ بِأَنَّ الْأَصْحَابَ إنَّمَا ادَّعَوْا ذَلِكَ فِي الْمُشْتَقَّاتِ مِنْ الْمَصَادِرِ الَّتِي هِيَ أَسْمَاءُ الْمَعَانِي وَمَا ذَكَرَهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الزَّوَائِدِ وَأَسْمَاءِ الْأَعْيَانِ فَلَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَجْسَامٌ، وَالْكَلَامُ فِي الْمَعَانِي لَا فِي الْأَجْسَامِ، وَهَذَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْمَسْأَلَةِ بِالْمَصَادِرِ ذَاتِ الْمَعَانِي.
стр. 746
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ: إنَّ النَّقْصَ بِهَذِهِ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: إنَّ الْمَعْنَى إذَا لَمْ يَقُمْ بِالْمَحِلِّ لَمْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمْ تَقُمْ بِمَحَالِّهَا، وَقَدْ اُشْتُقَّ مِنْهَا أَسْمَاءٌ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَجْسَامَ لَا لَبْسَ فِي عَدَمِ قِيَامِهَا بِمَحَالِّ الْأَسْمَاءِ، وَلَا كَانَتْ الْمَعَانِي يَصِحُّ قِيَامُهَا بِالْمَحَالِّ الَّتِي أُخِذَتْ لَهَا مِنْهَا الْأَسْمَاءُ فَإِذَا أُطْلِقَتْ عَلَى غَيْرِ مَحَالِّهَا الْتَبَسَ الْأَمْرُ فِيهِ.
قَالَ: وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنَّمَا هِيَ النِّسَبُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ بِالْمَحَالِّ، فَمِنْ النِّسْبَةِ أُخِذَتْ الْأَسْمَاءُ لَا مِنْ الْمُنْتَسَبِ إلَيْهِ، كَانَ لَهُ وَجْهٌ. قُلْت: وَكَأَنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الرِّسَالَةِ النِّظَامِيَّةِ: ظَنَّ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمَ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَصَفُوا الرَّبَّ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا، وَزَعَمُوا أَنَّ كَلَامَهُ مَخْلُوقٌ وَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبَ الْقَوْمِ، بَلْ حَقِيقَةَ مُعْتَقَدِهِمْ: أَنَّ الْكَلَامَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ كَخَلْقِهِ الْجَوَاهِرَ وَأَعْرَاضَهَا، فَلَا يَرْجِعُ إلَى حَقِيقَتِهِ وُجُودُ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ، فَمَحْصُولُ أَصْلِهِمْ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ كَلَامٌ، وَلَيْسَ قَائِلًا آمِرًا نَاهِيًا، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ أَصْوَاتًا فِي جِسْمٍ مِنْ الْأَجْسَامِ دَالٍّ عَلَى إرَادَتِهِ. اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَتَنْسَلِخُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ هَذَا الطِّرَازِ، وَلْنُنَبِّهْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هَكَذَا مِنْ بَحْثِ اللُّغَاتِ لَمْ تُنْقَلْ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُهُمْ اطِّرَادُ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَإِلَّا لَكَانَ جَهْلًا بِالْمَوْضُوعَاتِ اللُّغَوِيَّةِ وَخُرُوجًا عَنْ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا
стр. 747
أَلْجَأَهُمْ إلَى الْقَوْلِ بِهِ هُنَا أَنَّ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ عِنْدَهُمْ مُسْتَحِيلٌ، وَاللَّفْظِيَّ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَاتُهُ مَحِلًّا لِلْحَوَادِثِ، وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ مُتَكَلِّمٌ، فَاحْتَاجُوا إلَى أَنْ قَالُوا: سُمِّيَ مُتَكَلِّمًا، لِكَوْنِهِ يَخْلُقُ الْكَلَامَ فِي جِسْمٍ، أُخِذَ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ هَذَا جَوَازُ اشْتِقَاقِ الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ، وَالْحَقُّ: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُورَدَ الْمَسْأَلَةُ هَكَذَا. فَائِدَةٌ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا يُشْتَقُّ اسْمُ الْفَاعِلِ لِشَيْءٍ وَالْفِعْلُ قَائِمٌ بِغَيْرِهِ: مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا، فَوَكَّلَ مَنْ يَفْعَلُهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ فَلَا يُسَمَّى فَاعِلًا، وَكَذَا لَوْ وُكِّلَ بِالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ، لَسْت بِبَائِعٍ وَلَا مُطَلِّقٍ هَلْ يَحْنَثُ؟
[مَسْأَلَةٌ دَلَالَةُ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ]
الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ لَا تَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّاتِ الذَّوَاتِ الَّتِي قَامَتْ تِلْكَ الْمَعَانِي بِهَا، بَلْ عَلَى اتِّصَافِهَا بِالْمَصْدَرِ، فَإِذَنْ قَوْلُنَا: " أَسْوَدُ " يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مَا لَهُ السَّوَادُ. أَيْ: الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ جِسْمٌ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ أَنَّ السَّوَادَ لَا يَقُومُ إلَّا بِجِسْمٍ فَدَلَّ عَلَى الْجِسْمِيَّةِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لَا بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ، فَنَقُولُ: " ضَارِبٌ " يَدُلُّ عَلَى قِيَامِ الضَّرْبِ بِذَاتٍ، وَأَمَّا أَنَّهَا إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 748
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الصَّفَّارُ فِي شَرْحِ سِيبَوَيْهِ ": الْمُشْتَقَّاتُ بِالِاسْتِقْرَارِ تَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ وَزِيَادَةٍ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ فَائِدَةُ الِاشْتِقَاقِ نَحْوَ أَحْمَرَ يَدُلُّ عَلَى الْحُمْرَةِ وَعَلَى الشَّخْصِ، وَكَذَلِكَ ضَارِبٌ يَدُلُّ عَلَى الضَّرْبِ وَعَلَى الشَّخْصِ، وَلِهَذَا قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: إنَّ الْفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ، لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَصْدَرُ وَزِيَادَةٍ وَهُوَ الزَّمَانُ، وَخِلَافُ الْكُوفِيِّينَ يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ هَذَا الْأَصْلَ.
стр. 749
[مَبَاحِثُ التَّرَادُفِ]
ِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مُرَادَفَةِ الْبَهِيمَةِ، وَهِيَ حَمْلُهَا اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى ظَهْرِهَا وَرِدْفِهَا.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُفْرَدَةُ الدَّالَّةُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ.
وَاحْتُرِزَ بِالْمُفْرَدَةِ عَنْ دَلَالَةِ الِاسْمِ وَالْحَدِّ، فَإِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَلَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ، لِأَنَّ الْحَدَّ مُرَكَّبٌ.
وَخَرَجَ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ الْمُتَزَايِلَانِ كَالسَّيْفِ وَالصَّارِمِ، فَإِنَّ مَدْلُولَهُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ،
وَفِيهِ مَسَائِلُ: [الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى فِي وُقُوعِهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاقِعٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ لُغَتَيْنِ وَبِحَسَبِ الشَّرْعِ، كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَنَا، وَبِحَسَبِ الْعُرْفِ.
стр. 750
الثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ وَضْعَ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عِيٌّ يَجِلُّ الْوَاضِعُ عَنْهُ، وَكُلُّ مَا اُدُّعِيَ فِيهِ التَّرَادُفُ، فَإِنَّ بَيْنَ مَعْنَيْهِمَا تَوَاصُلًا لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الِاشْتِقَاقَ الْأَكْبَرَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ " فِقْهِ اللُّغَةِ " وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ ثَعْلَبٍ، وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُخَصَّصِ ": كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ يَعْنِي ابْنَ السِّرَاجِ يَحْكِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ثَعْلَبٍ مَنْعَهُ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ سَمَاعًا أَوْ قِيَاسًا، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا فَإِنَّ كُتُبَ الْعُلَمَاءِ بِاللُّغَةِ وَنُقَلَهَا طَافِحَةٌ بِهِ فِي تَصْنِيفِهِ كِتَابَ " الْأَلْفَاظِ ".
فَإِنْ قَالَ: فِي كُلِّ لَفْظَةٍ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْأُخْرَى كَمَا فِي مَضَى وَذَهَبَ، قِيلَ: نَحْنُ نُوجِدُ لَهُ مَا لَا تَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ تَقُولَ: إنَّهُ لَا زِيَادَةَ مَعْنَى فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا دُونَ الْأُخْرَى وَذَلِكَ نَحْوُ الْكِتَابَاتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَك: ضَرَبَك وَمَا ضَرَبَ إلَّا إيَّاكَ، وَجِئْتنِي وَمَا جَاءَنِي إلَّا أَنْتَ. وَنَحْوُهُ يُفْهَمُ مِنْ كُلِّ لَفْظَةٍ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ الْغَيْبَةِ وَالْخِطَابِ وَالْإِضْمَارِ وَالْمَوْضِعِ مِنْ الْإِعْرَابِ لَا زِيَادَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ فِي شَيْءٍ وَشَيْئَيْنِ وَثَلَاثَةٍ جَازَ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ.
وَصَنَّفَ الزَّجَّاجُ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ التَّرَادُفَ وَكِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ اشْتِقَاقَ الْأَسْمَاءِ، وَصَنَّفَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ مُصَنَّفًا آخَرَ مَنَعَ فِيهِ التَّرَادُفَ وَسَمَّاهُ " الْفُرُوقَ ". قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُبَرِّدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]
стр. 751
قَالَ: فَعَطَفَ مِنْهَاجًا عَلَى شِرْعَةٍ لِأَنَّ الشِّرْعَةَ لِأَوَّلِ الشَّيْءِ وَالْمِنْهَاجَ لِعَظِيمِهِ وَمُتَّسَعِهِ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِمْ: شَرَعَ فُلَانٌ فِي كَذَا إذَا ابْتَدَأَهُ، وَأَنْهَجَ الْبَلَاءَ فِي الثَّوْبِ إذَا اتَّسَعَ فِيهِ. قَالَ أَبُو هِلَالٍ: وَقَالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى تَضَامَّهُ عَلَامَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِلَّا أَشْكَلَ، فَالْتَبَسَ عَلَى الْمُخَاطَبِ، فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، لِأَنَّ فِيهِ تَكْثِيرًا لِلُّغَةِ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: لَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَلِفَ الْحَرَكَاتُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. قَالُوا: فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ الشَّيْءُ قِيلَ فِيهِ: " مَفْعَلُ " كَمِرْحَمٍ وَمِحْرَبٍ، وَإِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الْفِعْلِ قِيلَ: " فَعُولٌ " كَصَبُورٍ وَشَكُورٍ، فَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْلُ قِيلَ: " فَعَّالٌ " كَعَلَّامٍ وَجَبَّارٍ، وَإِذَا كَانَ عَادَةً لَهُ قِيلَ: " مِفْعَالٌ " كَمِعْوَانٍ وَمِعْطَافٍ، وَمَنْ لَا يُحَقِّقُ الْمَعَانِيَ يَظُنُّ أَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: إنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ لَا تَتَعَاقَبُ، حَتَّى قَالَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ: فِي جَوَازِ تَعَاقُبِهَا إبْطَالُ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَإِفْسَادُ الْحُكْمِ فِيهَا، لِأَنَّهَا إذَا تَعَاقَبَتْ خَرَجَتْ عَنْ حَقَائِقِهَا، وَوَقَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمَعْنَى الْآخَرِ، فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظَانِ مُخْتَلِفَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُحَقِّقُونَ يَأْبَوْنَهُ. هَذَا كَلَامُهُ.
وَمِمَّنْ اخْتَارَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْجُوَيْنِيُّ فِي " الْيَنَابِيعِ "، وَقَالَ: أَكْثَرُ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ الْمُتَرَادِفِ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ اللَّفْظَانِ مَوْضُوعَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَكِنَّ وَجْهَ الْخِلَافِ خَفِيٌّ.
وَالثَّالِثُ: يَقَعُ فِي اللُّغَةِ لَا فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فِي
стр. 752
الْمَحْصُولِ " فَقَالَ فِي آخِرِ مَسْأَلَةِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بَعْدَمَا ذَكَرَ وُقُوعَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ: وَأَمَّا التَّرَادُفُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. اهـ.
هَذَا وَالْإِمَامُ نَفْسُهُ مِمَّنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ، وَالسُّنَّةَ وَالتَّطَوُّعَ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِي اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ. أَمَّا اللُّغَتَانِ فَلَا يُنْكِرُهُمَا أَحَدٌ، قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ.
قُلْت: وَنَصَّ عَلَيْهِ الْعَسْكَرِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ يُنْكِرُ أَصْلَ التَّرَادُفِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ " فَعَلَ " وَ " أَفْعَلَ " بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَكُونَانِ عَلَى بِنَاءٍ وَاحِدٍ، إلَّا أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي لُغَتَيْنِ، وَأَمَّا فِي لُغَةٍ فَمُحَالٌ، فَقَوْلُك: سَقَيْت الرَّجُلَ يُفِيدُ أَنَّك أَعْطَيْته مَا يَشْرَبُهُ أَوْ صَبَبْته فِي حَلْقِهِ، وَأَسْقَيْته يُفِيدُ أَنَّك جَعَلْت لَهُ سَقْيًا أَوْ حَظًّا مِنْ الْمَاءِ وَقَوْلُك: شَرِقَتْ الشَّمْسُ يُفِيدُ خِلَافَ غَرَبَتْ، وَأَشْرَقَتْ يُفِيدُ أَنَّهَا صَارَتْ ذَاتَ إشْرَاقٍ. انْتَهَى.
[مَسْأَلَةٌ هَلْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ تَرَادُفٌ]
إذَا قُلْنَا بِوُقُوعِهِ فِي اللُّغَةِ، فَهَلْ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ؟
نُقِلَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَنْعُ، كَذَا رَأَيْته فِي أَوَّلِ " شَرْحِ الْإِرْشَادِ " لِأَبِي إِسْحَاقَ بْنِ دِهَاقٍ الشَّهِيرِ بِابْنِ الْمِرْآةِ. فَقَالَ: ذَهَبَ
стр. 753
الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إلَى مَنْعِ تَرَادُفِ اسْمَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ، فَقَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ [الحشر: ٢٤] إنَّهُ بِمَعْنَى الْمُعَدِّلِ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْت وَبَعْضُ ... الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
فَمَعْنَاهُ يَمْضِي وَيَقْطَعُ مَا قَدَّرْت مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَصَفَهُ بِحَصَافَةِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ. اهـ.
وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَبْدَى لِكُلِّ مَعْنًى، وَالصَّحِيحُ: الْوُقُوعُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٣٦] وَفِي مَوْضِعٍ [أَرْسَلْنَا] وَهُوَ كَثِيرٌ.
[مَسْأَلَةٌ فِي سَبَبِ التَّرَادُفِ]
وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وَاضِعَيْنِ وَهُوَ السَّبَبُ الْأَكْثَرُ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَيَلْتَبِسُ، وَإِمَّا مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ وَلَهُ فَوَائِدُ مِنْهَا: التَّوْسِعَةُ، لِتَكْثِيرِ الطُّرُقِ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبَةِ، وَلِهَذَا يَجْتَنِبُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ اللَّفْظَةَ الَّتِي فِيهَا الرَّاءُ لِلُثْغَتِهِ حَتَّى كَأَنَّ الرَّاءَ لَيْسَتْ عِنْدَهُ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَمِنْهَا: تَيْسِيرُ النَّظْمِ لِلرَّوِيِّ، وَالنَّثْرِ لِلزِّنَةِ
стр. 754
وَالتَّجْنِيسِ وَالْمُطَابِقَةِ.
[مَسْأَلَةٌ التَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ]
التَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ فَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَرَادِفًا أَوْ مُتَبَايِنًا فَحَمْلُهُ عَلَى الْمُتَبَايِنِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْقَصْدَ الْإِفْهَامُ فَمَتَى حَصَلَ بِالْوَاحِدِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْأَكْثَرِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ، وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَشَقَّةَ فِي حِفْظِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي " الْمَحْصُولِ " حَكَى خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُتَرَادِفَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ، وَذَكَرَ الْحُجَّةَ السَّابِقَةَ لِكُلٍّ مِنْ الْمَقَالَيْنِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ لِاتِّحَادِهِمَا.
стр. 755
وَالْحَقُّ: أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ فِي لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ مَعْنًى وَاحِدٍ لَفْظٌ وَاحِدٌ، وَاقْتَضَى كَلَامُ " الْمَحْصُولِ " وُجُودَ خِلَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَصْلِ الْغَالِبُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْخِلَافُ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْقِيَاسُ فَيُمْكِنُ قَوْلُهُ فِي التَّرَادُفِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ لَا مِنْ وَاضِعَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ إطْلَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَرَادِفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ
الْمُتَرَادِفَانِ يَصِحُّ إطْلَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِمَعْنَى الْمُتَرَادِفَيْنِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي حَالِ التَّرْكِيبِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي " الْمُنْتَهَى " وَالْبَيْضَاوِيُّ أَيْ: إذَا صَحَّ النُّطْقُ بِأَحَدِهِمَا فِي تَرْكِيبٍ يَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ النُّطْقُ فِيهِ بِالْآخَرِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ " الْمَحْصُولِ "، يَجِبُ صِحَّةُ إقَامَتِهِ مَقَامَهُ وَفِيهِ ثَلَاثُ مَذَاهِبَ: أَصَحُّهَا: عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ اللُّزُومُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّرْكِيبِ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، فَإِذَا صَحَّ النُّطْقُ مَعَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ وَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَصِحَّ مَعَ اللَّفْظِ الْآخَرِ.
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ فِي أَوَّلِ النَّظَرِ، وَعَلَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ التَّرْكِيبَ مِنْ عَوَارِضِ الْمَعَانِي دُونَ الْأَلْفَاظِ، فَإِذَا صَحَّ تَأَلُّفُ الْمَعْنَى مَعَ الْمَعْنَى فَلَا نَظَرَ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِأَيِّ لَفْظَةٍ كَانَتْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ التَّأْلِيفُ لَا يَجُوزُ، كَمَا فِي صَلَّى وَدَعَا، فَإِنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ قَالُوا: إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ
стр. 756
مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: صَلَّى عَلَيْهِ فَتَرَكَّبَ " صَلَّى " مَعَ لَفْظَةِ " عَلَى " فِي طَلَبِ الْخَيْرِ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ، وَلَوْ رَكَّبْتهَا مَعَ " دَعَا " فَقُلْت: دَعَا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، وَانْعَكَسَ الْمَعْنَى لِلشَّرِّ. قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْ صَلَّى وَدَعَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعَانٍ، وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ لَيْسَتْ بِالدُّعَاءِ بَلْ هِيَ الْمَغْفِرَةُ، فَمَعْنَى صَلَّى اللَّهُ عَلَى زَيْدٍ غَفَرَ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ التَّعَدِّيَةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَأَتَى فِي الصَّلَاةِ بِعَلَى مُبَالَغَةً فِي اسْتِعْلَاءِ الْفِعْلِ عَلَى الْمَفْعُولِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَاخْتَارَهُ فِي " الْحَاصِلِ " وَ " التَّحْصِيلِ "، وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": إنَّهُ الْحَقُّ، لِأَنَّ صِحَّةَ الضَّمِّ قَدْ تَكُونُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَصِحُّ قَوْلُك: خَرَجْت مِنْ الدَّارِ، مَعَ أَنَّك لَوْ أَبْدَلْت لَفْظَةَ " مِنْ " وَحْدَهَا بِمُرَادِفِهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ: وَإِذَا قُلْنَا ذَلِكَ فِي لُغَتَيْنِ لَمْ يَمْتَنِعْ وُقُوعُ مِثْلِهِ فِي اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَصِحُّ وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ، وَقَالَ: هَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ لَمْ يُلْفَ صَرِيحًا لَكِنْ يُلْفَى ضِمْنًا فِي كَلَامِهِمْ.
وَقَالَ النَّقْشَوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ فِيهَا تَفْصِيلٌ، فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْصُودُ إلَّا مُجَرَّدَ الْفَهْمِ قَامَ أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ قَافِيَةَ الْقَصِيدَةِ وَرَوِيَّ الشِّعْرِ وَأَنْوَاعَ الْجِنَاسِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي الْبُرِّ دُونَ الْقَمْحِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ فِي " الْمَحْصُولِ " نَصَبَ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ إقَامَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا
стр. 757
مَقَامَ الْآخَرِ.
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: وَمُرَادُهُ بِالْوُجُوبِ اللُّزُومُ، بِمَعْنَى أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ صِحَّةِ انْضِمَامِ الْمَعَانِي صِحَّةُ انْضِمَامِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا، وَاخْتَارَ أَنَّ جَوَازَ تَبْدِيلِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ غَيْرُ لَازِمٍ، وَعَلَى هَذَا فَمَنْ نَقَلَ عَنْ الْإِمَامِ اخْتِيَارَ الْمَنْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي " الْمُنْتَهَى " يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ حَيْثُ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَعْنَى، فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا، وَلَا شَكَّ فِيهِ، وَكَلَامُهُ فِي " الْمُخْتَصَرِ " صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي تَبْدِيلِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ الْمُرَكَّبَةِ دُونَ الْبَعْضِ، وَلِهَذَا مَثَّلَ بِ " خداي أَكْبَرُ ".
قَالَ: وَأُجِيبَ، بِالْفَرْقِ بِاخْتِلَاطِ اللُّغَتَيْنِ، فَأَرْشَدَ إلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ قَاصِرَةٌ عَلَى تَرْجَمَةِ بَعْضِ الْمُرَكَّبِ لَا كُلِّهِ أَمَّا تَبْدِيلُ أَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ كُلِّهَا أَلْفَاظًا مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ فَلْيُتَفَطَّنْ لَهُ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَتَّجِهُ جَوَازُ تَبْدِيلِ الْجَمِيعِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْمَنْعِ عَلَى قَوْلٍ إذَا بَدَّلَ الْبَعْضَ؟ .
قُلْت: لِأَنَّ تَبْدِيلَ الْبَعْضِ جَمْعٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، فَرُبَّمَا خَلَطَ عَلَى السَّامِعِ، فَيُخِلُّ بِالْفَهْمِ بِخِلَافِ تَبْدِيلِ الْجَمِيعِ.
وَأَوْضَحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ إمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا. الْحَالَةُ الْأُولَى: الْإِفْرَادُ وَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي قِيَامِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ؟
стр. 758
قُلْت: مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " الْمُنْتَهَى ". اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُفْرَدَ ذُو التَّرَادُفِ لَهُ أَحْوَالٌ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ عِنْدَ تَعْدَادِ الْمُفْرَدَاتِ حَيْثُ لَا إعْرَابَ وَلَا بِنَاءَ كَقَوْلِهِ: أَسَدٌ، عَيْنٌ، حِنْطَةٌ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي النُّطْقِ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ شَاءَ بِلَا إشْكَالٍ مِنْ لَيْثٍ أَوْ مُقْلَةٍ أَوْ بُرٍّ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَكَلَّمَ زَيْدٌ بِالْمُفْرَدِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَحْكِيَهُ فَيَقُولُ: قَالَ زَيْدٌ: أَسَدٌ، وَيَكُونُ إنَّمَا قَالَ: لَيْثٌ. الثَّالِثُ: أَنْ يَأْمُرَك زَيْدٌ بِأَنْ تَقُولَ: لَيْثٌ، فَتَقُولُ: أَسَدٌ فَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ مِنْ قِسْمِ الْمُفْرَدِ، وَلِلنِّزَاعِ فِيهَا مَجَالٌ عِنْدَ تَعَيُّنِ حِكَايَةِ اللَّفْظِ لَا. سِيَّمَا إنْ مَنَعْنَا النَّقْلَ بِالْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ بِمُرَادِفِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَعَلَّهُ خَاصٌّ بِحِكَايَةِ كَلَامِهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ الِامْتِثَالَ بِالْمُرَادِفِ وَإِلَّا قُلْت: قَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إذَا قَالَ الْقَاضِي لَهُ: قُلْ: بِاَللَّهِ، فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نُكُولًا وَفِي الْمُكْرَهِ لَوْ قَالَ لَهُ: قُلْ أَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَ: بَائِنٌ، إنَّهُ يَكُونُ اخْتِيَارًا، وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُفْرَدِ مَمْنُوعٌ.
الْمُرَكَّبُ
وَأَمَّا الْمُرَكَّبُ فَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ النُّطْقَ فَيَنْطِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَيْسَ، ذَلِكَ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً وَيُبَدِّلُ بِأَلْفَاظِ الْمُتَكَلِّمِ كُلِّهَا أَلْفَاظًا مِنْ غَيْرِ لُغَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ.
стр. 759
الثَّالِثُ: أَنْ يُبَدِّلَ كُلَّهَا بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ مِنْ لُغَتِهَا مِثْلَ أَنْ يُقَالَ: حَضَرَ الْأَسَدُ. فَيُقَالُ: قَالَ زَيْدٌ: جَاءَ اللَّيْثُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، لِأَنَّ صَاحِبَ " الْمَحْصُولِ " مِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدُ الْمُتَرَادِفَيْنِ مَقَامَ الْآخَرِ مَعَ جَزْمِهِ بِجَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى بِغَيْرِ الْمُتَرَادِفِ فَضْلًا عَنْ الْمُتَرَادِفِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ، كَأَنْ يَقُولَ زَيْدٌ: قُلْ: جَاءَ الْأَسَدُ، فَيَقُولُ: حَضَرَ اللَّيْثُ، أَوْ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، فَيَحْتَمِلُ الْمَنْعُ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَقْصُودَ اللَّفْظُ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازُ إلَّا حَيْثُ تَعَبَّدْنَا بِاللَّفْظِ، كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا.
الْخَامِسُ: أَنْ يُبَدِّلَ بَعْضَ أَلْفَاظِ الْمُرَكَّبِ دُونَ بَعْضٍ كَأَنْ يَقُولَ حَضَرَ الْأَسَدُ مَكَانَ حَضَرَ اللَّيْثُ وَكَذَلِكَ " خداي أَكْبَرُ " فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ. هَذَا كَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ.
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ إقَامَةِ كُلٍّ مِنْ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُخْتَلِفَيْ اللُّغَةِ مَقَامَ الْآخَرِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَلْفَاظُ كَعُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا مَا وَقَعَ النَّظَرُ فِي أَنَّ التَّعَبُّدَ هَلْ وَقَعَ بِلَفْظَةٍ؟ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، لِأَنَّ الْمَانِعَ إذْ ذَاكَ مِنْ إقَامَةِ أَحَدِ الْمُتَرَادِفَيْنِ مُخْتَلِفَيْ اللُّغَةِ مَقَامَ الْآخَرِ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، بَلْ لِمَا وَقَعَ مِنْ التَّعَبُّدِ بِجَوْهَرِ لَفْظِهِ كَالْخِلَافِ فِي أَنَّ لَفْظ النِّكَاحِ هَلْ يَنْعَقِدُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَأَنْظَارِهِ؟ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ " فِي بَابِ النِّكَاحِ لِلْأَلْفَاظِ سِتَّ مَرَاتِبَ:
الْأَوَّلُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَلَفْظُهُ مُتَعَيِّنٌ.
الثَّانِي: مَا تَعَبَّدْنَا بِلَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ الْأَكْبَرُ مَعْنَاهُ كَالتَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ.
стр. 760
الثَّالِثُ: لَفْظُ النِّكَاحِ، تَرَدَّدُوا هَلْ الْمَرْعِيُّ فِيهِ التَّعَبُّدُ وَإِنَّمَا تَعَيَّنَتْ أَلْفَاظُهُ لِحَاجَةِ الْإِشْهَادِ؟ وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ أَهْلَ قُطْرٍ لَوْ تَوَاطَئُوا عَلَى لَفْظٍ فِي إرَادَةِ النِّكَاحِ يَنْعَقِدُ بِهِ.
الرَّابِعُ: الطَّلَاقُ.
الْخَامِسُ: الْعُقُودُ سِوَى النِّكَاحِ.
السَّادِسُ: مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ كَالْإِبْرَاءِ وَالْفَسْخِ.
[مَسْأَلَةٌ اللُّغَاتُ مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةَ سَوَاءٌ]
ٌ] اللُّغَاتُ مَا عَدَا الْعَرَبِيَّةَ سَوَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْ فُرُوعِهَا أَنَّ مَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ عَلَى التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ تَرْجَمَ. قَالَ فِي " الْحَاوِي ": إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْعَرَبِيَّةَ وَأَحْسَنَ الْفَارِسِيَّةَ وَالسُّرْيَانِيَّة فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: يُكَبِّرُ بِالْفَارِسِيَّةِ، لِأَنَّهَا أَقْرَبُ اللُّغَاتِ إلَى الْعَرَبِيَّةِ.
وَالثَّانِي: بِالسُّرْيَانِيَّةِ لِشَرَفِهَا بِإِنْزَالِ كِتَابٍ لَهَا.
وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا.
فَإِنْ أَحْسَنَ التُّرْكِيَّةَ وَالْفَارِسِيَّةَ فَهَلْ تَتَعَيَّنُ الْفَارِسِيَّةُ أَوْ يَتَخَيَّرُ؟ وَجْهَانِ.
وَإِنْ أَحْسَنَ التُّرْكِيَّةَ وَالْهِنْدِيَّةَ يَتَخَيَّرُ بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ الشَّاشِيُّ: وَهَذَا التَّخْرِيجُ فَاسِدٌ، فَإِنَّ اللُّغَاتِ بَعْدَ الْعَرَبِيَّةِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْعَرَبِيَّةُ بِذَلِكَ تَعَبُّدًا.
стр. 761
[مَسْأَلَةٌ تَرَادُفُ الْحَدِّ وَالْمَحْدُودِ]
قِيلَ: الْحَدُّ وَالْمَحْدُودُ مُتَرَادِفَانِ وَالصَّحِيحُ: تَغَايُرُهُمَا، لِأَنَّ الْمَحْدُودَ يَدُلُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَالْحَدُّ يَدُلُّ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ عَلَى أَجْزَائِهَا، فَالِاعْتِبَارَانِ مُخْتَلِفَانِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْحَدُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ إنْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ، وَنَفْسُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى، فَلَفْظُ الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ الَّذِي وَقَعَ الْحَدُّ بِهِ هُوَ الْإِنْسَانُ قَطْعًا، وَمَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ هُوَ غَيْرُ الْإِنْسَانِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْحَدَّ وَالْمَحْدُودَ إنْ لَمْ يَتَّحِدَا فِي الذَّاتِ كَذَبَ الْحَدُّ وَلَمْ يَكُنْ حَدًّا، وَإِنْ اتَّحَدَا صَدَقَ الْحَدُّ، وَلَيْسَ هُوَ الْمَحْدُودَ، لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: يَجِبُ اتِّحَادُ الْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ خَبَرًا، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُوَ هُوَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا أَلْبَتَّةَ، فَإِنَّ قَوْلَك: زَيْدٌ زَيْدٌ إذَا لَمْ يُقَدَّرْ زَيْدٌ الثَّانِي بِمَعْنًى يَزِيدُ عَلَى الْأَوَّلِ كَانَ مُهْمَلًا، وَالْفَائِدَةُ فِي الْخَبَرِ مَعَ الِاتِّحَادِ تَنْزِيلُ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، فَإِنَّ " هَذَا " اسْمُ إشَارَةٍ، فَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مُشَارٍ إلَيْهِ، سَوَاءٌ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ فَلَمَّا حَمَلْنَاهُ عَلَى زَيْدٍ جَاءَتْ الْفَائِدَةُ.
[مَسْأَلَةٌ الْإِتْبَاعُ]
مِنْ كَلَامِهِمْ الْإِتْبَاعُ وَهُوَ أَنْ تَتْبَعَ الْكَلِمَةُ الْكَلِمَةَ عَلَى وَزْنِهَا أَوْ رَوِيِّهَا إتْبَاعًا وَتَوْكِيدًا.
стр. 762
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَقَدْ شَارَكَ الْعَجَمُ الْعَرَبَ فِي هَذَا، وَهُوَ يُشْبِهُ أَسْمَاءَ الْمُتَرَادِفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا اسْمَانِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، وَيُشْبِهُ أَسْمَاءَ التَّوْكِيدِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُفِيدُ تَقْوِيَةَ الْأَوَّلِ غَيْرَ أَنَّ التَّابِعَ وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ، بَلْ شَرْطُ إفَادَتِهِ تَقَدُّمُ الْمَتْبُوعِ عَلَيْهِ، وَصَنَّفَ فِيهِ ابْنُ خَالَوَيْهِ كِتَابًا سَمَّاهُ " الْإِتْبَاعَ وَالْأَلْبَابَ " وَأَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الْوَاحِدِ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمْ.
قِيلَ: إنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ التَّابِعَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَتْبُوعُ إلَّا بِتَبَعِيَّةِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا قُطِعَ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا. بِخِلَافِ الْمُتَرَادِفِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ وَحْدَهُ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: قُلْت لِأَبِي الْمَكَارِمِ: مَا قَوْلُكُمْ فِي جَامِعٍ تَابِعٍ؟ قَالَ: إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ نَتِدُ بِهِ كَلَامَنَا أَيْ: نُؤَكِّدُ بِهِ.
قَالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: وَلَمْ يَسْمَعْ الْإِتْبَاعَ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: كَثِيرٌ بَتِيرٌ عَمِيرٌ بَرِيرٌ بَجِيرٌ بَدِيرٌ، وَقِيلَ: مُجِيرٌ بِالْمِيمِ، فَأَمَّا الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَكَثِيرٌ. قَالُوا: حَسَنٌ بَسَنٌ مَسَنٌ، وَجَارَ بَارَ حَارَ.
وَسَمَّى أَبُو الطَّيِّبِ كِتَابَهُ " بِالْإِتْبَاعِ وَالتَّوْكِيدِ " قَالَ: وَإِنَّمَا قَرَنَّا الْإِتْبَاعَ بِالتَّوْكِيدِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ إتْبَاعٍ تَوْكِيدًا، وَكُلُّ تَوْكِيدٍ إتْبَاعًا فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمَا وَاحِدًا، وَأَجَازَ أَكْثَرُهُمْ الْفَرْقَ، فَجَعَلُوا الْإِتْبَاعَ مَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْوَاوُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: عَطْشَانُ
стр. 763
نَطْشَانُ، وَشَيْطَانُ لَيْطَانُ، وَالتَّوْكِيدُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَاوُ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: هُوَ فِي حَلٍّ وَبَلٍّ، وَأَخَذَ فِي كُلِّ حَسَنٍ وَسَنٍ.
قَالَ: وَنَحْنُ نَذْهَبُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ إلَى أَنَّ إتْبَاعَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِمَعْنًى يُمْكِنُ إفْرَادُهُ، وَالتَّوْكِيدُ مَا اخْتَصَّ بِمَعْنًى وَجَازَ إفْرَادُهُ بِهِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُمْ: هَذَا جَائِعٌ فَائِعٌ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ إتْبَاعٌ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْإِنْسَانِ جُوعًا وَبُوعًا، فَيُدْخِلُونَ الْوَاوَ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ إتْبَاعٌ، إذْ كَانَ مُحَالًا أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ مَرَّةً إتْبَاعًا وَمَرَّةً غَيْرَ إتْبَاعٍ، فَقَدْ وَضَحَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لَيْسَ بِالْوَاوِ. اهـ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّابِعَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى زِنَةِ الْمَتْبُوعِ بِخِلَافِ التَّوْكِيدِ. قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الِاسْتِقْرَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَّا كَذَلِكَ.
قَالَ الْآمِدِيُّ: التَّابِعُ قَدْ لَا يُفِيدُ مَعْنًى أَصْلًا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: سَأَلْت أَبَا حَاتِمٍ عَنْ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: بَسَنٌ فِي قَوْلِهِمْ: حَسَنٌ بَسَنٌ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّابِعَ يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْهُ عَبَثًا.
فَإِنْ قُلْت: فَصَارَ كَالتَّأْكِيدِ، لِأَنَّهُ أَيْضًا إنَّمَا يُفِيدُ التَّقْوِيَةَ قُلْت: التَّأْكِيدُ يُفِيدُ مَعَ التَّقْوِيَةِ نَفْيَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ.
وَقَالَ ابْنُ الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ فِي " الْغُرَّةِ ": اُخْتُلِفَ فِي الْإِتْبَاعِ
стр. 764
فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّأْكِيدِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَبْنِيٍّ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ كَأَكْتَعَ وَأَبْصَعَ مَعَ أَجْمَعَ، فَكَمَا لَا يَنْطِقُ بِأَكْتَعَ بِغَيْرِ أَجْمَعَ، فَكَذَا هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَ مَا قَبْلَهَا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى كَرَّرْت بَعْضَ حُرُوفِهَا فِي مِثْلِ حَسَنٌ بَسَنٌ، كَمَا قِيلَ: فِي أَكْتَعَ وَأَبْصَعَ مَعَ أَجْمَعَ.
وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ التَّأْكِيدَ غَيْرُ الْإِتْبَاعِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَرْقِ فَقِيلَ: الْإِتْبَاعُ مَا لَمْ يَحْسُنْ فِيهِ وَاوُ الْعَطْفِ كَقَوْلِك: حَسَنٌ بَسَنٌ، وَالتَّأْكِيدُ يَحْسُنُ، فِيهِ نَحْوُ حِلَّ وَبِلَّ، وَقِيلَ الْإِتْبَاعُ يَكُونُ لِلْكَلِمَةِ، وَلَا مَعْنَى لَهَا غَيْرَ التَّبَعِيَّةِ. فَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يُسَمَّى تَابِعٌ تَابِعًا.
قُلْت: وَقِيلَ: التَّأْكِيدُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ تَقْوِيَةُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ السَّابِقِ كَيْفَ كَانَ، وَالتَّابِعُ إنَّمَا يُذْكَرُ بَعْدَ الِاسْمِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنَّ التَّابِعَ لَمْ يُوضَعْ لِمُسَمًّى فِي نَفْسِهِ، وَيَشْهَدُ لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ الدَّهَّانِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ شَيْءٌ نَتِدُ بِهِ كَلَامَنَا، أَيْ: نُقَوِّيهِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّأْكِيدِ إلَّا هَذَا.
وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ فِي كِتَابِ " فَائِتِ الْجَمْهَرَةِ ": سَمِعْت الْمُبَرِّدَ وَثَعْلَبًا يَقُولَانِ: الْإِتْبَاعُ لَا يَكُونُ بِحَرْفِ النَّسَقِ، إنَّمَا الْإِتْبَاعُ أَنْ يَقُولَ: حِلٌّ بَلْ وَشَيْطَانُ لَيْطَانُ فَأَمَّا قَوْلُ الْعَبَّاسِ:
стр. 765
لَا أُحِلُّهَا لِمُغْتَسَلٍ، وَهِيَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ، أَيْ حَلَالٌ وَمُبَاحٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ حَلَالٍ مُبَاحًا لِأَنَّ أَكْلَ الرُّطَبِ حَلَالٌ، وَلَيْسَ بِمُبَاحٍ حَتَّى يَشْتَرِيَهُ أَوْ يَسْتَوْهِبَهُ اهـ وَهَذَا فَرْقٌ غَرِيبٌ.
[مَسْأَلَةٌ التَّأْكِيدُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ]
التَّأْكِيدُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ، وَحَكَى الطُّرْطُوشِيُّ فِي الْعُمْدَةِ عَنْ قَوْمٍ إنْكَارَهُ قَالَ: وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَهُوَ مُكَابِرٌ، إذْ لَوْلَا وُجُودُهُ لَمْ يَكُنْ لِتَسْمِيَتِهِ تَأْكِيدًا فَائِدَةٌ، فَإِنَّ الِاسْمَ لَا يُوضَعُ إلَّا لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَنْكَرَتْ الْمَلَاحِدَةُ الثَّانِيَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ " الْمَحْصُولِ " وَغَيْرِهِ أَنَّ خِلَافَهُمْ فِي الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لِنَوْعٍ مِنْ الْقُصُورِ عَنْ تَأْدِيَةِ مَا فِي النَّفْسِ، فَاحْتِيجَ إلَى التَّأْكِيدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ، وَضَلُّوا مِنْ حَيْثُ جَهِلُوا، لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَمِنْوَالِ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ الْكَلَامِ.
[هَلْ التَّأْكِيدُ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ]
وَفِيهِ مَسَائِلُ: [الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى [هَلْ التَّأْكِيدُ حَقِيقَةٌ أَمْ مَجَازٌ]
إذَا ثَبَتَ وُقُوعُهُ لُغَةً فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مَجَازٌ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ
стр. 766
إلَّا مَا أَفَادَهُ الْمَذْكُورُ الْأَوَّلُ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ. ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ سَمَّى التَّأْكِيدَ مَجَازًا فَيُقَالُ لَهُ: إذَا كَانَ التَّأْكِيدُ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ نَحْوَ عَجِّلْ عَجِّلْ، وَنَحْوُهُ فَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ الثَّانِي مَجَازًا كَانَ الْأَوَّلُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ عَلَى، مَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِذَا بَطَلَ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَجَازِ بَطَلَ حَمْلُ الثَّانِي عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
[مَسْأَلَةُ التَّأْكِيدُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ]
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ [التَّأْكِيدُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ]
أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى فَائِدَةٍ مُجَدِّدَةٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ حَمْلِهِ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْ التَّأْكِيدِ فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً.
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ
أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي تِلْكَ الْفَائِدَةِ بِأَيِّ مَعْنًى كَانَ، وَشَرَطَ الطُّرْطُوشِيُّ كَوْنَهَا مِنْ مُقْتَضَى اللِّسَانِ فَحَذَا بِهَا حَذْوَ اللَّفْظِ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى فَائِدَةٍ يُخْرِجُهَا الْفُقَهَاءُ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَى لِسَانِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَضْعُ لُغَةٍ عَلَيْهِمْ، وَمَا قَالَهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ لَيْسَ مِنْ بَابِ اللَّفْظِ حَتَّى يَلْتَزِمَ فِيهِ أَحْكَامَ اللَّفْظِ.
[أَقْسَامُ التَّأْكِيدِ]
[الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ [أَقْسَامُ التَّأْكِيدِ]
يَنْقَسِمُ إلَى لَفْظِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ، فَاللَّفْظِيُّ يَجِيءُ لِخَوْفِ النِّسْيَانِ أَوْ لِعَدَمِ الْإِصْغَاءِ، أَوْ لِلِاعْتِنَاءِ، وَهُوَ تَارَةً بِإِعَادَةِ اللَّفْظِ وَتَارَةً يَقْوَى بِمُرَادِفِهِ، وَيَكُونُ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ.
стр. 767
وَزَعَمَ الرَّافِعِيُّ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّأْكِيدِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيَنْبَغِي فِيهِ شَيْئَانِ:
أَحَدُهُمَا: الِاحْتِيَاطُ بِإِيصَالِ الْكَلَامِ إلَى فَهْمِ السَّامِعِ إنْ فُرِضَ ذُهُولٌ أَوْ غَفْلَةٌ.
وَالثَّانِي: إيضَاحُ الْقَصْدِ إلَى الْكَلَامِ وَالْإِشْعَارِ بِأَنَّ لِسَانَهُ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ، وَيُمَثِّلُهُ النَّحْوِيُّونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وَجَعْلُهُمْ صَفًّا صَفًّا تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا مَرْدُودٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَأْكِيدٍ قَطْعًا بَلْ هُوَ تَأْسِيسٌ، وَالْمُرَادُ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، وَدَكًّا بَعْدَ دَكٍّ، وَكَذَلِكَ أَلْفَاظُهُ إذَا كُرِّرَتْ فَكُلٌّ مِنْهَا بِنَاءٌ عَلَى حِدَتِهِ، وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ كَيْفَ خَفِيَ عَلَيْهِمْ.
وَالْمَعْنَوِيُّ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُفْرَدِ كَالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ وَجَمْعَاءَ وَكَتْعَاءَ، أَوْ بِالِاثْنَيْنِ كَكِلَا وَكِلْتَا، أَوْ بِالْجَمْعِ كَكُلِّ وَأَجْمَعِينَ، وَجَمْعٍ وَكَتْعٍ. وَكُلُّ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لِلتَّجَزُّؤِ، وَالنَّفْسُ وَالْعَيْنُ لِلْمُتَشَخِّصِ غَيْرِ الْمُتَجَزِّئِ، وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْجُمَلِ كَكَأَنَّ وَإِنَّ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَفَائِدَتُهُ: تَمْكِينُ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَرَفْعُ التَّجَاوُزَاتِ الْمُتَوَهَّمَةِ، فَإِنَّ التَّجَوُّزَ يَقَعُ فِي اللُّغَةِ كَثِيرًا فَيُطْلَقُ الشَّيْءُ عَلَى أَسْبَابِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: وَرَدَ الْبَرْدُ إذَا وَرَدَتْ أَسْبَابُهُ، وَيُطْلَقُ اسْمُ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ نَحْوُ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قَيَّدَ بِالْكَمَالِ لِيَخْرُجَ احْتِمَالُ تَوَهُّمِ بَعْضِ الْحَوْلِ الثَّانِي، وَالتَّوْكِيدُ يُحَقِّقُ أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ، فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ رَافِعًا لِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فِي نَحْوِ: قَامَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَلِلْمَجَازِ فِي نَحْوِ، جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، فَهَذِهِ فَائِدَةٌ جَدِيدَةٌ، فَكَيْفَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّقْوِيَةُ؟
قُلْت: إنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْفُوعَ تَارَةً يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَرَدَّدًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ عَلَى
стр. 768
السَّوَاءِ وَتَارَةً يَكُونُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا، وَرَفْعُ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ، لِأَنَّ تَرَدُّدَ اللَّفْظِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا، كَمَا أَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ، فَدَفْعُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ تَأْسِيسٌ. أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْصَرِفُ إلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّأْكِيدُ يُقَوِّي ذَلِكَ الظَّاهِرَ.
وَهَاهُنَا أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَثْبَتَ ابْنُ مَالِكٍ قِسْمًا ثَالِثًا، وَهُوَ مَا لَهُ شَبَهٌ بِالْمَعْنَوِيِّ وَشَبَهٌ بِاللَّفْظِيِّ، وَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى، كَقَوْلِكَ: أَنْتَ بِالْخَيْرِ حَقِيقٌ قَمِينٌ. وَنُوزِعَ فِي هَذَا الْمِثَالِ، وَلَا نِزَاعَ لِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ مِنْ التَّوْكِيدِ مَرَرْت بِكُمْ أَنْتُمْ.
الثَّانِي: هَلْ أَنَّهُ يُوجِبُ رَفْعَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ أَوْ يُرَجِّحُهُ؟ يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ فِيهِ قَوْلَانِ، فَفِي " التَّسْهِيلِ " أَنَّهُ رَافِعٌ، وَكَلَامُ ابْنِ عُصْفُورٍ وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ وَهُوَ الْحَقُّ، وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِيهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي " الْبُرْهَانِ ": وَمِمَّا زَالَ فِيهِ النَّاقِلُونَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَيَقْتَضِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مَعَ الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً، وَهَذَا - وَإِنْ صَحَّ يُحْمَلُ عَلَى تَوَابِعِ الْعُمُومِ كَالصِّيَغِ الْمُؤَكِّدَةِ. اهـ. .
فَقَدْ صُرِّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ الْخُصُوصِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ (فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَّا أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ) فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَعَ تَأْكِيدِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] إنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا، وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ فِي التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ " الْإِيضَاحِ الْبَيَانِيِّ " نَعَمْ وَاَلَّذِي صَرَّحَ بِهِ النُّحَاةُ أَنَّهُ
стр. 769
لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: قَامَ زَيْدٌ زَيْدٌ، فَإِنَّمَا يُفِيدُ تَقْرِيرَ الْكَلَامِ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ، لَا رَفْعَ التَّجَوُّزِ.
وَحَكَى الرُّمَّانِيُّ فِي " شَرْحِ أُصُولِ ابْنِ السَّرَّاجِ "، الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] : مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ التَّمْكِينِ، وَقَدْ يَكُونُ لِرَفْعِ الْمَجَازِ، إذْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ: هُمْ فِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِي غَيْرِهَا، فَأُزِيلَ هَذَا بِالتَّأْكِيدِ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي يَدْخُلُونَهَا مُخَلَّدُونَ فِيهَا، وَلَا يُنْقَلُونَ عَنْهَا إلَى جَنَّةٍ أُخْرَى
الثَّالِثُ: أَنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ أَكْثَرُ مَا يَقَعُ مَرَّتَيْنِ كَقَوْلِهِ: أَلَا حَبَّذَا حَبَّذَا حَبَّذَا، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَذَكَرُوا أَنَّ تِلْكَ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا تَجْتَمِعُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذَا أَثْقَلُ لِاتِّحَادِ اللَّفْظِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: اتَّفَقَ الْأُدَبَاءُ عَلَى أَنَّ التَّأْكِيدَ إذَا وَقَعَ بِالتَّكْرَارِ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ يَعْنِي بِالْأَصْلِ، وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ التَّأْكِيدُ بِمَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى فِي الْمُرْسَلَاتِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] أَيْ بِهَذَا، فَلَا يَجْتَمِعَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَلَا تَأْكِيدَ، وَكَذَلِكَ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] وَنَحْوُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ السُّبْكِيُّ فِي " شَرْحِ الْكَافِيَةِ "، لَمْ تَتَجَاوَزْ الْعَرَبُ فِي تَأْكِيدِ الْأَفْعَالِ ثَلَاثًا كَمَا فَعَلُوا فِي تَأْكِيدِ الْأَسْمَاءِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] فَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثَةٍ: مَهِّلْ وَأَمْهِلْ وَرُوَيْدٍ، وَكُلُّهَا لِمَعْنًى وَاحِدٍ. قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ يُكَرِّرُونَ الْفِعْلَ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِالنُّونِ خَفِيفَةً وَلَا شَدِيدَةً، لِأَنَّ تَكْرِيرَهُ مَعَ الْخَفِيفَةِ مَرَّتَيْنِ كَالتَّلَفُّظِ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَمَعَ الشَّدِيدَةِ كَالتَّلَفُّظِ بِهِ سِتَّ مَرَّاتٍ. اهـ. لَكِنْ فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ فِي الْإِتْبَاعِ أَنَّهُ سَمِعَ خَمْسَةً مَعَ أَنَّهُ تَأْكِيدٌ فِي الْمَعْنَى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ: كَانَتْ عَادَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ يَعِظُ بِهِ، وَيَنْصَحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
стр. 770
وَسَبْعًا، لِيُرَكِّزَهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَيَغْرِزَهُ فِي صُدُورِهِمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ.» ثُمَّ لَا يَشُكُّ أَنَّ الثَّلَاثَةَ فِي عَادَتِهِ ﷺ كَالْمَرَّةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، ثُمَّ مُرَادُ الشَّيْخِ التَّأْكِيدُ اللَّفْظِيُّ، أَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَنَصَّ النَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّ أَلْفَاظَهُ الصِّنَاعِيَّةَ كُلَّهَا تُجْمَعُ، وَفَرَّقُوا بِمَا سَبَقَ.
الرَّابِعُ: أَنَّ التَّأْكِيدَ نَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي فِيهِ شُرُوطُهُ السَّابِقَةُ مِنْ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِيهِ وَمَحِلِّهَا وَاتِّصَالِهِ بِالْمُؤَكَّدِ، لَكِنْ جَوَّزَ النَّحْوِيُّونَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] .
الْخَامِسُ: إنَّ كَوْنَ التَّوْكِيدِ يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَاعِلِ، فَإِذَا قُلْت: جَاءَ زَيْدٌ اُحْتُمِلَ مَجِيئُهُ بِنَفْسِهِ وَمَجِيءُ جَيْشِهِ، فَإِذَا قُلْت: نَفْسُهُ، انْتَفَى الثَّانِي. أَمَّا التَّأْكِيدُ بِالْمَصْدَرِ نَحْوَ ضَرَبْت ضَرْبًا، فَنَصَّ ثَعْلَبٌ فِي أَمَالِيهِ " وَابْنُ عُصْفُورٍ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ الصَّغِيرِ " وَالْأَبْذَوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْمَجَازِ، وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُعْتَزِلَةُ فِي إثْبَاتِ كَلَامِ اللَّهِ، وَهُوَ غَلَطٌ، لِأَنَّ التَّأْكِيدَ بِالْمَصْدَرِ إنَّمَا يَرْفَعُ التَّجَوُّزَ عَنْ الْفِعْلِ نَفْسِهِ لَا عَنْ الْفَاعِلِ فَإِذَا قُلْت: قَامَ زَيْدٌ قِيَامًا، فَالْأَصْلُ قَامَ زَيْدٌ قَامَ زَيْدٌ، فَإِنْ أَرَدْت تَأْكِيدَ الْفَاعِلِ أَتَيْت بِالنَّفْسِ، وَهَاهُنَا إنَّمَا أَكَّدَ الْفِعْلَ، وَلَوْ قَصَدَ تَأْكِيدَ الْفَاعِلِ لَقَالَ: وَكَلَّمَ اللَّهُ نَفْسُهُ مُوسَى، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ إذَنْ عَلَيْهِمْ.
السَّادِسُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ التَّرَادُفِ وَالتَّأْكِيدِ: أَنَّ الْمُؤَكِّدَ يُقَوِّي الْمُؤَكَّدَ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا: جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ، بِخِلَافِ التَّرَادُفِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى بِمُجَرَّدِهِ، وَالتَّأْكِيدُ تَقْوِيَةُ مَدْلُولِ مَا ذُكِرَ بِلَفْظٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ لِيَخْرُجَ التَّابِعُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّابِعِ قَدْ سَبَقَ.
стр. 771
[مَبَاحِثُ الْمُشْتَرَكِ]
ِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يَحْذِفُونَ " فِيهِ " إمَّا لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ جُعِلَ لَقَبًا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ ": وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ دَلَالَةً عَلَى السَّوَاءِ عِنْدَ أَهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّلَالَتَانِ مُسْتَفَادَتَيْنِ مِنْ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ اُسْتُفِيدَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْوَضْعِ وَالْأُخْرَى مِنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا؟ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ وَاجِبًا، فَهَلْ هُوَ مُمْتَنِعٌ أَوْ مُمْكِنٌ؟ وَبِتَقْدِيرِ إمْكَانِهِ، فَهَلْ هُوَ وَاقِعٌ أَوْ لَا فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ أَرْبَعٌ بِحَسَبِ الِانْقِسَامِ الْعَقْلِيِّ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى كُلٍّ مِنْهَا فَرِيقٌ، فَأَحَالَهُ ثَعْلَبٌ وَأَبُو زَيْدٍ الْبَلْخِيّ وَالْأَبْهَرِيُّ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي كِتَابِ " النُّكَتِ " وَصَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ "، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً، وَنُسِبَ لِأَبِي دَاوُد الظَّاهِرِيِّ، وَمَنَعَهُ آخَرُونَ فِي الْحَدِيثِ.
стр. 772
وَنَقَلَ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي زَمَانِهِ إنْكَارَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِضِدَّيْنِ، فَإِنْ خَصُّوهُ بِهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ، وَقَدْ صَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، فَقَالَ: يَمْتَنِعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَقَطْ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْفَائِدَةِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ " بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادُ الْإِمَامِ، لِأَنَّ عَدَمَ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا عِلْمُ الْآخَرُ بِهِ.
وَقِيلَ: يَمْتَنِعُ فِي اللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي لُغَتَيْنِ مِنْ وَاضِعَيْنِ. حَكَاهُ الصَّفَّارُ فِي " شَرْحِ سِيبَوَيْهِ ". وَقَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ فِي الْوَضْعِ وَالْمُتَعَيِّنُ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمُتَبَايِنَةِ أَوْ الْمُتَرَادِفَةِ فِي حَقِّ الْوَضْعِ، وَالتَّعَيُّنُ كَالْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ، فَتَحَصَّلْنَا عَلَى تِسْعَةِ مَذَاهِبَ.
وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ، وَقَالَ: لَيْسَ إلَّا قَوْلَانِ الْوُقُوعُ وَعَدَمُهُ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ هَاهُنَا هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ، إذْ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِالذَّاتِ، وَالْمُمْكِنُ الْوَاقِعُ هُوَ الْوُجُوبُ بِالْغَيْرِ. اهـ.
وَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مَنْقُولٌ، وَقَوْلُ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ شَارِحُ " الْمَحْصُولِ ": إنَّ الْحَاجَةَ الْعَامَّةَ اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَاتِ، وَقَوْلُ الْوُقُوعِ مَعَ الْإِمْكَانِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا مَعَ إمْكَانِهِ كَوُقُوعِ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ.
وَالْمُخْتَارُ: جَوَازُهُ عَقْلًا وَوُقُوعُهُ سَمْعًا.
стр. 773
قَالَ سِيبَوَيْهِ: " وَيْلٌ لَهُ " دُعَاءٌ وَخَبَرٌ، وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا فِي " الْقُرْءِ " وَ " الصَّرِيمِ " وَ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] فَلَا وَجْهَ لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ.
وَمَنَعَ قَوْمٌ الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ، وَيَرُدُّهُ " عَسْعَسَ " فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ إدْخَالِ الْغَايَةِ وَعَدَمِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ الشَّرْعِيَّةِ: قَالَ الرَّازِيَّ: وَالْحَقُّ: الْوُقُوعُ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِيهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْحُوبِيُّ: فِي " الْيَنَابِيعِ ": أَمَّا فِي لُغَتَيْنِ فَلَا شَكَّ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّهْرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ لِزَمَانِ مَا بَيْنَ الاستهلالين، وَفِي الْفَارِسِيَّةِ لِلْبَلَدِ، وَهُوَ مَكَانٌ مَا بَيْنَ حَدَّيْنِ، وَأَمَّا فِي لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَصْلٌ وَالْآخَرَ فَرْعٌ كَالْعَيْنِ فِي الْعُضْوِ أَصْلٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ اُشْتُقَّ مِنْهُ فِعْلٌ، تَقُولُ: عَانَهُ أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ، وَالذَّهَبُ سُمِّيَ بِهِ لِعِزَّتِهِ كَعِزَّةِ الْعَيْنِ وَسَمَّى الْفَوَّارَةَ عَيْنًا لِخُرُوجِ الْمَاءِ مِنْهَا كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ مَنْبَعُ النُّورِ، وَالْمَاءُ عَزِيزٌ كَنُورِ الْعَيْنِ، وَمِنْهُ مَا وُضِعَ لِمَعْنًى جَامِعٍ لِشَيْئَيْنِ، فَاسْتُعْمِلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَظَنَّ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ مِنْ ذَلِكَ
[مَسْأَلَةٌ الْعِلْمُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا]
مَسْأَلَةٌ
الْعِلْمُ بِكَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا يَحْصُلُ إمَّا بِالضَّرُورَةِ وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ كَوْنُهُ مُشْتَرَكًا، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ بِأَنْ يُوجَدَ فِي كُلٍّ مِنْ
стр. 774
الْمَعْنَيَيْنِ طَرِيقٌ مِنْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ هُوَ طَلَبُ الْفَهْمِ، وَهُوَ لَا يَكُونُ عِنْدَ تَرَدُّدِ الذِّهْنِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَرَدَّهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَدْ يَكُونُ لِمَعَانٍ شَتَّى غَيْرَ الِاشْتِرَاكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ ظَاهِرًا وَضَعَّفَهُ الْإِمَامُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي حَقِيقَةِ وُقُوعِ الْمُشْتَرَكِ]
وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَكْثَرُ يَقَعُ مِنْ وَاضِعَيْنِ بِأَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمَا لَفْظًا لِمَعْنًى، ثُمَّ يَضَعُهُ الْآخَرُ لِمَعْنًى آخَرَ، كَالسُّدْفَةِ فِي لُغَةِ نَجْدٍ الظُّلْمَةُ، وَفِي لُغَةِ غَيْرِهِمْ الضَّوْءُ. قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي " الصِّحَاحِ "، وَلَا حَاجَةَ لِقَيْدِ الْتِبَاسِ الْوَاضِعَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " زَاعِمًا أَنَّ اللَّفْظَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدٌ، إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ، لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ كَانَ وَاضِعَاهُ مَعْرُوفَيْنِ.
الثَّانِي: وَاضِعٌ وَاحِدٌ وَلَهُ فَوَائِدُ. مِنْهَا: غَرَضُ الْإِبْهَامِ عَلَى السَّامِعِ حَيْثُ يَكُونُ التَّصْرِيحُ سَبَبًا لِمَفْسَدَةٍ، وَمِنْهَا: اسْتِعْدَادُ الْمُكَلَّفِ لِلْبَيَانِ، هَكَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ.
وَعَنْ الْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ إنْكَارُ وُقُوعِهِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ، وَسَبَقَ كَلَامُ ابْنِ الْحُوبِيِّ.
стр. 775
[مَسْأَلَةٌ الْمُشْتَرَكُ خِلَافُ الْغَالِبِ]
وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ هُنَا الْغَالِبُ، فَإِذَا جَهِلْنَا كَوْنَ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا أَوْ مُنْفَرِدًا فَالْغَالِبُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ، فَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ لِلِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَلْفَاظِ مُفْرَدَةٌ، وَإِلَّا لَمَا حَصَلَ التَّفَاهُمُ فِي الْخِطَابِ دُونَ الِاسْتِفْسَارِ وَقَبُولُهُ دُونَهُ مَعْلُومٌ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ الِاشْتِرَاكَ أَغْلَبُ، لِأَنَّ الْحُرُوفَ كُلَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بِشَهَادَةِ النُّحَاةِ، وَالْمَاضِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ، وَالْمُضَارِعُ بَيْنَ الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْأَسْمَاءُ فِيهَا الِاشْتِرَاكُ كَثِيرٌ، فَإِذَا ضَمَمْتهَا إلَى الْقِسْمَيْنِ كَانَ الِاشْتِرَاكُ أَكْثَرَ. أُجِيبَ بِأَنَّ أَغْلَبَ الْأَلْفَاظِ أَسْمَاءٌ وَالِاشْتِرَاكُ فِيهَا قَلِيلٌ.
[مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ]
ُ أَصْلٌ]
قَالَ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ": مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ أَصْلٌ فِي الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمُتَبَايِنِ وَالْمُتَرَادِفِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ فِي تِلْكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمُتَبَايِنَةِ أَوْ الْمُتَرَادِفَةِ فِي حَقِّ الْوَضْعِ وَالتَّعْيِينِ كَالْمَجَازِ مِنْ الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ وُضِعَ لِلْإِفْهَامِ، وَالْمُشْتَرَكُ إلَى الْإِبْهَامِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْإِفْهَامِ، فَكَيْفَ يَكُونُ أَصْلًا فِي وَضْعِ الْإِفْهَامِ؟ وَلَنَا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى السَّوِيَّةِ فِي الْمَعَانِي، وَالِاسْتِعْمَالُ دَلِيلُ الْحَقِيقَةِ، وَلَا إبْهَامَ مَعَ الْقَرِينَةِ الْمُمَيِّزَةِ.
следующие страницы →